Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
Musar Movement
«حركة الموسار» حركة دينية ظهرت بين يهود ليتوانيا الأرثوذكس لتشجيع اليهود على دراسة الأدب الأخلاقي التقليدي (موسار) ولتهذيب الذات. وقد أسسها إسرائيل سالانتر. وتُعَد الحركة جزءاً من البعث الرومانسي في الغرب، فقد أكدت الجوانب العاطفية والروحية في الدراسة الدينية (مقابل الدراسة العقلية) . ونادى مؤسس المدرسة بأن دراسة التلمود لا تعصم الإنسان من الشرور، ولذا يجب إكمال الدراسة بالتأمل في أدب الموسار. وقد عُدِّلت مناهج المدارس التلمودية العليا (يشيفا) بحيث أصبحت تضم نصف ساعة مخصَّصاً لقراءة أدب الموسار. ويجب ألا يُفهم من هذا أن حركة الموسار كانت حركة تجديد وإصلاح بل هي بالأحرى حركة استمرار للترات الحاخامي مع محاولة إدخال عناصر حيوية عليه. وكان إسرائيل سالانتر (مؤسس الحركة) من غلاة المحافظين.
المعارضون (متنجِّديم٩
Mitnaggedim
«متنجديم» كلمة عبرية معناها «المعارضون» ، أطلقها الحسيديون على أعضاء المؤسسة الحاخامية الذين تصدوا لحركتهم. أما مؤسسة الحاخامات، فقد عارضت الحسيدية لعد أسباب أهمها:
١ ـ وجود اتجاهات حلولية متطرفة شديدة الوضوح داخل الحسيدية، ولذلك فقد رأي المتنجديم أن المفهوم الحسيدي للإله ينفي عنه أي تسام أو تجاوز.
٢ ـ موقف الحسيدية من الشر، وقد قال الحسيديون إن الشر غير موجود، فالشر نفسه قد التصقت به الشرارات الإلهية، وهي رؤية حلولية تتنافى تماماً مع التمييز بين الخير والشر.
٣ ـ ويرتبط بهذا اعتراض المتنجديم على دور التساديك في الشفاعة عند الإله وفي الوساطة بينه وبين المخلوقات، وفي تمتعه بقوى خارقة. ومثل هذه الأفكار متسقة مع الفكر الحلولي.
стр. 6057
٤ ـ وقد اعترض المتنجديم أيضاً على أن الحسيديين أهملوا دراسة التوراة (والتلمود) التي هي الهدف الأساسي من وجود اليهود، وأنهم يكرسون وقتاً طويلاً في الاعداد العاطفي والنفسي للعبادة، بل يهملون العبادة نفسها، وأنهم يهملون مضمون الصلوات ويحولونها إلى تكأة أو وسيلة لتوليد حالة من الشطحة الصوفية. ويذهب المتنجديم إلى أن الأغاني التي يغنيها الحسيديون، والرقصات التي يؤدونها، أمر غير لائق تماماً.
٥ ـ اعترض المتنجديم أيضاً على التعديلات الشعائرية المختلفة التي كان الحسيديون يحاولون عن طريقها تحقيق قدر من الاستقلال عن المؤسسة الحاخامية. ومن هذه التعديلات تَبنِّي فصل القبَّالاه السفاردي الذي كان يؤكد تَرقُّب الماشيَّح، والتعديل الذي أُدخل على الذبح الشرعي. وبطبيعة الحال، فقد وجد الحاخامات أن قيام الحسيديين بتأسيس معابد يهودية خاصة بهم يدعم شكوكهم. ولعل الحركة الفرانكية هي ما كان في ذهن الحاخامات حينما تصدوا للحسيدية. وفي الواقع، فإن ربطهم بين الفرانكية والحسيدية أمر منطقي للغاية، فكلتاهما تنبعان من القبَّالاه اللوريانية، وكلتاهما تدوران حول الموضوعات المشيحانية نفسها.
стр. 6058
وقد تصاعد الصراع بين الفريقين بشدة عام ١٧٧٢، حينما أصدرت المحكمة الشرعية الحاخامية التابعة لقهال فلنا، وبموافقة الحاخام إلياهو زلمان (فقيه فلنا) ، قراراً بطرد الحسيديين من حظيرة الدين (حيريم) . وأُرسلت نسخة منه إلى الجماعات اليهودية في بولندا وجاليشيا الشرقية، طالبةً من كل الحاخامات أن يتخذوا خطوات مماثلة. ورداً على هذا، قام أعضاء القيادة الحسيدية بالهجوم الشديد على علْم الحاخامات الزائف ومعرفتهم الجافة؛ ووصفوهم بأنهم حولوا التوراة إلى مجرد معول، وأداة يحصلون عن طريقها على المكانة الاجتماعية والربح المادي، وانعزلوا عن الجماهير وانشغلوا بالتفسيرات التي تتبع نمط البيلبول الذي لا فائدة تُرجى من ورائه. فنشر الحاخامات حظراً آخر يمنعون فيه أعضاء الجماعة اليهودية من التعامل مع الحسيديين، أو الزواج من أبنائهم وبناتهم، أو حتى دَفْن موتاهم. وكان فقيه فلنا قائد هذه الحملة. وحينما حاول زلمان شنياءور مقابلته، قوبلت محاولته بالرفض. وحينما ظهر كتاب شنياءور زلمان هاتانيا (١٧٩٦) ، هاجمه الحاخام إلياهو باعتباره كتاباً يَصدُر عن رؤية حلولية. وحينما مات الحاخام إلياهو بعد ذلك بعام احتفل بعض الحسيديين سراً بالمناسبة، فقررت قيادة الجماعة اليهودية الانتقام منهم. وفي اجتماع سري، قرروا أن يدعوا الدولة الروسية، التي كانت قد ضمت ليتوانيا لتوها، للتدخل في معركتهم، واتهموا شنياءور زلمان بالقيام بأعمال تخريبية وجمع الأموال لأهداف مشبوهة. فقُبض عليه، وأُرسل مكبلاً بالأغلال إلى سانت بطرسبرج حيث سجن عدة أشهر، ثم أُفرج عنه بعد أن ثبتت براءته، ولكنه وُضع تحت المراقبة. وقد قام الحسيديون برد الصاع صاعين بعد عام واحد، وأدَّت وشايتهم لدى الدولة إلى القبض على بعض القيادات الحاخامية. وقد جاء دور المتنجديم مرة أخرى عام ١٨٠٠، واتهموا الحسيديين بأنهم جماعة «لا تخاف إلا الإله ولا تخاف الإنسان» ، أي أنهم لا يخافون من
стр. 6059
السلطة الروسية، فأُعيد القبض على شنياءور زلمان، وأُحضر إلى العاصمة حيث سُجن مدة أخرى وأُفرج عنه. ولم يتوقف الصراع المرير إلا بعد تَدخُّل الحكومة القيصرية التي أعطت الحسيديين الحق (عام ١٨٠٤) في أن يقوموا بنشاطهم دون تَدخُّل من المؤسسة الحاخامية. وقد ساعد على فض الاشتباك تقسيم بولندا لأن المقاطعات الحسيدية ضُمَّت إلى النمسا في حين ضمت روسيا مقاطعات قيادتها أساساً من المتنجديم.
ومع هذا، فلا يزال الصراع دائراً حتى الآن، وله أصداؤه في الكيان الصهيوني. ويبدو أن حزب ديجيل هاتوراه يمثل المتنجديم والنخبة الليتوانية (الليتفاك) في مواجهة حبد والحسيديين الذين يمثلهم حزب أجودات إسرائيل. وقد سُئل الحاخام شاخ، الزعيم الروحي لديجيل هاتوراه، عن أقرب الديانات إلى اليهودية، فقال: حبد. وهي إجابة ساخرة تعني أنه لا يعتبر الحسيديين يهوداً.
أثر الحسيدية في الوجدان اليهودي المعاصر
Impact of Hassidism on the Contemporary Jewish Imagination
أثَّرت الحسيدية (بحلوليتها المتطرفة) في الوجدان اليهودي المعاصر تأثيراً قوياً، ففرويد العَالم النفساني النمساوي اليهودي، كان مهتماً بالحسيدية القبَّالية، ومن هنا كانت نظرياته في الجنس، وفي علاقة الذات بالكون. كما أن أدب كافكا متأثر بالحسيدية أيضاً. ويظهر تأثيرها واضحاً تماماً في أعمال مارتن بوبر وفلسفته التي تُوصَف بأنها «حسيدية جديدة» لأن الإله حسب هذه الفلسفة لا يحل في مخلوقاته ويؤثر فيها وحسب، بل إن مخلوقاته تؤثر فيه بدورها، ولذا يكتسب كلُّ فعل، مهما تدنَّى، دلالة كونية. كما أن بوبر كان يقدس الحسيديين بوصفهم جماعة عضوية مترابطة، أو شعباً عضوياً (فولك) ، فهذا هو نموذجه للشعب اليهودي. والتساديك بالنسبة له هو القيادة الكاريزمية للشعب العضوي.
стр. 6060
ومع هذا، يمكننا الحديث عن جو نيتشوي عام في أوربا يتصاعد مع تصاعُد معدلات العلمنة وتآكل المنظومات الدينية المختلفة (مسيحية كانت أم يهودية) الأمر الذي يؤدي إلى تصاعُد معدلات الحلولية إلى أن نصل إلى نقطة وحدة الوجود الروحية والمادية والواحدية الكونية حيث تَمَّحي ثنائيات الخير والشر ويظهر التساديك الحسيدي أو سوبرمان نيتشه؛ قيادات كاريزمية تجسِّد الإرادة الكونية، وتقف وراء الخير والشر، تعيش في بساطة وتلقائية ونشوة، فكل ما تقوم به مقدَّس.
الحسيدية والصهيونية
Hassidism and Zionism
من المعروف أن معظم المفكرين والزعماء الصهاينة إما نشأوا في بيئة حسيدية، أو تعرَّفوا إلى فكرها الحلولي بشكل واع أو غير واع. بل إن الصهيونية ضرب من «الحسيدية اللادينية» أو الحسيدية داخل إطار حلولية بدون إله ووحدة الوجود المادية. والدارس المدقق يكتشف أن ثمة تشابهاً بين الحسيدية والصهيونية، فالجماهير التي اتبعت كلاًّ من الصهيونية والحسيدية كانت في وضع طبقي متشابه؛ أي جماهير توجد خارج التشكيلات الرأسمالية القومية بسبب الوظائف المالية والتجارية التي اضطلعت بها مثل نظام الأرندا. لذلك، نجد أن جماهير الحسيدية، شأنها شأن جماهير الصهيونية، تتفق على حب صهيون؛ الأرض التي ستشكل الميراث الذي سيمارسون فيه شيئاً من السلطة. كما قامت الحسيدية بإضعاف انتماء يهود اليديشية الحضاري والنفسي إلى بلادهم، وهذه نتيجة طبيعية لأية تطلعات مشيحانية الأمر الذي جعل اليهود مرتعاً خصباً للعقيدة الصهيونية. كما أن الحسيدية والصهيونية تؤمنان بحلولية متطرفة تضفي قداسة على كل الأشياء اليهودية وتفصلها عن بقية العالم. وفي الحقيقة، فقد كانت الهجرة الحسيدية التي تعبِّر عن النزعة القومية الدينية فاتحةً وتمهيداً للهجرة الصهيونية.
стр. 6061
والصهيونية، مثل الحسيدية، حركة مشيحانية تهرب من حدود الواقع التاريخي المركب إلى حالة من النشوة الصوفية، تأخذ شكل أوهام عقائدية عن أرض الميعاد التي تنتظر اليهود. ويعتقد المفكر النيتشوي الصهيوني بوبر أنه لا يمكن بعث اليهودية دون الحماس الحسيدي، بل يرى أن الرواد الصهاينة قد بعثوا هذا الحماس.
ولكن الحسيدية تظل، في نهاية الأمر، حركة صوفية حلولية واعية بأنها حركة صوفية، ولذا فإن غيبيتها منطقية داخل إطارها، ولا تتجاوز أفعالها، النابعة من المشيحانية الباطنية، نطاق الفرد المؤمن بها وأفعاله الخاصة، أما سلوكه العام فقد ظل خاضعاً إلى حدٍّ كبير لمقاييس المجتمع. ولذا، ظل حب صهيون بالنسبة إلى هذه الجماهير حباً لمكان مقدَّس لا يتطلب الهجرة الفعلية. أما الصهيونية، فهي حركة علمانية، ذات طابع عملي حرفي. كما أن الفكرة الصهيونية لا تنصرف إلى السلوك الشخصي لليهودي وإنما إلى سلوكه السياسي. ولكي تتحقق الصهيونية، لابد أن تتجاوز حدودها الذاتية لتبتلع فلسطين، وتطرد الفلسطينيين بحيث يتحول حب صهيون إلى استعمار استيطاني. ومما لا شك فيه أن الحسيدية قد ساهمت في إعداد بعض قطاعات جماهير شرق أوربا لتتقبل الأفكار الصهيونية العلمانية الغيبية، عن طريق عزلها عن الحضارات التي كانت تعيش فيها، وإشاعة الأفكار الصوفية الحلولية شبه الوثنية التي لا تتطلب أيَّ قدر من إعمال العقل أو الفهم أو الممارسة. ولكن هذا لا يعني أن الحسيدية مسئولة عن ظهور الصهيونية، فكل ما هناك أنها خلقت مناخاً فكرياً ودينياً مواتياً لظهورها.
стр. 6062
ومما يجدر ذكره أن بعض الحسيديين عارضوا فكرة الدولة الصهيونية وأسسوا حزب أجودات إسرائيل. ولكن بعد إنشاء الدولة، بل قبل ذلك، أخذوا يساندون النشاط الصهيوني، وهم الآن من غلاة المتشددين في المطالبة بالحفاظ على الحدود الآمنة و «الحدود المقدَّسة» و «الحدود التاريخية لإرتس يسرائيل» . ولكن هناك فرقاً حسيدية قليلة لا تزال تعارض الصهيونية ودولة إسرائيل بعداوة، من بينها جماعة ساتمار (ناطوري كارتا) . (انظر الباب المعنون «الصهيونية الإثنية الدينية» ) .
الباب الخامس: اليهودية الإصلاحية
اليهودية الإصلاحية: تاريخ
Reform Judaism:History
«اليهودية الإصلاحية» فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر في ألمانيا، وانتشرت منها إلى بقية أنحاء العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة. وهي تُسمَّى أيضاً «اليهودية الليبرالية» و «اليهودية التقدمية» . وهذه المصطلحات ليست مترادفة تماماً، إذ يُستخدَم أحياناً مصطلح «اليهودية الليبرالية» للإشارة إلى اليهودية الإصلاحية التي حاولت أن تحتفظ بشيء من التراث. كما استُخدم المصطلح نفسه للإشارة إلى حركة دينية أسسها كلود مونتفيوري في إنجلترا عام ١٩٠١، وكانت متطرفة في محاولاتها الإصلاحية. أما مصطلح «اليهودية التقدمية» فهو مصطلح عام يشير إلى التيارات الإصلاحية كافة.
стр. 6063
وظهور الحركات الإصلاحية في اليهودية يعود إلى أزمة اليهودية الحاخامية أو التلمودية التي ارتبطت بوضع اليهود في أوربا قبل الثورة الصناعية. فقد فشلت اليهودية كنسق ديني في التكيف مع الأوضاع الجديدة التي نشأت في المجتمع الغربي ابتداءً من الثورة التجارية واستمرت حتى الثورة الصناعية وبعدها، ثم واجهت أزمة حادة مع تصاعد معدلات العلمنة. وقد أدَّى سقوط الجيتو، ثم حركة الإعتاق السياسي إلى تصعيد حدة هذه الأزمة، إذ عرضت الدولة القومية الحديثة الإعتاق السياسي على اليهود شريطة أن يكون انتماؤهم الكامل لها وحدها، وأن يندمجوا في المجتمع سياسياً واقتصادياً وثقافياً ولغوياً، وهو ما كان يتعارض وبشكل حاد مع اليهودية الحاخامية التي عرَّفت الهوية اليهودية تعريفاً دينياً إثنياً، وأحياناً عرْقياً، وجعلت الانتماء اليهودي ذا طابع قومي. وقد استجاب اليهود إلى نداء الدولة القومية الحديثة، وظهرت بينهم حركة التنوير اليهودية، والدعوة للاندماج، واليهودية الإصلاحية جزء من هذه الاستجابة. وقد استفاد اليهود الإصلاحيون من فكر موسى مندلسون، ولكنهم استفادوا بدرجة أكبر من الأفكار والممارسات الدينية المسيحية البروتستانتية في ألمانيا (مهد كل من الإصلاح الديني المسيحي والإصلاح الديني اليهودي) .
стр. 6064
وقد بدأ الإصلاح حين لاحَظ كثير من قيادات اليهود انصراف الشباب تدريجياً عن المعبد وعن الشعائر اليهودية بسبب جمودها وأشكالها التي اعتبروها بدائية متخلفة، فأخذوا في إدخال بعض التعديلات ذات الطابع الجمالي، من بينها تحويل المعبد من مكان يلتقي فيه اليهود للحديث والشجار إلى مكان للتعبد يتطلب التقوى والورع. وبدأت المواعظ الدينية تُلقَى بلغة الوطن الأم، وتغيَّر موضوعها، فبدلاً من أن تدور حول تفسير دقائق الشريعة، أصبحت تهدف إلى إنارة المصلين على المستوى الروحي. واختُزلت الصلاة نفسها عن طريق حذف قصائد البيوط وغير ذلك من الابتهالات والأدعية، واستُخدم الأرغُن والجوقة. وقد قام إسرائيل جيكوبسون بأول محاولة للإصلاح في المعبد الملحق بمدرسته عام ١٨١٠، ثم في بيته عام ١٨١٥، ثم افتتح أول معبد إصلاحي في هامبورج عام ١٨١٨.
стр. 6065
وقد كانت كل هذه الإصلاحات ذات طابع شكلي وجمالي وقام بها أعضاء ليسوا جزءاً من المؤسسة الدينية. ولذا، لم تثُر ردة فعل حادة عند التقليديين برغم اعتراضهم على كثير منها، ولكن التغيرات بدأت تكتسب طابعاً عقائدياً واتجهت نحو إصلاح العقيدة نفسها، ومن ثم تغيَّرت طبيعة رد الفعل، وهو ما أدَّى في نهاية الأمر إلى انقسام اليهودية المعاصرة إلى فرق متعددة لا يعترف الأرثوذكس فيها بيهودية الآخرين. وقد اكتسبت حركة الإصلاح الديني دفعة قوية في ثلاثينيات القرن الماضي حين ظهر لفيف من الحاخامات الشباب الذين كانوا قد تلقوا تعليماً دينياً تقليدياً، وتعليماً دنيوياً في الوقت نفسه. وكانت هذه ظاهرة جديدة كل الجدة على اليهودية إذ كانت مقررات الدراسة في المدارس التلمودية العليا، حتى ذلك الوقت، تقتصر على الدراسات الدينية فحسب. ولكن، مع نهاية القرن الثامن عشر، فتحت حكومات فرنسا والنمسا وروسيا مدارس ذات مناهج مختلطة دينية ودنيوية. وقد التف هؤلاء الشبان حول المفكرين الدينيين الداعين إلى الإصلاح، مثل: أبراهام جايجر، وصمويل هولدهايم وكاوفمان كولر، الذين يرجع إليهم الفضل في وضع أسس اليهودية الإصلاحية. وتحولت مسألة تحديث الدين اليهودي أو إصلاحه إلى قضية أساسية في الأوساط اليهودية، ثم تبلورت الأمور كثيراً حين دعت أبرشية برسلاو المفكر اليهودي الإصلاحي جايجر ليكون حاخاماً لها (١٨٣٩) . وحينما نُشرت الطبعة الثانية من كتاب صلوات اليهودية الإصلاحية عام ١٨٤١، رأى الأرثوذكس أن الوضع أصبح لا يحتمل الانتظار، وخصوصاً أن جايجر كان من كبار دعاة مدرسة نقد العهد القديم ومن مؤسسي علْم اليهودية. ورغم أن حركة النقد هذه تهدم العقيدة من أساسها وتفترض أن التوراة نتاج تاريخي من صُنْع الإنسان، فإن اليهودية الإصلاحية ارتبطت بها منذ البداية لتؤكد نسبية وتاريخانية الأفكار الدينية ظناً منها أن ذلك يسبغ شرعية على المشروع الإصلاحي.
стр. 6066
وحتى يتمكن الإصلاحيون من طرح سائر القضايا وبلورة مواقف بشأنها، عقدوا عدة مؤتمرات إصلاحية في ألمانيا (ثم بعد ذلك في الولايات المتحدة) توصلت إلى صياغات محددة (وقد خرج زكريا فرانكل محتجاً من أحد هذه المؤتمرات وأنشأ التيار المحافظ) . وقد توقفت اليهودية الإصلاحية عن التطور الفكري في ألمانيا نفسها، ولكنها تحوَّلت إلى تيار قوي ورئيسي بين اليهود في الولايات المتحدة حين تَقبَّلها المهاجرون الألمان الذين اندمجوا في المجتمع الأمريكي، وكانوا يبحثون عن صيغة دينية جديدة تلائم وضعهم الجديد. وقد وجد هؤلاء المهاجرون في اليهودية الإصلاحية ضالتهم. وتبعتهم أعداد متزايدة من اليهود الأمريكيين حتى صارت، مع حلول عام ١٨٨٨، كل المعابد اليهودية في الولايات المتحدة (والبالغ عددها ٢٠٠) إصلاحية، باستثناء١٢معبداً.
ومن أهم مفكري اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة ديفيد أينهورن. ولكن أكبر المفكرين هو إسحق ماير وايز الذي أسس اتحاد الأبرشيات العبرية الأمريكية عام ١٨٧٣، وكلية الاتحاد العبري عام ١٨٧٥، والمؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين عام ١٨٨٩. ويُعَدُّ مؤتمر بتسبرج الإصلاحي، الذي عُقد عام ١٨٨٥، أهم نقطة في تاريخ اليهودية الإصلاحية إذ أصدر قراراته الشهيرة التي عبَّرت عن الإجماع الإصلاحي، وبلورت منطلقات الحركة. وقد انتقلت اليهودية الإصلاحية إلى المجر حيث يُطلَق عليها مصطلح «نيولوج» .
стр. 6067
وتوجد معابد إصلاحية في حوالي ٢٩ دولة تابعة للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية، ويبلغ عدد أتباع الحركة حوالي ١.٢٥ مليون. لكن الولايات المتحدة لا تزال المركز الأساسي الذي يضم معظم أعضاء هذه الفرقة. وتوجد ٨٤٨ إبراشية يهود إصلاحية في الولايات المتحدة، ويشكل الإصلاحيون ٣٠% من كل يهود أمريكا المنتمين إلى إحدى الفرق اليهودية (مقابل ٣٣% محافظين و٩% و٢٦% لا علاقة بهم أى فرقة دينية أرثوذكس) ومع هذا تذكر أحد المراجع أن عدد اليهود الإصلاحيين مليون و٣٠٠ ألف. ويُلاحَظ ارتفاع نسبة الزواج المُختلَط بينهم أكثر من ارتفاعها بين أعضاء الفرق الأخرى، وإن كانت النسبة بين اليهود غير المنتمين دينياً أعلى كثيراً. ويُعَدُّ اليهود الإصلاحيون أكثر قطاعات اليهود تأمركاً. ويُلاحَظ أنه في الآونة الأخيرة، مع ازدياد تشدد اليهودية الإصلاحية وازدياد التساهل من جانب اليهودية المحافظة، تناقصت المسافة بينهما وبدأت الأبرشيات المحافظة والإصلاحية في الاندماج، وهذا الاندماج توافق عليه قيادات الفريقين ولا تُمانع فيه. ويقابل هذا تَباعُد مستمر عن اليهودية الأرثوذكسية. وقد صرح الحاخام ملتون بولين رئيس المجلس الحاخامي في أمريكا بأن التباعد بين الأرثوذكس من جهة والمحافظين والإصلاحيين من جهة أخرى آخذ في التزايد حتى أنه هو نفسه تحدَّث عن وجود يهوديتين مستقلتين.
ومن التنظيمات اليهودية الإصلاحية: المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين الذي يضم كل الحاخامات الإصلاحيين، واتحاد الأبرشيات العبرانية الأمريكية الذي يضم المعابد الإصلاحية وكلية الاتحاد العبري (المعهد اليهودي للدين) وهو معهد إصلاحي لتخريج الحاخامات، كما أن هناك اتحاداً عالمياً لليهودية الإصلاحية هو الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية.
стр. 6068
وقد اعترفت روسيا باليهودية الإصلاحية باعتبارها مذهباً يهودياً. وبالفعل، توجد جماعة يهودية إصلاحية الآن لها مقر في موسكو. ويمكن أن نتوقع انتشار اليهودية الإصلاحية لأنها صيغة مخففة سهلة من العقيدة اليهودية تناسب تماماً يهود روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء ممن يودون التمسك بيهوديتهم وإظهارها والإعلان عنها حتى يتسنى لهم الهجرة إلى إسرائيل. ولكنهم، كباحثين عن اللذة، لا يريدون في الوقت نفسه أن يدفعوا أي ثمن عن طريق إرجاء المتعة أو كبح ذواتهم أو إقامة الشعائر. واليهودية الإصلاحية تحقق لهم كل هذا، فهي تتكيف بسرعة مع روح العصر، وكل عصر.
اليهودية الإصلاحية: الفكر الديني
Reform Judaism:Religious Thought
стр. 6069
تشترك كل من الحركة اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة في أنهما تحاولان حل إشكالية الحلول الإلهي في الشعب اليهودي وفي مؤسساته القومية. فمثل هذا الحلول يجعل منهم شعباً مقدَّساً ملتفاً حول نفسه، يشير إلى ذاته دون الإشارة إلى شيء خارجه، وهذا أمر مقبول داخل إطار المجتمع التقليدي، المبني على الإرادة الذاتية للأقليات. وهو أمر مفهوم حينما كان اليهود يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية التي تعزل نفسها عن المجتمع لتلعب دورها المحايد. ولكن، مع ظهور الدولة القومية التي ترى نفسها مطلقاً فهي مرجعية ذاتها لا تقبل مرجعية متجاوزة لها أصبح من الصعب أن تتعايش نقطتان مطلقتان داخل المجتمع الواحد. ولذا، كان على أعضاء الجماعات اليهودية أن يتعاملوا بشكل أو بآخر مع الحلولية اليهودية التقليدية، وكان عليهم التوصل إلى صيغة حديثة لليهودية يمكنها التعايش مع الدولة القومية الحديثة المطلقة مع إصرارها على أن يعيد اليهودي صياغة ذاته ورؤيته حتى يدين لها وحدها بالولاء. وقد حاولت اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة حل إشكالية الشعب المقدَّس عن طريق تَبنِّي الحل الغربي للمشكلة وهو أن يكون الحلول الإلهي في نقطة ما في الطبيعة أو في الإنسان أو في التاريخ، بحيث يشكل المطلق ركيزة نهائية كامنة في هذه النقطة وغير متجاوزة لها. وقد ظهر العديد من هذه المطلقات الدنيوية أو الغيبيات العلمانية. ولكن الذي يهمنا هو المطلق الدنيوي الذي يُسمَّى «الروح» (جايست) في أدبيات القرن التاسع عشر في أوربا ( «روح المكان» أو «روح العصر» أو «روح الشعب» أو «روح الأمة» ) الذي حل محل الإله. وبينما آمن الإصلاحيون بروح العصر (بالألمانية: تسايت جايست Zeitgeist) ، آمن المحافظون بروح الشعب العضوي (فولك) .
стр. 6070
وهذه الصياغة من الحلولية تلغي الإله كنقطة متجاوزة، فمصدر القداسة كامن في المادة. وبالنسبة لليهودية الإصلاحية، فهي توسع نطاق نقطة الحلول بحيث يصبح المطلق (روح العصر) إطاراً يضم كلاًّ من اليهود والأغيار. وبذلك تكون اليهودية الإصلاحية قد وصلت إلى صيغة معاصرة لليهودية تلائم العصر، وتتخلص من آثار الحلولية الحادة والجامدة التي كانت تدور في فلكها اليهودية الحاخامية والتي عزلت اليهود عن مجتمعاتهم وجعلت معتقداتهم الدينية عبئاً ينوءون بحمله، وجعلت تعايشهم مع المطلق الجديد (الدولة العلمانية الحديثة) مستحيلاً. ويمكن القول بأن جوهر مشروع اليهودية الإصلاحية هو محاولة نَزع القداسة عن كثير من المعتقدات الدينية اليهودية ووضعها في إطار تاريخي، وذلك حتى يتسنى التمييز بين ما هو مطلق ومتحرر من الزمان والمكان وبين ما هو نسبي ومرتبط بهما. وهي عملية نجم عنها تضييق نطاق المطلق والمقدَّس وتوسيع نطاق النسبي حيث يتمكن أعضاء الجماعات اليهودية المشاركة في الإيمان بالمطلقات القومية والصناعية والمادية في مجتمعاتهم الحديثة. ولذا، عدَّل الإصلاحيون فكرة التوراة، ـ بالنسبة لهم ـ مجرد نصوص أوحى الإله بها للعبرانيين الأولين، ولذا يجب احترامها كرؤى عميقة، ولكنها يجب أن تتكيف مع العصور المختلفة. فثمة فرق بين الوحي والإلهام، إذ أن الإلهام ليس خالصاً أو صافياً، فالبشر يصبغونه بعاداتهم ولغتهم فيختلط بعناصر تاريخية دنيوية. لكل هذا، يجب على اليهودي أن يحاول فهم وتفسير هذا الوحي، أو الإلهام من آونة إلى أخرى، وأن يُنفِّذ منه ما هو ممكن في لحظته التاريخية. وبهذا، يصبح للقانون الإلهي (الشريعة) السلطة والحق، طالما كانت أوضاع الحياة التي جاء لمعالجتها مستمرة. وعندما تتغيَّر الأوضاع، يجب أن يُنسَخ القانون، حتى وإن كان الإله صاحبه ومُشرِّعه، أي أن الشريعة فقدت سلطتها الإلزامية المطلقة وأصبحت روح العصر النقطة المرجعية
стр. 6071
والركيزة النهائية. وللعهد القديم، على سبيل المثال، جانبان: أحدهما مقدَّس والآخر دنيوي. وقد سقطت فاعلية الجانب الثاني بهدم الهيكل، وسقط مع هذه العملية كل ما له علاقة بالهيكل أو الدولة، وبقي الجزء المقدَّس أو المطلق وحده. وبطبيعة الحال، لا يعترف اليهود الإصلاحيون بالشريعة الشفوية (التعبير المستمر عن الحلول الإلهي) . وحاول الإصلاحيون كذلك تأكيد الجانب العقائدي والأخلاقي على حساب الجانب الشعائري أو القرباني، فهم يرون أن اليهودية الحاخامية تدور في إطار الشعائر المرتبطة بالدولة اليهودية والهيكل، والتي لم تَعُد لها أية فعالية أو شرعية. كما تم استبعاد العناصر القومية الموجودة في الدين اليهودي والتي تؤكد قداسة اليهود وانعزالهم عن الأمم الأخرى (ولا تزال هذه العقلانية النسبية أو التاريخانية، التي تحاول تقييم التراث في ضوء المُعطَى التاريخي وترفض الانعزالية القومية والحلولية التقليدية، السمة الأساسية للتيارات الليبرالية والثورية في الفكر الديني اليهودي) .
стр. 6072
ومع هذا، فإن اليهودية الإصلاحية، في محاولتها تطوير اليهودية، انتهى بها الأمر إلى أن خلعت النسبية على كل العقائد ونزعت القداسة عن كل شيء، أي أنها في محاولتها إدخال عنصر النسبية الإنسانية والتهرب من الحلولية، سقطت في نسبية تاريخية كاملة بحيث أسقطت كل الشعائر وكل العقائد تقريباً، أي أنها هربت من وحدة الوجود الروحية إلى وحدة الوجود المادية. وقد شبَّه بعض المؤرخين اليهودية الإصلاحية بحركة شبتاي تسفي، ويرون أنها الوريث العلماني المعاصر له. وهو تشبيه مهم وعميق ولكنه يعاني من بعض نقط القصور لأنه يُفسِّر نقط التشابه ولا يُفسِّر نقط الاختلاف. ونحن نرى أن الحلولية، حينما تصل إلى مرحلة وحدة الوجود الروحية، تتحول عادةً إلى حلولية بدون إله أو وحدة وجود مادية. ولعل شيئاً من هذا القبيل قد حدث داخل اليهودية، وحركة شبتاي تسفي هي مرحلة وحدة الوجود الروحية حيث يحل الإله في العالم (الإنسان والطبيعة) ويصبح لا وجود له خارجها، ومع هذا يظل يحمل اسم الإله، ويصبح كل ما في العالم تجلياً للإله. وتعقب هذه المرحلة مرحلة تغيير التسمية إذ يسقط اسم الإله ويُسمَّى بعد ذلك «قوانين الحركة» أو «روح العصر» وخلافه، وهذه هي مرحلة موت الإله. ولعل اليهودية الإصلاحية تعبير عن مرحلة انتقالية بين الشبتانية ووحدة الوجود الروحية ولاهوت موت الإله في الستينيات ومرحلة وحدة الوجود المادية، هذه المرحلة الانتقالية نسميها مرحلة شحوب الإله، فهو موجود اسماً ولكنه يتبدَّى من خلال عدد كبير من المطلقات الدنيوية (مثل روح العصر) . ولذا، نجد أن اليهودية الإصلاحية قد تحولت إلى ما يشبه دين العقل الطبيعي (الربوبية) ، فهي تؤمن بوجود قوة عظمى تعبر عن شيء باهت شاحب غير شخصي تطلق عليه كلمة «الرب» ، كما أنها تنكر سلطة التلمود، بل والتوراة نفسها، وتقرر الشعائر والعبادات بمجموعة من المؤتمرات والبيانات التي تتم الموافقة عليها بالتصويت والانتخابات
стр. 6073
بالطرق الديموقراطية.
وفي ضوء منطلقات الفكر اليهودي الإصلاحي، يمكننا أن ننظر إلى التعديلات التي أدخلها زعماء الحركة الإصلاحية، على العبادة اليهودية وبعض المفاهيم الدينية، ومن أهمهم أبراهام جايجر (زعيم الجناح المعتدل) الذي يُشار إليه عادةً بلفظة «التقدمي» وديفيد فرايد لندر (زعيم الجناح الثوري) الذي يُشار إليه أحياناً بصفة «الليبرالي» . وقام الإصلاحيون بإلغاء الصلوات ذات الطابع القومي اليهودي، وجعلوا لغة الصلاة الألمانية (ثم الإنجليزية والولايات المتحدة) لا العبرية (ليتمشوا مع روح العصر والمكان) ، وأبطلوا كل الفوارق بين الكهنة واللاويين وبقية اليهود، وأدخلوا الموسيقى والأناشيد الجماعية، كما سمحوا باختلاط الجنسين في الصلوات، ومنعوا تغطية الرأس أثناء الصلاة أو استخدام تمائم الصلاة (تفيلين) ، ولقد تأثروا في ذلك بالصلوات البروتستانتية، وقام بعض الإصلاحيين ببناء بيت للعبادة أطلقوا عليه اسم «الهيكل» ، وكانت تلك أول مرة يُستخدَم فيها هذا المصطلح لأنه لم يكن يُطلَق إلا على الهيكل الموجود في القدس. ومعنى ذلك أن الإصلاحيين بتسميتهم معبدهم هذه التسمية الجديدة، كانوا يحاولون تعميق ولاء اليهودي إلى الوطن الذي يعيش فيه ويحاولون نقل الحلول الإلهي من مكان سيعودون إليه في آخر الأيام إلى مكان يرتادونه هذه الأيام. وعلى المستوى الفكري، أعاد الإصلاحيون تفسير اليهودية على أساس عقلي، وأعادوا دراسة العهد القديم على أُسُس علمية (فالعقل أو العلم هو موضع الحلول الإلهي أو المطلق في المنظومات الربوبية) ، ونادوا بأن الدين اليهودي أو العقيدة الموسوية (وهي التسمية الأثيرة لديهم) تستند إلى قيم أخلاقية تشبه قيم الأديان الأخرى. كما ركَّز الإصلاحيون على الجوهر الأخلاقي للتوراة، وكذلك الجوهر الأخلاقي لبعض جوانب التلمود، مهملين التحريمات المختلفة التي ينص عليها القانون اليهودي، وخصوصاً القوانين المتعلقة بالطعام
стр. 6074
والكهانة، وقد سمحوا (مؤخراً) بترسيم حاخامات إناث. وأنكروا فكرة البعث والجنة والنار، وأحلوا محلها فكرة خلود الروح. وقد أسقطوا معظم شعائر السبت، وهم لا يحتفلون به في الوقت الحاضر في يوم السبت نفسه وإنما يختار أعضاء الأبرشية أي يوم في الأسبوع للاجتماع. وتأخذ الشعائر في هذه الحالة شكل صلاة قصيرة وقراءة بعض الفقرات من أي كتاب، بل حل بعض الكلمات المتقاطعة. ولعل هذا هو الانتصار النهائي لروح العصر. ويقوم أحد المتحدثين بإلقاء محاضرة في أي موضوع وينشدون النشيد الوطني لإسرائيل (هاتيكفاه) . وقد ازداد التكيف مع روح العصر تطرفاً، ولذا نجد أن اليهودية الإصلاحية قَبلت الشواذ جنسياً كيهود ثم رسَّمت بعض الشواذ جنسياً حاخامات، وأسَّست للشواذ جنسياً معابد إصلاحية معترفاً بها من قبَل المؤسسة الإصلاحية. ولعل هذا تعبير عن حلولية موت الإله أو حلولية بدون إله، وحلولية ما بعد الحداثة حيث تتساوى كل الأمور وتصبح نسبية. ونحن هنا لا نتحدث عن يهود أو أغيار وإنما نتحدث عن مجتمع أخذ الإنسان فيه يختفي تدريجياً بعد شحوب الإله وموته.
وقد عَدَّل الإصلاحيون بعض الأفكار الأساسية في الديانة اليهودية، فمثلاً نادى جايجر بحذف جميع الإشارات إلى خصوصية الشعب اليهودي من كل طقوس الدين وعقيدته وأخلاقه وأدبه، مطالباً بالتخلي عن الفكرة الحلولية الخاصة بالشعب المختار كلية. وقد حاولوا الإبقاء على هذه الفكرة، مع إعطائها دلالة أخلاقية عالمية جديدة، فجعلوا الشعب اليهودي شعباً يحمل رسالته الأخلاقية لينشرها في العالم حتى يستطيع من يشاء أن يؤمن بها. كما يؤكد الإصلاحيون أيضاً أن اليهود شُتتوا في أطراف الأرض ليحققوا رسالتهم بين البشر، وأن النفي وسيلة لتقريبهم من الآخرين وليس لعزلهم عنهم.
стр. 6075
وأضفى الإصلاحيون على فكرة العودة والماشيَّح طابعاً إنسانياً إذ رَفَض ممثلوهم، في مؤتمر بتسبرج، فكرة العودة الشخصية للماشيَّح المخلِّص، وأحلوا محلها فكرة العصر المشيحاني، وهي فكرة تربط بين العقيدة المشيحانية وروح العصر. فالعصر المشيحاني هو العصر الذي سيحل فيه السلام والكمال ويأتي الخلاص إلى كل الجنس البشري وينتشر العمران والإصلاح ويتم كل هذا من خلال التقدم العلمي والحضاري. فالفكرة المشيحانية هنا فُصلَت تماماً عن الشعب اليهودي وعن شخص الماشيَّح وارتبطت بكل البشر وبالعلم الحديث.
اليهودية التقدمية
Progressive Judaism
«اليهودية التقدمية» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى كل الاتجاهات اليهودية الإصلاحية. وعادةً ما يُستخدَم مصطلح «تقدمي» بديلاً لمصطلح «إصلاحي» خارج الولايات المتحدة.
اليهودية الليبرالية
Liberal Judaism
بدأت الحركة اليهودية الليبرالية في إنجلترا في السنوات الأولى من القرن العشرين نتيجة الجهود المشتركة لليلي مونتاجو (١٨٧٣ ـ ١٩٦٣) وكلود مونتيفيوري (١٨٥١ ـ ١٩٣٨) حين أسسا الاتحاد الديني اليهودي (١٩٠٢) . وتنطلق اليهودية الليبرالية من أن اليهودية الإصلاحية لم تصل بالإصلاح إلى نتيجته المنطقية ولم تواجه القضايا الحقيقية، وأن اليهودية لابد أن يدخل عليها المزيد من الإصلاحات حتى لا تظل عبئاً على اليهود.
стр. 6076
ونقطة الانطلاق بالنسبة لليهودية الليبرالية هي الإنسان (واحتياجاته النفسية) لا العقيدة الدينية (فالعهد القديم في تصوُّرها اجتهاد بشري وليس وحياً إلهياً) ولذا طرحت الليبرالية مفهوم الضمير الشخصي و «الوعي المستنير» ، وجعلت من حق كل يهودي أن يدرس العقائد والممارسات اليهودية، ثم يختار ما يحلو له منها، إذ أن من حق كل يهودي أن يقرر شكل اليهودية التي يؤمن بها، ويحدد مكوناتها (ولابد أن الإله سيسدد خطاه بطريقة ما) ، أي أنها عملية علمنة من الداخل. ولذا يذهب الفكر الديني الليبرالي إلى أن الأوامر والنواهي (متسفوت) مسألة اختيارية، قد يحتاج لها بعض الناس ليحققوا تطورهم الأخلاقي، ولكن الآخرين قد لا يحتاجون لها على الإطلاق. فالطعام المباح شرعاً يعتبر شكلاً من أشكال الانضباط الأخلاقي بالنسبة لمن يرون ذلك، أما من يودون تحقيق هذا الانضباط بطريقة أخرى، فهم في حلٍّ من أمرهم. وكلاهما له شرعيته من وجهة النظر الليبرالية.
ورغم هذا الانفتاح الكامل (الذي يقترب باليهودية الليبرالية من يهودية عصر ما بعد الحداثة) إلا أن ثمة طقوساً معينة فرضت نفسها على اتباع هذه الفرقة. فالصلاة في المعبد الليبرالي تشبه الصلوات في المعابد الإصلاحية فيجلس الرجال والنساء سوياً، ويجلس الرجال دون غطاء للرأس إن أرادوا. كما أبقى الليبراليون بعض الطقوس مثل النفخ في البوق (شوفار) في رأس السنة والصيام في يوم الغفران (يوم كيبور) وأكل خبز الماتساه غير المخمر في عيد الفصح. ويُلاحَظ أن الشعائر التي اختارها اليهود الليبراليون ذات طابع احتفالي، ولا تتطلب مشقة كبيرة، كما يمكن تطويعها لتتفق مع إيقاع العصر. فبالنسبة لشعائر السبت لا يمتنع اليهودي الليبرالي عن العمل ولكنه قد يوقد الشموع. ولكن حتى هذه الشموع يمكنه أن يوقدها بعد غروب الشمس، وليس قبله كما تنص الشريعة، إن وجد أن الالتزام بالشريعة سيسبب له ضيقاً.
стр. 6077
وقد أسقط الليبراليون صوم التاسع من آب وغيره من أيام الصوم وهم لا يعتبرون عيد الأسابيع (شفوعوت) عيداً حيث إنهم لا يؤمنون بأن التوراة قد نزلت على موسى في سيناء. وتذهب اليهودية الليبرالية إلى أن اليهودي من وُلد لأم يهودية أو لأب يهودي أو رُبِّي تربية يهودية.
النيولوج
Neologue
«نيولوج» هو الاسم العرفي (غير الرسمي) الذي كان يُطلَق على أعضاء الجماعة اليهودية في المجر والمنتمين إلى اليهودية الإصلاحية. وقد ظهرت الاتجاهات الإصلاحية بين الجماعات اليهودية في المجر في أوائل القرن التاسع عشر والتي واجهت مساعيها وأنشطتها التنظيمية معارضة المؤسسة الأرثوذكسية. وبعد أن مُنح يهود المجر حقوقهم المدنية كاملة عام ١٨٦٧، قدَّم زعماء طائفة النيولوج في مدينة بست، التي كانت تُعَدُّ مركز أقوى تجمُّع نيولوجي في المجر، مذكرة إلى وزير التعليم والشئون الدينية المجري بشأن الهيكل التنظيمي للجماعة اليهودية المجرية مقترحين عقد مؤتمر لممثلي يهود المجر دون إشراك الحاخامات، وذلك تفادياً لتَفجُّر الجدل حول المسائل العقائدية، وكذلك منعاً لتَدخُّلهم في الشئون التي تتعدى وظائفهم ومهامهم. وقد أصبح هذه الاتجاه، وهو اتجاه عارضه الأرثوذكس وكذلك بعض النيولوجيين، إحدى الركائز الأساسية في تنظيم الطائفة النيولوجية وتجمعاتها. وقد سُمح للحاخامات فيما بعد بحضور المؤتمر. وفي الانتخابات التي جرت داخل الجماعة، حقق النيولوجيون أغلبية في الأصوات إذ حصلوا على ٥٧.٥% مقابل ٤٢.٥% للأرثوذكس. وفي نهاية عام ١٨٦٨، تم افتتاح المؤتمر اليهودي العام الذي كانت قضيته الأساسية مناقشة الهيكل التنظيمي للجماعة. وقد سادت المؤتمر خلافات حادة وجدل عنيف، وخصوصاً حول تحديد طبيعة أو ماهية الجماعة اليهودية في المجر، إذ أن النيولوجيين قد اعتبروا الجماعة «جماعة تعمل على تلبية الاحتياجات الدينية» في حين أصر الأرثوذكس على اعتبارها "جماعة من أتباع العقيدة
стр. 6078
الموسوية الحاخامية والأوامر التي تم وضعها وتصنيفها في الشولحان عاروخ". ومن القضايا الأخرى التي أثارت الخلاف، المدرسة اللاهوتية للحاخامات التي كان من المزمع إقامتها بتمويل صندوق المدارس الذي أسسه الإمبراطور فرانسيس جوزيف الثاني من أموال الغرامة التي فُرضت على يهود المجر في أعقاب ثورة ١٨٤٨. وفي النهاية، انسحب ثمانية وأربعون مندوباً أرثوذكسياً من المؤتمر، وتم التصديق على قرارات المؤتمر. وقد نجح الأرثوذكس فيما بعد في تنظيم إطار خاص بهم، وذلك بعد حصولهم على تصريح بذلك من الإمبراطور.
стр. 6079
وقد سعى النيولوجيون إلى توحيد الطائفتين النيولوجية والأرثوذكسية ولكن دون جدوى. ومع ذلك، كان لسعيهم في هذا الاتجاه أثر في عدم تطبيقهم أية إصلاحات راديكالية في الطقوس الدينية وتَبنِّيهم توجهاً محافظاً. وإلى جانب ذلك، ظل هناك خلاف داخل المعسكر النيولوجي نفسه، فمنذ عام ١٨٤٨ سعى بعض أعضاء الطائفة إلى تأسيس معبد إصلاحي، ولكن المخاوف داخل الطائفة من أن تتسبب هذه الخطوة في إحداث انشقاق نهائي بين الجماعة اليهودية، أدَّت إلى حصولها على أمر من السلطات بتصفية هذه المنظمة الإصلاحية الصغيرة عام ١٨٥٢. وفي عام ١٨٨٤، حاولت مجموعة أخرى تأسيس جماعة إصلاحية ولكن المكتب القومي للنيولوجيين تَدخَّل مرة أخرى لمنعهم. أما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد شكلت الطائفة النيولوجية نقطة جذب ليهود المجر الذين تباعدوا تماماً عن العقيدة اليهودية ولكنهم لم يجدوا قبولاً بعد داخل المجتمع المجري المحيط. وخلال الفترة التي عاش فيها يهود المجر في عزلة اجتماعية واقتصادية (١٩٣٨ ـ ١٩٤٤) ، نشطت الطائفة النيولوجية، وخصوصاً في المجالات التعليمية والخيرية، كما انضمت إليهم بعض العناصر الصهيونية بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن هذا التطور لم يستمر حيث تم مَنْع النشاط الصهيوني عام ١٩٤٩. وفي عام ١٩٥٠، تم توحيد الطائفتين النيولوجية والأرثوذكسية بقرار من النظام الشيوعي.
المؤتمرات الحاخامية
Rabbinical Conferences
«المؤتمرات الحاخامية» هي مجموعة من المؤتمرات التي عُقدت في ألمانيا، في منتصف القرن التاسع عشر، لمحاولة التصدي للمشاكل الناجمة عن التحديث وإعتاق اليهود وتَساقُط الجيتو وتَصاعُد معدلات العلمنة، وكلها أمور أدَّت إلى تفاقم أزمة اليهودية. وقد عقد أبراهام جايجر مؤتمراً عام ١٨٣٧ في وايسبادن لمناقشة آرائه في الإصلاح الديني، ولكنه لم يتوصل إلى أية نتائج عملية. وعُقدت بعد ذلك المؤتمرات التي صاغت منطلقات اليهودية الإصلاحية:
стр. 6080
١ ـ مؤتمر برونزويك (١٢ ـ ١٩ يونيه عام ١٨٤٤) . وقد حضره ٢٤ حاخاماً معظمهم من الإصلاحيين، من بينهم جايجر وهولدهايم. وكان ضمن قراراته إلغاء صلاة كل النذور، وتأكيد أن اليهود يعتبرون البلاد التي يعيشون فيها أوطانهم وبلاد آبائهم. ووافق المؤتمر على الزواج المختلط شريطة أن يكون النسل يهودياً.
٢ ـ مؤتمر فرانكفورت (١٦ ـ ٢٨ يوليه عام ١٨٤٥) . وقد حضره ٣٨ حاخاماً يمثلون أفكاراً إصلاحية ومحافظة. وقد بدأت الاختلافات بين التقليديين والإصلاحيين تظهر ثم تتضح، فتم الاتفاق على ضرورة الاحتفاظ بالعبرية في الصلاة، ولكن الفريقين اختلفا حول حجم الجزء العبري. وقد نجح الفريق الإصلاحي في فرض موقفه، كما نجح في اتخاذ قرار بشأن إلغاء الأدعية الخاصة باستعادة العبادة القربانية، الأمر الذي أدَّى إلى انسحاب زكريا فرانكل وأتباعه. وقد وافق المؤتمر على إدخال الأرغُن في المعبد اليهودي.
٣ ـ مؤتمر برسلاو (١٣ ـ ٢٤ يوليه عام ١٨٤٦) . وقد حضره ٢٢ حاخاماً، كلهم إصلاحيون تقريباً. وقد عدَّل المؤتمر قوانين السبت وخفَّف من حدتها، بالذات بالنسبة إلى الجنود والموظفين العموميين، وأُلغى اليوم الثاني في الأعياد. وحاول المؤتمر أن يُعدل طريقة الختان بحيث تتفق وقواعد الصحة الحديثة، وأُبطلت بعض عادات عند اليهود، مثل تمزيق الملابس، والجلوس على الأرض إعلاناً للحداد، وإطلاق اللحية. وقد زادت قرارات المؤتمر من حدة الخلاف، إذ أن التقليديين اعتبروها قرارات متطرفة في حين اعتبرها الإصلاحيون الثوريون محافظة أكثر من اللازم. وقد توقفت المؤتمرات بعد ذلك في ألمانيا، ولكنها استمرت في الولايات المتحدة التي أصبحت أهم مركز لليهودية الإصلاحية.
стр. 6081
٤ ـ مؤتمر فيلادلفيا (٣ ـ ٦ نوفمبر عام ١٨٦٩) . وقد حضره ١٢ حاخاماً إصلاحياً، واتُخذت قرارات بضرورة إنهاء بقايا التفرقة بين الكهنة واليهود العاديين، وتأكيد رسالة إسرائيل للعالم، وقبول الشتات، أي انتشار الجماعات اليهودية في العالم، لا باعتباره عقاباً وإنما كوسيلة لإنجاز هذه الرسالة، وإنكار فكرة البعث والإصرار على أن تكون الصلاة بلغة الوطن.
٥ ـ مؤتمر بتسبرج (١٦ـ ١٨ نوفمبر عام ١٨٨٥) . وقد حضره ١٨ حاخاماً إصلاحياً. وهو المؤتمر الذي أصدر قرارات بتسبرج الشهيرة التي أصبحت تشكل إطار اليهودية الإصلاحية. وقد رفضت القرارات الشعائر الاحتفالية التي لم يَعُد لها معنى أخلاقي، وكذلك فكرة عودة اليهود إلى فلسطين واستعادة العبادة القربانية، وأكدت القرارات الإيمان بخلود الروح (مقابل فكرة البعث) والدعوة إلى حل القضايا الاجتماعية على أساس من العدل والتقوى. وقد أشارت القرارات إلى أنه لا يوجد أي شيء في روح اليهودية أو قوانينها يمنع من أن تتم احتفالات نهاية الأسبوع يوم الأحد بدلاً من السبت (إذا رأت الجماعة ذلك) .
وقد تم تأسيس أول تنظيم للحاخامات الإصلاحيين بعد مرور أربعة أعوام من مؤتمر بتسبرج، وهو المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين، والذي يعقد اجتماعاته سنوياً. كما تم تأسيس تنظيمات لحاخامات الفرق الأخرى، وهي تعقد اجتماعات سنوية تناقش كل ما قد يظهر من أسئلة وقضايا دينية.
المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين
Central Conference of American Rabbis
стр. 6082
منظمة تضم الحاخامات الإصلاحيين في الولايات المتحدة وكندا أسسها إسحق ماير وايز عام ١٨٨٩. وقد ساهمت هذه المنظمة في إعداد كُتب صلوات للجماعات اليهودية التي تتبع اليهودية الإصلاحية، وهي كتب تتَّسم باختفاء النزعة القومية والبُعد عن استخدام اللغة العبرية. وكان المؤتمر في بادئ الأمر محايداً بل معادياً للصهيونية. وفي الثلاثينيات، بدأ المؤتمر يغيِّر اتجاهه، ويتخذ موقفاً أكثر تفهماً وتعاطفاً مع الحركة الصهيونية، حتى أعلن برنامج كولومبوس عام ١٩٤٧ الذي أكد أن من واجب كل يهودي أن يساهم في تعمير فلسطين، لا كملجأ للمحتاجين وحسب بل كمركز لليهودية في العالم. وقد انعكس هذا الاتجاه الفكري الجديد على التعديلات القومية التي أُدخلت على كتب الصلوات التي أصدرها المؤتمر مؤخراً. ولا يزال المؤتمر يطالب بفصل الدين عن الدولة في الولايات المتحدة وإسرائيل. والمؤتمر يعقد اجتماعاً سنوياً.
اتحاد الأبرشيات العبرية الأمريكية
Union of American Hebrew Congregations
أسسه إسحق ماير وايز في مدينة سنسناتي بولاية أوهايو الأمريكية عام ١٨٧٣، وهو هيئة يهودية إصلاحية. وقد كان هذا الاتحاد يضم عند تأسيسه ٢٨ معبداً يهودياً. وفي عام ١٩٦٧، كان يضم ٦٥٠ فرعاً، بعضوية تزيد على المليون عضو، ووصل عددهم في ١٩٨٠ إلى نحو ٧٣٠ فرعاً. وقد انتقل المقر الرئيسي إلى نيويورك عام ١٩٥١. وتم تأسيس كلية الاتحاد اليهودي عام ١٨٧٥ تحت إشراف الاتحاد.
стр. 6083
والأقسام الأساسية للاتحاد، والتي تم تنظيمها بالاشتراك مع المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين، هي: قسم التربية، وقسم الوسائل السمعية والبصرية، وقسم إدارة المعابد اليهودية، وقسم الأبرشيات الجديدة، وقسم الإعلان، وقسم خدمات المعابد، وقسم العلاقات مع الأديان الأخرى. وقد قسم الاتحاد إلى ١٦ منطقة لكل منها مدير ومجلس إقليمي. ويدير الاتحاد المجلس التمثيلي الذي ينعقد على شكل مؤتمر كل سنتين، وهناك مجلس قومي للأوصياء. والاتحاد جزء من الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية، ويُصدر الاتحاد منشورات من بينها مجلة اليهودية الأمريكية ومجلة المعلم اليهودي.
كلية الاتحاد العبري ـ المعهد اليهودي للدين
Hebrew Union College-Jewish Institute of Religion
стр. 6084
معهد ديني يهودي أسسه إسحق ماير وايز عام ١٨٧٥ في سنسناتي بولاية أوهايو الأمريكية لدعم اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة، ودفعها إلى الأمام. وقد أسس ستيفن وايز المعهد اليهودي للدين في نيويورك عام ١٩٢٢ لتحقيق الأهداف نفسها. واتحدت المدرستان عام ١٩٥٠ تحت اسم كلية الاتحاد العبري ـ المعهد اليهودي للدين. وكان من بين رؤسائها: ستيفن وايز، وإسحق وايز، وكولر كوفمان. ويتخرج في هذه المدرسة الموحدة نحو ٣٠ حاخاماً في السنة بعد خمس سنوات دراسية. وقد خرَّجت مدرسة سنسناتي ما يربو على ستمائة حاخام. وقد خرجت مدرسة نيويورك أكثر من مائتين وخمسين حاخاماً. وتغطي مدرسة سنسناتي مساحة تساوي ١٨ هكتاراً تقريباً، وتحتوي مكتبتها على ١٤٠.٠٠٠ كتاب، و٣.٠٠٠ مخطوط، و٣.٠٠٠ مخطوط للموسيقى. وهي تنشر كتاباً سنوياً ودراسات في الببليوجرافيا وأخبار الكتب. وفي سنة ١٩٤٧، أسست المدرسة الأرشيف اليهودي الأمريكي، الذي يهدف إلى تطوير دراسة تاريخ اليهود في الولايات المتحدة. ويتبع المعهد كذلك متحف لبعض المقتنيات المهمة من وجهة النظر اليهودية. وتشمل المدرسة التي مقرها نيويورك مدرسة الاتحاد اليهودي للتربية لإعداد مديري المدارس والمدرسين للعمل بالتعليم الديني اليهودي، كما تضم مدرسة الاتحاد اليهودي للموسيقى الدينية التي تدرِّب المرتلين بعد أربع سنوات من الدراسة. وتضم مكتبتها ما يزيد على ٥٠.٠٠٠ كتاب. ولكلية الاتحاد اليهودي مركز فرعي في القدس.
الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية
World Union for Progressive Judaism
стр. 6085
منظمة أُسِّست في لندن عام ١٩٢٦ للتنسيق بين مجموعات اليهود الإصلاحيين ولتأسيس مراكز جديدة لليهودية الإصلاحية. ويعقد الاتحاد مؤتمراً عالمياً لمناقشة موضوع بعينه. وقد أسس الاتحاد في سنة ١٩٥٥ مركزاً عالمياً للدراسات الدينية والتدريب في باريس للحاخامات التقدميين الإصلاحيين. وتتبع الاتحاد مؤسسات في ١٨ بلداً، كما يتبعه نحو مليوني عضو. ولقد تم الاعتراف بالاتحاد كمنظمة استشارية غير حكومية في الأمم المتحدة واليونسكو.
ديفيد فرايدلاندر (١٧٥٠-١٨٣٤ (
David Freidlander
زعيم يهودي إصلاحي، وُلد في ألمانيا حيث أسس مصنعاً للحرير. وهو أحد مؤسسي مدرسة برلين الحرة (عام ١٧٧٨) التي أصبحت نموذجاً للمدارس العلمانية اليهودية. حارب فرايدلاندر ليحصل أعضاء الجماعات اليهودية على حقوقهم المدنية في بروسيا. وبعد موت صديقه الحميم مندلسون، تولى زعامة حركة التنوير اليهودية، وكان أول يهودي يُنتخَب لمجلس مدينة برلين عام ١٨٠٩. وقد كان فرايدلاندر يهدف إلى اندماج اليهود بشكل كامل في الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، ولذلك فإنه كان يطالب اليهود بالتخلي عن التلمود وبعض الشعائر اليهودية التي تعوق هذا الاندماج، كما طالبهم باتخاذ الألمانية، لا العبرية ولا اليديشية، لغة لهم. بل إنه كان أحد المفكرين اليهود القلائل الذين نادوا بالتخلي عن عقيدة الماشيَّح التي تسببت في عزل اليهود عن العالم غير اليهودي. وكان فرايدلاندر يرى أن المسألة اليهودية في شرق أوربا لا يمكن حلها إلا عن طريق الإصلاحات التي تؤدي إلى الاندماج. كما أعرب فرايدلاندر في خطاب له عن استعداد عدد كبير من يهود برلين لأن يتقبلوا المسيحية إذا لم يُطلَب منهم الإيمان بعقائد تتنافى مع العقل (مثل عقيدة الابن) .
إسرائيل جيكوبسون (١٧٦٨-١٨٢٨ (
Israel Jacobson
стр. 6086
رائد اليهودية الإصلاحية. كان جيكوبسون رئيس المجلس اليهودي في مملكة وستفاليا النابليونية، كما كان من كبار المموِّلين. عمل من أجل إصلاح التعليم اليهودي وطقوس المعبد اليهودي. أسس في زيزن (في مقاطعة برونزويك) مدرسة جيكوبسون للطلبة اليهود والمسيحيين عام ١٨٠١. وفي عام ١٨١٠، هيأ بيته ليكون معبداً يهودياً إصلاحياً على غرار الكنائس البروتستانتية، فزوده بالأرغن. وكانت تُلقَى فيه العظات بالألمانية. وبنى أول معبد إصلاحي في هامبورج عام ١٨١٨، كما نشر كتاباً جديداً للصلوات.
ليوبولد زونز (١٧٩٤-١٨٨٦ (
Leopold Zunz
عالم ألماني. مؤسس علْم اليهودية، وأول من استخدم المناهج الأدبية والتاريخية الحديثة في دراسة الكتابات اليهودية. وكان زونز يؤمن بأن إصلاح اليهودية يجب أن يحتفظ بما يُسمَّى «الهوية اليهودية التاريخية الأساسية» ، وهي هوية لا تتخذ شكلاً جامداً، وإنما هي قوة حيوية متطورة. وفي كتابه احاديث اليهود الدينية، حاول أن يبرهن على هذه النظرية، فبيَّن أن اليهودية تواءمت دائماً مع متطلبات الزمان والمكان، ولكن التغيير الذي كان يطرأ عليها لم يغيِّر جوهرها نفسه. والواقع أن موقفه لا يختلف في أساسياته عن موقف اليهودية المحافظة. وبالفعل، نجده يقف موقفاً وسطياً معتدلاً في المعركة الدائرة بين اليهودية الإصلاحية واليهودية الأرثوذكسية.
صمويل هولدهايم (١٨٠٦-١٨٦٠ (
Samuel Holdheim
стр. 6087
زعيم اليهودية الإصلاحية. تلقَّى تعليماً تقليدياً، وترأس منذ عام ١٨٤٧ الجماعة الإصلاحية في برلين. ويُعَدُّ هولدهايم من أشد الإصلاحيين تطرفاً وثورية، فقد كان يؤمن إيماناً عميقاً بفكرة التقدم، ولذا فقد طالب بأن تتكيف اليهودية مع الأوضاع الجديدة في المجتمعات الغربية الحديثة بإدخال تغييرات أساسية تنادي بالاحتفال بيوم السبت في يوم الأحد، كما طالب بالسماح لبعض الفئات بالعمل فيه، وإلغاء اليوم الثاني من الأعياد، وعدم التمسك بالختان، وذلك على اعتبار أن الجوانب الشعائرية انتهت بسقوط الهيكل والكومنولث اليهودي. ولذا، ينبغي التخلي عن كل ما له علاقة بالهيكل أو بالدولة اليهودية القديمة.
سولومون فورمستشر (١٨٠٨ - ١٨٨٩)
Solomon Formstecher
حاخام ومفكر ديني ألماني يهودي، وأحد قادة حركة اليهودية الإصلاحية. اشترك في المؤتمرات الحاخامية المختلفة التي تناولت قضية اليهودية في العصر الحديث، وكتب عدة دراسات عن فلسفة الدين، ويُعَدُّ مؤلفه ديانة الفكر (١٨٤١) أهم مؤلفاته التي يصف فيها اليهودية بأنها ليست ديانة طبيعية (أي متمركزة حول الطبيعة) وإنما ديانة فكر عالمية ترى أن الإله يتجاوز الطبيعة، وأنه الحقيقة المطلقة ومصدر القيم. ويقصد فورمستشر بالفكر التحقق التاريخي الواعي للمطلق. وإذا كانت الديانة عموماً هي طموح الإنسان لأن يكون له عالمه الخاص من القيم، فإن ديانة الفكر هي طموحه لتجسيد المثال الأخلاقي المطلق. والأمة اليهودية هي التي تقوم بهذه العملية، فهي تجسيد للمطلق في التاريخ. فهي التي بدأت بالتوحيد. بل إنه يرى أن المسيحية والإسلام إن هما إلا أداتان للأمة اليهودية تستخدمهما للقضاء على ديانات الطبيعة الوثنية التي تؤمن بالخالق لا كمبدأ مطلق متجاوز للطبيعة وإنما كمبدأ طبيعيّ.
стр. 6088
ويذهب فورمستشر إلى أن التوحيد في الإسلام والمسيحية ليس كاملاً كما هو الحال مع اليهودية، وإنما هو توحيد مختلط تمتزج فيه العناصر الوثنية بالعناصر التوحيدية، وبذا تظل الأمة اليهودية التعبير الوحيد الصافي عن المطلق.
والمصطلح الذي يستخدمه فورمستشر هو الخطاب الألماني الرومانتيكي. وقد وظِّف للتعبير عن بعض الموضوعات الأساسية في التراث القبَّالي الحلولي الذي جعل الأمة اليهودية جزءاً من الإله يوجد في العالم ويتركز فيه الغرض الإلهي. ولذا، فإن حديث فورمستشر عن التوحيد يتنافى تماماً، لا مع التراث الديني اليهودي الذي تسري فيه الحلولية، وإنما مع خطابه الحلولي المتطرف نفسه.
ديفيد آينهورن (١٨٠٩-١٨٧٩ (
David Einhorn
حاخام يهودي إصلاحي من أصل ألماني. عُرف بآرائه الثورية، فطالب بإدخال اللغة الألمانية في الصلاة، وأنكر أية سلطة مقدَّسة للتلمود. هاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٨٥٥، وهو العام الذي عقد فيه إسحق وايز مؤتمر الحاخامات في كليفلاند، والذي اتخذ قرارات إصلاحية معتدلة تهدف إلى خلق نوع من الوحدة بين الاتجاهات الإصلاحية المختلفة. وقد اعتبر أينهورن هذا خيانة للاتجاه الإصلاحي، فهاجم قرارات المؤتمر، وبذا بدأت العداوة المريرة بينه وبين وايز. وقد شرح أينهورن أفكاره في مجلته التي كانت تَصدُر بالألمانية (١٨٥٦ ـ ١٨٦٢) ، وفي كتاب الصلوات الذي ألفه (وكان يُعَدُّ كتاباً جديداً تماماً لا علاقة له بكتب الصلوات المعروفة) .
стр. 6089
هاجم أينهورن مؤسسة العبودية في الولايات المتحدة ودعاة الحفاظ عليها، فاضطر إلى الفرار عام ١٨٦١ من بلتيمور، ومنها إلى نيويورك حيث أصبح حاخام معبد بيت إيل الشهير. وقد كان له تأثير واضح على مقررات مؤتمر فيلادلفيا الحاخامي عام ١٨٦٩، كما أن أفكاره تركت أثراً عميقاً في اليهودية الإصلاحية من خلال زوج ابنته كاوفمان كولر، واضع مقررات مؤتمر بتسبرج. كما أن كتاب الصلوات الذي وضعه ترك أثراً واضحاً في كتاب الصلوات الذي تبنته الحركة الإصلاحية في الولايات المتحدة.
أبراهام جايجر (١٨١٠-١٨٧٤ (
Abraham Geiger
عالم يهودي ألماني، تَزعَّم الحركة اليهودية الإصلاحية في ألمانيا. حاول أن يدخل على اليهودية مفاهيم معاصرة أقل قَبَلية وأكثر عالمية من المفاهيم السائدة في عصره، ودعا إلى عقد أول مؤتمر للحاخامات الإصلاحيين عام ١٨٣٧، وأسس في برلين مدرسة لدراسة علم اليهودية، واستمر في التدريس فيها حتى وفاته.
وقد ذهب جايجر إلى أن اليهودية دين له رسالة عالمية شاملة وليست مقصورة على شعب من الشعوب. ولذلك، فقد ركز هجومه على فكرة الختان، وقوانين الطعام، وعلى عقيدة الشعب المختار، وعلى تصوُّر أن اليهود يكوِّنون شعباً عالمياً، وعلى استخدام العبرية في المعبد اليهودي. كما هاجم كل المفاهيم ذات النزعة الدينية الخصوصية. ومع هذا، كان جايجر يحاول قدر استطاعته، على عكس هولدهايم، أن تكون التغييرات إصلاحية وليست ثورية، وأن تكون لها سوابق تاريخية، وأن تكون ذات جذور في التراث (ومن هنا كان اهتمامه بالدراسة التاريخية النقدية اليهودية) . وتظهر روحه الإصلاحية في كتاب الصلوات الذي نشره عام ١٨٥٤ حيث اختفت كل الإشارات إلى العودة لأرض الميعاد وفكرة الاختيار. ومن أهم أعماله، بعض الدراسات التاريخية الخاصة بتطوراليهودية والعهد القديم وترجماته، كما كتب دراسة في أعمال موسى بن ميمون ويهودا اللاوي.
إسحق ماير وايز (١٨١٩-١٩٠٠ (
Isaac Mayer Wise
стр. 6090
زعيم اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة، وأهم مؤسسيها. وُلد في بوهيميا بتشيكوسلوفاكيا، وتأثر بأفكار حركة الاستنارة الفرنسية. هاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٨٤٦، وعند وصوله أصبح حاخاماً في مدينة أولباني في ولاية نيويورك حيث أدخل كثيراً من الإصلاحات على الصلاة اليهودية، مثل السماح بالاختلاط بين الجنسين، كما أدخل أغاني الجوقة. ثم قبل وايز منصب حاخام في سنسناتي في ولاية أوهايو الأمريكية عام ١٨٥٤ وبقي فيها بقية حياته. وبعد وصوله مباشرة، بدأ في نشر مجلة الإسرائيلي التي عُرفت فيما بعد باسم الإسرائيلي الأمريكي، وكانت تُصدر ملحقاً بالألمانية.
وفي عام ١٨٥٥، نجح في عقد مؤتمر لزعماء اليهودية الأمريكية، ومن بينهم الأرثوذكس، بهدف إقامة سلطة دينية، أو مجلس ديني موحَّد. ولكن المحاولة فشلت لأن الأرثوذكس لم يثقوا في نواياه، أما الإصلاحيون فهاجموه بسبب عدم وضوحه. وقد حاول وايز مرة أخرى أن يحتفظ بالوحدة في صفوف يهود أمريكا فنشر عام ١٨٥٦ كتاب صلاة بعنوان منهاج أمريكي، ولكنه رُفض أيضاً من الطرفين. وأثناء الحرب الأهلية، أخذ وايز موقفاً ممالئاً لدعاة الحفاظ على مؤسسة العبودية. وقد ساهم في إقامة مؤسسات اليهودية الإصلاحية، وخصوصاً كلية الاتحاد العبري (١٨٧٥) التي عُيِّن رئيساً لها حتى وفاته.
ومع هذا، يبدو أن جذور اليهودية الإصلاحية في أمريكا تعود إلى عدوه أينهورن، فمقررات مؤتمر بتسبرج كانت من صُنع كاوفمان كولر زوج ابنة أينهورن، كما أن كتاب الصلوات الإصلاحي يستند إلى كتاب الصلوات الذي وضعه أينهورن لا إلى كتاب وايز.
صمويل هيرش (١٨١٥-١٨٨٩ (
Samuel Hirsch
стр. 6091
حاخام ومؤلف ألماني يهودي، وأحد أعلام حركة اليهودية الإصلاحية. تَلقَّى تعليمه في ألمانيا حيث عمل فيها حاخاماً عام ١٨٤١، ولكنه اضطر إلى الاستقالة بعد عامين بسبب أفكاره الإصلاحية المتطرفة. وقد عينه ملك هولندا حاخاماً أكبر لدوقية لوكسمبورج، فاستمر في عمله لمدة عشرين عاماً (وقد انتهز هيرش هذه الفرصة وكتب عدة دراسات علمية واشترك في عديد من المؤتمرات الحاخامية حيث دافع عن الإصلاح الديني) . وفي عام ١٨٨٦، انتقل هيرش إلى الولايات المتحدة ليعمل حاخاماً لأبرشية اليهود الإصلاحيين في فلادلفيا وترأس المؤتمر الحاخامي الذي عُقد في هذه المدينة عام ١٨٦٩، والذي وضع مبادئ اليهودية الإصلاحية. كما أسس أول فرع لجماعة الأليانس في الولايات المتحدة. وكتابه فلسفة دين اليهود (حسبما جاء في الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية) يظهر فيه بشكل ظاهر منهج هيجل وغايته من التفلسف حيث يقول إن قوام فلسفة الدين تحويل الوعي الديني إلى حقيقة فلسفية. لكن هيرش يختلف مع هيجل في تقديمه للحقيقة الدينية حيث يجعلها صنواً للحقيقة الفلسفية.
стр. 6092
ويرى هيرش أن الإنسان لا يعي نفسه كذات إلا عندما يعي حريته، وتظل هذه الحرية تصوراً لا يتحقق إلا في حالة الإيمان بالإله من خلال ديانة منزلة. فإذا عَقَد لواء السيادة لطبيعته وحواسه على تفكيره وقلبه، فإنه يفقد حريته ويجعلها لاحقة وخاضعة لطبيعته. وهذا ما حدث في الديانات الوثنية التي جعلت الطبيعة المطلقة مبدأ، بعكس الديانات المنزلة التي أضفت كرامة على الإنسان وجعلته مسئولاً ومن ثم حراً، وليس الإله فيها إلا واهب ومريد هذه الحرية، فهو يريد للإنسان أن يكون حراً لأنه يريده أن يكون مسئولاً. وكلما نزَّهت الديانة الإله، جعلت صورته أكثر كمالاً باعتباره واهب هذه الحرية وباعتباره مريداً لها. ولذلك، كانت المسيحية، حسب رأي هيرش، ديانة متوسطة بين اليهودية والوثنية لأن المسيحية والوثنية لا تجعلان الإله مبدأ للحرية (وإن كانت المسيحية تقول ذلك بدرجة أقل من الوثنية) . وقد كانت المسيحية في بداية ظهور المسيح نسخة من اليهودية، أو كانت اليهودية نفسها. ولكن تعاليم بولس الرسول، وما أدخله من أفكار غريبة على هذه الديانة، هي التي باعدت بين الديانتين، ومن ثم فلو استُبعد ما أقحمه بولس الرسول على المسيحية لعادت المسيحية ديانة توحيدية ورافداً من روافد اليهودية. وليس أَدلُّ على صدق اليهودية من استمرار شعبها في الوجود حتى الآن، فاستمرار هذا الشعب معجزة إلهية. وقد كان الإله يُظهر نفسه لشعبه من خلال أنبيائه ومعجزاته بهم ولهم، وهو الآن يُظهر نفسه من خلال معجزة واحدة هي مشيئته التي تحققت بأن جعل الشعب اليهودي يستمر رغم كل شيء. ورغم أن هيرش أحد دعاة الإصلاح الديني والاندماج، إلا أن مقولاته التحليلية الأساسية (تفوُّق النسق الديني اليهودي - استمرار الشعب اليهودي كمعجزة إلهية) مقولات صهيونية تماماً بل إنها مقولات حلولية أبعد ما تكون عن التوحيد. ولعل هذه المقولات الكامنة هي التي تفسر صهينة اليهودية الإصلاحية نفسها فيما
стр. 6093
بعد حتى أصبح لها ممثلون في الحركة الصهيونية وإسرائيل.
كوفمان كولر (١٨٤٣-١٩٢٦ (
Kaufmann Kohler
أحد زعماء اليهودية الإصلاحية. وُلد وتلقَّى دراسته في ألمانيا، ثم استقر في الولايات المتحدة عام ١٨٦٩. وعمل حاخاماً للجماعة الإصلاحية في شيكاغو ونيويورك إلى أن عُيِّن رئيساً لكلية الاتحاد العبري عام ١٩٠٣، وظل في هذا المنصب ثمانية عشر عاماً. وكان كولر الشخصية الأساسية في مؤتمر بتسبرج الإصلاحي حيث تم تَبنِّي قراراته الإصلاحية الشهيرة. كان كولر كاتباً كثير الإنتاج في حقلي الفلسفة واللاهوت، وكان معارضاً قوياً للصهيونية. وقد أسهم في تطور اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة، وكان يُعَد العالم الإصلاحي الأساسي. اشترك في تحرير الترجمة اليهودية الأمريكية للعهد القديم، وفي الموسوعة اليهودية (القديمة التي صدرت في أوائل هذا القرن) . وله دراسة منهجية تاريخية للاهوت اليهودي تُعَدُّ من أهم أعماله.
كلود مونتفيوري (١٨٥٨-١٩٣٨٩
Claude Montefiore
عالم دين يهودي وحفيد السير مونتفيوري وإسحق ليون جولد سميد. تلقى تعليمه في أكسفورد (حيث تأثر بتعاليم المفكر الليبرالي المسيحي بنيامين جوديت) ، ثم في مدرسة علْم اليهودية في برلين، حتى يصبح حاخاماً إصلاحياً. إلا أنه وجد نفسه غير متعاطف مع اليهودية الإصلاحية، فلم يتقبل المنصب وتعرَّف إلى إسرائيل إبرامز وسولومون شختر وأسس مع الأول جويش كوارترلي ريفيو عام ١٨٨٨ وقد ألقى مجموعة محاضرات عن عقيدة العبرانيين القدامي، ونُشرت هذه المحاضرات في العام نفسه تحت عنوان محاضرات عن أصل الدين وتطوره كما تتبدَّى في عقيدة إسرائيل القديمة.
стр. 6094
ويُعتبَر مونتفيوري مؤسس اليهودية الليبرالية (وهي الصياغة المتطرفة لليهودية الإصلاحية) ، وأسَّس مع ليلي مونتاجو الاتحاد الديني اليهودي (١٩٠٢) الذي تطوَّر ليصبح الاتحاد الليبرالي اليهودي. وكان مونتفيوري رئيس المعبد اليهودي الليبرالي في لندن (١٩١١) ، وانتُخب رئيساً للاتحاد الدولي لليهودية التقدمية (١٩٢٦) . وظل في هذا المنصب حتى وفاته. كما أسَّس مونتفيوري مع العَالم الكاثوليكي البارون فون هيوجل جماعة لندن لدراسة الدين، وهي جماعة من العلماء كانوا يجتمعون بشكل دوري لمناقشة أبحاثهم في الدين. وقد توجَّه مونتفيوري للقضايا التي يثيرها نقد العهد القديم، فذهب إلى أن الدراسات الحديثة أثبتت بما لا يقبل الشك أن أسفار موسى الخمسة لا تعود إلى أيام موسى أي أنها ليست موحى بها، ولكن هذا لا يعني التخلي عن الشريعة وعن فكرة القانون لأن الإنسان يكتشف القانون داخله، والوحي يكشف له ما بداخله، أي أن الفرد يصبح المرجعية والمنطلق. وبالفعل نجد أن اليهودية الليبرالية تحاول تكييف العقيدة اليهودية وتطويعها لتناسب احتياجات اليهودي النفسية والأخلاقية. ولذا حاول مونتفيوري أن يطوِّر اليهودية حتى تظهر "يهودية جديدة تتخلص من عقائد الماضي، ومع هذا تتمسك بالأخلاق النبيلة". وكان مونتفيوري يرى أن اليهودية الليبرالية تهدف إلى الوصول إلى العالمية وإلى أن تقلل من أهمية العناصر العرْقية والقومية في اليهودية. ويَصدُر مونتفيوري عن إيمان بالإله الواحد، ويرى أن المفهوم اليهودي للإله وعلاقته بالإنسان وعلاقة الدين بالأخلاق قريب للغاية من المفهوم المسيحي، قريب ولكنه ليس مترادفاً معه. ويتحدد تميُّز اليهودية في أن الإله كامن في الطبيعة والتاريخ ومنزه عنهما في آن واحد. ومع هذا كان مونتفيوري يميل كثيراً إلى العقيدة المسيحية. وكانت دراساته في مجملها تهدف إلى تعميق فهم المسيحيين للتراث اليهودي وتعميق فهم اليهود لتعاليم المسيح. بل يبدو
стр. 6095
أنه كان يتطلع إلى اليوم الذي تظهر فيه عقيدة جديدة تضم الجوانب الإيجابية في كل من المسيحية واليهودية والديانات الأخرى. بل إن مونتفيوري كان يرى أن ثمة جوانب إيجابية في الأخلاقيات المسيحية غير موجودة في الأخلاقيات اليهودية وأن ثمة عنصراً صوفياً يوجد في الأناجيل لا يوجد في العهد القديم. وقد كان المسيح معلماً عظيماً ولكنه لم يكن مقدَّساً. ولذا، عارض مونتفيوري أية محاولة لوضع العهد الجديد على قدم المساواة مع العهد القديم أو قراءة أجزاء من العهد الجديد في الصلوات اليهودية. وقد هاجمه آحاد هعام بعنف بسبب أفكاره هذه، لأن الأخلاقيات اليهودية التي تَصدُر عن العدل (في رأي آحاد هعام) تتناقض تماماً مع الأخلاقيات المسيحية المبنية على المحبة، ومن المستحيل أن يعتنق الشخص الواحد الرأيين ويؤمن بالنسقين.
следующие страницы →