← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

حاخام ومؤلف ألماني يهودي، وأحد أعلام حركة اليهودية الإصلاحية. تَلقَّى تعليمه في ألمانيا حيث عمل فيها حاخاماً عام ١٨٤١، ولكنه اضطر إلى الاستقالة بعد عامين بسبب أفكاره الإصلاحية المتطرفة. وقد عينه ملك هولندا حاخاماً أكبر لدوقية لوكسمبورج، فاستمر في عمله لمدة عشرين عاماً (وقد انتهز هيرش هذه الفرصة وكتب عدة دراسات علمية واشترك في عديد من المؤتمرات الحاخامية حيث دافع عن الإصلاح الديني) . وفي عام ١٨٨٦، انتقل هيرش إلى الولايات المتحدة ليعمل حاخاماً لأبرشية اليهود الإصلاحيين في فلادلفيا وترأس المؤتمر الحاخامي الذي عُقد في هذه المدينة عام ١٨٦٩، والذي وضع مبادئ اليهودية الإصلاحية. كما أسس أول فرع لجماعة الأليانس في الولايات المتحدة. وكتابه فلسفة دين اليهود (حسبما جاء في الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية) يظهر فيه بشكل ظاهر منهج هيجل وغايته من التفلسف حيث يقول إن قوام فلسفة الدين تحويل الوعي الديني إلى حقيقة فلسفية. لكن هيرش يختلف مع هيجل في تقديمه للحقيقة الدينية حيث يجعلها صنواً للحقيقة الفلسفية.

стр. 6092

ويرى هيرش أن الإنسان لا يعي نفسه كذات إلا عندما يعي حريته، وتظل هذه الحرية تصوراً لا يتحقق إلا في حالة الإيمان بالإله من خلال ديانة منزلة. فإذا عَقَد لواء السيادة لطبيعته وحواسه على تفكيره وقلبه، فإنه يفقد حريته ويجعلها لاحقة وخاضعة لطبيعته. وهذا ما حدث في الديانات الوثنية التي جعلت الطبيعة المطلقة مبدأ، بعكس الديانات المنزلة التي أضفت كرامة على الإنسان وجعلته مسئولاً ومن ثم حراً، وليس الإله فيها إلا واهب ومريد هذه الحرية، فهو يريد للإنسان أن يكون حراً لأنه يريده أن يكون مسئولاً. وكلما نزَّهت الديانة الإله، جعلت صورته أكثر كمالاً باعتباره واهب هذه الحرية وباعتباره مريداً لها. ولذلك، كانت المسيحية، حسب رأي هيرش، ديانة متوسطة بين اليهودية والوثنية لأن المسيحية والوثنية لا تجعلان الإله مبدأ للحرية (وإن كانت المسيحية تقول ذلك بدرجة أقل من الوثنية) . وقد كانت المسيحية في بداية ظهور المسيح نسخة من اليهودية، أو كانت اليهودية نفسها. ولكن تعاليم بولس الرسول، وما أدخله من أفكار غريبة على هذه الديانة، هي التي باعدت بين الديانتين، ومن ثم فلو استُبعد ما أقحمه بولس الرسول على المسيحية لعادت المسيحية ديانة توحيدية ورافداً من روافد اليهودية. وليس أَدلُّ على صدق اليهودية من استمرار شعبها في الوجود حتى الآن، فاستمرار هذا الشعب معجزة إلهية. وقد كان الإله يُظهر نفسه لشعبه من خلال أنبيائه ومعجزاته بهم ولهم، وهو الآن يُظهر نفسه من خلال معجزة واحدة هي مشيئته التي تحققت بأن جعل الشعب اليهودي يستمر رغم كل شيء. ورغم أن هيرش أحد دعاة الإصلاح الديني والاندماج، إلا أن مقولاته التحليلية الأساسية (تفوُّق النسق الديني اليهودي - استمرار الشعب اليهودي كمعجزة إلهية) مقولات صهيونية تماماً بل إنها مقولات حلولية أبعد ما تكون عن التوحيد. ولعل هذه المقولات الكامنة هي التي تفسر صهينة اليهودية الإصلاحية نفسها فيما

стр. 6093

بعد حتى أصبح لها ممثلون في الحركة الصهيونية وإسرائيل. كوفمان كولر (١٨٤٣-١٩٢٦ ( Kaufmann Kohler أحد زعماء اليهودية الإصلاحية. وُلد وتلقَّى دراسته في ألمانيا، ثم استقر في الولايات المتحدة عام ١٨٦٩. وعمل حاخاماً للجماعة الإصلاحية في شيكاغو ونيويورك إلى أن عُيِّن رئيساً لكلية الاتحاد العبري عام ١٩٠٣، وظل في هذا المنصب ثمانية عشر عاماً. وكان كولر الشخصية الأساسية في مؤتمر بتسبرج الإصلاحي حيث تم تَبنِّي قراراته الإصلاحية الشهيرة. كان كولر كاتباً كثير الإنتاج في حقلي الفلسفة واللاهوت، وكان معارضاً قوياً للصهيونية. وقد أسهم في تطور اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة، وكان يُعَد العالم الإصلاحي الأساسي. اشترك في تحرير الترجمة اليهودية الأمريكية للعهد القديم، وفي الموسوعة اليهودية (القديمة التي صدرت في أوائل هذا القرن) . وله دراسة منهجية تاريخية للاهوت اليهودي تُعَدُّ من أهم أعماله. كلود مونتفيوري (١٨٥٨-١٩٣٨٩ Claude Montefiore عالم دين يهودي وحفيد السير مونتفيوري وإسحق ليون جولد سميد. تلقى تعليمه في أكسفورد (حيث تأثر بتعاليم المفكر الليبرالي المسيحي بنيامين جوديت) ، ثم في مدرسة علْم اليهودية في برلين، حتى يصبح حاخاماً إصلاحياً. إلا أنه وجد نفسه غير متعاطف مع اليهودية الإصلاحية، فلم يتقبل المنصب وتعرَّف إلى إسرائيل إبرامز وسولومون شختر وأسس مع الأول جويش كوارترلي ريفيو عام ١٨٨٨ وقد ألقى مجموعة محاضرات عن عقيدة العبرانيين القدامي، ونُشرت هذه المحاضرات في العام نفسه تحت عنوان محاضرات عن أصل الدين وتطوره كما تتبدَّى في عقيدة إسرائيل القديمة.

стр. 6094

ويُعتبَر مونتفيوري مؤسس اليهودية الليبرالية (وهي الصياغة المتطرفة لليهودية الإصلاحية) ، وأسَّس مع ليلي مونتاجو الاتحاد الديني اليهودي (١٩٠٢) الذي تطوَّر ليصبح الاتحاد الليبرالي اليهودي. وكان مونتفيوري رئيس المعبد اليهودي الليبرالي في لندن (١٩١١) ، وانتُخب رئيساً للاتحاد الدولي لليهودية التقدمية (١٩٢٦) . وظل في هذا المنصب حتى وفاته. كما أسَّس مونتفيوري مع العَالم الكاثوليكي البارون فون هيوجل جماعة لندن لدراسة الدين، وهي جماعة من العلماء كانوا يجتمعون بشكل دوري لمناقشة أبحاثهم في الدين. وقد توجَّه مونتفيوري للقضايا التي يثيرها نقد العهد القديم، فذهب إلى أن الدراسات الحديثة أثبتت بما لا يقبل الشك أن أسفار موسى الخمسة لا تعود إلى أيام موسى أي أنها ليست موحى بها، ولكن هذا لا يعني التخلي عن الشريعة وعن فكرة القانون لأن الإنسان يكتشف القانون داخله، والوحي يكشف له ما بداخله، أي أن الفرد يصبح المرجعية والمنطلق. وبالفعل نجد أن اليهودية الليبرالية تحاول تكييف العقيدة اليهودية وتطويعها لتناسب احتياجات اليهودي النفسية والأخلاقية. ولذا حاول مونتفيوري أن يطوِّر اليهودية حتى تظهر "يهودية جديدة تتخلص من عقائد الماضي، ومع هذا تتمسك بالأخلاق النبيلة". وكان مونتفيوري يرى أن اليهودية الليبرالية تهدف إلى الوصول إلى العالمية وإلى أن تقلل من أهمية العناصر العرْقية والقومية في اليهودية. ويَصدُر مونتفيوري عن إيمان بالإله الواحد، ويرى أن المفهوم اليهودي للإله وعلاقته بالإنسان وعلاقة الدين بالأخلاق قريب للغاية من المفهوم المسيحي، قريب ولكنه ليس مترادفاً معه. ويتحدد تميُّز اليهودية في أن الإله كامن في الطبيعة والتاريخ ومنزه عنهما في آن واحد. ومع هذا كان مونتفيوري يميل كثيراً إلى العقيدة المسيحية. وكانت دراساته في مجملها تهدف إلى تعميق فهم المسيحيين للتراث اليهودي وتعميق فهم اليهود لتعاليم المسيح. بل يبدو

стр. 6095

أنه كان يتطلع إلى اليوم الذي تظهر فيه عقيدة جديدة تضم الجوانب الإيجابية في كل من المسيحية واليهودية والديانات الأخرى. بل إن مونتفيوري كان يرى أن ثمة جوانب إيجابية في الأخلاقيات المسيحية غير موجودة في الأخلاقيات اليهودية وأن ثمة عنصراً صوفياً يوجد في الأناجيل لا يوجد في العهد القديم. وقد كان المسيح معلماً عظيماً ولكنه لم يكن مقدَّساً. ولذا، عارض مونتفيوري أية محاولة لوضع العهد الجديد على قدم المساواة مع العهد القديم أو قراءة أجزاء من العهد الجديد في الصلوات اليهودية. وقد هاجمه آحاد هعام بعنف بسبب أفكاره هذه، لأن الأخلاقيات اليهودية التي تَصدُر عن العدل (في رأي آحاد هعام) تتناقض تماماً مع الأخلاقيات المسيحية المبنية على المحبة، ومن المستحيل أن يعتنق الشخص الواحد الرأيين ويؤمن بالنسقين.

стр. 6096

أما فيما يتصل بموقفه من الصهيونية، فإن كلود مونتفيوري يذهب إلى أن اليهودية هي أساساً انتماء ديني وليست انتماءً قومياً سياسياً. فالدين، في تصوَّره، أمر في غاية الخطورة والأهمية، حيث إنه يملأ حياة المشتغلين به فلا يترك لهم أي وقت للاشتغال بأي شيء آخر، سياسياً كان أو قومياً، وبذا أصبح اليهود "مملكة من الكهنة". وهذا الاصطلاح الأخير له معنى روحي ديني وحسب، فلو لم يكن الأمر كذلك لأصبح الاصطلاح متناقضاً لأقصى حد. وعلاوة على هذا، يرى مونتفيوري أن رؤية اليهودية العالمية الشاملة جعلت من الصعب عليها أن تظل عقيدة قومية يحتكرها عنصرٌ أو جنسٌ لنفسه، ولذا فقدت الأمة التي تؤمن بها هويتها كأمة (بالمعنى السياسي) وتحولت إلى جماعة دينية. وقد دعَّم هذا الاتجاه إيمان اليهود بأن الإله واحد وأنه رب للعالمين لا يتحيز لشعب على حساب الآخر. لكل هذا، عارض مونتفيوري بشدة كلاًّ من الصهيونية ووعد بلفور. ولمونتفيوري مؤلفات عدة من أهمها الخطوط الأساسية لليهودية الليبرالية (١٩٢٠) ، والعهد القديم وما بعده (١٩٢٣) ، ومختارات حاخامية (١٩٣٨ ( إيوجين بورويتز (١٩٢٤-) Eugene Borowitz حاخام ومفكر ديني إصلاحي. وُلد في نيويورك، وكان ابناً لموظف في أحد مصانع الملابس. درس في جامعة أوهايو وكلية الاتحاد العبري، وحصل على الدكتوراه في التربية من جامعة كولومبيا.

стр. 6097

عمل بورويتز حاخاماً في عدد من المدن الأمريكية من بينها نيويورك، كما عمل حاخاماً في البحرية الأمريكية. من أهم مؤلفاته لاهوت يهودي جديد يُولَد (١٩٦٨) حيث يلخص المواقف اللاهوتية اليهودية الأساسية في العصر الحديث. أما كتابه القناع الذي يلبسه اليهود (١٩٧٣) ، فهو يتناول ما يتصور بورويتز أنه الأقنعة التي يرتديها يهود أمريكا. ويتناول الكتاب قضايا، مثل: الاندماج، وكُره اليهودي لنفسه، ومفهوم الشعب اليهودي، وعلاقة يهود الولايات المتحدة بالتقاليد الدينية اليهودية. ويتكون كتابه اليهودية الإصلاحية اليوم (١٩٧٨) من ثلاثة أجزاء، وهو يتناول الأفكار والممارسات الأساسية لليهودية الإصلاحية، ويؤيد بورويتز في هذا الكتاب الاتجاه المتصاعد في صفوف اليهودية الإصلاحية نحو تَبنِّي الصهيونية والعودة إلى ممارسة بعض الشعائر اليهودية باعتبارها سبيلاً لتقوية الهوية. ويقوم بورويتز بتحرير مجلة شماع التي تعبِّر عن أفكار اليهودية الإصلاحية. وينزع بورويتز نزوعاً حلولياً متطرفاً (داخل إطار الحلولية بدون إله) . فهو يرى أن ثمة توحداً ما بين الإله والدولة الصهيونية. ومن هنا، فقد صرح بأن حرب عام ١٩٦٧ كانت حرباً لا تتهدد الدولة الصهيونية وحسب وإنما كانت تتهدد الإله نفسه. ألكسندر شندلر (١٩٢٥-) Alexander Schindler زعيم اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة. وُلد في ميونخ، وهاجر من ألمانيا عام ١٩٣٢ إلى الولايات المتحدة. خدم مع القوات الأمريكية في أوربا أثناء الحرب العالمية الثانية، واستمر في دراسته الجامعية بعدها، ثم درس في كلية الاتحاد العبري ورُسِّم حاخاماً عام ١٩٥٣. وقد عُيِّن حاخاماً لمعبد إيمانويل في نيويورك، وشغل عدة مناصب قيادية في المؤسسات اليهودية والصهيونية. ويحاول شندلر أن يسترجع لليهودية الإصلاحية بعض الشعائر، وشيئاً من الحس الديني الذي استبعده مؤسسو الحركة بتأثير الفلسفة العقلانية.

стр. 6098

اُنتخب شندلر رئيساً لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى عام ١٩٧٦. وهو بهذا، يُعتبَر أول يهودي إصلاحي يشغل هذا المنصب. وقد بقي شندلر في هذا المنصب حتى عام ١٩٧٨. وإبان فترة رئاسته، تعاون مع بيجين وقدم له المشورة أثناء مباحثات كامب ديفيد. وموقف شندلر هو موقف الصهاينة الذين يؤيدون إسرائيل التوطينيين، ويضغطون من أجلها، ولا يهاجرون إليها قط. وهو موقف يتسم أيضاً بالتأييد الكامل للدولة الصهيونية، ورفض النقد العلني لها. ومع هذا، فإن الصهاينة التوطينيين يتوقعون من إسرائيل باستمرار أن تسلُك سلوكاً لا يسبب لهم حرجاً في أوطانهم. ولذا، فحينما اتضح دور إسرائيل في مذابح صابرا وشاتيلا، حاول شندلر أن يعبِّر عن القلق المتزايد بين يهود أمريكا بسبب سلوكها. ولكن بيجين أخبره بأن اليهودي الحق يؤيد إسرائيل دون أي تردُّد أو تساؤل، فيتخذ منها موقف المؤمن. ولعل هذا ما جعل شندلر يصرح بأن اليهود الأمريكيين «أصبحوا، إلى حدٍّ كبير، جماعة تسيطر عليها قضية واحدة هي إسرائيل، والدولة أصبحت معبدهم، ورئيس وزرائها حاخامهم، وأصبحت القضايا الداخلية والدولية تقاس بمقياس مدى نفعها أو ضررها لإسرائيل» . وقد انضم شندلر إلى حلقة دراسية تضم الحاخام جرشون كوهين (زعيم اليهودية المحافظة) وترى أن يهود أمريكا ككل يمكنهم الاحتفاظ باهتمامهم بإسرائيل، وأن يصوغوا في الوقت نفسه مصيرهم المستقل دون أن يتقبلوا بالضرورة مفهوم مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا (الجماعات اليهودية خارج إسرائيل) . وبعد الانتفاضة، تَشجَّع شندلر وعبَّر عن حرج يهود الولايات المتحدة الشديد إزاء سلوك إسرائيل، وطالبها بالتفاهم مع الفلسطينيين. اليهودية الإصلاحية والصهيونية Reform Judaism and Zionism

стр. 6099

كان من المنطقي أن تعادي اليهودية الإصلاحية (بنزعتها الاندماجية) الحركة الصهيونية (في نزعتها القومية المشيحانية، وفي تمجيدها للجيتو والتلمود، وفي حفاظها على النطاق الضيق للحلولية اليهودية التقليدية) . وقد عَقَد الإصلاحيون عدداً من المؤتمرات للتعبير عن رفضهم للصهيونية. كما أنهم رفضوا وعد بلفور وكل المحاولات السياسية التي تنطلق من فكرة الشعب اليهودي أو التي كانت تخاطب اليهود كما لو كانوا كتلة بشرية متجانسة لها مصالح مستقلة عن مصلحة الوطن الذي ينتمون إليه.

стр. 6100

وقد ظلت هذه العداوة قائمة زمناً طويلاً في الولايات المتحدة. ولكن اليهود في الغرب جزء لا يتجزأ من المصالح الاقتصادية والسياسية لبلادهم، ومن محيطها التاريخي والحضاري، وهذه البلاد في مجموعها تشجع المشروع الصهيوني. ولذا، لم يكن من الممكن أن تستمر الفكرة أو العقيدة الإصلاحية في مقاومة الواقع الإمبريالي الغربي الممالئ للصهيونية. وعلى كلٍّ، فإن اليهودية الإصلاحية جعلت روح العصر النقطة المرجعية والركيزة النهائية، والإمبريالية جزء أساسي من روح العصر في الغرب. ولكل هذا، نجد أن اليهودية الإصلاحية تخلت بالتدريج عن رؤيتها الليبرالية، وأخذت في تعديل رؤيتها بشكل يتواءم مع الرؤية الصهيونية. وبالفعل، بدأ الإصلاحيون في العودة إلى فكرة القومية اليهودية الصهيونية، وإلى فكرة الأرض المقدَّسة، فجاء في قرار مؤتمر كولومبوس عام ١٩٣٧ أن فلسطين «أرض مقدَّسة بذكرياتنا وآمالنا» إلا أن مصدر قداستها ليس العهد بين الشعب والإله، وإنما الشعب اليهودي نفسه (وفي هذا اقتراب كبير من اليهودية المحافظة) . وقد حاول الإصلاحيون تبرير هذا التحول بالعودة إلى التراث اليهودي فبيَّنوا أن الأنبياء كانوا يؤيدون الاتجاه القومي الديني دون أن يتخلوا عن الدفاع عن الأخلاقيات الإنسانية العالمية، ودون أن يجدوا أيَّ تناقض بين الموقفين، أي أن الإصلاحيين تقبَّلوا الموقفين: الانعزالي والعالمي دون تساؤل، وهم في هذا يقتربون من الصهيونية الثقافية، ومن صهيونية الجماعات اليهودية (أي الصهيونية التوطينية) في استخدامها مقياسين مختلفين: أحدهما يجعل اليهودية قومية بالنسبة للمستوطنين الصهاينة والإسرائيليين، والآخر يجعلها ديناً وتراثاً روحياً بالنسبة للمنفيين الذين لا يريدون مغادرة المنفى بسبب سعادتهم البالغة به!

стр. 6101

وقد تزايد النفوذ الصهيوني داخل معسكر اليهودية الإصلاحية إلى درجة أن الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية (أي الإصلاحية) عقد مؤتمره السنوي الخامس عشر في مدينة القدس للمرة الأولى عام ١٩٦٨، وذلك عقب عدوان ١٩٦٧ وفي غمرة الحماس القومي الذي اكتسح يهود العالم نتيجة للانتصار الإسرائيلي. وقد تزايدت أيضاً العناصر القومية في الشعائر الإصلاحية (حيث تُتلى الآن بعض الصلوات بالعبرية) ، كما أن الإصلاحيين ينفخون في البوق (شوفار) في المعبد في عيد رأس السنة وأدخلوا بعض العناصر التراثية على الصلوات الأخرى. وبدأت اليهودية الإصلاحية، ابتداءً من منتصف السبعينيات، تساهم بشكل واضح في الحركة الصهيونية، حيث أصبحت ممثلةً فيها من خلال جمعية أراز (جمعية الصهاينة الإصلاحيين في أمريكا) . وقد انضم الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية إلى المنظمة الصهيونية العالمية عام ١٩٧٦. وانضمت أرتسينو (الرابطة الدولية للصهاينة الإصلاحيين) باعتبارها حزباً صهيونياً إلى المنظمة. فأصبح لليهودية الإصلاحية كيبوتسات ومؤسسات تربوية في إسرائيل وتنظيمات لجمع الأموال لها. وفي عام ١٩٧٦، عُقد آخر المؤتمرات الإصلاحية التي أعادت صياغة العقيدة اليهودية في سان فرانسيسكو، ويُلاحَظ في قراراته أنها تحثُّ على استمرار الاتجاه نحو تعميق البُعد القومي. فالحقيقة الأساسية في حياة اليهود، حسب قرارات المؤتمر، هي الإبادة النازية، الأمر الذي يدل على الاتجاه نحو تَقبُّل لاهوت موت الإله ولاهوت ما بعد أوشفيتس. وقد بدأت اليهودية الإصلاحية تتجه نحو محاولة الالتزام ببعض الشعائر اليهودية بقدر الإمكان. ومع هذا أُعيد تعريف اليهودي بحيث يصبح "من وُلد لأب يهودي أو أم يهودية"، وأُبيح الزواج المُختلَط شرط أن يكون الأبناء يهوداً. وقد أُدخلت كل هذه التعديلات بسبب الرغبة في البقاء (أي التزاماً بلاهوت البقاء) . وقد صدر، في عام ١٩٧٥، كتاب إصلاحي جديد للصلوات يُسمَّى بوابات

стр. 6102

الصلاة، وهو كتاب تتبدَّى فيه الاتجاهات الصهيونية السابقة وقد صدر ليحل محل الكتاب الذي صدر في عام ١٩٤١. وفي عام ١٩٨٨ أصدرت أرتسينو بياناً يحدد موقفها من الصهيونية فأكدت أهمية إسرائيل بالنسبة ليهود العالم ولكنها أكدت أيضاً التعددية في حياة اليهود، وهي تعددية لا تستبعد العلمانية، ولذا فهي تؤيد كلاً من الدياسبورا والهجرة الاستيطانية، وطالب البيان حكومة إسرائيل بأن تبتعد عن القمع الديني والعنف السياسي، ودافع عن حقوق العرب ودعا إلى حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي، مبني على الضمانات والتنازلات المتبادلة. وقد أُسِّست أولى الأبرشيات الإصلاحية في فلسطين عام ١٩٣٦ في حيفا وتل أبيب والقدس. وفي عام ١٩٣٩، أُسِّست مدرسة ليو بابك في حيفا، وهي أول مدرسة دينية غير أرثوذكسية في فلسطين (إسرائيل) . ويُعَدُّ معبد ها إيل الذي أُسِّس عام ١٩٥٨ أقدم المعابد الإصلاحية (التقدمية) في إسرائيل. وفي عام ١٩٦٣أسست كلية الاتحاد العبري فرعاً لها في القدس. وقد تم توسيعها عام ١٩٨٧، ثم أصبحت المقر الرئيسي للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية، ويوجد قسم بالكلية لإعداد الإسرائيليين ليصبحوا حاخامات إصلاحيين، وقد تم ترسيم أول حاخام إصلاحي متخرج في المدرسة عام ١٩٨٠، وبلغ عددهم ٢٠ عام ١٩٩٦. وكل حاخامات إسرائيل الإصلاحيين (التقدميين) أعضاء في مجلس الحاخامات التقدميين. ولا يقبل حاخامات إسرائيل الإصلاحيون تعريف اليهودي الذي يقبله حاخامات الولايات المتحدة الإصلاحيون. ويوجد فرع لكلية الاتحاد العبرية في إسرائيل، وقد انتقل المقر الرئيسي للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية إلى القدس عام ١٩٧٢. وفي عام ١٩٨٠، تم تأسيس حركة الشباب الدولية الإصلاحية الصهيونية في القدس وتتبعها عشرة فروع. وتتبع الفرع الإسرائيلي حركة الكشافة الإسرائيلية. ولا يزيد عدد اليهود الإصلاحيين في إسرائيل عن عشرين ألف.

стр. 6103

ولا تعترف المؤسسة الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل باليهودية الإصلاحية، ولا بحاخاماتها، ولا بالزيجات التي يعقدونها، ولا بمراسم التهود التي يقومون بها، فهم يجعلونها سهلة يسيرة على عكس طقوس التهود الأرثوذكسية. وتثار هذه القضية من آونة إلى أخرى، حينما يطرح قانون العودة للنقاش، فهو القانون الذي يتضمن محاولة تعريف الهوية اليهودية إذ تحاول المؤسسة الأرثوذكسية أن تضيف تعديلاً يستبعد اليهود الذين تهودوا على يد الحاخامات الإصلاحيين. ويدعو زعماء اليهودية الإصلاحية إلى أن تكون المساعدات التي تُخصَّص للمؤسسات الإصلاحية في إسرائيل متناسبة مع حجم تبرعات اليهود الإصلاحيين، إذ أن معظم التبرعات يدفعها يهود غير أرثوذكس، ومع هذا يصب معظمها في المؤسسات الأرثوذكسية. وقد بدأ بعض زعماء اليهودية الإصلاحية، مثل ألكسندر شندلر، في محاولة الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الدولة الصهيونية، وخصوصاً بعد حادثة بولارد وبعد الانتفاضة. وهم يؤكدون مركزية الدياسبورا (الجماعات اليهودية خارج فلسطين) مقابل مركزية إسرائيل، كما يحاولون تغليب الجانب الديني على الجانب القومي. الباب السادس: اليهودية الأرثوذكسية اليهودية الأرثوذكسية: تاريخ Orthodox Judaism:History «اليهودية الأرثوذكسية» ويشار إليها باعتبارها «الأصولية اليهودية» حينما تطبق داخل الدولة الصهيونية واليهودية الأرثوذكسية فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر، وجاءت كرد فعل للتيارت التنويرية والإصلاحية بين اليهود. وتُعتبر الأرثوذكسية الامتداد الحديث لليهودية الحاخامية التلمودية. ومصطلح «أرثوذكس» مصطلح مسيحي يعني «الاعتقاد الصحيح» . وقد استُخدم لأول مرة في إحدى المجلات الألمانية عام ١٧٩٥، للإشارة إلى اليهود المتمسكين بالشريعة. وقد تزعَّم الحركة اليهودية الحاخام سمسون هيرش.

стр. 6104

وثمة اختلاف بين الأرثوذكس في شرق أوربا، والأرثوذكس في ألمانيا وغرب أوربا، إذ يعارض الفريق الأول كل البدع والتجديدات، سواء في الزي أو في النظام التعليمي، في حين تَبنَّى الفريق الثاني سياسة الحفاظ على نمط الحياة التقليدية، ولكنه يقبل مع هذا الزي الحديث والتعليم العلماني العام، ولذا يُشار إليهم بـ «الأرثوذكس الجدد» . ويُعَدُّ الحسيديون من اليهود الأرثوذكس المتطرفين، كما أن فكرهم يعبِّر عن الحلولية اليهودية بشكل متبلور. وقد هاجرت اليهودية الأرثوذكسية مع المهاجرين من يهود اليديشية من شرق أوربا (من شتتلات روسيا وبولندا) الذين كانوا لا يتحدثون إلا اليديشية، والذين لم يكونوا قد تعرفوا إلى أفكار حركة التنوير والاستنارة. وحينما حضر هؤلاء إلى أمريكا، وجدوا أن اليهودية السائدة فيها هي اليهودية الإصلاحية نتاج حركة الاستنارة، والتي يسيطر عليها العنصر الألماني المندمج الثري الذي كان يكن الاحتقار ليهود اليديشية، فأسس الأرثوذكس اتحاد الأبرشيات في أمريكا عام ١٨٩٨،وأهم مؤسساتها العلمية جامعة يشيفاه. وقد كانت تتبع الحركة الأرثوذكسية شبكة كبيرة من المدارس، إذ أن اليهودية الأرثوذكسية تولي اهتماماً خاصاً للتعليم يفوق اهتمام الفرق الأخرى. وتوجد اختلافات داخل الحركة الأرثوذكسية، فهناك اتحاد للحاخامات المغالين في الحفاظ على التقاليد، وهو اتحاد الحاخامات الأرثوذكس في أمريكا وكندا (١٩٠٢) . أما الحاخامات الذين درسوا في أمريكا، فقد أسسوا مجلس أمريكا الحاخامي عام ١٩٢٣. ويحتفظ الحسيديون بقسط كبير من الاستقلال بعد أن أصبحوا من أهم أجنحة الأرثوذكسية، بعد الحرب العالمية الثانية. وهناك أيضاً اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية في أمريكا، ويضم كل المعابد الأرثوذكسية.

стр. 6105

ورغم التماسك العقائدي والعائلي للأرثوذكس، ورغم عزلة أعداد كبيرة منهم داخل جيتواتهم الاختيارية، فإنهم يواجهون كثيراً من المشاكل التي يواجهها أعضاء المجتمع الاستهلاكي من انصراف عن القيم الأخلاقية وانتشار ما يُسمَّى الجنس العرضي أو السريع، أي الذي لا يستند إلى حب، ولا ينبع من علاقة دائمة ولا يتبدَّى في شكل علاقة إنسانية تتسم بشيء من الاستمرار والثبات، فضلاً عن تعاطي المخدرات وزيادة نسبة الأطفال غير الشرعيين. ويُلاحَظ أن عدد اليهود الأرثوذكس في الولايات المتحدة ضئيل للغاية، إذ لا يزيد على ٩% من يهود أمريكا (مقابل ٦٥% إصلاحيون ومحافظون وتجديديون، و٢٦% لا علاقة لهم بأية فرقة يهودية) حسب ما جاء في الكتاب اليهودي الأمريكي السنوي لعام ١٩٩٢. ومع هذا أوردت إحدى المراجع غير اليهودية أن عددهم هو مليون، وهو رقم مُبالَغ فيه. ويبلغ عدد الأبراشيات اليهودية الأرثوذكسية ١٢٠٠ أبراشية. والأرثوذكس لا يؤمنون بالتبشير بين الأغيار. ولكن عددهم، مع هذا، لا يتناقص (على خلاف الإصلاحيين والمحافظين) بسبب خصوبتهم المرتفعة، وبسبب انخفاض معدلات الزواج المُختلَط بينهم وإقبالهم على الزواج في سن مبكرة. اليهودية الأرثوذكسية: الفكر الديني Orthodox Judaism:Religious Thought ينطلق هيرش والأرثوذكس من نقطة ثبات ميتافيزيقية تقع خارج نطاق الطبيعة، وهي أن الإله أوحى إلى موسى التوراة فوق جبل سيناء، وتمثل هذه النقطة بالنسبة إليهم حقيقة لا يمكن مناقشتها أو الجدال فيها، وهي مسألة ثابتة ذات معنى عميق وثابت يلغي أي معنى آخر يختلف عنها، فهي ركيزة النسق الأساسية ومرجعيته المتجاوزة.

стр. 6106

والتوراة، حسب تصوُّر الأرثوذكس، كلام الإله كتبها حرفاً حرفاً وأوحى بها إلى موسى، وهذه حقيقة يؤمن بها المؤمن إيمانه بأن الله خلق العالم من العدم، والمؤمن لا يعرف كيف خلق الله العالم ولا كيف كتب التوراة وأوحاها، أما كيف تم الوحي فمسألة مبهمة. وهناك في صفوف الأرثوذكس من يعطي دوراً للعنصر الذاتي في التجربة الدينية ولكنهم جميعاً يؤمنون بعقيدة الوحي الإلهي وأن التوراة منزَّلة من الإله، ولذا فهي وحدها مصدر الشريعة، قيمها خالدة أزلية تنطبق على كل العصور. ولولا التوراة لما تحقَّق وجود جماعة يسرائيل، وعلى الشعب اليهودي اتّباع هذا الكتاب المقدَّس إلى أن يأتي وحي جديد. وقد نادى الأرثوذكس بعدم التغيير أو التبديل أو التطوير، لأن عقل الإنسان ضعيف لا يمكنه أن يعلو على ما أرسله الإله، ولأن التطور سيودي حتماً باليهودية. ولكنهم مع هذا يختلفون حول تحديد أي أجزاء من التوراة هي التي أوحي بها الإله مباشرةً. وثمة إجماع على أن أسفار موسى الخمسة مرسلة من الإله، وبعضهم يوسع نطاق القداسة لتشمل كتباً أخرى من العهد القديم وهناك من يوسع نطاق القداسة ليشمل كل كتب الشريعة الشفوية. وهناك من الأرثوذكس من يميل نحو تفسير التوراة تفسيراً حرفياً، ومن يؤمن بأن التاريخ الذي ورد فيها تاريخ حقيقي بالمفهوم المادي، ولكن هناك من يرى أن ما ورد في التوراة ليس حقائق تاريخية، وإنما فلسفة تاريخ (ولذا نجد أن هناك من الأرثوذكس من يصر على أن عمر الأرض هو كما ورد في العهد القديم الحاخام مناحم شنيرسون) . ولكن هناك من لا يجد أية صعوبة في قبول الحقائق العلمية (الحاخام مناحم منديل كاشير) . أما فيما يتصل بالأجزاء القانونية (التشريعية) فهناك من الأرثوذكس من يرى أنها تشريعات أزلية ثابتة، ولكن هناك فريق يشير إلى أن التوراة الشفوية نفسها دليل على أن بعض القوانين الدينية ليس أزلياً.

стр. 6107

ولكن الأرثوذكس لا يؤمنون بالتوراة وحدها باعتبارها مستودع الكشف الإلهي، وإنما يؤمنون أيضاً بالتوراة (أو الشريعة) الشفوية. وبكل كتب اليهودية الحاخامية، مثل التلمود والشولحان عاروخ بل وكتب القبَّالاه، أو على الأقل التفسيرات القبَّالية، وهي التفسيرات التي همَّشت النص التوراتي باعتبار أن الشريعة الشفوية تجعل الاجتهاد البشري (الحاخامي) أكثر أهمية وإلزاماً من النص الإلهي. ويعتقد الأرثوذكس اعتقاداً حرفياً بصحة العقائد اليهودية الحلولية، مثل: الإيمان بالعودة الشخصية للماشيَّح، وبالعودة إلى فلسطين، وبأن اليهود هم الشعب المختار الذي يجب أن يعيش منعزلاً عن الناس لتحقيق رسالته. وبسبب قداسة هذا الشعب، نجد أن الأرثوذكس يعارضون أية أنشطة تبشيرية، فالاختيار هو نتيجة للحلول الإلهي، ومن ثم فهو أمر يُتوارث. ومن هنا، تتمسك اليهودية الأرثوذكسية بالتعريف الحاخامي لليهودي باعتبار أنه من وُلد لأم يهودية أو تهوَّد حسب الشريعة أي على يد حاخام أرثوذكسي. وتعبِّر الحلولية عن نفسها دائماً من خلال تَزايُد مفرط في الشعائر التي تفصل الشعب المقدَّس عن الأغيار. واليهودية الأرثوذكسية تؤمن بأن الأوامر والنواهي مُلزمة لليهودي الذي يجب أن يعيد صياغة حياته بحيث تُجسِّد هذه الأوامر والنواهي، وهي في إيمانها هذا لا تقبل أيَّ تمييز بين الشرائع الخاصة بالعقائد وتلك الخاصة بالشعائر. ومن هنا التزامها الكامل في التمسك بالشعائر، فبعض الأرثوذكس يطالبون بعدم تغيير الطريقة التي يرتدي بها اليهود ملابسهم أو يقصون شعرهم. ولا تزال النساء في بعض الفرق الأرثوذكسية يحلقن شعورهن تماماً عند الزواج ويلبسن شعراً مستعاراً بدلاً منه. وهناك من يستخدمون العبرية في صلواتهم، ولا يسمحون باختلاط الجنسين في العبادات.

стр. 6108

ويحاول الأرثوذكس (كمجموعة دينية) الانفصال عن بقية الفرق اليهودية الأخرى حتى يمكنهم الحفاظ على جوهر اليهودية الحقيقي دون أن تشوبه شوائب. ولكن هذا الموقف يتفاوت فهناك من يبغض غير الأرثوذكس ولكن هناك من يطالب بحبهم والدفاع عنهم. ولكن ثمة نقاط التقاء كثيرة بين اليهودية الأرثوذكسية واليهودية المحافظة. فكلتاهما تضفي هالة من القداسة على حياة اليهود وتاريخهم، وإن كانوا يختلفون في مصدر هذه القداسة، ويعود هذا إلى أن كلتيهما تَصدُران عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي، وهي طبقة تعادل بين الإله والشعب. ومع هذا، يمكن التمييز بين اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة من جهة واليهودية الأرثوذكسية من جهة أخرى، باعتبارهما تعبِّران الروحية (الإله ـ الأرض ـ الشعب) بحيث نجد أن الإله يكون في المركز أحياناً وفي الهامش أحياناً أخرى، نجد أن اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة تعبِّران عن مرحلة بداية شحوب الإله ثم موته. ففي إطار اليهودية المحافظة، نجد أن الإله قد شحب أو تلاشى تماماً وأصبح لا وجود له خارج التاريخ اليهودي، أما اليهودية الإصلاحية فترى أن الإله قد ذاب في التاريخ الإنساني وفي فكرة التقدم. ومن هنا نجد أن الموقف مختلف من التوراة والشريعة الشفوية والشعائر. ومع شحوب الإله واختفائه، يصبح التمسك بالشعائر أمراً لا ضرورة له على الإطلاق أو تكون له قيمة رمزية شكلية محضة. الأرثوذكسية الجديدة Neo-Orthodoxy «الأرثوذكسية الجديدة» مصطلح يُطلَق على الفرق اليهودية الأرثوذكسية المعتدلة، والتي تقبل مقولات اليهودية الأرثوذكسية الدينية والأخلاقية، ولكنها تأخذ موقفاً وسطاً في بعض المسائل التفصيلية مثل ارتداء الأزياء الحديثة وحلاقة الذقن وقص السوالف. حريديم Heredim

стр. 6109

«حريديم» أصبحت من الكلمات المألوفة في الخطاب اليومي في إسرائيل وهي عادةً تعني ببساطة «يهودي أرثوذكسي» أو «يهودي متزمت دينياً» . وكثيراً ما تُستخدَم الكلمة في الصحافة الإسرائيلية والغربية بهذا المعنى. ومع هذا تشير الكلمة (بمعناها المحدد) إلى اليهود المتدينين من شرق أوربا الذين يرتدون أزياء يهود شرق أوربا (المعطف الطويل الأسود والقبعة السوداء ويضيفون له الطاليت) ويرسلون ذقونهم إلى صدورهم وتتدلى على آذانهم خصلات من الشعر المقصوع. وهم لا يتحدثون العبرية على قدر استطاعتهم (باعتبارها لغة مقدَّسة) ويفضلون التحدث باليديشية. وتتميَّز عائلات الحريديم بزيادة عددها لأنهم لا يمارسون تحديد النسل، ولذا فأعدادهم تتزايد بالنسبة للعلمانيين الذين يحجمون عن الزواج والانجاب. اتحاد الحاخامات الأرثوذكس في أمريكا وكندا Union of Orthodox Rabbis of U.S.A. and Canada منظمة تضم معظم الحاخامات الأرثوذكس، وتدافع عن قيم اليهودية الأرثوذكسية. أُسِّست عام ١٩٠٢، ومقرها الأساسي نيويورك. وهي تضم أساساً الحاخامات المغالين في التقليدية، على عكس تنظيم المجلس الحاخامي في أمريكا. المجلس الحاخامي في أمريكا Rabbinical Council of America منظمة تأسست عام ١٩٢٣، تضم الحاخامات الأرثوذكس الذين تلقَّوا تعليمهم في الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن أعضاءها يتسمون بأنهم أكثر تحرُّراً من أعضاء اتحاد الحاخامات الأرثوذكس في الولايات المتحدة وكندا. اتحاد الأبرشيات اليهودية الأرثوذكسية في أمريكا Union of Orthodox Jewish Congregations of America هيئة تضم كل المعابد اليهودية الأرثوذكسية، تم تأسيسها عام ١٨٩٨. وينشر الاتحاد عدة مجلات ونشرات، ويتبعه قسم خاص لإصدار شهادات الكاشروت، أي الطعام المباح شرعياً، وهي شهادات للمطاعم ومحلات الطعام المختلفة التي تتبع الشريعة. سمسون هيرش (١٨٠٨-١٨٨٨ ( Samson Hirsch

стр. 6110

حاخام ألماني، وقائد الحركة اليهودية الأرثوذكسية. تَلقَّى تعليماً دينياً كاملاً ودرس التلمود مع والده، وكان من أوائل الثائرين ضد اليهودية الإصلاحية. أصبح عام ١٨٥١ حاخام الجماعة الأرثوذكسية في فرانكفورت التي عزلت نفسها عن الجماعة الإصلاحية لأنه كان يرى أنها ستؤدي إلى انحلال اليهودية، وإلى إفراغها من محتواها، وطرح بدلاً من ذلك شعار «التوراة والمعرفة العلمانية» . وقد كان هيرش يرى أن اليهود شعب، ولكن قوميتهم مختلفة عن القوميات الأخرى، فقوميتهم دينية، وعليهم انتظار الماشيَّح الذي سيحوِّلهم إلى شعب كامل. وفي انتظار مقدم الماشيَّح، عليهم إقامة كل الشعائر الدينية المنصوص عليها في التوراة، وذلك حتى يعجلوا بخلاص أنفسهم وخلاص العالم وتَوحُّد الذات الإلهية، حسبما جاء في كتب القبَّالاه. وقد طالب هيرش اليهود الأرثوذكس بأن ينظموا أنفسهم في جماعة مستقلة ومنفصلة، وأن يرفضوا التحالف مع الجماعات اليهودية الأخرى، أو الاختلاط بها، إذا هي رفضت مُثلهم وعقائدهم. وقد ضَمَّن هيرش كتابه تسعة عشر خطاباً عن اليهودية معظم أفكاره. والكتاب دفاع عن اليهودية ضد الهجمات التي يوجهها ضدها دعاة الإصلاح والتحديث. وحسب تصور هيرش، فإن اليهود هم الشعب الوحيد الذي يدل أسلوب حياته نفسه على أنه خُلْق ليخدم الإله، وأنه لا يجد سعادته إلا في تحقيق ذلك الهدف. ومن هنا، فإنه يرى أن مشكلة الإصلاح الديني اليهودي تتمثل في أن دعاته يقللون من واجبات اليهودية وأعبائها من أجل راحة اليهودي، بدلاً من رفع اليهودي إلى مرتبة اليهودية. فالمطلوب إصلاح اليهود وليس اليهودية.

стр. 6111

ويُلاحَظ أن مقولات هيرش تحمل تعريضاً بالصهيونية. فإذا كان على اليهودي أن ينتظر في صبر وأناة مقدم الماشيَّح، وألا يسقط في خطيئة التعجيل بالنهاية، فإن هذا يعني أنه لا يملك أن يقرر العودة إلى أرض الميعاد متى شاء ذلك، كما أنه إذا كان الإطار المرجعي هو اليهودية، بأعبائها الأخلاقية، وليس راحة اليهود أو سعادتهم، فعلى اليهودي أن يقبل المنفى باعتباره تكليفاً إلهياً، وعليه ألا يحاول تطبيع نفسه وتطبيع اليهودية ليحقق السعادة لنفسه ولمن حوله. وبالفعل، يُلاحَظ أن الفكر الأرثوذكسي كان في البداية معادياً للصهيونية وبكل شراسة، ولكن هذا الموقف أخذ في التراجع حتى انتهى الأمر إلى صهينة اليهودية بكل مدارسها، ولم يبق سوى قلة أرثوذكسية مثل الناطوري كارتا، محتفظة بموقفها المعادي للصهيونية. وعلى كلٍّ، فهذا أمر متوقع تماماً بسبب الإطار الحلولي الذي يخلع القداسة على الشعب اليهودي وعلى مؤسساته القومية. والدولة الصهيونية ـ حسب هذه الرؤية ـ هي أهم هذه المؤسسات. إسرائيل هيلدشايمر (١٨٢٠-١٨٩٩ ( Israel Hildesheimer عالم يهودي ألماني. عمل حاخاماً من ١٨٥١ حتى وفاته، وكان من أشد معارضي اليهودية الإصلاحية. ولهذا السبب، أسس عام ١٨٧٣ الكلية اللاهوتية الحاخامية في برلين التي قام بإدارتها. وهو يُعَدُّ من مؤسسي اليهودية الأرثوذكسية في شكها المعتدل الذي يُطلَق عليه «الأرثوذكسية الجديدة» . برنارد ريفيل (١٨٨٥-١٩٤٠ ( Bernard Revel

стр. 6112

عالم يهودي وُلد في ليتوانيا ودرس فيها، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٩٠٦ حيث استكمل دراسته وأسس أول مدرسة ثانوية تجمع بين الدراسات الدنيوية والدراسات التلمودية. وأسس كلية يشيفا التي كانت أيضاً أول كلية جامعية تجمع الدراستين، وكان أول رئيس لها. وقد اختير ريفيل رئيساً شرفياً لاتحاد الحاخامات الأرثوذكس في الولايات المتحدة وكندا. وتناولت دراساته الفرقة القرّائية، ويوسيفوس، وتطوُّر الشريعة. ويُعَدُّ ريفيل من أهم مؤسسي المذهب الأرثوذكسي في الولايات المتحدة. جوزيف سولوفايتشيك (١٩٠٣-) Joseph Soloveitchik قائد اليهودية الأرثوذكسية في الولايات المتحدة، وأهم مفكريها. وُلد في بولندا، وقضى طفولته في روسيا البيضاء مع أبيه، ودرس التلمود والشريعة، ثم دخل جامعة برلين، حيث حصل منها على درجة الدكتوراه عام ١٩٣١، وكتب رسالة عن نظريات هرمان كوهين في المعرفة والميتافيزيقا. هاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٩٣٢، وأصبح حاخاماً للأبرشية الأرثوذكسية في بوسطن، ثم أصبح أستاذاً للدرسات التلمودية في جامعة يشيفاه، ثم ترأس لجنة الشريعة التابعة للمجلس الحاخامي في أمريكا. وبسبب منصبه هذا، أصبح سولوفايتشيك من أهم الشخصيات في المؤسسة الأرثوذكسية في الولايات المتحدة. ومن الناحية السياسية، ينتمي سولوفايتشيك إلى حركة المزراحي، وكان رئيساً فخرياً لها عام ١٩٤٦. وفي عام ١٩٥٩، عرضت عليه الدولة الصهيونية أن يشغل منصب الحاخام الإشكنازي الأكبر ولكنه رفض العرض. ويُعَدُّ سولوفايتشيك قائد الجناح المعتدل داخل اليهودية الأرثوذكسية بلا منازع. وقد ترك أثره العميق من خلال محاضراته. ويُقال إن المحاضرات السنوية التي كان يلقيها في جامعة يشيفاه كان يحضرها الآلاف، وكانت تُعَدُّ أهم المناسبات الأكاديمية بالنسبة إلى اليهود الأرثوذكس.

стр. 6113

وسولوفايتشيك مُقلٌ في النشر، وأهم مؤلفاته هو إيشي هالاخاه (أي رجال الهالاخاه) ، الذي حدد فيه موقفه اللاهوتي، وعبر فيه عن آرائه الأرثوذكسية الحلولية التي تجعل الإنسان اليهودي موضع القداسة. فاليهودي حين يعيش حسب الشريعة، يصبح سيد نفسه، وسيد التيارات التي تسري في حياته، وتصبح حياته مقدَّسة، ويدخل الإله واليهودي في علاقة تعاقدية (ميثاقية) . هذه العلاقة تربط الإله بشكل وثيق (شخصي) يشبه علاقة شخص بشخص آخر.

стр. 6114

ومع هذا يُلاحَظ أن سولوفايتشيك يحاول محاصرة الحلولية إلى حدٍّ ما والتقليل من حدتها وهو ينطلق من المقولة الأرثوذكسية القائلة بأن التوراة موحى بها كلها من الإله ولذا فكل ما فيها له معنى. وهو يقارن بين التوراة وعالم المُثُل والأفكار الأفلاطونية حيث أُرسلت التوراة (المثالية) للناس كي يطبقوها على حياتهم، برغم أنها متجاوزة لهذه الحياة. ويُشبِّه سولوفايتشيك الشريعة بالصيغ الرياضية، فكما أن العالم الرياضي يحاول أن يطوِّر نظرية متماسكة لها منطقها الداخلي المتماسك، يفسر من خلالها معطيات الواقع المادية المتناثرة ويربطها بعضها ببعض، فإن "رجل الشريعة" عنده هو التوراة التي تضفي القداسة على كل الحياة الإنسانية وتعطيها معنى واتجاهاً. وسولوفايتشيك لا يسقط تماماً في الحلولية التي تخلع القداسة على كل شيء. بل إنه يذهب إلى أن الشريعة لا ترى شيئاً مقدَّساً في حد ذاته، فإيمان اليهودي هو الذي يخلع على الأشياء القداسة. والواقع أن لفائف التوراة ليست مقدَّسة في حد ذاتها، وإنما هي كذلك حين يباركها الخطاط الكاتب، كما أن الهيكل بكل ملحقاته، يظل غير مقدَّس إلى أن يكرسه اليهود. ويضرب سولوفايتشيك مثلاً آخر، فيقول إن الإله نزل إلى موسى في سيناء، ومع هذا فلا يوجد فيها أثر للقداسة، في حين نجد أن ما يُسمَّى «جبل الهيكل» الذي كرسه إبراهيم بصعوده عليه للإله أصبح مقدَّساً واختير ليكون موقع الهيكل وظل مقدَّساً مدى الزمان.

стр. 6115

ويذهب سولوفايتشيك إلى أن الشريعة تشير إلى المثل الأعلى ومع هذا فهي تؤثر في كل أوجه الحياة. واستجابة الإنسان لتحدي الشريعة الإلهية لا تتمثل في إيمانه الأعمى وتَقبُّله للأوامر الإلهية وحسب وإنما في محاولته أن يُدخل مضموناً متجاوزاً في حياته ورؤاه، وهو مضمون يصله من خلال كلمة الإله الموحى بها. ونتيجة كل هذا ازدواجية لا يمكن أن تزول، فالتجربة الدينية الحقة تتمثل في تَقبُّل مجموعة من المتناقضات لا يمكن التوفيق بينها: تأكيد الذات وإنكارها، والوعي المتزامن بالزمني والأزلي، والتصادم بين الجبر والحرية، وحب الإله وخشيته في آن واحد، والإيمان بتجاوزه وكمونه! أما فيما يتصل بالأفكار الأخروية والنشورية فيذهب سولوفايتشيك إلى أن الإنسان لا يمكنه أن يسبر غور الغيب أو يتخيل الآخرة أو البعث، ولكن يمكن أن نؤسس إيماننا بهما انطلاقاً من إيماننا بأن الله عادل ورحيم، وأنه يثيب ويعاقب ويشمل برحمته هؤلاء الذين يحتاجون لرحمته من الموتى. وقد كتب سولوفايتشيك دراسات أخرى تناول فيها بعض المشاكل الناجمة عن ظهور دولة إسرائيل بالنسبة إلى اليهود الأرثوذكس. وقد عارض سولوفايتشيك الحوار الذي اقترحته الكنيسة الكاثوليكية للتقريب بين الأديان. وتَقبَّلت اليهودية الأرثوذكسية موقفه، حتى أصبح موقفها الرسمي. اليهودية الأرثوذكسية والصهيونية Orthodox Judaism and Zionism

стр. 6116

يمكن تفسير الفكر اليهودي الأرثوذكسي تفسيراً معادياً تماماً للصهيونية. فالإيمان بالعودة الشخصية للماشيَّح يعني الانتظار في صبر وأناة إلى أن يأذن الإله بالعودة. وعلى المؤمن الحق أن يقبل المنفى، إما عقاباً على ذنوب يسرائيل أو كجزء من التكليف الإلهي، وعليه ألا يحاول التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتس) . وقد كانت الفرق الأرثوذكسية معادية للصهيونية في بادئ الأمر. ولكن هذه الأرثوذكسية تمت صهينتها على يد بعض الحاخامات الأرثوذكس، وخصوصاً الحاخام كوك (ومن قبله كاليشر والقالي) . وكانت متتالية الخلاص في الماضي تأخذ الشكل التالي: نفي ـ انتظار ـ عودة الشعب أما الآن، فإن المتتالية الجديدة المقترحة هي: نفي ـ عودة أعداد من اليهود للتمهيد لوصول الماشيَّح ـ عودة الماشيَّح مع بقية الشعب. ومن هنا، تمت صهينة الأرثوذكسية، ولم يبق سوى فريق الناطوري كارتا الذي يدافع عن الرؤية الأرثوذكسية التقليدية قبل صهينتها. وعملية الصهينة هذه ليست أمراً غريباً، فالرؤية الحلولية، في إحدى مراحلها، تخلع القداسة على الشعب وإرادته. ولذا تبهت الإرادة الإلهية وتتراجع ويصبح من حق اليهود أن يعجلوا بالنهاية. وعلى كلٍّ، فإن المنظومة القبَّالية التي يؤمن بها الأرثوذكس تجعل تَوحُّد الذات الإلهية واكتمالها مرهوناً بأفعال اليهود ومدى إقامتهم الشعائر!

стр. 6117

وتستمدُّ اليهودية الأرثوذكسية قوتها من قوة اليهودية الأرثوذكسية في إسرائيل ومؤسساتها، فهم الفريق الوحيد المُعترَف به في الدولة الصهيونية. ومعظم اليهود الأرثوذكس أعضاء في جمعية أجودات إسرائيل، أو في حركة مزراحي. والأولى لا تؤيد الصهيونية وغير مُمثَّلة في المنظمة الصهيونية العالمية، ومع هذا فلها أحزابها في إسرائيل، وممثلوها في الكنيست. أما حركة المزراحي، فقد ساهمت منذ البداية في النشاط الصهيوني. وقد كُشف النقاب مؤخراً عن أن هرتزل (اللاديني) كان وراء تأسيس حركة المزراحي، وأنه دفع نفقات مؤتمر المزراحي الأول من جيبه. ومن أهم الشخصيات اليهودية الأرثوذكسية، سولوفايتشيك رئيس شرف حركة مزراحي، وإليعازر بركوفيتس الذي يرى أن إنشاء دولة إسرائيل له دلالات أخروية عميقة. وتسيطر اليهودية الأرثوذكسية على الحياة الدينية في إسرائيل، فهي تسيطر على دار الحاخامية الرئيسية، وعلى وزارة الشئون الدينية، وعلى الأحزاب الدينية، مثل: مزراحي، وعمال مزراحي، وأجودات إسرائيل، وعمال أجودات إسرائيل، وساش. وهي أحزاب تمارس سلطة لا تتناسب بأية حال مع أحجامها الحقيقية، وذلك لأن الحزب الحاكم يدخلها الائتلافات الوزارية التي تمكِّنه من البقاء في الحكم. وهو يقدم لها، نظير ذلك، كثيراً من التنازلات التي تطالب بها. ومن أهم هذه التنازلات، عدم اعتراف الدولة حتى الآن بالزيجات المُختلَطة، أو الزيجات التي لم يشرف على عقدها حاخامات أرثوذكس.

стр. 6118

الباب السابع: اليهودية المحافظة اليهودية المحافظة: تاريخ Conservative Judaism:History «اليهودية المحافظة» فرقة دينية يهودية حديثة نشأت في الولايات المتحدة، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كمحاولة من جانب اليهودية للاستجابة لوضع اليهود في العصر الحديث في العالم الجديد وهي أهم وأكبر حركة دينية يهودية في العالم، وأهم مفكريها سولومون شختر. ولكن جذور الحركة تعود، مع هذا، إلى ما يُسمَّى «علم اليهودية» وأقطابها هم: نحمان كروكمال، وزكريا فرانكل، وهنريش جرايتس، وسولومون رابوبورت، وكلهم من المفكرين اليهود الأوربيين في القرن التاسع عشر. واليهودية المحافظة جزء من الفكر الرومانسي الغربي، وخصوصاً الألماني. وهي ليست مدرسة فكرية ولا حتى فرقة دينية محددة المعالم بقدر ما هي اتجاه ديني عام وإطار تنظيمي يضم أبرشيات وحاخامات، يسمون أنفسهم «محافظين» ، ويسميهم الآخرون كذلك. فالمفكرون المحافظون يختلفون فيما بينهم حول أمور مبدئية مثل الوحي وفكرة الإله، كما يختلفون بشأن الأمور الشعائرية، ولم ينجحوا في التوصل إلى برنامج محدَّد موحَّد. وهم يرفضون ذلك بحجة أنهم ورثة اليهودية الحاخامية ككل، وبالتالي فلابد أن تُترَك الأمور لتتطور بشكل عضوي طبيعي. وفكرة التطور العضوي من الداخل إحدى الأفكار الرومانسية الأساسية. ومع هذا، فإن ثمة أفكاراً أساسية تربط أعضاء هذه الفرقة التي تُشكِّل، على مستوى من المستويات، رد فعل لليهودية الإصلاحية أكثر من كونها رد فعل لليهودية الأرثوذكسية. فقد اكتسحت اليهودية الإصلاحية يهود الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع حتى أنه، مع حلول عام ١٨٨١، كانت كل المعابد اليهودية (البالغ عددها مائتي معبد) معابد إصلاحية باستثناء اثنى عشر معبداً. وقد اتخذ مؤتمر بتسبرج عام ١٨٨٥ قراراته الإصلاحية الشاملة التي أعلن فيها أن كثيراً من الطقوس، ومن ذلك الطقوس الخاصة بالطعام، مسائل نسبية يمكن الاستغناء عنها.....

стр. 6119

وكان هناك شخصيات كثيرة معارضة للاتجاه الإصلاحي، وخصوصاً في صيغته المتطرفة، بينهم إسحق ليزر وألكسندر كوهوت. وقد أعلن الأخير معارضته لقرارات مؤتمر بتسبرج، وهاجم المفكر الإصلاحي كاوفمان كولر، وطالب بإنشاء مدرسة حاخامية لدراسة الممارسات التاريخية لليهودية. وقد قام ساباتو موريه بتأسيس كلية اللاهوت اليهودية (عام ١٨٨٧) التي أصبحت المنبر الأساسي للفكر المحافظ، ويُعَدُّ هذا التاريخ تاريخ ميلاد اليهودية المحافظة، خصوصاً وقد أعاد شختر تنظيمها عام ١٩٠٢. ثم تم تأسيس جمعية الحاخامات الأمريكية التي ضمت خريجي المدرسة. وتشكِّل هذه الجمعية، مع معبد أمريكا الموحَّد عام ١٩١٣، وكلية اللاهوت اليهودية، أهم عناصر الهيكل التنظيمي لليهودية المحافظة. وقد أُضيف إلى كل ذلك كلية اليهودية في لوس أنجلوس. ومن أهم مؤسسات اليهودية المحافظة الأخرى لجنة الشريعة والمعايير التي يدل اسمها على وظيفتها، فهي التي تحدِّد المعايير لأتباع اليهودية المحافظة وتفسِّر لهم الشريعة، وهي عملية مستمرة لا تتوقف من منظور اليهودية المحافظة.

стр. 6120

وترى اليهودية المحافظة أن هدفها الأساسي هو الحفاظ على استمرارية التراث اليهودي، باعتباره الجوهر، أما ما عدا ذلك من العبادات والعقائد فهو يظهر بشكل عضوي وتلقائي متجدد. ومن هنا، فقد ظهرت اليهودية التجديدية من صلب اليهودية المحافظة، فهي ترى أن اليهودية حضارة يُشكِّل الدين جزءاً منها وحسب. ويبدو أن حاييم كابلان، مؤسس المدرسة التجديدية، يمارس في الوقت الحاضر تأثيراً عميقاً في اليهودية المحافظة. ففي عام ١٩٤٨، أُعيد تنظيم لجنة القانون اليهودي، كما أُعيد تحديد معايير المجلس الحاخامي وبدأ تَبنِّي معايير تختلف كثيراً عن معايير شختر مؤسِّس اليهودية المحافظة، حتى أنه يمكن القول بأن توجُّه اليهودية المحافظة في الوقت الحالي يختلف عن التوجه الذي حدده لها مؤسسوها إذ بدأت اليهودية المحافظة تتخذ كثيراً من المواقف التي لا تختلف كثيراً عن مواقف اليهودية الإصلاحية التي تقترب في الوقت نفسه من اليهودية التجديدية. ولكن احتجاجاً على هذه الاتجاهات المتطرفة ظهرت فرقة جديدة تُسمَّى اتحاد اليهودية التقليدية (١٩٨٤) تحاول قَدْر استطاعتها أن تحتفظ ببعض الأشكال التقليدية وألا تنجذب نحو اليهودية التجديدية والإصلاحية وأصبح لها مدرستها اللاهوتية الخاصة لتخريج الحاخامات عام ١٩٩٠. وقد صدر عام ١٩٨٨ كتاب بعنوان إيميت فأموناه (الحقيقة والاعتقاد) : مبادئ اليهودية المحافظة وهو كتاب من ٤٠ صفحة أصدره مؤتمر من مفكري اليهودية المحافظة حاولوا فيه تلخيص مبادئ اليهودية المحافظة ومن أهمها الاعتراف بالغيب (ما وراء الطبيعة) ورفض النسبية، وهو مجرد قول، لأن تطوُّر اليهودية المحافظة يبيِّن مدى محاولة تكيفها المستمر مع ما حولها وخضوعها المستمر له. كما أكدت الوثيقة أهمية إسرائيل في حياة الدياسبورا ولكنها أتبعت ذلك بتأكيد تعددية المراكز، أي أهمية الدياسبورا في ذاتها.

стр. 6121

وقد تزايد عدد اليهود المحافظين في أنحاء العالم، وخصوصاً في أمريكا اللاتينية. ولكنها، مع هذا، تظل أساساً حركة أمريكية، ويبلغ عددهم الآن ٣٣% من كل يهود الولايات المتحدة (مقابل ٣٠% إصلاحيون و٩% أرثوذكس و٢٦% لا علاقة لهم بأية فرقة دينية) ومع هذا تذهب إحدى المراجع إلى أن العدد هو ٢ مليون ويبلغ عدد الأبراشيات المحافظة ٨٠٠ أبراشية. ومعظم اليهود المحافظين يأتون من بين صفوف اليهود الأمريكيين الذين أتوا من خلفيات دينية أرثوذكسية، ولذلك يجدون أن اليهودية الإصلاحية متطرفة. وبهذا المعنى، فإن اليهودية المحافظة قد تكون محطة على طريق الانتقال من اليهودية الأرثوذكسية إلى اليهودية الإصلاحية أو العلمانية أو حتى الإلحادية. وهناك عدد كبير من المحافظين من أصل ألماني، ولكن توجد في صفوفهم أعداد كبيرة أيضاً من شرق أوربا. ويمكن القول بأن اليهود المحافظين هم يهود ابتعدوا عن أصولهم الإثنية الأوربية وأصبحوا أمريكيين، ولكنهم مع هذا يودون الاحتفاظ بهوية إثنية يهودية (وهذا اتجاه عام في المجتمع الأمريكي) على الأقل لبعض الوقت. وتقوم اليهودية المحافظة بسد هذه الحاجة. وحسب تعبير أحد الدارسين فإن المسافة الزمنية بين اليهودية المحافظة واليهودية الإصلاحية عشرة أعوام، ثم تلحق الأولى بالثانية. وقد أخذ الإصلاحيون، في الآونة الأخيرة، في التشدد بشأن بعض الشعائر الدينية في حين أخذ المحافظون في التساهل في كثير منها، فقد عينوا مؤخراً امرأة في وظيفة حاخام. ولذا، فقد بدأت المسافة بين الفريقين في التناقص، واندمج كثير من الأبرشيات المحافظة والإصلاحية. وقد لاحَظ الحاخام ملتون بولين (رئيس المجلس الحاخامي في أمريكا) أن ثمة فجوة، بين الأرثوذكس من جهة والمحافظين والإصلاحيين من جهة أخرى، وأنها آخذة في التزايد حتى أنهم أصبحوا يشكلون يهوديتين مختلفتين.

стр. 6122

ومن أهم مفكري اليهودية المحافظة في الولايات المتحدة: لويس جنزبرج، ولويس فنكلشتاين، وشاؤول لايبرمان، وجيكوب آجوس، وجرسون كوهين. اليهودية المحافظة: الفكر الديني Conservative Judaism:Religious Thought رغم أن اليهودية المحافظة رد فعل لليهودية الإصلاحية، فإن ثمة عنصراً مشتركاً أساسياً بينهما، فهما يهدفان إلى حل إشكالية الحلول الإلهي في الشعب اليهودي ومؤسساته القومية. والصيغة الحلولية التقليدية تجعل الشعب اليهودي مقدَّساً ومطلقاً يشير إلى ذاته، وهو أمر لا يمكن أن تقبله الدولة القومية الحديثة التي تجعل نفسها موضع الإطلاق والقداسة ولا العصر الحديث الذي جعل العلم موضع الإطلاق. وتحاول كلٌّ من اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة أن تصل إلى صياغة حديثة لليهودية عن طريق تَبنِّي مُطلَق دنيوي يُسمَّى «الروح» (بالألمانية: جايست) فيضاف اسم لكلمة «روح» ، فيُقال في الفكر الأوربي الرومانسي مثلاً: «روح العصر» أو «روح المكان» أو «روح الشعب» أو «روح الأمة» والناتج شيء يعبِّر عن الإله أو يحل محله. وقد آمن الإصلاحيون بروح العصر (تسايت جايست) ، وآمن المحافظون بروح الشعب العضوي (فولك) ، وهي روح تجلت عبر التاريخ في أشكال مختلفة (وهذا الطرح لا يتعارض كثيراً مع العقد الاجتماعي الأمريكي الذي يسمح للأقليات المهاجرة بالاحتفاظ بشيء من هويتها ما دام هذا لا يتعارض مع المطلق الأكبر، مصلحة الولايات المتحدة ومنفعتها) . ولكن الاختلاف الآنف الذكر، بين اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة، يتبدَّى في الطريقة التي اتبعها كل منهما لتحديث اليهودية. فبينما قام الإصلاحيون باتباع النموذج الاندماجي، قام المحافظون بتحديث اليهودية عن طريق تَبنِّي النموذج الشعبي، أي تقديس الفولك وتاريخه وتراثه وأرضه (وهذا هو النموذج النازي) .

стр. 6123

المحافظون إذن يودون إحداث تغيير دون الإخلال بروح الفولك اليهودي، فهذا هو الجوهر اليهودي أو المطلق موضع الحلول الذي ينبغي الحفاظ عليه. وهذه الرغبة في التغيير مع الميل إلى المحافظة تسمان كل أفكارهم. فهم يؤمنون على اختلاف اتجاهاتهم بأن الشعب اليهودي قد تطوَّر عبر تاريخه، وبأن اليهودية لم تتجمد أبداً، وأنها كانت قادرة على التكيف مع اللحظة التاريخية ومع روح العصر، ولهذا فهي ليست مجموعة ثابتة من العقائد وإنما هي تراث آخذ في التطور التاريخي الدائم، ومن هنا كان إطلاق اسم «اليهودية التاريخية» على هذه المدرسة وخصوصاً في أوربا. ويرى المحافظون أن دراسة اليهودية بشكل تاريخي ونقدي (علم اليهودية) هو تطوُّر إيجابي يساعد اليهود على فهم أنفسهم، كما يساهم في جعل اليهودية نسقاً دينياً خلاقاً كما كان الحال في الماضي. ومع هذا، فقد وقفت اليهودية المحافظة ضد التيار اليهودي الإصلاحي، فنادى زكريا فرانكل، شأنه في هذا شأن هيرش الأرثوذكسي وشأن الصهاينة، بأن يكون أي تغيير أو تطوير لليهودية نابعاً لا من خارج الروح اليهودية وإنما من أعماقها، أي من روح الشعب العضوي (المطلق الجديد) . ورغم أن فرانكل والمحافظين كانوا من المؤمنين بأن التوراة أو الشريعة الشفوية خرافة ابتدعها الحاخامات لكي يضفوا مسحة من الشرعية على ما أقره الإجماع الشعبي، ورغم أنهم رأوا أيضاً أن التراث الديني اليهودي ليس مرسلاً من الإله، فإنهم لم يتخذوا موقفاً نقدياً من التوراة أو التراث اليهودي كما فعل الإصلاحيون، لأنهما كلاهما تعبير عن الشعب اليهودي وعبقريته. وقد اقترح المحافظون، وبالذات الحاخام الصهيوني شختر عدم ترك الأمور في أيدي قلة من رجال الدين يقومون بتفسير الشريعة كيفما شاءوا، ودعا إلى وجوب أن يقوم متكلمون يمثلون الشعب اليهودي وينطقون باسم الجماعة. وتحاول هذه الجماعة التي تمثل كل أو عموم إسرائيل (بالعبرية: كلال يسرائيل) أن تكتشف

стр. 6124

اليهودية بدراسة التراث والتقاليد والأدب اليهودي. وتطبيقاً لهذا الموقف الوسط بين اليهودية الإصلاحية والأرثوذكسية، يؤمن المحافظون بأن الأمل في العودة إلى صهيون فكرة أثيرة لدى اليهودي لابد من المحافظة عليها. ومع هذا، لا يتنافى هذا الأمل، بأية حال، مع الولاء للوطن الذي يعيش فيه اليهودي. وهم لا يؤمنون بالعودة الفعلية والشخصية للماشيَّح، ويطرحون بدلاً منها فكر العصر المشيحاني الذي سيتحقق بالتدريج. ويصبح تأسيس الدولة اليهودية، داخل هذا الإطار، خطوةً أولى نحو تحقيق هذا العصر. ويرى المحافظون أن تكون الصلوات اليهودية بالعبرية، وإن كانوا لا يمانعون في أن تُتلى باللغة المحلية إذا لزم الأمر. ويؤكد المحافظون أن الشريعة ملزمة لليهودي، وبالتالي ضرورية للحفاظ على شعائر اليهودية، فمُثُل اليهودية العليا يتم تفسيرها من خلال الشريعة. كما أن اليهودية تدور حول الأوامر والنواهي التي تغطي السلوك الإنساني وتحكم العلاقة بين اليهود من جهة، وبينهم وبين الإله من جهة أخرى. ولكن، مع هذا، لابد أن تظل الشريعة مرنة مرونة كافية بحيث تترك مجالاً للتغيير والتعددية الفكرية التي تجعلها قادرة على مواكبة العصر الحديث، وعلى سد حاجة الإنسان اليهودي الحديث. ولذا، لابد أن تتسم عملية تفسير الشريعة بقدر عال من الإبداع. ويتضح هذا الموقف في أنهم لا يمانعون في إدخال بعض التعديلات على الشعائر الدينية (فيقيمون بعض طقوس السبت) ، ولكنهم يسمحون باختلاط الجنسين (وأصبحت النساء جزءاً من النصاب [منيان] المطلوب لإقامة صلاة الجماعة) ، بل يسمحون بأن تكون هناك من الإناث حاخامات ومنشدات (حزان) . وقد أبقوا على الختان وقوانين الطعام، وإن كانوا قد أدخلوا بعض التعديلات عليها. وهم يقيمون الصلوات بشال الصلاة (طاليت) وتمائم الصلاة (تفيلِّين) .

стр. 6125

ورغم تماثُل الجذور الفكرية لليهودية الإصلاحية والمحافظة، فإن تشابه اليهودية المحافظة بنيوياً مع اليهودية الأرثوذكسية واضح وقوي. بل إن الفروق بينهما طفيفة وغير جوهرية، فكلتاهما تدور في إطار الحلولية التقليدية دون أن توسع نطاقها لتضم غير اليهود (كما فعلت اليهودية الإصلاحية) . ولذا، نجد أن كلاًّ من اليهودية المحافظة واليهودية الأرثوذكسية تؤمنان بالثالوث الحلولي: الإله (أو التوراة) ، والشعب، والأرض. وعلى حين يؤكد الأرثوذكس أهمية الإله والوحي والتوراة، نجد المحافظين يبرزون أهمية الشعب وتراثه وتاريخه، أي أن الاختلاف ينصرف إلى تأكيد أحد عناصر الثالوث الحلولي على حساب عنصر آخر. ويُضفي كلا الفريقين هالة من القداسة على حياة اليهود وتاريخهم، وهي قداسة يُرجعها الأرثوذكس إلى أصول إلهية ويرجعها المحافظون إلى أصول قومية أو إلى روح الشعب (وكلال يسرائيل هي في الواقع الفولك التي يتحدث عنها الفكر الرومانسي الألماني) ، ويصبح الدين اليهودي فلكلور الشعب اليهودي المعبِّر عن هويته الإثنية وسر بقائه، كما أنه يكتسب أهميته بمقدار مساهمته في الحفاظ على هذا الشعب المقدَّس. وقد عادت اليهودية المحافظة، بتحويلها الشعب إلى مصدر للإطلاق وموضع للقداسة، إلى واحدة من أهم الطبقات في التركيب الجيولوجي اليهودي، وهي الطبقة الحلولية التي أدَّت إلى واقع أن الإله لم يتمتع قط بالمركزية التي يتمتع بها داخل الأنساق الدينية التوحيدية، فهو يمتزج بالشعب والأرض ويتساوى معهما. وتميل الكفة داخل النسق الحلولي بالتدريج لصالح الشعب على حساب الإله حتى يصبح الشعب وتراثه (لا الإله) مصدر القداسة، وبالتالي يصبح جوهر اليهودية بقاء اليهود، ويظهر داخل اليهودية لاهوت البقاء أو لاهوت ما بعد أوشفيتس.

стр. 6126

وقد عَرَّفت اليهودية المحافظة أهدافها بأنها الإصرار على وحدة إسرائيل «الكاثوليكية» العالمية، والإصرار على الحفاظ على استمرار التراث اليهودي والاهتمام بالدراسات اليهودية. فهذا هو الجوهر، أما ما عدا ذلك من عبادات وعقائد، فإنه يظهر بشكل عضوي وتلقائي متجدد. اليهودية التاريخية Historical Judaism «اليهودية التاريخية» مصطلح مرادف لمصطلح «اليهودية المحافظة» أدخله زكريا فرانكل حين دعا إلى ثوابت " اليهودية التاريخية " قاصداً بذلك العناصر الثابتة التي ينبغي على الإصلاح الديني أن يقبلها ولا يحاول تعديلها لأنها تعبير عن جوهر الروح اليهودية، وهو جوهر أزلي لا لأن الإله خلقه بل لأنه تجاوز الزمان من خلال ممارسات اليهود عبر التاريخ. اتحاد اليهودية التقليدية Union of Traditional Judaism فرقة يهودية جديدة خرجت على اليهودية المحافظة عام ١٩٨٤ بعد أن صُرِّح للنساء بالانضمام لكلية اللاهوت اليهودية، ومن ثم أصبح من الممكن ترسيمهم حاخامات عند تَخرُّجهن. وقد احتفظت الفرقة بانتمائها لليهودية المحافظة بعض الوقت وسمَّت نفسها اتحاد اليهودية المحافظة التقليدية ثم شكلت لجنة البحث في الشريعة التي تُعَدُّ تحدياً مباشراً للجنة الشريعة والمعايير التابعة لليهودية المحافظة. وبعد قليل، استقلت الفرقة عن اليهودية المحافظة وأسست كلية خاصة بها لتخريج الحاخامات وسمَّت نفسها باسمها الحالي. وقد جاء هذا في أعقاب قيام اليهودية التجديدية بتأسيس كلية لتخريج الحاخامات التجديديين. وهذا يعني أن هناك تساقطاً في صفوف اليهودية المحافظة لصالح كلٌّ من اليسار (التجديدي) واليمين (التقليدي) . ماسورتي Masorti

стр. 6127

«ماسورتي» كلمة عبرية تعني «محافظ» أو «تقليدي» (من كلمة «موسار» أي «تقاليد» ) وتُستخدَم للإشارة إلى اليهود المحافظين، وخصوصاً داخل إسرائيل. وتُترجم الكلمة إلى العربية بكلمة «محافظ» أو «تقليدي» . ولذا، فحين ترد هذه الكلمة في أحد النصوص العربية، يظن القارئ العربي أن هذا اليهودي الذي يقال له «تقليدي» يتمسك بالشعائر وبأهداف دينه، ولكنه في الواقع يهودي إثني يتمسك ببعض الشعائر لأنها جزء من ميراث الأجداد ولأنها تعبِّر عن الذات القومية وروح الشعب (فولك) . وهو في هذا مختلف عن اليهود العلمانيين الذي يرفضون كل التقاليد ويرون أنها تعوقهم عن التقدم واللحاق بركاب الحضارة الحديثة. ولكنه رغم اختلافه عن اليهود العلمانيين إلا أن هذا لا يجعله محافظاً أو تقليدياً من المنظور الديني، فالشعائر بالنسبة له ليست جزءاً من نسق ديني أخلاقي يتمسك به مهما كان الثمن، وإنما هي فلكلور يمتع به نفسه. ولهذا، فرغم أن المعنى المعجمي للفظ «ماسورتي» هو «محافظ» أو «تقليدي» ، فإن مجاله الدلالي مختلف تماماً عن كلمة «محافظ» أو «تقليدي» في أية لغة أخرى أو أي سياق حضاري أو ديني آخر. معبد أمريكا الموحَّد United Synagogue of America تنظيم يضم الأبرشيات اليهودية المحافظة، أسسه سولومون شختر عام ١٩١٣، ويتبعه نحو ٨٣٠ معبداً في كل من الولايات المتحدة وكندا. ويوجه التنظيم الأبرشيات التابعة له وفروعها. ولتحقيق هذا الغرض، أقام المعهد قسماً للتربية اليهودية وقسماً لأنشطة الشباب ومعهداً قومياً للدراسات اليهودية للكبار، كما أقام لجنة للعمل الاجتماعي وقسماً للموسيقى ولجنة للطعام الشرعي. ويرتبط هذا التنظيم بكلٍّ من جمعية الحاخامات وجمعية المرتلين وجمعية المربين والجمعية القومية لأمناء المعابد، ومن ضمن ذلك الرابطة القومية النسائية التابعة لها، وغيرها من الروابط. كلية اللاهوت اليهودية Jewish Theological Seminary

стр. 6128

معهد ديني عال تم تأسيسه عام ١٨٨٦ في نيويورك لإعداد الحاخامات. وقد ترأسه عام ١٩٠٢ سولومون شختر الذي بلور اتجاهه العقائدي بحيث أصبح العصب الأساسي لليهودية المحافظة، وهو لا يزال كذلك حتى الوقت الحالي. وبعد وفاة شختر تبعه في رئاسة الكلية كلٌّ من سيروس أدلر ولويس فنكلشتاين على التوالي. ويتبع الكلية معهد لتدريب المنشدين الدينيين ومركز طلابي في القدس. وتشرف الكلية على المتحف اليهودي في نيويورك، ولها مكتبة تحوي ٢٠٠ ألف كتاب وعشرة آلاف مخطوط. الجمعية الأمريكية للحاخامات Rabbinical Assembly of America تَجمُّع يضم ما يربو على ٦٠٠ حاخام محافظ في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ٨٠% منهم من خريجي كلية اللاهوت اليهودية. وقد نُظِّمت الجمعية سنة ١٩٠٠ لتكون جمعية لخريجي هذه الكلية، ولكن أُعيد تنظيمها عام ١٩٤٠ باسم «جمعية الحاخامات» . وفي سنة ١٩٤٦، نشرت الجمعية بالتعاون مع معبد أمريكا الموحَّد كتاب صلوات السبت والأعياد. وتنشر الجمعية مجلة ربع سنوية هي اليهودية المحافظة، وكتاباً سنوياً يضم تفاصيل مؤتمرها. أما اللجنة التابعة للجمعية، والخاصة بالشريعة اليهودية والمعايير الدينية، فقد أصدرت عدداً من الفتاوى. سولومون رابوبورت (١٧٩٠-١٨٦٧ ( Solomon Rapoport أحد رواد علم اليهودية واليهودية المحافظة. وُلد في جاليشيا ودرس العلوم الدينية والدنيوية في عصره. وقد استفاد رابوبورت بمعرفته التقليدية والدنيوية في دراساته التاريخية فتَخصَّص في فترة الفقهاء (جاءونيم) ، وكان صديقاً لنحمان كروكمال وحاييم لوتساتو وليوبولد زونز. عمل رابوبورت حاخاماً في جاليشيا وبراغ حيث هاجمه الحسيديون والأرثوذكس بسبب دراساته وموقفه النقدي من اليهودية.

стр. 6129

وقد عارض رابوبورت اليهودية الإصلاحية لتجاهلها التراث اليهودي متمثلاً في التلمود. كما عارض قرارات المؤتمرات الحاخامية الإصلاحية، وكتب يبين أنها ستؤدي إلى انقسام اليهودية، وأن أي إصلاح لابد أن يتم لا بيد الإنسان وإنما بمرور الزمن، فهو وحده الذي اكتسح كثيراً من العادات البالية وسيفعل ذلك مرة أخرى. ووضَّح رابوبورت أن الحاخامات كانوا يُدخلون عبر التاريخ تعديلات على قوانين الزواج والطلاق والطعام، وأنهم كانوا يقومون بذلك لعلمهم التام بأن الشعب اليهودي بأسره سيأخذ بهذه التعديلات، كما كانوا يعلمون أن وحدة اليهود لا يتهددها الخطر من قريب أو بعيد بسبب هذه التعديلات. والواقع أن رابوبورت يشبه فرانكل في هذا المضمار، فكلاهما يضع الإجماع الشعبي (كلال يسرائيل أو روح الشعب) مقياساً للإصلاح الديني، ومقياساً لقبول أو رفض العقائد أو العادات الدينية. فالثوابت أو المطلقات، أي العناصر التي خلع عليها الشعب القداسة، لا يمكن تعديلها. وقد بدأ رابوبورت في نشر موسوعة عن التلمود ولكنه لم يكملها، وترجم بعض الأشعار عن اللغات الأوربية إلى العبرية. زكريا فرانكل (١٨٠١-١٨٧٥ ( Zacharias Frankel عالم ديني يهودي. وقد كان أول حاخام من بوهيميا تَلقَّى تعليماً علمانياً لأن التعليم اليهودي كان تعليماً دينياً صرفاً. أصبح حاخاماً أكبر في درسدن عام ١٨٣٦، ورئيس كلية لاهوتية في برسلاو عام ١٨٥٤. حاول أن يمزج القيم اليهودية التقليدية بالمعرفة الغربية، وأن يطوِّر اليهودية دون إخلال بما تصوَّر أنه جوهرها التقليدي وروحها الأساسية كما عبَّرت عن نفسها عبر التاريخ. وقد انسحب من حركة اليهودية الإصلاحية بعد خلافه مع جايجر، وكان السبب المباشر لانسحابه هو عدم موافقته على حذف الإشارات إلى صهيون، وتغيير لغة الصلاة من العبرية إلى لغة الوطن الذي يُعاش في كنفه (الألمانية في حالته (.

стр. 6130

وقد انطلق فرانكل في قراره هذا مما أسماه «ثوابت اليهودية التاريخية» . ووصف العبرية بأنها التربة التي نشأت فيها اليهودية وترعرعت، وهي التربة الوحيدة التي يمكن أن تستمر وتزدهر فيها في المستقبل. ويعترف فرانكل بأن العبرية ليست مكوِّناً أصلياً في اليهودية فهما قد ارتبطتا أثناء ممارسة اليهودية في التاريخ. ولكنه يرى أن هذا الارتباط، برغم أنه تم في الزمان، فإنه قد تجاوزه بحيث أصبح مطلقاً لا زمانياً. وهكذا، فإن العبرية التي كانت مجرد أداة عبَّرت اليهودية عن نفسها من خلالها أصبحت جوهراً، أي واحداً من الثوابت الراسخة في الوجدان اليهودي ينبغي التمسك به. والواقع أن الثوابت عند فرانكل هي المطلقات الدينية التي تستمد مطلقيتها وقداستها من ممارسة اليهود التاريخية، ويصبح معيار تَقبُّل أحد جوانب اليهودية أو رفضه ليس الشريعة الثابتة وإنما مدى الأهمية التي خلعها الوجدان اليهودي على هذا الجانب أو ذاك من العقيدة اليهودية. فالعبرية تكتسب قدسيتها وأهميتها وتتحول إلى أحد الثوابت من هذا المنظور. وهذه الرؤية تعبير عن الطبقة الحلولية في التركيب الجيولوجي اليهودي وعن تحوُّل الشعب اليهودي إلى نقطة الحلول التي يكمُن فيها الإله والتي تحل محل الإله كمصدر للقداسة. وتعود رؤية فرانكل الحلولية العضوية بجذورها إلى الحلولية اليهودية، ولكنها تشبه أيضاً رؤية المفكرين الرومانتيكيين الألمان الذين خلعوا القداسة على الشعب العضوي (فولك) ، ونظروا إلى حضارة كل شعب على أنه كيان عضوي مقدَّس يعبِّر عن روح الشعب، وهذه هي المفاهيم التي تبنتها الحركة النازية فيما بعد. وقد تأثر أعلام الفكر اليهودي المحافظ، مثل سولومون شختر ولويس جنزبرج، بأفكار فرانكل. ومن أهم مؤلفاته طريق المشناه (١٨٥٩) ، وبعض الأبحاث القصيرة عن الترجوم، والترجمة السبعينية، والتلمود. إسحق ليزر (١٨٠٦-١٨٦٨ ( Isaac Leeser
следующие страницы →