Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
وُلد في فيينا، وأمضى صباه في جاليشيا عند جده حيث اتصل بالحركة الحسيدية التي لعبت دوراً حاسماً في تطوره الديني (الصوفي) والفلسفي والسياسي. وانتقل إلى فيينا عام ١٨٩٦ لمتابعة دراسته في جامعتها، وتزوج بولا ونكلر (وهي فتاة ألمانية غير يهودية من ميونيخ) . انضم بوبر إلى جماعة قديما الصهيونية في فيينا، ثم انضم إلى المنظمة الصهيونية عند تأسيسها عام ١٨٩٨ وعمل رئيساً لتحرير جريدة دي فيلت الناطقة بلسان الحركة الصهوينة. وبعد فترة قصيرة من التعاون مع هرتزل، اختلف الاثنان بسبب اختلاف منطلقاتهما الفلسفية. واشترك في تأسيس ما يُسمَّى «العصبة الديموقراطية» مع وايزمان الذي عارض هرتزل خلال المؤتمر الصهيوني الخامس (١٩٠١) . ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أسس بوبر اللجنة القومية اليهودية التي تعاونت مع قوات الاحتلال الألمانية في بولندا، وقامت بالدعاية بين يهود اليديشية لضمهم للجانب الألماني ولتجنيدهم لحسابه. وفي عام ١٩١٦، أسس مجلة اليهودي التي كانت تُعَدُّ من أهم المجلات الفكرية اليهودية، والتي شرح بوبر على صفحاتها فلسفة الحوار الحلولية الوجودية وموقفه الصهيوني. وقد اشترك بوبر مع الفيلسوف اليهودي فرانز روزنزفايج في ترجمة التوراة إلى الألمانية في العشرينيات (ولكنه لم يَفرُغ منها إلا عام ١٩٦٤) وهي ترجمة ذات طابع وجودي. وقد نشر خلال هذه الفترة بضعة كتب عن الحسيدية.
стр. 6162
شغل بوبر منصب أستاذ فلسفة الدين اليهودي والأخلاق في جامعة فرانكفورت في الفترة ٢٤ ـ ١٩٣٣، وأسس معهد الدراسات اليهودية فيها. وقد صَدَر له عام ١٩٢٣ أهم كتبه أنا وأنت الذي يحوي جوهر فلسفته الحوارية. وفي عام ١٩٣٣، استولى النازيون على الحكم وصاغوا مفهوم الشعب العضوي (فولك) ، ذلك المفهوم الذي يشكل حجر الزاوية في الفكر النازي والصهيوني، وهو ما كان يعني تأسيس نظام تعليمي لليهود مستقل عن النظام التعليمي الألماني. وقد عُيِّن بوبر مديراً للمكتب المركزي لتعليم الكبار. أما هجرته إلى فلسطين، فقد كانت عام ١٩٣٨ حيث جرت محاولة لتعيينه أستاذاً للدراسات الدينية. ولكن المؤسسة الأرثوذكسية عارضت ذلك بشدة لأن بوبر، حسب تعريفها، لا يؤمن باليهودية، ومن ثم تم تعيينه أستاذاً للدراسات الاجتماعية في الجامعة حيث شغل المنصب حتى عام ١٩٥١. صدر أول كتب بوبر بالعبرية، وهو العقيدة النبوية، عام ١٩٤٢، وقد طرح بوبر في هذا الكتاب أن وجود الإرادة الإلهية حقيقي تماماً مثل وجود يسرائيل، وهو ما يعني المساواة بين الخالق (الإله) والمخلوق (الشعب) . كما صدر له كتاب موسى عام ١٩٤١. أما عام ١٩٤٩، فقد شهد نشر كتابه طرق اليوتوبيا، وهو كتاب عن تطوُّر الاشتراكية الطوباوية. وتبع ذلك نشر كتابيه نوعان من الإيمان (١٩٥١) ، وخوف الإله (١٩٥٣) ، ويقارن الكتاب الأول بين الإيمان اليهودي والإيمان المسيحي. أما الثاني، وهو آخر أعمال بوبر المهمة، فيذهب فيه إلى أن الإله لم يمت أو أنه احتجب وحسب!
أسَّس بوبر كلية لتعليم الكبار لإعداد المعلمين من بين المهاجرين، وهي جزء من محاولة المُستوطَن الصهيوني دمج المهاجرين الجدد، وخصوصاً من البلاد الإسلامية، في نسيج المستوطن الصهيوني. وكان بوبر أول رئيس لأكاديمية العلوم الطبيعية والإنسانية في إسرائيل.
стр. 6163
وقد أسس بوبر مع يهودا ماجنيس جماعة إيحود التي كانت تطالب بإقامة دولة صهيونية مزدوجة القومية. لكنه تعرَّض لانتقاد شديد في بعض الأوساط اليهودية لقبوله تسلم جائزة جوته من مدينة هامبورج ولاستئناف علاقته بالحياة الفكرية والثقافية الألمانية (مع العلم أن هذا الموقف لا يتناقض البتة مع منطلقاته الفكرية) . وقد منحه مجلس ناشري الكتب في ألمانيا جائزة السلام عام ١٩٥٣ واستقبله رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية باعتباره واحداً من مفكري ألمانيا وفلاسفتها العائدين إلى وطنهم!
ومصادر الفكر الديني والفلسفي السياسي عند بوبر ألمانية (مسيحية علمانية) . فقد تأثر بالمتصوفين المسيحيين الألمان مايستر إيكهارت وجيكوب بيمه Jacob Boehme، كما تأثر برؤية وحدة الوجود التي طرحاها وبإيمانهما الكامل بأن الإنسان يمكنه أن يعود إلى التوازن من خلال الحدس والاستماع لصوت التجربة الداخلية والتوحد بالخالق. وقد تأثر كذلك بالفكر الرومانسي الألماني، وخصوصاً فكر فخته الذي أكد الحدس على حساب التأمل وميَّز بين الجماعة المترابطة بشكل عضوي (جماينشافت) والجماعة المترابطة بشكل آلي (جيسيلشافت) ، وأعلى من أهمية الشعب العضوي (فولك) . ويُعَدُّ نيتشه من أهم المفكرين الألمان الذين أثروا في بوبر، شأنه في هذا شأن معظم المفكرين اليهود والصهاينة في ذلك الوقت، فتعلَّم من نيتشه فكرة الإرادة المستقلة عن أي حدود وظروف، والإيمان بأهمية الفعل الغريزي المباشر مقابل التأمل والتدبير، والالتزام بالمتعيِّن والمحسوس على حساب المجرد، وتأكيد الحياة والغريزة في مواجهة القيم التقليدية والمثاليات المجردة التي تخنق الحياة والغريزة.
стр. 6164
وقد عمَّق جوستاف لانداور (١٨٦٩ ـ ١٩١٩) تأثير فخته وفكرة الشعب العضوي والجماعة العضوية وربطهما بالفكر الاشتراكي أو الجماعية بل بالاتجاهات الصوفية الحلولية، وبهذا يكون لانداور قد ربط بين كل المكونات في النسق الفكري عند بوبر. وإلى جانب المصادر الألمانية، تأثَّر بوبر، شأنه شأن كثير من المفكرين الغربيين الوجوديين، بدوستويفسكي، وخصوصاً في إحساسه بغربة الإنسان في عالم خال من المعنى. كما تأثَّر بكيركجارد، الأب الروحي للوجودية الحديثة، الذي أكد أن العلاقة الحقة بين الإله والإنسان لابد أن تكون مباشرة ودون وسطاء، وطالب الإنسان بأن يصبح شخصاً واحداً كلياً فريداً.
ويُلاحَظ أن المصادر الفكرية (الدينية والفلسفية) عند بوبر معظمها غير يهودية. لقد ظل بوبر، طيلة حياته، يجد الدراسات التلمودية جافة وعقيمة. وقد اكتشف الحسيدية باعتبارها تجربة صوفية وتعبيراً عن الصوت الداخلي من خلال مصادره الألمانية المسيحية الصوفية. وفكر بوبر الديني والسياسي فكر حلولي متطرف تتلاقى فيه وحدة الوجود الروحية بوحدة الوجود المادية، فيصبح الإله والإنسان والطبيعة كلاًّ عضوياً واحداً. وتتجلى هذه الرؤية الحلولية في فلسفة الحوار التي تشكل أساس الفكرة الدينية في فكرة الشعب العضوي (فولك) التي تشمل أساس فكره السياسي والاجتماعي، ففكره السياسي هو نفسه فكره الديني، وفكره الديني هو نفسه فكره السياسي، وهذا أمر متوقع داخل منظومة فكرية لا تفرق بين الإله والإنسان، أو بين الإنسان والطبيعة، أو بين هذا العالم والعالم الآخر، أو بين التاريخ والوحي، أو بين القومية والدين.
стр. 6165
تَصدُر فلسفة الأنا والأنت الحوارية عن رؤية حلولية تتساوى فيها كل العناصر الإنسانية ثم الإلهية، فالإله هنا ليس له وجود حقيقي مستقل متجاوز للطبيعة والتاريخ وإنما هو قوة كامنة في الأشياء ودافعة لها (ومن هنا أهمية الحوار الشفوي، وتفضيله على النص المكتوب. فالحوار الشفوي، مثل الشريعة الشفوية في اليهودية، تفتح المجال على مصراعيه لعمليات التأويل الباطنية حيث يفرض المُفسِّر المعنى الذي يروق له. أما النص المكتوب فهو لا يعطي كلمة وحسب وإنما يعطي سياقاً وكلاًّ دلالياً يحدد المعنى) . والإنسان بدوره شريك للإله في عملية خلاص الكون. وحسب هذه الفلسفة، تأخذ العلاقة السوية بين الإنسان وأخيه الإنسان شكل حوار، وهو حوار حقيقي إن كانت أطراف الحوار متساوية بحيث يجد كل طرف نفسه في الآخر، وهذا الحوار حوار حقيقي إن كان بين الأنا والأنت أو بين ذاتين لهما أهمية واحدة. ولكن الحوار يصبح زائفاً حينما يصبح أحد طرفيه أقوى من الآخر، فيحوِّل محاوره إلى موضوع أو أداة أو مجرد شيء يستخدمه ويستغله ويحوسله لينفذ به أغراضه، وفي هذه الحالة يتحول الحوار إلى علاقة بين الأنا والأنت والهو (أو بين الذات والموضوع) ، وهي علاقة قد تثمر معرفة علمية موضوعية قد تكون مفيدة في حد ذاتها ولكنها ليست كافية ولا تغنينا بأية حال عن علاقة أنا/أنت الأساسية (ومع هذا يرى بوبر أن ثمة صلة جدلية بين العلاقتين أنا/أنت وأنا/هو) .
стр. 6166
وتتَّسم علاقتنا بالإله بالحلولية الحوارية نفسها، فالإله هو ما يسميه بوبر «الأنت الأزلي» ، وهو كيان لا يمكننا أن نصل إليه من خلال التأمل الميتافيزيقي المجرد (أنا/هو) ، وإنما من خلال علاقة حية تشبه علاقة أنا/أنت، ولذا فيجب أن أتحاور مع الإله بكل كياني ويجب أن أصغي إلى الإله، وأن أعرف ماذا يريد مني. وحيث إن كل حوار لابد أن يؤدي إلى فعل، فالإله سيكشف لي أمره في لحظة الفعل، وسيكشفه لي أنا وحدي. و «الأنت الأزلي» لا يوجد خارج الإنسان وإنما يوجد في كل «أنت إنساني» ، وهو مصدر تَعيُّنه. ولذا يكون لزاماً على الإنسان أن يدخل في حوار دائم مع الإله ليحتفظ بتَعيُّنه وهويته المتميزة عن طريق ما يوحى إليه به. والوحي عند بوبر ليس شيئاً حدث في الزمان الغابر والماضي السحيق، وإنما هو شيء متكرر يحدث دائماً و «الآن» و «هنا» . فيحل الإله في التاريخ حلولاً دائماً، وتصبح الأحداث التاريخية النسبية أحداثاً مقدَّسة.
стр. 6167
يستخدم بوبر في هذا الجزء من فلسفته خطاباً حلولياً عاماً ينطبق على الوضع الإنساني بأسره. ولكنه، حين يتجه إلى الموضوع اليهودي، يُضيِّق نطاق الحلولية تماماً. فبرغم المساواة الحلولية المبدئية التي انطلق منها، فإن القداسة لا تعبِّر عن نفسها في جميع الأحوال بدرجة واحدة. ولذا، فقد يتم الحوار بين الإله والفرد في حالة البشر العاديين، أما في حالة الشعب اليهودي فإن الحوار يتم بين الشعب ككل والإله من الجهة الأخرى. كما أن الحوار الخاص الدائر بين إسرائيل والإله يأخذ شكل العهد، فالإله (الأنت الأزلي) يطلب من الأمة اليهودية (الأنا الأزلي) أن تصبح أمة مقدَّسة؛ مملكة من الكهنة الإله هو ملكها الوحيد. والمجتمع الديني اليهودي، حسب تصوُّر بوبر، لا يمكنه العيش بدون قومية، ولكن القومية اليهودية ليست قومية عادية (على عكس القوميات الأخرى) ، ولذا فإنها لا تستطيع العيش بدون دين، فالدين والقومية في حالة اليهود متزاوجان ملتحمان (كما هو الحال دائماً في المنظومة الحلولية) . وإذا كان هناك (بالنسبة للأغيار) فارق بين التاريخ النسبي والوحي المطلق (بمعنى أن القداسة الإلهية تظل بمعزل عن تاريخ الأغيار) ، فإن الوضع مختلف تماماً في حالة التاريخ اليهودي إذ يحل الإله فيه، ومن ثم يصبح التداخل بين المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس والأزلي والزمني كاملاً. ومن خلال هذه الصيغة تمت صهينة الدين اليهودي وعلمنته، كما تمت صهينة وضع الجماعات اليهودية ليصبح بذلك شكلاً من أشكال التعبير عن القومية العضوية، أي أن الدين يصبح فولكلور الشعب العضوي (فولك) ، ويصبح اليهود لا مجرد أعضاء أقليات ينتمون إلى الأوطان التي يوجدون فيها وإنما يصبحون شعباً عضوياً مقدَّساً منفصلاً. وهنا يجب أن نتذكر أن بوبر كان يؤيد رأي فخته في أن التجربة القومية في العصر الحديث تنجز ما كانت تنجزه التجربة الدينية في الماضي، فهي تجعل العنصر الإلهي يسري في الحياة
стр. 6168
اليومية.
وعند هذه النقطة التي يتحول فيها الدين إلى فلكلور، والجماعات اليهودية إلى شعب مقدَّس، يمكننا أن نتناول الفكر السياسي القومي عند بوبر ورؤيته الصهيونية. ويُلاحَظ أن المراجع الصهيونية الغربية عموماً تحرص على إخفاء هذا الجانب من منظومته المعرفية لأسباب مفهومة، وإن أشارت لها فهي تعرض لها من خلال ديباجات صوفية لا تكشف عن التضمينات الوثنية والنازية والعنصرية الكامنة في فكره. وقد لاحظنا أن القداسة تحل في الشعب وتاريخه. ولكن، كما هو الحال مع المنظومات الحلولية، لابد أن تشمل القداسة الأرض أيضاً (أو الطبيعة) حتى يتحقق الثالوث ويحل الإله أو القداسة في الشعب اليهودي وفي أرضه اليهودية المقدَّسة بحيث يرتبط الإله بالشعب بالأرض ارتباطاً حلولياً عضوياً. ولكن فكرة الإله تَضمُر وتتراجع بحيث يتحول الإله إلى الرابطة العضوية المقدَّسة بين الشعب (الدم) والأرض (التربة) . عند هذه النقطة نكون قد وصلنا في واقع الأمر إلى وحدة الوجود المادية وعالم الحلولية بدون إله؛ عالم النازية ومعسكرات الإبادة والدولة الحديثة التي تدَّعي المطلقية لنفسها فتضم الأراضي وتقضي على الملايين. إن مفهوم بوبر لوضع اليهود واليهودية لا ينبع من أي فكر ديني وإنما من مفهوم الشعب العضوي (الوثني) . وقد بيَّن بوبر في محاضراته عن اليهودية التي ألقاها في الفترة ١٩٠٩ ـ ١٩١٨، والتي تركت أعمق الأثر في الشباب اليهودي في وسط أوربا، أن ثمة عنصرين ماديين هما أهم مكونات القومية اليهودية، أولهما الدم (أي العرْق والخصائص البيولوجية المتوارثة) الذي صنفه باعتباره أعمق مستويات الوجود الإنساني، وثانيهما البنية أو الطبيعة أو التربة، وهو أهم عنصر في تشكيل الذات القومية، وهما معاً يشكلان الوعي القومي اليهودي (ومن ثم الحس الديني) أو الإحساس الغريزي المباشر لدى اليهود، والذي يتجاوز العناصر الاجتماعية والسياسية كافة، والذي لا علاقة له بأي إله متجاوز.
стр. 6169
ويجب أن نتذكر أن هذا الخطاب العرْقي النيتشوي كان الخطاب السائد في أوربا قبل الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في ألمانيا التي نشأ فيها بوبر وتَشَّرب ثقافتها، فهو ابن عصره وبلده. وقد كانت الدراسات الألمانية التي تَصدُر عن مفهوم الشعب العضوي تؤكد عدم تَجذُّر اليهود في وطن قومي، وأنهم بدو رُحَّل في صحراء جرداء، ومن ثم فهم شعب مجدب على عكس الألمان المتجذرين في أرضهم ومن ثم يتمتعون بالصحة النفسية والجسمانية وتعبِّر شخصياتهم المبدعة عن الغابات الألمانية المورقة الخضراء التي يلفها الغموض.
стр. 6170
لم يرفض بوبر هذه المفاهيم الوثنية الحلولية الحيوية أو العضوية بل دافع عن الشعب العضوي اليهودي انطلاقاً منها. ولذا، فإنه يؤكد أن اليهود لم يكونوا دائماً بدواً رحلاً لا أرض لهم بل كانوا في المراحل الأولى من تاريخهم شعباً زراعياً ملتصقين بالطبيعة ومرتبطين بأرضهم لا يختلفون عن الشعب العضوي الألماني، ولذا فإن بوسعهم أن يصبحوا مرة أخرى في خصوبة وإبداع الشعب الألماني. ويعترف بوبر بأن التماسك الداخلي للروح اليهودية (أي الغريزة الطبيعية) قد ضعف بسبب البعد عن الأرض، وهم يعيشون تحت سماء ليست سماءهم وعلى أرض ليست أرضهم. بل إن بوبر يجعل مسألة الارتباط بالتربة النموذج التفسيري الأكبر في نسقه الفكري وفي قراءته لتاريخ اليهودية. وعلى هذا، فإن اليهود بسبب بعدهم عن أرضهم أجدبوا دينياً، وبدلاً من الوحدة الصوفية العضوية (أي الحلولية) ، وبدلاً من التجذر في الأرض، ضربوا بجذورهم في الشريعة والشعائر والعقائد، ومن ثم تجمدت عقيدتهم الدينية أي أن البُعد عن الأرض (لا الشريعة) هو السبب في أزمة اليهودي، والتمسك بالشريعة هو تعبير عن هذه الأزمة. ولكن، رغم هذا، ظلت شخصية اليهود كما هي شخصية شرقية آسيوية برانية تفضل الفعل والحركة على التوجه إلى داخل الذات والتأمل والانشغال بالإدراك. بل إن النزعة المشيحانية إن هي إلا تعبير عن هذه العبقرية الآسيوية وعن النزوع نحو الحركة. وشغف اليهود بالموسيقى إن هو إلا تعبير عن الخصائص البيولوجية نفسها، فالعنصر الأساسي في الموسيقى هو الزمن، والزمن يفترض الحركة (على عكس المكان الذي يفترض الثبات وعدم التحول) .
стр. 6171
ولنُلاحظ أن بوبر حوَّل اليهودية من نسق عقيدي ومجموعة من القيم إلى مجموعة من الخصائص البيولوجية، فاليهود لا يؤمنون بعقيدة وإنما هم جماعة يرتبطون برباط الدم. والواقع أن هذا التعريف لا يختلف من قريب أو بعيد عن التعريفات العرْقية المعادية لليهود والتي تفترض ثبات شخصيتهم رغم تَغيُّر الزمان والمكان (كما أنه لا يختلف في بعض جوانبه عن تعريف الشريعة لليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية) . وسنلاحظ كذلك أن فكر بوبر إن هو إلا تطبيق لفكره الغربي العرْقي على يهود اليديشية. فالشرق إن هو إلا شرق أوربا (وآسيا هي بولندا) ، ومن المعروف أن التعبير الفني الأساسي عند يهود اليديشية كان الغناء والرقص.
ماذا سيفعل هذا الشعب الآسيوي في أوربا؟ عند هذه النقطة نجد أن ملامح الحل الصهيوني النازي العضوي الحلولي قد اكتملت، إذ يكتشف بوبر أن ثمة علاقة وثيقة بين الشعبين العضويين الألماني واليهودي. فالألمان هم الشعب العضوي الذي سيقود العالم ويسد الفجوة بين الشرق والغرب لأنه أقرب الشعوب الغربية إلى الشرق (ولا يبيِّن بوبر قط الأسباب التي قادته إلى استخلاص هذه النتيجة) . إن الألمان عندهم مهارات الغرب ولكنهم لم ينسوا قط حكمة الشرق. كما أن الألمان أكثر الشعوب تأثيراً في اليهود (وبوبر نفسه شاهد على ذلك، كما أن اللغة اليديشية لغة معظم يهود العالم آنذاك شاهد قوي آخر) . بل يذهب بوبر إلى أن الألمان أكثر الشعوب تأثراً باليهودية من خلال العهد القديم (الذي ترجمه لوثر ترجمة ممتازة وحوَّله إلى أهم عمل كلاسيكي في اللغة الألمانية) ومن خلال مجموعة من العبقريات اليهودية مثل إسبينوزا ولاسال وماركس.
стр. 6172
وبعد تأكيد هذه العلاقة بين الألمان اليهود، يتحول بوبر نحو اليهود ليكتشف الحسيدية باعتبارها أهم تجسيد للشخصية اليهودية الآسيوية أو الجماعة العضوية المترابطة (جماينشافت) التي تنظم حياتها ووجودها حول أسطورة مقدَّسة لا يشاركها فيها أحد. ومن ثم، فإن الحسيدية، حسب تصوُّر بوبر، استمرار لتقاليد الثورة في اليهودية: تقاليد الأسينيين والأنبياء التي ترفض الالتزام بالقانون والشريعة وتُعلي من شأن الفعل المباشر والغريزي. والحسيدية حركة متصوفة لا تبتعد عن الدنيا، وإنما تقترب منها، ولذا فهي تصوُّف يترجم نفسه إلى فعل، أي أنها ترجمة لتلاقي وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية. وقد تَغنَّى بوبر بالقائد المحرر والقائد الفنان الذي سيعلم الفولك، ووجد ضالته في التساديك الحسيدي فهو قيادة كاريزمية يدين له أتباعه بالولاء بدون نقاش، تماماً مثلما كان النازيون يدينون للفوهرر، قيادتهم الكاريزمية (ولنُلاحظ أن الأنا والأنت التي كانت تستند إلى علاقة حب، أصبحت هنا تستند إلى علاقة القوة؛ العلاقة الوحيدة الممكنة في المنظومة النيتشوية) .
стр. 6173
عند هذه الصورة يمكن القول بأن ملامح المجتمع الصهيوني قد اكتملت: جماعة عضوية تجسد القداسة تعيش بطريقة جماعية، ولكن جماعيتها لا تنبع من الفكر الاشتراكي السياسي وإنما من التماسك العضوي الحلولي. ويذهب بوبر إلى ضرورة عودة اليهود إلى صهيون ليؤسسوا مجتمعاً مثالياً مقدَّساً تتداخل فيه القومية والدين، والدين والقومية، والأزلية والزمن، والزمن والأزلية. وتمازُج الديني والقومي والمطلق والنسبي هو أساس نقده لكل من هرتزل والحسيدية، فهرتزل كان ينوي تأسيس مجتمع صهيوني سياسي لحل المسألة اليهودية في وجهيها السياسي والاقتصادي دون أن يتوجه إلى العناصر الأزلية في القومية اليهودية. أما الحسيدية، فرغم رؤيتها الحلولية التي تؤكد قداسة اليهود إلا أن العنصر القومي لم يكن واضحاً في الفكر الحسيدي، بل كانت علاقة الحسيديين بفلسطين علاقة عارضة، ولم تعبِّر عن نفسها في شكل رغبة في التحرر القومي، كما لم تترجم نفسها إلى تَطلُّع إلى أن يقرر الشعب اليهودي إرادته ومصيره في أرضه داخل جماعة مقدَّسة وقومية. وقد كان الحسيديون من دعاة (الروحية) ، وكان هرتزل من دعاة (المادية) ، على حين أن الوحدة المثلى من منظور إسبينوزا هي وحدة وجود واحدة (روحية مادية) تتجسد في المجتمع الصهيوني العضوي.
стр. 6174
ويرى بوبر أن هذا المجتمع لو تحقق، فسيصبح اليهود مرة أخرى أمة مقدَّسة تلعب دوراً أساسياً في الحضارة العالمية بسبب تاريخهم الفريد وشخصيتهم الفذة، إذ سيلتحم الوحي المقدَّس بالتاريخ مرة أخرى. والواقع أن أمة الكهنة والقديسين (العضوية الحلولية) التي تعمل على هدي الرؤى المشيحانية تزداد أهمية في القرن العشرين لأن الحضارة اليهودية حضارة غربية/شرقية. ولهذا، فبإمكانها أن تكون بمنزلة الجسر بين الحضارات والشعوب كافة. وفي كل هذا، يعود بوبر للرؤية اليهودية الحلولية القديمة الخاصة بمركزية اليهود في العالم والتاريخ (وهي مركزية عرْقية أضفتها الشعوب والديانات القديمة كافة على نفسها) .
ودعنا نُلاحظ هنا أن فكرة الشعب العضوي فكرة حوارية في جوهرها، إذ أن الأنا اليهودي يتجاوز الأنت الإلهي، أو يمتزجان معاً. وبدلاً من أن يطيع الإنسان الإله ويمتثل لإرادته، يمتزج الإنسان بالإله بحيث يُطوِّع أحدهما الآخر وتصبح أفعال الشعب اليهودي تعبيراً عن وحي دائم، ويصبح صوت الشعب الصوت الداخلي الذي هو صوت الإله.
لكن هذه الحوارية الدائرية العضوية الحلولية هي في جوهرها منطق استبعادي، فهي تعطي حقوقاً مطلقة لمن يوجد داخل دائرة القداسة وتهدر حقوق من يقع خارجها. وهي تستبعد، على سبيل المثال، الجماعات اليهودية خارج فلسطين حيث وصفهم بوبر، على طريقة بنسكر والنازيين، بأنهم مجموعة من الأشباح المشئومة الذين لا وطن لهم، ولذا فلا مكان لهم داخل المجتمع العضوي الجديد (وهذا يعني أنهم، باعتبارهم أشباحاً، محكوم عليهم بالموت، الأمر الذي تكفلت به النازية فيما بعد) . أما المجموعة الثانية التي تستبعدها القومية العضوية فهي العرب.
стр. 6175
وهنا نجد أن الموقف متناقض أكثر من كونه مركباً. وعلى سبيل المثال، فإن بوبر يرى، كما أسلفنا، أن التجربة الدينية الحقة تأخذ شكل حوار بين طرفين متعادلين، وهو تَعادُل ممكن بسبب حلول الخالق في المخلوق، واختلاط الوحي بالتاريخ، وهو ما يعني خَلْع القداسة على أفعال اليهود التاريخية، وخصوصاً أن تجربتهم الدينية جماعية (بينما نجد أن المسئولية الأخلاقية هي، في نهاية الأمر، مسئولية فردية) . وإذا أضفنا إلى هذا تلك الأفكار النيتشوية الخاصة بإعلاء الإرادة، والرابطة المطلقة بين الدم اليهودي والتربة الفلسطينية، فإن مصير العرب قد أصبح واضحاً وهو الطرد أو الإبادة. وهذا هو منطق الرؤية الحلولية. ولكن ثمة تياراً آخر في فلسفة بوبر، هو ما يمكن تسميته بالتيار الأخلاقي، لا ينبع من المنظومة الفكرية نفسها وإنما يضاف إليها بشكل آلي براني. ويحاول بوبر أن يربط عضوياً بين هذا التيار الأخلاقي ومنظومته الفكرية فينتقد المحاولات الصهيونية الرامية إلى تحويل اليهود إلى أمة مثل الأمم كافة تهدف إلى البقاء وحسب وتتسم بالأنانية والاعتداد الأجوف بالذات، مقابل ما يسميه «الإنسانية العبرية» : وهي التمسك بالقيم الأخلاقية اليهودية والإيمان بوحدة واحدة تفصل الصواب عن الخطأ والحقيقة عن الكذب فصلاً حاسماً، أي بضرورة الحكم على الحياة والسلوك السياسي من منظور أخلاقي.
стр. 6176
والواقع أن هذين التيارين المتناقضين (اللذين يسودان أيضاً في كتابات آحاد هعام) هما سر تَخبُّط بوبر في موقفه من العرب، فهو يكتب إلى غاندي مدافعاً عن الاستيلاء الصهيوني على الأرض الفلسطينية مستخدماً أسلوبه الحلولي الصوفي، إذ يبيِّن لغاندي أن حق العرب في الأرض ليس مطلقاً، فالأرض هي للإله يعيرها للفاتح الذي أقام عليها، ولكن الإله بانتظار ما سيفعل بها، فإن لم يفلحها هذا الفاتح فإن هذا ولا شك سيفتح المجال أمام المستوطنين الصهاينة في القرن العشرين. ولكل هذا نادى بوبر بالدولة اليهودية. ولكنه بعد عام ١٩٤٨، بعد طَرْد العرب وتشريدهم، صرح بأنه لا يوجد أي شيء مشترك بينه وبين هؤلاء اليهود الذين يدافعون عما سماه «القومية اليهودية الأنانية» ، كما لم يتوقف عن الدفاع عن حقوق العرب والمطالبة بإنشاء دولة مزدوجة القومية تسمح للعرب والإسرائيليين بتحقيق ذاتيهما القوميتين. ولعل التناقض العميق في موقف بوبر يتضح بكل جلاء في أنه كان يدافع طول حياته عن حقوق العرب ويعيش في الوقت نفسه في بيت عربي جميل في القدس رفض أن يعيده لأصحابه.
ولم تترك أفكار بوبر تأثيراً عميقاً في يهود شرق أوربا، كما لم تساهم في تحديد السياسات الصهيونية في الخارج أو في فلسطين قبل أو بعد إعلان الدولة. وقد تركت كتاباته أثراً عميقاً في اللاهوت المسيحي البروتستانتي.
فرانز روزنزفايج (١٨٨٦-١٩٢٩ (
Franz Rosenzweig
فيلسوف ألماني يهودي وُلد لأسرة يهودية مندمجة مُعلمَنة ولم يتلق أي تعليم ديني. كان على وشك أن يتنصر عام ١٩١٣، ولكنه غيَّر رأيه في آخر لحظة، ووجد أن بإمكانه التعبير عن تطلعاته الدينية من خلال اليهودية، فبقي في برلين حيث نشأت علاقة حميمة بينه وبين هرمان كوهين.
стр. 6177
قضى روزنزفايج معظم سنوات الحرب الأولى في الجيش الألماني حيث بدأ أهم أعماله التي تتناول الفكر الديني، وهو كتاب نجمة الخلاص الذي نُشر عام ١٩٢١. وقد ازداد اهتمام روزنزفايج بالتعليم اليهودي، فأسس مدرسة في فرانكفورت تهدف إلى تعليم اليهود المندمجين الهامشيين الباحثين عن جذورهم الدينية. وقد جذبت المدرسة مجموعة من الشبان الذين أصبحوا من كبار المفكرين اليهود فيما بعد، مثل: جيرشوم شوليم، وليو ستراوس، وإريك فروم. وقد أصيب روزنزفايج بشلل في أواخر حياته، ولكنه استمر مع هذا في التأليف، فكتب مجموعة من المقالات المهمة وترجم قصائد يهودا اللاوي وعلَّق عليها، وبدأ مع مارتن بوبر في إعداد ترجمة جديدة للكتاب المقدَّس بالألمانية.
стр. 6178
وإذا كان هرمان كوهين يشبه موسى بن ميمون، فإن روزنزفايج يشبه يهودا اللاوي. فكتابه نجمة الخلاص ليس مجرد كتاب في الفلسفة، وإنما هو رحلة روحية من الفلسفة إلى اللاهوت. ويتوجه روزنزفايج بالنقد إلى الفلسفة لمحاولتها رد العالم إلى جوهر واحد مثل الوعي على وجه العموم، فهذا يتنافى مع التجربة المتعينة للإنسان، وكل ما تستطيع الفلسفة أن تنجزه هو إدراك ثلاثة جواهر مستقلة منفصلة: العالم والإنسان والخالق، لكلٍّ طبيعته الخاصة. وكل جوهر عقلاني يشكل جزءاً ومعطى لا يمكن رده إلى شيء خارجه. هذه الجواهر هي «ما قبل العالم» ، ولابد أن تنشأ علاقة فيما بينها استناداً إلى مفاهيم تُستجلَب من خارج عالم التأمل العقلاني. وهذا ما يقوم به اللاهوت الذي يكمل الفلسفة، فهو الذي يُوجد الصلة بين أجزاء العالم والإنسان والخالق المختلفة من خلال الوقائع المعجزة العجائبية الثلاث: الخلق، والوحي، والخلاص. ويرى روزنزفايج أن العلاقة بين الخالق والعالم (الخلق) ، وبين الخالق والإنسان (الوحي) ، وبين الإنسان والعالم (الخلاص) هي إمكانات موجودة دائماً. وأهم أبعاد الوجود أو عناصره هو الوحي، فمن خلاله يخاطب الخالق الإنسان في لحظات الحب، فيهدم الحواجز التي تسبب عزلة الإنسان ووحدته. وكل ما يعطيه الخالق للإنسان هو الحضور، ولكن تجربة الحب الإلهي تأخذ شكل أمر بأن يحبه الإنسان في المقابل. والعنصر الثاني (الخلق) يعني اعتماد كل الكائنات في هذا العالم على القوة الحية للخالق. أما العنصر الثالث (الخلاص) فيعني أن يتوجه من يشعر بالوحي نحو الآخر، ومن خلال الخلاص تتبدد العزلة التي تفرق بين البشر، فمن حب الخالق للإنسان يظهر حب الإنسان لأخيه الإنسان لأن الإنسان من خَلْق الإله. ومسار التاريخ تعبير عن أن الخلاص يتخلل العالم من خلال أفعال الحب حتى تشيع الروح في الدنيا ويتم توحيد العالم والإنسان والخالق.
стр. 6179
ويُلاحَظ أن روزنزفايج يقترب هنا من القبَّالاه اللوريانية بحلوليتها التي من خلالها تصبح عملية الخلاص عملية كونية تشمل العالم والإنسان، وهي هنا تأخذ شكل نجمة داود (نجمة الخلاص (.
وقد قيل عن رؤية روزنزفايج إنها رؤية وجودية، لأنها تؤكد أهمية التجربة المتعينة التي لا يمكن أن تُرد إلى أي شيء خارجها وترى أن الفلسفة لابد أن تبدأ في تجربة بشرية فردية محدَّدة؛ في الوجود لا الماهية. ويؤكد روزنزفايج أيضاً أن التجربة متجذِّرة في موقف المفكر الفردي المتعيِّن، وأن ما يُهم الإنسان ليس الأفكار الفلسفية المجردة وإنما القناعات التي لا يمكن البرهنة عليها إلا من خلال الحياة الحقيقية. وقد انعكس هذا الموقف الوجودي على رؤيته للشعائر اليهودية، فإذا كان أساس الوحي هو حب الإله للإنسان فإن مضمونه هو الوصايا، ولابد أن يبادل الإنسان الإله المحبة بأن يعمل بوصاياه. والوصايا ليست قوانين، لأن القوانين (الشريعة) أساسها القسر، فهي ليست مجرد مبادئ فلسفية، وقد عاشت الوصايا في ضمير الإنسان تجربة خاصة تَواصَل من خلالها الإنسان والخالق. ومن هنا، فقد أصر روزنزفايج على ضرورة أن يشعر الإنسان بالقانون داخله بحيث يتحول القانون إلى وصية.
стр. 6180
ووفقاً لروزنزفايج، فإن اليهودية والمسيحية) كلتيهما) جماعتان دينيتان لكل أصالتها، وهما تشكلان قناتين تصب من خلالهما الأزلية في مجرى الزمان. لكن اليهودية هي الحياة الأزلية والمسيحية هي الطريق الأزلي. وفي التقويم اليهودي الديني، وكذلك صلوات اليهود، يُحَتفى بإيقاع الخلق - الوحي - الخلاص، وهو ما يؤدي إلى وضع اليهود خارج التاريخ. فثمة قناة توصل بين اليهود والإله مباشرةً، ولذا فإن الوجود اليهودي يُبشر بخلاص الجميع (وهنا نشعر مرة أخرى بأثر القبَّالاه اللوريانية) . كما أن الأرض اليهودية المقدَّسة، واللغة اليهودية المقدَّسة، والتوراة المقدَّسة، منفصلة عن تتالي الزمان. وكذلك، فإن اليهودي يدخل الميثاق مع الرب بالمولد، ولذا فإن استمرار اليهودية لا يتوقف على تَهوُّد الأغيار، فمهمة اليهود أن «يكونوا يهوداً» لا أن يبشروا باليهودية. فكأن اليهودية خاصية أنطولوجية لصيقة بالجوهر اليهودي، وهذا أمر مستحيل إلا في إطار حلولي. أما المسيحية فتقف على طرف النقيض من ذلك، فهي دائماً «في الطريق» المؤدي من مجيء المسيح في المرة الأولى إلى مجيئه مرة ثانية. وهي ذات طبيعة مختلفة ودور تاريخي مختلف. فكل مسيحي ينتقل من حالة الطبيعة والوثنية إلى المسيحية من خلال الإيمان الديني والتعميد (لا المولد) ، ومن ثم فإن التبشير مسألة أساسية بالنسبة للمسيحية (وهي مسألة مستحيلة داخل الإطار الحلولي اليهودي) . وكما يُلاحظ روزنزفايج أيضاً، فإن المسيحي يحتاج إلى وسيط ليدخل في علاقة مع الإله أما اليهودي فلا يحتاج إلى مثل هذه الوساطة. وإذا أردنا تفسير هذه الفكرة باستخدام نموذج الحلولية، فيمكننا أن نقول إن الشعب اليهودي جزء من الإله بسبب الحلول الإلهي فيه، ولذا فهو شعب مقدَّس بطبيعته، لا يحتاج إلى وسيط. أما المسيحي فهو من البشر العاديين، خال من القداسة ويتطلع إليها، ولذا فهو يحتاج إلى كهنوت تتركز فيه القداسة ليكون بمنزلة الطريق بين
стр. 6181
الخالق والمخلوق.
ومما يجدر ذكره، أن روزنزفايج يختلف هنا عن كثير من المفكرين الدينيين اليهود مثل: هرمان كوهين، وليوبايك اللذين كانا يعقدان المقارنة بين الديانتين ليبيِّنا مدى التقارب بينهما. أما روزنزفايج، فيعنى بإبراز أوجه الخلافات العقائدية والوجودية بينهما. وتأكيد تفرُّد اليهودي في علاقته مع الخالق، ووجود اليهود خارج التاريخ، وهي أبعاد أساسية في بنية الفكر الحلولي والصهيوني. ومع هذا، رفض روزنزفايج الصهيونية لأنها تقوض دعائم الطبيعة الروحية غير السياسية للشعب اليهودي، أي أنها تقوض تفرُّده، كما أنها تجعل الخلاص مسألة سياسية لا قضية أخروية. وعلى عكس الصهاينة، يؤمن روزنزفايج بأن شتات اليهود أمر ضروري لتطور الشعب اليهودي في المستقبل. وقد وقف روزنزفايج موقف المعارض من كل من اليهودية الأرثوذكسية واليهودية الإصلاحية، فالأولى حَوَّلت العقيدة اليهودية إلى قشرة شعائرية خارجية خالية من المعنى، أما الثانية فأسقطت كثيراً من الجوانب الأساسية في العقيدة اليهودية حتى تقربها من المسيحية البروتستانتية، ومن ثم أفقدت اليهودية ما يميِّزها.
إيمانويل لفيناس (١٩٠٥-١٩٩٦ (
Emanuelle Levinas
فيلسوف فرنسي يهودي. وُلد في ليتوانيا ودرس الروسية والعبرية في ليتوانيا ثم درس في جامعة ستراسبورج التي كان يُعلِّم فيها كلٌّ من هوسرل ومارتن هايدجر. درَّس في دار المعلمين اليهودية الشرقية في باريس ثم في جامعات فرنسية أخرى. ومصادر فكر لفيناس عديدة، فقد تأثر بأعمال أفلاطون وكانط وبرجسون.
стр. 6182
وقد ترك الأدباء الروس مثل بوشكين وجوجول أثراً عميقاً فيه. ولكنه كان يرى أن أعمقهم أثراً فيه دوستويفسكي، وخصوصاً رؤيته للمسئولية نحو الآخر. ولكن المصدر الأساسي لفكره أعمال هوسرل الفلسفية، وقد كتب رسالته للدكتوراه عن نظريته في الحدس (صدرت في كتاب عام ١٩٣٠) ، وكان من أوائل المفكرين الذين عرَّفوا القُراء الفرنسيين بهايدجر. ولا شك في أن دراسته للتلمود ولأعمال بوبر وروزنزفايج ساهمت في صياغة وجدانه.
ينتمي لفيناس إلى هذا الجيل من الفلاسفة الذين يمكن أن يُطلَق عليهم اسم «الفلاسفة غير الفلسفيين» . وهم مجموعة من الفلاسفة الذين يرفضون الميتافيزيقا بمعناها التقليدي ويثيرون الأسئلة التي يتصورون أن الفلسفة الغربية التقليدية استبعدتها. ويقف هؤلاء الفلاسفة ضد المشروع الفلسفي الغربي برمته «من طاليس لهيجل» ، وهو مشروع يهدف (حسب تصورهم) إلى معرفة كل شيء وإدخال كل الظواهر في حلقة المعرفة والسببية. وهذا المشروع يودي بالذات الإنسانية الفردية من خلال هيمنة الموضوع المادي المجرد (الأشياء والحقائق المادية والموضوعية) أو هيمنة الموضوع الروحي المجرد (حتمية التاريخ وعالم الماهيات والجواهر والروح المطلقة) . ويصل هذا المشروع إلى ذروته في المنظومة الهيجلية بشموليتها الصارمة، حيث يترادف الفكر مع الطبيعة مع التاريخ، وحيث لا يفلت شيء من نطاقها. كما ترجم هذا المشروع نفسه إلى مدارس فلسفية مختلفة، مثل الوضعية والبنيوية، تبدو كما لو كانت متناقضة ولكنها في واقع الأمر تتسم جميعاً بالنزوع نحو الكلية والشمول والرغبة في إدخال كل الظواهر داخل نطاق السببية. وقد هاجم لفيناس هذه الهيجلية في سياق هجومه على البنيوية التي وصفها بأنها «انتصار العقل النظري» ، ولذا فهي تتسم بعدم الاكتراث والحياد والهجوم على الذات الإنسانية.
стр. 6183
ويمكن القول بأن هذا هو الموضوع الأساسي في فلسفة لفيناس: كيف يمكن أن ندرك الجزء المتعيِّن (الموجود) وندرك الكل المجرد (الوجود) دون أن يُستوعَب الجزء في الكل ودون أن تذوب الموجودات المختلفة في الوجود. ويرى لفيناس أن هذه هي المشكلة الأساسية عند هايدجر، فقد أعطى أولوية للوجود على الموجودات، وهو ما يعني أن الوجود أكثر جوهرية من الموجودات، بل يعني أيضاً أن الموجود لا تتحدد علاقته بالآخر إلا من خلال فكرة الوجود المجردة اللاشخصية. ونَقْد لفيناس لهايدجر لا يختلف كثيراً عن قول الوجوديين بأن الوجود يسبق الماهية، فالوجود في الخطاب الوجودي هو الموجود المتعيِّن، والماهية هي الوجود المجرد.
وحتى نفهم فلسفة لفيناس، قد يكون من المفيد أن نعرض لتعريفه لمصطلحي «أنطولوجيا» و «ميتافيزيقا» . فالأنطولوجيا في تصوُّره هيجلية بطبيعتها، تَردُ الإنسان والموجودات المتعيِّنة والمتنوعة إلى الوجود المجرد أو إلى الكليات المتجاوزة للموجودات. ويضع لفيناس، مقابل هذا، الميتافيزيقا (حسب تعريفه) وهي ما لا يمكن التفكير فيه من خلال الأنطولوجيا. وهو تعريف سلبي غامض، ولكن لفيناس يوضحه حين يقول إن الميتافيزيقا هي التطلع نحو اللانهائي الذي لا يمكن أن يُرد إلى ما هو غيره والذي لا يذوب في أية كلية تاريخية كانت أم إلهية. والرغبة الميتافيزيقية الحقة والأصيلة هي رغبة في هذا الذي يفيض ولا يمكن أن يحيط به العقل، والذي يفلت من نطاق المنطق لأنه خارج نطاق الفكر. والفكر هنا يعني ما يلي: التوازن والتوازي بين الفكرة والشيء، وبين العقل والوجود ـ ما يمكن تمثيله وإلقاء الضوء عليه ـ ما يمكن معرفته.
стр. 6184
إن الميتافيزيقا في داخل هذا الإطار هي تَطلُّع نحو المطلق الحق، «ما ليس بوجود» (يسميه لفيناس «أذر ذان بيينج other than being» أو «أذروايز ذان بيينج otherwise than being» ) . وهو لهذا السبب لا يمكن استيعابه فيما هو غيره، أي أنه وحدة نهائية لا يمكن أن تُردُّ إلى وحدة أخرى سواء أكانت أعلى أم أدنى مرتبة منها. ويبيِّن لفيناس أن الميتافيزيقا (بالمعنى التقليدي) قد تقيم تمييزاً واضحاً بين الإنسان الفرد المتعيِّن (الموجود) والآخر (الفريد ـ المتعيِّن ـ الموجود أيضاً) ، ولكن التمييز مرحلي ومؤقت لأن الأنا والآخر في الإطار التقليدي ينحلان في نهاية الأمر في كيان واحد، ومن ثم فإن التحدد أو التعين الخارجي (بالإنجليزية: إكستيريوريتي exteriority) الذي يسم الآخرية الحقيقية يضيع ويختفي ويتم استيعاب الآخر في الكل المجرد. ولذا نجد، في الإطار التقليدي، أن الأنطولوجيا تسبق الميتافيزيقا، تماماً كما يسبق الكل المجرد الجزء المتعيِّن، وكما يسبق الوجود الموجودات.
إن الميتافيزيقي الحقيقي (اللانهائي ـ ما ليس بوجود) يتحقق لا في الذات ولا في الموضوع. وهنا نود أن نشير إلى أن كثيراً من الفلسفات الغربية بعد نيتشه (الذي نسف تماماً ثنائية الذات والموضوع وتأكيد الذات على حساب الموضوع) تحاول أن تجد الحل لا في الذاتي ولا في الموضوعي، وإنما في نقطة تقع بينهما. هذه النقطة يمكن تسميتها بفلسفات «تيار الحياة» وهو مصطلح مشتق من ديموقريطوس ( «إرادة القوة» عند نيتشه ـ «وثبة الحياة» عند برجسون ـ «عالم الحياة» [ليبنزفلت] عند هوسرل وهابرماس) . والعبارات كلها تعني العالم المعاش والواقع الموضوعي كما تجربه الذات. وهو عادةً يشير إلى تلك النقطة التي تلتقي فيها الذات بالموضوع أو تذوب فيها الذات في الموضوع، ومن ثم فلا يوجد فيها لا ذات ولا موضوع، فهي نقطة صيرورة كمونية كاملة تفلت من قبضة الكل الشامل.
стр. 6185
تنتمي محاولة لفيناس لهذا التيار، وإن كان يحاول قدر استطاعته ألا يسقط في لحظة الذوبان هذه ويحتفظ بقدر معقول من التماسك والصلابة. ويتصور لفيناس أنه وجد ضالته في مفهوم الآخر والعلاقة معه. فالإنسان كموجود متعين يمكنه أن يتجاوز الوجود الكلي المجرد من خلال علاقة فريدة تجعله يخرج من ذاتيته الضيقة دون أن يفقدها ويدرك ذاتية الآخر باعتبارها ذاتية وموجوداً متعيِّناً لا يمكن أن يُرد إلى الوجود المجرد، فهي ذاتية موجودة فيما وراء الكل، ولذا ليس بإمكان الفكر (بالمعنى الذي حددناه من قبل) الإحاطة بها.
وآخرية الآخر تتبدَّى بشكل خاص في وجهه، فالوجه هو التعبير عن التفرد وعن جوهر الآخر الإنساني الفردي، الكامن المتبدي. ومن ثم يضع لفيناس الوجه [الأصيل] ضد الواجهة [الزائفة] ، كما يضع الوجه الخاص مقابل نور الاستنارة العام. إن الإنسان حينما يدخل في علاقة ميتافيزيقية حقيقية مع الآخر فإنه سيكتشف أن هذا الوجه هو اللامتناهي وأنه سر، بل تجلٍّ إلهي، لا يستطيع الكل ابتلاعه. والآخر بهذا المعنى، يشبه الإله في كثير من صفاته. ويمكن القول بأن لفيناس، بمعنى من المعاني، ينتمي إلى ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» الذي يتلخص في البحث عن منظومات معرفية وأخلاقية في عالم لا إله فيه، وإن كان لفيناس يؤكد أن غياب الإله لا يعني بالضرورة أنه غير موجود.
ولأن الآخر هو اللامتناهي وهو الزمان اللامتعاقب الذي يقع خارج نطاق الوجود، فإن العلاقة مع الآخر تصبح هي الإسكاتولوجي (آخر الأيام) الذي يشكل انقطاعاً كاملاً وتحطيماً لأية كليات مجردة متجاوزة. ولكنه إسكاتولوجي لا علاقة له بالأديان السماوية، فلاهوت هذه الديانات خاضع للأنطولوجيا، وهو إن لم يؤد إلى الشمولية الكلية التاريخية (على الطريقة الهيجلية) فإنه يؤدي إلى الكلية الإلهية.
стр. 6186
والعلاقة مع الآخر، والوصول إلى آخريته الحقة، ليست التحاماً عاطفياً وإنما علاقة عادلة تؤدي إلى الإحساس بالالتزام والمسئولية، أي أن لفيناس قد ولَّد من مفهوم الآخر باعتباره اللامتناهي منظومة أخلاقية كاملة. والرغبة الميتافيزيقية الحقة نحو الآخر هي رغبة لا تتشوق للعودة، هذا يعني من منظور لفيناس أن هذه الرغبة الحقة تفترض أن على الإنسان أن يستبعد أن يكون معاصراً لإنجازاته، فعليه أن يعمل دون أن يدخل بالضرورة «أرض الميعاد» ، أي أن لفيناس، بضربة واحدة، يحل مشكلة الأخلاقيات في مجتمع علماني، فبدلاً من الأنانية والدفاع عن المصلحة الشخصية والرؤية الهوبزية الداروينية حيث يصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، يطرح لفيناس المواجهة مع الآخر وإدراكه بشكل ميتافيزيقي (غير أنطولوجي) باعتباره الحل الحقيقي للمشكلة الأخلاقية. فمن خلال مثل هذه المواجهة يمارس الإنسان إحساساً عميقاً بالمسئولية تجاه الآخر، أي من خلال إدراكه له ككيان متعيِّن متفرد له وجه فريد (ولا ندري كيف يمكن القفز بهذه البساطة من المنظومة المعرفية إلى المنظومة الأخلاقية ومن الإدراك إلى القيم) . ولتوضيح وجهة نظره، يقارن لفيناس بين إبراهيم ويوليسيس، فإبراهيم يغادر وطنه ويتجه نحو أرض مجهولة ولا ينوي العودة، أما يوليسيس فهو يتحرك دائماً نحو نقطة محددة. فإبراهيم مسافر دائم لا يهمه إن كان معاصراً لإنجازاته أم لا، أما يوليسيس فهو عائد دائم يصر على إنجاز السعادة في حياته! (ولكن هل يمكن تَصوُّر إبراهيم ـ المسافر الدائم هذا ــ بدون إله؟ إن لم يكن هناك إله وأمر إلهي فالسفر الدائم حماقة دائمة وحركة بلا معنى في المكان) . ويبدو أن الميتافيزيقا الحقة (حسب تعريف لفيناس) لا تولِّد أخلاقاً وحسب، وإنما هي نفسها الأخلاق. فلفيناس يُعرِّف الأخلاق بأنها سابقة على الأنطولوجيا (شأنها في هذا شأن الميتافيزيقا) وبأنها ليست مجرد قواعد وإنما هي العلاقة مع الأصل، بل هي
стр. 6187
نفسها الأصل الذي يسبق كل الأصول وهي القَبَلى والأولي a priori، هي «الميتا» في الميتافيزيقا، فهي الماوراء الحقيقي.
وتُصنِّف الموسوعة اليهودية (الجودايكا) لفيناس باعتباره يهودياً بالمعنى الديني، بل تذهب إلى أنه يهودي أرثوذكسي. وهو أمر يصعب تفسيره إلا داخل إطار حلولي كموني، فالميتافيزيقا عند لفيناس تنبع من تأمل وجه الآخر اللانهائي الذي يتحدى الكل، أي أن البشري يقوم مقام الإلهي في هذه المنظومة. وكما هو الحال دائماً مع المنظومات الحلولية، تتساقط كل التمييزات وتضيق البانوراما لتتحول إلى وثنية شوفينية، الأمر الذي يتضح في خطاب لفيناس اليهودي، وهو خطاب يعطي لكل المصطلحات بُعداً يهودياً تماماً (شأنه في هذا شأن بوبر الذي يتكلم عن الأنا والأنت في الفلسفة الحوارية، ثم نكتشف أن اليهودي والشعب اليهودي [الأنا الأزلية!] يوجد في المركز ويدخل الإله في علاقة خاصة مع اليهود الذين يتحول تاريخهم إلى وحي، ويصبح الوحي بالنسبة لهم عقيدة٩.
стр. 6188
يحاول لفيناس في فلسفته الدينية أن يميِّز بين العنصر الهيليني (يوليسيس) والعنصر اليهودي (العبري) (إبراهيم) . وهو يرى أن الخطاب الهيليني يميل دائماً نحو التجسد، والإيمان داخل الإطار الهيليني يأخذ شكل محاولة التواصل مع المتجسد (وهي محاولة جنونية في تَصوُّره) . أما الخطاب اليهودي (العبري) ، فهو شكل من أشكال الإيمان الناضج الذي يأخذ شكل علاقة بين أرواح من خلال وساطة الكتاب المقدَّس الذي يؤكد لنا وجود الإله بيننا دون تجسُّد. فالروحي الحقيقي نشعر به لا من خلال تجسده وإنما من خلال غيابه. ويقتبس لفيناس عبارة وردت في التلمود وهي «أن يحب اليهودي التوراة (الشريعة ـ القانون) أكثر من الإله» ، وهي عبارة تصدم الآذان التي تدور في إطار توحيدي ولكنها مفهومة تماماً داخل إطار حلولي. ورغم رفض لفيناس للتجسد، إلا أن الكتاب نفسه يكتسب أبعاداً تجسدية (تماماً كما أن العلاقة مع الآخر تكتسب كل أبعاد الإله) . وكما أن الآخر يحل محل الإله، في سياق فلسفة لفيناس العامة، فإن التوراة تحل محله في سياق فلسفته الدينية اليهودية.
ويذهب لفيناس إلى أن الكتاب المقدَّس هدية وليس رسالة؛ هو دعوة للحوار وليس مجرد أطروحات. والهدية تتطلب من الآخر استجابة، أما الرسالة فهي غير شخصية (تشبه فكرة الكل المجرد) . والتوراة ليست هدية وحسب وإنما نص مفتوح يمكن تفسيره. وكما هو الحال في المنظومات الحلولية، يتراجع النص ليظهر المفسر الذي يفرض المعنى عليه. ولفيناس، بهذا، متسق تماماً مع تقاليد الشريعة الشفوية، أي التفسير الذي يُفترض أنه أُعطي لموسى عند سيناء مع الشريعة المكتوبة (التوراة) والذي توارثه الحاخامات المفسرون عبر التاريخ حتى أصبح تفسيرهم (التلمود) أكثر أهمية من التوراة وأكثر أهمية من الإله. وهكذا ترجح كفة الحاخامات على كفة الإله من خلال فكرة النص المفتوح.
стр. 6189
وماذا عن الشعب اليهودي؟ يشير لفيناس إلى قصة وردت في التلمود عن شخص طلب المغفرة من آخر ولكن هذا الأخير رفض طلبه لمدة ثلاثة عشر عاماً. يقول لفيناس في مجال شرح هذه الأمثولة: بإمكان اليهود أن يعفوا عن بعض الألمان ولكن هناك ألماناً من الصعب العفو عنهم (أي أن خطيئتهم مطلقة) . فمثلاً يصعب العفو عن هايدجر لأنه قَبل أن يعمل في وظيفة في الجامعات الألمانية أثناء حكم النازي ولم يُقر بذنبه، أي أن هناك آخرين: آخر يُقبَل وآخر يُرفَض. وقد بيَّن لفيناس أن الإحساس بالآخر لابد أن يترجم نفسه إلى إحساس عميق بالمسئولية تجاهه. ولكنه، مع هذا، يتحفظ على هذا بقوله إن الإنسان لابد أن يفضل الآخر القريب (الزوجة والابن) على الآخر الغريب، أي أن يفضل الآخر اليهودي على الآخر غير اليهودي (يتلاعب لفيناس بالكلمات العبرية: «أح» أي «أخ» و «آحر» أي «آخر» و «أحريوت» أي «المسئولية» - فكأن الآخر هو الأخ الذي يشعر الإنسان نحوه بالآخرية أي بالمسئولية) . وهذه طريقة مصقولة للغاية وحداثية (حيث إنها تتضمن لعباً بالألفاظ وبعلاقة الدال بالمدلول) للتعبير عن ثنائية اليهود أو الشعب المختار مقابل الآخر الآخر، أي الأغيار. وبالفعل، نجد أن الشعب اليهودي له مكانة خاصة في الكون، فهو شعب مختار. واختياره قد يعني مزيداً من المسئولية، ولكنه يحمل أيضاً معنى الانفصال والتميز (وهذا لا يختلف كثيراً عن الرؤية اليهودية الحلولية القديمة) . والواقع أن رؤية لفيناس حلولية، رغم كل حديثه عن الآخر. فالمواجهة بين الإله والإنسان (حسب قوله) مسألة مسيحية، أما بالنسبة لليهود فالمسألة لعب بين ثلاثة: أنا وأنت وطرف ثالث، هذا الطرف الثالث هو الإله المساوي للإنسان (اليهودي!) .
стр. 6190
داخل هذا الإطار، يبدأ لفيناس في اكتشاف خصوصية اليهودية وتميُّزها، فالإنسان الغربي يبحث عن الحرية حتى أصبح العصر الحديث عالماً لا قانون له، معادياً للإنسان، خالياً تماماً من المسئولية (أحريوت) . أما اليهودية، فهي على النقيض من ذلك، فالحرية فيها هي حرية صعبة المنال، فاليهودي يكتسب حريته بأن يعيش تحت نير الشريعة الذي يتطلب منه الإحساس بالمسئولية الأخلاقية والاجتماعية. واليهودية ـ حسب تصوُّره ـ تستند إلى استحالة رد الإنسان إلى ما هو دونه وتصر على تَفوُّق الإنسان على الكون (فاليهودية بهذا المعنى ديانة لا أنطولوجية، ديانة ميتافيزيقية أخلاقية حسب معجم لفيناس) . والإنسان اليهودي يكتشف الإنسان قبل الطبيعة، ويصل إلى فكرة الوجود حينما يرى وجه الإنسان العاري. ومن ثم، فإن اليهودية هي الإنسانية، والحرية التي تنادي بها هي حرية تستند إلى الإحساس بالمسئولية.
стр. 6191
ومرة أخرى، قد نتصور لوهلة أن الحديث هنا عن إنسانية رحبة، ولكن لفيناس يقول: إن اليهودية، هذه الأيديولوجيا المترادفة مع الإنسانية، لا تعني إنسانية روحية عامة وإنما هي إنسانية محددة تأخذ شكل أمة، واليهودية ليست أيديولوجيا مثالية تعيش بدون خطر وإنما هي مثالية تأخذ شكل دولة تجسِّد القيم الأخلاقية للأنبياء، فهي قدر ومسئولية الشعب اليهودي المختار، الذي يتبدَّى في الدولة الصهيونية التي تستند إلى الرغبة العارمة في البقاء وفي البدء من جديد بعد أن يسقط كل شيء. هذه الدولة تقف شاهداً على إرادة اليهود وعلى رغبتهم في أن يُعرِّضوا أنفسهم للخطر وأن يضحوا بأنفسهم ليضطلعوا بمسئوليتهم، أي أن الدولة الصهيونية تجسيد للحرية التي تستند إلى المسئولية. والحلم الصهيوني يَصدُر عن تَطلُّع مؤمن متجذر ثابت غير مُحتمَل يعود إلى مصادر الوحي نفسها، وهو صدى لأعلى التوقعات. وهكذا نعود للوثنية الحلولية القديمة، حيث تصبح الدولة (التي تقتل الأطفال ولا تكترث بالآخر الآخر) موضع الحلول الإلهي، بل تعود جذورها إلى الوحي الإلهي!
وقد عرَّف لفيناس مهمته الفلسفية بأنها تعريف العصر الحديث بالتلمود، وأن هذا أيضاً هو جوهر الصهيونية، فهي الدولة التي تضطلع بهذه المهمة بشكل متعيِّن.
ومن أهم مؤلفات لفيناس من الوجود إلى الموجود (١٩٤٧) ، والزمان والآخر (١٩٤٨) ، وفي اكتشاف الوجود مع هوسرل وهايدجر (١٩٤٩) ، والكلي واللامتناهي (١٩٦١) ، وحرية صعبة (١٩٦٣) ، وأربع محاضرات تلمودية (١٩٦٨) ، والإنسانية والإنسان الآخر (١٩٧٢) ، وما وراء الآية (١٩٨٢) .
شمويل تريجانو (١٩٤٨ (–
Shmouel Trigano
стр. 6192
عالم اجتماع ومفكر فرنسي يهودي، وُلد في الجزائر. وهو يحاضر في علم الاجتماع في جامعة مونبييه ورئيس مركز الدراسات اليهودية التابعة للأليانس، ويقوم بتحرير مجلة بارديس. ويُعَدُّ من أهم المفكرين الدينيين اليهود الجدد في فرنسا، وهو يرى أن ثمة إمكانية للعثور على حلول لمشاكل الصهيونية والجماعات اليهودية بالعودة لروح اليهودية السفاردية، وله دراسات عديدة من أهمها المسألة اليهودية الجديدة (١٩٧٩) والجمهورية واليهود (١٩٨٢) .
الباب التاسع: اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة
اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة
Judaism, Members of Jewish Communities, and Post-Modernism لوحظ أن كثيراً من دعاة ما بعد الحداثة إما يهود أو من أصل يهودي (جاك دريدا ـ إدمون جابيس ـ هارولد بلوم ... إلخ) . وقد أثرت ما بعد الحداثة في العقيدة اليهودية، وفي كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية.
وسنتناول في مداخل هذا الباب جذور ما بعد الحداثة في العقيدة اليهودية، وفي وضع اليهود في الحضارة الغربية، وفكر بعض دعاة ما بعد الحداثة من اليهود. أما أثر ما بعد الحداثة في العقيدة اليهودية فسندرسه في القسم المعنون «لاهوت موت الإله» .....
стр. 6193
ونحن نذهب إلى أن العلمانية الشاملة تؤدي في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلى فصل كل مجالات النشاط الإنساني عن الإنسان ليشير كل مجال إلى نفسه ويستمد معياريته من ذاته وهذا ما يُسمَّى «التحييد» الذي يتصاعد إلى أن يصبح العالم بأسره مجالات محايدة لا يربطها رابط فيتفكك وتختفي أية معيارية إنسانية عامة. وتتآكل القيم والمفاهيم الكلية وتسود النسبية التي تنكر على الإنسان المقدرة على تجاوز صيرورة عالم الطبيعة المادة والحركة فيسقط في قبضتها تماماً وتسقط فكرة الحقيقة والحق والخير والجمال والكل، ثم تسقط فكرة الطبيعة نفسها (البشرية والمادية) في قبضة الصيرورة، أي تسقط كل المنظومات المعرفية والأخلاقية والجمالية، فهي عملية تفكيك كاملة. وهذا الانتقال من عالم متماسك فيه مرجعية ومعيارية (حتى لو كانت مادية) إلى عالم متفكك بلا مرجعية أو معيارية، هو الانتقال من عصر التحديث والحداثة (الصلب) إلى عصر ما بعد الحداثة (السائل) .
والعلمانية الشاملة شكل من أشكال الحلولية الكمونية. ونذهب إلى القول بأن المتتالية النماذجية العلمانية تبدأ بحلول مركز الكون في الكون نفسه. ورغم حلوله في الكون إلا أنه يظل مصدر تماسك الكون ويمكن أن يتم التجاوز باسمه، وفي هذا الإطار يحاول الإنسان أن يستمد معياريته من الطبيعة، وهذه هي مرحلة التحديث البطولية والثنائية الصلبة. ولكن درجات الحلول تزداد تدريجياً ويتوزع المركز الكامن في أكثر من عنصر واحد حتى تصبح كل عناصر الواقع موضع الحلول والكمون فتصبح كل الأشياء مقدَّسة، ويتساوى المقدَّس والمدنَّس، والمطلق والنسبي، ويختفي المركز وتصبح كل الأمور نسبية، وهذه مرحلة وحدة الوجود المادية الكاملة وما بعد الحداثة.
стр. 6194
ويمكننا أن نصف ما بعد الحداثة بأنها حالة من التعددية المفرطة التي تؤدي إلى اختفاء المركز وتساوي كل الأشياء وسقوطها في قبضة الصيرورة بحيث لا يبقى شيء متجاوز لقانون الحركة (المادية أو التاريخية) ، فتصبح كل الأمور نسبية وتغيب المرجعية والمعيارية، بل ويختفي مفهوم الإنسانية المشتركة (باعتباره معيارية أخيرة ونهائية) . فتَفْسُد اللغة كأداة للتواصل بين البشر وينفصل الدال عن المدلول وتطفو الدوال وتتراقص دون منطق واضح فيما يُطلَق عليه «رقص الدوال» ، وتختفي فكرة الكل تماماً. وما بعد الحداثة تعبير عن انتقال الفكر الغربي من مرحلة الثنائية الصلبة إلى مرحلة الحلولية الكمونية الكاملة والسيولة حيث يختفي المركز تماماً.
التبادل الاختياري بين اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة
Elective Affinity between Judaism and Members of Jewish Communities and Post-Modernism
يرى بعض دعاة ما بعد الحداثة (من أعضاء الجماعات اليهودية ومن غير اليهود) أن ثمة عناصر في اليهودية وفي وضع أعضاء الجماعات اليهودية تجعلهم يتجهون نحو ما بعد الحداثة فيتأثرون بها ويساهمون في فكرها بشكل ملحوظ. وفي بقية هذا المدخل سنورد بعض آرائهم ونعبِّر عنها بمصطلحاتهم، ولكننا نستخدم أحياناً مصطلحنا لفك شفرة مصطلحاتهم ولتوضيح أبعادها الفلسفية الكامنة.
ولنبدأ بالعناصر الموجودة داخل التراث اليهودي:
стр. 6195
١ ـ نحن نذهب إلى أن العقيدة اليهودية تضم عدداً من العقائد غير المتجانسة والمتناقضة بشكل عميق (ومن هنا إمكانية الحديث عن «يهودي ملحد» داخل إطار العقيدة اليهودية) . ولذا فنحن نستخدم عبارة «اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي» لنصف هذا الوضع. فالتركيب الجيولوجي يتسم بأنه يتكون من طبقات جامدة مستقلة، تراكمت الواحدة فوق الأخرى، ولم تلغ أية طبقة جديدة ما قبلها، ولذا تتجاور الطبقات وتتزامن وتتواجد مع بعضها البعض، ولكنها لا تتمازج ولا تتفاعل ولا تلغي الواحدة الأخرى. وقد أشار الفيلسوف إسبينوزا، حين طُرد من حظيرة الدين اليهودي، إلى أن مجلس السنهدرين، أعلى سلطة دينية يهودية في عصر المسيح وهو الذي قام بمحاكمته، كان يسيطر عليه فريقان دينيان: الصدوقيون والفريسيون. وبينما كان الفريق الأول لا يؤمن بالبعث أو اليوم الآخر كان الفريق الثاني يؤمن بهما. ومع هذا تعايشا وتقاسما السلطة الدينية. فكأن اليهودية تفتقر إلى معيارية حقيقية واحدة محددة، ولذا فمن الممكن أن يشير الدال الواحد إلى مدلولين متناقضين.
٢ ـ تذهب العقيدة اليهودية (في شكلها الحاخامي) إلى أن التوراة هي الشريعة المكتوبة، ولكنها ليست الشريعة الوحيدة، إذ يؤمن اليهود بأن هناك ما يُسمَّى «الشريعة الشفوية» وأن الإله أعطى كلا من الشريعتين، المكتوبة والشفهية، لموسى في جبل سيناء. وقد توارث كل اليهود الأولى، أما الثانية فقد توارثها الحاخامات، والتفسيرات الحاخامية التي دُوِّنت في التلمود هي هذه الشريعة الشفوية. وتذهب العقيدة اليهودية (في شكلها الحاخامي) إلى أن الشريعتين متساويتان في الأهمية، بل إن الشريعة الشفوية أكثر أهمية من الشريعة المكتوبة وتجُبّها. كل هذا يعني أن الثابت هو المتغير وأن اللامعيارية هي المعيارية، كما تعني أن الدال الإلهي الوارد في العهد القديم لا يتحدد مدلوله إلا من خلال تفسيرات الحاخامات، وهي تفسيرات متغيرة.
стр. 6196
٣ ـ سيطرة النسق القبَّالي الحلولي على الفكر الديني اليهودي حتى وصل إلى مرحلة وحدة الوجود المادية، وهو ما يعني أن كل الكلمات تصبح إما مقدَّسة ومتأيقنة تماماً أو عاجزة تماماً عن الإفصاح بسبب امتلاء القداسة وهيمنة النسبية، فالتجربة الحلولية الكاملة تعبِّر عن نفسها بالصمت كما أن الحلول الكامل هو أيضاً مرحلة سقوط المعيارية.
٤ ـ انتشار الأسلوب الماراني في التفكير بين بعض قطاعات الجماعات اليهودية في الغرب ابتداءً من القرن الثامن عشر. والمارانو هم يهود شبه جزيرة أيبريا الذين أبطنوا اليهودية وادعو الكاثوليكية وأظهروها. وجوهر المارانية أن يقول الإنسان شيئاً وهو يعني عكسه تماماً. ومما له دلالته أن إسبينوزا ودريدا وجابيس كلهم ينتمون للتراث السفاردي الذي دخل فيه مكون ماراني قوي.
٥ ـ توجد مدارس يهودية في التفسير تفترض أن المعنى الباطني غير المنظور للعهد القديم أكثر دلالة من المعنى الظاهري. وحيث إن المعنى الباطني في بطن المفسر، فإن هذا يفتح الباب على مصراعيه لنسبية لا نهاية لها ولا معيارية كاملة.
٦ ـ توجد مدارس للتفسير ترى أن فَهْم التوراة يشبه الجماع مع أنثى عارية، ولعل هذا يشبه من بعض الوجوه الحديث عن لذة النص وعن أن اللغة الحقيقية هي الصيحات الجنسية أو صيحات الألم ذات المقطع الواحد، إذ أن الدال يلتصق بالمدلول ويصبح الدال مدلولاً.
٧ ـ ثمة مفاهيم دينية يهودية عديدة في تراث القبَّالاه الصوفي الحلولي قريبة في بنيتها من مفاهيم ما بعد الحداثة مثل مفهوم شفيرات هكليم والتسيم تسوم والتيقون، وهي مفاهيم ترى أن الإله لم يكمل عملية الخلق بعد. بل إن الذات الإلهية لم تكتمل بعد، وهو ما يعني أن العالم في حالة صيرورة دائمة.
стр. 6197
٨ ـ زادت الخاصية الجيولوجية في اليهودية، وزادت من ثم اللامعيارية في العصر الحديث بظهور بعض المذاهب الدينية مثل اليهودية الإصلاحية والمحافظة، وهي مذاهب علاقتها باليهودية الحاخامية واهية للغاية وتُسمِّي نفسها (مع هذا) يهودية. بل إن أتباع هذه المذاهب يشكلون الأغلبية الساحقة بين يهود العالم، الأمر الذي يعني استحالة التمييز بين الإيمان والهرطقة.
أما بالنسبة لوضع اليهود (أو الجماعات اليهودية) في العالم (أي في الحضارة الغربية) ، وهو الوضع الذي أدَّى إلى زيادة وجود استعداد اختياري عندهم لتبنِّي فكر ما بعد الحداثة وإلى إسهامهم فيه، فقد أورد بعض مؤرخي ما بعد الحداثة بشأنه العناصر التالية:
١ ـ النفي هو التجربة التاريخية الأساسية لليهود، والنفي هو تجربة اقتلاع ثم إحلال (بالإنجليزية: ديسبليسمنت displacement) . فقد أُقتلع اليهود من وطنهم الأصلي وتم إحلال شعب آخر محلهم، كما تم توطينهم في بلاد غريبة عنهم. واليهودي يعيش في بلاد الأغيار وكأنه مواطن فيها مندمج في أهلها مع أنه في واقع الأمر ليس كذلك. فهو فيها وليس منها. فهو الغريب المقيم أو المقيم الغريب؛ الحاضر الغائب. وهو كذلك المتجول الدائم يحلم دائماً بأرض الميعاد، وعلى وشك العودة دائماً، ولكنه لا يعود، فهو يعيش في المنفى الدائم ولكن المنفى ليس بمنفى لأنه من اختيار الإنسان، فهو في حالة صيرورة ولا معيارية، الدال المنفصل عن المدلول أو الدال الذي له مدلولات متعددة بشكل مفرط.
стр. 6198
٢ ـ اليهود في العالم المسيحي هم قتلة المسيح، ولذا فهم شعب منبوذ، ولكن اليهود في الوقت نفسه شعب شاهد على عظمة الكنيسة ولذا لابد من حمايته. وهو يعيش في المجتمع المسيحي الذي يحميه ولكنه يرفض التجسد فهو لا يزال في انتظار الماشيَّح رغم أن المسيح من وجهة نظر المسيحيين قد جاء وصُلب ثم قام. وهو شعب مختار كما يقول كتابه المقدَّس ولكنه في واقع الأمر شعب منبوذ. وهو شعب ينسب له الأغيار والمعادون لليهود قوى عجائبية (الشر ـ السحر) ولكنه في واقع الأمر لا سلطة له. وكل هذا يجعل من الصعب على أعضاء هذا الشعب تبنِّي مرجعية ثابتة أو معيارية واحدة. واليهود بهذا يصبحون دالاً بدون مدلول.
٣ ـ يُشار إلى اليهودي باعتباره صاحب هوية واضحة، ولكنه في واقع الأمر مفتقد تماماً للهوية، فهو يزداد اندماجاً في الحضارة الغربية رغم كل محاولات الإفلات من قبضتها. ومن المفارقات أن إسرائيل قامت للدفاع عن الهوية اليهودية ولكنها أصبحت الآلية الكبرى لطمس معالم هذه الهوية. ومن ثم، فإن العودة التي كان المفترض فيها أن تكون نقطة التحقق والحضور الكامل، أصبحت لحظة الغياب الكامل، وهو ما يعني اختلاط المدلولات وتعددها.
٤ ـ ومما زاد من زعزعة ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» تزايد تعريفات اليهودي، فهو يمكن أن يكون إصلاحياً أو محافظاً أو تجديدياً. وهناك اليهودي الملحد واليهودي غير اليهودي واليهودي المتهود واليهودي بالاختيار. وقد عُرِّف اليهودي بأنه «من يصفه الناس بأنه كذلك» . وهو في تعريف آخر «من يشعر في قرارة نفسه أنه كذلك» . ولعل سؤال «من اليهودي؟» المطروح بحدة في الدولة اليهودية، هو تعبير عن هذا الفصل الحاد بين الدال والمدلول واستحالة التعريف بسبب سقوط الدال في قبضة الصيرورة.
الهرمنيوطيقا المهرطقة أو التفكيكية اليهودية
Heretical Hermeneutics or Jewish Deconstruction
стр. 6199
«الهرمنيوطيقا المهرطقة» يمكن أن نسميها «التفكيكية اليهودية» أو «التقويضية اليهودية» . و «الهرمنيوطيقا» فرع من فروع اللاهوت يختص بتفسير النصوص الدينية تفسيراً رمزياً متعمقاً يركز على الجانب الروحي. وقد استُعير المصطلح للعلوم الإنسانية وأصبح يعني علْم تفسير النصوص والظواهر الإنسانية الذي يركز على تميُّز الإنسان عن الظواهر الطبيعية. و «الهرمنيوطيقا المهرطقة» عبارة تتواتر في عدة أعمال حداثية، وخصوصاً كتابات سوزان هاندلمان (الكاتبة الأمريكية اليهودية المتخصصة في فكر أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب) . وتُستخدَم العبارة للإشارة لمحاولة بعض المهرطقين (من المثقفين اليهود) تحطيم النص المقدَّس وتفكيكه (لا تفسيره) . ورغم أنها محاولة تقويضية إلا أنها تتلبس لباس الهرمنيوطيقا التقليدية وتستخدم آلياتها.
ولفهم العبارة، لابد أن نَعرف علاقة النص المقدَّس بالتفسير (الحاخامي) داخل إطار العقيدة اليهودية. وهي علاقة تختلف في كثير من جوانبها عن علاقة النص المقدَّس بالتفسير في الديانات التوحيدية الأخرى. وتلخص سوزان هاندلمان آراء بعض دارسي ظاهرة الهرمنيوطيقا المهرطقة فتبيِّن أنهم يذهبون إلى أن الحضارة اليونانية حضارة مكانية ولذا فهي حضارة رؤية: الصورة أساسية فيها. ولذا، فهي حضارة تحترم الأيقونات بكل ما تتسم به من تَحدُّد وثبات ووضوح. وهي حضارة أفلاطونية في جوهرها تحترم الثبات وتسعى له وتنظر للعالم في إطار ثنائية أساسية: عالم المُثُل (المجردة الثابتة المتجاوزة لعالم الحركة) مقابل عالم المادة (المتغير المحسوس) وهذه هي ثنائية المعقول والمحسوس.
стр. 6200
والمسيحية الغربية استمرار للتقاليد اليونانية في الإدراك ورؤية الكون والثنائية. فهي حضارة متمركزة حول اللوجوس/الكلمة التي تتجاوز عالم المادة المحسوس والتي تشكل نقطة ثبات مطلقة في التاريخ النسبي المتغير. واللوجوس هو المدلول المتجاوز الذي يزوِّد العالم بالمركز وينقذه من السقوط في قبضة العبثية واللامعنى. فهو يعطي الصيرورة حدوداً واتجاهاً فيصبح للتاريخ معنى، وتكتسب اللغة فعاليتها كأداة تفاهم وتواصل بين البشر. واللوجوس، رغم أنه متجاوز للتاريخ، إلا أنه يتجسد فيه للحظات فيصبح الدال مدلولاً، وهذه هي لحظة الحضور الكامل بلا غياب. وحياة المسيحي بأسرها، من هذا المنظور، هي بحث عن هذه اللحظة ومحاولة للوصول إليها للاتحاد بالخالق المطلق. ولذا، تصبح الكلمات (التاريخية ـ النسبية ـ الزمانية) شكلاً من أشكال النفي من الحضور الإلهي واغتراباً عن الجوهر الإلهي وعن الحضور المطلق، وتصبح التعددية اللغوية إحدى علامات السقوط. ولذا، فإن الكتاب المقدَّس يشغل مكانة ثانوية بالنسبة للوجوس في المسيحية الكاثوليكية، بل إن المجاز نفسه (الذي يعني انفصال الدال عن المدلول نسبياً) يصبح شكلاً من أشكال النفي، وتصبح كل النصوص البشرية حديثاً عن هذا الغياب الذي يشير إلى الحضور بلا غياب!
следующие страницы →