← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

وقد عَرَّفت اليهودية المحافظة أهدافها بأنها الإصرار على وحدة إسرائيل «الكاثوليكية» العالمية، والإصرار على الحفاظ على استمرار التراث اليهودي والاهتمام بالدراسات اليهودية. فهذا هو الجوهر، أما ما عدا ذلك من عبادات وعقائد، فإنه يظهر بشكل عضوي وتلقائي متجدد. اليهودية التاريخية Historical Judaism «اليهودية التاريخية» مصطلح مرادف لمصطلح «اليهودية المحافظة» أدخله زكريا فرانكل حين دعا إلى ثوابت " اليهودية التاريخية " قاصداً بذلك العناصر الثابتة التي ينبغي على الإصلاح الديني أن يقبلها ولا يحاول تعديلها لأنها تعبير عن جوهر الروح اليهودية، وهو جوهر أزلي لا لأن الإله خلقه بل لأنه تجاوز الزمان من خلال ممارسات اليهود عبر التاريخ. اتحاد اليهودية التقليدية Union of Traditional Judaism فرقة يهودية جديدة خرجت على اليهودية المحافظة عام ١٩٨٤ بعد أن صُرِّح للنساء بالانضمام لكلية اللاهوت اليهودية، ومن ثم أصبح من الممكن ترسيمهم حاخامات عند تَخرُّجهن. وقد احتفظت الفرقة بانتمائها لليهودية المحافظة بعض الوقت وسمَّت نفسها اتحاد اليهودية المحافظة التقليدية ثم شكلت لجنة البحث في الشريعة التي تُعَدُّ تحدياً مباشراً للجنة الشريعة والمعايير التابعة لليهودية المحافظة. وبعد قليل، استقلت الفرقة عن اليهودية المحافظة وأسست كلية خاصة بها لتخريج الحاخامات وسمَّت نفسها باسمها الحالي. وقد جاء هذا في أعقاب قيام اليهودية التجديدية بتأسيس كلية لتخريج الحاخامات التجديديين. وهذا يعني أن هناك تساقطاً في صفوف اليهودية المحافظة لصالح كلٌّ من اليسار (التجديدي) واليمين (التقليدي) . ماسورتي Masorti

стр. 6127

«ماسورتي» كلمة عبرية تعني «محافظ» أو «تقليدي» (من كلمة «موسار» أي «تقاليد» ) وتُستخدَم للإشارة إلى اليهود المحافظين، وخصوصاً داخل إسرائيل. وتُترجم الكلمة إلى العربية بكلمة «محافظ» أو «تقليدي» . ولذا، فحين ترد هذه الكلمة في أحد النصوص العربية، يظن القارئ العربي أن هذا اليهودي الذي يقال له «تقليدي» يتمسك بالشعائر وبأهداف دينه، ولكنه في الواقع يهودي إثني يتمسك ببعض الشعائر لأنها جزء من ميراث الأجداد ولأنها تعبِّر عن الذات القومية وروح الشعب (فولك) . وهو في هذا مختلف عن اليهود العلمانيين الذي يرفضون كل التقاليد ويرون أنها تعوقهم عن التقدم واللحاق بركاب الحضارة الحديثة. ولكنه رغم اختلافه عن اليهود العلمانيين إلا أن هذا لا يجعله محافظاً أو تقليدياً من المنظور الديني، فالشعائر بالنسبة له ليست جزءاً من نسق ديني أخلاقي يتمسك به مهما كان الثمن، وإنما هي فلكلور يمتع به نفسه. ولهذا، فرغم أن المعنى المعجمي للفظ «ماسورتي» هو «محافظ» أو «تقليدي» ، فإن مجاله الدلالي مختلف تماماً عن كلمة «محافظ» أو «تقليدي» في أية لغة أخرى أو أي سياق حضاري أو ديني آخر. معبد أمريكا الموحَّد United Synagogue of America تنظيم يضم الأبرشيات اليهودية المحافظة، أسسه سولومون شختر عام ١٩١٣، ويتبعه نحو ٨٣٠ معبداً في كل من الولايات المتحدة وكندا. ويوجه التنظيم الأبرشيات التابعة له وفروعها. ولتحقيق هذا الغرض، أقام المعهد قسماً للتربية اليهودية وقسماً لأنشطة الشباب ومعهداً قومياً للدراسات اليهودية للكبار، كما أقام لجنة للعمل الاجتماعي وقسماً للموسيقى ولجنة للطعام الشرعي. ويرتبط هذا التنظيم بكلٍّ من جمعية الحاخامات وجمعية المرتلين وجمعية المربين والجمعية القومية لأمناء المعابد، ومن ضمن ذلك الرابطة القومية النسائية التابعة لها، وغيرها من الروابط. كلية اللاهوت اليهودية Jewish Theological Seminary

стр. 6128

معهد ديني عال تم تأسيسه عام ١٨٨٦ في نيويورك لإعداد الحاخامات. وقد ترأسه عام ١٩٠٢ سولومون شختر الذي بلور اتجاهه العقائدي بحيث أصبح العصب الأساسي لليهودية المحافظة، وهو لا يزال كذلك حتى الوقت الحالي. وبعد وفاة شختر تبعه في رئاسة الكلية كلٌّ من سيروس أدلر ولويس فنكلشتاين على التوالي. ويتبع الكلية معهد لتدريب المنشدين الدينيين ومركز طلابي في القدس. وتشرف الكلية على المتحف اليهودي في نيويورك، ولها مكتبة تحوي ٢٠٠ ألف كتاب وعشرة آلاف مخطوط. الجمعية الأمريكية للحاخامات Rabbinical Assembly of America تَجمُّع يضم ما يربو على ٦٠٠ حاخام محافظ في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ٨٠% منهم من خريجي كلية اللاهوت اليهودية. وقد نُظِّمت الجمعية سنة ١٩٠٠ لتكون جمعية لخريجي هذه الكلية، ولكن أُعيد تنظيمها عام ١٩٤٠ باسم «جمعية الحاخامات» . وفي سنة ١٩٤٦، نشرت الجمعية بالتعاون مع معبد أمريكا الموحَّد كتاب صلوات السبت والأعياد. وتنشر الجمعية مجلة ربع سنوية هي اليهودية المحافظة، وكتاباً سنوياً يضم تفاصيل مؤتمرها. أما اللجنة التابعة للجمعية، والخاصة بالشريعة اليهودية والمعايير الدينية، فقد أصدرت عدداً من الفتاوى. سولومون رابوبورت (١٧٩٠-١٨٦٧ ( Solomon Rapoport أحد رواد علم اليهودية واليهودية المحافظة. وُلد في جاليشيا ودرس العلوم الدينية والدنيوية في عصره. وقد استفاد رابوبورت بمعرفته التقليدية والدنيوية في دراساته التاريخية فتَخصَّص في فترة الفقهاء (جاءونيم) ، وكان صديقاً لنحمان كروكمال وحاييم لوتساتو وليوبولد زونز. عمل رابوبورت حاخاماً في جاليشيا وبراغ حيث هاجمه الحسيديون والأرثوذكس بسبب دراساته وموقفه النقدي من اليهودية.

стр. 6129

وقد عارض رابوبورت اليهودية الإصلاحية لتجاهلها التراث اليهودي متمثلاً في التلمود. كما عارض قرارات المؤتمرات الحاخامية الإصلاحية، وكتب يبين أنها ستؤدي إلى انقسام اليهودية، وأن أي إصلاح لابد أن يتم لا بيد الإنسان وإنما بمرور الزمن، فهو وحده الذي اكتسح كثيراً من العادات البالية وسيفعل ذلك مرة أخرى. ووضَّح رابوبورت أن الحاخامات كانوا يُدخلون عبر التاريخ تعديلات على قوانين الزواج والطلاق والطعام، وأنهم كانوا يقومون بذلك لعلمهم التام بأن الشعب اليهودي بأسره سيأخذ بهذه التعديلات، كما كانوا يعلمون أن وحدة اليهود لا يتهددها الخطر من قريب أو بعيد بسبب هذه التعديلات. والواقع أن رابوبورت يشبه فرانكل في هذا المضمار، فكلاهما يضع الإجماع الشعبي (كلال يسرائيل أو روح الشعب) مقياساً للإصلاح الديني، ومقياساً لقبول أو رفض العقائد أو العادات الدينية. فالثوابت أو المطلقات، أي العناصر التي خلع عليها الشعب القداسة، لا يمكن تعديلها. وقد بدأ رابوبورت في نشر موسوعة عن التلمود ولكنه لم يكملها، وترجم بعض الأشعار عن اللغات الأوربية إلى العبرية. زكريا فرانكل (١٨٠١-١٨٧٥ ( Zacharias Frankel عالم ديني يهودي. وقد كان أول حاخام من بوهيميا تَلقَّى تعليماً علمانياً لأن التعليم اليهودي كان تعليماً دينياً صرفاً. أصبح حاخاماً أكبر في درسدن عام ١٨٣٦، ورئيس كلية لاهوتية في برسلاو عام ١٨٥٤. حاول أن يمزج القيم اليهودية التقليدية بالمعرفة الغربية، وأن يطوِّر اليهودية دون إخلال بما تصوَّر أنه جوهرها التقليدي وروحها الأساسية كما عبَّرت عن نفسها عبر التاريخ. وقد انسحب من حركة اليهودية الإصلاحية بعد خلافه مع جايجر، وكان السبب المباشر لانسحابه هو عدم موافقته على حذف الإشارات إلى صهيون، وتغيير لغة الصلاة من العبرية إلى لغة الوطن الذي يُعاش في كنفه (الألمانية في حالته (.

стр. 6130

وقد انطلق فرانكل في قراره هذا مما أسماه «ثوابت اليهودية التاريخية» . ووصف العبرية بأنها التربة التي نشأت فيها اليهودية وترعرعت، وهي التربة الوحيدة التي يمكن أن تستمر وتزدهر فيها في المستقبل. ويعترف فرانكل بأن العبرية ليست مكوِّناً أصلياً في اليهودية فهما قد ارتبطتا أثناء ممارسة اليهودية في التاريخ. ولكنه يرى أن هذا الارتباط، برغم أنه تم في الزمان، فإنه قد تجاوزه بحيث أصبح مطلقاً لا زمانياً. وهكذا، فإن العبرية التي كانت مجرد أداة عبَّرت اليهودية عن نفسها من خلالها أصبحت جوهراً، أي واحداً من الثوابت الراسخة في الوجدان اليهودي ينبغي التمسك به. والواقع أن الثوابت عند فرانكل هي المطلقات الدينية التي تستمد مطلقيتها وقداستها من ممارسة اليهود التاريخية، ويصبح معيار تَقبُّل أحد جوانب اليهودية أو رفضه ليس الشريعة الثابتة وإنما مدى الأهمية التي خلعها الوجدان اليهودي على هذا الجانب أو ذاك من العقيدة اليهودية. فالعبرية تكتسب قدسيتها وأهميتها وتتحول إلى أحد الثوابت من هذا المنظور. وهذه الرؤية تعبير عن الطبقة الحلولية في التركيب الجيولوجي اليهودي وعن تحوُّل الشعب اليهودي إلى نقطة الحلول التي يكمُن فيها الإله والتي تحل محل الإله كمصدر للقداسة. وتعود رؤية فرانكل الحلولية العضوية بجذورها إلى الحلولية اليهودية، ولكنها تشبه أيضاً رؤية المفكرين الرومانتيكيين الألمان الذين خلعوا القداسة على الشعب العضوي (فولك) ، ونظروا إلى حضارة كل شعب على أنه كيان عضوي مقدَّس يعبِّر عن روح الشعب، وهذه هي المفاهيم التي تبنتها الحركة النازية فيما بعد. وقد تأثر أعلام الفكر اليهودي المحافظ، مثل سولومون شختر ولويس جنزبرج، بأفكار فرانكل. ومن أهم مؤلفاته طريق المشناه (١٨٥٩) ، وبعض الأبحاث القصيرة عن الترجوم، والترجمة السبعينية، والتلمود. إسحق ليزر (١٨٠٦-١٨٦٨ ( Isaac Leeser

стр. 6131

حاخام محافظ من أصل ألماني، تلقى تعليماً حاخامياً وتعليماً دنيوياً قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٨٢٤. عمل منشداً (حزان) من عام ١٨٢٩ في فيلادلفيا، وقام بترجمة العهد القديم إلى الإنجليزية، وأعد كتب الصلوات. وهو يُعَدُّ الأب الروحي لليهودية المحافظة. وقد أسس أول جريدة تهتم بالشئون اليهودية عام ١٨٤٣، كما أسس أول دار نشر للكتب اليهودية، وكتب أول كتاب لتعليم العبرية للأطفال، ألحق به نصوصاً، كما أسس أول مدرسة ثانوية لتعليم العبرية عام ١٨٤٩، وأسس أيضاً أول منظمة دفاع يهودية تمثل اليهود (هيئة المندوبين الإسرائيليين الأمريكيين) ، وأول كلية لإعداد الحاخامات عام ١٨٦٧ (وقد تخرَّج فيها أول أربعة حاخامات أمريكيين تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة (. ساباتو موريه (١٨٢٣-١٨٩٧ ( Sabato Morais حاخام أمريكي. وُلد في إيطاليا وتعلَّم فيها، ثم هاجر إلى إنجلترا ومنها إلى الولايات المتحدة (١٨٥١) حيث عمل منشداً (حزان) في فيلادلفيا محل إسحق ليزر. ولا يتسم موريه بأي عمق أو أصالة في التفكير، ولكن أهميته تعود إلى حشده القوات المحافظة بين يهود أمريكا ضد الاتجاه الإصلاحي. وقد تعاون ساباتو مع الحاخام إسحق وايز، ولكن قرارات مؤتمر بتسبرج عام ١٨٨٥ أقنعته بضرورة تأسيس تيار وسط بين الأرثوذكسية والإصلاحية وضرورة تأسيس معهد لتخريج الحاخامات المحافظين، فأسس كلية اللاهوت اليهودية عام ١٨٨٧، وقد ظل رئيساً لهذه الكلية حتى موته. ويُعَدُّ هذا التاريخ تاريخ ميلاد اليهودية المحافظة. ألكسندر كوهوت (١٨٤٢-١٨٩٤ ( Alexander Kohut

стр. 6132

حاخام محافظ. وُلد في المجر، ودرس في جامعة ليبزج، وأصبح حاخاماً في ألمانيا عام ١٨٦٧. كان سكرتيراً لمؤتمر الوجهاء اليهود الذي عُقد في بودابست عام ١٨٦٨، وناقش القضايا الأساسية التي كانت تواجه يهود اليديشية في شرق أوربا آنذاك. وعُيِّن في البرلمان المجري ممثلاً لليهود في أوائل الثمانينيات، ولكنه هاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٨٨٥ حيث أصبح حاخاماً في نيويورك. وقد أصبح كوهوت من أكبر مهاجمي لحركة اليهودية الإصلاحية، وخصوصاً مقررات مؤتمر بتسبرج. ولعب كوهوت دوراً مهماً في تأسيس كلية اللاهوت اليهودية. وأهم مؤلفاته أخلاق الآباء (١٨٨٥) ، ومعجم من ثمانية أجزاء للمصطلحات التلمودية. سولومون شختر (١٨٤٧-١٩١٥ ( Solomon Schechter حاخام صهيوني من مفكري اليهودية المحافظة. وُلد في رومانيا حيث تلقَّى العلوم اليهودية التقليدية، وواصل دراسته في فيينا فتعمق في الدراسات اليهودية، ثم انتقل إلى إنجلترا عام ١٨٩٠، حيث عُيِّن محاضراً للدراسات التلمودية في جامعة كامبردج. وسافر إلى القاهرة عام ١٨٩٦ ورجع منها بعد عام حاملاً عديداً من المخطوطات اليهودية التي عثر عليها في جنيزاه المعبد اليهودي القديم في الفسطاط، ثم انتقل إلى أمريكا ليرأس الكلية اللاهوتية اليهودية.

стр. 6133

وبرغم أن شختر كان يؤمن بأن اليهودية دين وقومية معاً، فإنه لم ينضم إلى الحركة الصهيونية بسبب ما تصوَّره من علمانية قادة الحركة من أشباه اليهود، على حد تعبيره. وكان تصوُّره للوطن القومي اليهودي أقرب إلى صيغة آحاد هعام منه إلى صيغة هرتزل، وقد قابل آحاد هعام، وأصبح صديقاً شخصياً له. ولكنه اضطر في النهاية (عام ١٩٠٥) إلى الانضمام إلى الحركة الصهيونية لأن الصهيونية على حد قوله تمثل سداً عميقاً ضد الانصهار والاندماج، كما أنها تعبير صادق عن أعماق الوعي اليهودي إلى درجة لم يتنبه إليها الصهاينة اللادينيون أنفسهم. ويُعَدُّ شختر مسئولاً أكثر من أي شخص آخر عن إدخال الأفكار الصهيونية على اليهودية المحافظة في الولايات المتحدة. وقد عارض شختر مشروع شرق أفريقيا، وكان يرى أن أية دولة صهيونية خارج الأرض المقدَّسة لا معنى لها، وقد ساهم في تأسيس معهد التخنيون في حيفا. وبعد الحرب العالمية الأولى عبَّر عن أمله في أن ينتصر الحلفاء على الأتراك ليستولوا على فلسطين، لأنه كان يؤمن بأن إنجلترا "الوطن الإنجيلي المفعم بالإيمان والروح العملية" ستفهم أماني الشعب اليهودي.

стр. 6134

ومن الملاحَظ أن ثمة تقارباً شديداً بين رؤية شختر لكلٍّ من التاريخ والوحي ورؤية مارتن بوبر لهما (وذلك رغم اختلاف مصطلحهما الديني والفلسفي) . ويعود هذا، في الواقع، إلى الإطار الحلولي المشترك. فشختر يرى أن الوحي الإلهي (أو ما يقابل الأنت الأزلية عند بوبر) قد عبَّر عن نفسه من خلال التراث، وأن العهد القديم ليس كتاباً مقدَّساً فحسب بل هو كتاب تاريخ يهودي (أو هو سجل الحوار على حد قول بوبر) ، وهو ليس أكثر الأشياء أهمية في حياة اليهود وإنما هو واحد من تعبيرات الذات والعبقرية اليهودية عن نفسها، ولهذا يتحول مركز السلطة أو الحلول الإلهي من العهد القديم (كلمة الإله) نفسه إلى كيان حي آخر (تاريخ الشعب اليهودي) أو حتى الشعب اليهودي نفسه، ففي تاريخ هذا الشعب يمكننا أن نعثر على المادة الخام لأي لاهوت يهودي. وترجيح كفة المخلوق على كفة الخالق نمط كامن في الفلسفات الحلولية. وهذه الفلسفة الحوارية التي تتخذ شكل ما يعرف باليهودية التاريخية، تُرجع كل شيء إلى الشعب اليهودي نفسه مصدر القيم التي يحكم بها على نفسه. وفي هذا الإطار، تنتفي فكرة الحكم على الذات، ويحل محلها نوع من تقديس الذات أو عبادتها، وهي عبادة بالمعنى الحرفي للكلمة، لأن الروح المقدَّسة قد حلت في التاريخ بحيث أصبح التاريخ (امتداد الذات القومية في الماضي) مقدَّساً لا يقبل النقاش. وبذا، يصبح حق اليهود في أرض الميعاد حقاً مطلقاً وتصبح الأحكام الصهيونية لا رجعة فيها. وللحاخام شختر مؤلفات عدة، من بينها كتاب بعض نواحي اللاهوت الحاخامي، ومجموعة مقالات في ثلاثة مجلدات نُشرت بعنوان دراسات في اليهودية، كما حقَّق شختر العديد من النصوص الدينية التي عثر عليها في الفسطاط وإليها ترجع شهرته وتُسمَّى المجموعة باسمه «مجموعة مخطوطات شختر» . سيروس أدلر (١٨٦٣-١٩٤٠ ( Cyrus Adier

стр. 6135

مفكر يهودي أمريكي من أصل ألماني. نشأ في جو ديني ذي توجه تقليدي، ثم تَخصَّص في الدراسات السامية وأصبح أستاذاً لهذه المادة في جامعة فيلادلفيا. ساهم في تأسيس الجماعة اليهودية للنشر في أمريكا (١٨٨٨) ، كما أسس الجمعية التاريخية اليهودية الأمريكية (١٨٩٢) ، وأصبح رئيساً لها مدة عشرين سنة. قام بتحرير الكتاب السنوي ليهود أمريكا (الأجزاء السبعة الأولى ـ من عام ١٨٩٩ حتى عام ١٩٠٥) ، وكان أحد محرري الموسوعة اليهودية (القديمة) (١٩٠١ ـ ١٩٠٦) . وقد لعب أدلر دوراً مهماً في تأسيس كلية اللاهوت اليهودية تحت رئاسة شختر، وأصبح رئيساً لها بعد موت شختر منذ عام ١٩٢٤. وكان أحد مؤسسي المعبد الأمريكي الموحَّد، ورئيساً له. كما كان أحد مؤسسي اللجنة اليهودية الأمريكية، ثم رئيساً لها منذ عام ١٩٢٩. وبرغم معارضته للصهيونية، فإنه اشترك في الوكالة اليهودية. ويتضح توجُّهه اليهودي المحافظ في كل أنشطته التي ترى اليهودية تراثاً تاريخياً متطوراً، وكذلك في علاقته بكلية اللاهوت اليهودية وفي معارضته الصهيونية وتعاونه معها في آن واحد. لويس جنزبرج (١٨٧٣-١٩٥٣ ( Louis Ginzburg عالم تلمودي، وأحد قادة اليهودية المحافظة. وُلد في ليتوانيا من أسرة فقيه فلنا الذي أثَّر في تفكيره، وأكمل دراسته الجامعية في ألمانيا والنمسا عام ١٨٩٨. هاجر إلى الولايات المتحدة ليقوم بالتدريس في كلية الاتحاد العبري، ثم انضم إلى هيئة محرري الموسوعة اليهودية (القديمة) . وتُعَدُّ المقالات التي كتبها لهذه الموسوعة من أهم الدراسات في مجالها. انضم عام ١٩٠٣ إلى كلية اللاهوت اليهودية، وظل في منصبه هذا حتى وفاته.

стр. 6136

وتنطلق معظم دراسات جنزبرج من القول بأن التاريخ اليهودي والحضارة اليهودية لا يمكن فهمهما دون معرفة كاملة بالشريعة، أي أنه يرى أن هناك تداخلاً بين الشريعة وروح الشعب اليهودي، وهذا هو الموضوع الأساسي في اليهودية المحافظة. من أهم دراساته أساطير اليهود (في سبعة أجزاء) حيث جمع كثيراً من الأساطير والقصص (أجاداه) وصاغ منها تاريخاً متواصلاً يستند إلى حياة الآباء وأبطال اليهود وأنبيائهم، كما كتب دراسات عن مرحلة الفقهاء (جاءونيم) وعن التلمود البابلي. لويس فنكلشتاين (١٨٩٥-١٩٩١ ( Louis Finkelstein حاخام أمريكي، وأحد قادة حركة اليهودية المحافظة. حصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا عام ١٩١٨، ورُسِّم حاخاماً في كلية اللاهوت اليهودية عام ١٩١٩، ثم عُيِّن حاخاماً في إحدى الأبرشيات في نيويورك، وكان في الوقت نفسه يُدرِّس التلمود. وفي عام ١٩٢٤، بدأ يدرس اللاهوت حتى أصبح أستاذاً لهذه المادة منذ عام ١٩٣١. وعُيِّن رئيساً لكلية اللاهوت منذ عام ١٩٤٠. ويُعَدُّ فنكلشتاين ممثلاً للتيار المحافظ داخل اليهودية المحافظة. ومن أهم كتبه اليهود: تاريخهم وحضارتهم ودينهم (١٩٤٩) وهو في ثلاثة أجزاء، وكتابه عن الفريسيين (١٩٣٨) وهو من جزأين. شاؤول ليبرمان (١٨٩٨-١٩٨٣ ( Saul Lieberman عَالم تلمودي، وأحد أقطاب اليهودية المحافظة. وُلد في روسيا، ودرس فيها قبل الثورة في معاهدها الدينية وفي جامعة كييف بعدها. استوطن فلسطين عام ١٩٤٨، ودرَّس التلمود في الجامعة العبرية وفي معاهد تعليمية أخرى، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة ليُدرِّس في معهد الدراسات اللاهوتية. وله دراسات عديدة بالعبرية في التلمود، كما أن له مؤلفين بالإنجليزية عن الحضارة اليونانية في فلسطين في العصر الهيليني. أبراهام هيشيل (١٩٠٧-١٩٧٢ ( Abraham Heschel

стр. 6137

فيلسوف ديني يهودي. وُلد في بولندا لأسرة حسيدية، وتلقَّى تعليماً تقليدياً في التلمود والقبَّالاه، ثم انتقل إلى ألمانيا والتحق بجامعة برلين حيث حصل على الدكتوراه، وتعرَّف أثناء هذه الفترة إلى مارتن بوبر. قام النازيون بترحيله في أكتوبر ١٩٣٨، مع غيره من يهود شرق أوربا الذين كانوا قد نزحوا إلى ألمانيا، فقام بالتدريس بعض الوقت في بولندا، ثم هاجر إلى إنجلترا ومنها إلى الولايات المتحدة حيث قام بالتدريس عام ١٩٤٠ في كلية اللاهوت اليهودية. وقد تأثر هيشيل بفلسفة هوسرل الظاهراتية، فحاول في مؤلفاته أن يُقدِّم لاهوتاً يهودياً ينطلق من الاعتماد على المصادر التقليدية للإجابة عن الأسئلة الحديثة. ويرى هيشيل أن الليبرالية والفكر الديني الحق لا يتفقان، فالليبرالية تُخضع كل شيء للنقد، وترى أن الإنسان قادر من تلقاء نفسه على أن يصل إلى الخلاص (وهذه مقولات كابلان واليهودية الإصلاحية إلى حدٍّ ما) . أما هيشيل، فيرى ضرورة أن يعتمد الإنسان على قوة خارجية. فالعقل الإنساني يعجز عن الإحاطة بالتجربة الدينية تماماً، والمقدَّس لا يمكن أن يُرَدَّ بشكل كامل إلى مقولات فكرية أو تحليلية إنسانية. ولكن كيف يتأتى للإنسان أن يصل إلى هذه القداسة ويدركها؟ يرى هيشيل أن ثمة عناصر في الواقع الإنساني كامنة فيه ويمكنها أن تقود الإنسان إلى الإله من بينها الإحساس بالدهشة والسمو، ولكنه يصر على أن الإله ليس مجرد حالة شعورية وإنما هو سر يتجاوز الواقع (وهو في هذا يختلف بشكل جوهري عن الحلولية اليهودية التي تسري في الفكر الديني اليهودي بشكل عام) .

стр. 6138

وانطلاقاً من تعاريفه هذه، يرى هيشيل أن الشريعة ملزمة لليهودي، وأن الأعمال الخيرة مشاركة في القداسة الإلهية. ويظهر إصرار هيشيل على أن التجربة الدينية ذاتية وموضوعية في تعريفه للأوامر والنواهي، فهي بالنسبة إليه دعاء أو صلاة على شكل فعل. ويُصر هيشيل على فكرة الاختيار، ولكنه يرى أن الاختيار مسئولية ملقاة على عاتق اليهود، وليست علامة من علامات التفوق. والاختيار لا يشير إلى خاصية موجودة في الشعب وإنما إلى نوع العلاقة مع الإله، فالاختيار علاقة مع الحقيقة النهائية، وعلى اليهود أن يتساموا على أنفسهم دائماً كي يصبحوا جديرين بهذا الاختيار. ومع هذا، تبدت الطبقة الحلولية (داخل التركيب الجيولوجي اليهودي) في إصرار هيشيل على أن ثمة تميزاً خاصًا لليهودي، فهو إنسان عليه أن يكون أكثر من إنسان، وكي يصبح اليهود شعباً عليهم أن يصبحوا أكثر من شعب، بل إنه يرى أن العهد بين الشعب والإله يتضمن استجابة متبادلة بينهما ومتوازية لأن الإله يحتاج إلى الإنسان كي يحقق أهدافه في هذا العالم. وهذه إحدى المقولات الأساسية للقبَّالاه التي درسها هيشيل. وقد وُصفت فلسفته بأنها حسيدية جديدة. وقد كتب هيشيل عدة مؤلفات، من أهمها الأنبياء (١٩٦٢) ، والإنسان من هو؟ (١٩٦٥) ، وإسرائيل: صدى الأزلية (١٩٦٩) . وقد كان لهيشيل دور سياسي ملحوظ في حركة الحقوق المدنية في الستينيات، أصبح خلاله بطلاً من أبطال اليسار اليهودي الأمريكي. وهو رغم ارتباطه باليهودية المحافظة، لا تشغل الدولة الصهيونية حيزاً من تفكيره الديني أو السياسي، ولعل هذا يفسر عدم اشتراكه في النشاط الصهيوني، وهو أمر يتسق على كل حال مع معظم أطروحاته، وخصوصاً إصراره على الجانب الذاتي للتجربة الدينية ومحاولته في الوقت نفسه ألا يسقط في الحلولية. جيكوب أجوس (١٩١١-١٩٨٦) Jacob Agus

стр. 6139

حاخام يهودي محافظ. وُلد في بولندا وتَعلَّم فيها، كما تعلَّم في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة. وبعد أن عمل حاخاماً لبعض الوقت، عُيِّن أيضاً أستاذاً في جامعة تمبل والكلية التجديدية للحاخامات. وهو يمثل التيار الليبرالي داخل اليهودية المحافظة. من أهم أعماله، معنى التاريخ اليهودي (١٩٣٦) وهو من جزءين، والحوار والموروث (١٩٦٩) . جرسون كوهين (١٩٢٤-١٩٩١ ( Gerson Cohen أحد زعماء اليهودية المحافظة. وهو مؤرخ يهودي وُلد في نيويورك وتخرَّج في كلية اللاهوت اليهودية، حيث تَخصَّص في التاريخ اليهودي. وعمل أميناً لمكتبة الكلية بعد تخرُّجه، ودرس التاريخ والتلمود، وأصبح أستاذاً لمادة التاريخ، وترك المدرسة عام ١٩٦٧ ليخلف سالو بارون أستاذاً للتاريخ اليهودي في جامعة كولومبيا، ثم عاد إلى كلية اللاهوت بعد عامين. وفي عام ١٩٧٢، عُيِّن مديراً للكلية. وقد صرح للنساء بالانضمام للكلية، وهو ما أدَّى إلى حدوث انقسام في صفوف اليهودية المحافظة. ومن بين أهم أعماله تحقيقه لكتاب ابن داود سيفر هقبَّالاه (١٩٦٧) . وآخر أعماله هي دراسات في تنوع الثقافات الحاخامية (١٩٩٣) . وقد بدأ جرسون، في الآونة الأخيرة، يشعر بأن الفكر الديني اليهودي يؤكد مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا (الجماعات اليهودية في العالم) ويُقلل من أهمية هذه الجماعات. ولذا، فقد شكل حلقة درابسية هو والحاخام ألكسندر شندلر (زعيم اليهودية الإصلاحية) تنطلق من الإيمان بأن يهود أمريكا ككل يمكنهم المحافظة على اهتمامهم بإسرائيل وصياغة مصيرهم المستقل في آن واحد دون أن يمنحوا إسرائيل مركزية في حياتهم. اليهودية المحافظة والصهيونية Conservative Judaism and Zionism

стр. 6140

لابد أن نذكر ابتداءً أن المذهب المسيطر على الحياة الدينية في إسرائيل هو اليهودية الأرثوذكسية. ولكننا، رغم ذلك، نرى أن الفكر الصهيوني يشبه في كثير من الوجوه فكر اليهودية المحافظة، فكلاهما يتبنى مقولات اليهودية الأرثوذكسية الحلولية بعد أن علمنها كلٌّ منهما على طريقته. فبينما يؤكد الأرثوذكس الأصول المقدَّسة الربانية للتراث اليهودي، يرى المحافظون أنه تراث مقدَّس، ولا يعنون كثيراً بمصدر القداسة. وعلى حين يلغي الأرثوذكس التاريخ الزمني كليةً ولا يدورون إلا داخل إطار التاريخ المقدَّس، نجد أن المحافظين يتحدثون عن تاريخ يهودي لا يختلف كثيراً عن التاريخ المقدَّس. وبينما يصر الأرثوذكس على مقولة أن الدين اليهودي هو القومية اليهودية وعلى أن القومية هي الدين، يحاول المحافظون تمويه هذه الحقيقة والتخفيف من حدتها بعض الشيء بالحديث عن الروح المقدَّسة للشعب، وجعلها مصدر القداسة بدلاً من الإله، وكذلك بالحديث عن اليهودية كخليط من العقيدة الدينية والهوية الإثنية، وهو خليط أخذ يتطور منذ القدم حتى الوقت الحاضر. وهكذا، فإننا نجد أن اليهودية المحافظة هي الحلولية اليهودية التقليدية، بعد أن تم ترجيح كفة الجانب البشري على الجانب الإلهي، وهذا هو جوهر الصهيونية أيضاً.

стр. 6141

وقد ارتبطت اليهودية المحافظة بالصهيونية منذ البداية، ويمكننا أن نعد الصهيونية الثقافية، التي كان يدعو لها آحادهعام، ضرباً من ضروب اليهودية المحافظة (وكذا تجديدية كابلان وحوارية بوبر) . وبالفعل، تبنت اليهودية المحافظة رؤية آحاد هعام للجماعات اليهودية في العالم (الدياسبورا) ورفضت المفهوم الصهيوني الخاص بضرورة نفي الدياسبورا (أي محوها أو استغلالها) ، وطالبت باحترامها واحترام تراثها التاريخي. وكل ما يجمع هؤلاء المفكرين هو إيمانهم باختلاف التاريخ اليهودي عن تاريخ بقية الشعوب، فهو تاريخ مقدَّس يتضمن عناصر دينية، فهو موضع الحلول الإلهي، كما أن الدين اليهودي دين تاريخي يتضمن عناصر دنيوية (والواقع أن تداخل المقدَّس والدنيوي هو أساس بنية الفكر الصهيوني) .

стр. 6142

ولعل ذلك التقابل الواضح بين اليهودية المحافظة والصهيونية واضح تماماً في موقف زكريا فرانكل وبن جوريون مما يُسمَّى «التراث اليهودي» . ففرانكل يرى أن الدين اليهودي هو التعبير الديني عن روح الأمة اليهودية، وهو بمنزلة إجماعها الشعبي العام. ولذا، يجب ألا تثار مسألة ما إذا كان القانون من أصل سماوي أو أرضي، فمادام القانون يعبِّر عن هذا الإجماع الشعبي العام فيجب أن يبقى ساري المفعول. ويشبه هذا الموقف، في كثير من الوجوه، موقف بن جوريون من أسطورة العهد الذي قطعه الإله على نفسه بمنح اليهود أرض كنعان، فبالنسبة لبن جوريون لا يهم إن كانت هذه الواقعة حقيقةً إلهية أم لا، فالمهم هو أن تظل هذه الأسطورة مغروسةً في الوجدان اليهودي، ولذا يجب أن تبقى سارية المفعول حتى بعد أن ثبت أن الوعد المقطوع مجرد أسطورة شعبية ليس لها أي مصدر إلهي. وقد بدأت اليهودية المحافظة تلعب دوراً تنظيمياً نشيطاً داخل الحركة الصهيونية، وتأسست منظمة محافظة صهيونية هي منظمة مركاز (اختصار عبارة «موفمنت تو ري أفيرم كونسرفاتيف زايونيزم Movement to Reaffirm Conservative Zionism، أي «حركة إعادة تأكيد الصهيونية المحافظة» ) .

стр. 6143

وقد أصدرت الجمعية الأمريكية للحاخامات قراراً للمعابد اليهودية المحافظة بالانضمام إلى المنظمة الصهيونية العالمية بشكل جماعي، ويُلاحَظ أن اليهودية المحافظة بدأت تحقق نجاحاً ملحوظاً في إسرائيل في الوقت الحاضر. وقد أُسِّست أول أبرشية محافظة في فلسطين عام ١٩٣٦. ولكن حتى أوائل السبعينيات، لم يكن في إسرائيل سوى عدة معابد يهودية محافظة، ومركز للطلبة اليهود الأمريكيين، نيفيه شختر، وهو يُعَد الفرع الصيفي لكلية اللاهوت اليهودية. ولكن، بعد ذلك التاريخ، بدأت محاولات جادة لتوسيع نطاق الحركة ليشمل التجمع الصهيوني كله. وباءت المحاولات بالفشل حتى أوائل الثمانينيات، حين ظهرت حركة ماسورتي (أي التقليدية) التي أسَّست عام ١٩٨٤ معاهدها الأساسية ومنها المعهد العالي للدراسات اليهودية الذي يُعد الدارسين الإسرائيليين ليعملوا حاخامات محافظين، وحركة نوام الشبابية ومعسكرات صيفية ومدارس وكيبوتس وموشاف وفرق نحال. ويتكون هيكل حركة ماسورتي التنظيمي من معبد إسرائيل المتحدة ويضم قيادات الأبرشيات، ومجمع إسرائيل الحاخامي ويضم حوالي ١٠٠ حاخامي ماسورتي. ويبلغ عدد أعضاء الحركة حوالي عشرة آلاف. ويوجد الآن نحو أربعين أبرشية محافظة. كما نجحت الحركة في تأسيس مدارس تالي، وهي مدارس تعكس أيديولوجيا الحركة. ولا تتلقى هذه المدارس أي عون من الحكومة الإسرائيلية بسبب عدم اعتراف المؤسسة الأرثوذكسية بها. وقد أصدرت حركة ماسورتي بياناً رسمياً عام ١٩٨٦ يحدد موقفها. وبعد عامين، أصدر المجلس الحاخامي بياناً أكثر شمولاً يعكس اهتمامات الحركة في الولايات المتحدة. وقد لوحظ وجود اختلافات مهمة بين ما جاء في هذا البيان وموقف حركة الماسورتي، وخصوصاً فيما يتعلق بدور إسرائيل بين يهود العالم.

стр. 6144

ولا تعترف المؤسسة الأرثوذكسية المهيمنة في إسرائيل بالحاخامات المحافظين، كما لا تعترف بالزيجات التي يعقدونها أو مراسم الطلاق التي يقيمونها. وعلاوة على ذلك، تحاول المؤسسة الأرثوذكسية أن تعدل قانون العودة فتضيف عبارة «من تهوَّد حسب الشريعة» ، أي على يد حاخام أرثوذكسي، وهو ما يعني استبعاد الحاخامات المحافظين. وتوزع دار الحاخامية منشورات تحذر الناس من أن أداء الصلوات في المعابد التابعة لحركة ماسورتي محرم. اليهودية التجديدية Reconstructionism

стр. 6145

«اليهودية التجديدية» مذهب ديني يهودي حديث يشبه في كثير من الوجوه اليهودية المحافظة، أسسها الحاخام مردخاي كابلان عام ١٩٢٢ في الولايات المتحدة عند تأسيس جمعية تطوير اليهودية. وقد اكتسبت اليهودية التجديدية معالمها التنظيمية بشكل أكثر تحديداً عام ١٩٣٤، حين نشر كابلان مجلة التجديدي التي التفت حولها مجموعة من المفكرين اليهود، منهم: ملتون ستاينبرج، وإيوجين كون، وزوج ابنته إيرا إيزنشتاين. ورغم أن اليهودية التجديدية حاولت أن تظل، من ناحية الأساس، اتجاهاً دينياً وحسب، فإنها تحولت تدريجياً إلى فرقة دينية، فنشر كابلان الهاجاداه الجديدة عام ١٩٤١، كما نشر دليلاً للشعائر اليهودية في العام نفسه. وقد أصبح إيرا إيزنشتاين قائداً للحركة عام ١٩٥٩، كما أصبحت الحركة فرقة دينية بمعنى الكلمة عام ١٩٦٨، حينما تم تأسيس الكلية الحاخامية التجديدية في فيلادلفيا لتخريج حاخامات تابعين للحركة. ويوجد داخل الحركة التجديدية إطاران تنظيميان: المؤسسة التجديدية نفسها، وتضم اليهود التجديديين، ثم هناك اتحاد الأبرشيات التجديدية والجماعات الصغيرة (حفروت) ، وهي كلمة عبرية معناها الحرفي «ارتباط» ، وتضم اليهود التجديديين ومجموعات صغيرة من اليهود تقبل الإطار الفكري العام لليهودية التجديدية دون أن يصبحوا بالضرورة تجديديين. ويجتمع أعضاء هذه الجماعات مرة كل أسبوع، أو مرة كل أسبوعين للتعبد ولتبادل الأفكار.

стр. 6146

وتحاول اليهودية التجديدية الوصول إلى صيغة للدين اليهودي تلائم أوضاع الأمريكيين الذين يعيشون داخل حضارة علمانية برجماتية، وقد تأثر مؤسسها بأفكار الفيلسوف الأمريكي جون ديوي. وتَصدُر اليهودية التجديدية عن الإيمان بأن إعتاق اليهود وضع فريد تماماً في تجربتهم التاريخية، عليهم التكيف معه، وعلى اليهودية أن تُعدِّل هويتها بشكل يتفق مع المعطيات الجديدة. ولم تكن مهمة كابلان عسيرة كما قد يبدو لأول وهلة، ذلك لأن اليهودية باعتبارها تركيباً جيولوجياً تحوي داخلها من الطبقات المختلفة المتناقضة، والمتعايشة جنباً إلى جنب، ما يسبغ شرعية على أي اتجاه ديني مهما تكن صيغته ومهما كان تطرفه وتفرُّده. والواقع أن كابلان، شأنه شأن كثير من المفكرين الدينيين اليهود، وخصوصاً مارتن بوبر وسولومون شختر، ينطلق من الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي، لذا فهو يؤمن بإله لا يسمو لا على المادة ولا على التاريخ ولا على العلم الوضعي، وإنما هو كامن فيها كلها.

стр. 6147

ويُلاحَظ أن الإله عادةً ما يلتحم بمخلوقاته في النسق الحلولي ويتوحد معها ويذوب فيها، فيشحب ثم يختفي تماماً إلا اسماً، ويظهر الإنسان متميِّزاً إلى أن يحل محل الإله تماماً، وهكذا تتحول الحلولية من مرحلة وحدة الوجود الروحية إلى مرحلة وحدة الوجود المادية أو حلولية بدون إله، وهي مرحلة العلمانية. وهذا هو ما يحدث في فلسفة كابلان، فهو يرى أن الدنيا مكتفية بذاتها، إذ أن الإنسان يتضمن من القدرات ما يؤهله للوصول إلى الخلاص بمفرده دون عون خارجي، كما أن الطبيعة المادية يوجد فيها من المصادر ما يجعل هذه العملية ممكنة. والإله داخل هذا الإطار المنغلق على نفسه ليس كائناً أسمى خلق العالم وتَحكَّم فيه، وإنما هو مجرد عملية كونية تقترن في الواقع بذلك الجانب الذي يزيد قيمة الفرد والوحدة الاجتماعية، وهو القوة التي تدفع نحو الخلاص، وهو التقدم العلمي. ولذا، فرغم أن كابلان يحتفظ بفكرة الإله في صيغة شاحبة باهتة، فإن ما بقي منه هو في واقع الأمر الاسم وحسب. ولذا، فليس من المستغرب أن ينكر تماماً فكرة الوحي الرباني وفكرة البعث والآخرة في صياغتهما اليهودية. والواقع أن فكرة الرب التي يطرحها كابلان لا تدع مجالاً لأية علاقة شخصية عاطفية بين الإله ومخلوقاته، فهو بهذا كيان مجرد يشبه النظريات الهندسية أو المعادلات الرياضية (ولا يختلف كثيراً لا عن إله إسبينوزا الذي يتوحد تماماً مع الطبيعة وقوانينها، ولا عن إله الربوبيين الذي يذوب تماماً في العقل المادي وقوانين التطور) .

стр. 6148

وبشحوب فكرة الإله ثم اختفائها، تظهر فكرة الشعب عنصراً أكثر أهمية من الإله في النسق الديني. وإذا كانت هذه الفكرة جنينية في فكر اليهودية المحافظة، فهي هنا تصبح واضحة صريحة. فأكثر الأشياء قداسة في نسق كابلان هو اليهود وتراثهم وليس دينهم. فالدين اختراع إنساني وتعبير حضاري عن روح الشعب العضوي (فولك) ، يشبه في هذا المجال اللغة والفلكلور، ولا يوجد فارق كبير بين التوراة والكتب الأخرى للشعب، فكلها منتجات حضارية يلتحم فيها الدين بالموروث الحضاري. واليهودية نفسها عبادة شعبية أو قومية، أعيادها تشبه عيد الاستقلال عند الأمريكيين أو الأعياد الشعبية المختلفة. وهكذا يشحب الدين مثلما شحب الإله من قبل، وهكذا يختفي الدين مثلما اختفى الإله من قبل حتى يبرز عنصر واحد هو الشعب اليهودي وروحه المطلقة الأزلية. ويرى كابلان أن وجود اليهود يسبق ماهيتهم. ولذا، فإن اليهود (هذا الوجود التاريخي المتطور) أهم من اليهودية (هذا النسق الديني الذي يتسم بشيء من الثبات) . واليهودية إنما وجدت من أجل اليهود ولم يوجد اليهود من أجل اليهودية، وهذا على خلاف الرؤية الأرثوذكسية التي ترى أن اليهودي قد اختير ليضطلع بوظيفة مقدَّسة تجعل وجوده الدنيوي أمراً ثانوياً. والقاسم المشترك الأعظم بين اليهود ليس عقائدهم، ولا ممارساتهم الدينية، ولا حتى أهدافهم الخلقية، وإنما حضارتهم الشعبية الدينية، وهي حضارة يدفعها الإله بالتدريج نحو العُلا والسمو.

стр. 6149

ولكن العُلا والسمو هنا لا يكتسبان مفهوماً أخلاقياً ولا يرتبطان بعالم آخر أو قيم سامية إذ لا يشعر بهما اليهودي إلا الآن وهنا، وهما يعبِّران عن نفسيهما في رغبة اليهودي في البقاء، أي أن القيمة المطلقة في حضارة هذا الشعب ليست قيمة أخلاقية أو إنسانية وإنما قيمة البقاء، وهي قيمة طبيعية يشترك فيها الإنسان مع الحيوان (فكأن يهودية كابلان التجديدية كانت تحوي داخلها لاهوت موت الإله ولاهوت البقاء الذي ظهر في الستينيات) . ويرى كابلان أن الصفة المشتركة بين اليهود ليست صفة أخلاقية وإنما هي صفة الاستمرار والبقاء، وهذه مصطلحات تتواتر في اليهودية المحافظة وفي الأدبيات الصهيونية سواء بسواء. من كل هذا، يمكن القول بأن محور الحياة اليهودية هو الشعب اليهودي، ويصبح معيار الإيمان باليهودية ليس الإيمان بهذه العقيدة أو تلك، أو ممارسة هذه الشعائر أو تلك، وإنما مدى التزام اليهودي ببقاء شعبه. ويصبح من غير المهم الإيمان أو عدم الإيمان بالدين، أي أن الإيمان لا يصبح ذا علاقة بفكرة الخير أو الالتزام المبدئي بمجموعة من القيم، وإنما هو إيمان ببقاء الشعب وتراثه القومي. وفي هذا الإطار، عَرَّف كابلان الشعائر والطقوس بأنها ليست قانوناً أو شريعة وإنما مجرد وسيلة لبقاء الجماعة وتطوُّر الفرد، فاليهودية في خدمة اليهود وكل فرد يقرر لنفسه ما سيمارسه من طقوس. ولكنه، نظراً لإيمانه الشديد بروح الشعب وأهمية الفلكلور، أوحى بضرورة الحفاظ على نوع من أنواع الاتزان. وما يفعله كابلان هو أنه يستخدم الخطاب الديني ليعبِّر عن رؤية حلولية علمانية تنكر الحياة الآخرة وتمجِّد الذات الإثنية، وتخلع على الأشياء اليهودية قداسة يخلعها الفكر التوحيدي على الإله وحده وعلى كلمته، ويخلعها الفكر النازي (مثلاً) على الشعب الألماني وأرضه، ويخلعها الفكر الماركسي على الطبقة العاملة أو الحتمية التاريخية أو القوانين المادية.

стр. 6150

وتجديدية كابلان تشبه من جوانب عدة اليهودية المحافظة أو التاريخية في تأكيدها أهمية التراث اليهودي الديني، وفي تقديسها له دون أن تشغل نفسها بمصدر القداسة سواء كان روحياً ربانياً أو كان روح الشعب. وعلى أية حال، فإن كابلان، مثل بوبر ومثل كثير من المفكرين الدينيين اليهود، يرى أن ثمة توازناً وتعادلاً وامتزاجاً وحواراً بين الإله والشعب ومن ثم لا يهم مصدر القداسة. ومع هذا، فإن اليهودية التجديدية صياغة متطرفة لليهودية المحافظة، فهي قد تخلصت من كل الترسبات الدينية العالقة بالنسق الديني المحافظ، وغلّبت العنصر الدنيوي تماماً، بحيث لم تعد فكرة التقدم معادلاً للإله، بل أصبحت هي نفسها الإله! وفكرة المطلق الدنيوي (الروح واسم مضاف لها) فكرة أساسية في اليهودية الإصلاحية التي تحاول أن تعكس «روح العصر» ، وفي اليهودية المحافظة التي تعكس «روح الشعب اليهودي» ، وهي كذلك في اليهودية التجديدية، إلا أن روح الشعب هنا يُلاحَظ أنها تصبح روح الشعب اليهودي في الولايات المتحدة، أي روح الشعب اليهودي الأمريكي. ويبدو أن إله كابلان يعبِّر عن مشيئته ويفقد نفسه في المجتمع الأمريكي بالذات أكثر من أي مجتمع آخر. وليس من قبيل المصادفة بالطبع أن هذا المجتمع يضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم. ولأن المجتمع الديموقراطي هو المجتمع المثالي، فإن اليهودي الأمريكي يمكنه أن يرتبط بمجتمعه الديموقراطي الجديد فخوراً بارتباطه لأنه يعيش في حضارتين منسجمتين.

стр. 6151

ويمكن التعبير عن كل هذا بالقول بأن كابلان قد وسَّع نطاق المطلق ونقطة الحلول بحيث لم تَعُد مقصورة على الشعب اليهودي وتراثه وحسب وإنما اتسعت لتشمل الشعب الأمريكي وتراثه الديموقراطي أيضاً، وبذا فإن قداسة الأمريكيين اليهود جزء من قداسة الشعب الأمريكي بعامة. ولذا، نجد أن كابلان يعتبر وثائق التاريخ الأمريكي كتباً دينية مقدَّسة، تماماً كما أن العهد القديم كتاب تاريخ يهودي مقدَّس. وانطلاقاً من هذا الإيمان بقداسة الولايات المتحدة، يرفض كابلان فكرة الاختيار التقليدية التي تُميِّز بين الشعب اليهودي المقدَّس والشعوب الأخرى (كالشعب الأمريكي) التي يعيش بين ظهرانيها. ويمكن القول بأن اليهودية التجديدية هي النقطة التي نجد أن اليهودية تتحول فيها من عقيدة دينية شبه علمانية إلى عقيدة علمانية شبه دينية أو عقيدة ذات ديباجات دينية. واليهودية التجديدية تشبه في كثير من النواحي العقيدة الموحدانية (المسيحية) .

стр. 6152

ويرى كابلان أن العهد الذي وَحَّد بين اليهود في الماضي يجب أن يُوحِّد في الوقت الحاضر بين إسرائيل ويهود العالم. كما يرى كابلان أن اليهودية هي حضارة الشعب ولا يمكنها أن تستمر دون أن تكون لها دولة فيها أغلبية يهودية تمثل المركز لكل الجماعات اليهودية في العالم، ولذلك فقد نادى بتعمير أرض إسرائيل باعتبارها الوطن القومي للحضارة اليهودية. وهو يتفق في نهاية الأمر مع الصهاينة في إنكار أن الإله هو مصدر القداسة، فمصدرها الحقيقي بالنسبة له هو التاريخ اليهودي والأمة اليهودية، وهو ما يؤدي إلى تَداخُل وتمَازُج الدنيوي والمقدَّس، والقومي والديني. وإذا كان كابلان صهيونياً، فهو صهيوني خارجي توطيني يقبل الصهيونية إطاراً ورؤية ولكنه يرفض الاستيطان في فلسطين هدفاً نهائياً لكل اليهود، وإن كان لا يُمانع في المساهمة في توطين الآخرين وفي التحدث عن إسرائيل في حياة اليهود. ويرى كابلان أهمية الجماعات (الدياسبورا) ومركزيتها وضرورة الحفاظ على استقلالها واستمرارها، أي أنه يفترض نقطتين للحلول أي مطلقين: إسرائيل والشعب اليهودي خارجها. ولأن أي نسق فلسفي لا يمكنه أن يتعايش بسهولة مع مطلقين ومركزين، فقد اقترح أن تُعبِّر الحياة اليهودية عن نفسها (خارج إسرائيل) من خلال حياة يهودية عضوية، الوحدة الأساسية فيها مكوَّنة من المؤسسات التعليمية والمعهد اليهودي، والمنظمة الصهيونية، وتنتخب كل جماعة صغيرة القيادة التي ستدير شئونها والتي تقوم بعملية ربط الجماعات اليهودية في العالم بالدولة الصهيونية. ولن يصبح المعبد اليهودي، من هذا المنظور، معبداً للصلاة وحسب وإنما مركز اجتماعي يعبِّر عن كل جوانب حياة اليهود. كما طالب كابلان الأمم المتحدة بأن تعترف باليهود كشعب عالمي له وضع قانوني خاص.

стр. 6153

ويضم كتاب كابلان اليهودية كمدنية (١٩٣٤) الأفكار الأساسية لليهودية التجديدية التي تضم نحو ٧٥ ألف عضو في ١٥٦ أبرشية. لكن مجلس معابد أمريكا الذي يضم ممثلين عن كل الفرق الدينية الأخرى رفض السماح لليهودية التجديدية بالانضمام إلى عضويته، أي أنه لا يعترف بها كفرقة دينية. وهذا يعود إلى معارضة اليهود الأرثوذكس ممن لهم حق الاعتراض (الفيتو) داخل المجلس. وقد صرح الحاخام إيزيدور إينشتاين بأن اليهودية التجديدية يتبعها معابد يهودية لها حاخامات، ولكنها ليست ديناً على الإطلاق (وهذا هو نفسه ما يقوله الأرثوذكس عن المحافظين والإصلاحيين) . ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن أثر كابلان في الحياة اليهودية في الولايات المتحدة عميق إلى أبعد حد، ويُعَدُّ فكره من أهم المؤثرات في اليهودية المحافظة التي تضم أغلبية يهود الولايات المتحدة الذين يعرِّفون انتماءهم تعريفاً دينياً. كما ترك كابلان أثراً عميقاً في الفكر التربوي اليهودي. وقد تحققت رؤية كابلان إلى حدٍّ بعيد، فاليهودية آخذة في الاختفاء باعتبارها ديناً، وبدأت تحل محلها الإثنية اليهودية، أي أن اليهود حلوا محل اليهودية. ويجأر حاخامات الولايات المتحدة بالشكوى من أن المعبد اليهودي قد تحوَّل إلى مركز اجتماعي، وإلى فرع للمنظمة الصهيونية العالمية، كما أنهم يرون أن اليهود يؤمنون بالدولة الصهيونية أولاً وقبل كل شيء، أي أن اليهودية تحولت إلى ممارسة إثنية لا يربطها رابط بالعقائد الدينية.

стр. 6154

وقد حدث تطوُّر كبير في اليهودية التجديدية بظهور كتاب رئيس كلية الحاخامات التجديديين الحاخام أرمز جرين فلتبحث عن وجهي، ولتتفوَّه باسمي (١٩٩٢) ويُعدُّ الكتاب محاولة لتجاوز العقلانية المادية الباردة التي تسم كتابات كابلان واليهودية التجديدية بعامة ويذهب الحاخام جرين إلى أن الأحداث التي وردت في العهد القديم صور مجازية للتعبير عن الحقيقة، تضرب بجذورها بعيداً عن السطح وطالب برؤية غير ازدواجية (واحدية) تمحو التمييز التقليدي بين المادي والإلهي. فالإله والعالم صيغتان مختلفتان تعبِّران عن كائن واحد. وأنكر أن الإله عنده أي مخطط أو هدف أو غاية للعالم أو أن الإله يعبِّر عن نفسه في التاريخ. فالإله شيء نشعر به نحن من خلال تجربة شخصية أو من خلال عنايتنا بالبيئة، والوحي لا يأتي من عل، وإنما هو يشبه الإلهام الفني الذي ينبع من الروح الإنسانية. ويؤكد جرين أنه لا يوجد إله يطلب من عابديه أن يتبعوا سلوكاً محدداً وأشكالاً محددة من العبادة. أما الماشيَّح فهو الذات الإنسانية المنفتحة على الواحد وهكذا اكتمل الحلول تماماً وأصبحت الذات الإنسانية هي الذات الإلهية وأصبح العالم هو الإله. ويبلغ عدد اليهود التجديديين ٢% من يهود أمريكا. مردخاي كابلان (١٨٨١-١٩٨٣ ( Mordecai Kaplan

стр. 6155

حاخام وفيلسوف ديني، وقائد صهيوني أمريكي. وُلد في ليتوانيا، وتلقَّى تعليماً أرثوذكسياً في الولايات المتحدة، ولكنه انصرف عن الأرثوذكسية، وانجذب نحو أفكار أكثر تحرراً. عيَّنه سولومون شختر عميداً لمعهد التربية التابع لكلية اللاهوت اليهودية، فظل يُدرِّس فيها من عام ١٩٠٩ حتى عام ١٩٦٣. وأسس كابلان عام ١٩٣٣ جماعة تطوير اليهودية التي كانت تعبِّر عن أفكاره الفلسفية، وانصرف منذ الثلاثينيات إلى تطوير فلسفته اليهودية الخاصة التي تُعرَف باسم المدرسة التجديدية الدينية اليهودية، أو اليهودية التجديدية، منطلقاً في ذلك من خليط من البرجماتية وعلم النفس الاجتماعي والمثالية الفلسفية وضرب من ضروب الطبيعية الدينية (إن صح التعبير) والصهيونية الثقافية (على عكس أبراهام هيشيل الذي ينطلق من أطروحات صوفية حسيدية أو وجودية) . ويرى كابلان ضرورة الاستفادة من الدراسات التاريخية لليهودية التي كشفت لليهود عن أشكال التطور المختلفة وحركياتها وقوانينها الأمر الذي يجعل من الممكن استخدام هذه القوانين في عملية التغيير بشكل أكثر نشاطاً ووعياً حتى يتسنى تعديل الشريعة نفسها والممارسات بل حتى مقاييس العقيدة نفسها، وذلك لتتلاءم مع قانون تطوُّر اليهودية. ومن أهم أعمال كابلان ترجمته لبعض أعمال حاييم لوتساتو، ودراسته في فكر هرمان كوهين، وكتاب اليهودية كمدنية (١٩٣٤) ، ومعنى الإله في الدين اليهودي الحديث، والمستقبل اليهودي الأمريكي. وقد ترك كابلان أثراً عميقاً في اليهودية المحافظة، وفي الفكر التربوي اليهودي بشكل عام. مجلس المعابد في أمريكا Synagogue Council of America

стр. 6156

مجلس المعابد في أمريكا هيئة أُسِّست عام ١٩٢٦ يُمثَّل فيها مختلف الفرق اليهودية في الولايات المتحدة) الأرثوذكس والمحافظين والإصلاحيين ـ ولكنها تستبعد التجديديين) . وهي هيئة تنظم التعاون بين الفرق الثلاث، كما تحاول التصدي للأنشطة التبشيرية المسيحية بين اليهود والتحيز الديني ضدهم. الباب الثامن: تجديد اليهودية وعلمنتها علمنة اليهودية Secularization of Judaism «علمنة اليهودية» مصطلح نستخدمه لنصف إعادة صياغة النسق الديني اليهودي من الداخل على يد بعض المفكرين اليهود العلمانيين وشبه العلمانيين، حتى تتكيف اليهودية تماماً مع العلمانية (بعقلانيتها أو لا عقلانيتها المادية) ، وتصبح كل منطلقات اليهودية الدينية والفلسفية ذات طابع نسبي تاريخاني. ولكي ندرس العلاقة بين العلمانية والصهيونية، لابد أن ندرس العلاقة بين الحلولية والعلمانية. والحلولية هي تداخل عناصر الثالوث الحلولي (الإله ـ الإنسان ـ الطبيعة) ،إذ يحل الإله تدريجياً في الإنسان والطبيعة حتى يلتصق بهما ويتوحَّد معهما ولا يبقى منه سوى الاسم (مرحلة وحدة الوجود الروحية وشحوب الإله) .ثم يسقط الاسم نفسه (مرحلة وحدة الوجود المادية والواحدية المادية الكونية وموت الإله) .ومرحلة الواحدية الكونية هي المرحلة التي تختفي فيها تماماً المساحة بين الخالق والمخلوق وبين المطلق والنسبي وبين الإنساني والطبيعي وتَمَّحي كل الثنائيات والخصوصيات، وتصبح كل الأمور مقدَّسة متساوية ومن ثم نسبية، ويصبح كل شيء مرجعاً لذاته وتسقط المرجعية المتجاوزة.

стр. 6157

وعلمنة العقيدة اليهودية هي عملية تحويرها (وإفسادها) ، عن وعي أو عن غير وعي، على يد المفكرين الدينيين اليهود الذين أسقطوا كثيراً من المعتقدات الدينية اليهودية المحورية الأساسية التي تؤكد ثنائية الواقع ووجود المطلقات المتجاوزة لتحل محلها عقائد حلولية جديدة تنكر الثنائية والتجاوز وتؤكد الواحدية الكونية (الصلبة أو السائلة) بحيث لا تختلف اليهودية في بنيتها عن أية عقيدة علمانية. ولنا أن نلاحظ أن من المألوف أنْ يستخدم المفكرون الذين يقومون بعملية العلمنة المصطلحات والمفردات الدينية نفسها التي استخدمها المفكرون الدينيون التقليديون. ويمكن القول بأن اليهودية، كنسق ديني، كانت مرشحة للعلمنة من الداخل لعدة أسباب من أهمها: ١ ـ طبيعة اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي يحوي داخله العديد من التناقضات. ٢ ـ الطبقة الحلولية القوية داخل هذا التركيب، والتي كانت قد اكتسحت معظم يهود اليديشية في العالم. ٣ ـ اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية، وأعضاء هذه الجماعات عادةً من حملة الفكر العلماني. ٤ ـ أزمة اليهودية الحاخامية ابتداءً من القرن التاسع عشر وتَجمُّدها وتصلُّبها الأمر الذي جعلها غير قادرة على الاستجابة لتحديات الثورة العلمانية الشاملة. وتاريخ الفكر الديني اليهودي منذ عصر النهضة في الغرب هو أيضاً تاريخ علمنة النسق الديني اليهودي. ويمكن العودة للباب المعنون «إشكالية علاقة اليهودية بالصهيونية» ولباب «إشكالية الحلولية اليهودية» . كما يمكن العودة للمداخل التالية: ١ ـ «إسبينوزا، باروخ» ، وهو الفيلسوف الذي تتحول على يديه الحلولية الدينية إلى الطبيعية المادية دون إسقاط الديباجات الدينية (الإله هو الطبيعة) . ٢ ـ «اليهودية الإصلاحية» ، وهي الفرقة التي قامت بإعادة صياغة اليهودية لتتفق مع روح العصر (باعتبار أن العصر الحديث موضع الحلول) .

стр. 6158

٣ ـ «اليهودية المحافظة» ، وهي الفرقة الدينية التي ترى أن اليهودية تعبير عن روح الشعب اليهودي وعن تاريخه. وستتناول بقية مداخل هذا القسم بعض المفكرين الدينيين اليهود الذين ساهموا في عملية العلمنة. وكلهم فلاسفة يؤكدون العلاقة الحوارية (الحلولية/ العضوية) بين الشعب اليهودي والخالق، أي حلول الإله في الشعب والأرض. وفي آخر هذا القسم سنتناول اليهودية الليبرالية واليهودية التجديدية باعتبارهما حركتين تدَّعيان أنهما «دينيتان» ولكنهما في واقع الأمر علمانيتان بشكل واضح. فالديباجة الدينية شاحبة، وفكرة الإله تتأرجح بين مرحلة شحوب الإله وموته الكلي بل اختفاء ظلاله الباقية في مرحلة ما بعد الحداثة) . فكلاهما مرجعيته النهائية هي الدنيا أو التاريخ أو الطبيعة، ولذا فهما يحاولان تكييف العقيدة لتتفق مع الدنيا (والدنيا في حالة اليهودية التجديدية هي الولايات المتحدة) ، ولذا فهي تقوم بإعادة صياغة اليهودية لتتفق مع عقيدة التقدم، ومع وضع يهود أمريكا باعتبارهم جزءاً عضوياً من المجتمع الأمريكي. وقد أدَّى تصاعُد معدلات علمنة النسق الديني من الداخل إلى أن الجو أصبح مهيأً تماماً لاستيلاء العقيدة الصهيونية على العقيدة اليهودية الى أن حلت محلها من خلال عملية الصهينة من الداخل، حتى أصبحت الصهيونية مرادفة لليهودية وظهرت أشكال من اليهودية مثل «اليهودية العلمانية» و «اليهودية الإثنية» و «اليهودية الإلحادية» و «لاهوت موت الإله» (انظر المداخل الخاصة بكل موضوع) ، وما شابه ذلك من عقائد علمانية تماماً تستخدم مفردات واصطلاحات وديباجات دينية. ليو بايك (١٨٧٣-١٩٥٦ ( Leo Baeck

стр. 6159

مؤرخ وحاخام ليبرالي ألماني الأصل. درس في ألمانيا، ونُصِّب حاخاماً هناك، وعمل حاخاماً في برلين منذ عام ١٩١٢. واشتغل بالتدريس في المدارس الدينية، كما عمل حاخاماً في الجيش الألماني أثناء الحرب العالمية الأولى. وانتُخب رئيساً للهيئة التي تمثل كل يهود ألمانيا مع وصول النازي إلى الحكم. ورفض أن يغادر ألمانيا، فأُودع أحد معسكرات الاعتقال. يرى بايك في كتابه جوهر اليهودية (١٩٠٥) أن اليهودية أسمى تعبير عن الأخلاق، فهي ديانة من النمط الكلاسيكي تتَّسم بالواقعية والتفاؤل الخلقي والالتزام العميق بحرية الإنسان، ولذا فهو يرى أنها ديانة العقل الكلاسيكية، وذلك على خلاف المسيحية، فهي ديانة العواطف الرومانتيكية التي تحوي داخلها ميلاً (بدءاً ببولس) نحو تأكيد عنصر الرحمة الإلهية، والاتحاد الصوفي بالإله، وكذلك تأكيد أهمية الإيمان على حساب الأفعال، الأمر الذي أدَّى إلى عدم الاكتراث للكفاح ضد الشر (أي أنه يصنف المسيحية باعتبارها عقيدة صوفية تدور في إطار حلولي) . ويذهب بايك، أيضاً إلى أن اليهودية ديانة عالمية وشاملة في محتواها ودروسها الأخلاقية. ولم يقرن بايك اليهودية بالعنصر الأخلاقي وحسب، وإنما ذهب إلى أن الواجب اللامتناهي لتحقيق الخير ينبع من السر الذي هو الإله. والإنسان، بإدراكه السر الإلهي، يدرك أنه خُلق لهدف وغرض ولم يُوجَد صدفة، وكل هذا يدل على أن بايك يحاول أن يفسر اليهودية بأنها ديانة توحيدية تعادي الحلولية. ولكنه، مع هذا، يضيف أن اليهودية رغم عالميتها ديانة خاصة ومرتبطة بأمة بعينها في تعبيرها التاريخي عن نفسها، أي أنه تَراجَع عن العالمية الأخلاقية وسقط في الخصوصية العرْقية أو العنصرية. ويظهر التراجع عن التوحيد في تصوُّر بايك في واقع أن إدراك الإنسان للوصية الإلهية يؤدي به إلى إدراك أن الإله يُتوقَّع منه أن يقوم هو نفسه بالخلق، أي أن يصبح المخلوق خالقاً. كما أنه، مع إدراك الوصية الإلهية،

стр. 6160

يدرك أنه يُتوقَّع منه أن يقوم هو نفسه بالخلق. وفي آخر كتبه هذا الشعب إسرائيل: معني الوجود اليهودي، ينتقل من تعريف جوهر اليهودية إلى محاولة تحديد المعنى الداخلي للدين اليهودي، فيجد أنها عملية بعث مستمرة تقوم يسرائيل خلالها بإعادة صياغة وتطبيق أوامر الإله على حاضر دائم التغير. ويظهر في كتابات بايك الكثير من الموضوعات الحلولية الصهيونية مثل: رسالة يسرائيل الخاصة، ومركزية يسرائيل في عملية البعث التاريخي. ومع هذا، فإن من غير المعروف عنه أنه اتخذ موقفاً صهيونياً صريحاً، بل له مواقف تناقض العقيدة الصهيونية صراحةً. والبُعْد اليهودي في فكر بايك واضح تماماً، فهو مفكر ديني كان يعمل حاخاماً. ومع هذا، فثمة تَشابُه عميق بين فكره والفكر الألماني الرومانسي الذي يشكل الأرضية التي نبت فيها والإطار الذي يتحرك داخله. مارتن بوبر (١٨٧٨-١٩٦٥ ( Martin Buber مفكر ألماني يهودي حلولي، متطرف في حلوليته وجودي النزعة، كان لا يؤمن باليهودية الحاخامية أو بضرورة تطبيق الشريعة، ولم يقرأ التلمود على الإطلاق. ومع هذا، فإنه يُعَدُّ من أهم المفكرين الدينيين اليهود في القرن العشرين. وهو من دعاة التصوف اليهودي. ويُعتبر بوبر أحد كبار مفسري العهد القديم، وأحد أهم مفكري الصهيونية ذات الديباجات الثقافية.

стр. 6161

وُلد في فيينا، وأمضى صباه في جاليشيا عند جده حيث اتصل بالحركة الحسيدية التي لعبت دوراً حاسماً في تطوره الديني (الصوفي) والفلسفي والسياسي. وانتقل إلى فيينا عام ١٨٩٦ لمتابعة دراسته في جامعتها، وتزوج بولا ونكلر (وهي فتاة ألمانية غير يهودية من ميونيخ) . انضم بوبر إلى جماعة قديما الصهيونية في فيينا، ثم انضم إلى المنظمة الصهيونية عند تأسيسها عام ١٨٩٨ وعمل رئيساً لتحرير جريدة دي فيلت الناطقة بلسان الحركة الصهوينة. وبعد فترة قصيرة من التعاون مع هرتزل، اختلف الاثنان بسبب اختلاف منطلقاتهما الفلسفية. واشترك في تأسيس ما يُسمَّى «العصبة الديموقراطية» مع وايزمان الذي عارض هرتزل خلال المؤتمر الصهيوني الخامس (١٩٠١) . ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أسس بوبر اللجنة القومية اليهودية التي تعاونت مع قوات الاحتلال الألمانية في بولندا، وقامت بالدعاية بين يهود اليديشية لضمهم للجانب الألماني ولتجنيدهم لحسابه. وفي عام ١٩١٦، أسس مجلة اليهودي التي كانت تُعَدُّ من أهم المجلات الفكرية اليهودية، والتي شرح بوبر على صفحاتها فلسفة الحوار الحلولية الوجودية وموقفه الصهيوني. وقد اشترك بوبر مع الفيلسوف اليهودي فرانز روزنزفايج في ترجمة التوراة إلى الألمانية في العشرينيات (ولكنه لم يَفرُغ منها إلا عام ١٩٦٤) وهي ترجمة ذات طابع وجودي. وقد نشر خلال هذه الفترة بضعة كتب عن الحسيدية.

стр. 6162

شغل بوبر منصب أستاذ فلسفة الدين اليهودي والأخلاق في جامعة فرانكفورت في الفترة ٢٤ ـ ١٩٣٣، وأسس معهد الدراسات اليهودية فيها. وقد صَدَر له عام ١٩٢٣ أهم كتبه أنا وأنت الذي يحوي جوهر فلسفته الحوارية. وفي عام ١٩٣٣، استولى النازيون على الحكم وصاغوا مفهوم الشعب العضوي (فولك) ، ذلك المفهوم الذي يشكل حجر الزاوية في الفكر النازي والصهيوني، وهو ما كان يعني تأسيس نظام تعليمي لليهود مستقل عن النظام التعليمي الألماني. وقد عُيِّن بوبر مديراً للمكتب المركزي لتعليم الكبار. أما هجرته إلى فلسطين، فقد كانت عام ١٩٣٨ حيث جرت محاولة لتعيينه أستاذاً للدراسات الدينية. ولكن المؤسسة الأرثوذكسية عارضت ذلك بشدة لأن بوبر، حسب تعريفها، لا يؤمن باليهودية، ومن ثم تم تعيينه أستاذاً للدراسات الاجتماعية في الجامعة حيث شغل المنصب حتى عام ١٩٥١. صدر أول كتب بوبر بالعبرية، وهو العقيدة النبوية، عام ١٩٤٢، وقد طرح بوبر في هذا الكتاب أن وجود الإرادة الإلهية حقيقي تماماً مثل وجود يسرائيل، وهو ما يعني المساواة بين الخالق (الإله) والمخلوق (الشعب) . كما صدر له كتاب موسى عام ١٩٤١. أما عام ١٩٤٩، فقد شهد نشر كتابه طرق اليوتوبيا، وهو كتاب عن تطوُّر الاشتراكية الطوباوية. وتبع ذلك نشر كتابيه نوعان من الإيمان (١٩٥١) ، وخوف الإله (١٩٥٣) ، ويقارن الكتاب الأول بين الإيمان اليهودي والإيمان المسيحي. أما الثاني، وهو آخر أعمال بوبر المهمة، فيذهب فيه إلى أن الإله لم يمت أو أنه احتجب وحسب! أسَّس بوبر كلية لتعليم الكبار لإعداد المعلمين من بين المهاجرين، وهي جزء من محاولة المُستوطَن الصهيوني دمج المهاجرين الجدد، وخصوصاً من البلاد الإسلامية، في نسيج المستوطن الصهيوني. وكان بوبر أول رئيس لأكاديمية العلوم الطبيعية والإنسانية في إسرائيل.

стр. 6163

وقد أسس بوبر مع يهودا ماجنيس جماعة إيحود التي كانت تطالب بإقامة دولة صهيونية مزدوجة القومية. لكنه تعرَّض لانتقاد شديد في بعض الأوساط اليهودية لقبوله تسلم جائزة جوته من مدينة هامبورج ولاستئناف علاقته بالحياة الفكرية والثقافية الألمانية (مع العلم أن هذا الموقف لا يتناقض البتة مع منطلقاته الفكرية) . وقد منحه مجلس ناشري الكتب في ألمانيا جائزة السلام عام ١٩٥٣ واستقبله رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية باعتباره واحداً من مفكري ألمانيا وفلاسفتها العائدين إلى وطنهم! ومصادر الفكر الديني والفلسفي السياسي عند بوبر ألمانية (مسيحية علمانية) . فقد تأثر بالمتصوفين المسيحيين الألمان مايستر إيكهارت وجيكوب بيمه Jacob Boehme، كما تأثر برؤية وحدة الوجود التي طرحاها وبإيمانهما الكامل بأن الإنسان يمكنه أن يعود إلى التوازن من خلال الحدس والاستماع لصوت التجربة الداخلية والتوحد بالخالق. وقد تأثر كذلك بالفكر الرومانسي الألماني، وخصوصاً فكر فخته الذي أكد الحدس على حساب التأمل وميَّز بين الجماعة المترابطة بشكل عضوي (جماينشافت) والجماعة المترابطة بشكل آلي (جيسيلشافت) ، وأعلى من أهمية الشعب العضوي (فولك) . ويُعَدُّ نيتشه من أهم المفكرين الألمان الذين أثروا في بوبر، شأنه في هذا شأن معظم المفكرين اليهود والصهاينة في ذلك الوقت، فتعلَّم من نيتشه فكرة الإرادة المستقلة عن أي حدود وظروف، والإيمان بأهمية الفعل الغريزي المباشر مقابل التأمل والتدبير، والالتزام بالمتعيِّن والمحسوس على حساب المجرد، وتأكيد الحياة والغريزة في مواجهة القيم التقليدية والمثاليات المجردة التي تخنق الحياة والغريزة.

стр. 6164

وقد عمَّق جوستاف لانداور (١٨٦٩ ـ ١٩١٩) تأثير فخته وفكرة الشعب العضوي والجماعة العضوية وربطهما بالفكر الاشتراكي أو الجماعية بل بالاتجاهات الصوفية الحلولية، وبهذا يكون لانداور قد ربط بين كل المكونات في النسق الفكري عند بوبر. وإلى جانب المصادر الألمانية، تأثَّر بوبر، شأنه شأن كثير من المفكرين الغربيين الوجوديين، بدوستويفسكي، وخصوصاً في إحساسه بغربة الإنسان في عالم خال من المعنى. كما تأثَّر بكيركجارد، الأب الروحي للوجودية الحديثة، الذي أكد أن العلاقة الحقة بين الإله والإنسان لابد أن تكون مباشرة ودون وسطاء، وطالب الإنسان بأن يصبح شخصاً واحداً كلياً فريداً. ويُلاحَظ أن المصادر الفكرية (الدينية والفلسفية) عند بوبر معظمها غير يهودية. لقد ظل بوبر، طيلة حياته، يجد الدراسات التلمودية جافة وعقيمة. وقد اكتشف الحسيدية باعتبارها تجربة صوفية وتعبيراً عن الصوت الداخلي من خلال مصادره الألمانية المسيحية الصوفية. وفكر بوبر الديني والسياسي فكر حلولي متطرف تتلاقى فيه وحدة الوجود الروحية بوحدة الوجود المادية، فيصبح الإله والإنسان والطبيعة كلاًّ عضوياً واحداً. وتتجلى هذه الرؤية الحلولية في فلسفة الحوار التي تشكل أساس الفكرة الدينية في فكرة الشعب العضوي (فولك) التي تشمل أساس فكره السياسي والاجتماعي، ففكره السياسي هو نفسه فكره الديني، وفكره الديني هو نفسه فكره السياسي، وهذا أمر متوقع داخل منظومة فكرية لا تفرق بين الإله والإنسان، أو بين الإنسان والطبيعة، أو بين هذا العالم والعالم الآخر، أو بين التاريخ والوحي، أو بين القومية والدين.

стр. 6165

تَصدُر فلسفة الأنا والأنت الحوارية عن رؤية حلولية تتساوى فيها كل العناصر الإنسانية ثم الإلهية، فالإله هنا ليس له وجود حقيقي مستقل متجاوز للطبيعة والتاريخ وإنما هو قوة كامنة في الأشياء ودافعة لها (ومن هنا أهمية الحوار الشفوي، وتفضيله على النص المكتوب. فالحوار الشفوي، مثل الشريعة الشفوية في اليهودية، تفتح المجال على مصراعيه لعمليات التأويل الباطنية حيث يفرض المُفسِّر المعنى الذي يروق له. أما النص المكتوب فهو لا يعطي كلمة وحسب وإنما يعطي سياقاً وكلاًّ دلالياً يحدد المعنى) . والإنسان بدوره شريك للإله في عملية خلاص الكون. وحسب هذه الفلسفة، تأخذ العلاقة السوية بين الإنسان وأخيه الإنسان شكل حوار، وهو حوار حقيقي إن كانت أطراف الحوار متساوية بحيث يجد كل طرف نفسه في الآخر، وهذا الحوار حوار حقيقي إن كان بين الأنا والأنت أو بين ذاتين لهما أهمية واحدة. ولكن الحوار يصبح زائفاً حينما يصبح أحد طرفيه أقوى من الآخر، فيحوِّل محاوره إلى موضوع أو أداة أو مجرد شيء يستخدمه ويستغله ويحوسله لينفذ به أغراضه، وفي هذه الحالة يتحول الحوار إلى علاقة بين الأنا والأنت والهو (أو بين الذات والموضوع) ، وهي علاقة قد تثمر معرفة علمية موضوعية قد تكون مفيدة في حد ذاتها ولكنها ليست كافية ولا تغنينا بأية حال عن علاقة أنا/أنت الأساسية (ومع هذا يرى بوبر أن ثمة صلة جدلية بين العلاقتين أنا/أنت وأنا/هو) .
следующие страницы →