← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

ويمكننا أن نقول إن الماسونية الربوبية هي ماسونية الفكر المركنتالي والدولة المطلقة، وماسونية الطبقات الأرستقراطية التي احتضنت الطبقات الوسطى الصاعدة باعتبارها قوة تستخدمها وتوظِّفها لصالح الدولة القومية المطلقة دون أن تسلمها صولجان الحكم والقيادة. وقد اكتشف الإنسان الغربي (منذ عصر نهضته، بعد ظهور ماكيافيللي وهوبز وفكرة القانون الطبيعي وضعف الإطار المسيحي التقليدي وانكماش سلطة الكنيسة الدنيوية) أن المطلق الوحيد في الإطار العلماني الشامل هو الدولة وأن مصلحتها العليا هي المطلق الأخلاقي الأسمى. وهذه الفلسفة علمانية شاملة تضع الخالق والغيب في موضع هامشي، وهذا ما تنجزه الماسونية الربوبية وتُعلمن الإنسان وتجعله يستبطن هذه القيمة المطلقة حتى يخضع لإرادة الدولة بدلاً من إرادة الخالق. داخل إطار عقلانى هادئ يشجع على تطويع الإنسان وتطبيعه. والدولة المطلقة إطار يضم كل الطبقات تحت قيادة هذه الملكية المطلقة أو تلك، أو أية ملكية أخرى في مواجهة الكنيسة التي كانت لا تزال تحاول الحفاظ على سلطانها الدنيوي. ومن ثم، نجد أن أعضاء الأرستقراطية انضموا إلى الحركات الماسونية، فقد انضم إليها ملكا بروسيا فريدريك الثاني وفريدريك الثالث، وملوك شبه جزيرة إسكندنافيا، وملك النمسا جوزيف الثاني، ونابليون وأفراد عائلته، وأعضاء الطبقة الوسطى الذين يطمحون إلى شيء من الحراك الاجتماعي. ويمكن تفسير انضمام أعضاء الأسرة المالكة الإنجليزية وأعضاء الأرستقراطية إلى الجماعات الماسونية من المنظور نفسه. وكان كثير ممن يُطلَق عليهم «مثقفو الطبقة الوسطى الصاعدة» من الماسونيين. كما يمكن أن نذكر من أعضائها فولتير ومونتسكيو والأنسيكلوبيديين (الموسوعيين) ، وفخته وجوته وهردر ولسنج وموتسارت، وأعضاء الجمعية الملكية في إنجلترا، وجورج واشنطن، وماتزيني وغاريبالدي.

стр. 6337

وعشية الثورة الفرنسية، كان يوجد في فرنسا نحو خمسمائة محفل ماسوني. كما يُقال إن أكثر من نصف أعضاء الجمعية العمومية في فرنسا، عشية الثورة، كانوا من الماسونيين. ولكن يجب ملاحظة أن معظم الماسونيين في فرنسا في تلك المرحلة لم يكونوا من غلاة الثوريين (الجمهوريين) بل كانوا من دعاة الإصلاح بلا ثورة. ولذلك، فقد هاجر كثير منهم من فرنسا بعد تصاعد حمَّى الثورة، أو سقطت رؤوس بعضهم ضحايا المد الثوري (ويمكن أن نخص بالذكر مارا ودانتون ميرابو ولافاييت باعتبارهم من قادة الثورة الفرنسية من الماسونيين) .

стр. 6338

ويمكن القول بأن الماسونيين كانوا من أعضاء طبقات أو فئات هامشية تود أن تحقق شيئاً من الحراك والمركزية، أو كانوا أعضاء هامشيين أو فئات هامشية في طبقات مركزية ويودون أن يحققوا قدراً من الحراك من خلال الانضمام إلى تَجمُّع أكبر، أو كانوا من أعضاء الأرستقراطية الذين أرادوا أن يستخدموا القوة الماسونية وأن يوظفوها لصالحهم الشخصي أو لصالح الدولة المطلقة. وربما يعود شيوع الماسونية في القرن الثامن عشر إلى سببين أساسيين: أولهما، شيوع الفلسفات العقلانية المعادية للكنيسة والطبقات الإقطاعية. ولكن هذه الفلسفات لم تكن بعد ثورية أو إلحادية، فقد كانت تعبِّر عن مصالح الطبقة الوسطى الصاعدة وعن رؤيتها التجارية المادية العلمانية الشاملة للكون، بدون أن تعلن صراحة عن ماديتها أو علمانيتها إذ كانت أضعف من أن تفعل ذلك. أما السبب الثاني، فهو عدم تجانس رموز الحركة الماسونية، الأمر الذي لعب دوراً حيوياً في زيادة مقدرتها التعبوية على مستوى كل الطبقات. وقد كانت الماسونية ديموقراطية تقوم بتجنيد أعضائها من الطبقات كافة، ولكنها كانت في الوقت نفسه أرستقراطية يترأسها الملك وأعضاء النخبة، وتأخذ شكلاً هرمياً جامداً. وكانت ليبرالية تدعو إلى الأخوة والمساواة، ولكنها كانت في الوقت نفسه محافظة تدعو إلى عدم التعرض للسلطات الحكومية أو الخوض في الأمور السياسية. وكانت الماسونية في تلك المرحلة حركة إيمانية ربوبية، ولكنها كانت تحوي داخلها كل معالم التفكير الإلحادي الذي يُسقط الإله تماماً. وكانت عقلانية ذات رموز صوفية، وتضم أفكاراً عالمية ومحلية. وربما جعلتها هذه الصيغة الإسفنجية تحقق هذا النجاح الباهر وتجعلها واحدة من أهم مؤسسات العلمنة في العالم، فهي تستخدم ديباجات دينية ضبابية لتحقيق أهداف علمانية.

стр. 6339

ولكن الماسونية هي بنت محيطها الحضاري التاريخي والجغرافي (فلا يوجد كما أسلفنا نسق عالمي واحد ينطبق على الماسونيين في كل زمان ومكان) ، فقد كانت ألمانية في ألمانيا، وإنجليزية في إنجلترا، وفرنسية في فرنسا. ولذا، فقد تغيَّرت هي نفسها مع تغيُّر أوربا. كما نجد أن تصاعد قوى الطبقة الوسطى ومعدلات العلمانية والإلحاد قد انعكس على الفكر الماسوني وتنظيماته، فاكتسب كثير من المحافل الماسونية مضموناً ثورياً، وخصوصاً في البلاد الكاثوليكية والأرثوذكسية، وأصبحت الأداة الكبرى في الحرب ضد الكنيسة، وفي المطالبة بفصل الدين عن الدولة. هذا على عكس المحافل الماسونية في البلاد البروتستانتية حيث ظلت معتدلة تدور داخل إطار ربوبي. وفي هذا الإطار الجديد، ظهرت الماسونية الثانية التي تتخذ موقفاً إلحادياً أكثر صراحة، وبدلاً من العقلانية الربوبية شبه المادية التي تستخدم ديباجات أخلاقية وروحية، تُسقط الماسونية تدريجياً كل هذه الديباجات وتدور تماماً في إطار العقلانية المادية الكاملة، فقرَّر محفل الشرق الأعظم في فرنسا عام ١٨٧٧ استبعاد أية بقايا إيمانية من الفكر الماسوني. وظهرت محافل ذات طابع ثوري مثل النورانيين (إليوميناتي) في بافاريا، وقبلها المارتينيست في فرنسا، وكانت المحافل الماسونية في روسيا القيصرية (الأرثوذكسية) خلايا ثورية، وكان معظم أعضاء ثورة الديسمبريين من الماسونيين.

стр. 6340

ويُلاحَظ أن الماسونية الثانية، وهي ثورية إلحادية، تنتشر في البلاد الكاثوليكية والأرثوذكسية، أي البلاد التي توجد فيها كنيسة قوية تقف ضد الفلسفات العقلانية البورجوازية والثورية العمالية. كما يُلاحَظ أن المحافل الماسونية في هذه البلاد، كما هو الحال في أمريكا اللاتينية، تتسم بثوريتها وعدائها للكنيسة والكهنوت، كما تتسم بارتباطها الواضح بالفلسفة الوضعية التي تجعل العلم الأساس الوحيد للقيمة والأخلاق، فالتقدم الأخلاقي يتم تحقيقه من خلال التقدم العلمي، والمنفعة الإنسانية ككل هي نهضة علمية (ولهذا لوحظ أن عدداً كبيراً من دعاة الفكر الوضعي في فرنسا وروسيا والعالم الثالث أعضاء في المحافل الماسونية) . كما أن الكنيسة، بدورها، تناصب الحركة الماسونية العداء. وبمرور الزمن، أصبحت المحافل الماسونية تضم، من ناحية الأساس، عناصر البورجوازية والطبقة الوسطى، ولم يَعُد ينضم إليها أي مفكرين، كما اختفى منها كذلك أعضاء الأرستقراطية. وبرغم كل هذا، فإن عضوية المحافل الماسونية ظلت (من ناحية الأساس) مقصورة على العناصر البورجوازية المعتدلة التي ترفض الدخول في أية مغامرات سياسية، والتي تود أن تعيش في عالم علماني عقلاني ولكنها لا تريد مواجهة النتائج الفلسفية الناجمة عن ذلك، وربما يفسر هذا سر تَصدِّي البلاشفة للجماعات الماسونية وحظرهم إياها، وتَصدِّي هتلر وموسوليني أيضاً لها وتجريمهما الجمعيات الماسونية. فالبلاشفة والفاشيون والنازيون راديكاليون، وإذا كان البلاشفة راديكاليين عقلانيين ماديين فالفاشيون والنازيون راديكاليون لا عقلانيون ماديون، ويطمحون إلى التحكم الكامل في الدولة وجماهيرها، ولذا فالاعتدال أو التراخي الماسوني يُشكِّل تحدياً لسلطتهم. كما أن الجيب الماسوني كان يتمتع بقدر من الاستقلال بل السرية، فهو يمثل جماعة مصالح لها شعائرها وطقوسها، والدول العلمانية الشمولية المطلقة لا تتحمل وجود مثل هذه الجيوب

стр. 6341

داخلها. وقد انتشرت الماسونية في البلاد البروتستانتية لأن البروتستانتية شكل من أشكال علمنة المسيحية الكاثوليكية، كما أن معدلات العلمانية مرتفعة فيها. فقد انتشرت بسرعة في الجزر البريطانية بسبب عدم وجود كنيسة مسيطرة على جوانب الحياة، وبسبب انخراط الطبقة الحاكمة في صفوف الماسونية. وقد انتشرت الماسونية مع اتساع الإمبراطورية الإنجليزية، فانتقلت إلى الولايات المتحدة وأستراليا وكندا ومصر وفلسطين والهند وغيرها من المستعمرات أو المحميات. وقد احتفظت الحركة الماسونية بطابع هادئ مهادن داخل التشكيل البروتستانتي.

стр. 6342

ولكن الماسونية البريطانية لم تكن الماسونية الوحيدة التي انتشرت في المستعمرات، إذ أن الصراع الإمبريالي على العالم انعكس من خلال صراع بين الحركات والمحافل الماسونية، فكان كل محفل ماسوني يخدم مصلحة بلد ويمثله، تماماً كما حدث صراع بين المبشرين البروتستانت والمبشرين الكاثوليك الذين كانوا يمثلون مصالح بلادهم. ويبدو أن بعض الشخصيات المهمة في العالم العربي أرادت أن تستفيد من هذا الصراع، وخصوصاً أن أعضاء هذه المحافل كانوا من الأجانب ذوي الحقوق والامتيازات الخاصة المقصورة عليهم. فكان الدعاة المحليون ينخرطون في هذه المحافل بغية توظيفها في خدمة أهدافهم، وحتى يتمتعوا بالمزايا الممنوحة لهم. وكان من بين هؤلاء الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والأمير عبد القادر الجزائري. ولعل هذه الشخصيات الدينية والوطنية حذت حذو ماتزيني وغاريبالدي وغيرهما ممن حاولوا الاستفادة من أية أطر تنظيمية قائمة. ولنا أن نلاحظ أن الأفغاني قد اكتشف حقيقة الماسونية في وقت مبكر، وتَوصَّل إلى الأسس العلمانية التي يقوم عليها خطابها الديني، ومن ثم ناهض هذه الأفكار في كتابه الرد على الدهريين. أما عبد القادر الجزائري فلا توجد تفاصيل حول علاقته بالماسونية، وإن كان قد حاول إيجاد أطر تنظيمية وتأسيسية لحركته مع الاستفادة من أسلوب التنظيمات الماسونية. وقد انضم إلى الحركة الماسونية أحد أبناء محمد علي باشا وكانت له مطالب في عرش مصر، وقد كان أستاذاً أعظم لمحفل الشرق الأعظم المصري، وتبعه في ذلك عدد من أعضاء الأسرة المالكة. كما انضم إلى الحركة الماسونية شخصيات أخرى، مثل سعد زغلول ويوسف وهبي. ولكن ارتباط أمثالهما بالحركة الماسونية كان واهياً للغاية ولا يعدو قبولهم ذكر أسمائهم ضمن قائمة الأعضاء أو حضور اجتماع يُعقَد على شرفهم دون أي إدراك من جانبهم للتضمينات الفلسفية وراء الفكر الماسوني. كما أن الحركة الماسونية ظلت في مصر

стр. 6343

وغيرها ضعيفة تضم في صفوفها الأجانب أساساً. ويمكننا الآن طرح قضيتين مهمتين هما: نفوذ الماسونية السياسي والاقتصادي، وسرية تنظيماتهما، وهما عنصران مترابطان تمام الترابط. فالحركات الماسونية تتركز في بلاد غربية متقدمة تحكمها حكومات مركزية قوية، وتخضع فيها الحركات السياسية والاجتماعية كافة للمراقبة، وإلا لما أمكنها تسيير دفة الحكم. ولا يمكن في الحقيقة تصوُّر وجود حركات ضخمة لها قوة فعالة لا تخضع للإطار العام الذي تفرضه مثل هذه الدول المطلقة الرشيدة، فعملية التنبؤ والتخطيط تتطلب مثل هذا التحكم ومثل هذه المعرفة. والمحافل الماسونية تخضع لهذا القانون العام، ولم يكن من الممكن أن تُشكِّل استثناء منه. لكن هذا لا يمنع، بطبيعة الحال، من تَسلُّل بعض العناصر المغامرة إلى بعض المحافل لتوظيفها بشكل أو بآخر، من خلال شبكة اتصالاتها، في الاحتيال أو الأعمال الإجرامية. وهذا هو بالضبط ما تفعله، على سبيل المثال، عصابات المافيا (الجريمة المنظمة) مع الجهاز التنفيذي في الولايات المتحدة، إذ تستأجر كبار المحامين وتشتري القضاة وتجند ضباط الشرطة، أي تقوم بتوظيف الجهاز الذي أُسِّس لمكافحتها والقضاء عليها لتنفيذ أهدافها الإجرامية. وكل هذا لا يعني وجود مؤامرة مافياوية للاستيلاء على العالم. وكذلك الجماعات الماسونية، فهي إذا ما تحولت إلى قوة ضغط (لوبي) ، فإنها لا تختلف كثيراً عن مراكز الضغط الأخرى داخل النظام السياسي والاقتصادي. وإن أخذ نشاطها شكلاً تآمرياً أو إجرامياً في بلد ما، فلا يصح تعميم مثل هذه الوقائع وافتراض وجود مثل هذا النشاط على مستوى العالم بأسره.

стр. 6344

وقد وُصفت الولايات المتحدة بأنها ديموقراطية جماعات الضغط. ولابد أن المحافل الماسونية تشكل إحدى هذه الجماعات التي تعمل داخل النظام، فهذا هو المُتوقَّع منها، وهذا هو «قانون اللعبة» . ولا يمكن في هذا السياق أن نتحدث عن مؤامرة خفية أو علنية. ومن الناحية النظرية، يمكن أن نقول إن المحافل الماسونية بوسعها أن تمارس ضغوطاً ضخمة في العالم الثالث نظراً لضعف جهاز الدولة المركزي. ولكن، بحسب ما هو متوافر لدينا من معلومات، لا توجد حكومة في العالم الثالث سقطت في يد اللوبي الماسوني. ولكن لوحظ أنه قد بدأ يظهر تحالف بين بعض المحافل الماسونية وعصابات المافيا في إيطاليا في العالم الأول، وقد بدأوا في السيطرة على بعض المؤسسات المالية الشرعية ليمارسوا نشاطهم غير الشرعي وراء ستار. كما أن الماسونية تلعب دوراً تآمرياً ملحوظاً في بلد مثل تركيا، حيث يمارس بقايا يهود الدونمه نشاطهم من خلال محافلها، وهي جزء لا يتجزأ من المؤسسة العلمانية هناك، بل تشكِّل عمودها الفقري. ويُقال إن الماسونية لها أيضاً دور متميِّز في بلد مثل المملكة الأردنية الهاشمية. ويُلاحَظ أن رجال الشرطة في إنجلترا وكثير ممن يعملون في المؤسسات الأمنية والقضائية وبعض أهم أعضاء النخبة الحاكمة أعضاء في المحافل الماسونية. وقد طلبت الحكومة البريطانية من أعضاء جهاز الشرطة ممن ينتمون إلى محافل ماسونية أن يعلنوا ذلك، لأنه لوحظ أن أعضاء الشبكة الماسونية يُوظِّفون القوانين والإجراءات لصالحهم ولصالح زملائهم. ولا توجد سلطة ماسونية مركزية على مستوى العالم، بل يختلف تركيب الحركة من بلد إلى آخر، فلا توجد على سبيل المثال سلطة ماسونية مركزية في أمريكا أو كندا إذ أن التنظيم الفيدرالي في هاتين الدولتين انعكس على شكل تركيب الحركة الماسونية، على عكس الوضع في إنجلترا وفرنسا، حيث توجد حكومة مركزية قوية ومن ثم محفل مركزي قوي.

стр. 6345

أما بالنسبة إلى سرية المحافل، فهذا أمر مركب أيضاً، فالجمعيات الماسونية سرية بمعنى أن طقوسها وبعض الإشارات الأخرى فيها سرية، ومن ينضم إلى الحركة يُقسم على ألا يكشفها (وهذا ميراث العصور الوسطى) . ولا تسمح الحركة الماسونية لأي شخص بالانضمام إليها، وإنما يتم تجنيد الأعضاء عن طريق توصية أحد الأعضاء العاملين. والحركة الماسونية لا تختلف في هذا عن كثير من النوادي الخاصة وغيرها من المؤسسات. كما أن المحافل تخفي بعض الطقوس عن الأعضاء الجدد إلى حين التأكد من ولائهم. وما عدا ذلك، فلا يوجد أي شيء سري، إذ يتم تأسيس المحافل الماسونية بموافقة السلطات، وكل اجتماعاتها معروفة سلفاً لدى هذه السلطات، كما أن أعضاء المحافل معروفون في أغلب الأحيان لدى الحكومة. والمحافل الماسونية لا تخفي وجودها أو أهدافها أو عملها. وحينما صدر قانون حظر الجمعيات السرية في إنجلترا عام ١٧٩٨، استُثنيَت المحافل الماسونية من ذلك. وبإمكان أي باحث أن يطالع أرشيف محفل الشرق الأعظم في فرنسا. كما أن كثيراً من المحافل الماسونية تُقدِّم مضابط اجتماعاتها إلى السلطات الحكومية.

стр. 6346

ولكن، مع هذا، تضطر بعض المحافل الماسونية إلى إخفاء أسماء أعضائها خوفاً من السلطات الحكومية في البلاد التي تلعب فيها هذه المحافل دوراً انقلابياً. ولابد أن نضيف هنا أن المحافل الماسونية تم إغلاقها في مصر لأنها رفضت أن تخضع لتفتيش وزارة الشئون الاجتماعية نظراً لأن هذا يتعارض مع ما تتطلبه الحركة من سرية وكتمان فيما يتصل بالطقوس. ورغم أن هذا هو رأينا، إلا أننا نود أن ننبه إلى أن نموذجنا التفسيري يترك قدراً لا يُستهان به من الحوادث والوقائع دون تفسيره. فعلى سبيل المثال، من المعروف أن عدداً كبيراً من رؤساء الجمهورية في الولايات المتحدة (ومنهم جورج واشنطن) كانوا من الماسونيين. كما لوحظ أن عدداً كبيراً من قادة الثورة الفرنسية - كما أسلفنا - كانوا أيضاً من الماسونيين. والواقع أن هناك شخصيات مهمة في كثير من الحكومات الغربية (في المعسكر الرأسمالي) أو الحكومات الشرقية (في المعسكر الاشتراكي) كانوا أعضاء في المحافل الماسونية، ولكن عضويتها تظل طي الكتمان. كما أن بعض الجرائم تشير إلى وجود شبكة ماسونية، ولكن الوصول إلى الحقائق مازال في حاجة إلى مزيد من البحث الذكي والموضوعي (ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن نوادي الروتاري والليونز، التي يُثار حولها لغط شديد في مصر وغيرها من بلاد العالم الإسلامي، دون أن تكون هناك شواهد متعيِّنة، تشكل أساساً لمثل هذا اللغط) .

стр. 6347

والآن يبلغ عدد الماسونيين في العالم نحو ٥٩ مليوناً، منهم أربعة ملايين في الولايات المتحدة ومليون في إنجلترا. فإذا أضفنا عدد الماسونيين في كل من كندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا، فإننا نجد أن الماسونية منتشرة أساساً في البلاد البروتستانتية، وخصوصاً الاستيطانية، وهذا أمر متوقع إذ أنها نشأت أساساً في المحيط البروتستانتي، شأنها شأن كثير من الحركات السياسية والفكرية المعاصرة، كالصهيونية والعلمانية والنازية. وقد لوحظ مؤخراً تَناقُص عدد الماسونيين في العالم بشكل ملحوظ (ولذا، فقد تكون الأرقام التي أتينا بها غير دقيقة. وقد ورد في أحد المصادر أن العدد الآن لا يتجاوز ثلاثة ملايين) . والماسونية جزء من التشكيل الحضاري الغربي بدأت مع بدايات الظاهرة العلمانية الكبرى وهي تُعَد تعبيراً عنها. و «الماسونية الأولى» (ماسونية عصر الملكيات المطلقة) تعبير عن المراحل الأولى للعلمانية، تماماً كما أن الماسونية الثانية تعبير عن تصاعُد معدلات العلمنة. ويمكننا أن نقول كذلك بأن الماسونية فقدت دورها الثوري بوصفها إحدى مؤسسات العلمنة مع تحقيق أهداف الثورة العلمانية في معظم بلاد العالم الغربي وهيمنتها واكتسبت مضموناً آخر. وبالفعل، بدأت المحافل الماسونية تتحول إلى ما يشبه النوادي التي تضم أعضاء لهم مصلحة مشتركة وتشكل إطاراً يتبادل داخله الأعضاء الخدمات، شأنها في هذا شأن كثير من مؤسسات المجتمعات الغربية التي يقال لها متقدمة. ويمكن أن نطلق على هذا الضرب من الماسونية اسم «الماسونية الثالثة» .

стр. 6348

أما في الولايات المتحدة، فقد بدأت تظهر محافل ذات طابع اجتماعي ترفيهي، وهي محافل ليس لها وضع مُقنن داخل التنظيمات الماسونية، وإن كان كثير من أعضائها من الماسونيين. ومن هذه المحافل "الطريقة العربية القديمة لنبلاء الحرم الصوفي"، ويُقال لهم «الحرميون» ، و «الطريقة الصوفية لأنبياء المملكة المسحورة الملثمين» . وبدأت بعض هذه المحافل تسمح للنساء بالانضمام إليها، كما أسِّست محافل للفتيان والفتيات. وتمنع المحافل الماسونية البريطانية أعضاءها من الالتحاق بأيٍّ من محافل الترفيه هذه، إذ تُعَدُّ نوعاً من الابتذال. وهذا النوع من الماسونية السوقية أو الماسونية المتأمركة أو ماسونية عصر الاستهلاك وما بعد الحداثة هي «الماسونية الرابعة» . الماسونية واليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية Freemasonery and Judaism and Jewish Communities

стр. 6349

قد يكون من المهم جداً، حين نحاول تحديد علاقة الماسونية باليهود واليهودية، أن نؤكد مرة أخرى الفرق بين أعضاء الجماعات اليهودية الخاضعين لحركيات الحضارات المختلفة التي ينتمون إليها واليهودية كنسق ديني أو حتى كتركيب جيولوجي. وقد يقول قائل إن الماسونية حركة لا علاقة لها بالدين بالمعنى الدقيق للكلمة باعتبارها حركة أخلاقية أخوية وحسب. فالدين علاقة بالخالق تأخذ شكل الإيمان به وعبادته، أما الأخلاق فهي نسق من الأفكار ينظم علاقة الإنسان بالإنسان لا بالخالق، ومن ثم فالماسونية تتعامل مع رقعة من الوجود الإنساني تختلف عن تلك التي يتعامل معها الدين. ولكن كلاًّ من التعريفين السابقين للأخلاق والدين قاصر، فالدين هو إيمان الإنسان بالإله (المطلق ـ الغيب) كعقيدة تترجم نفسها إلى سلوك وإلى علاقة بين الإنسان والإنسان. ولكن الدين ليس فقط عبادات وإنما معاملات أيضاً. والأخلاق بدورها ليست مجرد مجموعة من القواعد الخارجية التي تحدد سلوك الإنسان تجاه أخيه الإنسان، وإنما هي مجموعة من القواعد تستند إلى معنى داخلي يعتمد على رؤية للكون، ومن هنا التداخل بين الدين والأخلاق، وكذلك التداخل بين الماسونية والدين.

стр. 6350

وقد بيَّنا أن الماسونية بدأت كدعوة ربوبية، فهي نسق فكري ديني متكامل يستند إلى العقل (المادي) وحسب، لا إلى العقل والغيب معاً، يحدد علاقة الإنسان بالخالق وبالطبيعة وبطرق المعرفة. وهي تطرح أمام تابعيها طرق الخلاص وتتكفل بتعليم مريديها السلوك الأسمَى، وتزودهم بأساس فلسفي للأخلاق التي يؤمنون بها، فضلاً عن أن اجتماعاتها تبدأ وتنتهي بصلاة. ولذا، كان لابد أن تصطدم الماسونية بالأديان جميعاً: المسيحية الكاثوليكية، والبروتستانتية، واليهودية الأرثوذكسية وريثة اليهودية الحاخامية. وكانت المسيحية الكاثوليكية أكثر الديانات عداءً للماسونية، فقد أعلن البابا كلمنت الثاني عشر عام ١٧٣٨ أن الماسونية كنيسة (أي ديانة) وثنية غير مقدَّسة (وهو في تصوُّرنا وصف دقيق لها) ، ولم يسمح للكاثوليك بالانضمام إليها. أما الكنائس البروتستانتية، فبعضها فقط ناصبها العداء. أما اليهودية الأرثوذكسية، فهي تحرِّم على اليهود الانضمام إلى المحافل الماسونية، وتعتبر من ينضم إليها خارجاً على الدين، هذا على خلاف الصيغ اليهودية المخففة مثل اليهودية الإصلاحية كما سنبين فيما بعد. ويمكننا الآن أن نتناول علاقة الماسونية بأعضاء الجماعات اليهودية. وسوف تكون الصورة هنا أكثر تركيباً وتنوعاً واختلاطاً. وكما أشرنا، تُشكِّل الماسونية دعوة ربوبية رخوة تعددية تستند إلى العقل، وهي تطرح على المؤمن بها عقيدة متكاملة، ولكنها لا تطلب منه أن يتخلى عن عقيدته الأصلية، ولذا كان بإمكان كل أعضاء الديانات الانضمام إليها دون أن يضطروا إلى نبذ دينهم (وقد كان هناك محفل ديني في الصين يستخدم الإنجيل والقرآن وكتابات كونفوشيوس ككتب مقدَّسة) .

стр. 6351

وقد ظهرت الماسونية في وقت كانت فيه اليهودية الحاخامية قد بدأت تدخل مرحلة أزمتها التي أودت بها في نهاية الأمر. فالفكر القبَّالي كان قد حل محل التلمود وقوض اليهودية من الداخل. كما أن شبتاي تسفي من جهة، وإسبينوزا من جهة أخرى، كانا قد شنَّا هجومهما الشرس في منتصف القرن السابع عشر على اليهودية من ناحيتي اليمين واليسار. وكان يهود البلاط والعنصر السفاردي قد حلاّ محل القيادة الحاخامية التقليدية. كل هذا، جعل الثورة العلمانية تترك أعمق الأثر في بعض أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا قد بدأوا يضيقون ذرعاً باليهودية وأخذوا يبحثون عن مخرج لهم منها، فظهرت بينهم حركة التنوير واليهودية الإصلاحية. وقد حل بعضهم أزمته بأن تَنصَّر. ولكن الانتقال إلى المعسكر المسيحي أمر صعب من الناحية المضمونية والتعبيرية، فعقيدة مثل التثليث، أو رمز مثل الصليب، أمور من الصعب على كثير من اليهود تَقبُّلها.

стр. 6352

وقد حلت الماسونية مشكلة هؤلاء اليهود الذين اغتربوا عن يهوديتهم، والذين ازدادت معدلات العلمنة بينهم، والذين كانوا يريدون الاندماج في مجتمع الأغيار ولكنهم لا يريدون التنصر. وكان ظهور الحركة الماسونية علامة على أن مجتمع الأغيار قد بدأ يفتح ذراعيه لهم، وأصبحت المحافل الماسونية الأرضية الروحية والفعلية التي يمكن أن يلتقي أعضاء الجماعات اليهودية فيها مع قطاعات مجتمع الأغلبية. وقد كانت هذه الأرضية تتسم بقسط معقول من الحياد، فرغم وجود رموز ذات أصل مسيحي، ومع أن الفكر الماسوني احتفظ ببعض الأفكار المسيحية، فقد كانت هناك رموز ذات مضمون عقلاني عام (رموز البناء) وهي رموز عامة ومحايدة. وماذا يمكن أن يكون أكثر حياداً من أدوات الهندسة التي يستخدمها البناء؟ بل كانت هناك رموز يهودية أيضاً: سليمان والهيكل وكلمات عبرية. كما كانت هناك رموز كونية عامة يمكن أن يشارك أعضاء الجماعات اليهودية فيها. ولكن الأهم من كل هذا أنه لم يكن مطلوباً منهم اعتناق دين جديد أو رفض دينهم القديم، فكل ما كان مطلوباً منهم هو إزاحته جانباً أو تهميشه وإعادة تأسيس عقيدتهم على العقل لا الغيب. ولذا، انخرط اليهود بأعداد متزايدة في صفوف الماسونية. ويُلاحَظ أن أول الماسونيين بين اليهود كانوا من السفارد، إذ أن معدلات العلمنة كانت مرتفعة بين العنصر السفاردي. ثم بدأت تنخرط في سلك المحافل الماسونية عناصر يهودية أخرى تزايدت بينها معدلات العلمنة، مثل: أتباع اليهودية الإصلاحية، وبقايا العناصر الشبتانية، واليهود الذي تأثروا بالقبَّالاه. ولذا، يجب أن نؤكد أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين انضموا إلى المحافل بأعداد متزايدة فعلوا ذلك لا بسبب يهوديتهم أو عقيدتهم، وإنما بالرغم منها. بل إن انخراطهم في المحافل الماسونية يمثل بالنسبة لبعض اليهود صياغة دينية مخففة تساعدهم على التخلص من هويتهم الدينية بدون إحساس بالحرج من عدم وجود إيمان ديني على

стр. 6353

الإطلاق. وقد برز اليهود في الحركة الماسونية، وخصوصاً في إنجلترا حيث التحقوا بالحركة عام ١٧٣٢، وأُسِّس أول محفل ماسوني يهودي عام ١٧٩٣. أما في فرنسا، فقد أصبح السياسي الفرنسي اليهودي أدولف كريمييه (١٨٦٩) البنَّاء الأعظم للمحفل الأكبر على الطريقة الاسكتلندية. وكان هناك كثير من مؤسسي المحافل الماسونية التي كان ينضم إليها أعضاء الطبقة الوسطى المعادون للكنيسة الكاثوليكية. ولكن الصورة لم تكن واحدة في كل البلاد، ففي شبه جزيرة إسكندنافيا، وكذلك في ألمانيا، ظلت مشاركة اليهود في الحركة الماسونية مسألة خلافية، وقد سُمح (حتى عام ١٨٧٠) لعدد صغير جداً من اليهود بالانخراط في سلك الحركة. وكان بعض المحافل يقبل اليهود ولكن داخل إطار ألماني مسيحي. فمحفل الإخوة الآسيويين، الذي أُسِّس في فيينا خلال عامي ١٧٨٠ و١٧٨١، كان ضمن طقوسه أكل لحم الخنزير باللبن. وكما هو معروف، فإن لحم الخنزير محرم على اليهود، وكذلك فإن خلط اللحم باللبن محرم عليهم أيضاً.

стр. 6354

وقد تزايد إقبال اليهود على الانخراط في المحافل الماسونية في ألمانيا، وقامت دعوة بين الماسونيين الألمان تطالب بقبول اليهود كأعضاء في الحركة. لكن هذه الدعوة لم تنل تأييد زعامة الحركة، وقد تحوَّل بعض يهود ألمانيا إلى الماسونية أثناء رحلاتهم في إنجلترا وهولندا، وخصوصاً في فرنسا ما بعد الثورة. وقد تأسست في ألمانيا نفسها محافل فرنسية ومحافل بمبادرة فرنسية، وأسس يهود فرانكفورت عام ١٨٠٨ محفل «الفجر الوليد» بتصريح من منظمة الشرق الأعظم. ولا شك في أن مثل هذه المحافل الفرنسية اليهودية زادت من عداء الماسونيين الألمان لليهود. ومن ثم، ظهرت دساتير ماسونية تستبعد اليهود بشكل خاص. ولكن بعض المثقفين الماسونيين الألمان قاموا في ثلاثينيات القرن بالاحتجاج على استبعاد اليهود، وانضم إليهم في احتجاجهم هذا ماسونيو إنجلترا وهولندا والولايات المتحدة. وقد اكتسحت ثورة ١٨٤٨ بعض الفقرات التي تستبعد اليهود، واعترفت المحافل المسيحية في فرانكفورت بالمحافل اليهودية. وقد كانت محافل بروسيا هي الاستثناء الوحيد حيث استمرت في استبعاد اليهود، ولكنها بدأت مع السبعينيات تسمح بدخول اليهود زواراً ثم أعضاء. ولكن الموجة العنصرية التي صاحبت الهجمة الإمبريالية على الشرق، اكتسحت أوربا بأسرها وأخذت أشكالاً عديدة من بينها معاداة اليهود. وتقوم بعض أدبيات معاداة اليهود بالربط بين اليهود والماسونيين وتذهب إلى أن ثمة تعاوناً سرياً بين الفريقين للسيطرة على العالم، ولتخريب المجتمعات، وقد ترددت هذه الفكرة إبان محاكمة دريفوس. كما أن هذا الموضوع نفسه يتردد أيضاً في البروتوكولات. وقد كان الربط بين اليهود والماسونيين أحد أحجار الزاوية في الدعاية النازية المضادة لليهود، حيث كان النازيون يشيرون دائماً إلى كريمييه باعتباره البنَّاء الأعظم ومؤسس جمعية الأليانس اليهودية.

стр. 6355

وغني عن القول أن مثل هذه العلاقة التآمرية المباشرة لا وجود له. وحسب ما توافر لدينا من وثائق، ليست هناك هيئة مركزية عالمية تضم كل المحافل الماسونية. كما أن هناك يهوداً معادين للماسونية وماسونيين معادين لليهود واليهودية. ولكن ثمة علاقة بنيوية وفعلية بين الماسونيين وأعضاء الجماعات اليهودية تفسر انخراط اليهود بأعداد كبيرة في المحافل الماسونية يمكن إيجازها في النقاط الثلاث التالية: ١ ـ من المعروف أن الماسونيين معادون للكنيسة والكهنوت. وهذه نقطة لقاء بينهم وبين أعضاء الجماعات اليهودية الذين فقدوا إيمانهم الديني ـ وهم الآن أغلبية يهود العالم. ويتصور هؤلاء أن المجتمعات العلمانية تضمن لهم أمنهم وحقوقهم، ومن ثم ينخرطون بأعداد كبيرة في المحافل الماسونية. وهذه الظاهرة يمكن رصدها في أمريكا اللاتينية بينما يَصعُب رَصْدها في فرنسا وإنجلترا، على سبيل المثال، لأن الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية لا تزال الإطار المرجعي للمجتمع، ومن ثم تأخذ محاولات العلمنة شكلاً تنظيمياً محدداً مثل المحافل الماسونية. أما في إنجلترا وفرنسا، فإن العلمانية أصبحت الدين الرسمي للدولة، ومن ثم تفقد المحافل الماسونية قيمتها الوظيفية والرمزية. ٢ ـ تضم المحافل الماسونية أعداداً كبيرة من العناصر المالية والتجارية والمهنية. كما أن التركيب الوظيفي والمهني ليهود العالم يجعل أغلبيتهم الساحقة من هذه القطاعات، إذ لا يوجد بينهم عمال أو فلاحون، ومن ثم تزداد نسبتهم في المحافل الماسونية.

стр. 6356

٣ ـ الحركة الماسونية حركة أممية تتجاوز الولاءات القومية (كما أن إنسان عصر الاستنارة هو إنسان أممي) . وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية أعضاء في جماعات وظيفية وسيطة تقلل من الولاء للوطن وتجعل الولاء للجماعة الوظيفية أو المصالح المالية. كما أن فترة ظهور الماسونية هي أيضاً الفترة التي بدأ فيها يهود اليديشية في الهجرة بأعداد هائلة إلى كل أطراف العالم. والعناصر المهاجرة ليس لها ولاء قومي قوي. لكل هذا، نجحت المحافل الماسونية في اجتذاب بعض أعضاء الجماعات اليهودية فتزايدت معدلات العلمنة وضعف الانتماء القومي. ولعل في تَركُّز اليهود في القطاعات المالية والتجارية ما يفسر وجودهم بأعداد كبيرة في المحافل الماسونية. وحينما يربط المعادون لليهود بينهم وبين الحركة الماسونية، فإنهم محقون في ذلك تماماً إذ أن نسبة أعضاء الجماعات اليهودية في المحافل الماسونية عادةً ما تكون أعلى كثيراً من نسبتهم إلى عدد السكان. ولكن الخلل يبدأ حينما يطرحون تصوُّر وجود مؤامرة خفية، والأمر كله لا يعدو أن يكون ظاهرة اجتماعية. فالخلل ليس في الوصف وإنما في التفسير.

стр. 6357

وقد اشترك بعض أعضاء الجماعات اليهودية في تأسيس الحركة الماسونية في الولايات المتحدة، وثمة دلائل تشير إلى أنه كان يوجد أربعة يهود بين مؤسسي أول محفل ماسوني عام ١٧٣٤ في الولايات المتحدة (سافانا في ولاية جورجيا) . ولقد اتُبعَت الطقوس الماسونية في وضع حجر أساس المعبد اليهودي في تشارلستون (ساوث كارولينا) عام ١٧٩٣. واستمر وجود اليهود البارز في المحافل الماسونية في القرن التاسع عشر. وقد كتب محفل نيويورك إلى محفل برلين الأساسي يشكو من رفض المحافل الألمانية أن تقبل أعضاء المحافل الأمريكية في صفوفها لأنهم يهود. والواقع أن الماسونية الأمريكية، مثل كل المؤسسات الأمريكية، تتسم بأنها لم تعرف التمييز ضد اليهود أو غيرهم من الأقليات والطوائف البيضاء، وقد تبنت جماعة البناي بريت اليهودية عند تأسيسها بعض الطقوس الماسونية السرية، ولكنها أسقطتها بعد فترة. أما في فلسطين، فقد تأسست محافل ماسونية بين العرب (المسلمين والمسيحيين) والأجانب (المسيحيين واليهود) . وبعد إنشاء الدولة الصهيونية، بلغ عدد المحافل الماسونية أربعة وستين محفلاً سنة ١٩٧٠، تضم ثلاثة آلاف وخمسمائة عضو من اليهود والمسيحيين والمسلمين. وقد قامت بعض المحافل الماسونية العربية بنقد الصهيونية واشترك بعض القيادات الماسونية في المقاومة ضد الاستيطان الصهيوني. وعكس ذلك صحيح أيضا، إذ رفضت بعض المحافل الماسونية التصدي للصهيونية باعتبار هذا نوعاً من العمل السياسي. إفرايم هيرشفيلد (١٧٥٥-١٨٢٠ ( Ephraim Hirshfeld

стр. 6358

ألماني يهودي وماسوني وُلد باسم جوزيف هرشيل دار مستاد. درس الطب في ستراسبورج، كما تلقى تعليماً تقليدياً. عمل من ١٧٧٩ حتى ١٧٨١ معلماً في منزل ديفيد فرايدلاندر، وكان يتردد على منزل موسى مندلسون ويدور في أوساط المستثمرين الألمان. التقى عام ١٧٨٢ بمؤسس إحدى الحركات الماسونية ذات الاتجاه الثيوصوفي والتي كانت تضم في صفوفها رهباناً مسيحيين وبعض أعضاء الأرستقراطية. وكان دوبروشكا (أحد قيادات الحركة الفرانكية) من مؤسسي هذا المحفل، وقد أدخل في الأدبيات الماسونية بعض المقتطفات من الأدب الشبتاني. وكان المموِّل الألماني اليهودي هانز إيكر فون إيكهوفن من ضمن مؤسسي هذا المحفل. وقد فتح أبوابه أمام المموِّلين اليهود الآخرين الذين كانوا يودون الاندماج في المجتمع المسيحي. ومما له دلالته أن هذه الخطوة كانت تُعَدُّ ثورية، فقد كان كثير من الماسونيين حتى ذلك الوقت يعترضون على السماح لأعضاء الجماعات اليهودية بالانضمام إلى محافلهم. وقام بعضهم بشن الهجوم العنيف على هيرشفيلد. ولكنه نجح في نهاية الأمر في الانضمام بل أصبح سكرتيراً لإيكهوفن واتخذ اسم ماركوس بن بيناه. وبعد ذهاب دوبروشكا، احتل هيرشفيلد دوراً قيادياً في المحفل، ثم عاش في فيينا حتى عام ١٧٨٦ (حيث اتخذ اسم هيرشفيلد) ثم انتقل إلى شليسنج عام ١٧٩١ بعد أن أصبحت مقر التنظيم الماسوني الذي كان ينتمي إليه. وقد طُرد هيرشفيلد من التنظيم بسبب معركة نشبت بينه وبين إيكهوفن وقُبض عليه لعدة شهور ولكنه أُفرج عنه. عكف هيرشفيلد على ترجمة الأعمال الصوفية لهذا التنظيم حتى بدا أنها من أصل عبري أو آرامي.

стр. 6359

وبعد أن عاش فترة قصيرة في ستراسبورج مع صديقه دوبروشكا، قضى بقية حياته متنقلاً بين فرانكفورت ودافينباخ، واحتفظ بعلاقات وثيقة بأعضاء الحركة الفرانكية. وقد حاول هيرشفيلد أن يزاوج بين المسيحية واليهودية داخل إطار صوفي حلولي قبَّالي (وهو ما كانت تحاول الحركة الفرانكية إنجازه) . وقد نشر هو وأخوه تفسيراً ثيوصوفياً قبَّالياً للفقرات الأولى من سفر التكوين. وكان ينوي إصدار سلسلة متكاملة من التفسيرات الصوفية للعهد القديم. وتشير حياة هيرشفيلد إلى مدى الترابط والتداخل بين حركات مثل الفرانكية والماسونية والاستنارة. ولا يمكن إدراك هذه الوحدة إلا من خلال نموذج الحلولية حين يحل الخالق في المخلوق فتسقط الحدود ويصبح عقل الإنسان (أو رغباته أو أحلامه أو رؤاه) المعيار الوحيد. وتُبيِّن سيرته الفكرية أيضاً أن الحلولية الكمونية هي الإطار الذي تلتقي فيه المسيحية باليهودية ويتحللان ليصبحا نسقاً واحداً يُسمَّى الآن «التراث اليهودي المسيحي» وهو في واقع الأمر ليس يهودياً ولا مسيحياً. البهائية Bahaism «البهائية» عقيدة جديدة دعا إليها ميرزا حسين علي نوري (١٨١٧ ـ ١٨٩٢) الذي كان يُلقَّب بـ «بهاء الله» . وتعود جذور هذه العقيدة إلى البابية التي أُسِّست عام ١٨٤٤ على يد ميرزا على محمد الشيرازي الذي نشأ في وسط باطني متصوف وأعلن أنه الباب (الطريق إلى الله) . وذهبت البابية إلى أن ثمة نبياً أو رسولاً جديداً سيرسله الله. وكانت البهائية في بداية أمرها شكلاً متطرفاً من أشكال العقيدة في الفرقة الإسماعيلية، ومن عقيدة الإمام الخفي الذي سيظهر ليجدد العقيدة ويقود المؤمنين.

стр. 6360

وقد انتشرت البابية رغم تنفيذ حكم الإعدام في الباب عام ١٨٥٠ وقَتْل ما يزيد على عشرين ألفاً من أتباعه. وقد قام البابيون بمحاولة اغتيال الشاه، فنُفى قائدهم آنذاك ميرزا حسين علي إلى بغداد عام ١٨٥٣. وفي عام ١٨٦٣، أعلن ميرزا أنه رسول الله الذي تنبأ به الباب، وأعلن عن رسالته بخطابات أرسلها إلى حكام كل من: إيران وتركيا وروسيا وبروسيا والنمسا وإنجلترا. واعترف به أغلبية البابيين الذي أصبحوا يُسمَّون «البهائيين» . ونُفي ميرزا حسين إلى عكا في فلسطين، وتُوفي عام ١٨٩٢ حيث تحوَّل قبره في بهجي (أي الحديقة بالفارسية) إلى أقدس مزارات البهائيين. وقد خَلَفه في قيادة الجماعة البهائية أكبر أبنائه عباس أفندي الذي سُمِّي عبد البهاء (١٨٤٤ ـ ١٩٢١) والذي أصبح كذلك المفسِّر المعتمد لتعاليمه. وقد سافر عبد البهاء إلى عدة بلاد لينشر تعاليم الدين الجديد من عام ١٩١٠ إلى عام ١٩١٣. وعيَّن أكبر أحفاده شوجي أفندي رباني (١٨٩٦ ـ ١٩٥٧) خليفةً له ومفسراً لتعاليمه. وقد انتشرت تعاليم البهائية في أنحاء العالم. وكتب البهائية المقدَّسة هي كتابات بهاء الله التي كُتبت بالعربية والفارسية، مضافاً إليها التفسيرات التي وضعها عبد البهاء وشوجي أفندي. وتتضمن هذه الكتابات التي تزيد على المائة منها الكتاب الأقدس الذي يحوي كل مفاهيم مذهبه وكل تشريعاته، وكتاب الإيقان، وهو دراسة عن طبيعة الخالق والدين ومجموعة الألواح المباركة، وكتاب الإشراقات والبشارات، وكتاب الأساس الأعظم، وله قصيدة أسماها ورقائية.

стр. 6361

وجوهر البهائية هو الإيمان بالحلول الكامل أو بوحدة الوجود أي توحد الخالق مع مخلوقاته. فالخالق جوهر واحد ليس له أسماء ولا صفات يمكن أن تصفه ولا أفعال، ولا يمكن الوصول إليه (ولا توجد أدلة على وجوده أو غيابه مثل الإله الخفي في الفكر القبَّالي أو الباطني الغنوصي) ، وهو إلى حدٍّ ما يشبه القوانين الطبيعية غير الشخصية التي لا علاقة لها بالأنساق الأخلاقية (كما هو الحال مع مفهوم الإله عند إسبينوزا) . والخالق واحد ليس له شريك في القوة والقدرة وهو الذي خلق الكون. ولكن هذا الكون ليس شيئاً آخر سوى تجلٍّ للخالق، بل إنه هو ذاته الخالق (أي أن الخالق ومخلوقاته مادة واحدة لا تنفصل ولا تتجزأ) . وقد لُخِّصت هذه الحلولية في القول البهائي الذي يُنسَب إلى الخالق: «الحق يا مخلوقاتي أنكم أنا» . والبهائية، في هذا، لا تختلف كثيراً عن غلاة المتصوفة والباطنية، ولا عن الفكر القبَّالي أو الغنوصي، حيث لا توجد أية مسافة أو ثغرة بين الخالق والمخلوق، بل ثمة اتحاد وحلول واحدية (على خلاف التصور الإسلامي للخالق الذي يرى أن الله قريب من عباده ولكنه ليس كمثله شيء، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ولكنه لا يجري في عروقنا ولا تدركه الأبصار) .

стр. 6362

ولكن، إذا كان الخالق هو مخلوقاته، فالحقيقة الدينية تصبح حقيقة نسبية وليست مطلقة لأن كل الأشياء يحل فيها الخالق وتلفحها لفحة من القداسة. والحقيقة تعبر عن نفسها من خلال الزمان وداخله، ولا يختلف تجلِّي الرب في أي شيء عن تجليه في أي شيء آخر. فتصبح كل الأمور مقدَّسة، ومن ثم تصبح كل الأمور متساوية. وفي نهاية الأمر، تصبح كل الأمور نسبية، أي أن المطلق المتجاوز يختفي في لحظة التحام الخالق بالمخلوق. وقد شاء الخالق (وإن كان يصعب في هذا السياق أن نتحدث عن «مشيئة الخالق» فهو لا يتجاوز مخلوقاته) أن يتجلى من خلال رسله، مثل: براهما، وبوذا، وزرادشت، وكونفوشيوس، وإبراهيم، وموسى وعيسى، ومحمد ﵊ ، وتضم القائمة الباب ثم بهاء الله الذي تظهر من خلاله صفات الخالق بشكل أوضح وأجلى مما كانت عليه. بل إنه داخل الإطار الحلولي يكون بهاء الله هو ذاته الخالق، ومن ثم وَجَّه البهائيون سهام نقدهم إلى الفكرة الإسلامية الخاصة بأن محمداً ﷺ خاتم المرسلين، ففي رأيهم أن كل عصر يحتاج إلى تجلٍّ إلهي. وثمة تَشابُه عميق هنا بين بنية البهائية وبنية اليهودية الحاخامية، فكلتاهما تؤكد استمرار الوحي الإلهي في التاريخ الإنساني أو استمرار الحلول الإلهي (في الحاخامات حسب النسق اليهودي، وفي بهاء الله حسب النسق البهائي) . وهو تَشابُه سنلاحظه في جوانب أخرى من النسقين الدينيين. كما يُلاحَظ أن هذا التشابه يزداد عمقاً بين البهائية والقبَّالاه. ومن المنظور البهائي، فإن جوهر كل الأديان واحد. ومع هذا، فإن كل دين له سماته الخاصة التي تجيب حاجة كل زمان ومكان وتتفق مع المستوى الحضاري السائد. وحيث إن الخالق يكشف عن نفسه بشكل تدريجي، فإن كل دين سيحل محله دين آخر، ومن ذلك العقيدة البهائية نفسها، ولكن ذلك لن يتم قبل ألف عام.

стр. 6363

ولكن مهمة الأديان في هذا السياق هي خلق وحدة شاملة بين البشر تزداد اتساعاً مع مرور الزمن. فإبراهيم قام بتوحيد قبيلة، وموسى قام بتوحيد شعب، ومحمد ﵊ قام بتوحيد أمة، أما المسيح فكان هدفه تطهير الأرواح وتحقيق قداسة الفرد، وقد تحققت بالفعل مهمة كل تجلٍّ إلهي. ولكن هذا لا يكفي إذ أن الحضارة ـ في هذا التصور ـ وصلت إلى مرحلة أصبحت معها وحدة الإنسان (وبالتالي وحدة الأديان) مسألة ضرورية. وهذه مهمة بهاء الله الذي ستتحقق على يديه وحدة الأديان وقداسة البشرية بأجمعها. وخالق العالم قد خَلَق الإنسان من خلال حبه له، والإنسان أنبل المخلوقات جميعاً خلقه الإله ليعرفه ويعبده. وهذا أمر يصعب فهمه في إطار حلولي، فالخالق هو المخلوق. ومن ثم، إذا عبد المخلوق الخالق فإنه يعبد نفسه أو يعبد قوة خفية لا يمكن الوصول إليها تشبه قوانين الطبيعة. وثمة تذبذب حاد ومتطرف هنا، بين الذاتية المتطرفة والموضوعية المتطرفة، يسم كل الأنساق الحلولية. ففي اليهودية نجد أن الشعب يتوحد تماماً مع الخالق، ومن ثم تصبح إرادة الشعب من إرادة الخالق. بل إن الخالق يحتاج إلى الشعب لتكامله. ولكن هذا الشعب لا إرادة له لأنه أداة في يد الخالق.

стр. 6364

ويميِّز البهائيون بين خمسة أنواع من الأرواح: الحيوانية، والنباتية، والبشرية، وكلها أرواح زائلة فانية (ولذا يذهب بعض دارسي البهائية إلى القول بأنها لا تؤمن بخلود الروح) ، وروح الإيمان (وهي وحدها التي تمنح الروح البشرية الخلود) ، ثم أخيراً الروح القدس (وهي منطقة الحلول الكامل ووحدة الوجود حيث يصبح الخالق مخلوقاً والمخلوق خالقاً) ، والواقع أن هذه الهرمية لا تختلف كثيراً عن هرمية المنظومتين الغنوصية والقبَّالية. ويبدو أن الروح البشرية، كالخالق، ليست لها حدود واضحة، إذ أن هذه الروح بعد أن تنفصل عن الجسد قد تحل في شخص آخر وتأخذ شكلاً آخر من الوجود. وفكرة تناسخ الأرواح سمة أساسية في مختلف الأنساق الحلولية التي تنكر حدود الفرد وتنكر المسئولية الخلقية، تماماً كما هو الحال في القبَّالاه.

стр. 6365

ولا يؤمن البهائيون بالجنة والنار، فهما مجرد رموز لعلاقة الروح بالخالق ليس إلا، فالقرب من الخالق هو الجنة والبُعد عنه هو النار التي تؤدي إلى الفناء الكامل للروح. لكن الإيمان في تصورهم هو الذي يضمن (كما أسلفنا) الخلود، والخلود يعني استمرار الرحلة نحو جوهر الخالق الخفي للاتحاد به. وفي داخل هذا النسق الحلولي، لا يمكن أن يكون هناك مجال للثواب أو العقاب أو البعث. ولا يوجد في البهائية كهنة أو قرابين، فهم يشكلون ما يمكن تسميته بالثيوقراطية الديموقراطية التي تتمثل في هيئتين حاكمتين: إحداهما إدارية والأخرى تعليمية. أما الهيئة الإدارية، فتتكون من المجالس الروحية القومية، وأما المجالس المحلية فتتكون من تسعة أشخاص (التي يمكن تأسيسها أينما وُجد تسعة بهائيين) ، وبيت العدل العمومي (وهو الهيئة العليا ولها سلطة تغيير كل القوانين حينما تدعو إلى ذلك التغيرات الدنيوية، فيمكنها أن تلغي القوانين التي وردت في الكتاب الأقدس وأن تصوغ قوانين جديدة لم ترد فيه) ، ثم هناك الهيئة التعليمية (وهي الأخرى مُكوَّنة من بناء هرمي من المجالس والقادة) . ويتم انتخاب أعضاء المجالس الإدارية عن طريق الأعضاء. ويُعتبَر الانتخاب شكلاً من أشكال العبادة، وما الناخب سوى أداة الخالق، ومن ثم لا يكون العضو المنتخب مسئولاً أمام ناخبيه.

стр. 6366

ويصلي البهائيون يومياً (قبلتهم القدس) . وبرغم أنه يُفتَرض عدم وجود أماكن عامة للعبادة، فإن الكتاب الأقدس قد أوصى بتشييد معابد تُسمَّى «مشرق الأذكار» ، وهو بناء من تسعة جوانب عليه قبة مُكوَّنة من تسعة أقسام وهي مفتوحة لكل أعضاء الديانات الأخرى. ويصوم البهائيون شهراً بهائياً (١٩ يوماً) كصيام المسلمين (ينتهي بعيد النيروز) ولا يشربون المشروبات الروحية ويجتمعون في بداية كل شهر بهائي. ولهم قوانين خاصة بالميراث، فالمُعلِّم يرث جزءاً من ثروة البهائي ويتساوى الرجل بالمرأة في كل شيء. وقد جعلوا الحج إلى مقام بهاء الله في عكا. والتقويم البهائي يتكون من تسعة عشر شهراً، والشهر يتكون من تسعة عشر يوماً، ويبدأ العام البهائي في ٢١ مارس أول أيام الربيع. ومن ناحية أخرى، فإن التقويم البهائي يشبه التقويم الفارسي. ويحتل الرقم ١٩ مكانة خاصة في الفكر البهائي. والبهائية، في هذا، تشبه تراث القبَّالاه والجماتريا الذي رَكَّز على القيمة العددية للحروف، فتُحسَب القيمة الرقمية للكلمات وتُستخلَص منها النتائج التي يريد أن يصل إليها المفسر (وهذه سمة متكررة أيضاً في الأنساق الحلولية التي تدرك الكون من خلال نسق هندسي حتمي) . فيقول البهائيون إن عدد حروف البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) ١٩، وأن كلمة (واحد) قيمتها العددية ١٩ (و = ٦، الألف = ١، ح = ٨، د = ٤) . ويستخرج البهائيون من الرقم ١٩ براهين ودلائل على أشياء عديدة.

стр. 6367

ويصعب حساب عدد البهائيين في العالم، ويُقال إنه يتراوح بين مليون ونصف ومليونين، وكان يوجد عام ١٩٨٥ نحو١٤٣ مجلساً روحياً قومياً يتبعها ٢٧.٨٨٦ مجلساً محلياً في ٣٤٠ بلدة مختلفة. وترجمت تعاليم البهائية إلى أكثر من ٧٠٠ لغة. وفي هذه الأيام، تحقق العقيدة البهائية انتشاراً سريعاً في أفريقيا والهند وفيتنام حيث يصل عدد البهائيين إلى مئات الألوف. ويتحول عدد كبير من الهنود وسكان أمريكا اللاتينية الأصليين إلى البهائية. ففي بيرو وبوليفيا، على سبيل المثال، توجد قرى بأكملها بهائية، وقد اعتنق ملك سموا Samoa العقيدة البهائية. ويمكن تفسير انتشار البهائية باعتباره تعبيراً عن ضعف كثير من الأطر الدينية التقليدية، وتعبيراً عن تزايد معدلات العلمانية، إذ تؤدي هذه العملية إلى أن قطاعات كبيرة من المجتمع تفقد الإيمان بعقيدتها التقليدية، ولكنها لا يمكنها التخلي عن الدين تماماً أو عن فكرة الخالق. والواقع أن رغبتهم العامة في الإيمان تُشبعها هذه العقيدة التي تستخدم الخطاب الديني دون إشارة إلى عقيدة محددة أو طقوس محددة، وهو عادةً خطاب حلولي واحدي يمحو كل الثنائيات وأشكال التنوع إذ يتم اختزال الواقع إلى مستوى واحد ويتم رده إلى مبدأ واحد، وهو الإله الحال الذي لا يختلف عن قوانين المادة الكامنة فيها، ومن ثم فهو خطاب ديني اسماً ولكنه مادي فعلاًً إذ أن الخالق يصبح مخلوقاته أو يصبح قوة عامة مجردة غير شخصية مثل قوانين الطبيعة وفكرة التقدم. والبهائية، في هذا، تشبه الربوبية والماسونية واليهودية التجديدية. وعند نشوب الثورة الإسلامية في إيران، كان يوجد ٣٠٠ ألف بهائي في إيران يشكلون جماعة وظيفية وسيطة تشتغل بالتجارة والمال والأمن، واستفاد نظام الشاه من وجودهم. وقد تعاون البهائيون مع الإسرائيليين، وكانوا يديرون مؤسسة الأمن في إيران، كما كانت لهم أنشطة أخرى. وقد حُرِّم نشاطهم بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران.

стр. 6368

وفيما يتعلق بعلاقة البهائية بالعقيدة والجماعات اليهودية، فقد بيَّنا أن ثمة تماثلاً بنيوياً بين البهائية واليهودية في جانبها الحلولي. ولعل هذا هو السر في أن البهائية تجتذب كثيراً من اليهود الذين يعتنقون العقيدة البهائية. ففي إيران، مَهْد العقيدة، تَبنَّى كثير من أعضاء الجماعة اليهودية البهائية، وهو ما جعل الحاخامات يحاربون ضدها بشراسة. ولا يزال هذا موقف اليهودية الأرثوذكسية منها. ويُلاحَظ أن يهود الولايات المتحدة في الوقت الحالي يتجهون أيضاً إلى الماسونية والعبادات الجديدة والعقائد الغنوصية بأعداد كبيرة، وإن كانت الإحصاءات الدقيقة غير متوافرة. ومع هذا، فمن المعروف أن البهائية أصبح لها أتباع كثيرون في منطقة كاليفورنيا المعروفة بوجود كثافة يهودية عالية فيها. والأمر ليس مؤامرة بهائية ضد اليهودية، وإنما هو تشابك بين نسقين عقيديين يستجيبان للاحتياجات نفسها ويجيبان عن الأسئلة نفسها بالطريقة السهلة نفسها. ومما يُسهِّل عملية اعتناق اليهود للبهائية أن ثمة تعاطفاً يسري في العقيدة البهائية نحو اليهودية والدولة الصهيونية. فقد كان عباس أفندي يرى أن الخلاص مرتبط بعودة اليهود إلى أرض الميعاد، ولكنه كان يرى أيضاً أن النجاح الذي بدأ اليهود في فلسطين يحققونه في عهده دليل على عظمة بهاء الله وعلى عظمة دورته الإلهية، وفي كتاب المفاوضات ورد ما يلي: "أنت تلاحظ وترى أن طوائف اليهود يأتون إلى الأرض المقدَّسة من أطراف العالم، ويمتلكون القرى والأراضي ويسكنون ويزدادون يوماً بعد يوم حتى تصبح جميع أراضي فلسطين سكناً لهؤلاء". وهو بذلك قد أخذ العقيدة الألفية البروتستانتية وأعطاها بعداً بهائياً.

стр. 6369

وفي ٣٠ يونيه ١٩٤٨، كتب أشوجي أفندي رباني، زعيم الحركة البهائية آنئذ، إلى بن جوريون يعبِّر له عن أطيب تمنياته من أجل رفاهية الدولة الجديدة مشيراً إلى أهمية تَجمُّع اليهود في «مهد عقيدتهم» . ومن المعروف أن مركز البهائية هو «بيت العدل» الذي أُعدت له بناية ضخمة في حيفا على جبل الكرمل في أبريل ١٩٨٣، والذي يديره تسعة بهائيين يتم انتخابهم. وقامت الجماعة البهائية بإعداد قصر ضخم في حيفا حتى يكون مزاراً لكل بهائيي العالم. ولكن هذا لا يعني بتاتاً أن كل البهائيين يؤيدون الصهيونية وإسرائيل. فالجماعات البهائية تدين بالعقيدة نفسها، ولكن اتجاهاتها السياسية تختلف باختلاف الظروف الاجتماعية والتاريخية. وما ينطبق على البهائية ينطبق على كل الأديان، فيوجد مثلاً مسيحيون صهيونيون في أوربا يؤيدون إسرائيل، وترى بعض الفرق المسيحية الصهيونية في أمريكا أن الخلاص مرتبط بعودة اليهود إلى صهيون. ويجدر بنا أن نذكر هنا أن البهائيين العرب يؤكدون أنهم يدينون بالولاء إلى وطنهم العربي وحسب، وقد يكون في هذا بعض الصدق، أو لعله من باب التقية (أي الإيمان بشيء وإظهار شيء آخر) . والباب مازال مفتوحاً لاجتهاد المجتهدين. الموحدانية Unitarianism «الموحدانية» عقيدة مسيحية تنكر عقيدة التثليث ولاهوت المسيح (أي كونه إلهاً أو ابن الإله) ، وهي نتاج حركة الاستنارة والعقلانية. ويمكن القول بأنها شكل من أشكال الربوبية، أي صيغة شبه علمانية للمسيحية، ولذا فإن أتباع هذه العقيدة لا يعتبرونها عقيدة وإنما مجرد أسلوب في الحياة!

стр. 6370

وعقيدة الموحدانية نتاج بعض التيارات داخل المسيحية نفسها. وأولى هذه العقائد الإيمان بأن سقوط الإنسان لم يكن كاملاً وأنه يحوي داخله عناصر من الخير، ومن ثم فهو قادر على العمل من أجل الخلاص والوصول إليه من خلال جهده وأعماله الخيرة. وقد حارب القديس أوغسطين ضد بيلاجيوس، الراهب البريطاني (المُتوفي عام ٤٢٠م) الذي ركز اهتمامه على إمكانيات الخير الكامنة داخل النفس البشرية وفي إمكانية خلاص الفرد المسيحي. أما العنصر الثاني فهو رفض التثليث، كما فعل الراهب الإسباني سيرفيتوس الذي لم يرفض عقائد التثليث وحسب بل رفض مقولة الحمل بلا دنس، وأكد أن عقيدة التثليث لا أساس لها في الكتاب المقدَّس وأن الآباء الأوائل لا يعرفون هذه التمييزات وأن مصدرها هو السوفسطائيون اليونان. ومثل هذه الأفكار شجعهتا حركة الاستنارة التي هاجم مفكروها فكرة التثليث وأكدوا أن الإنسان (لأنه كائن طبيعي) لا يحوي داخله شراً، فهو خيِّر بطبيعته. وقد كانت عقيدة الموحدانية في بدايتها حركة دينية عقلانية جافة، ويمكن تلخيص مبادئها الأساسية فيما يلي: ١ ـ يؤكد الموحدانيون أُبَّوة الإله بدلاً من مقدرته، فالإله أب لكل البشر. وهو يكاد يكون مبدأ عاماً مجرداً كامناً في الطبيعة والإنسان غير مفارق لهما، أي أن الموحدانية تدور في إطار الواحدية الكونية. ٢ ـ ينكر الموحدانيون التثليث ولاهوت (ألوهية) المسيح (مقابل الناسوت) ، فالمسيح ليس ابن الإله وإنما هو بشر، مجرد قائد عظيم، وصَلْبه هو الثمن الذي يدفعه أي قائد عظيم دفاعاً عن مُثُله. ٣ ـ الكتاب المقدَّس كتاب كتبه بشر ومن ثم فهو ليس كتاباً معصوماً ولا يُقرأ باعتباره كتاباً مقدَّساً وإنما باعتباره كتاب موعظة.

стр. 6371

٤ ـ خَلَق الإله الإنسان في صورته، ولذا فإن الإنسان يشارك في الخير الإلهي. ولا توجد خطيئة عميقة ولا توجد خطيئة أولى، بل إن الخطيئة هي خطأ أخلاقي ضد البشر وليست خطيئة ضد الإله. ولا يوجد شر مطلق أو خلاص مطلق وإنما يوجد بشر يتطورون يحققون الخلاص بالتدريج من خلال أعمالهم وشخصياتهم، يبدأ تطورهم مع ميلادهم ولا يتوقف بعد موتهم. وفكرة التطور اللانهائي لكل البشر فكرة أساسية في عقيدة الموحدانيين. وقد آمن الموحدانيون بأخوة كل البشر ومساواتهم الكاملة. ٥ ـ القوة الأخلاقية العظمى في العالم هي المثل الذي يضربه عظماء الرجال: المسيح مثلاً. ولذا، لا توجد حاجة إلى كنيسة تحتكر طرق الخلاص. فالكنيسة إن هي إلا مجموعة من المؤسسات الاجتماعية لا توجد وراءها كنيسة روحية، كما يدَّعي اللاهوت المسيحي في إحدى صوره. كما لا توجد حاجة إلى الشعائر التي تربط هذا العالم بالعالم الآخر. ولذا، فإن شعائر التعميد وعشاء الإله هي مجرد طقوس تُذكِّر الإنسان بما حدث في حياة المسيح دون تحولات أو أسرار. ولذا، قامت بعض الكنائس المواحدانية بإلغاء كل هذه الشعائر لأنها تُذكِّر المرء بالمفاهيم اللاهوتية.

стр. 6372

وقد صنَّف الكالفنيون عقيدة الموحدانيين باعتبارها ليست مسيحية، وهم محقُّون تماماً في ذلك إذ أنها عقيدة أنكرت كثيراً من العقائد المسيحية الأساسية، بل يمكن القول بأنها عقيدة شبه علمانية أو تكاد تقترب من العبادات الجديدة، إذ لا توجد فيها فكرة الإله المفارق المتجاوز للإنسان والطبيعة. فالإله قد حل في مخلوقاته وتوحَّد معها وشحُب تماماً وتحوَّل إلى ما يشبه مبادئ الطبيعة والضرورة التي لا شخصية ولا وعي لها، وأصبحت كل الأمور متساوية ونسبية (وقد لخص أحد المفكرين المسيحيين موقف الموحدانيين من الإله بقوله إنهم يؤمنون «بأنه يوجد إله واحد على الأكثر» ، وأنهم «يصلون لمن يهمه الأمر» ) . ويمكن القول بأن فكرة الإله الواحد المتجاوز يمكن أن تختفي عن طريقين: أن يزداد الإله (المبدأ الواحد) في حلوله واقترابه حتى يتحول الحلول والكمون إلى وحدة وجود روحية ثم مادية، حيث يتعرف المخلوق إلى الخالق في مخلوقاته وحسب، وهذا هو النمط الأكثر شيوعاً. ولكن هناك نمطاً آخر وهو أن الإله (المبدأ الواحد) هذه القوة اللامتعينة الدافعة للمادة، الكامنة فيها التي تضبط جوهرها، تزداد تجريداً ومفارقة للمخلوقات. وهنا يظهر في البداية إله كالفن الذي لا يُسبَر له غور، والذي يُختار دون منطق واضح. وتزداد درجة التجريد والمفارقة إلى أن تصل حد التعطيل ويصبح الإله مفارقاً تماماً لا علاقة لنا به (إله الغنوصيين مثلاً) ، أي أن الكالفينية نفسها إن هي إلا حلقة أولى تؤدي إلى الموحدانية (هذا على عكس الفكر التوحيدي الحقيقي حيث يوجد الإله القريب البعيد: ليس كمثله شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد (.

стр. 6373

وقد اعتنق هذه العقيدة كثير من أعضاء الشرائح العليا للطبقات الوسطى، وخصوصاً العناصر المحافظة والثرية، وأصبحت معظم كنائس بوسطن تؤمن بالعقيدة الموحدانية هذه. فقد أعفتهم الكنيسة من القيام بأية شعائر وأنهت عملية البحث المضنية داخل الذات الآثمة والمحاولة الذاتية للتأكد من إشارات الخلاص وهما عملية ومحاولة اتسمت بهما العقيدة الكالفنية التي سادت بين المستوطنين البيض الذين سُمُّوا «البيوريتان» ، أي المتطهرين، إذ أكدت الموحدانية للذات الإنسانية أن الخلاص متيسر وأن النعمة حلت. كما أن الإيمان بالتطور المستمر قد أعطى إحساساً إمبريالياً عميقاً لتجار بوسطن، إذ كان هذا يعني أن بوسعهم التحرك بصورة دائمة وغزو العالم بشكل مستمر وأن بوسعهم أيضاً أن يراكموا الثروة أبداً ويقدموا الشكر لله على النعمة الإلهية والاختيار. والكنيسة الموحدانية، كما أسلفنا، تعبير عن حلولية مرحلة وحدة الوجود، ولكنها كانت ذات طابع عقلاني جاد وجاف (وكادت العبادة تكون مثل البحث العلمي والبحث الصارم عن البراهين) . ولذا، قام وليام أليري تشانينج بإدخال عنصر من العاطفة فانتقل بالعبادة من النموذج الآلي العقلاني الجاف إلى النموذج العضوي العاطفي، إذ قرَّر أن الإله محب للبشر يملك العالم بأسره، كما قرَّر أن وجود (حلول) هذا الإله في كل البشر والطبيعة يجعلهم مقدَّسين وأن العبادة الحقيقية للإله تكمن في إظهار حسن النية للبشر، أي أن الإله قد شحُب تماماً ثم اختفى.

стр. 6374

وحركة الحضارة الأخلاقية تشبه الموحدانية اليهودية التجديدية في كثير من النواحي، ويُلاحَظ أن كثيراً من اليهود، وخصوصاً من أعضاء الشرائح العليا من الطبقة الوسطى الذين يودون تحقيق الانتماء الكامل للمجتمع الأمريكي، ينضمون لهذه الكنيسة (تماماً مثلما تنضم أعداد أخرى من اليهود للحركة الماسونية والعبادات الجديدة) . وقد أصبح هذا أمراً ميسوراً بشكل أكبر بعد أن «تطورت» الكنائس الموحدانية وتحولت شعائرها إلى أي شيء يقرره أعضاء الكنيسة، فيمكنهم لإقامة الشعائر الموحدانية أن يحضروا قصائد شعرية يقرأونها، وبوسعهم أن يلعبوا أية لعبة تحلو لهم (ومن ذلك حل الكلمات المتقاطعة) تعبيراً عن إيمانهم الديني! وقد أوردت الصحف الأمريكية مؤخراً أن إحدى العاملات في مقهى ليلي أرادت أن تؤدي صلاتها الموحدانية بالطريقة التي تروق لها وتعبِّر عن ذاتها الحقيقية، فوجدت أن الطريقة المثلى هي خَلْع ملابسها أمام المصلين كما تفعل في محل عملها بحكم وظيفتها. وقد قَبل راعي الكنيسة ذلك وإن كان قد علَّق على هذا الحدث بأن صلاتها كانت غير تقليدية بعض الشيء، ولكنه حضر الصلاة الراقصة من أولها إلى آخرها. ويبلغ عدد المواحدانيين حوالي ١٠٠.٠٠٠ ويبدو أن كثيراً من أعضاء النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة من الموحدانيين. جماعة الحضارة الأخلاقية Society for Ethical Culure

стр. 6375

جماعة أسسها فليكس أدلر عام ١٨٧٦ اجتذبت عدداً لا بأس به من المثقفين الأمريكيين (وخصوصاً اليهود) الذين كانوا قد بدأوا يرفضون كثيراً من الشعائر والعقائد الدينية اليهودية ولكن لم يكن بوسعهم بعد التخلي عن العقيدة الدينية تماماً، ولذا كانت الجمعية بنزعتها الربوبية مناسبة تماماً لهم. وتنطلق الجمعية من الإيمان بوجود إنسانية عامة وبضرورة دراسة ما سمته «الحق» وتطوره في كل مجالات السلوك. وقد اهتمت الجمعية بالجانب التربوي، فأسست حضانة للأطفال استخدمت وسائل تقدمية في التربية. كما أن الجمعية ركزت نشاطها على الجهود الاجتماعية مثل الكفاح ضد الفساد في الحكومة ومحاولة إصلاح المساكن. ورغم عدم أصالة فكر أدلر، إلا أن أهميته تكمن في أنه يعطينا فرصة لرؤية كيفية علمنة العقيدة اليهودية من الداخل، وكيف تتحول من عقيدة تؤمن بالإله المتجاوز إلى عقيدة يتوارى فيها الإله تدريجياً (اليهودية الإصلاحية التي كان يؤمن بها والده) إلى عقيدة ربوبية دون إله (الحضارة الأخلاقية) إلى عقيدة دون إله ودون مطلقات ودون أخلاق (الصهيونية) إلي عقيدة عدمية مدمرة (لاهوت موت الإله) . وبطبيعة الحال، يمكن اعتبار أدلر يهودياً ويمكن تصنيف فكره وجماعة الحضارة الأخلاقية على أنه من العبادات الجديدة. فليكس أدلر (١٨٥١-١٩٣٣ ( Felix Adler فيلسوف يهودي أمريكي وتربوي ومؤسس حركة الحضارة الأخلاقية. وُلد في ألمانيا وهاجر إلى نيويورك وهو بعد في السادسة حينما عُيِّن أبوه، أحد رواد اليهودية الإصلاحية، حاخاماً لمعبد إيمانو ـ ريل الإصلاحي.
следующие страницы →