Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
٤ ـ خَلَق الإله الإنسان في صورته، ولذا فإن الإنسان يشارك في الخير الإلهي. ولا توجد خطيئة عميقة ولا توجد خطيئة أولى، بل إن الخطيئة هي خطأ أخلاقي ضد البشر وليست خطيئة ضد الإله. ولا يوجد شر مطلق أو خلاص مطلق وإنما يوجد بشر يتطورون يحققون الخلاص بالتدريج من خلال أعمالهم وشخصياتهم، يبدأ تطورهم مع ميلادهم ولا يتوقف بعد موتهم. وفكرة التطور اللانهائي لكل البشر فكرة أساسية في عقيدة الموحدانيين. وقد آمن الموحدانيون بأخوة كل البشر ومساواتهم الكاملة.
٥ ـ القوة الأخلاقية العظمى في العالم هي المثل الذي يضربه عظماء الرجال: المسيح مثلاً. ولذا، لا توجد حاجة إلى كنيسة تحتكر طرق الخلاص. فالكنيسة إن هي إلا مجموعة من المؤسسات الاجتماعية لا توجد وراءها كنيسة روحية، كما يدَّعي اللاهوت المسيحي في إحدى صوره. كما لا توجد حاجة إلى الشعائر التي تربط هذا العالم بالعالم الآخر. ولذا، فإن شعائر التعميد وعشاء الإله هي مجرد طقوس تُذكِّر الإنسان بما حدث في حياة المسيح دون تحولات أو أسرار. ولذا، قامت بعض الكنائس المواحدانية بإلغاء كل هذه الشعائر لأنها تُذكِّر المرء بالمفاهيم اللاهوتية.
стр. 6372
وقد صنَّف الكالفنيون عقيدة الموحدانيين باعتبارها ليست مسيحية، وهم محقُّون تماماً في ذلك إذ أنها عقيدة أنكرت كثيراً من العقائد المسيحية الأساسية، بل يمكن القول بأنها عقيدة شبه علمانية أو تكاد تقترب من العبادات الجديدة، إذ لا توجد فيها فكرة الإله المفارق المتجاوز للإنسان والطبيعة. فالإله قد حل في مخلوقاته وتوحَّد معها وشحُب تماماً وتحوَّل إلى ما يشبه مبادئ الطبيعة والضرورة التي لا شخصية ولا وعي لها، وأصبحت كل الأمور متساوية ونسبية (وقد لخص أحد المفكرين المسيحيين موقف الموحدانيين من الإله بقوله إنهم يؤمنون «بأنه يوجد إله واحد على الأكثر» ، وأنهم «يصلون لمن يهمه الأمر» ) . ويمكن القول بأن فكرة الإله الواحد المتجاوز يمكن أن تختفي عن طريقين: أن يزداد الإله (المبدأ الواحد) في حلوله واقترابه حتى يتحول الحلول والكمون إلى وحدة وجود روحية ثم مادية، حيث يتعرف المخلوق إلى الخالق في مخلوقاته وحسب، وهذا هو النمط الأكثر شيوعاً. ولكن هناك نمطاً آخر وهو أن الإله (المبدأ الواحد) هذه القوة اللامتعينة الدافعة للمادة، الكامنة فيها التي تضبط جوهرها، تزداد تجريداً ومفارقة للمخلوقات. وهنا يظهر في البداية إله كالفن الذي لا يُسبَر له غور، والذي يُختار دون منطق واضح. وتزداد درجة التجريد والمفارقة إلى أن تصل حد التعطيل ويصبح الإله مفارقاً تماماً لا علاقة لنا به (إله الغنوصيين مثلاً) ، أي أن الكالفينية نفسها إن هي إلا حلقة أولى تؤدي إلى الموحدانية (هذا على عكس الفكر التوحيدي الحقيقي حيث يوجد الإله القريب البعيد: ليس كمثله شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد (.
стр. 6373
وقد اعتنق هذه العقيدة كثير من أعضاء الشرائح العليا للطبقات الوسطى، وخصوصاً العناصر المحافظة والثرية، وأصبحت معظم كنائس بوسطن تؤمن بالعقيدة الموحدانية هذه. فقد أعفتهم الكنيسة من القيام بأية شعائر وأنهت عملية البحث المضنية داخل الذات الآثمة والمحاولة الذاتية للتأكد من إشارات الخلاص وهما عملية ومحاولة اتسمت بهما العقيدة الكالفنية التي سادت بين المستوطنين البيض الذين سُمُّوا «البيوريتان» ، أي المتطهرين، إذ أكدت الموحدانية للذات الإنسانية أن الخلاص متيسر وأن النعمة حلت. كما أن الإيمان بالتطور المستمر قد أعطى إحساساً إمبريالياً عميقاً لتجار بوسطن، إذ كان هذا يعني أن بوسعهم التحرك بصورة دائمة وغزو العالم بشكل مستمر وأن بوسعهم أيضاً أن يراكموا الثروة أبداً ويقدموا الشكر لله على النعمة الإلهية والاختيار.
والكنيسة الموحدانية، كما أسلفنا، تعبير عن حلولية مرحلة وحدة الوجود، ولكنها كانت ذات طابع عقلاني جاد وجاف (وكادت العبادة تكون مثل البحث العلمي والبحث الصارم عن البراهين) . ولذا، قام وليام أليري تشانينج بإدخال عنصر من العاطفة فانتقل بالعبادة من النموذج الآلي العقلاني الجاف إلى النموذج العضوي العاطفي، إذ قرَّر أن الإله محب للبشر يملك العالم بأسره، كما قرَّر أن وجود (حلول) هذا الإله في كل البشر والطبيعة يجعلهم مقدَّسين وأن العبادة الحقيقية للإله تكمن في إظهار حسن النية للبشر، أي أن الإله قد شحُب تماماً ثم اختفى.
стр. 6374
وحركة الحضارة الأخلاقية تشبه الموحدانية اليهودية التجديدية في كثير من النواحي، ويُلاحَظ أن كثيراً من اليهود، وخصوصاً من أعضاء الشرائح العليا من الطبقة الوسطى الذين يودون تحقيق الانتماء الكامل للمجتمع الأمريكي، ينضمون لهذه الكنيسة (تماماً مثلما تنضم أعداد أخرى من اليهود للحركة الماسونية والعبادات الجديدة) . وقد أصبح هذا أمراً ميسوراً بشكل أكبر بعد أن «تطورت» الكنائس الموحدانية وتحولت شعائرها إلى أي شيء يقرره أعضاء الكنيسة، فيمكنهم لإقامة الشعائر الموحدانية أن يحضروا قصائد شعرية يقرأونها، وبوسعهم أن يلعبوا أية لعبة تحلو لهم (ومن ذلك حل الكلمات المتقاطعة) تعبيراً عن إيمانهم الديني! وقد أوردت الصحف الأمريكية مؤخراً أن إحدى العاملات في مقهى ليلي أرادت أن تؤدي صلاتها الموحدانية بالطريقة التي تروق لها وتعبِّر عن ذاتها الحقيقية، فوجدت أن الطريقة المثلى هي خَلْع ملابسها أمام المصلين كما تفعل في محل عملها بحكم وظيفتها. وقد قَبل راعي الكنيسة ذلك وإن كان قد علَّق على هذا الحدث بأن صلاتها كانت غير تقليدية بعض الشيء، ولكنه حضر الصلاة الراقصة من أولها إلى آخرها. ويبلغ عدد المواحدانيين حوالي ١٠٠.٠٠٠ ويبدو أن كثيراً من أعضاء النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة من الموحدانيين.
جماعة الحضارة الأخلاقية
Society for Ethical Culure
стр. 6375
جماعة أسسها فليكس أدلر عام ١٨٧٦ اجتذبت عدداً لا بأس به من المثقفين الأمريكيين (وخصوصاً اليهود) الذين كانوا قد بدأوا يرفضون كثيراً من الشعائر والعقائد الدينية اليهودية ولكن لم يكن بوسعهم بعد التخلي عن العقيدة الدينية تماماً، ولذا كانت الجمعية بنزعتها الربوبية مناسبة تماماً لهم. وتنطلق الجمعية من الإيمان بوجود إنسانية عامة وبضرورة دراسة ما سمته «الحق» وتطوره في كل مجالات السلوك. وقد اهتمت الجمعية بالجانب التربوي، فأسست حضانة للأطفال استخدمت وسائل تقدمية في التربية. كما أن الجمعية ركزت نشاطها على الجهود الاجتماعية مثل الكفاح ضد الفساد في الحكومة ومحاولة إصلاح المساكن.
ورغم عدم أصالة فكر أدلر، إلا أن أهميته تكمن في أنه يعطينا فرصة لرؤية كيفية علمنة العقيدة اليهودية من الداخل، وكيف تتحول من عقيدة تؤمن بالإله المتجاوز إلى عقيدة يتوارى فيها الإله تدريجياً (اليهودية الإصلاحية التي كان يؤمن بها والده) إلى عقيدة ربوبية دون إله (الحضارة الأخلاقية) إلى عقيدة دون إله ودون مطلقات ودون أخلاق (الصهيونية) إلي عقيدة عدمية مدمرة (لاهوت موت الإله) . وبطبيعة الحال، يمكن اعتبار أدلر يهودياً ويمكن تصنيف فكره وجماعة الحضارة الأخلاقية على أنه من العبادات الجديدة.
فليكس أدلر (١٨٥١-١٩٣٣ (
Felix Adler
فيلسوف يهودي أمريكي وتربوي ومؤسس حركة الحضارة الأخلاقية. وُلد في ألمانيا وهاجر إلى نيويورك وهو بعد في السادسة حينما عُيِّن أبوه، أحد رواد اليهودية الإصلاحية، حاخاماً لمعبد إيمانو ـ ريل الإصلاحي.
стр. 6376
درس أدلر في جامعة كولومبيا وفي جامعات برلين وهايدلبرج وفي مدرسة علْم اليهودية (في ألمانيا) حيث درس الأدب المكتوب بالعبرية والفلسفة الكانطية ونقد العهد القديم. وقد بدأت بعض الاتجاهات الإصلاحية تأخذ شكلاً متطرفاً في فكره، فقد بدأ يؤكد الجانب العقلي في الدين وإمكانية معرفة الخالق عن طريق العقل وحسب. وبدأ يرفض الجوانب الجمالية والشعائرية في اليهودية، وأية اتجاهات ذات طابع يهودي خاص، أي أنه اتجه اتجاهاً عقلياً أخلاقياً ربوبياً. حتى أنه كان يلقي مواعظ في المعابد لا تَرد فيها كلمة «الإله» .
ويشبه أدلر في هذا الفيلسوف الأمريكي إمرسون الذي رفض العقيدة الموحدانية وأصبح ترانسدنتالياً، أي يؤمن بقوة ما متجاوزة للطبيعة (كان يسميها إمرسون الروح الكلية «أوفرسول Over-Soul» ) وبمقدرة الإنسان على معرفة الخير والحق بنفسه دون حاجة لوحي إلهي أو ميتافيزيقا. وقد تأثر أدلر بإمرسون ولانجه وكانط والأخلاقيات (دون العقائد) المسيحية (أي أنه أصبح نسخة يهودية من إمرسون) .
وقد رفض أدلر فكرة الإله الشخصي الذي يرعى البشر وبدلاً منه طرح فكرة العنصر الأخلاقي المركب الذي يتكون من ذواتنا الداخلية في أعلى تحقُّق لها. فهو يؤمن بأن كل إنسان يحوي داخله «طبيعة نبيلة سامية» تود أن تتحقق، ولكل إنسان فرديته، ولكن العلاقة الإنسانية الحقة هي التي تساعد هذه الطبيعة النبيلة الكامنة فينا على التحقق في العالم الخارجي. وكان أدلر يؤمن بأن إدراك هذه الطبيعة النبيلة سيتزايد كلما ازدادت علاقة الناس بعضهم ببعض. وهذا الإدراك المتزايد سيتحقق في المجتمع الديموقراطي والعلمي الحديث، ومن ثم فالإنسان لا يحتاج إلى تعويض في الآخرة ولا يحتاج إلى ميتافيزيقا، ولا يحتاج إلى أية مؤسسات أو عقائد أو شعائر دينية. وقد استفاد أدلر بما سماه «رسالة الأنبياء الأخلاقية» ولكنه رفض المنظومة العقائدية اليهودية، فهو يُصر على العام والعقلي، ويرفض الخصوصية.
стр. 6377
ولا يوجد شيء جديد أو أصيل في فكر أدلر فهو تطبيق لفكر حركة الاستنارة في عالم الدين والأخلاق الذي يترجم نفسه إلى منظومة ربوبية يوجد داخلها إله شاحب أو مطلق أخلاقي غير متجاوز.
وقد كتب أدلر عدة مؤلفات أهمها العقيدة والفعل (١٨٧٧) ، وسيرة ذاتية بعنوان فلسفة أخلاقية للحياة (١٩١٨) ، وإعادة تجديد المثل الأعلى الروحي (١٩٣٤ (.
اليهودية المتمركزة حول الأنثى
Feminist Judaism
كلمة «فيمنست feminist» الإنجليزية في تَصوُّرنا مختلفة تماماً عن عبارة «ويمنز ليبريشياون موفمنت Women's Liberation Movement» . فالعبارة الأخيرة، يمكن التعبير عنها بعبارة «حركة تحرير المرأة» أما الأولى فنحن نؤثر التعبير عنها بعبارة «حركة التمركز حول الأنثى» (لأسباب سوف نوردها فيما بعد) . ومن هنا قولنا «اليهودية المتمركزة حول الأنثى» (الأنثى اليهودية بطبيعة الحال) . وقد ظهرت حركات سياسية واجتماعية وفكرية تدور حول موضوع المرأة في المجتمع. ويمكن أن نقسم هذه الحركات إلى اتجاهين: حركات تحرير المرأة، وحركات التمركز حول الأنثى. والحركات الأولى حركات اجتماعية سياسية فكرية تهدف إلى تحقيق العدالة في المجتمع بحيث تنال المرأة ما يطمح إليه أي إنسان من تحقيق ذاته إلى الحصول على مكافأة عادلة (مادية أو معنوية) لما يقدم من عمل. وعادةً ما تطالب مثل هذه الحركات بحقوق المرأة سواء السياسية (حق المرأة في الانتخاب والمشاركة في السلطة) ، أو الاجتماعية (حق المرأة في الطلاق وفي حضانة الأطفال) ، أو الاقتصادية (مساواة المرأة بالرجل في الأجور) . وبرغم أن حركات تحرير المرأة تَصدُر عن مفهوم تعاقدي للمرأة (باعتبارها فرداً مستقلاًّ بذاتها لا باعتبارها أماً وعضواً في أسرة) ، فإن حركات تحرير المرأة تدور في إطار بعض القيم الاجتماعية المستقرَّة، وتَقَبل المفهوم التقليدي لدور المرأة في المجتمع والمفهوم التقليدي للطبيعة البشرية.
стр. 6378
أما حركات التمركز حول الأنثى فهي رؤية معرفية أنثروبولوجية اجتماعية تقف على طرف النقيض من كل هذا، فهي تَصدُر عن مفهوم أساسي هو أن تاريخ الحضارة البشرية إن هو إلا تعبير عن هيمنة الذكر على الأنثى، وهي هيمنة تمت إثر معركة أو مجموعة من المعارك حدثت في عصور موغلة في القدم حينما كانت المجتمعات كلها مجتمعات أمومية تسيطر عليها الأنثى أو الأمهات، وكانت الآلهة إناثاً، وكان التنظيم الاجتماعي نفسه يتصف بالأنوثة، أي بالرقة والوئام والاستدارة (التي تشبه نهود الإناث وعضو التأنيث) . ثم سيطر الذكور وأسسوا مجتمعاً مبنياً على الصراع والسلاح (الذي يشبه عضو التذكير) وعلى الغزو (الذي يشبه اقتحام الذكر للأنثى) . وانطلاقاً من هذه الرؤية للتاريخ، يطرح دعاة التمركز حول الأنثى برنامجاً إصلاحياً يدعو إلى إعادة صياغة كل شيء؛ التاريخ واللغة والرموز، بل الطبيعة البشرية نفسها. فالتاريخ في تصورهم سرد للأحداث من وجهة نظر ذكورية، ولابد أن يعاد السرد من وجهة نظر أنثوية، والرموز التي فرضها الذكور لابد أن تضاف إليها رموز أنثوية. واللغات، التي عادةً ما تفضل صيغة التذكير على صيغة التأنيث، لابد أن يعاد بناؤها بحيث تستخدم صيغاً محايدة أو صيغاً ذكورية أنثوية. وهذا البرنامج الإصلاحي يهدف في نهاية الأمر إلى إعادة صياغة الإدراك البشري نفسه للطبيعة البشرية كما تحققت عبر التاريخ وتجلت في مؤسسات تاريخية وأعمال فنية، فهذا التحقق وهذا التجلي إن هما إلا انحراف عن مسار التاريخ الحقيقي بعد استيلاء الذكور عليه!
стр. 6379
إن ما تُنادي به حركة التمركز حول الأنثى يختلف تماماً عما تنادي به حركة تحرير المرأة. فالرجل يمكنه أن ينضم إلى حركة تحرير المرأة، ويمكنه أن يدخل في حوار بشأن ما يُطرَح من مطالب لضمان تحقيق العدالة للمرأة ولضمان ألا تتحول الاختلافات بين الجنسين إلى أساس بيولوجي للتفاوت الاجتماعي والاقتصادي بينهما (وكأن المرأة تعادل الرجل الأسود في المنظومة العنصرية الغربية البيضاء) . ويمكن أن يتبنى المجتمع الإنساني بذكوره وإناثه برنامجاً للإصلاح في هذا الاتجاه، ومن الممكن أن يؤيد الرجال والنساء ذلك. أما حركة التمركز حول الأنثى فلا يمكن أن ينضم لها الرجال، فالرجل باعتباره رجلاً لا يمكنه أن يشعر بمشاعر المرأة، كما أنه مُذنب يحمل وزر هذا التاريخ الذكوري، رغم أنه ليس من صنعه. ولا يوجد برنامج للإصلاح وإنما يوجد برنامج للتفكيك يهدف إلى تغيير الطبيعة البشرية ومسار التاريخ والرموز واللغات.
стр. 6380
وفي تَصوُّرنا أن الرؤية الكامنة وراء حركة التمركز حول الأنثى رؤية حلولية تستند إلى رؤية واحدية كونية إذ تحاول اختزال الكون بأسره إلى مستوى واحد، فتدمج الإله والطبيعة والإنسان والتاريخ في كيان واحد وتحاول أن تصل إلى عالم جديد تماماً تتساوى فيه الأطراف والمركز، عالم لا يوجد فيه قمة وقاع ولا يمين ويسار (ولا ذكر وأنثى) ، وإنما يأخذ شكلاً مسطحاً تقف فيه جميع الكائنات الإنسانية والطبيعية على أرضية واحدة وتَمَّحي فيها كل الثنائيات. بل إن تحقُّق هذا النمط يتم عند نقطة الصفر حين تصبح كل الكائنات شيئاً واحداً. وبينما تعترف حركة تحرير المرأة بالاختلافات بين الرجل والمرأة، وتحاول ألا يكون هناك تفاوت اقتصادي أو إنساني نتيجة هذا الاختلاف، فإن حركة التمركز حول الأنثى لا ترفض التفاوت وحسب وإنما ترفض الاختلاف نفسه. وبينما تعترف حركة تحرير المرأة بأن هذا الاختلاف يؤدي إلى اختلاف في توزيع الأدوار وتأمل ألا ينجم عن هذا الاختلاف ظلم أو تفاوت اجتماعي، فإن حركة التمركز حول الأنثى ترفض توزيع الأدوار وتطالب بأن يصبح الذكور آباء وأمهات، وأن تصبح الإناث بدورهن آباء وأمهات. بل إن الأمر يمتد ليشمل الأحاسيس نفسها. فالمرأة يجب أن تشعر مثل الرجل، والرجل يجب أن يشعر مثل المرأة. ويمتد الأمر لرؤية الإنسان للإله. فحركة التمركز حول الأنثى ترى أن كل التاريخ يدور حول مركز، وهذا المركز هو الرجل؛ عضو التذكير، السلطة، الإله الذكر. ويجب أن يحل محل هذا شيء محايد بحيث ينظر للإله باعتباره ذكراً وأنثى، أو ذكراً ثم أنثى، أو ذكراً في أنثى، أو لا ذكر ولا أنثى (وهذه هي مرحلة ما بعد الحداثة حين تسقط كل الحدود ويضمُر المركز ثم يختفي) .
стр. 6381
والمفارقة الكبرى تكمن في أن حالة السيولة الحلولية الكونية ينتُج عنها حالة تفتُّت ذري وازدواجية صلبة. وتظهر الازدواجية الصلبة في تأكيد حركة التمركز حول الأنثى أن ما تحس به الأنثى لا يمكن أن يحس به الذكر، ومن ثم فالتجربة التاريخية للأنثى مغايرة تماماً للتجربة التاريخية للذكر. أما التفتت الذري فيظهر في مطالبة مساواة الذكر بالأنثى بشكل مطلق. وحينما نصل إلى هذه المرحلة، فإننا لا نتحدث عن برنامج للإصلاح وإنما عن برنامج تفكيكي تختفي فيه كل المقولات الثنائية التقليدية، مثل: إنسان/طبيعة، إنسان/حيوان، ذكر/أنثى، ويختفي المركز تماماً، ويصبح التمييز مستحيلاً. ولذا، تلتحم حركة التمركز حول الأنثى بحركات حلولية مماثلة كالدفاع عن السحاق، وعبادة الأرض، فهي جميعاً حركات تفترض أن ما هو مطلق لا يتجاوز المادة وإنما يكمن ويحل فيها، فهو الأرض بالنسبة لعبدة الطبيعة، وهو الأنثى بالنسبة لحركات التمركز حول الأنثى، وهو الطبقة العاملة بالنسبة للفكر الشيوعي، والمنفعة واللذة الفردية بالنسبة لليبرالية. وهذا المطلق الحال هو الذي يحرك التاريخ ويساوي بين كل الكائنات ويسويها الواحدة بالأخرى.
ويبدو أن المرأة اليهودية كانت مرشحة أكثر من غيرها لأن تنخرط في صفوف حركات تحرير المرأة ثم حركات التمركز حول الأنثى في الغرب لأسباب عديدة، من بينها:
١ ـ ارتفاع معدلات العلمنة بين الإناث اليهوديات في الغرب بنسبة تفوق مثيلتها لا بين أعضاء المجتمع وحسب وإنما بين الذكور اليهود أنفسهم (ولعل هذا يعود إلى أن الأنثى اليهودية كانت لا تتلقى تعليماً دينياً، كما أنها كانت غير ملزمة بأداء كثير من الشعائر الدينية اليهودية) .
стр. 6382
٢ ـ لابد أن الفكر الحلولي اليهودي ولَّد لدى الإناث اليهوديات قابلية عالية للغاية لتَقبُّل نزعة التمركز حول الأنثى والدعوة إليها. ويُلاحَظ أن مقولة يهود/أغيار تقابل تماماً مقولة أنثى/ذكر. كما أن التمركز حول الأنثى يشبه التمركز حول الهوية اليهودية. ورؤية تاريخ البشر كتاريخ ظلم وقمع واضطهاد (لليهود وللإناث) ، هو الآخر، عنصر مشترك. ويشترك الفريقان في البرنامج التفكيكي العدمي.
ويعود تاريخ حركة تحرير المرأة بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب إلى عصر التنوير في ألمانيا، حيث عبرَّت عن نفسها في ظاهرة صالونات النساء الألمانيات اليهوديات، مثل راحيل فارنهاجن، وفي ظهور أديبات يهوديات مثل إما لازاروس، ونساء يهوديات في الحياة العامة مثل روزا لوكسمبرج (في الحركة الشيوعية) وهنريتيا سيزولد (في الحركة الصهيونية) . ويمكن القول بأن الحديث عن حركة مستقلة لتحرير المرأة اليهودية أمر صعب إن لم يكن مستحيلاً، إذ أن حركة تحرير المرأة هي مسألة متعلقة بحقوق المرأة في المجتمع، وهو أمر يقع داخل رقعة الحياة المدنية العامة (وكفاح المرأة اليهودية للحصول على حقوقها لا يختلف في الواقع عن كفاح النساء غير اليهوديات، بل هو جزء عضوي منه) . وقد تركت حركة تحرير المرأة أثرها في المؤسسات الدينية اليهودية التي بدأت تفتح أبوابها للنساء. وبدأت اليهودية الإصلاحية والمحافظة تحث النساء اليهوديات على المشاركة في الصلوات التي تُقام في المعابد اليهودية التي لا يُفصَل فيها الجنسان. كما أصبح هناك احتفال ببلوغ البنات سن التكليف الديني (بَتْ متْسفاه) على غرار احتفال البرمتسفاه، أي بلوغ الصبيان هذا السن.
стр. 6383
أما حركة التمركز حول الأنثى، فهي أمر مختلف تماماً. فهذه الحركة، كما أسلفنا، ليست مسألة حقوق، وإنما هي قراءة للتاريخ، وموقف من اللغة والرموز والجسد، ومن ثم يمكن الحديث عن حركة يهودية للتمركز حول الأنثى تركت أثراً جذرياً في الجماعات اليهودية وفي العقيدة اليهودية، ولَّدت يهودية متمركزة حول الأنثى وُصفت بأنها حركة تحاول تركيب بنية دينية جديدة، تتكون من عناصر يجمعها مفكرو وقيادة الحركة لإعادة بناء اليهودية بطريقة تُرضي الإناث وتفي بحاجاتهن الأنثوية الخاصة. وهذه العناصر مجموعة من الأساطير الشعبية والأفكار الوثنية التي تراكمت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي (مثل أسطورة ليليت) ، وهو تركيب جعل دعاة اليهودية المتمركزة حول الأنثى قادرين على توليد نسقهم من داخل النسق الديني نفسه، ذلك لأن هذا التركيب يحوي كل شيء تقريباً، كما أنه يولِّد قابلية عالية لليهودية للتغير حسب الأوضاع والملابسات التاريخية. وقد وصفت جوديت بلاسكو، إحدى مفكرات حركة اليهودية المتمركزة حول الأنثى تلك الحركة بأنها تسعى إلى توسيع نطاق التوراة، ومن ثم فهي تثير الشكوك بشأن نهائية النص التوراتي ومطلقيته، فهي يهودية معادية للمطلق الديني المتجاوز للطبيعة والإنسان، وتطرح بدلاً منه نسقاً يتغيَّر بتغيُّر الملابسات التاريخية والرغبات البشرية، الجماعية والفردية. وهي في هذا لا تختلف كثيراً عن لاهوت موت الإله، حين يموت الإله ويصبح المطلق الوحيد هو حادث الإبادة النازية ليهود أوربا وإنشاء الدولة الصهيونية. وقد صرحت إحدى مفكرات الحركة بأن إعادة النظر في وضع المرأة في سياق العقيدة اليهودية أمر جوهري يُشبه إعادة دراسة المسألة اليهودية في سياق التاريخ العام.
стр. 6384
وكانت اليهودية الإصلاحية أول فرقة استجابت لحركة التمركز حول الأنثى اليهودية إذ رُسِّمت سالي برايساند حاخاماً في يونيه ١٩٧٢. وفي عام ١٩٧٣، وافقت اليهودية المحافظة على أن تحسب النساء ضمن النصاب (منيان) اللازم لإقامة الصلاة في المعبد، كما سُمح لهن بالقراءة من التوراة في المعبد، وهذه أمور كانت مقصورة على الذكور البالغين. ثم وافقت اليهودية المحافظة على ترسيم الإناث كحاخامات محافظات في ١٩٨٥، وكمنشدات (حزان) عام ١٩٨٧، وقد اتسع النطاق بطبيعة الحال ليشمل كل الشعائر.
وقد أسَّست بعض النساء الأمريكيات اليهوديات من المدافعات عن التمركز حول الأنثى جماعة «نساء الحائط» التي تطالب بحق تلاوة التوراة أمام حائط المبكى، وارتداء شال الصلاة (طاليت) وهو حق مقصور على الرجال. كما بدأ بعض المؤمنات باليهودية المتمركزة حول الأنثى بارتداء شيلان صلاة (طاليت) حريمية ذات لون وردي وطاقيات للصلاة موشاة بعناصر حريمية مثل الدانتلا، وتمائم صلاة (تيفلِّين) مزينة بالشرائط (وإن كان بعضهن يرفضن الشيلان والطاقيات والتمائم لأنها ذكورية أكثر من اللازم وتُذكِّرهن بآبائهن!) . ومنذ عام ١٩٨٣، بدأت بعض المعابد اليهودية غير الأرثوذكسية بتعديل الصلوات حتى تتم الإشارة إلى الآباء (باتريارك) وزوجاتهن الأمهات (ماتريارك) .
стр. 6385
وتحاول بعض المعابد تغيير صيغة الإشارة إلى الإله باعتباره ذكراً، فيُشار إليه باعتبار أنه ذكر وأنثى في آن واحد، حتى تتحقق المساواة التامة بين الجنسين! فيُقال على سبيل المثال "إن الخالق هو الذي/ هي التي، وضع/وضعت ... إلخ"، بل يُشار إليه أحياناً بالمؤنث وحسب، فهو «ملكة الدنيا» ، و «سيدة الكون» و «الشخيناه» . كما أن بعض دعاة حركة التمركز حول الأنثى يستخدمن كلمات لا جنس لها (بالإنجليزية: أن جندرد ungendered» ) مثل: «فريند friend» (صديق) و «كومبانيون companion» (رفيق) و «كو كريتور co-creator» (المشارك في الخلق) . وهذا الاسم الأخير يدل على الجذور الحلولية لليهودية المتمركزة حول الأنثى. فالتراث القبَّالي يرى أن الإنسان شريك للإله في عملية الخلق إذ أن عملية إصلاح الخلل الكوني (تيقون) التي يستعيد بها الإله وجوده ووحدته، لا يمكن أن تتم إلا من خلال أداء اليهود للأوامر والنواهي.
كما تحاول الحركة اليهودية المتمركزة حول الأنثى تطهير الخطاب الديني تماماً من أية صور مجازية قد يُفهَم منها الانقسام إلى ذكر وأنثى مثل صورتي الزواج والزفاف المجازيتين المتواترتين في العهد القديم. ولعل من أهم التغييرات في عالم الرموز ظهور ليليت (نسبة إلى الليل والظلمة) بديلاً لحواء، وهي حسب الأساطير التلمودية زوجة آدم الأولى قبل حواء، وقد تمردت على وضعها كأنثى (فرفضت مسألة أنها تنام تحت الرجل لا فوقه!) كما تمرَّدت على الإله. وأصبحت تنتقم من الرجال والنساء المتزوجات بأن تقتل الأطفال المولودين. فليليت ليست عكس حواء وحسب، بل هي عكس الأنوثة والأمومة والحالة البشرية نفسها، فهي شخصية تفكيكية من الطراز الأول تنتمي إلى عالم ما بعد الحداثة الذي لا يوجد فيه مركز ولا معنى (وقد صدرت عام ١٩٧٦ مجلة ليليت لتعبِّر عن فكر حركة التمركز حول الأنثى أسستها سوزان وايدمان شنايدر إحدى أهم مفكرات الحركة) .
стр. 6386
ومن التعديلات الأخرى التي أُدخلت على العبادة اليهودية، الاحتفال بعيد «روش هحوديش» ، أي «عيد القمر الجديد» باعتباره عيداً أنثوياً. وتشير بعض مفكرات الحركة اليهودية للتمركز حول الأنثى إلى علاقة القمر بالعادة الشهرية، وإلى أن في التلمود عبارة تقول إن القمر سيصبح يوماً ما مساوياً للشمس، ويفسر كل هذا على أنه إشارات إلى المساواة المطلقة بين الذكر والأنثى واختفاء أي اختلاف بينهما. ويقيم دعاة حركة التمركز حول الأنثى احتفالات خاصة بالعادة الشهرية والاجهاض والولادة. وقد وصفت إحداهن الاحتفال بالمخاض وإنجاب الطفل وقالت إنها عثرت عليه في كتاب يُسمَّى سيفر هاتشبِّي (وقد ذكره أحد الحاخامات ليحذر أعضاء الجماعة اليهودية من الانغماس في الخرافات الشعبية الوثنية) . ويأخذ الطقس الشكل التالي:
تُرسَم دائرة بالفحم الأسود على حوائط الغرفة التي تجلس فيها الأنثى التي ستنجب، ثم تكتب على الحائط عبارة: آدم وحواء بدون ليليت، ثم تكتب على الباب أسماء ثلاثة ملائكة هم: سانوي وساتسوني وسامنجالوف (وأسماؤهم هي أيضاً سانفي وسانسافي وسامن جاليف) ، ثم تحضر صديقات الأنثى التي ستلد ويجلسن في دائرة حولها وهكذا.
стр. 6387
وقد أعد دعاة حركة التمركز حول الأنثى هاجاداه لعيد الفصح خاصة بالنساء (وكتبتها الأمريكية إستير بروند والإسرائيلية نعومي نيمرود) . ويبدأ الاحتفال بعيد الفصح بالنساء جالسات على الأرض وقد فرشن أمامهن مفرشاً وتوجَّه الأسئلة لأربع بنات، بدلاً من أربعة أولاد، أما كأس النبي إلياهو فيصبح كأس الكاهنة مريم. وقد كُتبت كتب مدراش خاصة متمركزة حول الأنثى. وقد أدخلت الحركة أيضاً تعديلات عديدة ذات طابع سطحي بعضها يكاد يكون كوميدياً. فمثلاً هناك احتفال يُسمَّى «بريت بنوت يسرائيل» بدلاً من «بريت ميلاه (الختان) » تُتلى فيه صلاة خاصة تؤكد أهمية الأمهات: أولاهن بطبيعة الحال ليليت ثم حواء وزوجة نوح وسارة ورفقه وليئة وراحيل. ويُقام احتفال التشليخ (بعد عيد رأس السنة) حيث تقوم النساء بإلقاء خطاياهن في الماء. وتأكل النساء طعاماً مستديراً (فطائر) علامة الخصوبة والأنوثة، ويشعلن شموعاً يوم السبت على أن تُوضَع الشموع في طبق مليء بالماء حتى تشبه القمر. وتجمع النساء الصدقة فيما بينهن ولا ينفقنها إلا على حركة التمركز حول الأنثى. وكما أسلفنا، رُسِّمت نساء حاخامات كما توجد الآن معابد يهودية إصلاحية ومحافظة للسحاقيات، وقد رُسِّمت لها (حاخامات) من النساء السحاقيات أيضاً، وتوجد الآن مدرسة تلمودية عليا (يشيفا) تسمح بالتحاق الشواذ جنسياً والسحاقيات.
وقد يكون من الأفضل تصنيف اليهودية المتمركزة حول الأنثى على أنها من بين العبادات الجديدة، أكثر من أن تكون استمراراً لليهودية الحاخامية، وهي من ثم محاولة أخيرة للإنسان العلماني اليهودي في الغرب أن يحل مشكلة المعنى والأزمة الروحية الناجمة عن تصاعُد معدلات العلمنة في المجتمعات التي يُقال لها «متقدمة» .
стр. 6388
وحركة التمركز حول الأنثى تشبه تماماً في بنيتها الحركة الصهيونية التي تذهب إلى أن الأغيار لا يمكنهم أن يشعروا بشعور اليهود، وهم يحملون وزر تاريخ قام باضطهاد اليهود جيلاً بعد جيل، والبرنامج الإصلاحي الصهيوني لا يهدف إلى تحسين أحوال اليهود باعتبارهم أقلية دينية في أوطانهم وإنما هو برنامج تفكيكي يطالب بسحب اليهود من مجتمعات الأغيار (مثلما تُسحَب المرأة في المنظومة المتمركزة حول الأنثى من مجتمع الرجال (.
ولنا أن نقول الشيء نفسه بالنسبة لما يحدث في الدين فما يحدث في حالة اليهودية المتمركزة حول الأنثى ليس إصلاحاً دينياً يهدف إلى تطوير بعض الشعائر حتى يتمكن اليهودي من أن يصبح إنساناً عصرياً، وإنما هو عملية تفكيك للدين تُغيِّر هويته وملامحه وتوجُّهه حتى يصبح من العسير تسميته ديناً على الإطلاق؟ فإذا كان النص المقدَّس نصاً زمنياً تاريخياً وإذا كانت العقائد مسائل اجتماعية اتفاقية، وإذا كانت الشعائر تدور داخل نطاق كل هذا، فما الفرق بين النص المقدَّس ومجلة نيوزويك مثلاً؟
لقد دخل الإنسان الغربي عالم ما بعد الحداثة: وهو عالم حلولي وثني دائري عبثي (مثل «صمت الحملان» ) عالم يحكمه إله مجنون ويعيش فيه بشر لا يمكن الحكم عليهم من منظور أية منظومة قيمية، فهم خليط من الذئاب والأفاعي والأميبا. ومن أهم مفكرات حركة التمركر حول الأنثى: بتي فريدان، وإريكا يونج (وكلتاهما أمريكية يهودية (.
بتي فريدان (١٩٢١-)
Betty Friedan
كاتبة أمريكية، وإحدى زعيمات حركة التمركز حول الأنثى في الولايات المتحدة. وُلدت عام ١٩٢١ في ولاية إلينوي باسم نعومي جولدشتاين، ودرست علم النفس بكلية سميث بولاية ماساشوستس (وهي كلية للنساء فقط) . وتخرجت عام ١٩٤٢ لتستكمل بعدها دراستها العليا في جامعة بيركلي بكاليفورنيا ثم عملت لعدة سنوات محللة نفسية وباحثة.
стр. 6389
تفرغت بعد زواجها عام ١٩٤٧ لتربية أبنائها الثلاثة. وفي عام ١٩٦٣، نشرت كتابها الشهير السر الأنثوي الذي يُعَدُّ أبرز أدبيات حركة التمركز حول الأنثى في الولايات المتحدة في الستينيات التي تُعَد بتي فريدان أبرز رائداتها. والكتاب يركز على قضية المساواة ويهاجم إعلاء دور المرأة كأم وزوجة ويدعو إلى تحقيق المرأة لذاتها من خلال التعليم والعمل. وفي الواقع، فإن هذا الكتاب كان بمنزلة المرجع للعديد من الأفكار بشأن حركة التمركز حول الأنثى لفترة طويلة، إلا أن بتي فريدان نفسها عادت (عام ١٩٨١) فنشرت كتاب الطور الثاني الذي غيرت فيه كثيراً من آرائها وهاجمت فيه كثيراً من أفكار التمركز حول الأنثى وانتقدت مفهوم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ودعت إلى عدم حرمان المرأة من خصوصيتها كامرأة، وأكدت أهمية دعم دور المرأة كأم وزوجة وتأكيد حقها في الحرية والاختيار في إطار الحفاظ على مؤسسة الأسرة، كما دعت إلى حق الإجهاض كواحد من الحقوق الإنسانية للمرأة لا كدعوة للانحلال الأخلاقي. كما دعت بتي فريدان الحركة النسوية إلى زيادة الاهتمام بالحقوق الاجتماعية للمرأة وإلى تقليل التركيز على القضايا الجنسية وعلى حرية الشذوذ الجنسي، وهو ما استثار ضدها التيارات الراديكالية في الحركة الأمريكية المتمركزة حول الأنثى التي اتهمتها بالمحافظة بل أحياناً بمعاداة التمركز حول الأنثى.
стр. 6390
وعلى المستوى الحركي تُعَدُّ بتي فريدان من أنشط العناصر النسائية الأمريكية في عقدي الستينيات والسبعينيات، حيث أسست المنظمة القومية للنساء (ناو NOW) عام ١٩٦٦ ورأستها حتى عام ١٩٧٠، وهو العام نفسه الذي قادت فيه مظاهرة تضم ٥٠ ألف امرأة للمطالبة بمساواة المرأة في الحقوق والواجبات مع الرجل، كما شاركت في تأسيس المؤتمر السياسي النسائي القومي عام ١٩٧١، وفي تأسيس بنك النساء ١٩٧٣، والمجلس العالي للمرأة ١٩٧٣. وكذلك، فإنها تُعَدُّ من أبرز الشخصيات التي دافعت عن مشروع قانون المساواة الكاملة بين الجنسين الذي طُرح في عهد الرئيس ريجان والمعروف باسم إيرا ERA.
وتُعَدُّ بتي فريدان نموذجاً متكرراً بين قيادات حركة تحرير المرأة في الولايات المتحدة، إذ يُلاحَظ أن عدداً كبيراً منهن إما يهوديات، أو ذوي أصول يهودية. ويمكن القول بأن هذا يعود لمركب من الأسباب منها ما يلي:
١ ـ يُلاحَظ تصاعُد معدلات العلمنة بين يهود الولايات المتحدة لكونهم عناصر مهاجرة جديدة لا تحمل أعباءً تاريخية أو دينية، وباعتبار أنهم أعضاء في أقلية وجدت أن بإمكانها أن تحقق الحراك الاجتماعي من خلال الاندماج في المجتمع الأمريكي العلماني ومن خلال تآكل القيم المسيحية الأخلاقية المطلقة.
٢ ـ لعل الخلفية الحلولية (القبَّالية) لكثير من هذه القيادات قد ساهم في دفعهم نحو تَبنِّي مواقف جذرية متطرفة، فالحلولية بأحاديتها المتطرفة لا تعترف بأية حدود أو تقسيمات أو اختلافات أو ثنائيات.
стр. 6391
٣ ـ يُلاحَظ أن الأسرة اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتميَّز بقدر عال من التماسك حتى أوائل الستينيات، ولكنها أخذت في التآكل والتراجع باعتبارها إطاراً للتضامن، وقد أدَّى هذا إلى غربة عدد كبير من النساء اليهوديات وإلى إحساسهن بالاضطهاد داخل الأسرة. ولا شك في أن الدور المتميِّز الذي كانت تلعبه الأم اليهودية في الأسرة اليهودية في شرق أوربا ثم في الجيلين الأول والثاني من المهاجرين وتآكل هذا الدور وتحوُّله إلى عبء على الأم وعلى أبنائها، بسبب ظهور المؤسسات الحكومية التي تضطلع بوظائف الأم التقليدية، لاشك في أن هذا عمَّق هذه الغربة وبالتالي زاد من تطرف الثورة.
وقد شاركت بتي فريدان في بعض الأنشطة اليهودية، فشاركت عضواً في المجلة الدولية للشئون اليهودية، كما شاركت في الحملة الصهيونية المعادية للأمم المتحدة والتي تتهم المنظمة الدولية بأنها معادية لليهودية.
كاترين شالييه (١٩٤٠-)
Catherine Chalier
مؤلفة فرنسية، وإحدى مفكرات حركة التمركز حول الأنثى. تلقت تعليماً كلاسيكياً وأجادت العبرية تماماً وحصلت على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة باريس. وقد تأثرت تأثراً عميقاً بفكر المفكر الفرنسي اليهودي عمانويل لفيناس، وطبقت بعض أفكاره في تفسيرها للنصوص المقدَّسة اليهودية، ورفضت التمييز التقليدي بين العقل والإيمان، وحاولت أن تبيِّن أن الكتاب المقدَّس اليهودي يمكنه أن يحرك ويعيد تجديد البحث الفلسفي الغربي، وهي بذلك تحطِّم الحواجز التي تفصل بين الفلسفة والدين.
стр. 6392
وتذهب كاترين شالييه إلى أن الهدف من الخطاب الإنساني ليس مجرد التعبير عن الفكر العقلاني وإنما الإجابة على كلمة الإله حسب تعاليم التوراة. ولذا، فإنها ترفض في كتابها استمرار الشر (١٩٨٧) الفصل بين الوجود وسبب الوجود، كما ترفض في كتابها الإيحاء مع الطبيعة (١٩٨٩) فكرة أن ثمة انقساماً بين اليهودية والطبيعة. فرغم أن النظام الكوني لا يمكنه أن يشكل مصدراً للقواعد الأخلاقية للسلوك ومعايير الأخلاق، إلا أن الطبيعة مع هذا لها دور تلعبه، فالطبيعة مثل الإنسان تتحرك نحو الخلاص (وفي المنظومة الحلولية التي توحد بين الإله والإنسان والطبيعة، يصبح الخلاص مسألة ليست بالضرورة تاريخية إنسانية، وإنما مسألة كونية، حيث لا فارق ـ في نهاية الأمر ـ بين الإنسان والطبيعة) .
وكما هو الحال في كثير من المنظومات الحلولية، تصبح الأرض والأنثى هما المصدر والمركز، وتبين شالييه الدور الأساسي الذي تلعبه الأمهات (ماتريارك) سارة ورفقه وراحيل وليئة. والدور الأساسي الذي لعبنه في تأسيس اليهودية. وهي في تفسيرها للكتب المقدَّسة تستخدم الأقوال القبَّالية والشعر الحديث والأساليب التلمودية لتبرهن على وجهة نظرها المتصلة بالأمهات.
وإلى جانب الكتابين السابقين ألَّفت شالييه الكتب التالية: اليهودية والآخر (١٩٨٢) ويتضح فيه أثر لفيناس، وهيبة الأنثى (١٩٨٢) ، والأمهات: سارة ورفقه وراحيل وليئة (١٩٨٥) .
إريكا يونج (١٩٤٢-)
Erica Jong
стр. 6393
روائية وشاعرة أمريكية. وُلدت باسم إيريكا مان في نيويورك ودرست في كلية برنارد التابعة لجامعة كولومبيا، وتَخرجت عام ١٩٦٣ ثم التحقت بالجامعة نفسها للحصول على الماجستير، ثم انتقلت مع زوجها الذي كان يعمل في الجيش الأمريكي إلى ألمانيا وأقامت بهايدلبرج في الفترة من ١٩٦٦ حتى ١٩٦٩، وقد انتهت هذه الزيجة وزيجتان أخريان بالفشل. وقد سجلت إيريكا يونج تجربتها هناك في سيرة ذاتية بعنوان الخوف من الطيران (١٩٧٣) ، وبدأت في كتابة الشعر الذي أخذ يحمل ملامح الوعي بالذات الأنثوية المنفصلة. وفي عام ١٩٧١، نشرت ديوانها الشعري الأول تحت عنوان فواكه وخضراوات الذي عكس موقف المرأة كفنانة. واستمرت في ديوانها الثاني نصف حياة (١٩٧٣) في تكريس النظرة المتمركزة حول الأنثى لقضايا عديدة.
وقد بدأت شهرتها كروائية بعد أن نشرت رواية الخوف من الطيران التي تصف فيها تجربتها في البحث عن الذات وتحلِّل المشكلات النفسية والجنسية لبطلة الرواية إيزادورا ونج التي تشبه في جوانب كثيرة منها الخلفية الفكرية والتربية اليهودية لإريكا يونج نفسها.
كذلك ضمَّنت الكتاب فصلاً عن حياتها في ألمانيا وأثر ذلك في وعيها اليهودي. وقد أدَّت الصراحة الجنسية للرواية إلى إثارة الكثير من الجدل. وفي عام ١٩٧٧، نشرت روايتها الثانية كيف تنقذين حياتك، وهي تُعَد تكملة للرواية السابقة، وتعرض لتجربة إيزادورا مع الشهرة والطلاق والعلاقات الجديدة.
стр. 6394
ثم صدر لها عام ١٩٨٠ فاني: التاريخ الحقيقي لمغامرات فاني هاكابوت جونز وقد وُصفت بأنها رواية مغامرات من القرن الثامن عشر وتصف المغامرات الجنسية لامرأة في القرن الثامن عشر. وقد نشرت إريكا يونج أيضاً ديواني شعر جذور الحي (١٩٧٥) ، وعلى حافة الجسد (١٩٧٩) . ونشرت رواية مغامرات وقبل (١٩٨٤) ، وسبرتيسيما: رواية من البندقية (١٩٨٧) ، وهما تتسمان بالانفتاحية الجنسية نفسها. ولا تتمتع يونج بمكانة أدبية عالية، فهي من كُتَّاب الدرجة الثانية، أو الكُتَّاب الشعبيين، وتعود شهرتها إلى أدبها المكشوف، وإن كانت تحاول أن تمزج بين موضوع الهوية الأنثوية المنفصلة والهوية اليهودية المنفصلة حيث ترى أن اليهودي (الواعي بذاته) والأنثى (الواعية بذاتها) هما الشيء نفسه تقريباً، ومن ثم فإن تجربتها كأنثى يهودية في ألمانيا تجربة ذات دلالة خاصة.
الشذوذ الجنسي
Homosexuality
يُحرِّم العهد القديم العلاقة الجنسمثلية أو الشذوذ الجنسي بين الذكور، وتبلغ عقوبة هذه الجريمة حد الإعدام. أما التلمود، فهو يُحرِّم العلاقة الجنسمثلية بين كل من الذكور والإناث. ولا يوجد وصف تفصيلي لحوادث جنسمثلية في العهد القديم إلا في حادثة لوط (تكوين ١٩/٥) ، وفي قصة بنو بليعال من بنيامين (قضاة ١٩/٢٠) .
стр. 6395
ويبدو أن سلوك أعضاء الجماعات اليهودية عبر التاريخ البشري كان يتسم بالإحجام عن الشذوذ الجنسي. ولذا، فإننا نجد أن التلمود لا يشغل باله كثيراً بالعلاقات الجنسية الشاذة، بل إن الشولحان عاروخ، وهو تلخيص للقوانين التلمودية، يهمل ذكرها باعتبار أنها أمر مفروغ منه. ومما يجدر ذكره أن المواجهة بين اليهودية والهيلينية في القرون الأخيرة قبل الميلاد، التي تزامنت مع تأغرق أعداد كبيرة من أعضاء النخبة اليهودية في مصر وفلسطين، ورغم القبول الواضح في التراث الهيليني للشذوذ الجنسي، فإن أعضاء الجماعات اليهودية لم ينغمسوا في مثل هذه الممارسة. ويبدو أن بعض الأدباء السفارد، متأثرين بتقاليد الشعر العربي والتغزل بالغلمان، كتبوا عن حب أفراد من الجنس نفسه. بل يبدو أن الممارسات الجنسية الشاذة كانت منتشرة بين السفارد قبل وبعد الطرد من إسبانيا حتى أن كلمتي «يهودي» و «شاذ جنسياً» كانتا مترادفتين في شبه جزيرة أيبريا. كما أن التراث القبَّالي يرى أن كلاًّ من الإله والإنسان (قبل تَبعثُّر الشرارات) مُكوَّنان من عناصر ذكورة وأنوثة مختلطة، وفي هذا تعبير عن الواحدية الكونية الحلولية ورفض للثنائيات.
وقد تغيَّر الوضع تماماً في العصر الحديث مع تصاعد معدلات العلمنة بين أعضاء الجماعات اليهودية، فرئيس أول جماعة عالمية للشواذ جنسياً من الذكور هو ماجنوس هيرشفيلد (١٨٦٨ ـ ١٩٣٥) ، ومساعده كورت هيلر (١٨٨٥ ـ ١٩٧٢) ، وكلاهما كان ألمانياً يهودياً (بل كان هيلر يزعم أنه من نسل الحاخام هليل) . وكان هيلر هو أول من طالب باعتبار الشواذ جنسياً أقلية لابد من حماية حقوقها. ويُلاحَظ اهتمام علماء النفس اليهود بموضوع الشذوذ الجنسي. ومن المعروف أن فرويد ينسب لكل البشر ازدواجية جنسية أو جنسمثلية كامنة.
стр. 6396
ولكن حتى لا تُفسَّر هذه المعلومات تفسيراً عنصرياً يبسط الأمور تبسيطاً مخلاًّ يجعل اليهود مسئولين عن الشذوذ الجنسي، لابد أن نشير إلى أن قبول الشذوذ الجنسي بشكل متزايد وتطبيعه إحدى سمات المجتمعات العلمانية المتقدمة، كما أنه نتيجة حتمية لغياب اليقين المعرفي والمطلقية الأخلاقية وغياب المركز وتعاظم أهمية الهامش وإنكار أي مفهوم للطبيعة البشرية ومن ثم أية معيارية. وإذا كان هناك وجود ملحوظ لليهود في الحركات الداعية لتطبيع الشذوذ الجنسي، فهذا أمر نابع من أن أعضاء الأقليات (الذين يوجدون في الهامش) ، وخصوصاً أولئك الذين يتحولون إلى جماعات وظيفية لديهم استعداد أكبر من استعداد أعضاء الأغلبية لارتياد آفاق جديدة سواء في عالم الاستثمار أو في عالم الأفكار والسلوك. ومهما يكن الأمر، فإن حركة الشذوذ الجنسي في العالم الغربي حقَّقت تقدماً ملحوظاً حتى أن قوانين معظم بلاد أوربا قد تغيَّرت، فهي تسمح بالعلاقات الجنسية الشاذة الخاصة بين بالغين يدركون ما يفعلونه ويقبلونه، وبدأت تَصدُر تشريعات تعترف بعلاقة الشواذ جنسياً كزواج شرعي يعطي لطرفيه حقوق المتزوجين كافة من معاش حكومي إلى علاوات إضافية بل وحق تبنِّي الأطفال! كما أن كثيراً من الكنائس المسيحية أصبحت تقبل العلاقة الشاذة جنسياً بل وتُؤسَّس الآن كنائس للشواذ جنسياً، ويُرسَّم الشواذ جنسياً قساوسة ووعاظاً. وقد بدأت المؤسسات الدينية اليهودية تلحق بالركب، فاليهودية الإصلاحية والمحافظة لا تُحرِّمان الآن الشذوذ الجنسي. وقد أُسِّست أيضاً معابد يهودية للشواذ جنسياً، ورُسِّم حاخامات شواذ جنسياً من الجنسين. وهذا دليل آخر على أن الجماعات اليهودية هي، في نهاية الأمر، ثمرة التغيرات الحضارية والاجتماعية التي تقع للمجتمعات التي يعيشون في كنفها، ومن السخف بمكان التحدث هنا عن «تاريخ يهودي مستقل» أو عن مسئولية اليهود عن الشر.
стр. 6397
ونحن نتوقع أن تتطور الأمور بين الجماعات اليهودية بشكل أسرع منها بين المسيحيين، وهذا يعود إلى تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي التي تحوي داخلها أشياء عديدة متناقضة. كما أن تطوُّر اليهودية وقبولها الهوية الإثنية كأساس للانتماء، بدلاً من العقيدة الدينية، يفتح الباب على مصراعيه لأي سلوك مهما تنافى مع القيم الأخلاقية أو الدينية، فالهوية الإثنية لا تفرض على صاحبها أي أعباء أخلاقية. وكما جاء في إحدى الدراسات، فإن المعابد اليهودية الخاصة بالشواذ جنسياً تكافح من أجل الحصول على الفهم والقبول من بيت إسرائيل (الشعب اليهودي) رغم أنف التحريمات الواردة في التوراة وتقاليد اليهودية الحاخامية التي استبعدتهم من الحياة الدينية للجماعة.
стр. 6398
والقانون العثماني الذي طبقته حكومة الانتداب، ومن بعدها الدولة الصهيونية، يُحرِّم العلاقات الجنسية الشاذة. ومع هذا، كانت السلطات التنفيذية الصهيونية تنظر للممارسات الشاذة بكثير من التسامح، ولذا لم يُقدَّم أحد قط للمحاكمة بتهمة الممارسة الجنسية الشاذة. وفي عام ١٩٨٨، أصدر الكنيست قانوناً بإلغاء القانون الذي يُجرِّم العلاقات الجنسية الشاذة (رغم معارضة اليهود الأرثوذكس) . ولا يُعفَى الشواذ جنسياً من الخدمة العسكرية، ويُكتفَى بنقلهم إلى مواقع غير مهمة من الناحية الأمنية. وتوجد في إسرائيل جماعة تُسمَّى جماعة الدفاع عن الحقوق الشخصية أُسِّست عام ١٩٧٥. وبعد عام ١٩٨٨، ظهرت مجلات للشواذ جنسياً في إسرائيل باللغتين العبرية والإنجليزية. وفي يونيه ١٩٩١، عُقد في تل أبيب المؤتمر الدولي الثالث للشواذ جنسياً من الذكور والإناث والمخنثين (أي الذين يحوون عناصر ذكورة وأنوثة) . وهناك اتجاه الآن في إسرائيل نحو منح المزيد من الحريات للشواذ جنسياً. وقد صرحت يائيل ديان، ابنة موشيه ديان، بأن العلاقة بين الملك داود ويوناثان هي علاقة شاذة جنسياً، كما عُرضت مسرحية في إسرائيل تتناول سيرة داود الملك بالطريقة نفسها وهناك العديد من الأفلام والأعمال الفنية التي تتعامل مع هذا الموضوع.
يهودية الطعام
Culinary Judaism
стр. 6399
«يهودية الطعام» عبارة نستخدمها في هذه الموسوعة لنشير إلى ما يُسمَّى بالإنجليزية «كيوليناري جودايزم culinary Judaism» وترجمتها الحرفية «اليهودية الطهوية» أو «يهودية الطبيخ» . والواقع أن «يهودية الطعام» هي شكل من أشكال اليهودية الإثنية أو الإثنية اليهودية، إذ أن بعض أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة تنحصر يهوديتهم (كعقيدة وانتماء) في نوع الطعام الذي يأكلونه وفي طريقة طهوه. وما يُطلقون عليه اصطلاح «طعام يهودي» هو في العادة من أصل شرق أوربي يديشي (مثل البيجل والجيلت، والسمك المملح) . كما قد يُراعى بعض قوانين الطعام الشرعي (لا كلها) في بعض المناسبات وحسب (وليس طوال العام) . واليهودي الأمريكي، وهو عادةً من اليهود الجدد، يحرص على تناول مثل هذا الطعام وعلى اتِّباع مثل هذه القواعد ويتصور أنه يؤكد انتماءه اليهودي بهذا الشكل، وأنه قد تَوحَّد مع الشعب اليهودي والأسلاف والأجداد. وهذا شيء مضحك تماماً، فتناول أنواع من الأطعمة لا يعدو أن يكون مجرد تناول لأنواع من الأطعمة، وهو أمر لا علاقة له بأي نسق ديني أو أخلاقي ولا علاقة له بالهوية الإثنية إن تم تعريفها بشكل مركب وشامل.
ويهودية الطعام تعبير آخر عن علمنة النسق الديني اليهودي وعن تحوُّل اليهودية من عقيدة يلتزم بها اليهودي ويخضع لقواعدها إلى مجموعة من الممارسات التي تهدف إلى تحقيق الهوية وإشباع الذات وتحقيق المتعة!
ألعاب التوراة (توراه إيروبكس (
Tora Aerobics
стр. 6400
«توراه إيروبيكس» عبارة إنجليزية تعني ممارسة التمرينات الرياضية المعروفة بالإيروبيكس بمصاحبة التوراة. ولذا أطلقنا عليها مصطلح «ألعاب التوراة» . وألعاب التوراة إحدى البدع الجديدة التي ظهرت في الولايات المتحدة، وصاحبها حاخام إصلاحي في لونج أيلاند، قرَّر أن يقوم بدراسة نصوص التوراة وتلاوتها وذلك بمصاحبة التمرينات الرياضية المعروفة بالإيروبيكس ضمن الاحتفالات التقليدية المصاحبة لعيد النصيب. وفي الواقع، فإن عدم احتجاج أيٍّ من المؤسسات الدينية اليهودية الإصلاحية المسئولة على هذه البدعة الجديدة تبيِّن أن اليهودية نفسها بدأت تتحول من الداخل إلى إحدى العبادات الجديدة التي فقدت الصلة تماماً باليهودية الحاخامية، وخصوصاً بعد السماح للشواذ جنسياً بالانضمام إلى الأبرشيات الإصلاحية المختلفة، بل وبعد السماح لهم بأن يُرسَّم منهم حاخامات أيضاً. وهذا أمر مُتوقَّع تماماً في مرحلة الحلولية بدون إله، إذ يصبح الجسد (بالنسبة إلى يهود الولايات المتحدة البعيدين عن الأرض المقدَّسة) الكيان المقدَّس الأساسي الذي يشكل العابد والمعبود والمعبد. وألعاب التوراة مثل جيد على علمنة النسق الديني من الداخل، بحيث لا يبقى فيه من الخارج سوى القشرة والمحارة، فألعاب التوراة تعبير عن أخلاقيات اللذة والمتعة حيث يصبح الهدف من الحياة تحقيق الذات وإمتاعها والتعبير عن مبدأ اللذة خارج أية حدود أو قيود. وغني عن القول أن مثل هذه الأخلاقيات يقف على طرف النقيض من الموقف الديني الذي يَصدُر عن الاعتراف بأن الإنسان له حدود وبأن الهدف من وجود الإنسان في الأرض ليس إمتاع الذات وإنما تحقيق مثاليات أخلاقية تستند إلى أمر إلهي.
والله أعلم.
стр. 6401
المجلد السادس: الصهيونية
الجزء الأول: إشكاليات وموضوعات أساسية
الباب الأول: التعريف بالصيهونية
الصهيونية: إشكالية التعريف
Zionism: The Problem of Definition
كلمة «صهيونية» يصعب تعريفها بشكل مباشر للأسباب التالية:
١ ـ التعريفات الشائعة في المعاجم الغربية تشير إلى "الأمل الصهيوني" وليس إلى الظاهرة الصهيونية، فتُعرَّف الصهيونية، على سبيل المثال بأنها "الحركة الرامية إلى عودة اليهود إلى وطن أجدادهم إرتس يسرائيل حسبما جاء في الوعد الإلهي والآمال المشيحانية لليهود! " وغني عن القول أن الأمل الصهيوني أو المتتالية المفترضة أو المتوقعة تختلف كثيراً عن الواقع الصهيوني أو المتتالية المتحققة.
٢ ـ تختلط التعريفات بالاعتذاريات والمنظورات المختلفة بحيث لا تمكن التفرقة بين الواحد والآخر، فالصهيونية قد تكون من منظور البعض هي تحقيق الآمال المشيحانية، ولكنها من منظور البعض الآخر مخطط استعماري استيطاني.
٣ ـ يشير المصطلح إلى نزعات وحركات ومنظمات سياسية غير متجانسة، بل متناقضة أحياناً، في أهدافها ومصالحها ورؤيتها للتاريخ، أو في أصولها الإثنية أو الدينية أو الطبقية.
٤ ـ قد يُستخدَم المصطلح مع صفة تحدُّ من حقله الدلالي أو تُوسِّعه كأن نقول «الصهيونية العمالية» و «الصهيونية المسيحية» . بل هناك أيضاً «صهاينة صهيون» وهم معارضو مشروع شرق أفريقيا باعتبار أن دعاة هذا المشروع هم صهاينة بدون صهيون (كما أشار بعض دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية إلى صهيونية هرتزل باعتبارها «صهيون بلا صهيونية «) .
стр. 6402
وإذا كانت الصهيونية تعني "تهجير بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى فلسطين وتوطينهم فيها"، فبأي معنى إذن يمكننا الحديث عن «صهيونية الدياسبورا» أو «الشتات» (الجماعات اليهودية في العالم) ،أي صهيونية اليهودي الذي يرفض أن يشترك في عملية الاستيطان الصهيوني وإن كان في الوقت نفسه يرى أن هذا الاستيطان هو الحل الوحيد لمشاكل اليهود؟ ولعل هذا هو الذي حدا بالمفكر الصهيوني العمالي بوروخوف إلى أن ينحت مصطلحاً في غاية الأهمية اختفى من الأدبيات والتواريخ الصهيونية وهو «صهيونية الصالونات» ، ويعني صهيونية الطبقة الوسطى التي تهتم بالجوانب الحضارية والثقافية والإثنية (أي ما يُسمَّى «الوعي اليهودي» ) ولا تهتم كثيراً بالاستيطان. كما نحت آخر (بعد تأسيس الدولة الصهيونية) مصطلح «صهيونية دفتر الشيكات» وهي صهيونية اليهودي الذي يُحدث أصواتاً صهيونية عالية ولكنه يكتفي بدفع مبلغ من المال للمنظمة الصهيونية. ولذا، فإن الصفة هنا في الواقع لا تُعدِّل دلالة المصطلح وحسب، وإنما تغير معناه تغييراً جوهرياً.
٥ ـ وهنا يجب أن نثير قضية تتصل بالمجال الدلالي. فإن قَبلنا بأن الصهيوني "هو من يدعو إلى تهجير اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها"، فهل يمكن أن نُطلق المصطلح على دعوة المعادين لليهود بطرد اليهود من أوطانهم وتوطينهم في فلسطين؟ بل هل يمكن أن نُطلق المصطلح على المشاريع النازية المختلفة للتخلص من اليهود؟ وهل يمكن الحديث عن النازيين كصهاينة؟ وعلى كل حال، فإن هذا ما فعله أدولف أيخمان أثناء محاكمته. فقد أشار إلى نفسه باعتباره صهيونياً يحاول أن يضع شيئاً من الأرض الراسخة تحت أقدام اليهود (باعتبار أن اليهود شعبٌ بلا أرض، أما الأرض الراسخة فهي فلسطين، أرض بلا شعب) .
الصهيونية: تاريخ المفهوم والمصطلح
Zionism: The History of the Concept and the Term
стр. 6403
لم يُسك مصطلح «الصهيونية» إلا في القرن التاسع عشر، ولكنه مع هذا يُستخدَم للإشارة إلى بعض النزعات في التاريخ الغربي، بل داخل النسق الديني اليهودي قبل هذا التاريخ. وسنحاول فيما يلي أن نرصد بعض استخدامات المصطلح ونوردها ـ على قدر المستطاع ـ في تسلسلها التاريخي، مع العلم بأن كل دلالة جديدة لا تنسخ بالضرورة ما سبقها، وإنما تُضاف إلىها فتزيد المجال الدلالي اتساعاً وتناقضاً وتجعل المصطلح تركيباً جيولوجياً تراكمياً:
стр. 6404
١ ـ الصهيونية بالمعنى الديني: تشير كلمة «صهيون» في التراث الديني اليهودي إلى جبل صهيون والقدس، بل إلى الأرض المقدَّسة ككل، ويُشير اليهود إلى أنفسهم باعتبارهم «بنت صهيون» . كما تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى اليهود كجماعة دينية. والواقع أن العودة إلى صهيون فكرة محورية في النسق الديني اليهودي، إذ أن أتباع هذه العقيدة يؤمنون بأن الماشيح المخلِّص سيأتي في آخر الأيام ليقود شعبه إلى صهيون (الأرض ـ العاصمة) ويحكم العالم فيسود العدل والرخاء. ولكلمة «صهيون» إيحاءات شعرية دينية في الوجدان الديني اليهودي، فقد جاء في المزمور رقم ١٣٧/١ على لسان جماعة يسرائيل بعد تهجيرهم إلى بابل: "جلسنا على ضفاف أنهار بابل وذرفنا الدمع حينما تذكرنا صهيون". وقد وردت إشارات شتى في الكتاب المقدَّس إلى هذا الارتباط بصهيون الذي يُطلَق عليه عادةً «حب صهيون» ، وهو حب يعبِّر عن نفسه من خلال الصلاة والتجارب والطقوس الدينية المختلفة، وفي أحيان نادرة على شكل الذهاب إلى فلسطين للعيش فيها بغرض التعبد. ولذا، كان المهاجرون اليهود الذين يستقرون هناك لا يعملون ويعيشون على الصدقات التي يرسلها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وقد كان العيش في فلسطين يُعَد عملاً من أعمال التقوى لا عملاً من أعمال الدنيا، وجزاؤه يكون في الآخرة أو في آخر الأيام، ولذا فإنه لا تربطه رابطة كبيرة بالاستيطان الصهيوني، وخصوصاً أن اليهودية الحاخامية (الأرثوذكسية) تُحرِّم محاولة العودة الجماعية الفعلية إلى فلسطين وتعتبرها تجديفاً وهرطقة ومن قبيل «دحيكات هاكتس» أي «التعجيل بالنهاية» . فاليهودية تؤمن بأن العودة إلى أرض الميعاد ستتم في الوقت الذي يحدده الرب وبطريقته، وأنها ليست فعلاً بشرياً يتم على يد البشر. وهذه النزعة الصهيونية الدينية (التي تؤكد عنصر تجاوز المادة) لا علاقة لها بالاستيطان الصهيوني الفعلي والمادي في فلسطين ولا حتى بما يُسمَّى «الصهيونية
стр. 6405
الدينية» في الوقت الحالي.
٢ ـ يُطلَق اصطلاح «الصهيونية» أيضاً على نظرة محددة لليهود ظهرت في أوربا (وخصوصاً في الأوساط البروتستانتية في إنجلترا ابتداءً من أواخر القرن السادس عشر) وترى أن اليهود ليسوا جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري الغربي، لهم ما لبقية المواطنين وعليهم ما عليهم، وإنما تنظر إليهم باعتبارهم شعباً عضوياً مختاراً وطنه المقدَّس في فلسطين ولذا يجب أن يُهجَّر إليه. وقد استمر هذا التيار المنادي بتوطين اليهود في فلسطين حتى بعد أن خمد الحماس الديني الذي صاحب حركة الإصلاح الديني. ويُطلَق على هذه النزعة اسم «الصهيونية المسيحية» ، وهي تمارس في الولايات المتحدة الآن بعثاً جديداً وخصوصاً في بعض الأوساط البروتستانتية (الأصولية) المتطرفة.
٣ ـ مع تَزايُد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، ظهرت نزعات ومفاهيم صهيونية في أوساط الفلاسفة (ولا سيما الرومانسيين) والمفكرين السياسيين والأدباء، تنادي بإعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أنهم شعب عضوي منبوذ تربطه علاقة عضوية بها استناداً لأسباب تاريخية وسياسية بل"علمية". ويُطلَق على هذا الضرب من الصهيونية «صهيونية غير اليهود» أو «صهيونية الأغيار» .
٤ ـ يُلاحَظ حتى الآن أن مصطلح «صهيونية» نفسه لم يكن قد تم سكه بعد، ومع هذا كان مفهوم الصهيونية مفهوماً مُتداوَلاً على نطاق واسع بين الفلاسفة والمفكرين والشعراء والمهووسين الدينيين. ولكن مع تبلور الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق، وبخاصة الشرق الإسلامي، ومع تبلور الفكر المعادي لليهود في الغرب (بسبب ظهور الدولة العلمانية المركزية التي همَّشت اليهود كجماعة وظيفية) ، ومع تصاعد معدلات العلمنة بدأ مفهوم الصهيونية نفسه في التبلور والتخلص من كثير من أبعاده الغيبية الدينية أو الرومانسية وانتقل إلى عالم السياسة والمنفعة المادية ومصالح الدول.
стр. 6406
٥ ـ ليس من الغريب إذن أن نجد أن نابليون بونابرت أول غاز غربي للشرق الإسلامي في العصر الحديث وواحد من أهم المعادين لليهود في العالم الغربي (كما يدل على ذلك سجله في فرنسا) وواحد من أهم دعاة العلمانية الشاملة هو أيضاً صاحب أول مشروع صهيوني حقيقي، إذ دعا الصهاينة إلى الاستيطان في "بلاد أجدادهم"!
٦ ـ أصبح مفهوم الصهيونية مفهوماً أساسياً في الخطاب السياسي الغربي عام ١٨٤١ مع نجاح أوربا في بلورة مشروعها الاستعماري ضد العالم العربي والإسلامي الذي حقق أول نجاح حقيقي له في القضاء على مشروع محمد علي في تحديث مصر والدولة العثمانية، ومع تفاقم المسألة اليهودية التقت المسألة الشرقية بالمسألة اليهودية وساد التصوُّر القائل بإمكان حل المسألتين من خلال دمجهما.
٧ ـ تمت بلورة المفاهيم الصهيونية وملامح المشروع الصهيوني بشكل كامل في الفترة بين منتصف القرن التاسع عشر وعام ١٨٨٠ على يد المفكرين الصهاينة غير اليهود لورد شافتسبري ولورانس أوليفانت. وقد لخص شافتسبري التعريف الغربي لمفهوم الصهيونية في عبارة أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض (في كلمات تقترب كثيراً من الشعار الصهيوني)) . وقد حاول أوليفانت أن يضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.
٨ ـ يُلاحَظ أننا نضع تاريخ تطوُّر مفهوم الصهيونية في سياق التاريخ الفكري والسياسي والعسكري الغربي، ولا نعود إلى العهد القديم أو ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» (إلا في محاولة دراسة الديباجات) . فحتى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر لم يكن يربط اليهود أو اليهودية علاقة كبيرة بالصهيونية كفكرة أو مفهوم أو مشروع سياسي واقتصادي عسكري. وقد كان هذا هو الرأي السائد في الأوساط الصهيونية حتى عهد قريب. فأول تاريخ رسمي للصهيونية، كُتب بتكليف من المنظمة الصهيونية وكتبه ناحوم سوكولوف (الذي تولى رئاسة المنظمة الصهيونية بعض الوقت) مكوَّن من جزأين كرِّس معظمها لتاريخ الصهيونية بين غير اليهود.
стр. 6407
٩ ـ بدأت النزعات الصهيونية تظهر بين اليهود أنفسهم في أواخر القرن التاسع عشر مع تفاقم المسألة اليهودية، وعبَّرت عن نفسها في بادئ الأمر عن طريق المساعدات التي كان أثرياء اليهود في الغرب يدفعونها للجمعيات التوطينية المختلفة التي كانت تهدف إلى توطين يهود شرق أوربا في أي بلد (ويشمل ذلك فلسطين) حتى لا يهاجروا إلى غربها فيعرِّضوا مكانتهم الاجتماعية وأوضاعهم الطبقية للخطر.
١٠ ـ عبَّرت النزعة الصهيونية في شرق أوربا عن نفسها من خلال جماعات أحباء صهيون التي حاولت التسلل إلى فلسطين للاستيطان فيها. وتُوصَف هذه النزعات أيضاً بأنها «صهيونية» رغم اختلاف الدوافع بين الفريقين الأول والثاني.
стр. 6408
١١ ـ وقد نحت المصطلح نفسه المفكر اليهودي النمساوي نيثان بيرنباوم في أبريل ١٨٩٠ في مجلة الانعتاق الذاتي وشرح معناه في خطاب بتاريخ ٦ نوفمبر ١٨٩١ قال فيه إن الصهيونية هي إقامة منظمة تضم الحزب القومي السياسي بالإضافة إلى الحزب ذي التوجه العملي (أحباء صهيون) الموجود حالياً. وفي مجال آخر (في المؤتمر الصهيوني الأول ١٨٩٧ صرَّح بيرنباوم بأن الصهيونية ترى أن القومية والعرْق والشعب شيء واحد، وهكذا أعاد بيرنباوم تعريف دلالة مصطلح «الشعب اليهودي» الذي كان يشير فيما مضى إلى جماعة دينية إثنية، فأصبح يشير إلى جماعة عرْقية (بالمعنى السائد في ذلك الوقت) ، وتم استبعاد الجانب الديني منه تماماً. وأصبحت الصهيونية الدعوة القومية اليهودية التي جعلت السمات العرْقية اليهودية (ثم السمات الإثنية في مرحلة لاحقة) قيمة نهائية مطلقة بدلاً من الدين اليهودي، وخلَّصت اليهودية من المعتقدات المشيحانية والعناصر العجائبية الأخروية، وهي الحركة التي تحاول أن تصل إلى أهدافها من خلال العمل السياسي المنظم لا من خلال الصدقات. ورغم أن بيرنباوم كان يهدف إلى الدعوة إلى ضرب جديد من التنظيم السياسي مقابل جهود أحباء صهيون التسللية، فإن المصطلح استُخدم للإشارة إلى الفريقين معاً.
وبعد المؤتمر الصهيوني الأول ١٨٩٧ في بازل، تحدَّد المصطلح وأصبح يشير إلى الدعوة التي تبشر بها المنظمة الصهيونية وإلى الجهود التي تبذلها، وأصبح الصهيوني هو من يؤمن ببرنامج بازل (في مقابل المرحلة السابقة على ذلك، أي مرحلة أحباء صهيون بجهودها التسللية المتفرقة)
стр. 6409
١٢ ـ بعد ذلك، بدأت دلالات الكلمة تتفرع وتتشعب، فهناك «صهيونية سياسية» (يُشار إليها أحياناً بعبارة «الصهيونية الدبلوماسية» ) ، وأخرى «عملية» ، وتبعتها «الصهيونية التوفيقية» . وكل صهيونية لها توجُّهها وأسلوبها الخاص وإن كانت جميعاً لا تختلف في الهدف النهائي. وتذهب الصهيونية التوفيقية إلى أن كل الاتجاهات الصهيونية غير متناقضة بل يكمل الواحد منها الآخر، ومن ثم يَسهُل التوفيق بينها.
١٣ ـ تَبلور المفهوم الغربي للصهيونية تماماً في وعد بلفور الذي مُنح "للشعب اليهودي" (أُسقطت عبارة "العرْق اليهودي") والذي أشار للعرب باعتبارهم الجماعات غير اليهودية، أي أن اليهود أصبحوا شعباً بلا أرض وفلسطين أصبحت أرضاً بلا شعب.
١٤ ـ ثم ظهرت بعد ذلك «الصهيونية الثقافية» و «الدينية» التي أضافت إلى الصهيونية البعد الإثني (الديني والعلماني) .
١٥ ـ ثم ظهرت «الصهيونية الديموقراطية» و «الصهيونية العمالية» و «الصهيونية التصحيحية» و «الصهيونية الراديكالية «.
١٦ ـ وبعد عام ١٩٤٨، ظهرت «صهيونية الدياسبورا «.
ونحن نذهب إلى أنه يوجد في الواقع صهيونيتان لا صهيونية واحدة (صهيونية توطينية وصهيونية استيطانية) . ومع هذا، فإنهما يُشار إليهما بدالٍّ واحد: «صهيونية» . وذلك برغم أنهما ظاهرتان مختلفتان تماماً، لهما جذور مختلفة وقيادات وأهداف مختلفة.
стр. 6410
١٧ ـ ويُشبِّه يوري أفنيري الصهيونية بالبيوريتانية (بالإنجليزية: بيوريتانيزم Puritanism) في أمريكا، فهي أيديولوجيا الأصول التي أدَّت إلى ظهور المجتمع الأمريكي، ولكنها ماتت ولم تَعُد لها فعالية في هذا المجتمع. ويرى الكاتب الإسرائيلي بوعز إفرون أن على الإسرائيلي في علاقته بالصهيونية أن يكون مثل الأمريكي في علاقته بالبيوريتانية. وبذا، تصبح الدوافع الأيديولوجية أو الاقتصادية التي دفعت الرواد الأوائل (الصهاينة أو البيوريتان) إلى الاستيطان (في فلسطين أو الولايات المتحدة) موضوعاً ذا أهمية تاريخية أو أكاديمية محضة، وليس موضوعاً أساسياً.
ويتحدث الكاتب الإسرائيلي أبراهام يهوشاوا عن الصهيونية بوصفها حركة إنقاذ عملية ظهرت حلاًّ للمأزق اليهودي منذ قرن (أي المسألة اليهودية في شرق أوربا) ، وهو يعتقد أن العملية قد وصلت إلى نهايتها، أي أن الصهيونية كانت ولم تَعُد.
следующие страницы →