← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

جنيف، أغسطس ١٩٣٩. عُقد برئاسة أوسيشكين. وكانت القضية الأساسية المطروحة للمناقشة أمامه هي الموقف من الكتاب الأبيض البريطاني الذي كانت بريطانيا قد أصدرته لتوها لاسترضاء العرب بوضع بعض القيود على حجم الهجرة اليهودية ومساحات الأرض التي يجوز شراؤها من جانب اليهود، وذلك بعد أن نجحت في قمع الثورة الفلسطينية الكبرى (١٩٣٦ ـ ١٩٣٩) بالتعاون مع الحركة الصهيونية ومنظماتها الاستيطانية في فلسطين. وقد استند هذا الرفض الصهيوني إلى مناخ الحرب العالمية الثانية التي بدأت نذرها تلوح في الأفق بما يعنيه هذا من شدة احتياج بريطانيا لمساعدة الحركة الصهيونية. المؤتمر الثاني والعشرون: بازل، ديسمبر ١٩٤٦. عُقد برئاسة وايزمان، وقد حضر التصحيحيون هذا المؤتمر. وكان المناخ الذي انعقد في ظله المؤتمر هو محاولة الضغط على بريطانيا لخلق الدولة الصهيونية، ولذا فقد تزعَّم التصحيحيون الاتجاه الداعي إلى تبنِّي سياسة متشددة إزاء بريطانيا انطلاقاً من الاعتقاد بأنها لم تنفذ ما تعهدت به وفق نص الانتداب. كما طالبوا بتدعيم حركة المقاومة العبرية التي هاجمت بعض المنشآت البريطانية. وفي مواجهة هذا الموقف، تبنَّى وايزمان رأياً يدعو إلى الدخول في حوار مع بريطانيا حرصاً على استمرار علاقات طيبة مع الدولة التي تملك إمكانية فتح أبواب فلسطين لهجرة يهودية واسعة. وإزاء هذا الصراع قدَّم وايزمان استقالته من رئاسة المنظمة الصهيونية، وأخفق المؤتمر في اختيار بديل له. وقد اختير ناحوم جولدمان رئيساً للجنة التنفيذية في نيويورك، وبيرل لوكر رئيساً لهذه اللجنة في القدس. المؤتمر الثالث والعشرون:

стр. 6652

القدس، أغسطس ١٩٥١. أول مؤتمر صهيوني يُعقَد في القدس بعد قيام الدولة الصهيونية، وكان برئاسة ناحوم جولدمان. ولذا، فقد كان من الطبيعي أن تكون إحدى المسائل الأساسية موضوع الدراسة في المؤتمر هي العلاقة بين الدولة الصهيونية الناشئة والحركة الصهيونية التي خلقتها متمثلة في المنظمة الصهيونية العالمية، وكيفية تحديد اختصاصات كل منهما تفادياً للتضارب أو الازدواج. وقد ترتَّب على توصية المؤتمر بتنظيم هذه العلاقة حيث أصدرت الحكومة الإسرائيلية قانوناً بهذا الشأن في نوفمبر ١٩٥٢ أعطت للمنظمة بموجبه وضعاً قانونياً فريداً يخوِّل لها حق جَمْع الأموال من يهود العالم وتمويل الهجرة إلى إسرائيل بل حتى الإشراف على توطين واستيعاب المهاجرين داخل المجتمع الإسرائيلي والمساعدة في تطوير الاقتصاد وما تستدعيه ممارسة هذه الصلاحيات جميعاً من التمتع بحقوق التعاقد والملكية والتقاضي، وهو ما دفع بعض الفقهاء إلى اعتبار هذا الوضع نموذجاً شاذاً لمنظمة خاصة ذات صفة دولية تمارس صلاحيات واسعة على إقليم دولة معينة بموافقتها وعلى أراضي الدولة الأخرى نيابة عنها. وقد أدخل المؤتمر تعديلات جوهرية على برنامج بازل لمواجهة الأوضاع الجديدة التي ترتبت على تحقيق الهدف الرئيسي لهذا البرنامج أي تأسيس الدولة الصهيونية، وعرف هذا البرنامج الجديد باسم «برنامج القدس» . المؤتمر الرابع والعشرون:

стр. 6653

القدس، أبريل/مايو ١٩٥٦. عُقد برئاسة سير نيزاك. وقد كان هذا المؤتمر بمنزلة مظاهرة دعائية تمهد للعدوان الإسرائيلي على مصر والذي أعقب انفضاض جلسات المؤتمر بخمسة شهور، فقد أشار المؤتمر في بيانه السياسي الختامي إلى أنه يدرك تماماً المخاطر التي تهدِّد دولة إسرائيل بسب النوايا العدوانية للدول العربية التي تتلقَّى السلاح من الشرق والغرب. وناشد المؤتمر يهود العالم جميعاً الإسراع بتحمُّل مسئولياتهم التاريخية تجاه إسرائيل، وتعبئة كل الإمكانيات لضمان قوتها وأمنها ورخائها، وضمنه تدفُّق الهجرات اليهودية واسعة النطاق إلى إسرائيل، وضمان توفُّر نظام متكامل وحديث لاستيعاب المهاجرين الجدد في إسرائيل، وهو ما يعني في النهاية تكريس المشروع الاستيطاني الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني. وفي نهاية المؤتمر، تم انتخاب جولدمان رئيساً للمنظمة الصهيونية ورئيساً للمجلس التنفيذي للوكالة اليهودية بعد أن ظل هذا المنصب شاغراً منذ استقالة وايزمان عام ١٩٤٦. المؤتمر الخامس والعشرون:

стр. 6654

القدس، ديسمبر ١٩٦٠/يناير ١٩٦١. عُقد برئاسة ناحوم جولدمان، وقد اتسم هذا المؤتمر بانفجار خلاف واضح بين بن جوريون (رئيس الوزراء وقتئذ) وجولدمان حول تكييف العلاقة بين إسرائيل والمنظمة الصهيونية. وهنا تبدو محاولة الصفوة السياسية الإسرائيلية وضع قبضتها على المنظمة الصهيونية، فقد أشار بن جوريون إلى ضرورة أن تكون المنظمة إحدى أدوات السياسة الخارجية الإسرائيلية في تحقيق الإشراف على يهود العالم وتعبئة إمكاناتهم لتدعيم الكيان الصهيوني، بينما كان جولدمان يرى أن المنظمة هي المسئولة دائماً عن الحركة الصهيونية، سواء داخل حدود إسرائيل (الكيان الذي خلقته المنظمة) أو خارجها. وبالإضافة إلى هذا، كانت قضية الهجرة اليهودية إلى إسرائيل هي ميدان الخلاف الثاني، خصوصاً بعد أن كادت الهجرة اليهودية من أوربا الغربية وأمريكا لإسرائيل أن تتوقف نتيجة تصاعُد إمكانات اندماج اليهود في مجتمعاتهم. وإزاء هذا الوضع، أكد بن جوريون أن الهجرة إلى إسرائيل واجب ديني وقومي على كل اليهود، ذلك لأن اليهودي لا يكتسب كماله الخلقي ومثاليته ولا يعبِّر عن إيمانه بالصهيونية إلا بالوجود على أرض الدولة اليهودية، أي الدولة الصهيونية، على حين رأى جولدمان أن بمقدور اليهودي أن يكون صهيونياً مخلصاً مع استمراره في الإقامة في بلده الأصلي. وقد انتهى المؤتمر إلى حل وسط يتمثل في ضرورة تدعيم التعليم اليهودي في أنحاء العالم وتنمية الثقافة اليهودية لدى يهود المجتمعات الغربية للحيلولة دون انصهارهم في مجتمعاتهم الأصلية. كما أعاد المؤتمر انتخاب جولدمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية. المؤتمر السادس والعشرون:

стр. 6655

القدس، ديسمبر ١٩٦٤/يناير ١٩٦٥. عُقد برئاسة جولدمان الذي أشار في خطاب الافتتاح إلى ضرورة بدء عهد جديد من التعاون بين إسرائيل والجماعات اليهودية في العالم (الدياسبورا) ، كما أكد مسئولية دولة إسرائيل في مكافحة خطر اندماج يهود الدياسبورا فكرياً وثقافياً واجتماعياً في المجتمعات التي يقيمون فيها، وهو الخطر الذي اتسمت الحركة الصهيونية دائماً بحساسية دائمة ومفرطة تجاهه والذي رأت فيه تهديداً لها لا يقل عن ظاهرة العداء لليهود. ولمواجهة هذا الخطر، أوصى المؤتمر بأن تُولي المنظمة الصهيونية بالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية قضية تدعيم اللغة العبرية والقيم القومية التقليدية لدى يهود العالم اهتماماً متزايداً. ونظراً لهبوط معدلات الهجرة إلى إسرائيل في تلك الفترة هبوطاً شديداً، شهد هذا المؤتمر بداية الضغوط الصهيونية بشأن ما عُرف بقضية اليهود السوفييت. وقد جدَّد المؤتمر انتخاب جولدمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية. المؤتمر السابع والعشرون:

стр. 6656

القدس، يوليه ١٩٦٨. أول مؤتمر صهيوني يتم عقده بعد أن دخلت التوسعية الإسرائيلية مرحلة متقدمة من مراحل التعبير عن نفسها في حرب يونيه ١٩٦٧. وقد طُرحت قضية الهجرة اليهودية إلى إسرائيل كقضية محورية في هذا المؤتمر للدفاع عما استطاعت إسرائيل تحقيقه من تَوسُّع بالقوة المسلحة في حرب يونيه ١٩٦٧، ولتشجيع سياسة الاستيطان في الأراضي المحتلة، ولتطبيق السياسة التي أعلن عنها ديان باسم «سياسة خَلْق الحقائق الجديدة» . والواقع أن هذا يؤكد ما اعتبره جولدمان المهام الأساسية التي تواجه الحركة الصهيونية والتي كانت مسألة الهجرة في طليعتها. وفي هذا الصدد، صدَّق المؤتمر على قرار الحكومة الإسرائيلية بإنشاء وزارة لاستيعاب المهاجرين. وهنا يبدو أن تَوسُّع سنة ١٩٦٧ قد اختصر المسافة بين جولدمان وبين بن جوريون وتلامذته ديان وبيريز، وجعل القضية المطروحة عليهم جميعاً بإلحاح هي كيفية خلق واقع سكاني جديد في الأراضي العربية المحتلة. ومن المثير للدهشة بعد هذا أن يناشد المؤتمر الشعوب العربية والقادة العرب التعجيل بإحلال السلام في الشرق العربي، وأن يدعو بيانه الختامي الدول المحبة للسلام أن تقدِّم لإسرائيل أسلحة دفاعية ضد العرب الذين يهددونها بخطر الإبادة. وفي نهاية المؤتمر، قدَّم جولدمان استقالته من رئاسة المنظمة الصهيونية ولم يتم اختيار خلف له. المؤتمر الثامن والعشرون:

стр. 6657

القدس، يناير ١٩٧٢. عُقد برئاسة أرييه بينكوس الذي انتُخب أيضاً رئيساً للجنة التنفيذية. وقد كان واضحاً منذ البداية تصاعد النفوذ الإسرائيلي الرسمي في المؤتمر. وقد أعلن جولدمان اعتراضه على الحملة الإسرائيلية على الاتحاد السوفيتي حول قضية هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل. ويمكن القول بأن السمة الأساسية للمناخ الذي انعقد في ظله المؤتمر هي الإحساس بتفاقم التناقضات العرْقية والاجتماعية في إسرائيل، ولعلها المرة الأولى التي يتطرق فيها مؤتمر صهيوني إلى الناحية الاجتماعية داخل الكيان الصهيوني، بحيث خصص إحدى لجانه لدراستها، وخصوصاً بعد ظهور حركة الفهود السود، كأحد مظاهر احتدام التناقض بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين. ولعل هذا هو السبب في رفض قيادات المؤتمر الصهيوني إعطاء الفرصة للفهود السود كي يتحدثوا أمام المؤتمر وذلك خشية ما يمكن أن يحدث من آثار سلبية على قضية الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وهي القضية التي استمر المؤتمر في تأكيد محوريتها وتأكيد ضرورة كفالة الظروف الملائمة لتشجيعها مثل الاستيعاب والاستيطان والحيلولة دون احتدام التناقضات الاجتماعية والسلالية داخل إسرائيل. وقد دعا المؤتمر إلى ضرورة دعم التعليم اليهودي والثقافة الصهيونية لدى الجماعات اليهودية في العالم. وقد استغلت بعض القيادات الإسرائيلية (بنحاس سابير ـ إيجال آلون) المؤتمر لتأكيد أهمية الهجرة للمطالبة بمزيد من المساعدات المالية من الجماعات اليهودية، وذلك لتأمين استيعاب موجات الهجرة إلى إسرائيل عن طريق مشروعات الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة، وهي المشروعات التي أشار إيجال آلون إلى أنها تسهم في تجديد روح الريادة في أوساط الشباب، وهو ما يعني تحقيق المزيد من إضفاء الطابع الصهيوني على الصابرا والمهاجرين الجدد، وخصوصاً بعد أن لاحظ المؤتمر عزوف الشباب عن الصهيونية ومُثُلها. المؤتمر التاسع والعشرون:

стр. 6658

القدس، فبراير/مارس ١٩٧٨. عُقد برئاسة أرييه دولزين الذي انتُخب رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية. وشارك في هذا المؤتمر ـ لأول مرة ـ ممثلون ومراقبون من خمس منظمات يهودية عالمية هي: الاتحاد العالمي لليهود الشرقيين ـ منظمة مكابي العالمية ـ الرابطة العالمية لليهود التقدميين ـ المجلس العالمي للمعابد المحافظة ـ المؤتمر العالمي للمعابد الأرثوذكسية. وجاء المؤتمر عقب صعود ليكود إلى الحكم، ففقد التجمع العمالي «المعراخ» مكانته كقوة أولى في الحركة الصهيونية، كما تغيَّرت التحالفات داخل المؤتمر لصالح الليكود حيث انفرط الحلف التقليدي بين العمل ومزراحي نتيجة انضمام الأخير إلى تحالف الليكود. وأبدت الكونفدرالية العالمية للصهيونية العمومية استعدادها للانضمام للائتلاف الجديد. وفي المقابل، نشأ تحالف بين المعراخ وممثلي اليهود الإصلاحيين. وقد انعكس هذا التحول على مناقشات المؤتمر، فشهدت مداولات تشكيل اللجنة التنفيذية خلافات حادة بين الكتلتين على توزيع مقاعد اللجنة، كما تفجرت الخلافات بينهما عند مناقشة مسألة تمثيل اليهود الشرقيين بشكل مناسب في أجهزة المنظمة الصهيونية. وعكست مناقشات المؤتمر جو الأزمة العامة التي تعيشها الحركة الصهيونية والتي تجسَّدت في عدد من الظواهر البارزة لعل أهمها تَراجُع معدلات الهجرة إلى الكيان الصهيوني وتزايد معدلات النزوح والتساقط، بالإضافة إلى الإخفاقات المستمرة في مجال التعليم اليهودي وانفصال الشباب اليهودي بشكل متزايد عما يُسمَّى «التراث اليهودي» وارتفاع نسبة الزواج المُختلَط، وهو ما اعتبره أعضاء المؤتمر كارثة سكانية تزداد حدتها يوماً بعد يوم.

стр. 6659

وأولى المؤتمر التوسع في إقامة مستوطنات جديدة اهتماماً بالغاً، وكذا العمل على سرعة استيعاب المهاجرين في المستوطنات القائمة. وبشكل عام، تميَّزت المناقشات بالتكرار والصخب والتهديد بالانسحاب من جانب هذا التيار أو ذاك، ولهذا فقد أُحيلت القرارات إلى محكمة المؤتمر للبت فيها ولم يتمكن المؤتمر من إعلان مقرراته في جلسته الختامية. المؤتمر الثلاثون: القدس، ديسمبر ١٩٨٢. عُقد برئاسة آرييه دولزين، وهو المؤتمر الأول بعد توقيع معاهدة السلام بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية، وقد جاء بعد أشهر قليلة من الغزو الصهيوني للبنان وما أسفرت عنه الحرب اللبنانية من تغيُّرات جوهرية في خريطة الصراع العربي الصهيوني. كما صاحب المؤتمر تصاعُد الرفض داخل إسرائيل وخارجها لسياسات حكومة الليكود. وقد تركزت مناقشات المؤتمر حول المشاكل التقليدية للحركة الصهيونية وأهمها مشكلة النزوح والتساقط وإخفاق جهود الدولة والمنظمة الصهيونية في جَلْب المهاجرين اليهود إلى إسرائيل، بالإضافة إلى عدم إقبال الشباب على التعليم اليهودي. وكالعادة، لم يتوصل المؤتمر إلى تعريف اليهودي ولا تعريف الصهيوني، وهو ما دفع الكثيرين من أعضاء المؤتمر إلى التعبير عن خيبة أملهم إزاء فشل المؤتمرات الصهيونية المتوالية في مواجهة أيٍّ من المشاكل الملحة للحركة الصهيونية. وبالنسبة للاستيطان، تقدَّم مندوبو الليكود ومزراحي وهتحيا بمشروع قرار ينص على حق الشعب اليهودي في أرض إسرائيل كحق أبدي غير قابل للاعتراض. واختلف معهم مندوبو المعراخ في تحديد أفضلية مناطق الاستيطان، حيث يرى هؤلاء ضرورة إعطاء الأولوية للتطور الاستيطاني الواسع في المناطق التي لا توجد بها كثافة سكانية كبيرة وفي المناطق التي تشكل أهمية حيوية لأمن إسرائيل.

стр. 6660

وكاد المؤتمر أن يسفر عن انشقاق في الحركة الصهيونية عندما حاول الليكود تشكيل اللجنة التنفيذية بدون حركة العمل وهو ما أدَّى إلى تشابك المندوبين بالأيدي والكراسي وتهديد حركة العمل بتعطيل المؤتمر. وتعرَّض المؤتمر لهزة أخرى حين قدَّم المراقب المالي للمنظمة تقريراً اتهم فيه كبار المسئولين بإساءة استخدام الأموال التي يتبرع بها يهود العالم. وتعرَّض المؤتمر لقضية الفجوة الطائفية بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين في إسرائيل، واتهم اتحاد اليهود الشرقيين كلاًّ من وزير الخارجية ورئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية بتجاهل ممثلي الاتحاد عمداً. وقد أعاد المؤتمر انتخاب دولزين رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة. المؤتمر الحادي والثلاثون:

стр. 6661

القدس، ديسمبر ١٩٨٧. وقد ناقش المؤتمر كالعادة قضية «تعريف اليهودي» وأصدر قراراً في هذا الصدد بمنح تيارات الديانة اليهودية كافة حقوقاً متساوية وهو قرار بلا معنى. وناقش المؤتمر أيضاً قضية حدود الدولة ولم يصل إلى أية قرارات في هذا الصدد كالعادة أيضاً. ولم يتم الموافقة على مشروع القرار الذي قدمته حركة العمل الداعي لإنهاء السيطرة على ١.٣ مليون عربي. وحتى بعد تعديله وفوزه بالأغلبية، لم يَصدُر القرار لأن اليمين هدد بالانسحاب. ومن الواضح أن قادة يهود العالم لم يَعُد لهم أي تأثير على سياسة الحكومة الإسرائيلية. وأشارت قرارات المؤتمر إلى تدنِّي الهجرة إلى إسرائيل وازدياد النزوح منها. وطرح البعض مبدأ ثنائية المركزية (أي أن يكون ليهود العالم مركزان، واحد في إسرائيل والثاني في الدياسبورا) بعد فشل برنامج القدس في تحقيق أهدافه. والدلالة العملية لهذا المبدأ هو أن إسرائيل لم تَعُد مركزاً روحياً لليهود كما تدَّعي الحركة الصهيونية بل إن فكرة المركز الروحي نفسها قد اشهرت إفلاسها. وناقش المؤتمر موضوع الفلاشاه ويهود سوريا. وكان التركيز في القرارات على التربية اليهودية والصهيونية رغم أن القرارات عكست أيضاً تمزقاً شديداً، حتى أن البعض ناقش مرة أخرى مبرر استمرار بقاء المنظمة الصهيونية بعد إنجاز هدف إقامة الدولة العبرية. وقد عكس المؤتمر الانحسار الأيديولوجي للصهيونية خصوصاً أنه جاء بعد نشوب انتفاضة الشعب الفلسطيني في الأرض العربية المحتلة وانكشاف الأزمة العميقة في الدولة الصهيونية.

стр. 6662

ومما يجدر ذكره أنه، خلال المؤتمر الحادي والثلاثين، لم تَعُد القوة المهيمنة على حكومة المستوطنين هي نفسها القوة المهيمنة على المنظمة، إذ انتقل ميزان القوى ولأول مرة منذ عام ١٩٤٨ إلى كتلة تمثل التحالف بين بعض الصهاينة الاستيطانيين وحركة العمل الصهيونية (حزب العمل وحزب مابام وراتس وياحد) من جهة، والحركات الصهيونية العالمية (التوطينية) مثل الكونفدرالية العالمية للصهيونيين المتحدين والحركة الصهيونية الإصلاحية وحركة المحافظين من جهة أخرى، حيث استحوذ هذا التحالف على ٣٠٨ مندوبين من مجموع ٥٣٠ مندوباً. وقد حدث هذا الانقلاب بعد أن شعر الإصلاحيون والمحافظون بأن اليمين الصهيوني (الليكود وغيره) ، المتحالف مع الأحزاب الدينية، سيعمل على تمرير قانون «من هو اليهودي» ، ذلك إلى جانب الاستياء المتراكم من ممارسات حكومة الليكود الإسرائيلية نتيجة سياستها الداخلية والخارجية. وقد انتُخب سيمحا دينيتز رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة خلفاً لآرييه دولزين. المؤتمر الثاني والثلاثون: القدس، يوليه ١٩٩٢ خيَّم على المؤتمر إحساس عميق بأن "المولد الصهيوني" قد أوشك على الانفضاض، وأن المنظمة الصهيونية أصبحت، "عظاماً جافة" و"هيكلاً بدون وظيفة" (ميزانية المنظمة ٤٩ مليون دولار مقابل ميزانية الوكالة اليهودية التي بلغت ٤٥٠ مليون دولار) . وقد تساءل مراسل الإذاعة الإسرائيلية: "هل ما زالت هذه المؤسسة قائمة؟ " وقد استُنفد معظم الوقت في تدبير التعيينات في المناصب والصراع على الوظائف رغم أنه كان قد وُوفق على معظمها قبل المؤتمر.

стр. 6663

وقد لوحظ أن معظم التعيينات تمت على أساس سياسي وليس على أساس الكفاءة، كما لوحظ أن أعضاء المؤتمر لم يتم انتخابهم إذ تم تعيينهم عن طريق عقد الصفقات. وقد أجمع المراقبون على أن المنظمة تعاني تضخُّم البيروقراطية والإسراف والابتعاد عن الأيديولوجية الصهيونية. وقد فُسِّر ذلك على أساس تعاظم دور المؤسسات الصهيونية غير السياسية في الحركة الصهيونية، وخصوصاً تلك التي تنتمي إلى التيارات الدينية المختلفة. ورغم الحديث عن ضرورة تشجيع الهجرة، إلا أن ميخائيل تشلينوف (رئيس المنظمة العليا لمهاجري الاتحاد السوفيتي سابقاً "فاعد") لم يُسمَح له بأن يلقي كلمته، وذلك لأن أعضاء الوفد السوفيتي حضروا باعتبارهم مراقبين ليس لهم حق الانتخاب، وقد انسحب أعضاء الوفد لهذا السبب. المؤتمر الثالث والثلاثون: القدس: ديسمبر ١٩٩٧ -اجتمع هذا المؤتمر متأخرا عن موعده وقد كان المفروض أن يعقد في ١٩٩٦. وقد تم تأخيره حتى يتزامن مع الذكرى المئوية للمؤتمر الصهيونى الأول! حضر المؤتمر ٧٥٠ مندوبًا من يهود العالم (حوالى ثلاثة أربعهم من اليهود الإصلاحيين أو المحافظين) و ١٩٠ مندوبًا عن المستوطنين الصهاينة. وقد وصل عيزر وايزمان، رئيس الدولة، وبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، متأخرين عن موعدهما. ولم تعر الصحف الإسرائيلية المؤتمر اهتماما كبيرا، ونشرت أخباره فى مقابل صفحة الوفيات!

стр. 6664

وكالمعتاد كان هناك كثيرمن الاقتراحات (فصل الدين عن الدولة ـ تقوية الديموقراطية الإسرائيلية ـ حذف مفهوم «نفى الدياسبورا على أن يحل محله مفهوم «مركزية إسرائيل فى الحياة اليهودية» ـ مفهوم التعددية يحل محل مفهوم «أتون الصهر» أو «مزج المنفيين» ، بمعنى أن تحتفظ كل جماعة يهودية مهاجرة إلى فلسطين المحتلة بملامحها الإثنية والدينية الأساسية التى أتت بها من بلدان المهجر ـ تغيير الموقف من النازحين (يوريديم) ـ الاهتمام بالمواطنين غيراليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل ـ الاهتمام بأسلوب الحياة والبيئة فى إسرائيل ـ إنشاء «بعثات سلام اسرائيلية» ، أى أن يقوم الشباب اليهودى فى العالم بأداء نوع من الخدمة «القومية» فى إسرائيل نيابة عن الشعب اليهودى (. كما نشبت المعارك المعتادة: فحينما قال يوسى ساريد (عضو الكنيست ورئيس حزب ميرتس) أن أى شخص يساهم فى تسمين المستوطنات يرتكب فعلا معاد للصهوينة لأنه يعرض عملية السلام للخطر، وحين قام بالهجوم على نتنياهو، قاطعته أصوات عالية، تتهمه بأنه ليس يهوديا، بل وطالبه البعض بالذهاب إلى وطنه! وقد هاجمت شوشانا كاردين، رئيسه النداء الإسرائيلى الموحد، الطبيعة السياسية للحركة الصهيونية وطالبت بإعادة تعريفها بحيث تصبح مشاركة حقيقية بين الدولة الصهيونية والجماعات اليهودية فى العالم، وأن تقوى أواصر العلاقة بينها. وقد حذر الحاخام نورمان رام، رئيس جامعة يشيفا، من إعطاء ثقل غير حقيقى للحركتين الإصلاحيه والمحافظة داخل الحركة الصهيونية. وهذه كلها موضوعات «قديمة» سبق نقاشها من قبل.

стр. 6665

وكانت قرارات المؤتمر الصهيونى كلها ذات طابع إدارى إجرائى، وتنبع معظمها من إحساس أعضاء المنظمة الصهيونية والقائمين عليها بأن المنظمة أصبحت لا قيمة لها وأنه أصبح من الممكن الاستغناء عنها (على أن تقوم الحكومة بالوصول مباشرة إلى أعضاء الجماعات اليهودية فى العالم) . وكان من ضمن القرارات إقامة مشاركة حقيقيه بين إسرائيل ويهود العالم ينعكس على اختيار المندوبين، بحيث يكون نصفهم من إسرائيل والنصف الآخر من يهود العالم، وهو قرار يعكس المحاولة اليائسة من جانب المنظمة الصهيونية أن تصبح لها دور، ولكنه فى ذات الوقت تعبير عن تآكل دورها. والملاحَظ، من متابعة سير المؤتمرات الصهيونية المختلفة، أن الاختلافات والصراعات التي قامت بين أنصار التيارات الصهيونية المختلفة، من صهيونية سياسية وصهيونية عمالية أو عملية أو ثقافية أو دينية أو توفيقية، لا تعدو أن تكون خلافات داخل "الأسرة الواحدة" حول أفضل الأساليب وأكثرها فاعلية دون أن تتجاوز هذا إلى الأهداف النهائية التي هي موضع اتفاق عام بين هذه التيارات.

стр. 6666

وقد أُثيرت في الآونة الأخيرة شكوك قوية ـ من جانب كثير من القيادات والتيارات الصهيونية ـ حول جدوى المؤتمرات الصهيونية ومدى فاعليتها. إذ يرى الكثيرون أن المؤتمرات تحوَّلت إلى منتديات كلامية وأصبحت عاجزة عن مواجهة المظاهر المتفاقمة للأزمة الشاملة للحركة الصهيونية ودولتها، التي تتمثل في مشاكل النزوح والتساقط واندماج اليهود في مجتمعاتهم والزواج المُختلَط والتمايز بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين، بالإضافة إلى انفضاض يهود العالم عن حركة الصهيونية بما يكرس عزلتها. ومن أبرز الدلائل على تلك الأزمة أن المؤتمرات الصهيونية المتتالية لم تفلح حتى الآن في الاتفاق على حلٍّ لمشكلة من هو اليهودي ومن هو الصهيوني رغم أنها تأتي دائماً في مقدمة الموضوعات المطروحة على جدول الأعمال في المؤتمرات المختلفة. ورغم أن البعض يحاول أن يُرجع هذا العجز إلى أسباب فنية وتنظيمية إلا أنه بات واضحاً أن مظاهر الأزمة ذات طبيعة تاريخية وحتمية تتجاوز الحدود التنظيمية لتصل إلى جذور المشروع الصهيوني نفسه وإلى طابع نشأته وتطوره. ولهذا، فليس من قبيل المبالغة أن يُضاف عجز المنظمة الصهيونية العالمية بهيئاتها المختلفة، ومنها المؤتمر، إلى مجمل المظاهر العامة لأزمة الحركة الصهيونية. برنامج القدس ٥٧٢٨ (١٩٦٨ ( Jerusalem Program أقر المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرون، المنعقد في القدس عام ١٩٥١، "برنامج القدس" والذي تُعَدُّ الموافقة عليه شرطاً أساسياً لعضوية المنظمة الصهيونية. ويحدد البرنامج الأهداف الرئيسية للحركة الصهيونية معتبراً أن "تجميع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي ـ أرض إسرائيل ـ عن طريق الهجرة من جميع البلدان" هو هدف الصهيونية الأول.

стр. 6667

وقد أقر المؤتمر الصهيوني السابع والعشرون، الذي عُقد في القدس عام ١٩٦٨، إضافة الفقرة التالية إلى "برنامج القدس" الجديد الذي سُمِّي "برنامج القدس ٥٧٢٨ (١٩٦٨) "، وهي تُوضِّح أهداف الصهيونية بالتفصيل كما يلي: وحدة الشعب اليهودي ومركزية إسرائيل في حياته؛ تجميع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي ـ أرض إسرائيل ـ عن طريق الهجرة من مختلف البلدان؛ تدعيم دولة إسرائيل التي قامت على أساس الرؤيا النبوئية للعدل والسلام؛ الحفاظ على هوية الشعب اليهودي من خلال تعزيز التربية اليهودية والعبرية والقيم الثقافية والروحية اليهودية، وحماية الحقوق اليهودية أينما كانت. وصياغة برنامج القدس صياغة مراوغة إلى أقصى حد (انظر: «الخطاب الصهيوني المراوغ» ) وهو ما جعل عملية تبنيه مسألة سهلة جداً. ورغم الموافقة الأولية على «برنامج القدس» من جانب الاتحادات الصهيونية والتجمعات اليهودية المختلفة، باعتباره شرطاً لانضمامها إلى المنظمة الصهيونية، فقد أثار منذ إقراره (وحتى الآن) نقاشات وخلافات حادة بين الاتجاهات المتعددة في الحركة الصهيونية، وخصوصاً فيما يتعلق بتأكيده محورية الهجرة إلى إسرائيل كأساس لتحقيق الصهيونية، وبالتالي إعطاء إسرائيل دور المركز بالنسبة ليهود العالم، وما يترتب على ذلك من اعتبار من لا يعتزم الهجرة إلى إسرائيل غير صهيوني.

стр. 6668

وتمثل التجمعات الصهيونية خارج إسرائيل عموماً، والتجمعات الصهيونية في أمريكا بشكل خاص، المعارضة الأساسية لهذه النصوص التي تؤدي ـ في نظرهم ـ إلى زيادة ثقل دولة إسرائيل داخل الحركة الصهيونية مع تقليص دور التجمعات في الخارج وتهميشها. وترفض المنظمات المؤيدة لهذا الاتجاه اعتبار اليهود «أمة» مرتبطة بوطن وتكتفي بالحديث عن «شعب يهودي» دون الارتباط بوطن واحد. كما تطالب بتأكيد المشاركة بين الدولة ويهود «الشتات» في الخارج على قدم المساواة، وبالنظر إلى الهجرة نحو إسرائيل لا كأساس لتحقيق الصهيونية وإنما كمثل أعلى. هاتيكفاه Hatikva «هاتيكفاه» كلمة عبرية معناها «الأمل» ، وهو اسم نشيد الحركة الصهيونية الذي أصبح النشيد القومي لإسرائيل، وفيما يلي مقطوعتان من النشيد: ما دامت روح اليهودي في أعماق القلب تتوق. ونحو الشرق تتطلع العيون لصهيون. أملنا لم يُفقَد أبداً. أمل ألفي عام: أن نصبح شعباً حراً في وطننا. أرض صهيون وأورشليم. والمقطوعة الثانية في النشيد لازمةٌ تتكرر. والنشيد يشبه من بعض الوجوه الخطاب الصهيوني المراوغ؛ فهو نشيد مليء بالفراغات، يتحدث عن التطلع إلى صهيون، وعن أمل لم يُفقَد بعد، وعن شعب واحد، وعن أرض صهيون، ولكنه يلتزم الصمت تجاه غالبية اليهود الذين يرفضون أن يكونوا جزءاً من الشعب اليهودي وإن قبلوا ذلك اسماً (فهم يرفضون الهجرة) . وبطبيعة الحال، يلتزم النشيد الصمت تجاه آلية العودة إلى الأرض وآلية التخلص من أهلها.

стр. 6669

ورغم حديث النشيد عن تطلعات هذا الشعب الواحد، فإن ملابسات تأليفه وتلحينه تبيِّن عكس ذلك على طول الخط، فالقصيدة وضعها بالعبرية الشاعر نفتالي هرز إمبر المولود في جاليشيا عام ١٨٥٦ والمتوفي في نيويورك عام ١٩٠٩ والذي تنصَّر بعض الوقت وانتقل من شرق أوربا إلى غربها. وبعد استيطانه في فلسطين لم يُطق العيش فيها وانتقل منها إلى الولايات المتحدة (حيث استقر مع الملايين من المهاجرين اليهود) . وكان نفتالي إمبر يكتب بالعبرية واليديشية والإنجليزية. والقصيدة متأثرة ببعض الموضوعات التي ترد في بعض الأغاني الألمانية، كما أنها متأثرة بأنشودة وطنية بولندية أصبحت نشيد بولندا القومي ("بولندا لم تضع بعد، ما دمنا على قيد الحياة") . أما فيما يتصل باللحن، فقد وضع موسيقاه صمويل كوهين الذي اقتبسها من موسيقى أغنية شعبية رومانية من مولدافيا (مسقط رأسه) تُسمَّى «العربة والثور» ، وهو لحن شعبي شائع جداً في وسط أوربا، ولذا فهو موجود أيضاً في تشيكوسلوفاكيا، وقد استخدمه الموسيقار سميتنا في إحدى سيمفونياته. وقام الصهاينة بمحاولات عدة لإعداد نشيد قومي ليس له أصول غربية (غير يهودية) ، فأعلنوا عدة مسابقات، ولكن النتيجة جاءت دائماً مخيبة للآمال. وتم تبنِّي الهاتيكفاه كنشيد رسمي للحركة الصهيونية في المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (١٩٣٣) ، وهو المؤتمر الذي تم فيه أيضاً الموافقة على اتفاقية الهعفراه (الترانسفير) مع النازي. وقد أثيرت مؤخراً في إسرائيل قضية بشأن مضمون النشيد القومي، فإذا كان نشيد الهاتيكفاه يتحدث عن أحلام اليهود، فكيف يمكن أن يعتبره العرب من مواطني الدولة الصهيونية نشيدهم الوطني؟ نفتالي إمبر (١٨٥١-١٩٠٩ ( Naftali Imber

стр. 6670

شاعر يكتب بالعبرية واليديشية وأحياناً بالإنجليزية. وُلد في جاليشا لأسرة حسيدية، وتلقَّى تعليماً دينياً. ومع هذا، كانت أول جائزة أدبية حصل عليها عن قصيدة وطنية نمساوية (١٨٧٠) . وقد تجوَّل إمبر بعد موت أبيه من بلد لآخر. وفي إستنبول، قابل لورانس أوليفانت الصهيوني غير اليهودي الذي كان يحاول أن يبدأ حركة استيطانية بين اليهود، فعمل إمبر سكرتيراً له وذهب معه إلى فلسطين عام ١٨٨٢ حيث عاش لمدة ستة أعوام وكتب مقالات للمجلات العبرية. ونشر إمبر عام ١٨٨٦ مجموعة من القصائد العبرية بعنوان نجمة الصباح، وهي المجموعة التي تضم قصيدة «هاتيكفاه (الأمل) » التي كان عنوانها في البداية «تيكفاتينو» (أملنا) . وقد أصبحت هذه القصيدة نشيد الحركة الصهيونية ثم أصبحت النشيد القومي لإسرائيل. ومما له دلالته أن مجموعة نجمة الصباح مهداة إلى أوليفانت، وهو أهم الشخصيات في تاريخ الصهيونية بين غير اليهود. ومن قصائد إمبر الأخرى التي أحرزت شعبية بين المستوطنين، قصيدة «حراسة على نهر الأردن» . وبعد موت أوليفانت، ذهب إمبر إلى إنجلترا حيث تعرَّف إلى إسرائيل زانجويل الذي رسم صورة كاريكاتيرية له (الشاعر الشحاذ) في رواية أطفال الجيتو. وقد انتقل إمبر بعد ذلك إلى الشرق وتجوَّل فيه حتى وصل إلى بومباي حيث يُقال إنه تنصَّر (ويُقال إنه تنصَّر أيضاً بعض الوقت في فلسطين، وهذه رواية يرويها صديقه إسرائيل زانجويل) . وانتقل إمبر بعد ذلك إلى الولايات المتحدة حيث عاش حياة بؤس وفقر وإدمان. وقد تعرَّف إلى امرأة مسيحية بروتستانتية تهوَّدت بعد أن تزوجها، ولكن الزواج انتهى بالفشل. ونشر شقيق إمبر مجموعته الشعرية الأخرى نجمة الصباح الجديدة (١٩٠٢) ، ولكن معظم نسخها احترق. ثم نشر ديوان شعر ثالثاً له في نيويورك عام ١٩٠٥ بعد مذابح كيشينيف، وقد أهدى المجموعة لإمبراطور اليابان التي كانت في حالة حرب مع روسيا.

стр. 6671

وقد كتب إمبر كذلك عدة كتيبات بالإنجليزية عن القبَّالاه، وحرَّر مجلة أورييل وهي مجلة ثيو صوفية كانت تَصدُر في بوسطن. كما قام بترجمة رباعيات عمر الخيام إلى العبرية. والواقع أن سيرة حياة إمبر ذات دلالات رمزية وواقعية عديدة: ١ ـ فهو يهودي من شرق أوربا ويذهب إلى فلسطين مع صهيوني استيطاني غير يهودي، ويرحل عنها بعد وفاة الصهيوني غير اليهودي. ٢ ـ رغم أن إمبر تلقَّى تعليماً دينياً، إلا أن إيمانه الديني تزعزع تماماً ويتضح هذا في تَنصُّره بعض الوقت ثم رجوعه عن ذلك ثم زواجه من امرأة مسيحية ثم انشغاله بالقبَّالاه. لكن تهوُّد هذه المرأة يبين مدى تَداخُل المسيحية واليهودية بعد أن تمت علمنتها من الداخل. تاريخ الصهيونية في روسيا History of Zionism in Russia لعبت روسيا دوراً مهماً في تاريخ الحركة الصهيونية الاستيطانية، فقد كانت أوضاع اليهود في روسيا تربة خصبة لنمو أية أفكار تبشر بالخلاص، سواء الفردي مثل الحسيدية أو القومي مثل الصهيونية. ومثلها مثل العديد من دول شرق أوربا، بدأ التوجه الصهيوني فيها بنشأة حركة أحباء صهيون في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وحينما نشر هرتزل كتابه دولة اليهود، التف حوله صهاينة روسيا، وقد انعكس هذا في التمثيل الروسي في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) الذي وصل إلى الثلث، فمن بين ١٩٧ مندوباً كان هناك ٦٦ مندوباً روسياً. ومن هؤلاء شخصيات احتلت مراكز مهمة في الحركة الصهيونية فيما بعد مثل ليو موتزكين وفلاديمير تيومكين وهرمان شابيرا وغيرهم.

стр. 6672

وقبل المؤتمر الصهيوني الثاني (١٨٩٨) ، اجتمع القادة الصهاينة الروس، ومنهم صهاينة الجزء الروسي من بولندا في وارسو، وظهر في هذا الاجتماع أن ثمة خلافاً في الرأي بينهم وبين القيادة العامة للمنظمة الصهيونية العالمية. وقد كان هذا الخلاف يعبِّر عن اختلاف في التوجه، فبينما اتجهت القيادة العامة ذات المنحى التوطيني إلى التفاوض مع الأتراك للحصول على وثيقة تتيح لليهود استيطان فلسطين، طالب الصهاينة الروس ذوو الاتجاهات الاستيطانية بالقيام بمشاريع استيطان فعلية في فلسطين وتنظيم برامج ثقافية تمهيداً لتوطين اليهود في فلسطين. ورغم هذا، لم يصل الخلاف إلى حد القطيعة أو الانفصال، فقد كان كل فريق بحاجة للآخر، فالروس (الاستيطانيون) كانوا في حاجة إلى الغربيين (التوطينيين) لإمدادهم بالدعم المادي والسياسي اللازم، والغربيون كانوا بحاجة للروس لأنهم يمثلون المادة البشرية الخام. وعلى هذا، حضر الصهاينة الروس المؤتمر الثاني بينهم ياحيل تشيلينوف وحاييم وايزمان وناحوم سوكولوف وشماريا ليفين وموتزكين الذي قدَّم تقريراً مفصلاً عن رحلته التي قام بها بتكليف من المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) إلى فلسطين. وازدادت قوة الصهيونية الروسية وسط المنظمة العالمية بمرور الوقت، فقد حضر المؤتمر الرابع في لندن عام ١٩٠٠ أكثر من ٢٠٠ مندوب روسي، وقاموا في المؤتمر الخامس في بازل عام ١٩٠١ بتشكيل "العصبة الديموقراطية" برئاسة وايزمان وموتزكين التي عبَّرت عن تطلعات الروس الاستيطانية مقابل المسعى التوطيني الذي التزم الغربيون به عن طريق العمل الدبلوماسي والضغط السياسي. وشكَّل الجناح الأرثوذكسي المتدين بقيادة الحاخام إسحق رينز حركة المزراحي للتعبير عن مخاوف المتدينين من سيطرة العلمانيين. وفي عام ١٩٠٢، عُقد المؤتمر الصهيوني الأول لعموم روسيا في مدينة منسك.

стр. 6673

وقام أحاد هعام وناحوم سوكولوف بطرح فكر العلمانيين فيما يخص الثقافة والتربية "اليهوديتين". وقد عارضت حركة المزراحي هذا الفكر بشدة تحت قيادة رينزو شمويل ياكوف. ووصلت الحركة الصهيونية إلى حل توفيقي يقبل جود اتجاهين متعارضين في الصهيونية فيما يخص التربية والثقافة اليهودية. والواقع أن هذا الحل وتلك الطريقة التوفيقية التلفيقية المستمرة حتى اليوم إنما تكشف عن جانب مهم وخاصية أساسية في الصهيونية الاستيطانية ألا وهي محورية فكرة الاستيطان نفسها التي تتلاشى معها الفروق الأخرى. وقد أثارت زيارة هرتزل لروسيا في صيف ١٩٠٣ ومحاولته مقابلة وزير الداخلية فون بليفيه ضجة استنكارية واسعة في صفوف الصهاينة الروس الذين عبَّروا عن رفضهم أسلوب التعامل مع من كانوا يعتبرونه جلاد اليهود والمسئول عن المذابح اليهودية. وفي المؤتمر الصهيوني السادس (١٩٠٢) ، اتُخذت تلك المسألة تكئة لمعارضة هرتزل في مسألة أهم هي اقتراحه الرامي إلى وضع خطة التوطين في شرق أفريقيا. وقد كانت الحركة الصهيونية الروسية بشُعبها التي تعدَّت ١٥٧٢ جمعية محلية (عام ١٩٠٣) تمثل القوة الأولى في المنظمة وتمثل المادة الخام البشرية الأهم. ومن ثم، لم يكن بالإمكان الاستهانة بمعارضة الصهاينة الروس لهذا المشروع. ويمكننا أن نقول إن هذه المعارضة قد تصاعدت حتى بلغت ذروتها في أكتوبر عام ١٩٠٣ وتجلَّت في شكل مؤتمر كراكوف الذي حضرته القيادات الصهيونية الروسية كافة وقُدِّم في هذا المؤتمر تهديد صريح لهرتزل بضرورة ترك مشروع شرق أفريقيا أو مواجهة انسحاب شامل من المنظمة. وفي مؤتمر بازل عام ١٩٠٥، حدث الصدام الحاد بين التوطينيين بقيادة إسرائيل زانجويل وبين الصهاينة الاستيطانيين الروس، وخصوصاً بعد موت هرتزل. وانتصر الاستيطانيون وانفصل زانجويل مكوِّناً المنظمة الصهيونية الإقليمية.

стр. 6674

بيد أن التأثير الأعظم للإقليميين كان على الحركة العمالية الصهيونية التي كانت لا تزال وليدة عام ١٩٠٥ ولم تكن ذات شأن بين الحركات العمالية في روسيا في هذا الوقت، حيث رأى القادة العماليون أن أية هجرة يهودية إلى أي مكان ستشكل في النهاية حركة استيطان ذات طابع عمالي ومن ثم تنحل المشكلة اليهودية حلاًّ اشتراكياً. وكان الداعية الأساسي لهذه الحركة هو الزعيم الصهيوني بير بوروخوف. وقد تعرضت الحركة الصهيونية في هذا الوقت إلى معارضة قوية في صفوف أعضاء الجماعات اليهودية من حزب البوند الذي كان يدعو إلى نبذ فكرة الهجرة وإلى الاستقلال الذاتي في إطار روسيا الكبرى. وقد ساهمت الحركة العمالية الصهيونية في حركة الهجرة الروسية الثانية التي استمرت بين عامي ١٩٠٤ و١٩١٤ والتي أقامت مستوطنات مثل داجانيا. وقد أيَّدت الحكومة الروسية الاتجاهات الاستيطانية ورحبت بالهجرة، إلا أن مقررات مؤتمر هلسنجفورس عام ١٩٠٦، التي دعت إلى تقوية الحركة داخلياً والدفاع عن حقوق اليهود القومية، أثارت شكوك الحكومة القيصرية، وهو ما حدا بها إلى منع الحركة عام ١٩٠٧. وفي عام ١٩٠٨، زار ديفيد ولفسون رئيس المنظمة الصهيونية العالمية سان بطرسبورج وحصل ثانيةً على وعد بالاعتراف بالنشاطات الصهيونية الخاصة بالصندوق القومي والصندوق الاستعماري. بيد أن الحكومة القيصرية رفضت التصريح بإعادة المنظمة للمجال الشرعي. ورغم هذا، استمر تأثير المنظمة الروسية عالمياً، فحصل الصهاينة الروس على مقاعد أساسية في اللجنة التنفيذية للمنظمة العالمية في المؤتمر العاشر عام ١٩١١ وفي المؤتمر الحادي عشر في فيينا عام ١٩١٣.

стр. 6675

ومع اندلاع ثورة فبراير عام ١٩١٧ في روسيا، انتهت كل المعوقات التي كانت تضعها الحكومة القيصرية أمام الحركة الصهيونية، فاجتذبت أعداداً ضخمة من اليهود الذين شردتهم الحرب وأضرت بهم. وعُقد مؤتمر صهيوني لعموم روسيا في بتروجراد في ٢٤ مايو عام ١٩١٧ حضره ٥٥٢ مندوباً يمثلون ١٤٠ ألف شيقل بالمقارنة بعام ١٩١٣ حيث كان عدد دافعي الشيقل ٢٦ ألفاً فقط. وقد أقر هذا المؤتمر مقررات مؤتمر هلسنجفورس وصاغ برنامجاً موحداً لكل الجماعات الصهيونية للمشاركة في انتخابات الجمعية التأسيسية لعموم يهود روسيا. ودُعيت اللجنة التنفيذية الجديدة للعمل على إعداد مؤتمر عام. وحينما عُقد المؤتمر، حضره جوزيف ترومبلدور من فلسطين ودعا إلى إنشاء جيش من اليهود الروس لاحتلال فلسطين مروراً بالقوقاز، وأيَّد حوالي ٢٠ مندوباً أفكار جابوتنسكي حول التعاون مع بريطانيا من أجل تكوين الفيلق اليهودي. بيد أن الغالبية العظمى كانت تؤيد فكرة حياد اليهود التي تبنتها المنظمة الصهيونية العالمية. وقد انتهى هذا الحياد مع صدور وعد بلفور عام ١٩١٧.

стр. 6676

ومع قيام الثورة البلشفية في ٢٤ أكتوبر ١٩١٧، لم تتأثر الحركة الصهيونية في البداية، بل أُقيم أسبوع لفلسطين في ربيع عام ١٩١٨. وسيطر الصهاينة على الاجتماعات اليهودية التي قاطعتها الأحزاب الاندماجية، ففي مؤتمر موسكو الذي حضره ١٤٩ مندوباً من أربعة تجمعات يهودية محلية في روسيا كان الصهاينة هم الوحيدون المُمثَّلون، وحصل الصهاينة في أوكرانيا على ٥٥% من مقاعد المجالس اليهودية. ولكن، مع ازدياد قوة الحكم السوفيتي واستتباب الأمر للشيوعيين، أصبحت الصهيونية هدفاً للاتهامات الحكومية، وتم إلغاء الأحزاب والمنظمات الصهيونية وألُقي القبض على بعض القادة. وقد قام القسم اليهودي في الحزب الشيوعي السوفيتي الجديد بمحاربة الروح (الانعزالية والكهنوتية) الصهيونية بين الجماعات اليهودية. وفي العشرينيات، قامت الحركة الصهيونية بعدة محاولات للحصول على حق القيام بنشاط صهيوني علني، وخصوصاً في المجال الثقافي، وفي مجال تشجيع الهجرة لفلسطين (مثلما حدث في المفاوضات شبه الرسمية التي أجراها عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية م. د. إدر أثناء زيارته لموسكو عام ١٩٢١) . بيد أن هذه المحاولات باءت بالفشل. وقد استؤنف النشاط الصهيوني العلني في روسيا وأوكرانيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. تاريخ الصهيونية في بولندا History of Zionism in Poland

стр. 6677

لا يمكن الحديث عن تاريخ متجانس للصهيونية في عموم بولندا. فقد ارتبطت الحركة في كل قطاع من قطاعات بولندا بتاريخ البلد الذي ينتمي إليه هذا القطاع، بمعنى أن يهود بولندا في القطاع الألماني تأثروا بنظرة اليهود الاندماجية الألمان ومن ثم كانوا يرفضون الصهيونية. لذا، سينقسم الحديث عن تاريخ الصهيونية في بولندا إلى مرحلتين: المرحلة الأولى تشمل تاريخ الصهيونية في بولندا المقسَّمة والمحتلة، والمرحلة الثانية تشمل تاريخ الصهيونية في بولندا المستقلة. وتنقسم المرحلة الأولى بدورها إلى ثلاثة أقسام حيث يعالج كل قسم تاريخ الصهيونية في قطاع بعينه من قطاعات بولندا: المرحلة الأولى: بولندا المحتلة المقسَّمة: أ) الصهيونية في القطاع الألماني: كان عدد اليهود في القسم الألماني من بولندا لا يتعدى ٥٠ ألف نسمة في بداية القرن العشرين، وقد تأثروا جميعاً بالفكر الاندماجي السائد بين اليهود الألمان حتى أن اهتمامهم باليهودية في ذاتها لم يكن كبيراً. ومن ثم، كان موقفهم من الصهيونية معادياً وبشدة لخطورة تلك الأفكار على وضعهم الاجتماعي في ألمانيا. ورغم وجود داعيين صهيونيين مهمين، هما زفي هيرش كاليشر وإليا جوتيماخر، في هذا القطاع، وإقامة أول مؤتمر لحركة أحباء صهيون في كاتوفيتش عام ١٨٨٤، إلا أن تأثير هذا على الجماعة اليهودية في القطاع الألماني كان ضئيلاً جداً (بل يمكن القول بأنه كان منعدماً) . ب (الصهيونية في القطاع الروسي:

стр. 6678

بلغ تعداد السكان اليهود في القطاع الروسي من بولندا، في نهاية القرن التاسع عشر، حوالي ٢ مليون نسمة. وكان هذا القطاع قطاعاً متقدماً اقتصادياً، بل من أغنى مناطق بولندا وروسيا كلها، وكان مركزاً للصناعة والتجارة ومحطة مهمة بين روسيا القيصرية وباقي أوربا. ولم يكن يهود هذا القطاع متعاطفين في البداية مع الصهيونية بل كان موقفهم، على حد تعبير الموسوعة اليهودية، "معادياً ومضاداً للصهيونية". وذلك فضلاً عن أن المذهب الأرثوذكسي المنتشر بين يهود هذه المنطقة كان معادياً بشدة لفكرة الصهيونية. وكان حَمَلة لواء الصهيونية الأساسيون في تلك المنطقة هم الليتفاك، أي اليهود القادمون من ليتوانيا وأستونيا ولاتفيا وفنلندا، أي دول البلطيق الروسية في ذلك الوقت، والذين كانت الصهيونية بالنسبة لهم وسيلة للخلاص من القمع المزدوج من قبَل الروس وأهالي البلطيق. بيد أن الوضع كان مختلفاً في مناطق أخرى من القطاع الروسي في بولندا حيث استُقبلت الأفكار الصهيونية منذ البداية بترحاب شديد لأنها كانت تمثل طريقاً للخلاص، وخصوصاً وسط القطاعات الهامشية من يهود بولندا الروسية الذين كانوا يعيشون بعيداً عن منطقة الوسط الصناعية المتقدمة. وكانت السلطات الروسية ترحب بالأفكار الصهيونية على أساس أنها وسيلة ناجعة لمكافحة الأفكار الاشتراكية والثورية، وللتخلص من الفائض البشري اليهودي. وتقول الموسوعة الصهيونية في هذا الصدد: "كان رد فعل الأغيار البولنديين إيجابياً تجاه الحركة الصهيونية حيث إنهم نظروا للاستيطان في فلسطين باعتباره السبيل الأمثل للإسراع بطرد اليهود من بولندا".

стр. 6679

وقد أدَّى إقرار برنامج هلسنجفورس (١٩٠٦) ، الذي تبنَّى مطلب الدفاع عن المصالح الآنية و"الحقوق المشروعة" للقومية اليهودية إلى وضع الجماعة اليهودية المؤيدة للصهيونية في موقف عداء مباشر مع غيرها من الأقليات والقوميات وكذلك مع السلطات القيصرية التي كانت تنادي بالقومية الروسية السلافية كقومية فوق القوميات. وقد اتخذ هذا العداء أحياناً شكل القمع السياسي ومصادرة الصحف، واتخذ أحياناً أخرى شكل مقاطعة اليهود اقتصادياً، وخصوصاً في الأوساط الشعبية. وقد شهدت تلك الأعوام أيضاً مجموعة يهودية معادية للصهيونية هم اليهود الذين عملوا من خلال البرلمان البولندي أو «السييم» . وقد سُمِّيت تلك المجموعة «السييميون» أو «مؤيدو الانضمام للسييم» ، وكانت الحركة الصهيونية تقاطع البرلمانات سواء الروسية (الدوما) أو البولندية (السييم) . ولكن، مع التطورات السياسية وظهور تلك الجماعة المنافسة، نجح الصهاينة في انتخاب أحد ممثلي الحركة في لودز. ورغم هذا النشاط السياسي والدعائي، لم تنجح الحركة الصهيونية في تهجير عدد كبير من اليهود إلى فلسطين في هذه الفترة. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، توقفت النشاطات الصهيونية في بولندا، وبعد قيام دول الوسط باحتلال بولندا المؤتمر، بدأت حركة عمال صهيون في الحركة تحت رعاية قوى الوسط التي كانت تبغي توظيف النشاط الصهيوني في مواجهة الأطماع البريطانية في الشرق العربي. جـ) الصهيونية في جاليشيا (القطاع النمساوي من بولندا) :

стр. 6680

اختلف نمو وتطوُّر الحركة الصهيونية في جاليشيا، عنها في القطاعات الأخرى من بولندا، اختلافاً بيَّناً. فعلى جانب كانت الحكومة النمساوية أكثر ليبرالية من الحكومة القيصرية في روسيا، وكانت الحركة الصهيونية من جانب آخر تطلب عون النمساويين والألمان من أجل تحقيق فكرة الوطن القومي اليهودي. وقد تطوَّرت الحركة الصهيونية في جاليشيا في صفوف دعاة حركة التنوير اليهودية. وبمعنى آخر، تأثرت الحركة الصهيونية في جاليشيا منذ البداية بالرؤية المعرفية الإمبريالية الكامنة في التنوير وبالبُعْد القومي الرومانسي الذي نشأ في دول الوسط في أوربا. وكانت إمبراطورية النمسا/المجر تعتبر اليهود جماعة دينية لا جماعة قومية. وفي خضم الصراع بين القوميات داخل الإمبراطورية، حاول البولنديون ضم أعضاء الجماعة اليهودية لصفوفهم من أجل التفوق على الأوكرانيين عددياً، كما حاول الأوكرانيون فعل الشيء نفسه. بيد أن هذا الاتجاه لاقى معارضة كبيرة من جانب الصهاينة الاستيطانيين الذين نظروا لهذا الاتجاه على أنه تكريس للاندماج، وأصروا على أن هدف الصهيونية هو الهجرة إلى فلسطين ومن ثم أصروا على أن يقتصر دورها في البلاد الأخرى على الجانب التثقيفي والمالي اللازم لتحقيق الهدف الأساسي، أي الاستيطان في فلسطين. من ثم، فقد وصل مؤتمر كراكوف عام ١٩٠٦ إلى نوع من الحل التوفيقي في هذا المضمار حيث أنيط بالحزب القومي اليهودي الذي كان حديث النشأة مسئولية الدفاع عن حقوق اليهود (المدنية والسياسية) ، بينما أنيط بالمنظمة الصهيونية مهمة جَمْع المال والتثقيف الصهيوني. وقد كان مؤتمر كراكوف هذا حلبة خاصة لصهاينة جاليشيا رغم أنه كان، من الناحية النظرية، يمثل سائر الاتجاهات الصهيونية في النمسا. وفي عام ١٩٠٧، نجح الحزب القومي اليهودي الذي كان مجرد واجهة في إرسال أربعة من ممثليه إلى أول برلمان نمساوي، كان ثلاثة منهم من جاليشيا والرابع من بوكوفينا. وفي خضم هذا

стр. 6681

الصراع السياسي، نجح الصهاينة في إحكام قبضتهم على التجمعات اليهودية في جاليشيا من خلال العديد من المطبوعات اليديشية والبولندية، بل نجح الصهاينة في جاليشيا في إقامة مستوطنة خاصة بهم في فلسطين ونشروا سلسلة من المدارس العبرية وسيطروا على مدارس البارون دي هيرش اليهودية وطردوا الاندماجيين منها. والجدير بالذكر في هذا الصدد أن أعداداً كبيرة من يهود جاليشيا كانوا من الفرانكيين (أتباع فرانك الذي تأثر بالتنوير والفكر القومي الرومانسي) . ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أصيبت الحركة الصهيونية في بولندا النمساوية بالشلل حيث احتلت القوات الروسية (في بداية الحرب) جاليشيا لمدة سنة، وأدَّى هذا إلى فرار ما يزيد على نصف السكان اليهود إلى داخل النمسا وخصوصاً لاتفيا. ومع تغيُّر مجريات الأمور في الحرب، استعادت الحركة الصهيونية نشاطها ولكن في حذر، وذلك تحسباً لما ستسفر عنه الحرب. المرحلة الثانية: بولندا المستقلة: وتتميَّز تلك المرحلة بما يلي: ١ ـ زيادة عضوية المنظمة الصهيونية. وكانت منافستها الوحيدة للسيطرة على يهود بولندا هي منظمة أجودات إسرائيل الأرثوذكسية. ٢ ـ نجاح جميع الحركات الصهيونية في مختلف قطاعات بولندا في الاندماج وسط الحركات العمالية (عمال صهيون) والدينية (مزراحي) ولكنهم أخفقوا في الاندماج في الحركات الأخرى. ٣ ـ أدَّى هذا الفشل إلى ظهور صراعات حزبية هي في الواقع تعبير عن الصراع حول الرؤية بين الاستيطانيين والتوطينيين. فقد حاول التوطينيون دائماً إبعاد الصهيونية عن دخول مواجهات مع الحكومات، بيد أن الاستيطانيين كانوا يرون أن المواجهة مع الحكومة تدفع إلى هجرة اليهود إلى فلسطين وهو الهدف الأساسي. وقد أدَّى هذا في النهاية إلى هزيمة التوطينيين (الصهاينة العموميين) . ٤ ـ ازدادت أهمية الجماعة اليهودية في بولندا وازدادت أهمية الهجرة اليهودية من بولندا إلى فلسطين.

стр. 6682

ورغم الانقسامات التي حدثت في صفوف الحركة، فإن كل الأحزاب الصهيونية استمرت داخل نطاق المنظمة الصهيونية العالمية عدا حركة اليسار العمالي المتطرف، عمال صهيون والصهاينة التصحيحيين. وقد ارتبطت الحركة الأولى بالحركات الاشتراكية والعمالية في العالم، وساعد نجاح البلاشفة في الاستيلاء على السلطة على تدعيم موقفها الرافض للتعاون مع البورجوازية. وبينما اعتمد العماليون على نجاح البلاشفة لتدعيم حركتهم وسط العمال اليهود، اعتمد التصحيحيون على عدوانيتهم وطابعهم القومي الاستيطاني المتطرف لاجتذاب الشباب. وقد نجح التصحيحيون في أن يحركوا الشباب اليهودي في بولندا فأعلنوا عام ١٩٣٠ عن خطة ضخمة لتهجير اليهود من بولندا إلى فلسطين. وقد قوبلت الخطة برفض شديد من قبَل أعضاء الجماعات اليهودية لأنها ترسخ الموقف البولندي المعادي لليهود، ولكنها نجحت في دعم موقف التصحيحيين وسط الحركة الصهيونية ذلك أن الحكومة البولندية التي كانت تضم عناصر معادية لليهود استقبلت الخطة بترحاب شديد، وقامت بدعم التصحيحيين باعتبارهم العنصر الصهيوني الذي يعبِّر بشكل متبلور عن الروح الاستيطانية وعن رفض أي شكل من أشكال الاندماج أو الانتماء لغير "القومية اليهودية". وقد تركزت المعارضة اليهودية للصهيونية، أساساً، في الحركات التي كانت تنادي باندماج اليهود وسط المجتمع البولندي مثل البونديين والسييميين (أي البرلمانيين) . بيد أن النواة الأساسية للمعارضة في الأوساط اليهودية كانت من صفوف اليهود الأرثوذكس في حركة أجودات إسرائيل وغيرهم من حاخامات الحسيديين (رغم أن بعض الحسيديين كانوا مؤيدين للصهيونية (

стр. 6683

وكان الاندماجيون من البونديين والسييميين يعارضون العبرية ويدعون لاستخدام اليديشية بوصفها لغة قومية. وقد تميزت علاقة هؤلاء بالحكومة البولندية بالتوتر نظراً لطابعهم الذي كان قومياً واندماجياً في آن واحد، وكذلك بسبب الأيديولوجيا الثورية التي كانوا ينادون بها. وقد لعبت الحركة الصهيونية في بولندا دوراً مهماً في تهجير اليهود البولنديين بين الحربين، حتى أن بولندا صارت المصدر الأول للمادة الاستيطانية البشرية في فلسطين بعد أن منع الشيوعيون اليهود من الهجرة من روسيا، وكان معظم المهاجرين من الشباب من الصهاينة العماليين ذوي التوجه الاستيطاني. وقد جُرِّم النشاط الصهيوني بعد أن وصل الشيوعيون إلى الحكم. تاريخ الصهيونية في ألمانيا History of Zionism in Germany كانت ألمانيا في بداية الحركة الصهيونية محط أنظار القادة الصهاينة ومحور اهتمامهم لأسباب عديدة نوجزها فيما يلي: ١ ـ كانت ألمانيا مهد الفكر القومي الأوربي العضوي وهو الفكر الذي انطلقت منه الصهيونية والإطار الذي تحركت من خلاله. ٢ ـ لم تكن ألمانيا قد كوَّنت مستعمراتها بعد، ومن ثم كانت التطلعات الإمبريالية الألمانية محتاجة إلى طلائع استعمارية استكشافية، وقد عرضت الحركة الصهيونية نفسها على الحكومة الألمانية للقيام بهذا الدور. ٣ ـ كانت علاقة ألمانيا بالشرق وبالإمبراطورية العثمانية علاقة قوية. ومن ثم، نظر الصهاينة إلى ألمانيا على أنها المعْبَر الأساسي لهم نحو فلسطين. لكل هذا، يمكننا أن نقول إن ثمة اعتبارات معرفية وسياسية وعملية جعلت العلاقة بين الصهيونية وألمانيا علاقة خاصة على مدى تاريخها.

стр. 6684

وقد كانت الحركة الصهيونية في ألمانيا ذات توجُّه توطيني، وكان موقف معظم اليهود الألمان من الصهيونية معادياً وبشدة. وقد كانت خطة هرتزل الأصلية هي إقامة المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) في ميونيخ، ولكن محاولته باءت بالفشل بسبب العداء الشديد الذي واجهه من الجماعة اليهودية. ورغم أن عدد المندوبين الألمان في المؤتمر الصهيوني الأول كان ٤٠ مندوباً، إلا أن معظمهم لم يكن ألمانياً، فبعضهم كان قادماً من فلسطين والبعض الآخر كان مهاجراً من دول أوربا الشرقية. أُسِّست في ألمانيا أكثر من حركة صهيونية المنحى، والطابع المميِّز لهذه الحركات جميعاً هو استخدامها ديباجة علمية مثل جمعية الإسرائيليين ذات الطابع التاريخي التي تأسست في برلين عام ١٨٨٣، والجمعية العلمية ليهود روسيا في برلين وتأسست عام ١٨٨٩ وكان أعضاؤها من يهود شرق أوربا، وجمعية تنمية الزراعة والحرف في فلسطين والتي أسَّسها ماكس بودنهايمر وديفيد ولفسون في كولونيا عام ١٨٩٢، وقد تحوَّلت عام ١٨٩٧ إلى الجمعية اليهودية القومية وطالبت بإيجاد دولة يهودية. والطابع العلمي لهذه الجمعيات يدل على أنها جمعيات نخبوية ثقافية كما يشير إلى طرق التفكير المنطقية المنظمة الصارمة التي تتسم بها الصهيونية في ألمانيا.

стр. 6685

وقد تأسَّست في أكتوبر ١٨٩٧ الجمعية الصهيونية الألمانية لتنضم إلى الجمعيات الصهيونية في ألمانيا. وقد نمت تلك الجمعية ببطء. ففي عام ١٩١٢، كان عدد أعضائها ٨.٤٠٠، ووصل هذا الرقم عام ١٩٢٧ إلى ٢٠.٠٠٠، ثم زاد إلى أقصى عدد عام ١٩٣٤ بعد استيلاء النازيين على السلطة وصار ٣٥.٠٠٠. وكانت الجمعية تُصدر صحيفة اليوديشر روندشاو، كما كانت تمتلك مؤسسة دار النشر اليهودية، وشهد عام ١٩١٢ انعقاد المؤتمر الإقليمي الصهيوني الذي أصدر قرار بوزن والذي نص على أن: "الهجرة هي البرنامج الأساسي للصهيوني في حياته" وعلى الصهيوني أن يربط بين قدره الشخصي وبين مصير الوطن القومي عن طريق الوسائل الاقتصادية والمصالح المادية. وكما نرى، فإن هذا البرنامج التوطيني في الأساس يتيح الفرصة للقادة الصهاينة الألمان من أمثال المالي الكبير ولفسون والعالم البيولوجي واربورج للارتباط المزدوج، وهو ما يتيح لهم إمكانية أكبر داخل المجتمع الألماني حيث تصير الصهيونية بالنسبة لهم نوعاً من تأكيد الانتماء لألمانيا.

стр. 6686

وقد كان تأثير الاتحاد الصهيوني الألماني قوياً، وبخاصة في الأعوام الخمسة عشر التي بقيت خلالها رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية في ألمانيا سواء في كولونيا أثناء فترة رئاسة ديفيد ولفسون أو في برلين أثناء فترة رئاسة أوتو واربورج. ولقد ساعد وجود المنظمة في ألمانيا على إحجام الأتراك (حلفاء الألمان) عن اعتقال اليهود في فلسطين. ومن ثم، لعبت الحرب العالمية الأولى في ألمانيا دوراً حاسماً في تاريخ الصهيونية لا يقل أهمية عن الدور الذي لعبته بريطانيا بعدها بإصدارها وعد بلفور. وقد كان النفوذ الصهيوني لدى الحكومة الألمانية والضغط الذي مارسته ألمانيا على تركيا العثمانية هو الذي حمى الاستيطانيين في فلسطين. بل إن بعض الاستيطانيين من أمثال ديفيد بن جوريون جرى اعتقالهم على يد الإنجليز بوصفهم رعايا دولة معادية. وحتى بعد انتقال المنظمة العالمية من ألمانيا، احتل قادة صهاينة ألمانيا مواقع مهمة في المنظمة العالمية وإن كانت أقل مما كانوا يحتلون بالطبع، ومن هؤلاء فليكس روزنبلوت وريتشارد لختهايم وكورت بلومنفيلد. وقد احتفظت الحركة الصهيونية في فترة جمهورية فايمار (١٩١٨ ـ ١٩٣٣) بطابعها التوطيني، فكانت حركة نخبوية ولم تكن حركة جماهيرية. وكان ظهور النازية فرصة هائلة لازدهار الحركة الصهيونية، فزادت العضوية زيادة هائلة، كما تعاونت الحكومة النازية مع الحركة الصهيونية في ترحيل اليهود من ألمانيا داخل إطار ما عُرف باتفاق الهعفراه أو اتفاق التهجير الذي أصبح بمنزلة بوابة الخروج الوحيدة ليهود ألمانيا حيث أُجبروا على الذهاب إلى فلسطين، أي أن الحركة الصهيونية التوطينية تحوَّلت إلى حركة استيطانية وتم توفير المادة الخام البشرية نتيجة الأزمة التي خلقتها النازية ونتيجة تعاون الحكومة النازية مع المنظمة الصهيونية. ولقد استمرت الحركة الصهيونية في العمل الشرعي في ألمانيا حتى عام ١٩٣٨، أي أن التعاون بين النازية والصهيونية

стр. 6687

ظل قائماً طالما ظلت المصالح المشتركة قائمة، ثم انفض الرباط مع إحساس كل منهما بعدم حاجته للآخر. وقد أُقيم اتحاد صهيوني جديد بعد الحرب العالمية الثانية مباشرةً وأُعيد تكوين الحركة الصهيونية في ألمانيا عام ١٩٥٤ واعترفت بها المنظمة العالمية عام ١٩٥٦. وهي تلعب دوراً مهماً في جمع المال ودق ناقوس الجرائم النازية، أي أنها استعادت الطابع التوطيني السالف للحركة. تاريخ الصهيونية في فرنسا History of Zionism in France لم تكن الصهيونية غير اليهودية قوية في فرنسا، فهي بلد كاثوليكي (والصهيونية غير اليهودية ظهرت وترعرت داخل التشكيل البروتستانتي بالأساس) . ومع هذا، ظهرت شخصيات صهيونية غير يهودية داخل التشكيل الاستعماري الفرنسي من أهمها نابليون بونابرت وإرنست لاهاران. أما بالنسبة للصهيونية بين يهود فرنسا، فيمكن أن نلخص مراحل تطورها فيما يلي: ١ ـ المرحلة الأولى ١٨٨٠ ـ ١٩١٩ (مرحلة النشأة) :

стр. 6688

كانت الغالبية العظمى من اليهود المولودين في فرنسا لا مبالية إن لم تكن معادية للبرنامج الصهيوني. وحينما بدأ النشاط الصهيوني في فرنسا على يد البارون إدموند دي روتشيلد والتحالف الإسرائيلي العالمي، كان نشاطاً توطينياً، فقد قاما بإنشاء شبكة من المدارس في فلسطين لتدريب اليهود المستوطنين (الذين أتوا أساساً من شرق أوربا) على الزراعة. وقد كان اليهود في فرنسا يمثلون في الأغلب الأعم الشرائح المتوسطة في الطبقة الوسطى، وبذا كان الاتجاه الغالب هو رفض الحل الصهيوني الذي يطلب منهم التخلي عن الوضع المستقر الذي يعيشونه والذهاب إلى أرض يجهلونها تماماً. وكان التوجه السياسي العام لليهود في فرنسا محافظاً ومسايراً لحكومة فرنسا بوجه عام. ولأن الحكومة الفرنسية (في المراحل الأولى من الصهيونية) لم تكن مهتمة بفلسطين، فإن يهود فرنسا تبنوا موقفها. كما أن القيادات الصهيونية الأولى نفسها لم تكن مهتمة بالتوجه للحكومة الفرنسية بحكم نشأتها في ألمانيا. ومع هذا، لاقت الصهيونية في فرنسا ترحيباً كبيراً من قبَل المهاجرين اليهود من شرق ووسط أوربا الذين بدأوا في الوصول إلى فرنسا مع ثمانينيات القرن التاسع عشر، وهكذا كان قادة الحركة الصهيونية في فرنسا هم على التوالي: إسرائيل يفرويكين ومارك ياربلوم وجوزيف فيشر، وكلهم من شرق أوربا. ويمثل هؤلاء المادة البشرية المطلوبة للفكر التوطيني.

стр. 6689

وكان أول تجمُّع يشكله هؤلاء في فرنسا هو تجمُّع اليهودي الأبدي الذي شكَّلته جماعة من المهاجرين الروس على شاكلة التجمعات الطلابية المماثلة في روسيا عام ١٨٨١. وأسست هذا التجمع جماعة استيطانية اسمها "بني صهيون" عام ١٨٨٦، وقامت هذه الجمعية بشراء ١٢٠ دونماً من الأرض في وادي حنين في فلسطين. وعلى المنوال نفسه، نشأت جمعيات طلابية صهيونية في مختلف أنحاء فرنسا. وحاول الطلاب الفرنسيون اليهود ذوو الأصل الروسي أن يكون التجمع في شكل لجنة مركزية تمثل جمعيات أحباء صهيون كافة من بقاع الأرض كافة. بيد أن هذه المحاولة باءت بالفشل. وقد كان عدد المندوبين الفرنسيين في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ١٢ مندوباً، ولم يكن معظمهم من يهود فرنسا. وتذكر المصادر الصهيونية أن كبير حاخامات فرنسا، الحاخام زادوك كاهن، قد أثَّر كثيراً في الحركة الصهيونية رغم رفضه المُعلَن لها. ونجد أن أبرز الصهاينة الفرنسيين في تلك الفترة هو البيولوجي ألكسندر مارموريك الذي ترأس الاتحاد الصهيوني الفرنسي منذ إنشائه عام ١٩٠١ وحتى وفاته عام ١٩٢٣، والكاتب برنار لازار الذي كان من بين المدافعين عن دريفوس، والنحات فردريش بير، والكاتبة ميريام شاخ. وجميعهم باختصار من مثقفي باريس المعارضين الذين وجدوا في الفكر الصهيوني التوطيني وسيلة للتعبير عن الذات والتميز داخل المجتمع الثقافي في فرنسا. وطوال الفترة الممتدة بين المؤتمر الصهيوني الأول وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٨، لم يزد اليهود المنضمون للحركة الصهيونية ومنظماتها العديدة في فرنسا عن بضع مئات من المثقفين ممن لا تأثير لهم في الجماعة اليهودية التي ظلت ترفض الصهيونية. ٢ ـ المرحلة الثانية: ١٩١٤ ـ ١٩٣٩ (مرحلة التطور (:

стр. 6690

تميَّزت هذه المرحلة بازدياد الاهتمام المُتبادَل بين الحكومة الفرنسية والحركة الصهيونية ونمو العلاقة بين الصهاينة والحركات المعارضة. وكانت المادة البشرية في هذه المرحلة من يهود الألزاس واللورين أساساً ثم من الفارين من ألمانيا النازية. وتميَّز الموقف العام للجماعة اليهودية بالاهتمام والترقب دون التأييد الكبير. ومع الحرب العالمية الأولى وازدياد الاهتمام الإمبريالي الفرنسي بالمشرق العربي بعد أن كان مقصوراً على المغرب، ومع انتصار الحلفاء على دول الوسط وتفتُّت الإمبراطورية العثمانية وسَلْخ الألزاس واللورين من ألمانيا وضمهما لفرنسا، بدأت الحكومة الفرنسية تُظهر اهتماماً خاصاً بالحركة الصهيونية وبدأت أسماء السياسيين تظهر في قائمة مؤيدي الصهيونية. وقد تَوافَق مع هذا الاتجاه التغير في قيادة الحركة الصهيونية وتوجُّهها نحو بريطانيا وفرنسا بدلاً من ألمانيا والنمسا لتكونا القوتين الإمبرياليتين الراعيتين للحركة. ومن ثم، فقد شهدت فترة ما بين الحربين العالميتين نمواً مطرداً في صفوف الحركة الصهيونية في فرنسا حيث وجد يهود الطبقة المتوسطة أن هذا التأييد يضمن لهم مكانتهم في المجتمع نظراً لأنه موقف الحكومة الرسمي، ووجد يهود الألزاس واللورين ذوو الارتباطات الثقافية الألمانية في الحركة الصهيونية نوعاً من التحقق القومي الرومانسي الذي يمثل استمراراً لتلك الارتباطات الثقافية ولا يتعارض في الوقت نفسه مع انتماءاتهم الألمانية الرومانسية التي تغيَّرت. وقد شكَّل هؤلاء في ستراسبورج (عام ١٩١٧) حركة صهيونية شبابية عُرفت باسم «هاتيكفاه» ، ومن هذه المنطقة أتى معظم المهاجرين اليهود إلى إسرائيل.
следующие страницы →