← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

وقد كان تأثير الاتحاد الصهيوني الألماني قوياً، وبخاصة في الأعوام الخمسة عشر التي بقيت خلالها رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية في ألمانيا سواء في كولونيا أثناء فترة رئاسة ديفيد ولفسون أو في برلين أثناء فترة رئاسة أوتو واربورج. ولقد ساعد وجود المنظمة في ألمانيا على إحجام الأتراك (حلفاء الألمان) عن اعتقال اليهود في فلسطين. ومن ثم، لعبت الحرب العالمية الأولى في ألمانيا دوراً حاسماً في تاريخ الصهيونية لا يقل أهمية عن الدور الذي لعبته بريطانيا بعدها بإصدارها وعد بلفور. وقد كان النفوذ الصهيوني لدى الحكومة الألمانية والضغط الذي مارسته ألمانيا على تركيا العثمانية هو الذي حمى الاستيطانيين في فلسطين. بل إن بعض الاستيطانيين من أمثال ديفيد بن جوريون جرى اعتقالهم على يد الإنجليز بوصفهم رعايا دولة معادية. وحتى بعد انتقال المنظمة العالمية من ألمانيا، احتل قادة صهاينة ألمانيا مواقع مهمة في المنظمة العالمية وإن كانت أقل مما كانوا يحتلون بالطبع، ومن هؤلاء فليكس روزنبلوت وريتشارد لختهايم وكورت بلومنفيلد. وقد احتفظت الحركة الصهيونية في فترة جمهورية فايمار (١٩١٨ ـ ١٩٣٣) بطابعها التوطيني، فكانت حركة نخبوية ولم تكن حركة جماهيرية. وكان ظهور النازية فرصة هائلة لازدهار الحركة الصهيونية، فزادت العضوية زيادة هائلة، كما تعاونت الحكومة النازية مع الحركة الصهيونية في ترحيل اليهود من ألمانيا داخل إطار ما عُرف باتفاق الهعفراه أو اتفاق التهجير الذي أصبح بمنزلة بوابة الخروج الوحيدة ليهود ألمانيا حيث أُجبروا على الذهاب إلى فلسطين، أي أن الحركة الصهيونية التوطينية تحوَّلت إلى حركة استيطانية وتم توفير المادة الخام البشرية نتيجة الأزمة التي خلقتها النازية ونتيجة تعاون الحكومة النازية مع المنظمة الصهيونية. ولقد استمرت الحركة الصهيونية في العمل الشرعي في ألمانيا حتى عام ١٩٣٨، أي أن التعاون بين النازية والصهيونية

стр. 6687

ظل قائماً طالما ظلت المصالح المشتركة قائمة، ثم انفض الرباط مع إحساس كل منهما بعدم حاجته للآخر. وقد أُقيم اتحاد صهيوني جديد بعد الحرب العالمية الثانية مباشرةً وأُعيد تكوين الحركة الصهيونية في ألمانيا عام ١٩٥٤ واعترفت بها المنظمة العالمية عام ١٩٥٦. وهي تلعب دوراً مهماً في جمع المال ودق ناقوس الجرائم النازية، أي أنها استعادت الطابع التوطيني السالف للحركة. تاريخ الصهيونية في فرنسا History of Zionism in France لم تكن الصهيونية غير اليهودية قوية في فرنسا، فهي بلد كاثوليكي (والصهيونية غير اليهودية ظهرت وترعرت داخل التشكيل البروتستانتي بالأساس) . ومع هذا، ظهرت شخصيات صهيونية غير يهودية داخل التشكيل الاستعماري الفرنسي من أهمها نابليون بونابرت وإرنست لاهاران. أما بالنسبة للصهيونية بين يهود فرنسا، فيمكن أن نلخص مراحل تطورها فيما يلي: ١ ـ المرحلة الأولى ١٨٨٠ ـ ١٩١٩ (مرحلة النشأة) :

стр. 6688

كانت الغالبية العظمى من اليهود المولودين في فرنسا لا مبالية إن لم تكن معادية للبرنامج الصهيوني. وحينما بدأ النشاط الصهيوني في فرنسا على يد البارون إدموند دي روتشيلد والتحالف الإسرائيلي العالمي، كان نشاطاً توطينياً، فقد قاما بإنشاء شبكة من المدارس في فلسطين لتدريب اليهود المستوطنين (الذين أتوا أساساً من شرق أوربا) على الزراعة. وقد كان اليهود في فرنسا يمثلون في الأغلب الأعم الشرائح المتوسطة في الطبقة الوسطى، وبذا كان الاتجاه الغالب هو رفض الحل الصهيوني الذي يطلب منهم التخلي عن الوضع المستقر الذي يعيشونه والذهاب إلى أرض يجهلونها تماماً. وكان التوجه السياسي العام لليهود في فرنسا محافظاً ومسايراً لحكومة فرنسا بوجه عام. ولأن الحكومة الفرنسية (في المراحل الأولى من الصهيونية) لم تكن مهتمة بفلسطين، فإن يهود فرنسا تبنوا موقفها. كما أن القيادات الصهيونية الأولى نفسها لم تكن مهتمة بالتوجه للحكومة الفرنسية بحكم نشأتها في ألمانيا. ومع هذا، لاقت الصهيونية في فرنسا ترحيباً كبيراً من قبَل المهاجرين اليهود من شرق ووسط أوربا الذين بدأوا في الوصول إلى فرنسا مع ثمانينيات القرن التاسع عشر، وهكذا كان قادة الحركة الصهيونية في فرنسا هم على التوالي: إسرائيل يفرويكين ومارك ياربلوم وجوزيف فيشر، وكلهم من شرق أوربا. ويمثل هؤلاء المادة البشرية المطلوبة للفكر التوطيني.

стр. 6689

وكان أول تجمُّع يشكله هؤلاء في فرنسا هو تجمُّع اليهودي الأبدي الذي شكَّلته جماعة من المهاجرين الروس على شاكلة التجمعات الطلابية المماثلة في روسيا عام ١٨٨١. وأسست هذا التجمع جماعة استيطانية اسمها "بني صهيون" عام ١٨٨٦، وقامت هذه الجمعية بشراء ١٢٠ دونماً من الأرض في وادي حنين في فلسطين. وعلى المنوال نفسه، نشأت جمعيات طلابية صهيونية في مختلف أنحاء فرنسا. وحاول الطلاب الفرنسيون اليهود ذوو الأصل الروسي أن يكون التجمع في شكل لجنة مركزية تمثل جمعيات أحباء صهيون كافة من بقاع الأرض كافة. بيد أن هذه المحاولة باءت بالفشل. وقد كان عدد المندوبين الفرنسيين في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ١٢ مندوباً، ولم يكن معظمهم من يهود فرنسا. وتذكر المصادر الصهيونية أن كبير حاخامات فرنسا، الحاخام زادوك كاهن، قد أثَّر كثيراً في الحركة الصهيونية رغم رفضه المُعلَن لها. ونجد أن أبرز الصهاينة الفرنسيين في تلك الفترة هو البيولوجي ألكسندر مارموريك الذي ترأس الاتحاد الصهيوني الفرنسي منذ إنشائه عام ١٩٠١ وحتى وفاته عام ١٩٢٣، والكاتب برنار لازار الذي كان من بين المدافعين عن دريفوس، والنحات فردريش بير، والكاتبة ميريام شاخ. وجميعهم باختصار من مثقفي باريس المعارضين الذين وجدوا في الفكر الصهيوني التوطيني وسيلة للتعبير عن الذات والتميز داخل المجتمع الثقافي في فرنسا. وطوال الفترة الممتدة بين المؤتمر الصهيوني الأول وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٨، لم يزد اليهود المنضمون للحركة الصهيونية ومنظماتها العديدة في فرنسا عن بضع مئات من المثقفين ممن لا تأثير لهم في الجماعة اليهودية التي ظلت ترفض الصهيونية. ٢ ـ المرحلة الثانية: ١٩١٤ ـ ١٩٣٩ (مرحلة التطور (:

стр. 6690

تميَّزت هذه المرحلة بازدياد الاهتمام المُتبادَل بين الحكومة الفرنسية والحركة الصهيونية ونمو العلاقة بين الصهاينة والحركات المعارضة. وكانت المادة البشرية في هذه المرحلة من يهود الألزاس واللورين أساساً ثم من الفارين من ألمانيا النازية. وتميَّز الموقف العام للجماعة اليهودية بالاهتمام والترقب دون التأييد الكبير. ومع الحرب العالمية الأولى وازدياد الاهتمام الإمبريالي الفرنسي بالمشرق العربي بعد أن كان مقصوراً على المغرب، ومع انتصار الحلفاء على دول الوسط وتفتُّت الإمبراطورية العثمانية وسَلْخ الألزاس واللورين من ألمانيا وضمهما لفرنسا، بدأت الحكومة الفرنسية تُظهر اهتماماً خاصاً بالحركة الصهيونية وبدأت أسماء السياسيين تظهر في قائمة مؤيدي الصهيونية. وقد تَوافَق مع هذا الاتجاه التغير في قيادة الحركة الصهيونية وتوجُّهها نحو بريطانيا وفرنسا بدلاً من ألمانيا والنمسا لتكونا القوتين الإمبرياليتين الراعيتين للحركة. ومن ثم، فقد شهدت فترة ما بين الحربين العالميتين نمواً مطرداً في صفوف الحركة الصهيونية في فرنسا حيث وجد يهود الطبقة المتوسطة أن هذا التأييد يضمن لهم مكانتهم في المجتمع نظراً لأنه موقف الحكومة الرسمي، ووجد يهود الألزاس واللورين ذوو الارتباطات الثقافية الألمانية في الحركة الصهيونية نوعاً من التحقق القومي الرومانسي الذي يمثل استمراراً لتلك الارتباطات الثقافية ولا يتعارض في الوقت نفسه مع انتماءاتهم الألمانية الرومانسية التي تغيَّرت. وقد شكَّل هؤلاء في ستراسبورج (عام ١٩١٧) حركة صهيونية شبابية عُرفت باسم «هاتيكفاه» ، ومن هذه المنطقة أتى معظم المهاجرين اليهود إلى إسرائيل.

стр. 6691

وفي عام ١٩٢١ تأسست في ستراسبورج أيضاً جماعة مزراحي. وفي إطار هذه الجماعة، أكدت الجمعية الفرنسية للحاخامات (عام ١٩٢٣) أهمية الاستيطان اليهودي في الأراضي المقدَّسة وضرورة خلق مجتمع صهيوني. وشهدت الأعوام ١٩١٩ ـ ١٩٣٩ نشاطاً محموماً في الحركة الصهيونية، وعلى مستويات عدة. فتحْت قيادة جوزيف فيشر (الذي صار سفيراً لإسرائيل في بلجيكا عام ١٩٤٩) قام الصندوق القومي اليهودي بفتح فروع له في الجزائر، واشتركت الحركة الصهيونية الفرنسية في الوكالة اليهودية الموحَّدة عام ١٩٢٩. وكان ممثل فرنسا في مجلس الوكالة هو السياسي الفرنسي الشهير ليون بلوم. وعلى أية حال، كان هذا مؤشراً على ازدياد أهمية الحركة الصهيونية سياسياً داخل فرنسا، كما كان مؤشراً على ضعفها النسبي فلم يكن هذا الممثل صهيونياً قحاً بل كان يهودياً غير صهيوني أو مجرد واجهة ملائمة. وفي عام ١٩٣٧، شُكِّلت لجنة التنسيق بين المنظمات الصهيونية التي شملت عضويتها كل الفصائل والتنظيمات الصهيونية حتى أنها ضمت منظمة صهيونية سفاردية بلغت عضويتها ٢٥٠ فرداً. ورغم كل هذا النشاط، أو بالأحرى لأن كل هذا النشاط كان تعبيراً عن آراء توطينية لا عن آراء استيطانية، لم تكن الهجرة من فرنسا هدفاً حقيقياً، ولم يتعد عدد المهاجرين بضع مئات. وحتى عندما وصل العدد إلى بضعة آلاف من المهاجرين، كان ٩٠% منهم من لاجئي ألمانيا النازية، وبالتالي يمكننا أن نقول إن الحركة الصهيونية الفرنسية وجدت في هؤلاء ضالتها المنشودة ومادتها البشرية التي تسعى إلى توطينها. ٣ ـ المرحلة الثالثة١٩٣٩ ـ ١٩٦٧ (مرحلة الاستقرار) :

стр. 6692

وتميَّزت هذه المرحلة بغلبة الطابع السياسي التحريضي وشهدت دعماً مالياً معنوياً ضخماً للحركات الصهيونية في فلسطين ثم لدولة إسرائيل، وازدادت العلاقة توثُّقاً مع الحكومة الفرنسية (ويرجع هذا أيضاً لوصول الاشتراكيين للحكم) . وكانت المادة البشرية في هذه المرحلة أساساً من الفارين من مناطق الاحتلال النازي في أوربا ثم بعد الحرب من يهود شمال أفريقيا بعد حرب تحرير الجزائر واستقلال تونس والمغرب. وتميَّز الموقف العام للجماعة اليهودية في هذه المرحلة بالتأييد الضخم والمبالغ فيه أحياناً حتى صارت التفرقة بين المنظمات اليهودية والصهيونية عسيرة جداً.

стр. 6693

وقد ازداد هذا الدور التوطيني مع الغزو النازي لفرنسا وازدياد عدد اللاجئين من بولندا وهولندا وغيرها من المناطق الواقعة تحت الاحتلال النازي. ولقد استقر النشاط الصهيوني في منطقة جنوب فرنسا في جمهورية فيشى. وفي عام ١٩٤١ أُنشئت في فيشى حركة الشباب الصهيوني بقيادة سيمون ليفيت وجول جفروكن (وهو حفيد إسرائيل يفرويكين الذي تفرنس) . وهنا نلاحظ أن نزعات الجد الاستيطانية تحوَّلت إلى نزعات توطينية لدى الحفيد مع استقرار الأسرة في فرنسا ومع إحساسها بالأمان، ومن ثم تغيَّر محتوى الخطاب وكذلك أهدافه (بل تغيَّر الاسم ذو الطابع السلافي إلى اسم لاتيني النبرة) . وقد لعبت حركة الشباب الصهيوني دوراً بارزاً في تهريب اليهود اللاجئين عبر الحدود إلى إسبانيا وسويسرا ومنها إلى فلسطين، بل شاركت في المقاومة المسلحة. وفي عام ١٩٤٢، ساهم الشباب الصهيوني في تولوز في تشكيل ما عرف بالجيش اليهودي الذي لعب أيضاً دوراً مهماً في توطين اللاجئين اليهود الفارين في فلسطين وشارك بعدئذ في وحدات فرنسا الحرة تحت قيادة ديجول. وقد كان لهذا الدور، وكذلك لفكرة المذابح اليهودية على يد النازي، أثر جديد مهم في التحول الذي طرأ على الحركة الصهيونية في فرنسا بعد الحرب. فقد قدَّرت الحكومة الفرنسية المساعدات الصهيونية واعتبر يهود فرنسا الصهاينة أبطالاً منقذين.

стр. 6694

وتشكَّلت في عام ١٩٤٧ منظمة الاتحاد الصهيوني الفرنسي التي رأسها أندريه بلوميل وهو اشتراكي من أتباع ليون بلوم كما أنه قانوني شهير، ولعبت تلك المنظمة دوراً بالغ الأهمية في عمليات الهجرة غير الشرعية عَبْر الموانئ الفرنسية إلى فلسطين. كما قدَّمت مساعدات مالية هائلة للاستيطان الصهيوني في فلسطين، وخصوصاً بعد صدور قرار التقسيم، حتى أن الهاجاناه وحدها تلقت ما يزيد على ٢ مليون من الفرنكات. وفي عام ١٩٥٠، كان هناك ٦٣.٢٤٨ دافع شيقل فرنسي في المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرين. وتشكلت لجان تبرع عديدة لإسرائيل في فرنسا تحت اسم «مساعدة إسرائيل» ، و «النداء الموحَّد» وغير ذلك. ومع اندلاع حرب تحرير الجزائر عام ١٩٥٤، وجدت الحركة الصهيونية في فرنسا فرصة جديدة، فقد جاء تيار المهاجرين اليهود القادم من شمال أفريقيا إلى فرنسا بمادة بشرية جديدة يمكن توجيهها إلى إسرائيل التي كانت في حاجة ماسة للأفراد ذوي التخصصات الدقيقة والأكاديمية. ويمكننا أن نقول إن كل الحركات اليهودية في فرنسا بحلول الستينيات كانت مؤيدة للصهيونية وإسرائيل حتى أن الحاخام الأكبر يعقوب قبلان كان الرئيس الفخري لحركة مزراحي (عمال مزراحي في إسرائيل) ، وشاركت مشاركة فعالة في كل الجهود الصهيونية في فرنسا. وقد ظهر هذا التأييد الواسع في المساعدات الهائلة التي قدمتها الحركة الصهيونية والمؤسسات اليهودية في فرنسا إلى إسرائيل قبل حرب ١٩٦٧ مباشرةً، وأثناءها وبعدها، حتى أن حملة التبرعات التي حدثت بعد الحرب مباشرةً أرسلت ٤٠٠٠.٠٠٠ جنيه إسترليني إلى إسرائيل تحت اسم «تبرعات التضامن مع إسرائيل» . وقد عارضت الحركة الصهيونية الموقف الرسمي الفرنسي الديجولي بعد الحرب وتشكلت جماعة تحت اسم «لجنة التنسيق بين المنظمات اليهودية في فرنسا» لتشكيل رأي عام ضاغط على الحكومة ومساندة إسرائيل. تاريخ الصهيونية في إنجلترا History of Zionism in England

стр. 6695

ارتبطت حركة أعضاء الجماعات اليهودية وهجرتهم بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي (وخصوصاً الإنجليزي) . ويُلاحَظ أن الفكر الصهيوني قد وُلد في البداية في الأوساط الإنجليزية البروتستانتية قبل أن يصل إلى أعضاء الجماعات اليهودية. فمفكرون مثل شافتسبري وأوليفانت، كانوا قد توصلوا إلى كل الأطروحات الصهيونية قبل بنسكر وهرتزل بعشرات السنين. كما أن أوليفانت وغيره كانوا قد بدأوا بوضع مشروعهم الصهيوني موضع التنفيذ. ومقابل ذلك، كان هناك معارضة للصهيونية بين يهود إنجلترا المندمجين. ولم تبدأ الأفكار الصهيونية في الظهور إلا مع هجرة يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر. ويمكن تقسيم تاريخ الحركة الصهيونية في إنجلترا إلى أربع مراحل: المرحلة الأولى: منذ نشأة الحركة حتى ١٩١٤: اتسمت علاقة الحركة الصهيونية باليهود البريطانيين بالمعاداة أو اللامبالاة حيث اعتبرها معظم الرموز اليهودية في إنجلترا حركة خرافية خيالية تضر بمصالح اليهود، وكان الأنصار الأساسيون للحركة الصهيونية في بريطانيا هم الساسة غير اليهود الذين وجدوا فيها وسيلة جيدة لتحقيق الأطماع البريطانية الاستعمارية في الشرق العربي. وكانت لندن أول العواصم الأوربية التي عبَّر فيها هرتزل عن فكرته الصهيونية في النادي المكابي في عام ١٨٩٥ ونشر برنامجه الصهيوني لتوطين اليهود في فلسطين في جريدة جويش كرونيكل (يناير ١٨٩٦) قبل نشره كتاب دولة اليهود. وكما هو متوقَّع أخذت الصهيونية في بريطانيا الشكل التوطيني. وعندما وصل هرتزل إلى لندن عام ١٨٩٦، لم يُقابَل اقتراحه بحماس كبير بين اليهود الإنجليز المندمجين. وتخبرنا موسوعة إسرائيل والصهيونية بأن "موجة الحماس التي نتجت عن ظهور هرتزل لم تتعد المهاجرين قط" (بعبارة أخرى: المادة البشرية من شرق أوربا) .

стр. 6696

وقد أثارت كلمة هرتزل مخاوف جماعة أحباء صهيون اللندنية برئاسة الكولونيل ألبرت جولد سميد من أن تثير خطته السلطات التركية فتمنع إقامة المستوطنات اليهودية في فلسطين، وهو ما حدا بالجماعة إلى رفض دعوة هرتزل لها لحضور المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) الذى حضره ثمانية مندوبين بريطانيين (من بينهم إسرائيل زانجويل) معظمهم ليسوا من أصل بريطاني بل مهاجرون من أصول شرق ووسط أوربية. وقد تعرَّضت الحركة الصهيونية في بدايتها لانتقادات ومعارضة شديدة من قبَل اليهود البريطانيين حتى أن الحاخام الأعظم الدكتور هرمان أدلر أصدر مرسوماً يحذر فيه من "الأفكار الخرافية والخيالية حول الأمة اليهودية والدولة اليهودية". وقد تطلَّب الأمر من هرتزل، الذي كان يطمح إلى الحصول على تأييد بريطاني لمشروعه، أن يعمل جاهداً على ضم حركة أحباء صهيون. وبحلول المؤتمر الصهيوني الثاني (١٨٩٨) ، كان عدد الجمعيات الصهيونية في بريطانيا ٢٦ جمعية، ومَثل تلك الجمعيات في بازل ١٥ مندوباً. وفي عام ١٨٩٩، تَشكَّل اتحاد صهيوني برئاسة السير فرانسيس مونتفيوري وهو ابن أخى السير موسى مونتفيوري (الداعية اليهودي الشهير) . وفي العام نفسه، نجح هرتزل في تسجيل الصندوق اليهودي الاستعماري، وهو أول أداة مالية صهيونية لتمويل المشروع التوطيني في لندن، كشركة بريطانية. وقد أدَّى هذا إلى القضاء تماماً على جمعية أحباء صهيون كجماعة مستقلة حيث اشترك أغلب أعضائها البارزين في الصندوق وبالتالي في الاتحاد الصهيوني.

стр. 6697

وقد عُقد في لندن المؤتمر الصهيوني الرابع (١٩٠٠) وحضره ٢٨ مندوباً يمثلون ٣٨ جمعية أعضاء في الاتحاد الصهيوني الإنجليزي. وفي محاولة من المؤتمر لكسب الرأي العام السياسي البريطاني للفكرة الصهيونية، وزَّع المؤتمر على النواب البريطانيين في مجلس العموم دوريات تشرح أغراض الصهيونية وتدعوهم إلى الرد وإبداء آرائهم حول هذا الموضوع. وقد وصف هرتزل هذا الفعل بأنه "أذكى فعل قامت به حركتنا منذ فترة بعيدة". وقد أيَّد الصهاينة البريطانيون مشاريع الاستيطان الصهيونية خارج فلسطين، سواء مشروع أوغندا أو مشروع العريش أو غيرهما من المشاريع. المرحلة الثانية: ١٩٠٤ ـ ١٩٣٩:

стр. 6698

اتسمت تلك المرحلة بازدياد أهمية لندن كمركز للحركة الصهيونية وتلاشي دور برلين الصهيوني، وازدادت العلاقات بين الحكومة البريطانية وبين الصهاينة توثقاً، وشهدت مرحلة صدور وعد بلفور ومن ثم أصبح بإمكان الحركة أن تتغلغل سريعاً وسط اليهود البريطانيين. وقد مثَّل عام ١٩٠٤ نقطة تحوُّل مهمة في تاريخ الحركة الصهيونية البريطانية والحركة الصهيونية ككل، إذ مات هرتزل وانتقلت القيادة إلى ولفسون. وعارضت جماعة من البريطانيين هذه القيادة الجديدة الموالية لألمانيا، كما أن موت هرتزل أضعف التوجهات الألمانية للحركة. كما ساعد على تقوية التوجهات البريطانية ظهور وايزمان وتشكُّل ما عُرف باسم «جماعة مانشستر» ، وهي جماعة من المثقفين اليهود الشبان من بينهم إسرائيل موسى سيف وسيمون ماركس وهاري ليون سيمون. وكانت تربط هذه الجماعة علاقة قوية بشخصيات إعلامية بريطانية مثل تشارلز سكوت رئيس تحرير وصاحب جريدة جارديان مانشستر. وعن طريق هذه الوسائل ازدادت أهمية جماعة مانشستر وزادت أهمية وايزمان كقائد جديد للحركة الصهيونية، وخصوصاً من خلال دعوته الملحة للتركيز على التأثير في بريطانيا العظمى والتخلي عن فكرة "الدبلوماسية التركية الألمانية" التي كان هرتزل يتبناها وكذلك فكرته حول العمل على زيادة عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين لخلق تجمُّع يهودي استيطاني قوي يُوظَّف لصالح بريطانيا. وقد أدَّت هذه العوامل إلى أن يُنتخب وايزمان عام ١٩١٤ نائباً لرئيس الاتحاد الصهيوني البريطاني.

стр. 6699

ومما زاد من أهمية الحركة الصهيونية في بريطانيا، ازدياد اهتمام حكومة بريطانيا بمنطقة الشرق العربي ليس فقط جغرافياً، بل اقتصادياً، مع ظهور البترول وازدياد أهميته كمصدر للطاقة. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى، أصبح الاتحاد الصهيوني البريطاني الذي كان يضم في هذا الوقت حوالي ٥٠ جمعية في موقع رئيسي حيث فقدت اللجنة التنفيذية دورها القيادي لأنها تقع في برلين وبالتالي انعزلت فعلاً وقولاً عن العالم كله. وقام ناحوم سوكولوف عضو اللجنة التنفيذية بالانضمام إلى وايزمان، ومن ثم أصبحت اتصالات وايزمان بالساسة البريطانيين أكثر رسمية. ومما ساعد على تقوية موقع وايزمان، تأييد لويس برانديز رئيس اللجنة التنفيذية المؤقتة في نيويورك. وفي الوقت نفسه، عمل هربرت صمويل، وهو عضو في الوزارة البريطانية، على أن يحصل على وعد من الحكومة بإقامة دولة يهودية في فلسطين. وفي يناير عام ١٩١٦، كُوِّنت لجنة استشارية من ناحوم سوكولوف وياحيل تشيلينوف وموسى جاستر وحاييم وايزمان وغيرهم. بيد أن عمل اللجنة انتهى عام ١٩١٧ بعد استقالة هربرت بنتويتش منها لإتاحة الفرصة لوايزمان ليصير رئيساً للاتحاد الصهيوني الذي كان يخوض معركة شرسة على جانبين: الأول مع اللجنة التنفيذية العالمية ذات الاتجاه الألماني، والثاني ضد قادة التجمع اليهودي البريطاني من غير الصهاينة الذين كانوا يرفضون الصهيونية بعنف، حتى أن مؤيدي الصهاينة وبرنامج بازل لم يتعدوا ٥% من جملة يهود بريطانيا في هذا الوقت.

стр. 6700

ومع صدور وعد بلفور وتَواجُد العديد من القادة الصهاينة في لندن أثناء الحرب مثل أحاد هعام وجابوتنسكي، ازدادت قوة الاتحاد الصهيوني سواء عددياً أو من حيث تأثيره وسط الجماعة اليهودية. ومن الواضح أن الاعتراف الرسمي من قبَل الحكومة البريطانية بالحركة الصهيونية وتبنيها موقفاً صهيونياً حَسَم الموقف لصالح المنظمة الصهيونية وسط الجماعة اليهودية. ومع تبعية المشروع الاستيطاني الصهيوني للمشروع البريطاني الاستعماري، صار الفكر الصهيوني مكملاً للروح الاندماجية وغير متناقض معها، بمعنى أنه أصبح من السهل أن يكون المواطن الإنجليزي اليهودي يهودياً وصهيونياً في آن واحد، بعد أن كان الموقف مختلفاً قبل أشهر قليلة. وقد عُقد مؤتمر صهيوني في عام ١٩٢٠ قام بانتخاب وايزمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية، وسوكولوف رئيساً للجنة التنفيذية. وبمعنى آخر، كرس هذا المؤتمر سيطرة الاتجاه البريطاني وأنهى تماماً الاتجاه الألماني. وحظي الاتحاد الصهيوني بتأييد سياسيين بريطانيين كبار من أمثال لويد جورج ولورد ملنر ونشرت الصحف البريطانية الصهيونية مقالات تؤيد وضع فلسطين تحت حكم الانتداب. وقد أنشأ المؤتمر الصهيوني في لندن (١٩٢٠) الصندوق التأسيسي الفلسطيني (الكيرين هايسود) ، وأصبحت لندن مقره الرئيسي حتى عام ١٩٢٦ عندما انتقل إلى فلسطين. وهي خطوة ارتبطت بتنامي قوة الاستيطانيين وتأسيس مؤسسات خاصة. ثم انتقلت اللجنة التنفيذية إلى لندن وبقيت بها حتى عام ١٩٣٦، ومنها انتقلت إلى القدس. ويتبدَّى تنامي نفوذ الصهاينة وسط اليهود البريطانيين، وبكل وضوح، في تكوين الوكالة اليهودية الموسعة التي كانت تحت سيطرة الصهاينة تماماً. المرحلة الثالثة (١٩٣٩ ـ ١٩٤٨ (:

стр. 6701

اتسمت تلك المرحلة بسيطرة الحركة الصهيونية تماماً على حياة ومقدرات اليهود في بريطانيا وكذلك سياسة الشد والجذب بين الصهاينة والحكومة البريطانية، ويمكن أن نعزو هذا لازدياد أهمية الولايات المتحدة الأمريكية وسط القوى الإمبريالية العالمية وازدياد ارتباط الصهاينة بالولايات المتحدة. وكتعبير آخر عن محورية الدور البريطاني في الشئون الصهيونية في ذلك الوقت، استقر جابوتنسكي في لندن (منذ ١٩٣٦) لإدارة أعمال المنظمة الصهيونية الجديدة التي أنشأها. وكالعادة، وفرت النازية للصهاينة التوطينيين البريطانيين المادة البشرية (الخام) الضرورية للعمل التوطيني. وتم تأسيس الصندوق البريطاني المركزي لمساعدة اليهود الألمان، وكان الغرض الأساسي منه هو تهجير اليهود من ألمانيا وتوطينهم في فلسطين. وكما ساعدت تلك المادة على تقوية الدور الصهيوني التوطيني، فقد ساعدت أيضاً الاستيطانيين على زيادة نفوذهم وسط الحركة الصهيونية العالمية بتزويدهم بمادة خام بشرية وأيضاً بإظهار قدرات الاستيطانيين الكبيرة على الاستيعاب، وبالتالي تخليص التوطينيين من مشاكل التعامل المباشر مع المادة البشرية. وقد ظهرت هذه الآثار في تحوَّل الاتحاد الصهيوني البريطاني إلى أقوى المنظمات تأثيراً وسط اليهود البريطانيين كما تخرَّج من تنظيمه الشبابي العديد من القيادات الإسرائيلية فيما بعد، مثل أبا إيبان وإفرام هرمان. وقد ساعدت النازية أيضاً على إثارة مخاوف بعض القطاعات بين الجماعة اليهودية في بريطانيا، وهو ما شجع على ذهاب بعض منهم إلى فلسطين. ونقل هؤلاء عند عودتهم آراء المستوطنين الصهاينة في فلسطين وكيفية التعامل مع العرب. ومع الانتفاضة العربية عام ١٩٣٦، وقبل ذلك مع ثورات أعوام ١٩٢١ ـ ١٩٢٩، كانت بريطانيا تلجأ لإصدار الكتب البيضاء من أجل إدخال الطمأنينة على قلوب العرب، وخصوصاً أعضاء النخب العربية المرتبطة بإنجلترا، وكان هذا يثير حفيظة الاستيطانيين الذين

стр. 6702

بدأوا في التفكير في أن الاعتماد الكامل على بريطانيا الإمبريالية غير ممكن، ومن هنا كانت زياراتهم المتكررة للندن بهدف الضغط على الدولة البريطانية عن طريق التأثير المباشر في الاتحاد الصهيوني. وقد خلقت الحرب العالمية الثانية وضعاً صعباً لليهود الإنجليز، فمع اشتداد الأزمة في بريطانيا، اعتبرت الحكومة البريطانية كل اليهود الألمان الموجودين في بريطانيا جواسيس ممثلين للعدو، أي أنها نظرت إليهم النظرة التقليدية على أساس أن اليهودي هو دائماً الخائن/الجاسوس/المرابي الأبدي، أي الجماعة الوظيفية التي تعمل دائماً في خدمة من يدفع لها أجرها، ولم تقم الجماعات الصهيونية في بريطانيا بمعارضة هذا العمل. وقد شهد عام ١٩٤٢ تطوراً مهماً في تركيبة الاتحاد الصهيوني البريطاني، فقد انضمت إليه حركة عمال صهيون ذات الصلات القوية بحزب العمال البريطاني. وتجدر الإشارة إلى أن هذا يُعدُّ مؤشراً على ازدياد أهمية الاستيطانيين وغالبيتهم من حركة عمال صهيون وأيضاً على توثيق الصلة بين الصهاينة في بريطانيا وبين القوى السياسية المختلفة، فقد كانت حكومة كلمنت إتلي العمالية هي التي وصلت إلى الحكم عام ١٩٤٥ قبل نهاية الحرب العالمية وانتهى في عهدها الصدام المسلح بين الاستيطانيين والبريطانيين على أرض فلسطين. وقبيل تقسيم فلسطين عام ١٩٤٨، وأثناء انعقاد مؤتمر حزب العمال البريطاني عام ١٩٤٧، طالب مندوب حركة عمال صهيون في كلمته الموجهة للمؤتمر (الذي حضره كمراقب زائر) باتخاذ قرار بصدد قضية فلسطين يراعي روح وعود الحزب قبل الانتخابات البرلمانية، أي الإقرار بحق اليهود في كامل فلسطين. المرحلة الرابعة (١٩٤٨ ـ (: وتتسم المرحلة الحالية بضعف الحركة الصهيونية نسبياً وانشغالها بأمور ثقافية وشكلية طقوسية. ويعود هذا بالطبع لتضاؤل أهمية بريطانيا في السياسة الدولية وزيادة أهمية الولايات المتحدة بشكل ضخم واعتماد إسرائيل الكامل عليها.

стр. 6703

وبعد إنشاء دولة إسرائيل، استمر الصهاينة البريطانيون في عملهم الدعائي وفي خلق مؤسسات لرعاية مهاجري اليهود إلى فلسطين، وقد مثلت المنظمة الصهيونية جسراً بين إسرائيل وأوربا. وساهمت الحركة الصهيونية في دعم إسرائيل مادياً بمبلغ يزيد على ١٧٠٠٠.٠٠٠ جنيه إسترليني خلال الأيام الأولى لحرب ١٩٦٧. وكل هذه المساعدات تأتي في الإطار التوطيني. ويتضح الطابع التوطيني للصهيونية البريطانية في المساهمة الفعلية في الهجرة لإسرائيل حيث نقرأ في موسوعة إسرائيل والصهيونية أن "عدد اليهود البريطانيين الذين استقروا فعلاً في إسرائيل كان عدداً قليلاً". لقد صارت إسرائيل بالنسبة للصهاينة البريطانيين مركزاً روحياً أو بقعة مقدَّسة يتطهر فيها يهود المنفى مما علق بهم من أدران. ويتبدَّى هذا فيما يُسمَّى برنامج "عام العمل" الذي تبنته منظمة اتحاد الشباب الصهيوني عام ١٩٥٠ والقاضي بأن يسافر الشباب اليهودي من بريطانيا لقضاء سنة من العمل التطوعي في إسرائيل، وهو تعبير عن تقبُّل كامل لحالة الدياسبورا باعتبارها حالة نهائية. تاريخ الصهيونية في الولايات المتحدة History of Zionism in the U.S.A

стр. 6704

يبدأ تاريخ الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة بالجماعات الصهيونية غير اليهودية التي طالبت بتوطين اليهود في فلسطين (أو خارجها) . وفي عام ١٨١٨ طالب جون آدامز رئيس الولايات المتحدة بأن يصبح اليهود أمة مستقلة، هذا في وقت لم يزد فيه عدد اليهود عن أربعة آلاف ولم يكن هناك لوبي يهودي أو صهيوني، وهو ما يدل على أن النزعة الصهيونية في الولايات المتحدة أصيلة متجذرة في المجتمع الأمريكي (وهو على كلٍّ مجتمع استيطاني يمكنه التعاطف مع التجربة الاستيطانية الصهيونية) . ومن أهم الشخصيات الصهيونية غير اليهودية وليام بلاكستون (الذي اشترك في مؤتمر اتحاد الصهاينة الأمريكيين في فيلادلفيا) وقد أعلن المؤتمر أن بلاكستون هو "أبو الصهيونية" وهو لقب تستخدمه بعض المراجع للإشارة إلى الرئيس وودرو ويلسون أيضاً (انظر الباب المعنون «صهيونية غير اليهود» ) .

стр. 6705

أما تاريخ الحركة الصهيونية بين أعضاء الجماعات اليهودية، فهو لا يبدأ إلا في مرحلة لاحقة، وقد بدأت الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة مع وصول ألوف المهاجرين اليهود من شرق أوربا في بداية ثمانينيات القرن التاسع عشر حاملين معهم تقاليدهم وأفكارهم ومعتقداتهم وتنظيماتهم وجمعياتهم التي كان من بينها جمعية أحباء صهيون. وبحلول عام ١٨٩٠، كان هناك فروع لجمعية أحباء صهيون في نيويورك وشيكاغو وبلتيمور وبوسطن وميلووكي وفلادلفيا وكليفلاند. وتكوَّنت جمعيات العودة لصهيون على يد آدم روزنبرج بغرض شراء أرض في فلسطين والإعداد لعودة اليهود إلى هناك. وفي عام ١٨٩٦، طرح البروفسير بول هاوبت من جامعة جون هوبكنز خطة ترمي إلى توجيه المهاجرين اليهود القادمين من شرق أوربا إلى بلاد بين النهرين وسوريا. وأيده في هذه الخطة العديد من الشخصيات اليهودية البارزة مثل سيروس أدلر وماير سولزبرجر وأوسكار شتراوس. في هذه الأثناء، قام هرتزل بالإعداد لمؤتمره الصهيوني الأول (١٨٩٧) وحضره أربعة من اليهود الأمريكيين. وفي ١٣ نوفمبر ١٨٩٧، كوَّنت الجمعيات الصهيونية في نيويورك اتحاد صهاينة نيويورك بغرض تكوين منظمة على مستوى الأمة كلها. وقد عُقد مؤتمر لمندوبين من منظمات مماثلة في ٤ يوليه ١٨٩٨ في نيويورك ونتج عن المؤتمر تكوين اتحاد الصهاينة الأمريكيين. وقد رأس منظمة نيويورك ريتشارد جوتهيل. وتكوَّنت جمعية أخرى تحت اسم «عصبة الجمعيات الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية الشمالية» ، ثم اتحدت المنظمات لتكوين اتحاد صهاينة نيويورك الكبرى وما حولها. وعندما تكوَّن الاتحاد الأمريكي، تولَّى رئاسته جوتهيل، وكان أمينه الأول هو ستيفن وايز.

стр. 6706

وقد عارض الصهيونيةَ (في البداية) اليهودُ من الطبقات العليا والحاخامات الإصلاحيون الذين أصدروا بياناً في يوليه ١٨٩٧ أدانوا فيه المحاولات الرامية لإنشاء دولة يهودية. كما واجهت الحركة الصهيونية معارضة من قبَل اليهود الاشتراكيين الذين انخرطوا في الحركات النقابية الأمريكية التي كانت قوية في بداية القرن، وكان هؤلاء ينظرون للصهيونية على أنها أيديولوجيا رجعية تهدف إلى فرض سيطرة البورجوازية على الطبقة العاملة. ورفضوا أيضاً سيطرة من أسموهم بالألمان على المهاجرين من أوربا الشرقية. وقد أصدر الاتحاد عام ١٩٠١ جريدة المكابي برئاسة لويس ليبسكي، وشارك جوتهيل في المجلس الاستشاري الأول للصندوق الاستيطاني اليهودي. ودعا الاتحاد إلى شراء أسهم في الصندوق القومي اليهودي، كما قدَّم مساعدات مادية ضخمة للمستوطنات وساهم في إنشاء المدرسة العليا بهرتزليا وتخنيون حيفا ومدرسة بيزالال وغيرها. وقد ارتحل دي هاس موفَداً من قبَل اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية ليقوم بقيادة الاتحاد الصهيوني في الولايات المتحدة. فعلى ما يبدو لم يكن الأداء في تلك الآونة مرضياً للقيادة. واستقر دي هاس في بوسطن ليعمل بدءاً من ١٩٠٢ كأول محترف صهيوني، يعمل أميناً للاتحاد، ونجح دي هاس في ضم شخصية يهودية مرموقة للحركة هو القاضي لويس برانديز. وقد أدَّى انتقال دي هاس إلى استقالة جوتهيل الذي عانت الحركة في عهده من صعوبات مالية ضخمة، وأُسندت رئاسة الحركة إلى هاري فردنفالد. وفي بداية ١٩٠٥، استقال دي هاس من الأمانة وتَسلَّمها يهودا ماجنيس، وكان هذا إيذاناً بازدياد التوجه التوطيني قوة بحيث رأت القيادات الجديدة أن الصهيونية هي بعث ونهضة القيم اليهودية القديمة وضبط للاندماج. ولم يكن هؤلاء ينفون أهمية أرض إسرائيل بيد أنهم لم تكن عندهم أية نية للاستيطان فيها.

стр. 6707

والواقع أن القادة الصهاينة الاستيطانيين رأوا الأهمية المتزايدة للولايات المتحدة وبدأوا في توثيق علاقاتهم بها، فقام كلٌّ من شماريا ليفين وبن جوريون وسوكولوف وبن زفي بزيارات قصيرة وأحياناً طويلة للولايات المتحدة بغرض توطيد علاقاتهم مع أعضاء الجماعات اليهودية وإشاعة الأفكار الصهيونية بينهم. هذا، وقد وصل عدد أعضاء الاتحاد الصهيوني الأمريكي عشية الحرب العالمية الأولى إلى ٢١.٠٠٠ عضو، وهو عدد صغير للغاية بالنسبة لعدد أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة البالغ عددهم حوالي ثلاثة ملايين، خصوصاً أن كثيراً من الأعضاء لا تتجاوز عضويتهم في المنظمة الصهيونية دفع رسوم العضوية (الشيقل) . وكانت توجد تحت مظلة الاتحاد ٨٨ جمعية صهيونية محلية ومتخصصة، ومن هذه الجمعيات منظمة أبناء صهيون والشباب اليهودي وعصبة التحالف الصهيوني الجامعي، هذا غير منظمة الهاداساه أو منظمة النساء الصهيونيات الأمريكية عام ١٩١٢برئاسة هنرييتا سيزولد. ومن رؤساء المنظمات الصهيونية الشبابية والجامعية، نذكر فليكس فرانكفورتر وماكس هيلر وهوراس كالن. وقد تأسَّست أول جمعية عمالية صهيونية في أمريكا عام ١٩٠٣، وكانت تهدف إلى إبعاد اليهود عن الأوساط الاشتراكية. وأُصدرت صحيفة باليديشية منذ عام ١٩٠٥، ومن أهم وأبرز قياداتها حاييم جرينبرج.

стр. 6708

وقد أُجريت عام ١٩١١ انتخابات الاتحاد الصهيوني الأمريكي، وقد فاز فيها اليهود المهاجرون من شرق أوربا بكل مقاعد اللجنة التنفيذية وترأس اللجنة لويس ليبسكي وكان هذا إيذاناً بسيطرة التوطينيين العماليين تماماً وإنهاء تواجد الألمان والصهاينة الثقافيين. وشهد عام ١٩١١ أيضاً تكوين منظمة مزراحي أمريكا على يد مائير بار إيلان وهي المنظمة التي صارت بمرور الزمن الأساس المادي لمنظمة المزراحي العالمية نظراً لقوتها المالية والعددية والتنظيمية. وهذا دليل على تنامي أهمية الحركة الصهيونية الأمريكية في الحركة الصهيونية العالمية، كما أنه أيضاً دليل مهم على التوجه الديني لليهود الأمريكيين في الإطار التوطيني، أي أن المزراحي أتاحت للمتدين الأمريكي اليهودي حلاًًّ رائعاً يمكِّنه من البقاء في أرض الميعاد الحقيقية (أي الولايات المتحدة) وإرضاء تطلعاته الدينية والروحية نحو أرض الميعاد المُتخيَّلة في فلسطين والتي لا ينوي الذهاب إليها.

стр. 6709

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤، حدثت تحولات مهمة في الحركة الصهيونية نتيجة إعلان ويلسون تأييده وعد بلفور وقبول برانديز رئاسة الحركة الصهيونية الأمريكية. وجذبت هذه الشخصية المرموقة العديد من الشخصيات اليهودية البارزة للحركة مثل برنارد فلكسنر ولويس كيرشكين. وأدَّى هذا إلى تَحسُّن الوضع المالي للاتحاد وزيادة العضوية فيه وازدياد قوة الضغط السياسي له. وقد كان برانديز مؤمناً بفكرة أن الولايات المتحدة الأمريكية هي تجسيد للتعددية الثقافية على الأرض وهي أمة الأمم، ومن ثم فلا تَعارُض بين الأمريكية والصهيونية، أي لا تعارُض بين الانتماء لأمريكا والانتماء لأرض الميعاد. وقد عبَّر برانديز بذلك عن الفكر التوطيني الأمريكي وبلوره وساعد على استمراره وكسب الأنصار له. وقد استقال برانديز من منصبه كرئيس للاتحاد عام ١٩١٦ بعد توليه منصب قاض في المحكمة الدستورية العليا، بيد أنه استمر في قيادة الاتحاد من خلال الشخصيات المؤثرة من حوله مثل دي هاس وكالن وفرانكفورتر وغيرهم. وفي عام ١٩١٧، أعاد الاتحاد تنظيم فروعه وجمعياته في المنظمة الصهيونية الأمريكية التي أُقيمت على أساس إقليمي. وكان القاضي برانديز رئيساً فخرياً، والقاضي جوليان ماك رئيساً للمنظمة، وكل من ستيفن وايز وهاري فردنفالد نائبين للرئيس. وقد مهد هذا التحول الطريق للاتصالات التي تمت على أعلى المستوىات بين الصهاينة (من خلال برانديز) وبين حكومة الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، ومن ثم حظي وعد بلفور فور صدوره بموافقة وترحيب الحكومة الأمريكية.

стр. 6710

ورغم معارضة كثير من أعضاء الجماعات اليهودية، ونتيجة تنامي قوة الصهاينة (ارتفع عدد الصهاينة إلى ١٥٠ ألفاً) وإحساسهم بتأييد الحكومة الأمريكية لهم، اقترح القادة الأمريكيون الصهاينة إقامة مؤتمر يهودي أمريكي عن طريق الانتخاب الديموقراطي لمناقشة مشكلات اليهود فيما بعد الحرب وضمن ذلك إقامة وطن قومي في فلسطين وغيرها. وقد عُقد هذا المؤتمر في ١٥ ديسمبر ١٩١٨ في فيلادلفيا، وقد تبنَّى قراراً يطالب عصبة الأمم بتولية بريطانيا العظمى مهام الانتداب على فلسطين. وتَطوُّع عدة آلاف من الشباب الأمريكي اليهودي للسفر إلى فلسطين، بيد أن العدد الحقيقي لم يتعد ٥٠ فرداً هم الذين استقروا هناك. وهذا مؤشر آخر على طبيعة الفكرة الصهيونية بالنسبة لليهودي الأمريكي، فالمواطن الأمريكي اليهودي يحس بأن ما يدفعه للصهاينة من تبرعات هو الضريبة التي على أساسها يكتسب انتماءه الروحي والفكري وإحساسه بالهوية. وبعد الحرب، قام برانديز بزيارة فلسطين وصاغ خططاً عديدة لإدارة الاستيطان الصهيوني على أسس رأسمالية رشيدة، ومن خلال لجان تكنوقراطية، أي أنه كان يحاول أن يفرغ الاستيطان الصهيوني من خصوصيته الإحلالية وبالتالي حاجته للدعم المالي والمعنوي الدائم، وهو الأمر الذي أدرك المستوطنون استحالته فحدث صراع بين برانديز ووايزمان. وقد اقترح وايزمان إنشاء صندوق قومي يهودي لتمويل الاستيطان اليهودي في فلسطين وتحسين الاقتصاد اليهودي هناك، وكذلك لإقامة مؤسسات تربوية وتعليمية وعلمية هناك تدار مركزياً من المقر الرئيسي للمنظمة الصهيونية، وقد رفض برانديز ومجموعته قبول هذه الرؤية.

стр. 6711

وقد قاد المعارضة هذه المرة لويس ليبسكي (تلميذ دي هاس) وصار رئيساً للمنظمة ومعه كل من أبراهام جولدبرج وإيمانويل نيومان وموريس روزنبرج، وأدَّى هذا إلى انسحاب برانديز وأتباعه الأقربين من المنظمة الأمريكية وركزوا جهودهم على تنمية المجتمع اليهودي في فلسطين اقتصادياً عن طريق مؤسسة فلسطين الاقتصادية التي أنشأوها. وبالمقابل، قام ليبسكي بإنشاء فرع للكيرين هايسود في أمريكا واختير نيومان مديراً له والمحامي صمويل أونترماير رئيساً له. لكن خروج برانديز شكَّل ضربة قوية للمنظمة الأمريكية رغم كل شيء حتى أن عضويتها انخفضت إلى ٨٠٠ عضو بحلول عام ١٩٢٩. وقد ارتبط هذا أيضاً بانخفاض التبرعات، وتَدهور الوضع المادي للطبقة الوسطى الأمريكية مع الكساد العظيم (ومعظم أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة من أبناء هذه الطبقة) . وقد أصبحت الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، نظراً لحجمها وقدرتها المالية والاجتماعية، المساهم الأول في تطوير الخطط الاستيطانية في فلسطين. وقد بلغت التبرعات التي قدَّمتها المنظمة الصهيونية الأمريكية في الفترة بين عامي ١٩٢٩ و١٩٣٩ مبلغ ١٠٠ مليون دولار أمريكي. وساعد الصهاينة الأمريكيون في عملية التهجير غير الشرعي لليهود، وهو ما يعكس تنامي قوتهم في الحركة العالمية وتناقص قوة الأوربيين والبريطانيين على وجه الخصوص. وفي عام ١٩٣٩ رفضت الولايات المتحدة الكتاب الأبيض الذي حدَّد هجرة اليهود إلى فلسطين وقامت بالضغط من أجل فتح أبواب فلسطين (في الوقت الذي أوقفت فيه الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة) .

стр. 6712

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، شُكِّلت لجنة طوارئ برئاسة ناحوم جولد مان وصارت هذه اللجنة أهم منبر سياسي للصهيونية الأمريكية، وأُعيدت تسميتها باسم «لجنة الطوارئ الصهيونية الأمريكية» . وقد أصدرت بياناً نوهت فيه بأن الاحتجاج على الكتاب الأبيض البريطاني عام ١٩٣٩ يجب ألا يقتصر على الاجتماعات والمؤتمرات بل يجب أن يكون هناك موقف إيجابي لبرنامج عملي لفلسطين في فترة ما بعد الحرب. ولهذا الغرض، أقام الصهاينة الأمريكيون مؤتمراً في فندق بيلتمور بنيويورك في الفترة بين ٩ ـ ١١ مايو ١٩٤٢، وكانت نتيجة هذا المؤتمر المقررات التي عُرفت باسم مقررات أو برنامج بلتيمور القاضي بوجوب فتح فلسطين أمام الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي تحت رعاية وسلطة الوكالة اليهودية ووجوب تحويلها إلى كومنولث يهودي على أساس وجود أغلبية يهودية، ويجب دمج الكومنولث في بنية العالم الديموقراطي الجديد. وصار هذا البرنامج، الذي يستخدم مفردات لغة الخطاب الأمريكي حول العالم الديموقراطي الجديد والحرية، الحل الصهيوني الرسمي لمشكلة فلسطين. ويعطينا مؤتمر بلتيمور والبرنامج الذي نجم عنه دلالة قوية على ارتباط الحركة الصهيونية بالتشكيل الاستعماري الغربي، فمع تغيُّر مركز الثقل الإمبريالي من بريطانيا وانتقاله إلى أمريكا، ازدادت أهمية الولايات المتحدة وبالتالي الحركة الصهيونية التوطينية فيها. ومع اندلاع الحرب ووضوح أن الولايات المتحدة في سبيلها إلى وراثة كل القوى الإمبريالية الأوربية، كان هذا البرنامج بمنزلة تدشين للصداقة والعلاقة الوثيقة بين القوة الإمبريالية الصاعدة والحركة الصهيونية التي تبحث عن راع إمبريالي. وقد شهدت تلك الفترة أيضاً ازدياد أهمية رؤساء الحركة الصهيونية في أمريكا حتى أنهم صاروا يُعامَلون كرؤساء الدول ورؤساء الحكومات، وقد أعطاهم هذا انطباعاً موهوماً بأن هذا هو ما سيحدث لو أُنشئت الدولة.

стр. 6713

وقد دعا ستيفن وايز وناحوم جولدمان الجمعيات اليهودية الأمريكية إلى إرسال مندوبين إلى مؤتمر تمهيدي في بتسبرج في يناير ١٩٤٣ لطرح خطة عمل مشتركة بصدد مصير فلسطين بعد الحرب. وطالب هؤلاء بتشكيل جيش يهودي يحارب إلى جانب قوات الحلفاء وأرسلوا عريضة إلى الرئيس روزفلت مطالبين إياه بالضغط على الحكومة البريطانية للعمل على إنشاء وطن قومي لليهود بعد الحرب بما في سلطتها من صلاحيات الانتداب. وفي ٢٣ أغسطس عام ١٩٤٣ عُقد المؤتمر الأمريكي اليهودي بحضور اللجنة الأمريكية اليهودية ولجنة العمل اليهودية وهما منظمتان غير صهيونيتين. ورأس لجنة فلسطين في المؤتمر الحاخام أبا هليل سيلفر. وقد استخدم سيلفر موهبته الخطابية لإثارة حماس الحضور، وتمت الموافقة بالإجماع تقريباً على قرار يطلب فتح أبواب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين للاستيطان هناك تحت إدارة الوكالة اليهودية (وذلك من أجل الوصول إلى أغلبية يهودية في فلسطين لخلق الكومنولث اليهودي المنشود) . وقامت لجنة الطوارئ بشن حملة مكثفة واسعة النطاق لجمع التأييد للمشروع الصهيوني في أنحاء الولايات المتحدة كافة وقد أحرزت تلك الحملة نجاحاً منقطع النظير. وظهر هذا النجاح في تشكيل لجنة رأي عام أمريكية تؤيد برنامج بلتيمور هي اللجنة الأمريكية المسيحية من أجل فلسطين التي شُكِّلت بمبادرة من الصهاينة عام ١٩٤٦ عن طريق اندماج لجنة فلسطين الأمريكية والمجلس المسيحي من أجل فلسطين، وقد شملت هذه اللجنة في عضويتها ٢٠ ألف فرد في كل مجال من مجالات الحياة.

стр. 6714

وفي المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين (١٩٤٦) ، قام بن جوريون وأبا هليل سيلفر بمعارضة محاولات وايزمان الرامية إلى الرضوخ للسياسة البريطانية ونجحا في كسب تأييد المؤتمر، وهو ما أدَّى إلى استقالة وايزمان. وتبوأ بن جوريون رئاسة المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية وأصبح سيلفر رئيساً للفرع الأمريكي للوكالة. وهكذا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الصهيونية استمرت حتى تكوين دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ وتميَّزت هذه المرحلة بالتعاون بين الصهاينة الاستيطانيين في فلسطين والصهاينة التوطينيين الأمريكيين. وقد استمرت مرحلة التعاون هذه فترة عامين، فبعد إعلان الدولة وجد التوطينيون أنفسهم بدون سلطة حقيقية. بل إن بن جوريون طالب بأن تتسع دائرة التأييد لتشمل كل اليهود ومنهم غير الصهاينة، الأمر الذي هدد المنظمة الصهيونية نفسها. وقد عارض أبا هليل سيلفر هذا بشدة وأصر على أن دور المنظمة بعد إنشاء الدولة لا يقل خطورة عن دورها قبله. ووصل هذا الخلاف إلى ذروته في فبراير عام ١٩٤٩ عندما استقال إيمانويل نيومان وأبا هليل سيلفر من منصبيهما في الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية الأمريكية. وهكذا أُحكمت قبضة الاستيطانيين بالكامل على المنظمة التي أصبحت مهمتها الوحيدة جَمْع المال لمصلحة دولة إسرائيل. ويجب أن نضع في الاعتبار دائماً أن الحركة الصهيونية واجهت معارضة شديدة في البداية من أعضاء الجماعات اليهودية، ولم تحقق نجاحها إلا بعد أن تأكد يهود أمريكا من أن الصهيونية والمصالح الأمريكية شيء واحد، أي أن صهيونية يهود أمريكا نابعة من أمريكيتهم لا من يهوديتهم. كما يمكن القول بأن الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة، رغم تشنجها الواضح، هي من النوع التوطيني وحسب، إذ لا يهاجر إلا قلة قليلة. تاريخ الصهيونية في العالم العربي History of Zionism in the Arab World

стр. 6715

مرّ النشاط الصهيوني في البلدان العربية بثلاث مراحل تاريخية رئيسية تعكس في مجملها مراحل تَطوُّر المشروع الصهيوني بوجه عام والتيارات المختلفة التي تموج بها الحركة الصهيونية: المرحلة الأولى: وتمتد منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى بداية الحرب العالمية الأولى. وشهدت هذه الفترة بدايات هجرة جماعات من يهود أوربا إلى خارج فلسطين وتوطُّنهم هناك، وقد اتخذت في أول الأمر طابع موجات منظمة تشرف عليها جمعيات أحباء صهيون في روسيا وتحيطها بدعاية تستند إلى ديباجات دينية روحية من قبيل "الحنين إلى أرض الميعاد" و"العودة إلى صهيون". واكتسبت حركة الاستيطان اليهودي في فلسطين زخماً جديداً بنجاحها في الحصول على مساعدات مالية من بعض أقطاب الرأسماليين الأوربيين من أعضاء الجماعات اليهودية، أمثال البارون دي روتشيلد والبارون دي هيرش الذين رأوا في ذلك فرصة لتوسيع نطاق نفوذهم واستثماراتهم من جهة والتخلص من الفائض البشري اليهودي في أوربا من جهة أخرى. وانصرف النشاط الصهيوني التنظيمي في ذلك الوقت إلى إقامة مؤسسات اقتصادية لتمويل عملية الاستيطان في فلسطين؛ مثل شركة تنمية أراضي فلسطين وجمعية استعمار فلسطين، والصندوق القومي اليهودي. وذلك بالإضافة إلى مد نشاط المنظمة الصهيونية العالمية إلى فلسطين، من خلال تأسيس مكتب فلسطين للإشراف على عمليات الاستيطان وتوفير سبل الاستقرار والعمل للمهاجرين الجدد. ومن جهة أخرى، بُذلت مساع لتشكيل منظمات صهيونية في بلدان عربية أخرى بغرض تقديم الدعم المادي والمعنوي لمشاريع الاستيطان اليهودي في فلسطين. ومن أبرز هذه المنظمات فرع حركة أجودات صهيون في تونس، وفرع الفيدرالية الصهيونية الفرنسية في المغرب، وجمعية باركوخبا، وجمعيات أبناء صهيون، وأندية المكابي في مصر، وجمعيات الرواد (حالوتسيم) في سوريا ولبنان.

стр. 6716

كما شهدت هذه الفترة ظهور تيار الصهيونية الإقليمية الذي كان يرى ضرورة البحث، ولو مرحلياً، عن مناطق أخرى خارج فلسطين لتوطين يهود أوربا فيها، وذلك تمشياً مع مقتضيات المشاريع الاستعمارية الغربية وما تتطلبه مصالح القوى الاستعمارية الرئيسية آنذاك. وانعكس ذلك على تَوجُّه النشاط الصهيوني في المنطقة العربية حيث قامت عدة محاولات استيطانية خارج فلسطين، أبرزها مشروع العريش بمصر، وكوستي في السودان، وبرقة في ليبيا، والأحساء في شبه الجزيرة العربية. والمُلاحَظ أن يهود البلدان العربية ظلوا خلال هذه الفترة بعيدين عن حساب الدوافع الصهيونية للاستيطان اليهودي خارج أوربا. ولعل هذا يرجع إلى أن المشروع الصهيوني في بدايته كان يُعرِّف اليهودي باعتباره «الإشكنازي» فحسب، ومن ثم ظل يهود العالم العربي (من السفارد والشرقيين) بمنأى عن نطاق المخطط الصهيوني الرامي إلى تخليص أوربا من يهودها. يُضاف إلى ذلك أن أوضاع الجماعات اليهودية في العالم العربي لم تواجه آنئذ لحظات تأزم عميق على غرار تلك التي شهدتها الجماعات اليهودية في أوربا، والتي يُطلَق على سماتها عموماً اسم «المسألة اليهودية «.

стр. 6717

المرحلة الثانية: وتمتد منذ صدور وعد بلفور عام ١٩١٧ وحتى قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨. وشهدت هذه الفترة تكثيف أنشطة الاستيطان اليهودي في فلسطين، بدعم سياسي ومالي كامل من جانب بريطانيا التي كانت تمثِّل القوة الاستعمارية الرئيسية آنذاك. وتبع ذلك اتساع أنشطة المنظمات الصهيونية في البلدان العربية بتياريها الأساسيين: الاستيطاني الرامي إلى تشجيع هجرة يهود أوربا إلى فلسطين وبناء المؤسسات اللازمة لاستقرارهم هناك، والتوطيني الذي ينحصر دوره في تمويل عمليات الاستيطان ودعمها سياسياً ودعائياً. ففي فلسطين، اتسع نشاط مكتب فلسطين والصندوق القومي اليهودي، كما بُذلت محاولات لعقد لقاءات بين ممثلي الحركة الصهيونية والقادة العرب المحليين، بغرض امتصاص الغضب العربي على مخطط استعمار فلسطين ومن ثم توفير مناخ ملائم لمواصلة هذا المخطط. إلا أن هذه المحاولات قُوبلت برفض كامل من الجانب العربي الذي كان يدرك خطورة النشاط الصهيوني، وهو ما تمثَّل في مقررات المؤتمر العربي الأول (١٩١٣) الذي أكد عروبة فلسطين وكشف حقيقة الدعاية الصهيونية الزائفة عن المستوطنين اليهود باعتبارهم رواد تنوير وتحديث وعن إمكان التعايش بين المستعمرين وضحاياهم من العرب. وفي مصر، تمثَّلت أهم أنشطة المنظمات الصهيونية في تمويل وتدريب الفيلق اليهودي المعروف باسم «فرقة البغالة» ، والتي شُكِّلت إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى كجزء من القوات البريطانية المقاتلة، حيث كانت الفرقة تتلقى تدريبات في معسكر القباري بالإسكندرية، وساهم في تمويلها عدد من كبار التجار اليهود في مصر؛ فيكتور النجار ورافائيل هراري ومنسَّى وجاتينيو وقطاوي، وغيرهم. ومن ناحية أخرى، اندمجت معظم المنظمات والجمعيات الصهيونية في مصر لتُشكِّل فرعاً للمنظمة الصهيونية العالمية يشرف عليه ليون كاسترو، وتفرعت عنها عدة جمعيات وبصفة خاصة في الإسكندرية. وفي العراق، ساعدت سلطات الانتداب

стр. 6718

البريطاني في إضفاء الصفة القانونية على المنظمات الصهيونية التي كانت تمارس عملها سراً في ظل حكم الدولة العثمانية، إذ أُشهرت في عام ١٩٢١ منظمة صهيونية باسم «اللجنة الصهيونية في بلاد الرافدين» أقامت لنفسها فروعاً في عدة مدن عراقية، إلا أن الاعتداءات الصهيونية على عرب فلسطين في عام ١٩٢٩ (فيما عُرف باسم «حادث البراق» ) حدت بالحكومة العراقية إلى حظر نشاط جميع المنظمات الصهيونية هناك. وشهدت سنوات الحرب العالمية الثانية ظهور منحى جديد في النشاط الصهيوني داخل البلدان العربية إذ بدأت مساع لتهجير أعداد من اليهود العرب إلى فلسطين، ولا سيما من البلدان التي توجد بها جماعات يهودية كبيرة العدد نسبياً مثل العراق واليمن والمغرب. وكان الدافع الأساسي لهذا الاهتمام هو الحاجة إلى المادة الاستيطانية لتدعيم المخطط الصهيوني في فلسطين، إلا أن ثمة عوامل أخرى شجعت هذا الاتجاه من بينها الإجراءات التي اتخذتها بعض الحكومات العربية لكبح النشاط الصهيوني في بلدانها وما تبع ذلك من مصادمات من قبيل حوادث الفرهود في العراق عام ١٩٤١. وبالإضافة إلى عمليات تهجير اليهود العرب، اتجه النشاط الصهيوني في البلدان العربية إلى دعم جهود تهجير يهود أوربا إلى فلسطين عن طريق إقامة مراكز لتجمُّعهم تمهيداً لنقلهم إلى فلسطين.

стр. 6719

المرحلة الثالثة: وتمتد من قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ وحتى اندلاع حرب عام ١٩٦٧. واتسمت هذه الفترة بتنامي نشاط المنظمات الصهيونية في تهجير يهود البلدان العربية إلى فلسطين واتجاهها إلى انتهاج أساليب عنيفة لتحقيق المخطط الصهيوني استهدفت في كثير من الأحيان يهود البلدان العربية أنفسهم للإيعاز بأنهم ليس بمقدورهم العيش في المحيط العربي. ومن هذه الأساليب، مثلاً، إلقاء قنبلة على مقهى دار البدع في بغداد والذي كان ملتقى كثير من اليهود، وذلك عشية عيد الفصح عام ١٩٥٠، وتفجير قنبلة في المركز الثقافي الأمريكي في العراق بعد فترة وجيزة. وحتى لا نخلق انطباعاً خاطئاً بأن معظم أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي كانوا منخرطين في سلك النشاط الصهيوني، لابد أن نشير إلى وجود حركات يهودية معادية للصهيونية بين الجمهور من أعضاء الطبقات الثرية المرتبطين بمصر اقتصادياً وثقافياً، كما أن كثيراً من اليهود من أعضاء الطبقات الأقل ثراءً كانوا متشبعين بالثقافة المصرية والعربية والإسلامية ولم تكن الصهيونية تعنيهم من قريب أو بعيد (ويمكن أن يعود القارئ إلى الباب المعنون «العالم العربي منذ القرن التاسع عشر» )

стр. 6720

الباب الثانى: الإرهاصات الصهيونية الأولى: حملات الفرنجة (الصليبيين) الصليبيون (الفرنجة) The Crusaders «الصليبيون» ترجمة لكلمة «كروسيدرز Crusaders» المشتقة من كلمة «كروس cross» ، ومعناها «صليب» . وهي عبارة تُستخدَم في الخطاب السياسي والتاريخي في الغرب للإشارة إلى الفرنجة الذين شنوا عدة حملات على العالم العربي والإسلامي في القرن الثاني عشر، وقد تَبنَّى كثير من العرب المحدثين هذا المصطلح. ونحن نستخدم في هذه الموسوعة عبارة «حروب الفرنجة» للإشارة إلى الحملات الغربية التي جُرِّدت ضد الشرق الإسلامي لنهبه، ولم تكن المسيحية سوى ديباجة سطحية استخدمها الغزاة ولا علاقة لها برؤيتهم للكون، ونستخدم عبارة «حملة صليبية» للإشارة إلى الحملات التي كانت تُجرِّدها الكنيسة ضد فرق المهرطقين في جنوب فرنسا وغيرها من المناطق، فهذه حملات كانت تتم باسم المسيحية ولصالحها. ونحن نعتبر حملات الفرنجة تعبيراً عن الإرهاصات الصهيونية الأولى. حملات الفرنجة والجماعات اليهودية في غرب أوربا وفلسطين The Crusades and the Jewish Communities in Western Europe and Palestine تُسمَّى «حروب الفرنجة» في الخطاب الغربي «الحروب الصليبية» نسبة إلى الصليب. وهو مصطلح يُطلَق على الحروب التي شنها حكام أوربا المسيحية الإقطاعية لاحتلال فلسطين إبان العصور الوسطى. وهي حروب كانت تساندها حركة سياسية واجتماعية ضخمة قادتها النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء) ووجدت صدى عميقاً لدى الجماهير الشعبية التي انضمت إليها بأعداد ضخمة لم تضعها النخبة الحاكمة نفسها في الحسبان.

стр. 6721

ويرى د. سعيد عاشور أن الفرنجة أو من يقال لهم «الصليبيون» هم من جموع المسيحيين الغربيين الكاثوليك الذين خرجوا من بلادهم في شتى أنحاء الغرب الأوربي، واتخذوا الصليب شعاراً لهم لغزو ديار الإسلام، وبخاصة منطقة الشرق الأدنى وبلاد الشام حيث الأراضي المقدَّسة. ومعنى هذا أن المسيحيين الشرقيين من روم وأرمن وسريان وأقباط ونحوهم لا يدخلون في دائرة مصطلح «الصليبيين» لأن هؤلاء من أهل البلاد (وليسوا وافدين عليها من الخارج) ربطتهم بالأرض التي ينتمون إليها روابط أصيلة جذرية ترجع إلى ما قبل الإسلام. وعاش معظمهم قبل الحركة الصليبية تحت مظلة الإسلام يتمتعون بما كفلته لهم هذه الديانة من حقوق ويؤدون ما فرضته عليهم من واجبات. ومن ثم نفضل استخدام مصطلح «فرنجة» في هذه الموسوعة بدلاً من «الصليبيين» . ولكننا نستخدم مصطلح «صليبيين» أحياناً للإشارة إلى الحملات الصليبية التي جرَّدتها الكنيسة ضد الهرطقات المختلفة، أو للتعبير عن المنظور الغربي لحملات الفرنجة. وتشير المصادر المعاصرة إلى الصليبيين باعتبارهم «الفرنجة» أو «الفرنج» . وهذا يعود إلى أن المكون البشري لهذه الحركة الاستيطانية الغربية لم يكن متجانساً عرْقياً، ورغم هذا فإن الفرنجة سكان بلاد الغال (غاليا) التي عُرفت فيما بعد باسم «فرنسا» كانوا أكثر إقبالاً من غيرهم على المشاركة في الحركة الاستيطانية. وتشير بعض المصادر اليهودية إلى الفرنجة بكلمة «إشكناز» وهي الكلمة التي استُخدمت فيما بعد للإشارة إلى يهود أوربا، خصوصاً ألمانيا وبولندا.

стр. 6722

وحروب الفرنجة جزء من المواجهة التاريخية العامة بين الحضارة الغربية وحضارة الشرق الأدنى والتي تعود بجذورها إلى بداية ظهور الحضارة الغربية نفسها حين وصلت شعوب البحر (الفلستيون) من كريت وبحر إيجة إلى ساحل مصر، ثم استقروا في ساحل أرض كنعان بعد أن صدهم المصريون. وحينما هيمن الفرس على الشرق الأدنى، أخذت المواجهة شكل اشتباك عسكري بينهم وبين الدول المدن اليونانية التي صدت الغزو الفارسي. ثم قام الإسكندر الأكبر بغزو الشرق وأسس الإمبراطورية اليونانية التي انقسمت إلى ثلاث امبراطوريات بعد موته. كما هيمن الرومان بعد ذلك على معظم الشرق الأدنى القديم. وقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: الإمبراطورية الشرقية (البيزنطية) ، والامبراطورية الغربية. ومع وصول الإسلام وقيامه بفتح المنطقة وتوحيدها، وتحويله البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة عربية إسلامية، انحسر نفوذ العالم الغربي وأصبح محصوراً داخل القارة الأوربية. بل إن الجيب البيزنطي المتبقي على أرض الشرق في آسيا الصغرى كان قد بدأ يقع تحت هجمات السلاجقة وهي الهجمات التي أدَّت في نهاية الأمر لسقوط الدولة البيزنطية، وكذلك القسطنطينية، على يد العثمانيين. وقد هُزم جيش بيزنطي بقيادة الإمبراطور رومانوس ديجينيس هزيمة ساحقة على يد السلاجقة بقيادة ألب أرسلان في مانزيكريت في أرمينيا. ثم استمر التوسع السلجوقي، فتم الاستيلاء على أنطاكية عام ١٠٨٥، الأمر الذي اضطر الإمبراطور أليكسيوس كومنينوس إلى أن يطلب العون من الغرب حيث لم يجد آذاناً صاغية وحسب بل شهية مفتوحة. ويعود هذا إلى مركب من الأسباب المادية والمعنوية:

стр. 6723

١ ـ يُلاحَظ أن الاقتصاد الغربي بمعظم مؤسساته تساقط على أثر سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية وتردَّى إلى حالة من الاقتصاد البدائي والطبيعي. ولكنه بدأ يصحو من كبوته ابتداءً من القرن التاسع الميلادي، فشهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة شيئاً من الانتعاش الاقتصادي، وكانت هناك محاولات ترمي لزيادة الرقعة الزراعية عن طريق اجتثاث الأشجار وتسهيل حركة التجارة وتنظيم الأسواق الدولية والمحلية. وقد ساعدت تلك الحروب بدورها على هذا الانتعاش الاقتصادي، ذلك أن التاجر المسيحي تبع المقاتل الفرنجي بعد أن ترك كثيراً من خوفه من الطرق المجهولة وعاد بالسلع من الشرق بعد أن كان التاجر اليهودي يحتكر هذه العملية تقريباً من خلال شبكة الاتصالات الدولية اليهودية الخاصة به. كما أن الملوك والنبلاء والفرسان العائدين استعذبوا مذاق السلع الترفيهية الشرقية وهو ما كان يعني ظهور سوق لها في الغرب ونشاط للتجارة الدولية.

стр. 6724

٢ ـ تزايد نفوذ المدن الإيطالية التجارية بخاصة البندقية وجنوا وبيزا، وأصبح لها أساطيلها التجارية الضخمة التي فكت الهيمنة الإسلامية على البحر الأبيض المتوسط. وقام الجنويون والبيزيون بطرد المسلمين من قواعدهم في جنوب إيطاليا وجزيرة كورسيكا في القرن العاشر الميلادي، وهيمنوا على غربي المتوسط في القرن الحادي عشر الميلادي. بل حاولت المدن الإيطالية تأمين موطئ قدم لها على ساحل المتوسط ذاته، فعبأت كل من جنوة وبيزا أسطولاً هاجم تونس عام ١٠٨٧، واضطر أمير تونس بعدها إلى أن يفرج عن الأسرى المسيحيين وأن يدفع تعويضاً ويعفي التجار الجنويين والبيزيين من ضرائب الاستيراد. وكان لمدينة البندقية نشاطها أيضاً، فقد هيمنت على البحرين الأدرياتيكي والإيجي في بداية القرن الحادي عشر الميلادي ووصلت إلى البحر الأسود. ولا شك في أن حروب الفرنجة ساهمت في العملية المتصاعدة الهادفة إلى فك الحصار الذي فرضه المسلمون على تجارة الشرق، وأعطت المدن الإيطالية موطئ قدم في مواقع مهمة من شرق المتوسط. وقد حصلت هذه المدن على امتيازات وتسهيلات تجارية ضخمة داخل الممالك الخاضعة للفرنجة في الشام وفلسطين. ٣ ـ يُلاحَظ أن أوربا شهدت تزايداً في عدد السكان مع نهاية القرن العاشر الميلادي واستمر التزايد حتى القرن الثالث عشر الميلادي وهو تزايد لم تواكبه بالضرورة زيادة في الرقعة الزراعية، ومن هنا بدأت السلطات الدنيوية في تحريم امتلاك اليهود للأراضي الزراعية وهو حظر طُبِّق على الكنائس والأديرة.

стр. 6725

٤ ـ يدور النظام الإقطاعي الغربي حول نشاطين أساسيين: الزراعة والقتال. وكما بيَّنا، كان النظام الإقطاعي يواجه تَناقُص الرقعة المزروعة. ومن القواعد الأساسية في الإقطاع الغربي أن الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الضيعة، أما بقية إخوته فلم يكن أمام أيٍّ منهم فرصة سوى محاولة البحث عن وريثة غنية يقترن بها، أو أن ينخرط في سلك الكنيسة أو يتوجه إلى المهن الأخرى مثل القتال. ٥ ـ كان هناك ما يشبه المجاعة في غرب أوربا، وخصوصاً في فرنسا، من القرن العاشر حتى أواخر القرن الحادي عشر الميلاديين. وربما كانت هذه المجاعة وراء النشاط الاقتصادي الذي شهدته الفترة، وكذلك سوء حال الفلاحين والأقنان. وتُشكِّل الحروب والمشاريع الاستيطانية وسيلة تقليدية للتخلص من العناصر المشاغبة التي لا مكان لها في المجتمع (من نبلاء بلا أرض، إلى تجار يبحثون عن مزيد من الأرباح، وفلاحين جوعى ومجرمين ولصوص) وذلك حتى يحقق المجتمع الغازي استقراراً اجتماعياً داخلياً. ويبدو أن عدد الأطفال غير الشرعيين كان يتزايد في أوربا، وكانت حروب الفرنجة وسيلة للتخلص منهم، وقد أخذت إحدى الحملات التي خرجت من أراجون عام ١٢٦٩ اسم «حملة الأطفال غير الشرعيين» . ٦ ـ تمتعت أوربا بشيء من الاستقرار السياسي، وتزايدت إمكاناتها ومقدرتها على تجريد حملات ضخمة كما بدا بوضوح مع الفتح النورماندي لإنجلترا وإيطاليا وصقلية في بدايات القرن الحادي عشر، وقد تزايدت حدة حركة استرداد إسبانيا في القرن الحادي عشر الميلادي حين قام ألفونسو السادس (من ليون) بالاستيلاء على طليطلة عام ١٠٨٥. وابتداءً من القرن العاشر الميلادي، بدأ التوسع الألماني نحو الشرق والشمال وهي حركة لم تتوقف إلا في القرن الثالث عشر الميلادي.
следующие страницы →