← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والتفكيكية تحاول تفكيك/تقويض النص بأن تبحث داخله عما لم يقله بشكل صريح واضح (وهو ما يُشار إليه بعبارة «المسكوت عنه» ) وهي تعارض منطق النص الواضح المُعلَن وادعاءاته الظاهرة، بالمنطق الكامن في النص، كما أنها تبحث عن النقطة التي يتجاوز فيها النص القوانين والمعايير التي وضعها لنفسه، فهي عملية تعرية للنص وكشف أو هتك لكل أسراره وتقطيع لأوصاله وصولاً إلى أساسه الذي يستند إليه، فيتضح تناقض هذا الأساس وضعفه ونسبيته وصيرورته فتسقط عنه قداسته وزعمه بأنه كلٌ ثابتٌ متجاوزٌ. ويصل النص إلى طريق مسدود إذ تظهر الهوة الموجودة داخله (العنصر الذي يهرب من قبضة كل النظم المعرفية) . عندئذ، يظهر عدم تماسك النص وانعدام اتساقه الداخلي فيتعثر المعنى الظاهر ويتناثر، بعد أن كان متماسكاً وله مركزه الواضح، وتنزلق الدلالة من عالم تَرابُط الدال والمدلول إلى عالم من اللا تحدد ولا يرتبط فيه الدال بالمدلول. وتتم عملية التفكيك على مرحلتين: يقوم الناقد بالتعمق في النص حتى يصل إلى الافتراضات الكامنة في النص ومنظوماته القيمية والهرمية وافتراضاته الأصولية وأساسه الميتافيزيقي الكامن (التمركز حول اللوجوس) . أما المرحلة الثانية، فهي حين يبدأ الناقد في اكتشاف عنصر ممالئ في النص (تفصيلات هامشية ـ مصطلحات غير هامة متكررة ـ إشارات عابرة) ، فيأخذها الناقد التفكيكي، ويظل يُعمِّق فيها ويُحِّملها بالمعاني حتى يبيِّن احتواء الكل الثابت المتجاوز على تفاصيل تُقوِّض من كليته وثباته وتجاوزه، وحتى يبيِّن مدى اشتراك الثنائيات في السمات رغم اختلافها، فهما ليسا متعارضين بما فيه الكفاية حتى يتداخل القطبان.

стр. 667

إن النقد التفكيكي لا يفكِّك النص ويعيد تركيبه ليبيِّن المعنى الكامن في النص (كما هو الحال مع النقد التقليدي) وإنما يحاول أن يكشف التوترات والتناقضات داخل النص وتعددية المعنى والانفتاح الكامل، بحيث يفقد النص حدوده الثابتة ويصبح جزءاً من الصيرورة ولعب الدوال، ومن ثم تختفي الثنائيات والأصول الثابتة والحقيقة والميتافيزيقا. وقد أشار كثير من الدارسين إلى أن النقد التفكيكي يتسم بما يلي: ١ ـ النقد التفكيكي نقد ممل لأنه يقول الشيء نفسه عن النصوص كافة ونتيجته معروفة مسبقاً. ٢ ـ لم يأت التفكيك بأي عنصر جديد، فكل العناصر موجودة في النقد التقليدي ولكنها مبالغ فيها ويتم تناولها بشكل لا تسمح به حدود النص. ٣ ـ النقد التفكيكي نقد واحدي، فكل العناصر سيتم تفكيكها، وإن بقي عنصر سيأتي ناقد آخر ليكمل عملية التفكيك إلى أن ينتهي التفكيك بواحدية سائلة محضة. ٤ ـ النقد التفكيكي نقد ثوري فيما يتعلق بتحليل خطاب الآخر، ولكنه رجعي في كل شيء آخر، فهو لا يمكن أن يطرح بدائل. قبضة الصيرورة «الصيرورة» من فعل «صار» وهي انتقال الشيء من حالة إلى أخرى وهي مرادفة للحركة والتغير. والصيرورة نقيض الثبات والسكون. أما «قبضة الصيرورة» فهي صورة من نحتنا ومن خلالها نبيِّن أن الإشكالية الأساسية في الفلسفة الغربية منذ عصر النهضة مع هيمنة الفلسفات العلمانية الشاملة (المادية) هي محاولة البحث عن مركز ثابت في عالم مادي كل ما فيه في حالة تَغيُّر وحركة، عالم لا ثبات فيه إلا للحركة ولا مطلق فيه إلا النسبي، وهي محاولة فاشلة فكل شيء يسقط، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، في قبضة الصيرورة، وهو ما يؤدي إلى غياب المركز وسقوط المرجعية وسيادة النسبية والعدمية.

стр. 668

وفلسفة ما بعد الحداثة هي الفلسفة التي تحاول أن تدفع بكل شيء إلى قبضة الصيرورة، ويتم ذلك من خلال نزع القداسة عن كل الظواهر وردها إلى عناصر مادية، خاضعة لقانون الحركة. وعلى المستوى اللغوي يتم فصل الدال عن المدلول وتبدأ لعبة الدوال وتسقط اللغة نفسها في قبضة الصيرورة. انفصال الدال عن المدلول «الدال» هو الجانب المحسوس (بالإنجليزية: سنسبل sensible) من الكلمة، فهو الصورة الصوتية أو مساويها المرئي. أما «المدلول» فهو الجانب المعقول (المُدرَك بالعقل) من المعنى (بالإنجليزية: إنتليجيبل intelligible) . وكان بوسعنا أن نقول ببساطة إن «الدال» هو «الاسم» و «المدلول» هو «المسمى» ، وأن «الدال» هو «الكلمة التي تشير إلى شيء» و «المدلول» هو «الشيء الذي يُشار إليه» . ولكن حيث إن كلمة «دال» لا تشير إلى الكلمات وحسب وإنما تشير إلى النظم الإشارية (علامات المرور ـ الرموز ... إلخ) ، فإننا نُؤثر استخدامها لأنها أكثر شمولاً. والدال مرتبط دائماً بالمدلول، ولكنه منفصل عنه، فالدال جزء من النظام الإشاري اللاشخصي أما المدلول فهو جزء من نظام المعنى. ومن القضايا الأساسية التي تُثار في فلسفة اللغة في الغرب قضية علاقة الدال بالمدلول، وهي قضية معرفية، تشير إلى علاقة العقل بالواقع (والإنسان بالطبيعة/المادة) ، فإن كانت علاقة الدال بالمدلول مباشرة وبسيطة فهذا يعني أن علاقة العقل بالواقع مباشرة وبسيطة، وأن عقل الإنسان سلبي يعكس الواقع دون تحوير أو تعديل أو إبداع، فالنموذج هنا تراكمي. والعكس صحيح. فإن كانت علاقة الدال بالمدلول غير مباشرة ومركبة، فهذا يعني أن علاقة العقل بالواقع (الحسي/المادي أي الطبيعة/المادة) علاقة مركبة وتعني استقلال العقل عن الواقع (الطبيعة/المادة (. ويمكن أن تأخذ علاقة الدال بالمدلول شكلين أساسيين:

стр. 669

١ ـ انفصال الدال عن المدلول واتصالهما، وهو ما يعني أن ثمة مسافة بين الواحد والآخر ولكنها ليست هوة (أبوريا) إذ تُوجَد نقطة مرجعية نهائية يتصل من خلالها الدال بالمدلول، وهي المدلول المتجاوز، وهو ليس جزءاً من اللغة فوجوده يسبق وجودها. وهذا يفترض استقلال الفكر عن اللغة واستقلال اللغة عن الواقع، ولكنه يعني أيضاً أن اللغة أداة صالحة للتواصل، فهي تشير إلى الواقع (وهذا يعني أن العقل قادر على معرفة الواقع والتعامل معه) رغم وجود مسافة بينهما. وثنائية الدال والمدلول تشير إلى ثنائيات أخرى مثل: لغة/فكر ـ شكل/مضمون ـ خارج النص/داخل النص ـ وسيلة/غاية ـ منطوق/مكتوب. وهذه الثنائيات متكاملة في النظم العقلانية. وثمة أولوية وأسبقية للطرف الثاني على الطرف الأول، فالمدلول يسبق الدال، تماماً كما أن المضمون والفكر هما الغاية وكما أن الشكل واللغة هما الوسيلة. ويحاول دعاة ما بعد الحداثة أن يُبيِّنوا انفصال الدال عن المدلول لتقويض هذه الثنائية التكاملية الأولية، الضرورية لتطوير نظم فلسفية وأخلاقية. فهذه الثنائية، في تصوُّرهم، هي صدى للحضور وللوجوس. وكما يقول دريدا "إن الوجه المعقول للإشارة (المدلول) يتجه دائماً نحو وجه الإله (المدلول المُتجاوز) "، فإن ربطنا الدال (وجه الإشارة المحسوس) بالمدلول، فإن اللغة تصبح بذلك متمركزة حول اللوجوس (متوجهة نحو أصل الإنسان الرباني) ، ولذا تأخذ الإستراتيجية ما بعد الحداثية شكل محاولة إلغاء المسافة بين الدال والمدلول وهذا يأخذ شكلين: ٢ ـ الالتحام أو الانفصال الكامل للدال عن المدلول:

стр. 670

أ) التحام الدال بالمدلول، وهذا يعني أن الدال يصبح مدلولاً كما هو الحال في حالة الأيقونات واللغة الجبرية والتفسيرات الحرفية واللغة المحايدة والصيحات الجنسية واللغة الذاتية المغرقة في الذاتية (وهذا يعني أن العقل لا يَدخُل في علاقة مع الواقع، فهو جزء لا يتجزأ من الواقع عليه أن يذعن له أو أن يهيمن تماماً على الواقع ويمكنه تجاهله (. ب) الانفصال الكامل للدال عن المدلول، وفي هذه الحالة تصبح اللغة نظاماً دلالياً مستقلاً تماماً عن الواقع، أو على علاقة به واهية للغاية. ومن أهم أسباب انفصال الدال عن المدلول تَغيُّر المدلولات بشكل سريع وتَداخُل الحدود حتى تصل إلى تعددية مفرطة في عالم المدلولات تجعل الدال لا قيمة له (وهذا يعني أن العقل لا يمكنه أن يتعامل مع الواقع، فالواقع لا يمكن الوصول إليه، ولذا فعلى العقل ألا يكترث بالواقع وأن يذعن للعب الدوال ويتكيف معه ويذعن له (. إن الفصل الكامل للدال عن المدلول أو التحامهما هو تحطيم للغة وتحطيم للثنائية التكاملية وإطلاق للصيرورة بحيث لا يتوجه المدلول نحو المركز المتجاوز ويسقط كل شيء في قبضة لعب الدوال والصيرورة، وبذا تطمس حدود الكلمات ويهتز معناها وينسى الإنسان أصله الإلهي. التحديث والحداثة وما بعد الحداثة والمنظومات الحلولية الكمونية المادية

стр. 671

يذهب معظم الدارسين إلى أن المشروع التحديثي (العقلاني المادي) هو مشروع غربي بالدرجة الأولى، ومن ثم يرون أن من يريد التحديث عليه استيراد النماذج الغربية. كما أن هناك من يذهب إلى القول بأن المشروع التحديثي العقلاني المادي إذا كان غربياً، فنحن إذن "بروحانياتنا وإسلامنا" محصنون (والحمد لله) ضده. والنموذج التفسيري الكامن في كلتا الرؤيتين هو نموذج تراكمي وليس توليدياً، يرى أن المعرفة كلها مكتسبة من الخارج (وأن المعرفة الحديثة مكتسبة من الغرب) وينكر أن بعض جوانب المعرفة الأساسية (حديثة أم قديمة) تُولَد من داخل عقل الإنسان نفسه. ونحن نفضل استخدام نموذج توليدي في تحليل الظواهر الإنسانية لأنه أكثر تفسيرية وتركيبية، دون أن نرفض بطبيعة الحال النماذج التحليلية التراكمية. فمن غير الممكن إنكار أن النموذج التحديثي العقلاني المادي له جذور غربية واضحة، وأنه وصل إلى أول تَحقُّق تاريخي له في الحضارة الغربية من خلال ظروف (سياسية واقتصادية وحضارية) وبخاصة أنه انتقل من العالم الغربي إلى بقية العالم بل اكتسحه اكتساحاً (لأسباب خاصة بالحضارة الغربية من بينها نجاحه المادي في المجتمع الغربي الذي يستند إلى نجاحه في تجربته الإمبريالية) ولكن تفسير جاذبية النموذج التحديثي على أساس تراكمي لا يكفي لتفسير ظاهرة الاكتساح هذه. ونحن نرى أن أحد أهم أسباب نجاحه على المستوى العالمي هو أن جذوره كامنة في النفس البشرية ذاتها.

стр. 672

وقد تحدثنا عن أن الإنسان يتنازعه اتجاهان: النزعة الجنينية والنزعة الربانية. أما النزعة الجنينية فهي الرغبة في الهروب من عبء الهوية والتركيبية والتعددية والخصوصية والمسئولية والإنسانية المشتركة والقيم الإنسانية والأخلاقية العالمية والحدود (بمعنى العقوبة وبمعنى التعريف وبمعنى الحدود النفسية) والزمان والمكان والمقدرة على التجاوز حتى يعود الإنسان إلى عالم الطفولة الأولى والإنسان الطبيعي، بل إلى ما قبل الطفولة الأولى داخل رحم الأم؛ عالم سائل بسيط لا تُوجَد فيه أية حاجة للتجاوز، إذ لا أبعاد له ولا تُوجَد فيه كليات أو مطلقات أو ثوابت؛ عالم يهبط الإنسان فيه ويستقر في قاعه، لا يُوجَد فيه حيز إنساني أو زمان أو ثغرات أو جدل أو حدود أو صراع أو فارق زمني بين المثير والاستجابة؛ عالم بلا ذاكرة لا قيمة فيه ولا قداسة ولا دَنَس ولا عدل ولا ظلم ولا حق ولا حقيقة؛ عالم من الصيرورة الدائمة التي تشكل الثبات الوحيد؛ عالم من الأيقونات المكتفية بذاتها والتي لا تشير إلى إله، فهي تَجسُّد بلا لوجوس؛ عالم خال من الثنائيات قبل أن يُمنَح آدم المقدرة على تسمية الأشياء، حين كان إنساناً طبيعياً ذا بُعد واحد، جزءاً من الطبيعة يُعرَّف في ضوء وظائفه البيولوجية، قطعة من الطين (مادة أولية) لم ينفخ الإله بعد فيها من روحه، ولذا فهو لم يكن يعي بعد أصله الإلهي والمسافة بين الخالق والمخلوقات وبين الدال والمدلول والمحرمات والمباحات والحقيقة والزيف والحق والباطل والعدل والظلم، عالم يشبه ذلك العالم الذي يحلم به دريدا: عالم براءة الصيرورة ـ عالم الإشارات بلا حقيقة وبلا أصل. وكما يقول رورتي، فإنه "عالم مادي تماماً، خال من القداسة، لا يَعبُد الإنسان فيه شيئاً ولا حتى نفسه "، أي أنه عالم خال من الكليات الميتافيزيقية والمادية، ومن النزعات الدينية والإنسانية (يمكن العودة لوصف لاكان للمتخيل ولوصف بياجيه لمراحل تَطوُّر الطفل

стр. 673

لإدراك معالم المرحلة الجنينية) . وقد عبَّرت هذه النزعة الجنينية والرغبة في السيولة عن نفسها دائماً من خلال المنظومات الحلولية الكمونية الواحدية سواء أكانت روحية (وحدة الوجود الروحية) أم مادية (وحدة الوجود المادية) في إنكارها الشرس للكليات المفارقة لعالم الصيرورة وفي دمجها بين الإله والطبيعة والإنسان بحيث يصبح العالم جوهراً واحداً لا اختلاف فيه ولا تمايز. ومن بين المنظومات الروحية، يمكن أن نذكر الغنوصية والقبَّالاه اليهودية وغلاة المتصوفة وكثير من الهرطقات الدينية والحركات الشعبوية الشيوعية، ذات الطابع المشيحاني الآدمي (أي نسبة إلى آدم) . ومن بين المنظومات المادية، يمكن أن نشير إلى كل الفلسفات المادية خاصةً الفلسفات المادية العدمية مثل السفسطائيين الذين لا يجدون في العالم سوى حركة. ولا تتمرد كل هذه الفلسفات الواحدية على فكرة الإله المفارق وحسب وإنما ترفض كل الكليات والتجاوز والحدود، وضمن ذلك الحدود التي تحدد الإنسان كإنسان وتفصله عن الكائنات الطبيعية، ولذا فهي تذيب الإنسان كمقولة مستقلة وككائن متجاوز للطبيعة/المادة. وقد كانت الجماعات الوظيفية تحمل دائماً فكراً حلولياً كمونياً واحدياً، روحياً مادياً في آن واحد (روحياً بالنسبة للجماعة الوظيفية، مادياً بالنسبة للأغلبية) ، والإنسان الوظيفي إنسان ذو بُعد واحد، إنسان اقتصادي غير قادر على التجاوز، يُفهَم في ضوء وظيفته المادية وحسب.

стр. 674

وقد عادت النزعة الحلولية الكمونية الواحدية وأكدت نفسها وبحدة في عصر النهضة في الغرب، فالمشروع التحديثي الغربي العلماني الشامل هو مشروع يدور في إطار المرجعية الواحدية المادية الكامنة في إطار الإنسان الطبيعي الذي يعيش في الطبيعة وعلى الطبيعة، إنسان ذو بُعد واحد. ولكن المشروع التحديثي كان يدور في مراحله الأولى في إطار كل مادي متجاوز، ولذلك فقد أنتج فلسفات عقلانية مادية تؤله الكون ـ تارة تُغلِّب الذات على الموضوع وتعلن أسبقية الإنسان على الطبيعة (تأليه الإنسان) ، وتارة أخرى تُغلِّب الموضوع على الذات وتُعلي شأن الطبيعة على حساب الإنسان (تأليه الطبيعة) ـ إلا أنها في تأرجحها هذا ظلت فلسفة عقلانية، تدور حول مركز وتتسم بالصلابة تشبه ما يسميه فيبر «الديانة العالمية» ، وهي ديانة يرى أنها تستند إلى رؤية كوزومولوجية عالمية شاملة، تتفرع عنها نظم معرفية وأخلاقية شاملة، وتجيب على كل أو معظم الأسئلة الكلية والنهائية التي تواجه الإنسان بطريقة معقولة تتسم بالاتساق، ولذا فهي تُدخل على قلوب المؤمنين بها الطمأنينة والأمن وقدراً عالياً من التفاؤل. وتفي بالاحتياجات النفسية للإنسان في فهم العالم وفي التوازن مع ذاته ومع عالمه، وتحل له مشكلة المعنى. ويمكن القول بأن المنظومة التحديثية المادية في مرحلة التحديث والصلابة حاولت أن تجيب على الأسئلة الكلية والنهائية والتقليدية وأن تزود الإنسان بمنظومات معرفية وقيمية، ونجحت في هذا بأن أخذت المنظومات المعرفية والأخلاقية المسيحية والإجابات المسيحية على الأسئلة النهائية وقامت بعلمنتها بأشكال مختلفة، فحلّ محل الإله مطلقات علمانية مختلفة مثل «العقل الكلي» أو «روح التطور» أو «المجتمع» أو «الطبقة العاملة» . وحلّ محل «تَجسُّد الإله في العالم» مسميات أخرى مثل «تَحقُّق العقل الكلي في التاريخ» أو «حتمية التقدم» أو «مسار التاريخ» . وحلّ محل «الآخرة والبعث ويوم الحساب»

стр. 675

مفاهيم مثل «حكم التاريخ» و «نهاية التاريخ» و «اليوتوبيا التكنوقراطية» و «الفردوس الأرضي» . وتغيرت المطلقات العلمانية وتغيرت تجسداتها ولكن ظل هناك دائماً مطلق ما (المدلول المتجاوز في المصطلح ما بعد الحداثي) يمكن من خلاله إدراك الكليات والمطلقات والثوابت، ويمكن استناداً إليه ترتيب الواقع ترتيباً هرمياً وتحديد ما هو حلال وما هو حرام وما هو كلي وما هو جزئي وهكذا، ويمكن من خلاله ترويض الإنسان الطبيعي ووضعه داخل حدود حضارية، بحيث يمكنه تَجاوُز ذاته الطبيعية المادية.

стр. 676

ولكن معدلات الترشيد المادي والعلمنة المادية والحلولية الكمونية المادية أخذت في التزايد، فزادت معدلات النسبية إلى أن سيطرت تماماً وسقط الكل المادي المتجاوز (إنسانياً كان أم طبيعياً/مادياً) ووقع كل شيء في قبضة الصيرورة. وبدأت الحضارة الغربية تُنتج فلسفات معادية للعقل تنكر الكون والكليات والمطلقات والحدود وتنكر وجود الذات والموضوع وتنكر وجود أي مركز، وتعلن استحالة قيام نظم معرفية وأخلاقية عالمية. هذه الفلسفات المادية اللاعقلانية هي نفسها فلسفات جنينية لا تقف ضد الديانات العالمية التقليدية وحسب وإنما ضد العقلانية المادية الصلبة نفسها، ولا تقف ضد الميتافيزيقا الإيمانية وحسب وإنما ضد الميتافيزيقا المادية أيضاً، أي ضد أية ميتافيزيقا. والحضارة المعاصرة هي نتاج هذه النسبية الكاملة وهذه السيولة الفلسفية الشاملة، نتاج هذا النزوع الجنيني نحو إنكار الحدود والهوية والكليات. وهذه السيولة نمط سائد في سائر الأنساق الحلولية الكمونية المادية في كل الحضارات. وعادةً ما تُظهر هذه المنظومات قدراً من التماسك في العصر البطولي ولكنها تنحل دائماً إلى مادة محضة غير متشكلة لا مركز لها ولا قوام، ولا تسمح بقيام أية كليات. وقد نبهنا إلى ذلك السوفسطائيون في بداية تاريخ الفلسفة الغربية، وكما نبهنا نيتشه في نهاية القرن الماضي، كما يبين لنا أنصار ما بعد الحداثة هذه الأيام.

стр. 677

ومما لا شك فيه أن الحضارة الغربية قد وصلت إلى معدلات عالية من السيولة إلا أننا لا يمكن أن نراها متجذرة في هذه الحضارة وحسب، ولا يمكن أن نراها مقصورة عليها، ولا يمكن أن نَعتبر الحضارة الغربية مصدرها الوحيد، بل هي تعبير عن نزوع بشري عميق وعن نمط يسم كل المنظومات الحلولية المادية الواحدية. فالحضارة الغربية الحديثة هي تعبير عن نمط متكرر ونزوع إنساني كوني، وهو النزوع الجنيني، ويجب أن ندركها في إطارها هذا ولا نراها مقصورة على الزمان والمكان الغربيين. ورغم جدة الأطروحة التي نقدمها والتي تدور في إطار نموذج توليدي، فإن ماكس فيبر كان يتحسس طريقه نحوها. ومما له دلالته أنه كان يكتب في نهاية القرن التاسع عشر مع بداية تَحوُّل الحضارة الغربية من المرحلة البطولية المادية ومرحلة التحديث ومع بداية دخولها مرحلة السيولة والبرجماتية. وقد لاحظ فيبر وجود عناصر مشتركة بين الحضارة الغربية الحديثة والحضارات الوثنية البدائية ذات النزعة الجنينية الواضحة التي ترى الإنسان باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة. والمنظومات الوثنية البدانية لم تظهَر فيها منظومات أخلاقية، إذ تظل مثل هذه المنظومات ملتصقة تماماً بعالم المادة والجسد وتدور في إطار النسبية المعرفية والأخلاقية، أي أن فيبر يربط بين الحضارة الغربية الحديثة وبين نموذج أكثر عالمية وشمولاً وإنسانية، وهو النموذج الوثني البدائي (الجنيني) ، أي أنه لا يراها حضارة ذات جذور غربية ولكن حضارة ذات جذور إنسانية كونية. ولنحاول أن نعرض لأطروحة فيبر مع تطويرها بعض الشيء (مثل ربطنا الديانات الوثنية بالنزعة الجنينية) لتصبح أكثر اتساعاً وشمولاً وخصوبة. ولكن تطويرنا وتعديلنا للأطروحة لا يُخل على الإطلاق بأساسياتها.

стр. 678

يرى فيبر أن ثمة تشابهاً عميقاً بين الإنسان البدائي والإنسان الحديث، ويمكن أن نُعدِّل كلمة «بدائي» لتصبح «الوثني» الذي يؤمن بديانة حلولية كمونية وثنية (وبالفعل، نلاحظ أن فيبر يتحدث أحياناً عن «الإنسان البدائي» وأحياناً أخرى عن «اليوناني القديم» ، واليوناني القديم أبعد ما يكون عن البدائية. ولذا فلنستبدل كلمة «وثني» بكلمة «بدائي» لنحاول فهم أطروحة فيبر) . كما يجب أن ندرك أن كلمة «إنسان حديث» تعني في واقع الأمر الإنسان الذي يدور في إطار الواحدية المادية (أي العلمانية الشاملة) .

стр. 679

يرى فيبر أن أهم نقط التشابه بين الإنسان الوثني القديم والإنسان الحديث هو أن كليهما يفتقر إلى إطار مرجعي معرفي وأخلاقي متكامل متماسك يكتسب تكامله وتماسكه من خلال عقيدة دينية أو ميتافيزيقية، أي أن كليهما لا يؤمن بـ «ديانة عالمية» . فكل من الإنسان الوثني والإنسان الحديث يعيش في عالم يفتقر إلى المركز ويتسم بتعدد العقائد والنظم المعرفية والأخلاقية (أي لا تُوجَد «قصة عظمى» وإنما هي «قصص صغرى» ، إن أردنا استخدام المصطلح ما بعد الحداثي) . ولذا، فإن الإنسان الوثني البدائي يعيش في عالم مخيف يتهدده من كل جانب، فهو لا يؤمن بعالم آخر ويعيش في هذه الدنيا محاطاً بآلهة وشياطين متصارعة لصيقة بعالمه المادي المباشر غير مفارقة له إلا بمسافة صغيرة. وعقيدته الدينية (قصته الصغرى) لا تجيب على أي أسئلة كلية، فهي لا تُقدِّم رؤية كونية شاملة (قصة عظمى) . ولذا، فهي قادرة على أن تُهدئ من روعه قليلاً وبشكل مؤقت شريطة أن يذهب إلى الساحر ليُزوِّده بالتعويذة اللازمة لهذه المناسبة، وبعد أن يُقدِّم القرابين لإلهه الخاص أو لإله الجماعة أو لإله المكان (دون الآلهة الأخرى) في مذبح معيَّن، وبعد أن يقوم بالشعائر المطلوبة بكل دقة، دون وجود منطق كلي واضح وراء كل هذا. وعلاقة الوثني بالآلهة وبالساحر علاقة مادية تعاقدية مباشرة، محددة بنظام المناسبة المباشرة: اتقاء شر إله المكان، أو طلب مساعدة في مهمة معينة، دون وجود منظومة كونية عالمية شاملة.

стр. 680

ويبيِّن فيبر أن العلم الحديث همَّش الشرعية الدينية إن لم يكن قد ألغاها تماماً. ولكن العلم لا يجيب على الأسئلة الكلية والنهائية (فهو يتعامل مع الجزئيات التي تشبه آلهة المكان والجماعة ولا يتناول الكليات) . وإجابات العلم على القلق الميتافيزيقي هو مثل تقديم القرابين لآلهة محلية للحصول على طمأنينة مؤقتة، تأخذ في بعض الأحيان شكل مسكنات أو طبيب نفسي. كما أن العلم بسبب افتقاده الرؤية الكلية يسمح بظهور عقائد مختلفة متصارعة، ليس لأيٍّ منها مركزية، تشبه آلهة وشياطين الإنسان الوثني البدائي القديم. (ألا يُفسِّر هذا ظهور العبادات الجديدة البدائية وانتشار التنجيم والسحر وعبادة الشيطان في العالم الغربي المتقدم حيث يسود العلم والتكنولوجيا؟) .

стр. 681

بل إن مشكلة المعنى بالنسبة للإنسان الحديث تزداد حدة، إذ عليه أن يتعامل مع أكثر من عالمين (هذا العالم والعالم الآخر) . فالوجود الإنساني في المجتمع الحديث قد تم تقسيمه إلى عوالم ومجالات مختلفة منفصلة يسميها فيبر «نظم الحياة» (بالإنجليزية: لايف أوردرز life orders) ، فهناك النظم أو المجالات العامة مثل المجال الاقتصادي والمجال السياسي، وهناك المجالات الخاصة مثل المجال الجماعي والمجال الجنسي والمجال الفكري. ولكل نظام إجابته الخاصة على الأسئلة الكلية دون وجود إطار كلي ينتظمها جميعاً، ومثل هذا التشظي لا يمكنه أن يزود الإنسان بإجابة على الأسئلة النهائية، ولذا يظل عالم المعنى فارغاً ويظل كذلك عالم الأخلاق فارغاً، فمع غياب المعنى ونسبية المعرفية تسيطر النسبية الأخلاقية والنفعية المادية التي لا تختلف كثيراً عن أخلاقيات الوثني البدائي النسبية النفعية. ونحن نضيف إلى هذا أن كثيراً من المجالات التي يشير إليها فيبر قد أسقطت تماماً الأسئلة الكلية والنهائية ولم تثرها أساساً، أي أنها حلت مشكلة المعنى عن طريق إلغائها واكتفت بالترشيد الإجرائي وأخلاقيات الصيرورة، أي الالتزام بقواعد اللعب وبالإجراءات دون أي بحث عن معنى كلي أو نهائي.

стр. 682

وتؤدي هذه النسبية المعرفية والأخلاقية في حالة الإنسان الوثني البدائي والإنسان الحديث إلى غياب إطار متكامل للوفاء باحتياجاتهما النفسية، ولذا، يعود كل منهما إلى مصادره الشخصية. وإذا كان البدائي يعود للقبيلة والآلهة المحلية ويفقد ذاته فيهما، فإن الإنسان الحديث قد فقد إيمانه بالكل المادي ولم يبق أمامه سوى المؤسسات الرشيدة التي تُرشِّد حياته وتُنمِّطها وتضع له سيناريوهات عديدة بديلة، ولكنها جميعاً تنويعات رياضية فارغة من المعنى. وحينما يتمرد الإنسان على حياته، تظهر الحركات الشمولية والقوميات العضوية التي تزود حياته بالمعنى بأن تُحوِّله إلى إنسان ذي بُعد واحد لا يسأل أية أسئلة نهائية أو كلية ولا يشعر بأي قلق ميتافيزيقي ولا يلتزم بأية منظومات أخلاقية متجاوزة لذاته القومية الضيقة وتذيب الذات المركبة المتعينة في كل أكبر ملون هو الشعب القومي العضوي وأرض الوطن والأجداد المختارة (التي تشبه آلهة المكان المحلية) ، أو الدولة والفوهرر في النازية، والوطن والدوتشي في الفاشية، وديكتاتورية البروليتاريا والزعيم الفرد في الشيوعية، والشعب اليهودي المختار وأرض الميعاد في الصهيونية. ولعل ظهور العبادات الجديدة والنزعات البيئية المتطرفة وعبادة جايا، أي الأرض، هو تعبير عن هذه الرغبة الوثنية البدائية/ الحديثة/الجنينية في العودة إلى كل أكبر تُفقَد فيه الذات وتهبط في القاع وتستقر فيه. ولعل ظهور الجسد والجنس (والصور المجازية الأساسية في النظم الحلولية الكمونية) كصور مجازية أساسية تعبير آخر عن النزعة الجنينية (الوثنية الحديثة) ومحاولة حل مشكلة المعنى بإلغائها، فحينما يصبح الجسد والجنس هما المعنى، فقد عدنا مرة أخرى لإله المكان وإله اللحظة وإلى القرابين المباشرة النفعية دون منطق واضح ودون معنى كلي.

стр. 683

تَجاوَز فيبر حدود المكان والزمان ولاحظ التشابه العميق بين رؤية الكون التي تسود في الحضارة الغربية الحديثة والحضارات الوثنية البدائية (في كثير من الأمكنة) ، ولاحظ السيولة الفلسفية التي تسم هذه الرؤى وعجزها عن النهوض إلى عالم الكليات بكل ما يحمل من مسئولية. ولعل أطروحة فيبر لم تنل ما تستحقه من تقدير ودراسة لأنه ذكرها بشكل عرضي في كتاباته. ولكن الأهم من هذا هو سقوط فيبر في التعميم المخل. فقد أدرك بثاقب نظره أننا على عتبات السيولة والنسبية وما بعد الحداثة. ولكنه، بدلاً من أن يرى السيولة باعتبارها إمكانية كانت كامنة وبدأت في التحقق في المرحلة المقبلة، عمَّم بناءً على إدراكه وأسقط هذا التعميم بشكل مطلق على الحضارة الغربية الحديثة بأسرها. ومن الواضح أن التعميم لا يَصدُق إلا على المراحل الأخيرة من الحضارة الغربية الحديثة حيث يسقط كل شيء في قبضة الصيرورة.

стр. 684

ولعله، بإخفاقه هذا، لم ينجح في تفسير عظمة هذه الحضارة الحديثة في مراحلها الأولى (في عصرها البطولي) وطموحها نحو النظرية العامة وتفسير الكون بأسره، بل الهيمنة الإمبريالية العالمية عليه، كما لم ينجح في تفسير كيف أن ما تُصدِّره لنا الآن هذه الحضارة الغربية الحديثة يقف على طرف النقيض من كل ما تعلمناه منها من قبل. فهي حضارة لم تَعُد تبحث عن الحقيقة الكلية والقصة العظمى، وإنما أصبحت قانعة راضية بالنسبية. وهي حضارة كانت تُنتج أشكالاً فنية متماسكة ذات معنى فانغمست في التجريب وأدمنت البدايات الجديدة بشكل دائم وغاصت في التشظي الفلسفي والفني. وبعد أن كانت تؤمن بالمحاكاة والمقدرة على التواصل، أصبحت تنكر هذا الآن، وأخيراً فإن هذه الحضارة العقلانية المادية أصبحت حضارة لاعقلانية مادية. ونموذجنا التفسيري قادر على الإحاطة بهذا التناقض، فقد كانت رغم أن السيولة الفلسفية كامنة في المشروع التحديثي في ماديته وتفكيكيته، إلا أنها كانت في حالة كمون وحسب، ولم تبدأ في التحقق إلا مع نهايات القرن التاسع عشر ثم اكتسحت أوربا مع منتصف القرن العشرين، وها هي ذي تكتسح العالم بأسره على هيئة فكر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد.

стр. 685

ولكن منتجات الحضارة الغربية الحديثة في مرحلة السيولة (المتجذرة في النزعة الجنينية عند الإنسان) ليست معادية للحضارة الشرقية أو الإسلامية وحسب، وإنما هي معادية لكل الحضارات وضمنها الحضارة الغربية نفسها (تماماً كما أنها ليست معادية للميتافيزيقا الدينية وحسب ولكنها معادية لكل أنواع الميتافيزيقا وضمن ذلك الميتافيزيقا المادية) . ولذا فإن منتجات هذه الحضارة لا تُقوِّض خصوصيتنا وهويتنا وتماسكنا وحدنا وحسب، وإنما تُقوِّض خصوصية وهوية وتَماسُك المجتمعات الغربية نفسها. فالهامبورجر طعام طبيعي مادي أقرب إلى قطعة الغيار لا علاقة له بالأطعمة الغربية (من مطبخ فرنسي إلى مطبخ إيطالي إلى مطبخ إسباني أو حتى مطبخ أمريكي سواء أكان جنوبياً أم شمالياً إلى مطبخ الكريول في لويزيانا) ، وهو يحل محلها جميعاً بالتدريج، وهو طعام وظيفي محض لا طعم له ولا لون ولا رائحة، بروتين حيواني، يمكن أن تحل محله حبوب البروتين حينما يتم اختراعها في عصر اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية. وقل الشيء نفسه عن موسيقى الديسكو، فليست لها علاقة كبيرة بموتسارت أو بيتهوفن أو باخ أو تليمان أو موسيقى الباروك، ومع هذا فهي تُقوِّضها كلها وتحل محلها. والشيء نفسه ينطبق على الطرز المعمارية، فما يُسمَّى «الطراز الدولي» هو طراز وظيفي وعبارة عن حوائط تشكل حيزاً محايداً يمكن لأي إنسان وظيفي أن يمارس فيه وظائفه البيولوجية الأساسية، دون خصوصية أو هوية أو آلام أو أحلام خاصة.

стр. 686

إن النزعة الواحدية المادية بدأت تكتسح الجميع، لتسقط كل الحدود بحيث يتحول العالم إلى كيان ذي بُعد واحد يتحرك فيه البشر في إطار حتميات مادية، تعفيهم من مسئولية الاختيار، وحيث الأمل هو أن تقوم الهندسة الوراثية الداروينية بتحسين النسل وأخلاقيات الإنسان من خلال تغيير الجينات والتحكم فيها ومن خلال عمليات الاستنساخ النظيفة المعقمة، وحيث يوجد عالم من شاشات التليفزيون والكومبيوتر تعفي الإنسان من مسئولية الحركة بين الآخرين، فيجلس في منزله ليبيع ويشتري ويعمل ويتسلى ويستمنى دون أن يرى بشراً، تماماً مثل الجنين في رحم أمه أو الطفل في علاقته بثديها. والقضية الآن هي: كيف يمكن أن نستمر في هذا العالم الحديث دون أن نسقط في العالم الجنيني ودون أن ننسى نزعات التجاوز الربانية داخلنا؟ وكيف يمكن أن نؤسس حضارة إنسانية حديثة لا تؤدي بالضرورة إلى تقويض الإنسان؟ الباب الثامن: العلمانية الشاملة والإمبريالية الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية ثمة رأي يذهب إلى أن التشكيل الإمبريالي الغربي يشكل انحرافاً عن الحضارة الغربية الحديثة وعن رؤيتها للكون، وأن تَبنِّي الحضارة الغربية للحل الإمبريالي (أي تصدير مشاكلها للخارج والهيمنة على شعوب الأرض وعلى مصادرها الطبيعية) هو حالة من غياب الاتساق مع الذات في حضارة ليبرالية إنسانية مستنيرة ارتضت الديموقراطية فلسفة للحكم، وارتضت التنافس الحر نسقاً اقتصادياً، كما تبنت العقلانية والإنسانية فلسفة للكون. وقد دأبت العلوم الإنسانية الغربية على تَناوُل بعض الظواهر باعتبارها ظواهر مستقلة مع أنها، في واقع الأمر، مترابطة بل تكاد تكون واحدة. فيتم مثلاً الفصل بين الاشتراكية والرأسمالية مع أن كلتيهما مبنية على فكرة ترشيد الاقتصاد وتصفيته من أية مضامين أخلاقية، إنسانية كانت أم دينية، فكل منهما اقتصاد يدور في إطار المرجعية المادية الكامنة (الطبيعة/المادة) وحول السوق/المصنع.

стр. 687

وقد تم الفصل بين الظواهر المترابطة لأسباب عديدة (أشرنا إليها في الباب المعنون «إشكالية تعريف العلمانية» وفي الباب المعنون «نحو نموذج تفسيري شامل ومركب للعلمانية» ) ويمكن أن نضيف لها هنا أن الخطاب التحليلي الغربي قد استبعد إلى حدٍّ كبير البُعد المعرفي فلم يركز على الأسئلة والمرجعية النهائية وركز على البُعد الاقتصادي وحسب. ولذا، فقد تم تصنيف البشر إلى مستغلين ومستغَلين، وتم تصنيف النظم الاقتصادية على أساس علاقات الإنتاج (أي أن المرجعية الحاكمة والنهائية هي القيمة الاقتصادية) ، وأصبحت القضية هي: من الذي يحصل على نصيب أكبر من فائض القيمة، الأثرياء أم الفقراء؟ الشمال أم الجنوب؟ واستناداً إلى هذا المعيار الاقتصادي اليتيم، تمت التفرقة بين الرأسمالية والاشتراكية وتم الربط بين الإمبريالية والرأسمالية من حيث إن النظم الاشتراكية تقوم بتوزيع ثمرة العملية الإنتاجية بالعدل وتعيد استثمار ما تراكم من فوائض من خلال جهاز الدولة لصالح الجميع (وهي مقولات ثَبت كذبها فيما بعد) ولا تقوم بنهب الشعوب الأخرى (نظرياً على الأقل) . فالإطار التحليلي ونقطة الانطلاق هي العنصر الاقتصادي وحسب، فهو المصدر وإليه المآل.

стр. 688

ولكن العنصر الاقتصادي يستند إلى مرجعية مادية كامنة إذ يتم النظر للإنسان باعتباره مجرد عنصر مادي خاضع للحركيات الاقتصادية، أي أن الإطار التحليلي الاقتصادي ليس اقتصادياً وحسب، وإنما هو بالضرورة مادي أيضاً وواحدي وكمي، ولذا فهو إما يتجاهل الأسئلة النهائية تماماً أو يعطي إجابات مادية عليها. ولعلنا لو غيَّرنا المقولات التحليلية نفسها لاختلف الأمر كثيراً فعندئذ سنسأل الأسئلة المعرفية الكلية النهائية عن الإنسان: هل هو كائن مستقل عن الطبيعة، يتكون من مادة وشيء آخر (أي يدور في إطار مرجعية مادية ومرجعية متجاوزة) أم أنه مجرد مادة وحسب (يدور في إطار مرجعية كامنة مادية وحسب) ؟ هل الإنسان كائن مركب قادر على تَجاوُز واقعه الطبيعي وتَجاوز ذاته الطبيعية، أم أنه كائن طبيعي مادي بسيط، أحادي البُعد، يُذعن تماماً للطبيعة/المادة ويتكيف معها؟ هل النظام الاقتصادي الذي ندرسه يحقق الإنسانية المركبة للإنسان أم يمحوها؟ إن فعلنا ذلك، فإن طريقة تصنيفنا للواقع ستختلف كثيراً إذ سنكتشف أن الاختلاف على المستوى الاقتصادي في طريقة توزيع الثروة في المجتمع الاشتراكي عنه في المجتمع الرأسمالي، لا تؤدي على المستوى المعرفي النهائي إلى اختلافات جوهرية، فكثير من الظواهر التي تهز كيان الإنسان كإنسان (تزايد ترشيد المجتمع وتنميطه ـ تزايد تطبيق المعايير الكمية ـ تَزايُد تَحكُّم البيروقراطيات ـ تزايد هيمنة الأجهزة الإعلامية ـ أزمة المعنى ـ أزمة القيمة ـ الاغتراب ـ التَسلُّع ـ أزمة الأسرة) تُوجَد في كلٍّ من المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية رغم اختلاف طريقة توزيع الثروة. وليس من قبيل الصدفة أن نجد أن الأدب الحداثي في الدول الاشتراكية والرأسمالية يتناول نفس المشاكل والقضايا والموضوعات، الأمر الذي يشير إلى أن الاختلاف بين الرأسمالية والاشتراكية قد لا يكون جوهرياً من منظور الأثر المُتعيِّن لهذه النظم على الإنسان كإنسان. ولذا،

стр. 689

قد يكون من الأجدى التركيز على البُعد النهائي الإنساني وعلى المرجعية النهائية للمجتمع. ونحن نذهب إلى أن العلمانية (وحدة الوجود المادية والمرجعية المادية الكامنة) هي الإطار المعرفي النهائي للحضارة الغربية الحديثة. ولكننا نذهب أيضاً إلى أن الرؤية العلمانية هي في واقع الأمر رؤية حلولية كمونية مادية لا تفصل الدين عن الدولة وحسب وإنما تعزل القيم المطلقة (المعرفية والأخلاقية والإنسانية والدينية) عن الدنيا، بحيث يصبح مركز الكون كامناً فيه ويُردُّ الواقع بأسره (الإنسان والطبيعة) إلى مستوى واحد، ويصبح كله مجرد مادة محضة نافعة نسبية لا قداسة لها تُوظَّف وتُسخَّر. والهدف من وجود الإنسان في الأرض هو زيادة معرفة قوانين الحركة والطبيعة البشرية والهيمنة عليها من خلال التقدم المستمر الذي لا ينتهي، ومن خلال تَراكُم المعرفة وسد كل الثغرات وقمع الآخر إلى أن يخضع كل شيء (الإنسان والطبيعة) لحكم العقل وقانون الأرقام (وهو قانون يستمد مشروعيته من المعارف العلمية المادية) ، بحيث تَحوَّل الواقع بأسره (طبيعة وبشراً) إلى جزء متكامل عضوي تنتظمه شبكة المصالح الاقتصادية والعلاقات المادية، فيخضع الواقع للواحدية المادية ويصبح أشبه ما يكون بالسوق والمصنع. وقد تم ترشيد كل شيء على هدي المعايير العلمية الواحدية المادية والنماذج التي تستند إلى مفهوم الطبيعة/المادة بحيث أصبح كل شيء فيه محسوباً ومضبوطاً بعد استبعاد كل الاعتبارات غير المادية، مثل الغيبيات والمطلقات والخصوصيات، ذلك لأن ما بداخله غيب أو أسرار، وكل ما هو فردي فريد لا يمكن قياسه أو التحكم فيه أو غزوه أو توظيفه أو حوسلته. وقد تم تهميش الإله أو إلغاؤه باسم الإنسان وصالح الجنس البشري. وبعد إلغاء أية مرجعية متجاوزة، تظهر المرجعية الكامنة فيصبح مركز الكون كامناً فيه، ويصبح الإنسان مركز الكون (دون أي استخلاف من الإله) وتظهر الحركة الإنسانية (الهيومانية) .

стр. 690

ولكن في إطار المرجعية الكامنة يُختَزل الإنسان ويُردُّ في كليته إلى الطبيعة/المادة، ويصبح إنساناً طبيعياً (مادياً) غير قادر على تجاوز ذاته الطبيعية المادية ولا يتجاوز الطبيعة/المادة بحيث يسري عليه ما يسري على الظواهر الطبيعية من قوانين وحتميات، وهذا ما يعني أن الإنسان يفقد إنسانيته المركبة وتُنزَع عنه القداسة تماماً. والإنسان الطبيعي إنسان لا حدود ولا قيود عليه، يقف وراء الخير والشر، متمركز حول منفعته ولذته، لا راد لقضائه أو لرغبته في البقاء. وهو لا يلتزم بأية قيم معرفية أو أخلاقية أو أبعاد نهائية، فهو يتبع القانون الطبيعي ولا يلتزم بسواه بل لا يمكنه تجاوزه. لكل هذا أصبح الإنسان كائناً غير قادر إلا على التمركز حول مصلحته ومنفعته ولذته المادية وبقائه المادي، فمفهوم «الإنسانية جمعاء» مفهوم أخلاقي مطلق ميتافيزيقي متجاوز لقوانين المادة، وليس هناك ما يُلزم الإنسان الطبيعي (مرجعية ذاته المتمركز حولها) بأن يؤمن بمثل هذه المطلقات وهذه المُثُل العليا غير المادية، فماذا في قوانين الطبيعة وقوانين الحركة وقوانين الضرورة يُلزمه بأن يتجاوز مصلحته الخاصة الضيقة وألا يُحوِّل الآخر إلى مادة تُوظَّف لصالحه؟ لكل هذا فإنه بدلاً من مركزية الإنسان في الكون تظهر مركزية الإنسان الأبيض في الكون، وبدلاً من الدفاع عن مصالح الجنس البشري بأسره يتم الدفاع عن مصالح الجنس الأبيض، وبدلاً من ثنائية الإنسان والطبيعة وأسبقية الأول على الثاني تظهر ثنائية الإنسان الأبيض من جهة، مقابل الطبيعة/المادة وبقية البشر الآخرين من جهة. ويصبح هم هذا الإنسان الأبيض هو غزو الطبيعة المادية والبشرية وحوسلتها وتوظيفها لحسابه واستغلالها بكل ما أوتي من إرادة وقوة، وهكذا تحوَّلت الإنسانية الهيومانية الغربية إلى إمبريالية.

стр. 691

وهكذا، فقد حوَّلت هذه الرؤية الإنسان الغربي إلى مُستغل يلتهم الكون، وحولت الطبيعة وبقية الشعوب إلى مجرد مادة استعمالية تُوظَّف وتُسخَّر. وقد قام الإنسان الغربي بالفعل بذلك وحقق لنفسه مستويات معيشية مادية ورخاء مادياً لم ير مثله البشر من قبل (وربما لا يرون من بعد) . وعادةً ما يقف التحليل الاقتصادي عند هذه النقطة وينظر للعالم من منظور معدلات الاستغلال الاقتصادي ويُقسَّم البشر إلى مستغلين ومستغَلين بالمعنى الاقتصادي وحسب. ولكن التحليل المعرفي يستمر متجاوزاً هذا المستوى. وكما أسلفنا، تم تعريف هذا الإنسان الغربي نفسه في إطار مادي واحدي، والرؤية المادية لا تفرق بين أحد ولا تعطي لأحد مكانة أو منزلة خاصة، فالإنسان الغربي هو أيضاً مادة استعمالية، وهو أيضاً لابد أن يدخل الدائرة والآلة الشيطانية الواحدية المادية التي تحوِّله إلى مادة إنتاجية استهلاكية، ولذا تم استغلاله بطريقة شرسة قد لا تكون اقتصادية ولكنها شاملة، وإذا كانت معدلات استهلاك الإنسان الغربي أعلى من المعدلات التي يتمتع بها الإنسان الشرقي فإن هذا لا يشكل فارقاً جوهرياً، فالجميع خاضع لعملية الترشيد والحوسلة والتنميط التي تمحو ما هو إنساني، فقد تم ترشيده هو الآخر من الداخل والخارج في بنيته الاجتماعية والإنسانية حتى تم التحكم فيه تماماً وأصبح مُحاصَراً تماماً بأجهزة إعلام تدمر البنية الاجتماعية، وبصناعات تدمر البيئة الطبيعية، وبصناعات عسكرية تُنفَق عليها الملايين من الدولارات وتهدِّد بتدمير العالم، وبمشروعات فضاء لا يعرف أحد جدواها، وبإيقاع حياة آلي سريع رتيب يقضي على كل ما هو نبيل في حياة الإنسان، وبمؤسسات عامة تضبط حياته وحياة أسرته (أو ما تبقَّى من الأسرة) وبصناعات اللذة التي تصوغ أحلامه وتُصعِّد توقعاته وتقتحم حياته الخاصة تماماً. فهو مُستوعَب تماماً في آليات الحياة الحديثة إذ يزداد ترشيده وإعادة صياغته وغزوه وتسخيره يوماً

стр. 692

بعد يوم بهدف زيادة هيمنة الواحدية المادية عليه، تلك الهيمنة التي تعني زيادة التحكم في ساعات عمله ولهوه، وفي احتياجاته وأحلامه، وفي علاقته بنفسه وأسرته، وفي البيئة الطبيعية التي يعيش في كنفها حتى يصبح إنساناً رشيداً، منتجاً ومستهلكاً، جزءاً لا يتجزأ من عالم الأشياء والسلع والطبيعة/المادة (التمركز حول الموضوع) . ولو استخدمنا هذا المعيار لوجدنا أن الإنسان في العالم الغربي قد طُحن هو الآخر تماماً وتم تسليعه، إذ أن النظام الذي يكفل له الحياة المادية الهانئة من ناحية اقتصادية هو أيضاً النظام الآلي الذي يتحكم فيه وفي حياته والذي أخرج الأشياء من عالم الإنسان إلى عالم الأشياء، ثم أخرج الإنسان نفسه من عالم الإنسان ووضعه في عالم الأشياء. بل على مستوى من المستويات، يمكن القول بأن الإنسان الغربي الذي تم ضبط حياته وترشيدها تماماً (من خلال آليات الدولة الحديثة المتقدمة) هو في حالة أسوأ من الإنسان الشرقي الذي لا يزال يتمتع بقسط من الحرية والخصوصية بسبب طبيعة المجتمعات التقليدية أو الانتقالية الفضفاضة. ولعل الإنسان النازي الذي تَحوَّل تماماً إلى آلة مَثل جيد على ذلك، ولعل الإنسان الأمريكي الذي لا يملك من أمره شيئاً، والذي تُرتَّب له حياته من الداخل والخارج، هو أيضاً مَثل آخر على ما نقول. وقد ظهرت هذه الرؤية الإمبريالية قبل أن تصبح الإمبريالية حقيقة تاريخية. ونشأت لدى الإنسان الغربي الرغبة في ضبط حياته وترشيد مجتمعه وذاته والتهام العالم قبل ميلاد رجل أوربا النهم. كانت جيوش أوربا الغازية تسير في عقل الإنسان الغربي وأحلامه قبل أن تطأ أقدام جنودها الثقيلة غابات أفريقيا الخضراء وجبال آسيا الشامخة وقبل أن يُباد الملايين من الأطفال والنساء والرجال من الشعوب الأصلية التي كانت تشغل الحيز الحيوي الذي كان يود أن يستولي عليه هذا الرجل النهم.

стр. 693

وبسبب هذا الترادف أو التَوحُّد أو الترابط أو التلازم بين الرؤية المعرفية العلمانية والرؤية المعرفية الإمبريالية، فإننا نشير إليهما باعتبارهما «الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية» . ولعل الاختلاف بين العلمانية والإمبريالية هو اختلاف في مجال التطبيق وليس في الرؤية نفسها، فالرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية تُعبِّر عن نفسها من خلال عمليتين تاريخيتين متزامنتين متعاقبتين متشابهتين، وهما عمليتان متكاملتان لا يمكن أن نراهما كسبب ونتيجة (إلا لفترة مبدئية وجيزة) فالأسباب نتائج والنتائج أسباب. هاتان الظاهرتان هما الدولة (القومية) المطلقة والتشكيل الاستعماري الإمبريالي الغربي. فقد تبدت الرؤية المعرفية الإمبريالية على هيئة الدولة المطلقة في الداخل الأوربي وعلى هيئة التشكيل الاستعماري الغربي في الخارج العالمي. ورغم اختلاف المجال والآليات، ظلت الأهداف النهائية واحدة: ترشيد البشر وتسخيرهم وفرض الواحدية المادية على العالم وتحويله إلى مادة متجانسة متحوسلة. ويمكن أن نرسم الصورة على النحو التالي: هدف الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية: فرض الواحدية المادية وحوسلة الطبيعة والإنسان في كلٍّ من الداخل الأوربي وفي الخارج العالمي آلية التنفيذ ومجالها: مؤسسات الدولة المطلقة في الداخل الأوربي وجيوش الدولة المطلقة في الخارج العالمي فثمة اتفاق في الرؤية وفي الأهداف النهائية، واختلاف في آليات التنفيذ ومجاله، أي أن الظاهرتين هما ظاهرة واحدة على المستوى المعرفي:

стр. 694

١ ـ على مستوى العلمنة في الداخل (من خلال الدولة القومية المطلقة) : قامت الحكومات العلمانية المطلقة في الغرب بترشيد البنية المادية والاجتماعية للمجتمعات الغربية من أجل تعظيم توظيف الموارد البشرية والمادية. فتم ترشيد البنية الطبيعية (المادية) والعنصر الإنساني، وهي عملية تتضمن ترشيد السوق الداخلي واستخدام الموارد الطبيعية التي تقع داخل حدودها، كما تتضمن تحويل الإنسان إلى طاقة مادية تُوظَّف وإزالة كل الجيوب الوسيطة (الترشيد من الخارج) . وقد استبطن الإنسان الغربي هذه الرؤية (الترشيد من الداخل) فارتفعت كفاءته في الأداء، أي أن الداخل الغربي تم غزوه وحوسلته تماماً.

стр. 695

٢ ـ على مستوى العلمنة في الخارج (من خلال الإمبريالية العالمية) : بعد ترشيد الإنسان الغربي من الداخل والخارج، ومع تَزايُد الترشيد في عمليات النهب والقرصنة في الخارج وتَزايُد التراكم الإمبريالي واتساع نطاق السوق حتى تَجاوَز حدود الدولة القومية المطلقة، بدأت مرحلة إمبريالية الخارج، فقامت الحكومات القومية العلمانية (المطلقة) بتكثيف طاقتها المادية والبشرية وتسخيرها في تجييش الجيوش، ثم قامت بإرسالها إلى كل أرجاء العالم لإخضاعه والهيمنة عليه وترشيده (من الخارج) وتوظيف موارده البشرية والمادية لصالح الحكومات والشعوب الغربية (وفيما بعد، لصالح قطاعات من النخب السياسية والثقافية في العالم الثالث، باعتبار أنها شريكة للإمبريالية والعلمانية) ، وذلك حتى تمت لها السيطرة على العالم بأسره وإحكام قبضتها عليه. وقد تصاعدت معدلات الهيمنة على أسواق العالم وشعوبه وأُخضع العالم بأسره لقوانين الواحدية المادية، أي تم ترشيده في إطار المرجعية المادية الواحدية حتى يتم تنميط المؤسسات والبشر ويُستوعَب الجميع في سوق عالمية وشبكة اتصالات ضخمة. وقد بدأت بالفعل قطاعات كبيرة من الناس في العالم بأسره (وخصوصاً بعض أعضاء النخب السياسية والاقتصادية والثقافية) يستبطنون الرؤية العلمانية الإمبريالية (الترشيد من الداخل) وتزايد استبطانهم لها على مر الأيام. وكما حاولت الدولة القومية القضاء على الجيوب الإثنية والدينية في الداخل، وعلى كل المطلقات الإنسانية والأخلاقية (غير المادية) وعلى كل الخصوصيات، تحاول الإمبريالية القيام بهذا الدور على مستوى العالم.

стр. 696

وهذه العملية ليست عملية تعاقبية بمعنى أن تؤدي (أ) إلى (ب) ، أو أن (أ) تحدث ثم تحدث بعدها (ب) ، فالأمر أكثر تركيباً من ذلك. فعمليات الهيمنة في الخارج زادت من نجاح الدولة المطلقة أمام مواطنيها (وهم مستفيدون من عملية التراكم الرأسمالي الإمبريالي) ، فزادت الدولة من هيمنتها على هم، أي أن نجاح الهيمنة في الخارج مرتبط بتَزايُد الهيمنة في الداخل، لأن تَزايُد هيمنتها في الداخل يعني أيضاً تَزايُد مقدرتها على تجنيد جماهيرها للزج بها في الحروب الاستعمارية وتمويل هذه الحروب.

стр. 697

ولعله من المفيد، من منظور هذه الموسوعة، أن نشير إلى الاستعمار الاستيطاني باعتباره جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الاستعماري الغربي مع أن له خصوصيته المستقلة. لقد بدأ الإنسان الغربي ينزح عن قارته الأوربية في عصر نهضته وفي بداية مشروعه التحديثي العلماني، فاستعمر الأمريكتين حيث أسَّس مجتمعات استيطانية ضمت فيما بعد جنوب أفريقيا، فأستراليا ونيوزيلندا والجيب الاستيطاني في الجزائر، وأخيراً فلسطين. وقد قامت هذه المجتمعات الاستيطانية على أساس المنفعة واللذة بالدرجة الأولى، فالعناصر البشرية التي كوَّنت هذه المجتمعات كانت أكثر العناصر نشاطاً وحركية في المجتمعات التقليدية، وأشدها طموحاً وقلقاً وبحثاً عن الحراك الاجتماعي وعن المنفعة واللذة، وأقلها تَجذُّراً ورضاً وقناعة، وأكثرها استعداداً لأن تنبذ تاريخها وهويتها. وليس للمجتمعات الاستيطانية تراث حضاري أو قومي مستقل وممتد، كما أنها لا تتمتع بأية خصوصية أو شخصية تاريخية. والمؤسسات الدينية في مثل هذه المجتمعات هزيلة لأنها دون تاريخ أو جذور، ولأنها مُستورَدة على يد المستوطنين وبالتالي خاضعة لهم ولنزواتهم ولرؤيتهم للواقع. ولهذا، ظهر في هذه المجتمعات الاستيطانية إنسان بلا تاريخ ولا قيم ولا تراث ولا هوية، فهو يقترب إلى حدٍّ كبير من الإنسان الطبيعي/المادي ذي البُعد الواحد الذي يدور تماماً في إطار المرجعية المادية. ولذا، فقد كان من الممكن إدارة هذه المجتمعات على أسس اقتصادية رشيدة إلى أقصى حد، لا تعوقها عوائق تاريخية دينية أو تراثية أو أي شكل من أشكال المطلقات. ومن هنا، فقد جاءت هذه المجتمعات مجتمعات علمانية نماذجية.

стр. 698

ويتبدَّى هذا بكل جلاء في الاستعمار الاستيطاني البروتستانتي (الأنجلو ساكسوني) حيث تمت إبادة السكان الأصليين إذ كان من المحال تحويلهم إلى مادة استعمالية عامة بسبب تراثهم الحضاري، واستُجلب العبيد إلى المزارع في الجنوب الأمريكي وإلى جزر الهند الشرقية، وحُطِّمت شخصيتهم الحضارية وعُزلوا عن كل المؤسسات الدينية وضمن ذلك المسيحية (في بادئ الأمر) حيث كانوا يُعامَلون بشكل محايد ويُنظَر إليهم من منظور الوظيفة وحسب دون أي اعتبار للجوانب الروحية أو الأخلاقية، أما الاستعمار الاستيطاني الكاثوليكي فلم يكن بهذا الرشاد. فقد بذلت الكنيسة جهداً غير عادي في مقاومة المستوطنين، ناظرة إلى السكان الأصليين باعتبارهم مادةً إنسانية ذات روح وقداسة وبالتالي لابد من هدايتهم. ولهذا نجد أن معدلات العلمنة في المجتمعات الاستيطانية ذات الأصول البروتستانتية، مثل أمريكا الشمالية، أعلى بمراحل كثيرة منها في المجتمعات الاستيطانية ذات الأصول الكاثوليكية مثل أمريكا اللاتينية. وأكثر المجتمعات علمنة على وجه الأرض هو المجتمع الأمريكي الذي أباد السكان الأصليين تماماً ومحا آثارهم الحضارية ورفض تقاليد الحضارة الأوربية الثقافية والدينية وشيَّد مؤسسات رشيدة تماماً، والأمركة هي العلمنة الشاملة الحقيقية.

стр. 699

ونحن نقترح استرجاع الإمبريالية كمقولة تحليلية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، ومن ثم لا يمكن استبعادها من دراسة أية ظاهرة في الحضارة الغربية الحديثة. ولنأخذ الديموقراطية على سبيل المثال. يُلاحَظ أن الدول الغربية الديموقراطية، وفي طليعتها إنجلترا وفرنسا، هي بلاد لها مشروعها الاستعماري الضخم حيث التهمت معظم أنحاء العالم وقمعت السكان الأصليين وسلبتهم حريتهم وحطمت مؤسساتهم الاجتماعية والثقافية. وقُل نفس الشيء عن هولندا وبلجيكا، وبدرجة أقل عن إيطاليا. وبعد أن استعمر الإنسان الغربي الولايات المتحدة وأقام فيها نظاماً سياسياً مستقراً، قام بعملية إبادة للسكان الأصليين، ثم دخلت الولايات المتحدة في تجربتها الاستعمارية فاحتلت بورتوريكو وهاواي والفلبين، ووضعت أمريكا اللاتينية تحت مظلتها بمقتضى مبدأ مونرو. وقد ترسخت الديموقراطيات الغربية عن طريق الإمبريالية إذ نجحت في تسريع التراكم الرأسمالي (الإمبريالي) من خلال نهب المستعمرات، الأمر الذي ساهم في تأسيس بنيتها التحتية المادية الضخمة المستقرة وتحقيق الرفاه الاجتماعي للمواطنين عن طريق تجريد بقية شعوب العالم من مصادرها الطبيعية والبشرية. وقد نجحت الحكومات الغربية في تصدير مشاكلها الاجتماعية حيث قامت بإرسال المجرمين والعناصر غير المستقرة اجتماعياً والفائض السكاني إلى الشرق، بل قامت بالتخلص من الجماعات والأقليات غير المرغوب فيها (مثل اليهود) عن طريق نقلهم إما إلى الشرق (في فلسطين) أو إلى الغرب (في أفران الغاز) ، كما حلت مشكلة سوء توزيع الثروة من خلال نهب المستعمرات. ويكفي أن نعرف أن ما نهبته إنجلترا من الهند يزيد كثيراً عما أنتجته خلال الثورة الصناعية عامة، أي أن نجاح المجتمع الإنجليزي ومشروعه التحديثي لا يمكن رؤيته بمعزل عن التراكم الاستعماري، فالسلام الاجتماعي الداخلي الذي حققه المجتمع الإنجليزي قد تحقق من

стр. 700

خلال تصدير مشاكل إنجلترا إلى خارجها ومن خلال تحقيق التراكم الرأسمالي (الإمبريالي) بما نهبه من الآخرين. وهنا يمكن أن نثير قضية المجتمع المدني، فمن المُلاحَظ أن البلاد التي ظهر فيها المجتمع المدني هي أساساً البلاد صاحبة المشروع الاستعماري. ولم تنجح ألمانيا في تأسيس مجتمع مدني ربما بسبب إجهاض تجربتها الاستعمارية على يد الدول الاستعمارية الأخرى. ويلاحَظ أن معظم بلاد شرق أوربا واتحاد دول الكومنولث المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) دول لا يوجد فيها مجتمع مدني ولا مشروع استعماري (أو لم يظهر إلا متأخراً فلم تتم عملية النهب في روسيا القيصرية بشكل منهجي كفء، وهو ما جعل المشروع الاستعماري مكلفاً بالنسبة لهم. ثم قامت الثورة الاشتراكية وأخذ الاستعمار الروسي شكلاً مختلفاً تماماً) .

стр. 701

ولننظر إلى ظاهرتين تبدوان كما لو كانتا بعيدتين كل البعد وهما قيام الاستعمار الاستيطاني في أمريكا الشمالية في القرن السابع عشر بإبادة السكان الأصليين وقيام الدولة النازية بإبادة يهود أوربا في القرن العشرين. لو طبقنا نفس المنظور المعرفي الذي يُبيِّن أن الرؤية العلمانية الإمبريالية هي الرؤية الكامنة وراء معظم الظواهر الغربية، فإننا سنرى الوحدة الكامنة وراء تلك الظاهرتين. وكما أسلفنا، فإن جوهر الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هو تحويل البشر والعالم إلى مادة نافعة. وانطلاقاً من هذه الرؤية، قام التشكيل الاستعماري الاستيطاني في الغرب بنقل ملايين البشر باعتبارهم مادة محضة تُوظَّف وتُسخَّر وتُنقَل وتُغزَى. فتم نقل الملايين من البشر من أوربا إلى أمريكا لتوطينهم هناك، لزيادة نفعهم وتعظيم إنتاجيتهم، ولتسهيل عملية توظيفهم ولحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لأوربا. ولنفس السبب، تم استجلاب مادة بشرية يمكن تحويلها إلى طاقة عضلية رخيصة. وماذا لو حدث أن ظهرت عوائق تقف في طريق عملية زيادة المنفعة وتعظيم الإنتاج؟ ماذا لو كانت العوائق مادة بشرية أخرى؟ الإجابة سهلة ومباشرة: مثل هذه المادة البشرية ستكون غير نافعة ولذا لابد من إزالتها. وهذا ما حدث للهنود الحمر في الولايات المتحدة، حيث كان الإنسان الأبيض يبيد الهنود في أمريكا ويقوم في نفس الوقت باصطياد السود في أفريقيا ونقلهم إلى الأرض التي أبيد سكانها. ولا يمكن فهم هذا إلا في إطار التوظيف وتعظيم الإنتاج والتعريفات البيولوجية العِرقية الصارمة. فالسود يمكن استخدامهم بسبب عدم تماسكهم الحضاري وبسبب قوتهم العضلية ولأنهم بلا حقوق، أما الهنود فكانوا يُشكِّلون كتلة حضارية متماسكة ذات حقوق تاريخية (كما أن نظام المناعة الخاص بهم كان ضعيفاً جداً أمام الميكروبات التي حملها الإنسان الأبيض، ومن ثم كان من العسير استيعابهم في النظام الجديد) .

стр. 702

والإبادة النازية لبعض القطاعات البشرية في أوربا ليست سوى تطبيق متبلور لتلك الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، ولكن في الغرب نفسه بدلاً من آسيا أو أفريقيا أو الأمريكتين. ولا تزال الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هي المسيطرة على الإنسان الغربي ذاته حتى في علاقته مع نفسه ومع أعضاء المجتمع الغربي، ذلك لأن كل شيء يخضع للواحدية المادية. فهو حينما يبني بيتاً، يُخضعه تماماً لعملية الترشيد الواحدية حيث يبنيه بهدف الاتجار فيه وتحقيق الربح ثم يتركه بعد بضع سنين وكأن المنزل والسلعة لا فرق بينهما. وهو حين يدخل علاقة مع أنثى، لا يبحث عادةً عن الطمأنينة وإنما يحاول تعظيم اللذة، وتتحول العلاقة العاطفية إلى علاقة غزو (وهو ما عبرنا عنه بأن الحضارة الغربية حضارة يتراجع فيها الخطاب الجواني للمحبين، خطاب التآلف والتراحم، ليحل محله الخطاب الإمبريالي البراني، خطاب الغزو والتناحر) . وهو إنسان بسيط ذو بُعد واحد دائم التنقل والترحال لتحقيق الربح وتحسين المعيشة، فهو مادة استعمالية جيدة مرنة مطاطة، شيء بين الأشياء. وحينما يصل هذا الإنسان الغربي إلى سن يصبح فيه غير منتج، فإنه يقبل أن يُنقَل طواعية إلى بيت المسنين غير المنتجين لينتظر (كمادة بشرية مرنة) الموت في بيوت مكيفة الهواء بعيداً عن المجتمع المُنتج وبعيداً عن الحياة. بل إن ما يُسمَّى «حضارة الفوارغ» (ديسبوزابل disposable) هي حضارة إمبريالية توظيفية تستهلك كل شيء وتوظف كل شيء وتبدد كل شيء (الطاقة ـ المواد الخام ـ الأغاني ـ جسد الأنثى ـ طبقة الأوزون) . كما أن الاتجاه التدريجي نحو فرض النموذج الآلي على سائر أشكال الحياة في الغرب، وهو مصدر شكوى كل المفكرين الغربيين، إن هو إلا تعبير عن إبستمولوجيا الغزو والتحكم والترشيد العلماني الإمبريالي وتَزايُد رقعتها في مجالات الحياة.

стр. 703

ولا تزال حضارة الترشيد العلمانية الإمبريالية هذه تُخضع الإنسان الغربي ذاته لأسوأ أنواع الإمبريالية التي يمكن أن نسميها «الإمبريالية النفسية» ، وهي أن تَحوِّل الذات البشرية نفسها إلى سوق تتسع حدوده بشكل دائم وتحل محل الأسواق الخارجية البرانية التي تم غزوها جميعاً (وهكذا يتحول الجواني إلى براني دائماً) ، ويتم ذلك عن طريق ثورة التطلعات والتوقعات التي لا تنتهي، وعن طريق صناعة الأحلام: من إعلانات (يلعب الجنس دوراً أساسياً فيها) إلى روايات (تصوغ للإنسان أحلامه وتطلعاته) إلى أفلام (تحدد رؤاه وقواعد سلوكه) وهي نشاطات يسيطر عليها ما نسميه «قطاع صناعات اللذة» في المجتمعات الحديثة التي تنظر للإنسان باعتباره مجموعة من الدوافع والحاجات الجسدية المحضة التي يمكن سدها. ومن ثم، فإن بوسع هذه الصناعات أن تَعد الإنسان دائماً بالفردوس الأرضي الذي سيريحه تماماً من عبء التاريخ وسيعود به إلى الحالة الجنينية. بل إن بناء المدن الغربية يُجسِّد هذه الرؤية الإمبريالية الرشيدة من طرقات تهدف إلى تعظيم السرعة لحركة يومية تُبَدد فيها الطاقة الإنسانية والطبيعية ويُلوَث فيها الجو ويدور فيها كل شيء حول السوق والسلع. ورغم أن عِلم الاجتماع الغربي لم يكتشف العلاقة بين العلمانية كنظرية والإمبريالية كتطبيق يأخذ شكلين مختلفين (ترشيد في الداخل الأوربي وغزو في الخارج العالمي) ، فإن ثمة محاولات متعثرة للتعبير عن ذلك. فماركس على سبيل المثال يتحدث عن أن الشعب الذي يستعبد شعباً آخر لا يمكن أن يكون هو نفسه حراً، ويتحدث فيبر عن أن عملية الترشيد ستؤدي إلى القفص الحديدي ويتحدث زيميل عن السجن الحديدي، أما هابرماس فقد ذكر أن ما يحدث في المجتمع الغربي الحديث هو «استعمار عالم الحياة» . والحديث عن غياب العقل النقدي وفشل الاستنارة، أو أن الاستنارة أدَّت إلى الإبادة، هو محاولة للتعبير عن وجود هذه العلاقة بين العلمانية والإمبريالية دون

стр. 704

الإفصاح عنها. ومع هذا، يمكن القول بأن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هي رؤية مرتبطة بعصر التحديث والحداثة والثنائية الصلبة والمرجعية الكامنة حيث جعل الإنسان الغربي من نفسه الأنا المقدَّسة ومركز الكمون والكون الذي يحق له إبادة الآخرين واستغلال العالم. ومع الستينيات، ومع فقدان الإنسان الغربي مقدراته العسكرية وظهور مراكز أخرى في العالم واختفاء المركزية الغربية، بدأت الرؤية العلمانية الإمبريالية تأخذ شكلاً جديداً في عصر ما بعد الحداثة والسيولة الشاملة وهي إنكار المركز تماماً وإعلان انتهاء التاريخ وانتهاء الإنسان واختفاء أية مرجعية، ومن ثم ظهر فكر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد. النظام العالمى الجديد «النظام العالمي الجديد» مصطلح استخدمه الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطاب وجهه إلى الأمة الأمريكية بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج (بعد أسبوع واحد من نشوب الأزمة في أغسطس١٩٩٠) . وفي معرض حديثه عن هذا القرار، تحدث عن فكرة «عصر جديد» ، و «حقبة للحرية» ، و «زمن للسلام لكل الشعوب» . وبعد ذلك بأقل من شهر (في ١١ سبتمبر ١٩٩٠) ، أشار إلى إقامة «نظام عالمي جديد» يكون "متحرراً من الإرهاب، فعالاً في البحث عن العدل، وأكثر أمناً في طلب السلام؛ عصر تستطيع فيه كل أمم العالم، غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، أن تنعم بالرخاء وتعيش في تناغم".

стр. 705

وكلمة «نظام» هى ترجمة لكلمة «أوردر order» الإنجليزية المشتقة من الكلمة اللاتينية «أوردو ordo» بمعنى «خط مستقيم ونظام» . والكلمة مبهمة للغاية، فهي تعني مثلاً «الترتيب المنظم والمتواتر» ، و «هرم السلطة والقوة الذي يتم بمقتضاه تطبيق وفرض أحكام بعينها» ، و «الالتزام بالقانون» ، و «الدرجة أو الطبقة أو المرتبة» ، و «الطلب» ، و «ضرب أو نوع أو طراز» . ولكن الكلمة أيضاً مرادفة لكلمة «مثود method» و «سيستيم system» (كما في عبارة «ذي أوردر أوف نيتشر the order of nature» أو «ذي أوردر أوف ثنجز the order of things» بمعنى «نظام الطبيعة» (أو «سنن الطبيعة» في المصطلح الإسلامي) ، فالكلمة تشير من ثم إلى مجموعة من القوانين والمفاهيم (والسنن) التي تتسم بقدر معقول من الثبات عبر مرحلة زمنية طويلة نسبياً، يتحرك الواقع بمقتضاها ولا يمكن فهمها بدونه، فهي مصدر هوية النظام (جوهره) وتعبير عنها في آن واحد. ولذا، فإن جوهر النظام العالمي هو مجموعة القوانين والقيم الكامنة التي تفسر حركة هذا النظام وسلوك القائمين عليه وأولوياتهم واختياراتهم وتوقعاتهم.
следующие страницы →