Полный текст (8 511 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ولننظر إلى ظاهرتين تبدوان كما لو كانتا بعيدتين كل البعد وهما قيام الاستعمار الاستيطاني في أمريكا الشمالية في القرن السابع عشر بإبادة السكان الأصليين وقيام الدولة النازية بإبادة يهود أوربا في القرن العشرين. لو طبقنا نفس المنظور المعرفي الذي يُبيِّن أن الرؤية العلمانية الإمبريالية هي الرؤية الكامنة وراء معظم الظواهر الغربية، فإننا سنرى الوحدة الكامنة وراء تلك الظاهرتين. وكما أسلفنا، فإن جوهر الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هو تحويل البشر والعالم إلى مادة نافعة. وانطلاقاً من هذه الرؤية، قام التشكيل الاستعماري الاستيطاني في الغرب بنقل ملايين البشر باعتبارهم مادة محضة تُوظَّف وتُسخَّر وتُنقَل وتُغزَى. فتم نقل الملايين من البشر من أوربا إلى أمريكا لتوطينهم هناك، لزيادة نفعهم وتعظيم إنتاجيتهم، ولتسهيل عملية توظيفهم ولحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لأوربا. ولنفس السبب، تم استجلاب مادة بشرية يمكن تحويلها إلى طاقة عضلية رخيصة. وماذا لو حدث أن ظهرت عوائق تقف في طريق عملية زيادة المنفعة وتعظيم الإنتاج؟ ماذا لو كانت العوائق مادة بشرية أخرى؟ الإجابة سهلة ومباشرة: مثل هذه المادة البشرية ستكون غير نافعة ولذا لابد من إزالتها. وهذا ما حدث للهنود الحمر في الولايات المتحدة، حيث كان الإنسان الأبيض يبيد الهنود في أمريكا ويقوم في نفس الوقت باصطياد السود في أفريقيا ونقلهم إلى الأرض التي أبيد سكانها. ولا يمكن فهم هذا إلا في إطار التوظيف وتعظيم الإنتاج والتعريفات البيولوجية العِرقية الصارمة. فالسود يمكن استخدامهم بسبب عدم تماسكهم الحضاري وبسبب قوتهم العضلية ولأنهم بلا حقوق، أما الهنود فكانوا يُشكِّلون كتلة حضارية متماسكة ذات حقوق تاريخية (كما أن نظام المناعة الخاص بهم كان ضعيفاً جداً أمام الميكروبات التي حملها الإنسان الأبيض، ومن ثم كان من العسير استيعابهم في النظام الجديد) .
стр. 702
والإبادة النازية لبعض القطاعات البشرية في أوربا ليست سوى تطبيق متبلور لتلك الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، ولكن في الغرب نفسه بدلاً من آسيا أو أفريقيا أو الأمريكتين.
ولا تزال الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هي المسيطرة على الإنسان الغربي ذاته حتى في علاقته مع نفسه ومع أعضاء المجتمع الغربي، ذلك لأن كل شيء يخضع للواحدية المادية. فهو حينما يبني بيتاً، يُخضعه تماماً لعملية الترشيد الواحدية حيث يبنيه بهدف الاتجار فيه وتحقيق الربح ثم يتركه بعد بضع سنين وكأن المنزل والسلعة لا فرق بينهما. وهو حين يدخل علاقة مع أنثى، لا يبحث عادةً عن الطمأنينة وإنما يحاول تعظيم اللذة، وتتحول العلاقة العاطفية إلى علاقة غزو (وهو ما عبرنا عنه بأن الحضارة الغربية حضارة يتراجع فيها الخطاب الجواني للمحبين، خطاب التآلف والتراحم، ليحل محله الخطاب الإمبريالي البراني، خطاب الغزو والتناحر) . وهو إنسان بسيط ذو بُعد واحد دائم التنقل والترحال لتحقيق الربح وتحسين المعيشة، فهو مادة استعمالية جيدة مرنة مطاطة، شيء بين الأشياء. وحينما يصل هذا الإنسان الغربي إلى سن يصبح فيه غير منتج، فإنه يقبل أن يُنقَل طواعية إلى بيت المسنين غير المنتجين لينتظر (كمادة بشرية مرنة) الموت في بيوت مكيفة الهواء بعيداً عن المجتمع المُنتج وبعيداً عن الحياة. بل إن ما يُسمَّى «حضارة الفوارغ» (ديسبوزابل disposable) هي حضارة إمبريالية توظيفية تستهلك كل شيء وتوظف كل شيء وتبدد كل شيء (الطاقة ـ المواد الخام ـ الأغاني ـ جسد الأنثى ـ طبقة الأوزون) . كما أن الاتجاه التدريجي نحو فرض النموذج الآلي على سائر أشكال الحياة في الغرب، وهو مصدر شكوى كل المفكرين الغربيين، إن هو إلا تعبير عن إبستمولوجيا الغزو والتحكم والترشيد العلماني الإمبريالي وتَزايُد رقعتها في مجالات الحياة.
стр. 703
ولا تزال حضارة الترشيد العلمانية الإمبريالية هذه تُخضع الإنسان الغربي ذاته لأسوأ أنواع الإمبريالية التي يمكن أن نسميها «الإمبريالية النفسية» ، وهي أن تَحوِّل الذات البشرية نفسها إلى سوق تتسع حدوده بشكل دائم وتحل محل الأسواق الخارجية البرانية التي تم غزوها جميعاً (وهكذا يتحول الجواني إلى براني دائماً) ، ويتم ذلك عن طريق ثورة التطلعات والتوقعات التي لا تنتهي، وعن طريق صناعة الأحلام: من إعلانات (يلعب الجنس دوراً أساسياً فيها) إلى روايات (تصوغ للإنسان أحلامه وتطلعاته) إلى أفلام (تحدد رؤاه وقواعد سلوكه) وهي نشاطات يسيطر عليها ما نسميه «قطاع صناعات اللذة» في المجتمعات الحديثة التي تنظر للإنسان باعتباره مجموعة من الدوافع والحاجات الجسدية المحضة التي يمكن سدها. ومن ثم، فإن بوسع هذه الصناعات أن تَعد الإنسان دائماً بالفردوس الأرضي الذي سيريحه تماماً من عبء التاريخ وسيعود به إلى الحالة الجنينية. بل إن بناء المدن الغربية يُجسِّد هذه الرؤية الإمبريالية الرشيدة من طرقات تهدف إلى تعظيم السرعة لحركة يومية تُبَدد فيها الطاقة الإنسانية والطبيعية ويُلوَث فيها الجو ويدور فيها كل شيء حول السوق والسلع. ورغم أن عِلم الاجتماع الغربي لم يكتشف العلاقة بين العلمانية كنظرية والإمبريالية كتطبيق يأخذ شكلين مختلفين (ترشيد في الداخل الأوربي وغزو في الخارج العالمي) ، فإن ثمة محاولات متعثرة للتعبير عن ذلك. فماركس على سبيل المثال يتحدث عن أن الشعب الذي يستعبد شعباً آخر لا يمكن أن يكون هو نفسه حراً، ويتحدث فيبر عن أن عملية الترشيد ستؤدي إلى القفص الحديدي ويتحدث زيميل عن السجن الحديدي، أما هابرماس فقد ذكر أن ما يحدث في المجتمع الغربي الحديث هو «استعمار عالم الحياة» . والحديث عن غياب العقل النقدي وفشل الاستنارة، أو أن الاستنارة أدَّت إلى الإبادة، هو محاولة للتعبير عن وجود هذه العلاقة بين العلمانية والإمبريالية دون
стр. 704
الإفصاح عنها.
ومع هذا، يمكن القول بأن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هي رؤية مرتبطة بعصر التحديث والحداثة والثنائية الصلبة والمرجعية الكامنة حيث جعل الإنسان الغربي من نفسه الأنا المقدَّسة ومركز الكمون والكون الذي يحق له إبادة الآخرين واستغلال العالم. ومع الستينيات، ومع فقدان الإنسان الغربي مقدراته العسكرية وظهور مراكز أخرى في العالم واختفاء المركزية الغربية، بدأت الرؤية العلمانية الإمبريالية تأخذ شكلاً جديداً في عصر ما بعد الحداثة والسيولة الشاملة وهي إنكار المركز تماماً وإعلان انتهاء التاريخ وانتهاء الإنسان واختفاء أية مرجعية، ومن ثم ظهر فكر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد.
النظام العالمى الجديد
«النظام العالمي الجديد» مصطلح استخدمه الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطاب وجهه إلى الأمة الأمريكية بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج (بعد أسبوع واحد من نشوب الأزمة في أغسطس١٩٩٠) . وفي معرض حديثه عن هذا القرار، تحدث عن فكرة «عصر جديد» ، و «حقبة للحرية» ، و «زمن للسلام لكل الشعوب» . وبعد ذلك بأقل من شهر (في ١١ سبتمبر ١٩٩٠) ، أشار إلى إقامة «نظام عالمي جديد» يكون "متحرراً من الإرهاب، فعالاً في البحث عن العدل، وأكثر أمناً في طلب السلام؛ عصر تستطيع فيه كل أمم العالم، غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، أن تنعم بالرخاء وتعيش في تناغم".
стр. 705
وكلمة «نظام» هى ترجمة لكلمة «أوردر order» الإنجليزية المشتقة من الكلمة اللاتينية «أوردو ordo» بمعنى «خط مستقيم ونظام» . والكلمة مبهمة للغاية، فهي تعني مثلاً «الترتيب المنظم والمتواتر» ، و «هرم السلطة والقوة الذي يتم بمقتضاه تطبيق وفرض أحكام بعينها» ، و «الالتزام بالقانون» ، و «الدرجة أو الطبقة أو المرتبة» ، و «الطلب» ، و «ضرب أو نوع أو طراز» . ولكن الكلمة أيضاً مرادفة لكلمة «مثود method» و «سيستيم system» (كما في عبارة «ذي أوردر أوف نيتشر the order of nature» أو «ذي أوردر أوف ثنجز the order of things» بمعنى «نظام الطبيعة» (أو «سنن الطبيعة» في المصطلح الإسلامي) ، فالكلمة تشير من ثم إلى مجموعة من القوانين والمفاهيم (والسنن) التي تتسم بقدر معقول من الثبات عبر مرحلة زمنية طويلة نسبياً، يتحرك الواقع بمقتضاها ولا يمكن فهمها بدونه، فهي مصدر هوية النظام (جوهره) وتعبير عنها في آن واحد. ولذا، فإن جوهر النظام العالمي هو مجموعة القوانين والقيم الكامنة التي تفسر حركة هذا النظام وسلوك القائمين عليه وأولوياتهم واختياراتهم وتوقعاتهم.
стр. 706
يقول دعاة النظام العالمي الجديد إن ما يدعو إليه النظام هو شكل من أشكال تبسيط العلاقات وتجاوز العُقد التاريخية والنفسية والنظر للعالم باعتباره وحدة متجانسة واحدة. والنظام العالمي الجديد، حسب رؤيتهم، هو نظام رشيد يضم العالم بأسره، فلم يَعُد هناك انفصال أو انقطاع بين المصلحة الوطنية والمصالح الدولية وبين الداخل والخارج. وهو يحاول أن يضمن الاستقرار والعدل للجميع (بما فى ذلك المجتمعات الصغيرة) ، ويضمن حقوق الإنسان للأفراد، وهو سينجز ذلك من خلال مؤسسات دولية (رشيدة) مثل هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية والبنك الدولي وقوات الطوارئ الدولية. وبإمكان كل الدول أن تستفيد من الخبرة الدولية في إدارة شئون الداخل وتكييفه مع النظام العالمي الجديد. وسيتم كل هذا فى إطار ما يُقال له «الشرعية الدولية» التي تستند إلى هذه الرؤية، وإلى المقدرة على تحويلها إلى إجراءات، تماماً كما حدث فى حرب الخليج حينما تم صد العدوان العراقى على الكويت. والنظام العالمي الجديد لا يخلو من التناقضات، ولكنها تناقضات (حسب رأيهم) يمكن حسمها دون حاجة إلى الصراعات العسكرية إذ أن ثمة إجراءات رشيدة يمكن من خلالها حل كل التناقضات. وهو نظام يدعو إلى تطبيق المُثُل الديموقراطية حيث يخضع كل شيء لما يُسمَّى «أخلاقيات الإجراءات» ، أي الاتفاق على قوانين اللعبة وإجراءاتها دون الانشغال بالماهية أو بالأهداف. وعلى كل يرى دعاة النظام العالمي الجديد أن اللواء قد انعقد أخيراً لأخلاقيات الديموقراطية الليبرالية، بتأكيدها على دور المؤسسات وحقوق الإنسان وسيادة القانون داخل الدول وفي النظام العالمي ككل.
стр. 707
والعالم من منظور دعاة النظام العالمي الجديد في حالة حركة دائمة (وكما قال أحد دعاة النظام "الإنسان لا ينزل النهر نفسه مرتين"، وقد نسب هذا القول لأفلاطون المسكين صاحب الفكر المثالي لا لهيراقليطس صاحب الفكر المادي) ثم استطرد قائلاً: "المرحلة الحالية في النظام العالمي لا تتشكل من منظور أيديولوجي مسبق لأنها تمثل تطوراً لم يتوقعه علماء السياسة الدولية، حتى أن القواعد الثابتة في التسابق الدولي ـ مثل الاستحواذ على عنصر التفوق أو المحافظة على ميزان القوى ـ قد تغيَّر مضمونها ومحتواها". و"المسرح الدولي يتغيَّر في أولويات اهتمامه وفي القيم التي يطرحها وفي أسلوب التعامل الدولي وفي دور القواعد السياسية ووسائل الاتصال في اتخاذ القرارات". و"بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تزامن ذلك مع انتخابها لإدارة جديدة وقيادة جديدة تعبِّر عن الوعي الذي تبلور جماهيرياً و [تحاول] بلورة ردود على التساؤلات الجديدة التي طرحت واقعياً وفعلياً في مشاكل مستجدة على المسرح العالمي"، أي أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تغيَّرت وتغيَّرت رؤيتها. وهكذا تغيَّر النظام الإمبريالي القديم، المبني على توازن القوى والرعب الذي يصدر عن المنظومة الداروينية، أصبح دون مقدمات نظاماً عادلاً يدعو إلى الديموقراطية (رغم أنه كان يدك القرى في فيتنام منذ عدة سنوات، ولا يزال ينظر للجرافات الإسرائيلية بإعجاب شديد) .
ثم يتوجه كاتبنا إلى العرب معلقاً على هذا العالم المتحرك الخالي من المثاليات بقوله: "وعلى العرب أن يعلموا أنهم لا يعيشون أبداً في العصر نفسه، ولا يخضعون دوماً للثوابت نفسها. ولا يمكن أن يظلوا دون خلق الله جميعاً ينكرون ما يجري ويدور في عالمنا، متجاهلين التاريخ والجغرافيا وما يحدث فيهما من تغيير"، وهكذا أصبح النظام العالمي الجديد من سنن الحياة أو جزءاً من النظام الطبيعي.
стр. 708
ويرى دعاة هذا النظام أن بوسعه أن يحقق قدراً معقولاً من النجاح بسبب وسائل الإعلام الغربية (العالمية على حد قولهم) التى حوَّلت العالم (كما يظنون) إلى قرية صغيرة. فتدفُّق المعلومات يجعل المعلومات متاحة للجميع، الأمر الذي يحقق قدراً كبيراً من الانفتاح فى العالم وقدراً كبيراًمن ديموقراطية القرار. وقد أدَّى انهيار المنظومة الاشتراكية والتلاقي (كونفيرجنس convergence) بين المجتمعات الغربية الصناعية، واختفاء الخلاف الأيديولوجي الأساسي فى العالم الغربي، إلى تقوية الإحساس بأن ثمة نظاماً عالمياً جديداً وإلى أنه لم تعد هناك خلافات أيديولوجية تستعصي على الحل.
ويرى المدافعون عن هذا النظام أن الخطر الذى يتهدد الأمن لا يأتي من الخارج وإنما من الداخل، من قوى تقف ضد الديموقراطية وضد تأسيس المجتمع على أسس اقتصادية وعلى أسس التكيف مع النظام العالمي. هذه القوى هى التى تجر الداخل القومي إلى صراع مع الخارج الدولي بدعوى الدفاع عن الكرامة أو الاستقلالية أو الشخصية القومية أو الرغبة فى التنمية المستقلة. وهى تكلف الداخل ثمناً فادحاً. ومن المنطقي أن يتصوَّر المبشرون بهذا النظام أن القيادة فيه لابد أن تكون للقوة الاقتصادية العظمى، أى للمجتمع الصناعى الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي، فإن الدول كلها يجب أن تنضوي تحت هذه القيادة. وثمة افتراض كامن بأن المجتمع الأمريكي (الذى يفترض أن الدافع الأساسي فى سلوك البشر هو الدافع الاقتصادي) لابد أن يصبح القدوة والمثل الأعلى.
стр. 709
هذا الكلام البسيط الجميل لابد أن تكون وراءه رؤية معرفية كاملة، فهذه هي طبيعة الخطاب الإنساني. وهنا قد يتعلل دعاة النظام العالمي الجديد بأنهم «عصريون نسبيون» لا يميلون إلى إطلاق التعميمات، ولا يؤمنون بأىة قيم ثابة أو مطلقات، ولا يتوجهون إلى الأسئلة المعرفية الكلية ولا يعترفون بوجود كليات، فكيف يمكن أن تُحدَّد أبعاده المعرفية النهائية إذن؟. وقد يقولون: "إننا دخلنا عصر ما بعد الأيديولوجيا وما بعد الحداثة وما بعد التاريخ بل ما بعد الإنسان؛ عصر الما بعديات السائلة التى تحل محل الماقبليات الجامدة المطلقة، فثمة سيولة فكرية في الفكر الحديث تتناقض بطبيعتها مع فكرة النسق الفكري المتكامل والقيم الكلية".
وهذا إلى حدٍّ كبير صحيح، فثمة سيولة لا يمكن إنكارها. ومع هذا، تظل عبارة «النظام العالمي الجديد» دالاً يشير إلى مدلول. إذ أننا، رغم سيولته، نراه من الخارج ونسمع صوته ونرصد حركته (التى تترك أثرها علينا وعلى عالمنا) ونرى أن ثمة منظومة معرفية قيمية متكاملة كامنة وراء هذا النظام الشامل السائل، شأنه فى هذا شأن أي نظام آخر، منظومة تتجاوز ادعاءاته وديباجاته واعتذارياته. بل قد تكون حالة السيولة هذه وادعاء أن الدال ليس له علاقة قوية بأية مدلولات أو كليات هي أيديولوجيا هذا النظام، أي من الممكن أن يكون إنكار كل القيم هو قيمته الكبرى والنهائية، وتأكيد النسبية المعرفية والأخلاقية هي قيمته المعرفية والأخلاقية الكبرى والنهائية، وتأكيد أن العالم في حركة دائمة هو قانونه الثابت.
وفي محاولة معرفة هوية هذا النظام لابد أن نقرر ابتداءً أن هذا النظام (شأنه شأن أي نظام إنساني) لم يولد من العدم اللاتاريخي وإنما داخل التشكيل الحضاري والسياسي الغربي، ويحمل معالم هذا التشكيل، وهو نظام يدور في إطار العلمانية الشاملة (والحلولية الكمونية المادية) في إطار مرحلتيها الصلبة والسائلة.
стр. 710
وقد لاحظنا أن الواحدية الإنسانية، في غياب المرجعيات المتجاوزة، تنحدر لتصبح واحدية إمبريالية عنصرية إذ يصبح أحد الشعوب هو الأنا المقدَّسة (السوبرمان) التي ترى بقية البشر (السبمان) والطبيعة/المادة باعتبارهما مادة محضة يمكن هزيمتها وتوظيفها وحوسلتها. وقد أعلن الإنسان الغربي في عصر نهضته أنه هو الأنا المقدَّسة وأن العالم قد انقسم ببساطة إلى الأنا والآخر، والقوي والضعيف، الغازي والمغزو، المسلح والأعزل، الغرب وبقية العالم (بالإنجليزية: ذا وست آند ذا رست the west and the rest) .
стр. 711
في هذا الإطار المعرفي وُلد ما يُسمَّى «النظام العالمي» ، فالعالم لم يعرف نظماً دولية أو عالمية إلا بعد الثورة الصناعية وظهور التشكيل الإمبريالي الغربي بشقيه الاستعماري الاستيطاني والاستعماري العسكري. فقبل ذلك التاريخ، كان من الممكن أن تنشأ إمبراطورية فى الصين وأخرى في الهند ثم تختفي دون أن تترك أثراً يذكر على سكان أوربا، على سبيل المثال، إلا بشكل غير مباشر وغير محسوس لمن يقع عليه التأثير. وكانت أجزاء من الكرة الأرضية، مثل الأمريكتين وأستراليا ونيوزلندا، غير معروفة للعالم القديم. ولذا، كانت تظهر في الأمريكتين إمبراطوريات على درجة كبيرة من التركيب ولكنها مع هذا لا علاقة لها ببقية العالم. وكان يمكن أن يحدث اشتباك بين حضارتين أو أكثر (حروب الغرب مع الشرق الإسلامي المعروفة بحروب الفرنجة ـ الاجتياح التتري للعالم الغربي ولشرق أوربا) ، ولكنه كان يظل اشتباكاً ثنائياً أو تلاقياً غير عالمي. أما فى عصر النهضة الغربية، فقد بدأ الإنسان الغربي يتسلل تدريجياً إلى أرجاء المعمورة ويستولي عليها، وبدأ يؤسس جيوباً استيطانية في بعض الأماكن. وقد استمرت هذه العملية إلى أن تحوَّل العالم بأسره إلى ساحة لنشاطه، خاضعة لهيمنته، تتبع قوانينه. ولذا، يمكن القول بقدرٍ كبير من اليقين أن النظام العالمي الجديد يضرب بجذوره فى التشكيل الإمبريالى الغربي، وأن معالمه بدأت تتحدَّد مع منتصف القرن التاسع عشر حينما بدأ هذا التشكيل يعى ذاته كحركة مسرحها العالم بأسره، وحينما أدرك ضرورة أن يقسم العالم وأن يتحوَّل إلى مادة استعمالية: مصدر للموارد الطبيعية ـ مصدر للطاقة العضلية الرخيصة ـ سوق تباع فيه السلع ـ حيز يمكن أن تُصدَّر له المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسكانية الخاصة بأوربا. هذا يعني أن النظام الإمبريالي نظام عالمي (بمعنى أن مسرحه العالم) ولكنه نظام مغلق تم إغلاقه حتى يتسنَّى لصاحب النظام ومؤسسه أن يعظِّم من
стр. 712
استغلاله للعالم باعتباره مادة واحدة. وتظهر العالمية المنغلقة لهذا النظام فى المواجهة التي تمت مع محمد علي، أول من حاول تحديه حين حاول أن يدخل مصر والعالم العربي إلى العصر الحديث حسب شروطه، مع الاحتفاظ بمنظومة معرفية وقيمية مستقلة. بل حاول أن يبعث العافية فى أوصال رجل أوربا المريض أو الرجل العثماني المسلم الذى كانت أوربا تراقب مرضه باهتمام شديد حتى يمكنها تقطيع أوصاله واقتسامه ضمن ما اقتسمت فى العالم. وبالفعل، ضُرب محمد علي وبشراسة من قبل أعدائه وأصدقائه الغربيين وتم تقطيع أوصال الدولة العثمانية (وهى عملية لا تزال مستمرة فى البوسنة والهرسك وكوسوفو) ، وتم اقتسام العالم مع الحرب العالمية الأولى، وتحقق النظام المغلق وأصبح واقعاً عالمياً فى عصرنا الحديث.
стр. 713
ومنذ أن قام هذا النظام العالمي باقتسام العالم، بدأ يصول ويجول، وبدلاً من أن ينشر الاستنارة والعدل، انغمس فى عمليات إبادة منهجية رشيدة لم يعرفها تاريخ البشر من قبل (إبادة سكان الأمريكتين) ، وفي عمليات ترانسفير (نقل السود من أفريقيا إلى الأمريكتين، ونقل العناصر البشرية غير المرغوب فيها مثل المجرمين واليهود والفائض البشري والثوريين والفاسدين اجتماعياً إلى جيوب استيطانية) . وقد خاض هذا النظام العالمي في الصين، حرب الأفيون الأولى ثم حرب الأفيون الثانية حتى يحقق أرباحاً اقتصادية ضخمة. وقام بنهب ثروات الشعوب بشكل منظَّم لم يعرف له التاريخ مثيلاً. ومع ظهور حركات التحرر الوطني فى المستعمرات، ابتداءً من الأربعينيات، قام النظام الإمبريالي العالمي بضربها بعنف شديد، ثم حاول فى الخمسينيات الالتفاف حولها بأن منح المستعمرات استقلالاً اسمياً وأسس نظماً سياسية عميلة مستعدة لأن تعطيه امتيازات يفوق عائدها ما كان يحصل عليه من الاستعمار العسكري المباشر. إن تاريخ النظام العالمي هو تاريخ النظام الصناعي العسكري الإمبريالي الغربي الذي حول العالم إلى مصدر للطاقة الطبيعية والبشرية الرخيصة وإلى سوق لبضائعه، ورغم تغير الأشكال (الاستعمار الاستيطاني الإحلالي ـ الاستعمار الاستيطاني المبني على التفرقة اللونية - الكولونيالية ـ الإمبريالية ـ الاستعمار الجديد) فإنه نظام عالمي واحد يحاول أن يفرض بالقوة حالة التفاوت بين الشعوب والأمم.
стр. 714
قام هذا النظام الإمبريالي العالمي بغرس كل أنواع الاستعمار فى عالمنا العربي (الاستعمار العسكري فى مصر والسودان وليبيا والمغرب وتونس والصومال والعراق وجيبوتي وسوريا ولبنان وإريتريا ـ الاستعمار الاستيطاني فى الجزائر ـ الاستعمار الاستيطاني الإحلالي فى فلسطين) ، وقام بنهب هذه المنطقة إما مباشرة إبان فترة الاستعمار العسكري المباشر أو من خلال التحكم فى أسعار المواد الخام (وخصوصاً البترول) وعن طريق بيع أسلحة ببلايين الدولارات لنظم يضمن هو بقاءها فى الحكم ويعلم جيداً أنها غير قادرة على استخدام هذا السلاح، كما أثبتت الخبرة التاريخية (التي يريدنا أن ننساها) .
стр. 715
وتتضح هوية هذا النظام العالمي الإمبريالي المغلق فى ظهور الفلسفات العنصرية والداروينية والنيتشوية التي تقسم العالم وبحدة إلى الأنا والآخر، وتجعل الذات القومية هي المعيار الوحيد للحكم، وتجعل الغرب هو المركز، وتجعل الإنسان الأبيض هو صاحب المشروع الحضاري الوحيد الجدير بالاحترام والبقاء، ومن هنا عبء الرجل الأبيض الشهير، فهو وحده القادر على اختيار الطريق الصحيح، أما الآخر فهو عاجز ضال. وفي هذا الإطار، ظهرت الفاشية والنازية ثم الصهيونية ـ وهي دعوة لحل مشاكل أوربا (المسألة اليهودية) عن طريق تصديرها للشرق. فحينما كان هرتزل يتحدث عن إنشاء دولة يهودية يضمنها "القانون الدولى العام" فإنه كان يعني "القانون الغربي الاستعماري" الذى يتحكم فى العالم ويقسمه حسب رؤيته ومشيئته. ثم صدر وعد بلفور في هذا الإطار، إذ أعطت بريطانيا الحق لنفسها في أن تمنح أرض فلسطين للفائض البشري اليهودي فى الغرب وأن تنقل من فلسطين سكانها الأصليين (تمت الإشارة إليهم باعتبارهم العناصر «غير اليهودية» ، أي «غير الغربية» ، ومن ثم فهم يقعون خارج نطاق الحقوق والمسئوليات) . ثم قام النظام العالمي من خلال عصبة الأمم بوضع فلسطين تحت الانتداب لضمان تنفيذ هذا المشروع الاستيطاني الإحلالي، ثم قام النظام العالمي مرة أخرى من خلال هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين ومنح الوجود الصهيوني شرعية مستمدة من شرعيته الدولية هذه. ثم استمر النظام العالمي، متمثلاً فى شقيه الرأسمالي والاشتراكي، بالاعتراف بالدولة الصهيونية ودعمها إما بشرياً (عن طريق نقل المادة البشرية من شرق أوربا) أو مالياً وعسكرياً (عن طريق الدعم المالي والعسكري من غرب أوربا والولايات المتحدة) وهو دعم ظل يتزايد فى حجمه ونوعه يوماً بعد يوم حتى وصل إلى التحالف الإستراتيجي المعلن بين إسرائيل والولايات المتحدة، مؤكداً بذلك أن الغرب صاحب النظام العالمي هو المهيمن على العالم، وأن العالم
стр. 716
هو المسرح، وأن الجنس البشري هو المادة التى وظَّفها لصالحه.
هذه رؤية ثنائية حادة تنكر تاريخ الآخر وإنسانيته ولا تقبله إلا كمادة استعمالية. وقد تكررت ممارسات النظام الإمبريالي الدولي القديم بأشكال تتراوح بين درجات مختلفة من الحدة والتبلور في أنحاء آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ولكن النظام الإمبريالي، شأنه شأن أي نظام حلولي كموني مادي، ينتقل من الصلابة إلى السيولة. وفي هذا الإطار لا يمكن أن تظهر أنا مقدَّسة أو غير مقدَّسة، فكل شيء نسبي لا يعرف الثنائية أو التجاوز.
وقد تبدت المرحلة السائلة في تحولات النظام العالمي القديم إذ حدثت تطورات تاريخية عميقة لا تشكل لحظة إفاقة أخلاقية تاريخية (وكيف يمكن أن نتوقع هذا من حضارة مؤسسة على أساس القانون الطبيعي والفلسفة النيتشوية والداروينية؟) وإنما تشكل لحظة إدراك ذكية من جانب الغرب لموازين القوى.
ونحن نلخص أسباب ظهور النظام العالمي الجديد فيما يلي:
١ ـ أدرك الغرب عمق أزمته العسكرية والثقافية والاقتصادية، وأحس بالتفكك الداخلي وبعجزه عن فرض سياساته بالقوة.
٢ ـ أدرك الغرب استحالة المواجهة العسكرية والثقافية والاقتصادية مع دول العالم الثالث التي أصبحت جماهيرها أكثر صحواً ونُخَبها أكثر حركية وصقلاً وفهماً لقواعد اللعبة الدولية.
٣ ـ أدرك الغرب أنه على الرغم من هذه الصحوة، فإن ثمة عوامل تفكك بدأت تظهر في دول العالم الثالث، حيث ظهرت نخب محلية مستوعبة تماماً في المنظومة القيمية والمعرفية والاستهلاكية الغربية يمكنه أن يتعاون معها ويجندها، وهي نُخَب يمكن أن تحقق له من خلال السلام والاستسلام ما فشل في تحقيقه من خلال الغزو العسكري.
стр. 717
لكل هذا قرَّر الغرب أن يلجأ للالتفاف بدلاً من المواجهة، وبذا يستطيع حل إشكالية عجزه عن المواجهة ويتخلى عن مركزيته الواضحة وهيمنته المعلنة ليحل محلها هيمنة بنيوية تغطيها ديباجات العدل والسلام والديموقراطية التي ينقلها البعض بببغائية مذهلة.
ويمكن أن نتعامل بشيء من التفصيل مع التغيرات العالمية التي تشكل إطاراً لظهور النظام العالمي الجديد:
١ ـ على المستوى العسكري:
أ) أدَّت مرحلة الحرب الباردة بين الدولتين العظميين إلى إرهاق متبادل لهما نتيجة الدخول في سباق للتسلح لا نهاية له، وخصوصاً أن تطوير تكنولوجيا السلاح أصبحت مسألة مكلفة للطرفين بشكل لا يطيقه أيٌّ منهما. وعلى الرغم من "انتصار" الولايات المتحدة، فإن النزيف قد أثَّر فيها. وقد أصبحت الحروب الحديثة أمراً مكلفاً للغاية يتطلب تمويلاً ضخماً يصعب على أي دولة (بما في ذلك الولايات المتحدة) أن تقوم به، وخصوصاً أن ثمة أزمة اقتصادية عالمية تجعل من الصعب على الشعوب الغربية القبول بتخصيص اعتمادات عسكرية كبيرة في وقت تقوم به كثير من الدول الغربية بتصفية مؤسسات الرفاه الاجتماعي.
стр. 718
ب) تراجعت القدرات العسكرية للاستعمار الغربي بسبب تصاعد معدلات العلمنة والتوجه الحاد للإنسان الغربي نحو المنفعة الشخصية واللذة المباشرة التي لا يمكن إرضاؤها إلا بالإشباع الفوري، وقد أدَّى هذا إلى انخفاض الروح النضالية لدى الإنسان الغربي وإلى ارتفاع تكاليف الحملات العسكرية. وقد صرح المتحدثون باسم المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن إمكانياتها قد أجهدت تماماً أثناء العمليتين المتزامنتين لإنزال الجنود الأمريكيين في كلٍّ من جرانادا ولبنان، رغم صغر حجم العمليتين، بسبب تضخم قطاع الخدمات في القوات المسلحة (تماماً كما يحدث في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة) ، إذ يتطلب إنزال جندي أمريكي واحد خدمات عدة جنود يصل عددهم أحياناً إلى عشرة، وهو ما يعني أن إنزال عشرة آلاف جندي يشغل ما بين ٥٠ و١٠٠ ألف جندي آخر (وقد كانت حرب الخليج خليطاً من المأساة والملهاة في هذا المضمار بسبب معدل الرفاهية العالي) .
جـ) تراجعت الهيمنة العسكرية الغربية بسبب ظهور دول لها قوة عسكرية ضاربة وقوة نووية غير خاضعة للهيمنة الغربية مثل كوريا الشمالية والصين (وربما باكستان) .
د) أدرك الغرب في الوقت نفسه عبث المواجهة العسكرية مع القوى المجاهدة غير الرسمية، وخصوصاً بعد تجربته المريرة في فيتنام (وتجربة الانتفاضة المستمرة وتجربة أفغانستان الناجحة) .
هـ) ظهور أسلحة دمار رخيصة مثل الصواريخ ذات الرؤوس الميكروبية (قنبلة الفقراء النووية على حد قول أحد المعلقين) . بل أثبتت حرب أفغانستان مقدرة الجماعات الفدائية على الحصول على أسلحة ذات مقدرة تدميرية عالية لا يحتاج استخدامها إلى متخصصين ولا دورات تدريبية.
٢ ـ على المستوى الثقافي:
стр. 719
أ) تراجعت المركزية الغربية على المستوى الثقافي بسبب ظهور كتلة العالم الثالث، وظهور حركات بعث قومي فيها بسبب تزايد الوعي بالذات الثقافية، وبسبب أزمة الغرب الذي لم يعد نموذجاً جذاباً ناجحاً كما كان في الستينيات. ومما ساعد على ذلك ظهور أقليات ثقافية إثنية داخل العالم الغربي ذاته لا تقبل الهيمنة الثقافية الغربية أو مركزيته الثقافية.
ب) وقد حدث هذا في وقت تمر فيه الحضارة الغربية بمرحلة أزمة عميقة، فلم يعد الغرب واثقاً تماماً من نفسه كما كان الأمر من قبل، وذلك مع تفشي النسبية الثقافية وظهور مراكز اقتصادية عسكرية وثقافية أخرى في العالم، ومع تفاقم الأزمة الاجتماعية في الداخل (الجريمة ـ تفكك الأسرة ـ الأيدز ـ المخدرات ـ الإباحية) . ولذا، لم يَعُد قادة العالم الغربي قادرين على الحديث عن تفوق الجنس الأبيض (كما كان عهدهم في الماضي القريب) .
جـ) مع هذا، لاحظ الغرب أن ثورة المعلومات والنظام الإعلامي الجديد، بأفلامه وكتبه ومرئياته ومراكز بحوثه، يتيحان مقدرة هائلة على الاختراق تساعد على نقل المنظومة القيمية الغربية إلى كل أرجاء العالم بعد أن كانت محصورة إلى حدٍّ كبير في الغرب.
стр. 720
د) أدرك الغرب أنه ظهر في العالم الثالث نخب محلية تنتمي اسماً إلى شعوبها ولكنها تنتمي فعلاً من ناحية الرؤية والتطلعات والأحلام وأسلوب الحياة إلى العالم الغربي. ومن المُلاحَظ أن تصاعد الوعي القومي صاحبه أيضاً تصاعد في معدلات العلمنة والترشيد والأمركة في كل أنحاء العالم، وتم اختراق كثير من أعضاء النخب الثقافية، كما تم الاستيلاء على أبنائهم وبدأ الحلم الأمريكي يتسرب إلى قطاع لا بأس به من الجماهير. وهذا ما يشير إليه البعض بظاهرة الكوكلة (نسبة إلى الكوكاكولا) أو الكوكاكولانية بدلاً من الكولونيالية ـ والكوكاكولانية هي اختراق المنظومة القيمية الغربية لأحلام الناس وعقولهم من خلال برامج التليفزيون (على سبيل المثال) دون اللجوء إلى القوات العسكرية. وقد ساهمت ثورة المعلومات في هذه العملية.
٣ ـ على المستوى الاقتصادي:
أ) تواجه الولايات المتحدة (قائدة العالم الغربي) مشاكل المديونية وعجز الميزان التجاري. فالدين الأمريكي يزيد على ٣ تريليون دولار، وانخفضت حصة الناتج القومي الإجمالي الأمريكي من الناتج العالمي إلى الثلث. ويتنبأ بعض الاقتصاديين بأن الولايات المتحدة، التي أضعفها عقدان من الركود، ستصبح بحلول عام ٢٠٠٠ ثالث قوة اقتصادية بعد أوربا واليابان اللتين سوف تتفوقان على أمريكا من حيث الناتج القومي الإجمالي وحجم الاستثمارات في الخارج وحجم الصادرات.
ب) حدث هذا في وقت بدأت تظهر فيه مراكز اقتصادية غير غربية تطور نفسها خارج شبكة الهيمنة الغربية مثل اليابان والصين وماليزيا وغيرها.
стр. 721
جـ) لاحظ الغرب أن كثيراً من دول العالم الثالث أصبحت واعية بمصالحها الاقتصادية وبآليات السوق المحلية وكيفية السيطرة عليها وبآليات إدارة الحكومة والاستثمار في الداخل والخارج، وأصبح لدى كثير من حكومات العالم الثالث خبرات محلية ومستوردة تجعل عملية النهب الاستعماري القديمة (التي بدأت باستبدال المرايات بالأراضي) صعبة بل مستحيلة.
د) أدَّى تطور الاقتصاد الغربي وتمدد السوق الغربية إلى ظهور ما يشبه الاقتصاد الدولي (وهو اقتصاد غربي ساحته كل الدول) وظهرت الشركات عابرة القارات التي تحمل رأس المال الغربي في كل مكان وأي مكان، بحيث يتبعها أعداد هائلة من الموظفين والمستفيدين، وهي تحمل معها أنماط الاستهلاك الغربية والسوق باعتبارها كياناً آلياً يتطلب تنميط الآخر.
هـ) لاحظ الإنسان الغربي أن ثمة قضايا جديدة لا يمكن مواجهتها إلا في إطار عالمي، وهو ما يتطلب التعامل مع حكومات العالم الثالث. فثمن التقدم لم يعد مجرد تلويث نهر أو إصابة مجموعة من الناس بداء الكبد (مثلاً) ، حيث بدأنا نسمع الآن عن ظواهر ذات طابع كوني مثل ثقوب الأوزون وسخونة الغلاف الجوي. وفي عصر الإمبريالية الغربية، كان الإنسان الغربي يُصدِّر للشرق فواتير التقدم وينساها، أما الآن فإن ثقوب الأوزون لا تعرف الفرق بين الشرق والغرب وتذكره بالدمار الذي يحيط بالجنس البشري.
стр. 722
و) _ وإذا أخذنا انتشار المخدرات باعتباره إحدى النتائج السلبية للتقدم، فإن هذا يعني أنها هي الأخرى تساهم في عملية تدويل العالم. وفي القرن الماضي، كان الاستعمار الإنجليزي يدخل حرب الأفيون الأولى والثانية ليفرض على سكان الصين تناول الأفيون بقوة السلاح ويحقق الربح لنفسه. ومع هذا، كان المجتمع الإنجليزي يستمر في الحفاظ على أخلاقياته الفكتورية المحافظة. وحتى في الستينيات، كانت الشرطة الأمريكية لا تمانع كثيراً في وجود المخدرات في حي هارلم الأسود في نيويورك، وكان هذا يُعَد شكلاً من أشكال الضبط الاجتماعي. أما الآن، فإن كارتل إسكوبار في كولومبيا، وكذلك المثلث الذهبي، تمتد أياديهم لتصل إلى أولاد الطبقة المتوسطة البيضاء في نيويورك ولندن وضواحيهما! والمخدرات التي تزرع في منطقة الإشعاع النووي في تشرنوبيل (ولذا فهي تنمو بسرعة سرطانية) تجد طريقها إلى كل أرجاء المعمورة!
إن ما حدث ليس اختفاء العالم ذي القطبين والتلاقي الأيديولوجي بين القوى العظمى المتصارعة (روسيا ـ اليابان ـ العالم الغربي) وإنما هو أيضاً تراجع المركزية الغربية وظهور مراكز عديدة تتفاوت قوةً وضعفاً وإدراك الغرب لذلك، وإدراكه أيضاً لمواطن الضعف في القوى المقاومة له. كل هذا أدَّى إلى أن يتبنَّى الغرب إستراتيجية جديدة: الاستعمار العالمي الجديد الذي يلجأ للإغواء بدلاً من القمع. فالآلية الأساسية للقسر، أي سحق إرادة الشعوب، أصبحت مكلفة للغاية إن لم تكن مستحيلة تماماً.
стр. 723
وآليات الإغواء عديدة من بينها إيهام الآخر، أي أعضاء النخب المحلية الحاكمة التي تم تغريبها، بأنه شريك مع الاستعمار الغربي في عمليات الاستثمار، بل شريك (صغير) في عمليات نهب الشعوب ويستفيد منها. ويواكب هذا عملية إفساد ورشوة لأعضاء هذه النخب. بل إن الشعب نفسه يتم إغواؤه إما عن طريق وسائل الإعلام "العالمية" وبيع أحلام الاستهلاك الوردية الفردوسية، أو عن طريق النخب المحلية. وتُصعَّد في الوقت نفسه عمليات فتح الحدود وتفكيك الدولة القومية (باعتبارها إطاراً لتجميع القوى الشعبية المختلفة ضد الإمبريالية أو ضد الهيمنة الغربية) وذلك عن طريق المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية وإثارة الأقليات وإثارة مشاكل الحدود ... إلخ، وتفكيك الأسرة باعتبارها الملجأ الأساسي والأخير للإنسان والحيز الذي يحقق المجتمع داخله استمرارية الهوية والمنظومة القيمية (وتتكفل جماعات التمركز حول الأنثى «فيمينزم Feminism» وجماعات الدفاع عن الإباحية باعتبارها شكلاً من أشكال "الإبداع"، بهذا الجانب من عملية التفكيك) .
ويذهب أحد الكُتَّاب العرب إلى تحديد ملامح العالم في إطار النظام العالمي الجديد على النحو التالي:
١ ـ سيعتمد هذا النظام في أساسه على قيام تكتلات إقليمية متنافسة ولكن غير متصارعة تحاول أن تفرض على العالم وضعاً يتفق ومصالحها.
٢ ـ سيستمر التباين في مستويات الحياة بين الدول الغنية المسيطرة من جهة والدول الفقيرة المستغَلة من جهة أخرى. ويلاحَظ الآن أن نحو ٢٠% من سكان هذا العالم يسيطرون وينعمون بنحو ٨٠% من مصادر الثروة فيه.
٣ ـ النمط الاقتصادي السائد يقوم في أساسه على السوق العالمية، وهو ما يجعل تراكم الثروات منسلخاً عن العمل والإنتاج مرتبطاً بالمضاربات المالية التي تتحكم فيها الشركات الكبرى بحماية دولية.
стр. 724
٤ ـ ستُصدِّر الصناعات الملوثة للبيئة للدول الفقيرة وتظل تحت السيطرة الغربية، مع اهتمام دول الغرب بإدارة الجانب الزراعي في بلادها.
٥ ـ ستحاول أمريكا والغرب، ومن خلال المؤسسات الدولية، فرض وضع اقتصادي سياسي من خلال الهيمنة العسكرية وإنشاء الشرعية الدولية والتستر بها لغرض الهيمنة على الآخرين بالقوة وتبرير التدخل في الشئون الداخلية للأمم الأخرى.
تناولنا، حتى الآن، رؤية النظام العالمي للتاريخ وتاريخه وأسباب تحوُّله وآلياته الجديدة، وهي رؤية تضمر عدم اكتراث بالإنسان. ويمكننا الآن أن نركز على هذا الجانب، أي رؤية النظام العالمي الجديد للإنسان. فالنظام العالمي الجديد، كما أسلفنا، هو امتداد للنظام العالمي القديم، ومن ثم فهو تعبير جديد عن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي تذهب إلى أن العالم مادة والإنسان أيضاً مادة لا يختلف عن بقية العالم، وهذه المادة مادة استعمالية بالدرجة الأولى، فالإنسان حيوان اقتصادي تماماً وما يحركه هو الدوافع الاقتصادية، وهي أيضاً المحرك الأكبر للمجتمعات البشرية. ولذا، فإن المصالح الاقتصادية (الحديثة، العلمانية الشاملة، التي لا تتجاوز عالم المادة ولا تصل أبداً إلى عالم التطلعات والأشواق والإنسان المركب التاريخي) هي المحرك الأول والأخير والمرجعية النهائية. والتحالفات السياسية في الوقت الحاضر لا تستند إلى الأيديولوجيا وإنما إلى المصالح الاقتصادية، والصراع لا يتم بشأن المبادئ وإنما يتم بشأن المصالح. وثمة تلاق بين الأمن القومي والمصلحة الاقتصادية، وبالتالي يمكن حصر الخلافات بين الدول وتحديدها والتعامل معها بشكل رشيد، فالمصالح (على عكس المبادئ) يمكن حسابها، ويمكن إخضاعها لعمليات رياضية دقيقة. ونفس الشيء يُقال عن الخلافات داخل المجتمع الواحد، فمن الممكن حسمها من خلال العملية الديموقراطية.
стр. 725
وقد كانت المنظومة القيمية الغربية تسري على كل البشر، فالجميع مادة استعمالية. ومع هذا، فإن هناك ثنائية الأنا والآخر الصلبة. وفي داخل هذه المنظومة التي تدور في إطار المرجعية الواحدية المادية، يمكن القول بأن الإنسان الغربي مادة مستعملة (بكسر الميم) أكثر منها مادة استعمالية، أما سكان آسيا وأفريقيا فهم العكس؛ مادة استعمالية أولاً وأخيراً. ولذا، عبَّرت هذه الرؤية عن نفسها في النظام الدولي القديم على هيئة خطاب عنصري يؤكد على التفاوت بين الأجناس كما يؤكد رسالة الرجل الأبيض. ولكن، نظراً للأسباب التي أدرجناها فيما سبق، بدأت منظومة التفاوت في التراجع وظهر بدلاً منها منظومة واحدية مادية سائلة تساوي بين الناس وتسوي بينهم، وأصبح كل البشر مادة متساوية (معرفياً على الأقل) وظهرت الاستهلاكية العالمية بديلاً عن الرأسمالية الرشيدة والاشتراكية العلمية.
стр. 726
وانطلاقاً من ثنائية الأنا والآخر العنصرية الصلبة، كان النظام الإمبريالى القديم يحاول أن يوقف عمليات التحديث فى أى مكان فى العالم حتى يصبح العالم الغربي متقدماً، منتجاً ومستهلكاً، ويصبح العالم الثالث متخلفاً بدائىاً مصدِّراً للمواد الخام والعمالة الرخيصة ومستهلكاً ضعيفاً لبعض بضائع أوربا. أما النظام الإمبريالي الجديد في عصر السيولة (في عصر الاستهلاكية العالمية) ، فيرى أنه من الضروري ترشيد العالم بأسره وتحويله كله إلى حالة المصنع والسوبر ماركت، ولذا لابد أن تتقدَّم شعوب الأرض بالقدر الكافي لتصبح شبه منتجة شبه مستهلكة. فالبدوي فى صحراء نجد والهندي الأحمر فى براري أمريكا والقروي فى الصعيد يشكِّلون عائقاً يقف أمام النظام الإمبريالي الجديد (الاستهلاكية العالمية) ، فهم ليسوا فى حاجة إلى الهامبورجر أو السيارة أو الفيديو، ومن ثم لا يمكن تجويعهم أو حرمانهم أو الضغط عليهم، وبالتالي فهم يشكلون ثغرة فى نظام يشبه الآلة لا يتحمل ثغرات، ويجب أن تكون أجزاؤه جزءاً من الكل الآلي. فمثل هؤلاء الفقراء مستقلون قادرون على الحفاظ على أبنيتهم الثقافية وقيمهم المطلقة وعلى اتزانهم مع الذات ومع الطبيعة، وهذا أمر يهدد النظام العالمي. ولذا، لابد أن "يتقدم" الجميع، حتى يدخل الجميع النظام العالمي، ويتم هذا من خلال بيع الأحلام الوردية عن الرخاء الاقتصادي وتعظيم اللذة (أو الوعد باللذة) والتصعيد المستمر للرغبات الاستهلاكية والجنسية. وهو تصعيد يتم من خلال البث التليفزيوني ووسائل إعلام الداخل والخارج. ولكن يجب أن يتم التقدم، تحت مظلة البنك الدولي وصندوق النقد، داخل إطار النظام العالمي الجديد الذى تحكمه بنية التفاوت والمنظومة القيمية الاستهلاكية. ومن ثم يجب ألا يُسمَح بإدخال التنمية المستقلة، لأنها تحدث ثغرة فى النظام الدولي أيضاً، فقد توقف توسع الشركات متعددة الجنسيات، وقد تعوق التنمية تحت مظلة البنك الدولي.
стр. 727
وأما التنمية فى إطار النظام العالمي الجديد، فإنها ستضمن أن تكون شعوب العالم الثالث نصف منتجة ونصف مستهلكة حتى يستمر اعتمادها المذل على الغرب. ولا شك في أن عمليات تصعيد التوقعات الاستهلاكية، وعملية التسخين (الاستهلاكية الجنسية) التي تتعرض لها شعوب العالم الثالث، ستجعل من المستحيل تحقيق أي تراكم رأسمالي وستبدد الطاقة الثورية أولاً بأول وتختفي الرغبة في السمو وفي الجهاد.
وقد وجدت الاستهلاكية العالمية التي ستحوِّل العالم إلى سوق كبيرة لا يسودها إلا قوانين العرض والطلب، وتعظيم المنفعة (المادية) واللذة (الحسية) ، والتي ستؤدي إلى سيادة حالة المصنع في العالم بأسره، أن من صالحها أن تفتح الحدود، وأن تختفي القيم والمرجعيات تماماً حتى يفقد الجميع أى خصوصية ويصبح بالإمكان تحويلهم إلى آلة إنتاجية استهلاكية وقطع غيار فى الوقت نفسه.
في هذا الإطار تُطرَح سنغافورة باعتبارها المثل الأعلى الذي يُحتذى في السيولة والتراخي، وسنغافورة بلد معقم من التاريخ والذاكرة، فهي شوارع أسفلتية عرضية وأبراج أسمنتية أفقية تشكل مجموعة هائلة من المصانع والمتاجر والملاهي. ولنتخيل بلداً مثل مصر يحاول أن يصبح مثل سنغافورة.
стр. 728
وهكذا تغيَّر النظام الإمبريالي القديم، المبني على توازن القوى والرعب الذي يَصدُر عن المنظومة الداروينية، وأصبح دون مقدمات نظاماً عادلاً يدعو إلى الديموقراطية ولكنه يدعو لأشياء أخرى كذلك مثل السوق الشرق أوسطية التي تنكر تاريخ المنطقة تماماً، ويتحدث عن الشعوب العربية وعن المنطقة. كل هذا يجعلنا ندرك تماماً أن دعوة النظام العالمي الاستهلاكي الجديد للديموقراطية لا تهدف إلى تمكين الجماهير من التحكم في مصيرها، وإنما هي أداته في فتح الحدود وإضعاف الدول القومية المركزية الصغيرة حتى يتسنى له ترشيد البشر وإزالة أية عوائق إنسانية أو أخلاقية، وحتى تصبح كل الأمور متساوية ونسبية ويسود تساو معرفي كامل هو في واقع الأمر عملية تسوية، وتُمحَى كل الثنائيات، فالأجساد مادة والعقول آليات والعالم عقارات والأوطان فنادق، وأما ما ينفع الإنسان الطبيعي فهو الانخراط الرحمي (نسبة إلى الرحم) فى المنظومة الآلية بحيث يصبح الجميع سواسية مثل أسنان المشط الأمريكي البلاستيك فيتخففون من عبء الهوية والضمير والاختيارات الأخلاقية المركبة.
стр. 729
لكن رغم كل هذا الحديث العذب عن الديموقراطية والمساواة والسيولة يكتسب الغرب صلابة خاصة من ثقته من أنه الممثل الحقيقي لحالة الطبيعة، وأن طريقه (الغربي ـ الحديث ـ العلماني ـ الطبيعي/المادي) هو الطريق الصحيح، بل الوحيد، أي أنه بعد أن يؤكد غياب المرجعيات بشكل علني ويقوم بتسييل العالم، يتحرك في إطار مرجعيته الخفية الصلبة التي تمنحه مركزية في العالم. ولذا، فهو يقوم بفتح حدود الآخرين وتدعيم حدوده هو ويقوم بفك مدافع الآخرين (كما فعل مع محمد علي) وينصب مدافعه هو، فالمدفع هو مركز العالم الذي لا مركز له، هو الصلابة في عالم السيولة، وهو الركيزة في عالم لا ركائز له؛ مدفع يحمله إنسان أوربا الطبيعي والاقتصادي (المادي) ، إنسان هوبز وداروين ونيتشه. هو مدفع ضخم صلب لا ريب فيه، ولكنه مع هذا يظل مختبئاً وراء آليات الإغواء وخطاب السيولة والنسبية والتعددية.
الترانسفير: رؤية معرفية
стр. 730
«ترانسفير transfer» كلمة إنجليزية تعني حرفياً «النقل» ، وتُستخدَم عادةً للإشارة إلى طرد عنصر سكاني من محل إقامته وإعادة توطينه في مكان آخر. وهي تُستخدَم في الخطاب السياسي العربي للإشارة إلى محاولة الصهاينة طرد العرب ونَقْلهم (ترانسفير) من فلسطين، إلى أي مكان خارجها، ونقل (ترانسفير) اليهود إليها. ولكننا نذهب إلى أن الترانسفير يُعبِّر عن شيء جوهري وبنيوي في الحضارة الغربية الحديثة يتجاوز المستوى السياسي. إنها حضارة يهيمن عليها النموذج العلماني الشامل تدور في إطار المرجعية المادية (وإنكار التجاوز ونزع القداسة) ولذا، فإن ملامح هذه الحضارة كافة تتبدَّى في مفهوم الترانسفير، سواء من ناحية الرؤية أو من ناحية الممارسة. فهذه الحضارة ترى العالم مادة استعمالية لا قداسة لها يمكن تحريكها وتوظيفها، وذلك لعدم وجود قيمة مطلقة لأي شيء، فالطبيعة قد وُجدت ليهزمها الإنسان ويسخرها، والإنسان نفسه لابد أن يخضع للمرجعية المادية، ولذا فهو الآخر كيان مادي حركي لا يختلف عن الكيانات الأخرى، ويمكن نقله وتوظيفه وهزيمته وتسخيره باعتباره مادة استعمالية نافعة. ولذا، فإن الترانسفير نفسه ليس مجرد فعل سياسي أو رغبة أيديولوجية وإنما هو مؤشر على نموذج حركي مادي يصيب الإنسان في الصميم ويعيد تعريفه تعريفاً يودي به تماماً. ويمكن أن نعيد النظر في تاريخ الحضارة الغربية الحديثة باعتبارها حضارة الترانسفير. أي أننا، هنا، سنقوم بعملية تفكيك وتركيب لكثير من ظواهر هذه الحضارة، ومن خلال هذه العملية نوضح إجابة النموذج العلماني على الأسئلة الكلية ونُوضِّح المرجعية النهائية المادية لهذه الحضارة:
стр. 731
١ ـ بدأت هذه الحضارة بترانسفير أوَّلي هو حركة الاكتشافات حيث انتقل الإنسان الغربي من عالم العصور الوسطى في الغرب إلى أماكن أخرى في العالم، وفي هذا علمنة كاملة للمكان والحيز حيث يصبح المكان مجرد حيِّز يُستخدَم ويُوظَّف. كما واكب هذا ما نسميه بالثورة التجريدية، وهي ثورة جعلت الإنسان قادراً على التعامل مع الأشياء من منظور مجرد عام حيث يهتم الإنسان بالقيمة التبادلية للأشياء لا بالقيمة المُتعيِّنة لها. ومن أهم مظاهر الثورة التجريدية ظهور قطع الغيار التي يتحتم أن تكون متشابهة تماماً وقياسية حتى يمكن إحلال (ترانسفير) قطعة غيار محل الجزء التالف في أي زمان ومكان. ولعل من المهم أن نشير إلى أن حركة الاكتشافات (الترانسفير من مكان إلى آخر) ، والثورة التجريدية (الترانسفير من الخاص إلى العام) ، وقطع الغيار (الترانسفير من قطعة إلى أخرى) ، كلها مرتبطة بشكل أو آخر بالتطور العسكري لأوربا. فقطع الغيار، على سبيل المثال، تم تطويرها في أتون الحرب حيث كان من الضروري أن يقوم الجندي بتغيير التالف من بندقيته بسرعة حتى يمكنه استئناف القتال.
٢ ـ بعد هذا الترانسفير الوجداني أو الفكري أو الإبستمولوجي (المعرفي) الأوَّلي، بدأت عملية الترانسفير الحقيقية. وقد تبدت عقلية الترانسفير في الحل الإمبريالي لمشاكل أوربا، أي تصدير هذه المشاكل من أوربا إلى الشرق ومن بينها المشاكل الاجتماعية. وكانت أولى هذه العمليات هي نقل الساخطين سياسياً ودينياً (البيوريتان) إلى أمريكا، والمجرمين والفاشلين في تحقيق الحراك الاجتماعي في أوطانهم إلى أمريكا وأستراليا. وتبعتها عمليات ترانسفير أخرى:
ـ نَقْل سكان أفريقيا إلى الأمريكتين لتحويلهم إلى مادة استعمالية رخيصة.
стр. 732
ـ نَقْل الهنود الحمر من مواطن سكناهم إلى مواقع أخرى أو إلى العالم الآخر (وعمليتا النَقْل مرتبطتان تماماً، إذ كان نَقْلهم إلى العالم الآخر يتم أحياناً عن طريق نَقْلهم من موقع إلى آخر) .
ـ نَقْل جيوش أوربا إلى كل أنحاء العالم، وذلك للهيمنة عليها وتحويلها إلى مادة بشرية وطبيعية تُوظَّف لصالح الغرب.
ـ نَقْل الفائض البشري من أوربا إلى جيوب استيطانية غربية في كل أنحاء العالم، لتكون ركائز للجيوش الغربية والحضارة الغربية (فيما يُعَد أكبر حركة هجرة في التاريخ) .
ـ نَقْل كثير من أعضاء الأقليات إلى بلاد أخرى (الصينيين إلى ماليزيا ـ الهنود إلى عدة أماكن ـ اليهود إلى الأرجنتين) كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني، إذ أن هذه الأقليات تشكل جيوباً استيطانية داخل البلاد التي تستقر فيها.
ـ نَقْل كثير من العناصر المقاتلة من آسيا وأفريقيا وتحويلهم إلى جنود مرتزقة في الجيوش الغربية الاستعمارية، مثل الهنود (وخصوصاً السيخ) في الجيوش البريطانية. وفي الحرب العالمية الأولى، تم تهجير ١٣٢ ألفاً من مختلف أقطار المغرب لسد الفراغ الناجم عن تجنيد الفرنسيين، بالإضافة إلى تجنيد بعضهم مباشرةً للقتال (وهذه هي أول "هجرة" لسكان المغرب العربي، وقد استمرت بعد ذلك تلقائياً) .
ـ في هذا الإطار المعرفي الترانسفيري، تمت عملية الاستيطان الصهيونية التي هي في جوهرها تصدير لإحدى مشاكل أوربا الاجتماعية (المسألة اليهودية) إلى الشرق، فيهود أوربا هم مجرد مادة (فائض بشري لا نفع له داخل أوربا يمكن توظيفه في خدمتها في فلسطين) ، والعرب أيضاً مادة (كتلة بشرية تقف ضد هذه المصالح الغربية) ، وفلسطين كذلك مادة فهي ليست وطناً وإنما هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة/ المادة يُطلَق عليه كلمة «الأرض» . فتم نقل العرب من فلسطين ونقل اليهود إليها، وتمت إعادة صياغة كل شيء بما يتلاءم مع مصالح الإنسان الغربي.
стр. 733
٣ ـ تَبدَّت عقلية الترانسفير في تصدير المشاكل الاقتصادية لأوربا، فكان يتم تصدير البضائع الفائضة والبضائع الكاسدة والبضائع الرديئة (مثلما تم تصدير المجرمين واليهود والساقطين سياسياً) إلى الشرق. وقد استمر النمط، فأخذ أشكالاً مختلفة لعل أهمها في الوقت الحاضر الشركات المتعددة الجنسيات التي تُشيِّد الصناعات التي تُسبِّب نسبة عالية من التلوث في العالم الثالث. كما أن الغرب يقوم بدفن العوادم الصناعية الملوثة في العالم الثالث (أي أنه يقوم بعملية ترانسفير لها) .
٤ ـ من الأشكال المهمة للترانسفير ما تم في عصر الإصلاح الديني وهو ترانسفير معرفي/لغوي، إذ قام المصلحون الدينيون البروتستانت بنقل المفاهيم الدينية من المستوى المجازي الذي يفترض وجود مسافة أو ثغرة بين الدال والمدلول (فالدال كلمة محددة، أما المدلول فإنه يضم المعلوم والمجهول، والمحدود واللامحدود، والمقدَّس والمدنَّس) إلى المستوى الحرفي المادي. ومن ثم تحوَّلت " صهيون " إلى رقعة جغرافية اسمها فلسطين، وتحول التطلع الديني لها (حب صهيون) إلى حركة نحو استيطانها، وتحولت " أورشليم " السماوية (مدينة الإله) إلى القدس الأرضية (عاصمة فلسطين) التي يجب الاستيلاء عليها. وهذا الترانسفير اللفظي هو المقدمة للترانسفير الفعلي (الحركة الصهيونية ـ الأصولية البروتستانتية المتطرفة) .
٥ ـ تَبلور الترانسفير، كنمط إدراكي، مع هيمنة عقيدة التقدم على الإنسان الغربي. فالتقدم هو حركة دائمة، انتقال من مكان إلى آخر ومن حالة إلى أخرى، وأصبح الهدف من الحياة هو التقدم/الترانسفير الدائم. ويُلاحَظ أن لفظ التقدم هو دال بلا مدلول تقريباً، إذ إن الإنسان الغربي لم يُعرِّف على وجه الدقة الهدف النهائي من التقدم وكل ما هناك أهداف مرحلية لا متناهية. وعلى هذا، فإن الترانسفير، مثل التقدم، كلمة تشير إلى حركة بلا مضمون.
стр. 734
٦ ـ يُلاحَظ أن فكرة الترانسفير قد تَجذَّرت تماماً في الوجدان الغربي الحديث بحيث لا يستطيع الإنسان الغربي رؤية الطبيعة البشرية نفسها إلا في إطار الترانسفير. ولعل قمة العقلية الترانسفيرية تظهر في تعريف البروفسور ماكس لرنر (وآخرين) للإنسان الحديث بأنه إنسان قادر على تغيير منظومته القيمية بعد إشعار قصير، أي أن الإنسان كائن حركي يمكنه أن ينجز الترانسفير من منظومة قيمية إلى أخرى بسرعة، ولا يمارس أي ولاء عميق لأي شيء، ولا يشعر بأي ألم أو وخز ضمير إن غيَّر ولاءاته وهويته وشخصيته وأهواءه (ومن المعروف أن المغنية مادونا، قمة ما بعد الحداثة، تقوم بتغيير شخصيتها مرة كل ثلاث سنوات) . وفي هذه الموسوعة، نعرِّف التحديث بأنه رفض كل العلاقات الكونية والثابتة (مثل علاقات القرابة) والقضاء عليها، ورفض المطلقات والثوابت كافة، وإخضاع كل العلاقات للتفاوض وكل القيم للتداول (الترانسفير) ، الأمر الذي يحقق للإنسان الحديث حركية عالية وكفاءة منقطعة النظير في أداء أية مهمة توكل إليه.
٧ ـ بل يمكن القول بأن الترانسفير قد انتقل كذلك إلى المنظومة المعرفية فيما يُسمَّى «النسبية المعرفية» ، حيث يرفض الإنسان أي يقين معرفي ويرضى بالجزئيات، فينقل إيمانه من حقيقة إلى أخرى. وهنا، فإن ما يشكل المعرفة بالنسبة له ليس الحقيقة الكلية وإنما حقائق جزئية متغيرة متلاحقة.
стр. 735
٨ ـ ويُعبِّر الترانسفير عن نفسه في المنظومة الجمالية، إذ تظهر أزياء كل سنة بحيث لا تكون لها علاقة بأزياء الماضي، ولذا فإن الإنسان يتعيَّن علىه تغيير ملابسه باستمرار، وتظهر كل أسبوع أغنية جديدة يسمعها الإنسان الغربي (والآن الشرقي) ثم ينساها. ويظهر موديل سيارة جديدة كل عام، فيغير الإنسان (في المجتمعات التي يُقال لها متقدمة) سيارته مرة كل ثلاثة أعوام. ولعل انتشار الجراحات التجميلية هو تعبير عن نفس الظاهرة، حيث يُغيِّر الإنسان وجهه ويختار وجهاً جديداً (يُعرَض له أحياناً مسبقاً على شاشة الكمبيوتر) ويقوم بتعديله مع أحد الخبراء ثم يتم تنفيذه. ويمكن رؤية قطاع كامل من الطب (عدسات لاصقة ملونة ـ نهود صناعية ... إلخ) كتعبير عن الظاهرة نفسها. والإيمان الأعمى بالتجريب في الفن هو أيضاً نوع من أنواع الترانسفير، حيث لا يقنع الفنان بشكل فني واحد مستقر وإنما يجب أن يبحث عن شكل جديد.
٩ ـ أصبح الشكل الحضاري الأساسي هو الترانسفير، فحضارة الفوارغ والنفايات (بالإنجليزية: ديسبوسابل disposable) والتآكل المُخطَط (بالإنجليزية: بلاند أوبسولسنس planned obsolescence) هي في جوهرها حضارة ترانسفير. يشرب الإنسان زجاجة عصير أو مياه غازية ويلقي الزجاجة الفارغة، ويأكل الساندويتش ويلقي بكمية هائلة من الأوراق التي تغلفه. ويشتري سيارة لتصبح بالية بعد سنتين أو ثلاث فيضطر لشراء سيارة جديدة، وهو يفعل ذلك حتى تزداد حركيته وتزداد مقدرته على الانتقال (الترانسفير) من مكان إلى آخر بكفاءة بالغة. وهي أيضاً حضارة التغليف (بالإنجليزية: باكيجنج packaging) ، حضارة الظاهر اللامع دون باطن، ولكنه ظاهر لامع يتم تلميعه بدرجات مختلفة.
стр. 736
١٠ـ انتقل الترانسفير إلى رؤية الذات، فالإنسان الغربي داخل إطار المرجعية المادية قادر على رؤية ذاته باعتبارها مادة استعمالية لا قداسة لها يمكن توظيفها دون أي احتجاج من جانبه. فهو، مثلاً، يشتري المنزل (الذي يشكل نقطة الثبات في حياة كثير من البشر والمأوى الدائم لهم) ويراه استثماراً، وقد أصبح المنزل هو أهم استثمار بالنسبة للأمريكيين، والاستثمار الوحيد لغالبيتهم. وبدلاً من أن يعيش في منزله ويستقر فيه ويعيد صياغته بشكل يتفق مع احتياجاته وهويته فإنه يبيعه ليحقق ربحاً بعد فترة وجيزة (في الولايات المتحدة مثلاً يغير كل مواطن منزله مرة كل خمسة أعوام) . لهذا السبب أصبح معمار المنازل محايداً (أربعة جدران محايدة وسقف أكثر حياداً) ، وفقد أية خصوصية، وذلك حتى يمكن لصاحبه أن يتركه وينتقل منه (ترانسفير) ويبيعه لشخص آخر بسهولة ويسر ويحقق ربحاً عالياً (أليست هذه هي حضارة الفوارغ؟) .
стр. 737
١١ ـ ولا يعود تغيير المنزل إلى الرؤية الاستثمارية وحسب بل إلى أن الكثيرين يغيرون محل عملهم حتى يحققوا ما يطمحون إليه من حراك اجتماعي. وتُعَد الحركة الدائمة أحد مظاهر التحديث، ولعل الحركة اليومية للملايين من مكان إلى مكان، وحركة ملايين السياح من بلد لآخر، تعبير آخر عن هذا. وفي أحيان كثيرة، يكون مجرد المل والرغبة في التغيير هو مصدر الأوتو ترانسفير أو الترانسفير الذاتي. ويمكن القول بأن السائح شخصية علمانية نماذجية، فهو إنسان حركي لا يؤمن بالثوابت أو المطلقات، يجمع في شخصيته ثنائية الإنسان الاقتصادي (الذي يراكم المال) والإنسان الجسماني (الذي يندفع لإنفاقه بشراهة) . وهو حينما ينتقل إلى بلد (ترانسفير) ، فإن كل همه هو الاستهلاك وتحقيق المتعة لنفسه (اللذة) دون أية اعتبارات إنسانية. أما المجتمع الذي يستقبله، فلا ينظر إليه إلا باعتباره مصدر مال (المنفعة) ، أي أنه ينزع القداسة عن المجتمع المضيف ويقوم المجتمع المضيف بنزع القداسة عنه.
١٢ ـ يُطبَّق الترانسفير على الذات حينما يتحرك المسنون في المجتمعات الغربية في إطار المرجعية المادية ويقبلون أن يُنقَلوا إلى بيوت المسنين، أو إلى مدن تشكل جيتوات خاصة بهم، حين يبلغون السن القانونية ويستنفدون عمرهم الإنتاجي الافتراضي، يمكثون فيها حتى تحين ساعتهم. وهم يفعلون ذلك عن طيب خاطر ويسعون إليه ويسعدون به مادامت المنازل التي سيُودَعون فيها مكيفة الهواء وتحتوي على وسائل الراحة المادية كافة.
стр. 738
١٣ ـ وبحسب رأينا، فإن الترانسفير الذي يُطبَّق على العجائز في الغرب يَصدُر تقريباً عن المقولات الترانسفيرية نفسها التي تَصدُر عنها الإبادة النازية لليهود والعجزة والغجر والسلاف وغيرهم. فالنازية كانت تنظر للبشر في إطار المرجعية المادية وفي ضوء مدى «نفعهم» فمن كان نافعاً منتجاً أصبح من حقه البقاء وغير قابل للترحيل، أما غير النافعين فهؤلاء «أفواه تستهلك ولا تنتج» ومن ثم فلا فائدة ترجى من إطعامها (بالإنجليزية: يوسليس إيترز useless eaters) ، وكان يتم تدريب بعضهم ليصبح نافعاً مُنتجاً. أما هؤلاء الذين لا أمل في تحويلهم لمنتجين، فكانوا يُصنَّفون باعتبارهم يهوداً قابلين للترحيل (بالإنجليزية: ترانفسيرابل tranferable) ويمكن التخلص منهم (بالإنجليزية: ديسبوزابل disposable) . وقد سُوِّيت حالة هؤلاء عن طريق الترحيل إلى معسكرات السخرة والإبادة (حيث يتم القضاء عليهم عن طريق العمل المُجهد المتواصل أو عن طريق التسخين السريع في أفران الغاز) وهذا لا يختلف كثيراً عن ترحيل العجائز إلى بيوت المسنين عند انتهاء عمرهم الافتراضي الإنتاجي، حيث يُترَكون في أمان ليموتوا عن طريق التبريد البطيء المريح.
١٤ ـ ويمكن اعتبار الجنس العَرَضي (أي أن يعاشر الذكر الأنثى دون وجود علاقة عاطفية تتسم بقدر من الثبات بينهما) شكلاً من أشكال التنقل (الترانسفير) من أنثى إلى أخرى، وذلك لأن الأنثى مادة استعمالية لا قداسة لها تُوظَّف لتحقيق اللذة. ولكن يجب أن نسارع ونقول (حتى لا نُتَهم بالتقليل من شأن المرأة) أن الذكر الذي يدخل في مثل هذه العلاقة هو الآخر مادة استعمالية تُوظِّفها الأنثى لتحقيق اللذة لنفسها، فثمة مساواة كاملة تؤدي إلى التسوية الكاملة وإلى سيادة المرجعية المادية الصارمة على الجميع.
стр. 739
١٥ ـ يتحدثون في الغرب الآن عن «التفضيل أو الميل الجنسي» (بالإنجليزية: سكشوال بريفيرنس sexual preference) بدلاً من الطبيعة الجنسية الثابتة للإنسان، بمعنى أن الإنسان يختار الممارسات أو الهوية الجنسية التي يميل لها. فإذا كان المرء ذكراً، فيمكنه أن يمارس الجنس مع ذكر مثله، فهو جنسمثلي أو شاذ جنسياً (بالإنجليزية: هوموسكشوال homosexual) مثل فوكوه الفيلسوف الفرنسي. وإذا كان المرء أنثى، فهي تمارسه مع أنثى مثلها، فهي مساحقة (بالإنجليزية: لزبيان lesbian) مثل كثير من زعيمات حركة التمركز حول الأنثى. وهناك من يفضل الآن ممارسة الجنس مع الحيوانات (بالإنجليزية: زوفيليا zoophilia) ، ويُقال إن فيلسوف النفعية جريمي بنتام كان يحب ملاعبة القرود بطريقة جنسية، كما أن هناك من يفضل ممارسة الجنس مع الأطفال (بالإنجليزية: بيدوفيليا pedophilia) كما يُقال عن مايكل جاكسون. ويمكن إضافة أذواق غير معروفة في البلاد المتخلفة، مثل «ترانسفستايت transvestite» وهو الميال إلى ارتداء أزياء الجنس الآخر والتشبه بسلوكه، و «أندروجيناس androgynous» وهو الخنثى الذي لا يمكن تصنيفه ذكراً أو أنثى (ويؤكد مايكل جاكسون هذا المظهر في هويته) . وهناك «ترانس سكشوال transsexual» وهو شكل طريف جداً بدأ يظهر مؤخراً في الغرب، فهو مثلاً رجل يصر على أن يكون امرأة، بل يحاول أن تُجرَى له عملية جراحية ليصبح من الجنس الآخر (والعكس بالعكس) . وكل من شاهد فيلم "صمت الحملان" رأى عيِّنة من ذلك، فالمجرم الذي اختطف الفتاة يحاول أن يخيط لنفسه بدلة من جلدها (وجلد غيرها من الإناث) حتى يصبح له ثديان مثل الإناث تماماً (ويُلاحَظ ظهور السابقة «ترانس» في بعض الكلمات) . ونضيف إلى هذه القائمة الترانسفيرية «أسكشوال asexual» وهو المحايد جنسياً تماماً. وهناك أخيراً (حتى لا ننسى الأصل) «هيتروسكشوال heterosexuel» وهم البشر التقليديون العاديون الذين يختارون أن يشتهوا
стр. 740
أعضاء من الجنس الآخر (وإذا أردنا أن نتوخى الدقة تماماً، فإن علينا أن نُسقط كلمة «الأصل» لأن المساواة تحت رايات ما بعد الحداثة تصل إلى درجة إنكار الأصل والمركز تماماً) .
١٦ - وإذا كان الترانسفير قد انطبق على أمور لا يزال بعضنا يظنها جوهرية وطبيعية وفطرية مثل الجنس، فإنه ينطبق من باب أولى على التنظيم الاجتماعي. ويُلاحَظ أن الأسرة قد اختلفت أشكالها (تماماً مثل الميول الجنسية) ، ففي الماضي كان هناك الأسرة الممتدة التي تضم ثلاثة أجيال ثم انكمشت إلى الأسرة النووية التي تضم رجلاً وزوجته وطفليهما (ويستحسن أن يكون الطفلان ذكراً وأنثى حتى يتمكن المجتمع من إعادة إنتاج نفسه) . أما الآن، فقد أصبحوا (في الولايات المتحدة) يسمون الأسرة النووية «الأسرة الأساسية» (بالإنجليزية: كور فاميلي core family) ويشيرون إلى أنماط أخرى من الأسر. ويُلاحَظ أن هذه الأسرة الأساسية أصبحت أقلية إذ توجد أنواع أخرى، مثل: أب مع أطفاله ـ أم بمفردها مع أطفالها ـ أب وعشيقته مع أطفاله/أو أطفالها أو أطفالهما ـ أم وعشيقها مع أطفالها/أو أطفاله أو أطفالهما ـ أم وصديقتها مع أطفالها أو أطفالهما ـ أب وصديقه مع أطفاله أو أطفالهما. وقد قرأنا منذ عدة شهور عن أسرة من نوع الكور فاميلي الثابت الراسخ، إلا أن تعديلاً طفيفاً دخل عليه إذ انضم للأسرة عشيق الأب ووافقت الأم على ذلك (فمن الواضح أنها تتمتع بعقلية ترانسفيرية منفتحة) وأصبح تركيب الأسرة على النحو التالي: أم وأب وصديقه وأطفالهم (أي سقط المثنى وسقطت الثنائية والمركزية والمرجعية) .
следующие страницы →