← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

وقد عاد أفنيري إلى الموضوع، عام ١٩٨٣، بعد الغزو الصهيوني للبنان، في مقال نشر في هاعولام هزه بعنوان "ماذا ستكون النهاية" فأشار إلى أن ممالك الفرنجة احتلت رقعة من الأرض أوسع من تلك التي احتلتها الدولة الصهيونية، وأن الفرنجة كانوا قادرين على كل شيء إلا العيش في سلام، لأن الحلول الوسط والتعايش السلمي كانا غريبين على التكوين الأساسي للحركة. وحينما كان جيل جديد يطالب بالسلام كانت مجهوداتهم تضيع سدى مع قدوم تيارات جديدة من المستوطنين، الأمر الذي يعني أن ممالك الفرنجة لم تفقد قط طابعها الاستيطاني. كما أن المؤسسة العسكرية الاقتصادية للفرنجة قامت بدور فعال في القضاء على محاولات السلام، فاستمر التوسع الفرنجي على مدى جيل أو جيلين. ثم بدأ الإرهاق يحل بهم، وزاد التوتر بين المسيحيين الفرنجة من جهة وأبناء الطوائف الشرقية من جهة أخرى، الأمر الذي أضعف مجتمع الفرنجة الاستيطاني، كما ضعف الدعم المالي والسكاني من الغرب. وفي الوقت نفسه، بدأ بعث إسلامي جديد، وبدأت الحركة للإجهاز على ممالك الفرنجة، فأوجد المسلمون طرقاً تجارية بديلة عن تلك التي استولى عليها الفرنجة. وبعد موت الأجيال الأولى من أعضاء النخبة في الممالك، حل محلهم ورثة ضعفاء في وقت ظهرت فيه سلسلة من القادة المسلمين العظماء ابتداءً من صلاح الدين ذي الشخصية الأسطورية حتى الظاهر بيبرس. وظل ميزان القوى يميل لغير صالح الفرنجة، كما لم يكن هناك ما يوقف هزيمتهم النهائية. وقد ترك هذا الحدث التاريخي بصماته وآثاره في وعي شعوب المنطقة حتى اليوم. والواقع أن اهتمام المستوطنين الصهاينة بممالك الفرنجة تعبير عن إدراك أوَّلي لطبيعة دورهم في المنطقة كدولة وظيفية تكون مجرد أداة في يد قوى عظمى خارجية، وهو إحساس يشوبه قسط كبير من القدرية والعدمية الناجمة عن إحساس الأداة بأنها لا تمتلك ناصية أمورها ولا تسيطر على مصيرها أو قدرها.

стр. 6757

الباب الثالث: صهيونية غير اليهود المسيحية الصهيونية الغربية Western Zionism «الصهيونية الغربية» مصطلح قمنا بسكه لنشير به إلى الحركة الصهيونية لنبين أنها حركة ليست عالمية وإنما حركة غربية تضرب بجذورها في التشكيل الحضاري والسياسي والغربي. والصهيونية الغربية تَصدُر عن الصيغتين الصهيونيتين الأساسية والشاملة، ويمكن أن نقسِّم الصهيونية الغربية إلى قسمين: أ) صهيونية غير اليهود: وهي صهيونية الذين توصلوا إلى الصيغة الصهيونية الأساسية وهم ينظرون لليهود باعتبارهم مادة تُنقَل، ويطلق عليها البعض «صهيونية الأغيار» ، وإن كانت ديباجتها مسيحية فإنهم يطلقون عليها «صهيونية مسيحية» . ب) صهيونية اليهود في الغرب: وهي صهيونية اليهود الذين تبنوا الصيغة الصهيونية الأساسية. وهذه نقسمها إلى صهيونية يهود غرب أوربا التوطينية وصهيونية يهود شرق أوربا الاستيطانية. والصهيونية الأولى قد تنتمي من الناحية البنيوية إلى صهيونية غير اليهود، فهي تنظر إليهم من الخارج. وإذا كان ثمة فارق بين صهيونية غير اليهود وصهيونية اليهود، فهو يكمن في المنظور والديباجات ولا ينصرف قط إلى الصيغة الأساسية نفسها، فاليهود بالنسبة إلى الصهاينة اليهود وغير اليهود شعب عضوي منبوذ من أوربا يجب أن يُنقَل خارجها ليُوظَّف لصالحها. وبينما ينظر الصهاينة غير اليهود إلى اليهود من الخارج باعتبارهم مجرد مادة بشرية تُوظَّف لصالح الغرب (أي على أنهم مجرد موضوع أو وسيلة لا قيمة لها في حد ذاتها) ، فإن الصهاينة اليهود ينظرون إلى اليهود من الداخل باعتبارهم شيئاً مقدَّساً، أي أنهم يهوِّدون الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة من خلال إسقاط مصطلحات الحلولية الكمونية اليهودية عليها والعودة إلى الثالوث الحلولي: شعب ـ أرض ـ قوة ما (الإله ـ روح الشعب ـ التوراة والتراث) تسري في العنصرين وتحل فيهما وتربط بينهما.

стр. 6758

وإذا كان الشعب اليهودي مجرد وسيلة (كما يرى الصهاينة غير اليهود) ، فهو من منظور الصهاينة اليهود وسيلة مهمة تُوظَّف في إطار كوني أو تاريخي ضخم بسبب مركزية الشعب اليهودي. ولنا أن نلاحظ أن كثيراً من الصهاينة غير اليهود قد تَقبَّلوا الرؤية الحلولية الكمونية اليهودية وأن كثيراً من الصهاينة اليهود يقبلون الرؤية النفعية، وأصبح من المألوف أن تمتزج الرؤية الحلولية بالرؤية المادية النفعية، وهذا ممكن في إطار الحضارة الغربية العلمانية الحديثة حيث يَحلُّ المطلق في المادة ويصبح من الممكن (من خلال الصيغة الهيجلية) التعبير عن الأمور المادية بطريقة روحية وعن الأمور الروحية بطريقة مادية. وثمرة هذا المزج هو النظر إلى فلسطين باعتبارها أرض الميعاد وباعتبارها كذلك موقعاً ذا أهمية اقتصادية وإستراتيجية بالغة، وإلى الشعب اليهودي باعتباره شعباً مختاراً يقف في مركز الكون، حجر الزاوية في عملية الخلاص، وفي الوقت نفسه باعتباره مادة استيطانية تخدم الحضارة الغربية. وإسرائيل هنا هي أداة الإله الطيعة، وهي في الوقت نفسه العميل المطيع للحضارة الغربية. صهيونية الأغيار Gentile Zionism «صهيونية الأغيار» ترجمة لمصطلح «جنتايل زايونيزم Gentile Zionism» ، وهو مصطلح شائع في اللغات الأوربية يشير إلى غير اليهود الذين يتبنون الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ونحن نفضل استخدام مصطلح «صهيونية غربية» ، أو «صهيونية» فقط، بمعنى «صهيونية غربية» ، ونشير إلى «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية» وإلى «صهيونية غير اليهود العلمانية» بمعنى أنها صهيونية غربية يتبناها بعض مواطني العالم الغربي ويدافعون عنها، إما من منظور مسيحي أو من منظور علماني. صهيونية غير اليهود Gentile Zionism انظر» صهيونية الأغيار «. الصهيونية المسيحية Christian Zionism

стр. 6759

«الصهيونية المسيحية» مصطلح انتشر في اللغات الأوربية وتسلَّل منها إلى اللغة العربية، حيث تتم ترجمة كل المصطلحات بأمانة شديدة وتبعية أشد دون إدراك مضامين المصطلح، ومن ثم فإننا لا نعرف إن كان هذا المصطلح يعبِّر عن موقفنا بالفعل وعن رؤيتنا للظاهرة أم لا. والواقع أن مصطلح «الصهيونية المسيحية» يضفي على الصهيونية صبغة عالمية تربطها بالمسيحية ككل، وهو أمر مخالف تماماً للواقع، إذ ليس هناك صهيونية مسيحية في الشرق. بل إن أوائل المعادين للصهيونية بين عرب فلسطين كانوا من العرب المسيحيين، وأول مفكر عربي تنبأ بأبعاد الصراع العربي ـ الصهيوني وبمدى عمقه هو المفكر المسيحي (اللبناني الأصل الفلسطيني الإقامة) نجيب عازوري. كما أن الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية تعارضان الصهيونية على أساس عقائدي ديني مسيحي. وإن حدث تقارب ما (كما هو الحال مع الفاتيكان) ، فإن ذلك يتم مع دولة إسرائيل ولاعتبارات عملية خارجة عن الإطار الديني العقائدي إلى حدٍّ كبير. بل هناك في الغرب المسيحي البروتستانتي عشرات من المفكرين المسيحيين الذين يرفضون الصهيونية على أساس ديني مسيحي أيضاً. ولذا، فإن مصطلح «الصهيونية المسيحية» غير علمي نظراً لعموميته ومطلقيته. ومن هنا، فإن الحديث يجري هنا، في هذه الموسوعة، عن «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية» ، فهي صهيونية غير مسيحية بأية حال، بل صهيونية استمدت ديباجتها (عن طريق الحذف والانتقاء) من التراث المسيحي دون الالتزام بهذا التراث بكل قيمه وأبعاده، ودون استعداد منها لأن يُحكَم عليها من منظوره الأخلاقي (ويمكنها أن تستخدم ديباجات إلحادية دون أن يتغيَّر مضمونها أو بنيتها الفكرية الأساسية) . وفي تصوُّرنا أن هذا هو الفارق بين أية عقيدة دينية وأية عقيدة علمانية، فالمؤمن بعقيدة دينية يؤمن بمجموعة من القيم المطلقة المتجاوزة لإرادته (فهي ليست من إبداعه ولا من إبداع غيره من البشر) ، ومن ثم يمكن

стр. 6760

تقييمه وتقييم سلوكه من منظور هذه القيم. أما العقيدة العلمانية، فهي مجموعة من القيم النسبية المتغيرة، ولا يمكن أن يُحاكَم الإنسان العلماني من منظورها إذ بوسعه أن يرفضها ويتنكر لها ويعدِّلها بما يتفق مع مواقفه المتغيِّرة واحتياجاته المتطورة وأهوائه المتجددة ورغباته التي لا تنتهي. الصهيونية ذات الديباجة المسيحية Zionism and Christian Apologetics «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية» هي دعوة انتشرت في بعض الأوساط البروتستانتية المتطرفة لإعادة اليهود إلى فلسطين. وتستند هذه الدعوة إلى العقيدة الألفية الاسترجاعية التي ترى أن العودة شرط لتحقيق الخلاص، وهي تضم داخلها هذا المركب الغريب من حب اليهود الذي هو في واقع الأمر كره عميق لهم، تماماً مثل الصيغة الصهيونية الأساسية: شعب عضوي منبوذ نافع يُنقَل خارج أوربا ليُوظَّف لصالحها. وأفكار الصهيونية ذات الديباجة المسيحية جزء لا يتجزأ من فكر الإصلاح الديني (وخصوصاً في أشكاله المتطرفة) برفضه التفسير المجازي للكتاب المقدَّس وفتحه الباب على مصراعيه لفكرة الخلاص الفردي خارج الكنيسة وللتفسير الفردي للنصوص المقدَّسة، بحيث أصبح المسيحي هو نفسه الكنيسة والكتاب المقدَّس، يفرض عليهما ما يشاء من قيم ورؤى، وهو ما يعبِّر عن تَصاعُد معدلات الحلول والعلمنة وانتشار ما نسميه «الرؤية المعرفية الإمبريالية» . وقد انتشر الفكر الصهيوني ذو الديباجات المسيحية في أواخر القرن السادس عشر؛ عصر الثورة العلمانية الشاملة والثورة التجارية والحركة الاستيطانية الغربية ونشوء الرأسماليات الأوربية الباحثة عن مصادر الثروات والمواد الخام وعن أسواق لتصريف سلعها. وكانت أهم مراكز الصهيونية ذات الديباجة المسيحية إنجلترا بعد أن تحوَّلت عن الكاثوليكية ونفضت النفوذ الإسباني عنها وأصبحت واحدة من أهم القوى الاستعمارية (ومع هذا، يُلاحَظ أن إنجلترا لم يكن فيها يهود تقريباً) .

стр. 6761

ويمكننا هنا أن نذكر بعض المفكرين الصهاينة، مثل توماس برايتمان وسير هنري فنش، الذين طرحوا تفسيراً حرفياً للعهد القديم وطالبوا بعودة اليهود إلى فلسطين. كما يمكن الإشارة إلى فيليب دي لانجالري (الفرنسي) . وقد ظهرت عشرات المقالات التي تعالج هذا الموضوع وتتخذ موقفاً مماثلاً. وزاد هذا الموقف عمقاً باستيلاء المتطهرين (البيوريتان) على الحكم فكتب إنجليزيان بيوريتانيان نداء يطلبان فيه إعادة اليهود لإنجلترا وذلك حتى يتشتَّتوا في كل بقاع الأرض. فالشتات الكامل ـ حسب الأسطورة ـ هو شرط عودتهم لأرضهم، على أن تكون عودتهم على "سفن إنجليزية" (ولنتذكر هنا قانون الملاحة المركنتالي، الصادر عام ١٦٥١، الذي أصدرته حكومة كرومويل والذي تم بمقتضاه استبعاد السفن الهولندية من حَمْل التجارة البريطانية، ولذا أصبح حَمْل سلع من أفريقيا أو آسيا غير ممكن إلا على سفن إنجليزية) . وتُعَدُّ هذه أول مرة في تاريخ العالم المسيحي التي يطرح فيها بشر مشروعاً بشرياً لإنجاز ما كان يُعتقَد حتى ذلك الوقت أنه أمر سيتم بتَدخُّل العناية الإلهية. وقد أدلى كرومويل بدلوه فدافع عن عودة اليهود لإنجلترا بسبب نَفْعهم وإمكانية استخدامهم كجواسيس له. ويُلاحَظ أن الصيغة الصهيونية الأساسية هي النموذج الأساسي الكامن في كل هذه الكتابات. ويُلاحَظ أن الصهيونية ذات الديباجة المسيحية تأخذ شكلاً دينياً استرجاعياً صريحاً وشكلاً تبشيرياً بين اليهود، وهي تنظر لليهودية من الخارج تماماً، فاليهود لا يزالون مجرد أداة للخلاص، وهم قتلة المسيح الذين يجب تنصيرهم وهدايتهم. ودعاة الصهيونية ذات الديباجة المسيحية شخصيات ليست سوية تماماً، معظمهم بعيدون عن مركز صناعة القرار. ومع هذا، يُلاحَظ أن الأبواب كانت دائماً مفتوحة أمامهم.

стр. 6762

وقد قامت جمعيات مسيحية تبشيرية عديدة مهمتها نشر المسيحية بين اليهود وهدايتهم واسترجاعهم إلى فلسطين إعداداً للخلاص. وأهم جمعية صهيونية مسيحية هي جمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود الإنجليز ويهود الدولة العثمانية (١٨٠٩) ، وكان يشار إليها على أنها جمعية اليهود ( «جوز سوسياتي Jews' Society» ) . كما تم تأسيس جمعية التبشير الكنسية التي ازدهرت إلى درجة أن ميزانيتها بلغت ٢٦ألف جنيه عام ١٨٥٠، وكان يتبعها ٣٢ فرعاً في لندن والقدس وغيرهما من المدن، وأصبحت المنبر الأساسي للصهاينة من المسيحيين مثل لورد شافتسبري السابع. ومع تَصاعُد معدلات العلمنة وتزايد النزعة الرومانسية (الحلولية العضوية) ، بدأت الديباجات الدينية تبهت بالتدريج وبدأت تحل محلها ديباجات علمانية عقلانية نفعية تدور في إطار مفهوم الشعب العضوي المنبوذ مجرداً من كل الديباجات المسيحية. ومع ظهور محمد علي في مصر، وبداية التفكير في توظيف الدولة العثمانية كي تصبح سداً ضد الزحف الروسي الأرثوذكسي أو في اقتسامها، أصبحت الصهيونية ذات الديباجة المسيحية هامشية (رغم شعبيتها) إذ نجد أن أعضاء النخبة الحاكمة يستخدمون الصيغة الصهيونية الأساسية مع ديباجات نفعية علمانية (صهيونية غير اليهود) .

стр. 6763

ولا يعني ظهور الصهيونية ذات الديباجة الرومانسية العضوية أو العلمانية العقلية (المادية الشاملة) أن الصهيونية ذات الديباجة المسيحية الواضحة اختفت أو حتى توارت. فالعكس هو الصحيح، إذ أن هذه الديباجة استمرت في التمتع بذيوع لا تعادله أية ديباجة أخرى، رغم تزايد علمنة المجتمع الغربي، بل إن النزعة الرومانسية قد أعطتها حياة جديدة وزادتها حيوية ودينامية. ويتضح ذلك في أن القرن التاسع عشر شهد بعثاً مسيحياً متمثلاً في الحركة الإنجيلية (أي المبشرة بالإنجيل) التي كانت تهدف إلى بَعْث القيم المسيحية بين صفوف الطبقة العاملة والفقراء والتبشير بين اليهود. كما يتضح في استمرار كثير من الصهاينة غير اليهود (العلمانيين) في استخدام ديباجات مسيحية. بل يمكن القول بأن الديباجة الأكثر شيوعاً مزيج من الديباجتين العلمانية النفعية والمسيحية كما هو الحال مع شافتسبري وبلفور. ومن أهم الصهاينة الذين استخدموا ديباجات مسيحية وليام هشلر الذي قام بتقديم هرتزل لأعضاء النخبة الحاكمة في أوربا، وأورد ونجيت (الضابط البريطاني الذي ساهم في أعمال الإرهاب ضد العرب) ، ونيبور رينهولد رجل الدين البروتستانتي. ويمكن القول بأن المشروع الاستيطاني الغربي بشكل عام (في فلسطين وغيرها) استخدم ديباجات صهيونية مسيحية توراتية لتبرير عملية غزو العالم فأصبحت كل منطقة يتم غزوها هي أرض كنعان (فلسطين) وأصبح سكانها الأصليون كنعانيين ومن ثم يمكن إبادتهم. وقد استُخدمت هذه الديباجات في استعمار الأمريكتين وجنوب أفريقيا.

стр. 6764

وقد بدأت الصهيونية ذات الديباجة المسيحية تتمتع ببعث جديد بعد إنشاء الدولة الصهيونية. وبدأت الفكرة الاسترجاعية تنتشر بشكل كبير في الأوساط البروتستانتية المتطرفة (الأصولية) في الولايات المتحدة (ومنهم بعض رؤساء الولايات المتحدة مثل كارتر وريجان) والتي تُصر على أن دولة إسرائيل هي تحقق النبوءة حرفياً في العصر الحديث وهي بُشرى الألف سنة السعيدة، أي أن الحلول أو التجسد الذي حدث مرة واحدة وبشكل مؤقت في التاريخ من منظور كاثوليكي، أصبح حلولاً حرفياً ودائماً ومادياً في شكل الدولة الصهيونية وفي أحداث التاريخ الحديث. لذلك، نجد أن الاسترجاعيين المُحدَثين يستغرقون في التفسيرات الحرفية. وعلى سبيل المثال، فإن جيري فالويل يشير إلى أن كتاب حزقيال يشير إلى أرض معادية للماشيَّح هي «روش» ، وهي أرض بها مدينتان هما «ميشيسن وتوبال» ، وتصبح روش «روسيا» وتصبح ميشسن «موسكو» وتوبال «تيبولسك» . وستقوم روش بغزو إسرائيل ونهبها (حسب سفر حزقيال) ، ولذا فإن فالويل يفسر هذا بأن روسيا ستقوم بغزو إسرائيل للحصول على الغنائم. وكلمة «النهب» يقابلها في الإنجليزية كلمة «سبويل spoil» ، فإن حذفنا أول حرفين فإنها تصبح «أويل oil» ، أي البترول، وهنا تصبح الأمور شديدة البساطة (وهذه الطريقة في التأويل ذات جذور قبَّالية، كما يُلاحَظ هنا أيضاً الثنائية الصلبة التي تتبدَّى في التأرجح بين التفسير الحرفي الجامد الذي يصر على معنى واحد مباشر والتأويل السائل الذي يفرض أي معنى على النص) . ويقوم هؤلاء الاسترجاعيون بحوسلة إسرائيل بشكل حاد. وعلى سبيل المثال، فإن تيري ريزنهوفر (المليونير الأصولي الأمريكي الذي يقوم بتمويل عملية إعادة بناء الهيكل) يرى أن السلام بين إسرائيل وجيرانها مسألة مستحيلة. وبصفة عامة، فإن الرؤية الاسترجاعية ترى أن هرمجدون نبوءة حتمية لابد أن تتحقق. بل يرى الاسترجاعيون ضرورة تحريك الأمور باتجاه الحرب لإضرام الصراع

стр. 6765

والتعجيل بالنهاية (ولذا، فإن موقفهم من مفاوضات السلام أكثر تشدداً من موقف أكثر صقور إسرائيل تشدداً) . ولا يختلف الأمر كثيراً بشأن حدود أرض الميعاد، فهذه الحدود مُعطَى ثابت مقدَّس لا يمكن التفاوض بشأنه. كما أن حدود إسرائيل التي يتخيلها الاسترجاعيون أكثر اتساعاً من حدود إسرائيل الكبرى التي يتخيلها أكثر الصهاينة تطرفاً. فحدودها، حسب الرؤية الاسترجاعية، تضم الأردن وأجزاء من مصر ولبنان ومعظم سوريا (وضمنها دمشق) . أي أن الاسترجاعيين يرون ضرورة سفك الدم اليهودي تحقيقاً لرؤيتهم لنبوءات الكتاب المقدَّس. والواقع أن هذا المفهوم لا يختلف كثيراً عن مفهوم آرثر بلفور (صاحب الوعد المشهور) الذي أرسل اليهود إلى فلسطين ليكونوا قاعدة أمامية للحضارة الغربية، تُنزَف دماؤهم دفاعاً عن الحضارة التي نبذتهم. وهكذا، فإن الرؤية الاسترجاعية رؤية معادية تماماً لليهود وترى أن هلاكهم طريق الخلاص والبوابة الحتمية لانتشار المسيحية! وغني عن القول أن الرؤية الاسترجاعية رؤية حرفية علمانية لا علاقة لها بالرؤية المسيحية كما عرَّفها آباء الكنيسة ومفسروها الدينيون، وهي تعبير عن تهويد المسيحية أي علمنتها من الداخل. وقد عُقد المؤتمر الصهيوني المسيحي الأول في أغسطس ١٩٨٥ في الصالة نفسها التي عُقد فيها المؤتمر الصهيوني الأول في بازل (١٨٩٧) ، وحضره ٥٨٩ مندوباً أتوا من ٢٧ دولة. ومن أهم المنظمات الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة: ١ ـ منظمة الأغلبية الأخلاقية، وزعيمها الروحي القس جيري فولويل (ولعلها أهم المنظمات) . ٢ ـ مؤسسة بات روبرتسون. ٣ ـ منظمة السفارة المسيحية الدولية ـ القدس. ٤ ـ المؤتمر القومي للقيادات المسيحية من أجل إسرائيل. ٥ ـ المائدة المستديرة الدينية. الأحلام والعقائد الألفية Millenarianist Dreams and Doctrines

стр. 6766

«الألفية» ترجمة لكلمة «ميلينيريانزم» الإنجليزية المأخوذة من الكلمة اللاتينية «ميلينياروس» ومعناها «تحتوي على ألف» . وثمة نزوع إنساني عام لفرض نظام عام على أحداث التاريخ، وهو عادةً نظام رياضي هندسي صارم. ومن ثم، فقد ظهر الإيمان في كثير من الحضارات بأن العالم يشهد، في نهاية كل ألف من السنين، انتهاء دورة زمنية، وتصاحب هذه النهاية عادةً أحداث ضخمة. بل تذهب هذه الرؤية إلى أن التاريخ كله سيكون في نهاية ألف معينة. والفكرة الألفية متواترة في كثير من الحضارات. ويُقال إن حروب الفرنجة كانت نتيجة تصاعُد الحمى الألفية. وقد كتب الشاعر الأيرلندي وليام بتلريتس في نهاية القرن التاسع عشر قصائد ذات طابع ألفي. ولعل آراء فوكوياما (الموظف بوزارة الخارجية الأمريكية) عن نهاية التاريخ، ذات طابع ألفي هي الأخرى (مع انتهاء القرن العشرين، أي في نهاية الألف الثانية بعد الميلاد) . كما أن العراف نوستراداموس من قبله وضع مخططاً يتنبأ فيه بنهاية التاريخ في إحدى الدورات الألفية. وللعقيدة الألفية جذور شعبية في العادة، تماماً مثل النزعات المشيحانية المختلفة التي تعبِّر عن تزايد معدلات الحلولية وضيق بالحدود وعن نفاد صبر بشأن العملية التاريخية وبالخلاص التدريجي. والعقيدة الألفية تعود جذورها إلى اليهودية، ولكنها أصبحت فكرة مركزية في المسيحية البروتستانتية إذ يؤمن كثير من المسيحيين البروتستانت بأنه حينما يعود المسيح المخلِّص (أو الماشيَّح حسب الرؤية اليهودية) (الذي يُشار إليه فيها بـ «الملك الألفي» ) سيحكم العالم (باعتباره الملك المقدَّس) هو والقديسون لمدة ألف عام يشار إليها أحياناً باسم «أيام الماشيَّح» أو «أيام المسيح» ، وهي فترة سيسود فيها السلام والعدل في عالم التاريخ والطبيعة وفي مجتمع الإنسان والحيوان.

стр. 6767

وعقيدة الملك المقدَّس هذه لم يأت لها أي ذكر في العهد القديم ويبدو أنها مجرد صدى في الوجدان العبراني لمؤسسة الملكية المقدَّسة العبرانية. وما حدث هو أن مؤسسة الملكية المقدَّسة اختفت مع انهيار الدويلات العبرانية ولم تتم استعادتها حتى بعد عودة اليهود بأمر قورش الفارسي. فأسقط الوجدان العبراني فكرة الملك المقدَّس على المستقبل أصبحت جزءاً من الأفكار الأخروية (وتتحدث جماعة قمران عن الزوج المشيحاني) : الماشيَّح بن هارون الكهنوتي والماشيَّح بن داود الملكي، ثم ظهر فيما بعد الماشيَّح بن يوسف والماشيَّح بن داود.

стр. 6768

وقد ظهرت العقيدة الألفية في كتابات معلمي المشناه (تنائيم) وفي الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) . بل إن كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، ومعظم الأفكار الأخروية، والكتب المنسوبة (سيود إبيجرفا) ، والأحلام الأخروية، وسائر الأساطير الخاصة بآخر الأيام ونهاية الزمان، تدور جميعاً حول هذه العقيدة. وتظهر العقيدة الألفية في العهد الجديد في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي الذي يشبه سفر دانيال في كثير من الوجوه والذي يدور حول عودة المسيح الثانية وحُكْمه العالم لمدة ألف عام. والنص، مثل كل كتب الرؤى، مركب مضطرب تنثال فيه صور الحشر الأخروية وتتداخل. والنص يتحدث عن تقييد الشيطان ثم حكم المسيح للعالم مع قديسيه لفترة تمتد لمدة ألف عام (ويبدو أن الألف عام هذه لا علاقة لها بيوم البعث أو يوم القيامة أو الفردوس السماوي إذ هي نوع من الفردوس الأرضي الذي سيتحقق الآن وهنا قبل يوم الحساب) . بعد ذلك يُطلَق الشيطان من سجنه لهجمة أخيرة، ولعله عند هذه اللحظة يظهر المسيح الدجال (بالإنجليزية: «أنتي كرايست anti-Christ» وهي كلمة تعني حرفياً: ضد المسيح) فتدور المعركة الفاصلة النهائية. ويُلاحَظ أن المسيح الذي يعود هذه المرة ليس هو مسيح الأناجيل المعروف لدينا الذي يشيح بوجهه عن مملكة الأرض والذي يعرف أنه سيُصلَب فداءً للبشر، وإنما هو مسيح عسكري يجيئ راكباً حصاناً أبيض و"عيناه كلهيب نار" و"متسربل بثوب مغموس بدم" و"من فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم، وهو سيرعاهم بعصاً من حديد" (رؤيا يوحنا ١٩/١١ ـ ١٦) . فهو إذن مسيح جدير بالرؤية المعرفية الإمبريالية، يشبه جيوش أوربا التي داست الأرض ولوثت البيئة وثقبت الأوزون. وهو مسيح سيقتحم التاريخ عنوة ويدخل المعركة النهائية، معركة هرمجدون، ضد ملوك الأرض الذين يساعدهم الشيطان، فيُلحق بهم جميعاً الهزيمة النكراء. ثم يبدأ المسيح حكمه (الثاني) والنهائي، ويبعث كل البشر، المحسن منهم والسيِّئ (إذ يبدو

стр. 6769

أنه في حكمه الأول لم يبعث سوى القديسين) وذلك لمحاسبتهم ومجازاتهم. وينتهي الزمان ويبدأ حكم مدينة الإله وتختفي مدينة الأرض. وتختلط بكل هذا أقوال عن يأجوج ومأجوج وعلامات الساعة والنهاية، كما أن هناك العديد من الروايات الأخرى التي لا تقل اختلاطاً عن تلك التي لخصناها. وأهم النقط التي يدور حولها الخلاف بين الروايات المختلفة هو: متى تكون النهاية النهائية، هل تكون بعد عودة المسيح أم قبلها؟ وما علامات هذه العودة الثانية، أهي مزيد من الشر والتدهور أم الخير والتقدم؟ ويُقسَّم الألفيون، أي المؤمنون بالعقيدة الألفية، إلى قسمين حسب رؤيتهم لزمن ظهور المملكة الألفية: أ) أنصار ما قبل الألف: وهؤلاء يؤمنون بأن الملك الألفي أي المسيح سيأتي فجأة ويبدأ مملكة الألف عام التي سيسود فيها العدل والسلام، وهذه الرؤية هي الأكثر شيوعاً. وعلامة النهاية عند هؤلاء تكون عادةً انهيار الحضارة وتدهورها. وعندما ترد كلمة «ألفية» دون إضافات أو تحفظات فهي تشير عادةً إلى العقيدة ما قبل الألفية. ب) أنصار ما بعد الألف: وهؤلاء يرون أن الملك الألفي سيأتي بعد الألف عام التي سيسود فيها السلام والمحبة وتعم فيها النعمة بسبب أن المسيحيين سيتخذون موقفاً أخلاقياً ويطيعون إلههم. وستكون العودة الثانية للمسيح هي ذروة هذه المرحلة، فهو سيأتي ليبعث الموتى ويحاسبهم على أفعالهم، وهذا هو يوم القيامة أو الحساب الأخير. وعلامة النهاية هنا هي شيوع السلام والمحبة والرخاء في الأرض.

стр. 6770

والخلافات هنا عميقة وبنيوية، فما قبل الألفيين يرون أن التغير فجائي ناجم عن تَدخُّل أو تجسُّد إلهي في التاريخ دون محاولة من جانب البشر، فهم عنصر سلبي في الدراما الكونية، وسيصاحب تَدخُّل الخالق مذابح وحروب. أما ما بعد الألفيين، فيرون أن التغيُّر تدريجي، وأنه ناجم عن أن المسيحيين سيقومون بتغيير أنفسهم وتحسين دنياهم. والذروة التي يصل إليها التاريخ تدريجياً هي إذن تعبير عن فعل إنساني أخلاقي وليس مجرد تجسُّد فجائي للإله في التاريخ. فالإنسان ليس عنصراً سلبياً في الدراما الكونية، بل هو فاعل لا يخضع للحتميات. وقد تزاوجت هذه الرؤية، فيما بعد، مع فكر عصر الاستنارة وعقيدة التقدم، وتمت علمنتها بحيث أصبح تقدُّم المسيحيين التدريجي هو التقدم التدريجي للعلوم، وأصبحت عودة المسيح (والحكم الألفي) هي هذه أو تلك النقطة في التاريخ. والواقع أن هذا الفكر يصل إلى قمته في منظومة هيجل، بل في كل المنظومات العلمانية الهيجلية. ومن الواضح أن الفكر الأخروي الإسكاتولوجي المسيحي الألفي يتأرجح بين الحلولية المادية (مملكة المسيح في هذا الزمان) والتوحيد الذي ينزِّه الإله عن الطبيعة والتاريخ (المملكة السماوية خارج التاريخ) . فبينما تسد الصيغة الأولى أية ثغرات أو ثنائيات، نجد أن الثانية تؤكدها وتحتفظ بقدر من الثنائية الفضفاضة (ومع هذا تتم تصفيتها من خلال عقيدة التقدم والتجسد التدريجي من خلال التاريخ (.

стр. 6771

وقد اقترنت العقيدة الألفية، منذ البداية، بظهور العقلية التجارية والعلمية والمادية، ومن ثم فإنها قد ارتبطت بالتفسير الحرفي لكل عبارات العهد القديم ورفضت التفسيرات الكاثوليكية المجازية التي طورتها الكنيسة عبر العصور الوسطى لتُخلِّص الكتاب المقدَّس، وخصوصاً العهد القديم، من العناصر المادية والوثنية فيه. وقد اضطرت الكنيسة إلى قبول هذا الكتاب لأنها اعتبرت نفسها «إسرائيل فيروس» أي «إسرائيل الحقيقية» ـ أي الشعب اليهودي باعتباره جماعة مقدَّسة (جماعة يسرائيل) . وفي بداية العهد المسيحي، كان هناك اتجاه لإلغاء العهد القديم وعدم اعتباره ضمن الكتب القانونية، إذ أن تبنيه كان يعني إلغاء مركزية وقدسية ومصداقية رؤية اليهود تاريخياً ودينياً. ولكن الكنيسة رفضت هذا الاتجاه، إذ أن حَذْف العهد القديم كان يعني في واقع الأمر حرمان الكنيسة من حقها في أن ترث جماعة يسرائيل، وهو ما يتنافى مع العقيدة المسيحية ومع رؤيتها لنفسها. ومهما يكن الأمر، فإن الكنيسة حاصرت العناصر الوثنية في العهد القديم وحاولت تحييدها عن طريق التفسيرات المجازية والرمزية. ولكن، مع عصر النهضة والإصلاح الديني، بدأت التفسيرات الحرفية والفردية (الألفية) للعهد القديم تنتشر، وذهب الألفيون إلى أن ما ورد في العهدين القديم والجديد نبوءات حرفية عن المستقبل (على عكس الرؤية المسيحية التقليدية التي تذهب إلى أن آيات الكتاب المقدَّس إما آيات عن أحداث وقعت في الماضي أو نبوءات وردت ثم تحققت) . فيرى الألفيون، على سبيل المثال، أن العبارات التي وردت عن خراب أورشليم (القدس) تشير إلى حروب عام ١٩٦٧ أو عام ١٩٤٨. أما الرؤية المسيحية التقليدية، فتذهب إلى أنها تحققت بالفعل عام ٧٠ ميلادية على يد تيتوس.

стр. 6772

والعقيدة الألفية، في كل مفاهيمها، تدور حول تجسُّد الإله في التاريخ بشكل فعلي فجائي، وحول تَدخُّله فيه حتى يمكن مشاهدته في آثاره الفعلية، وفي كل الشواهد المادية التي يمكن إدراكها بالحواس الخمس الآن وهنا في مملكة الأرض، أي أنها رؤية مادية للواقع. وقد استفاد الألفيون من التأملات القبَّالية الخاصة بحساب نهاية الأيام وموعد وصول الماشيَّح. وبهذا المعنى، تكون العقيدة الألفية تعبيراً عن تهويد المسيحية. وقد أدركت الكنيسة الكاثوليكية منذ البداية خطورة العقائد الألفية (التي حملت راياتها العناصر الغنوصية واليهودية والوثنية الشعبية) على العقيدة المسيحية. وقد وصفت الكنيسة العقيدة الألفية بأنها "عقيدة على طريقة اليهود" أي تشبه الفكر المشيحاني اليهودي. وقد حاول القديس أوغسطين محاصرة ذلك المفهوم الواحدي الكوني المعادي للتاريخ والحدود، وحاول أن يحاصر الحلولية التي يَصدُر عنها ويحوِّلها إلى ما نسميه «حلولية مؤقتة شخصية منتهية» تحققت في لحظة نزول الإله باعتباره الابن ثم صلبه وقيامه، ومع قيامه تنتهي اللحظة الحلولية ويُستأنَف التاريخ الإنساني. وقد بيَّن القديس أوغسطين أن الكنيسة الكاثوليكية هي مملكة المسيح، وأنها التجسيد التام للعصر الألفي، وأنها حالة روحية وصلت إليها الكنيسة في عيد العنصرة، أي بعد موت وبعث المسيح. وهذا لا يعني انتهاء الفوضى في الطبيعة والتاريخ، بل إن الفوضى ستستمر إلى نهاية الزمان حتى يعود المسيح ثانيةً، وهي العودة التي سوف تتم في وقت لا يمكن التنبؤ به، أي يتم خارج التاريخ (في يوم القيامة) . وقد واكب تلك الرؤية تقديم التفسير المجازي للعهد القديم بحيث تصبح كل القصص والأحداث فيه رموزاً لحالات روحية وأخلاقية.

стр. 6773

ولكن كثيراً من الفرق الغنوصية المهرطقة، وهم من أعداء الكنيسة، استمروا في الدفاع عن العقيدة الألفية. غير أن مثل هذه الجماعات اضطرت إلى أن تكون سرِّية بسبب ما كان يقع عليها من اضطهاد من قبل الكنيسة في روما والتي وصفت تعاليمها بأنها كفر. وقد بُعثت الفكرة من جديد مع الإصلاح الديني ومع استرجاع النزعة الحلولية الذي تزامن أيضاً مع هيمنة القبَّالاه على اليهود وانتشارها في الأوساط الدينية الغربية. ورغم أن لوثر وكالفن تمسكا بتعاليم أوغسطين حول هذه الفكرة، فإنها أخذت تتسرب إلى الجماهير وتستقطب أعداداً كبيرة منهم، ثم صارت فكرة محورية في عقول كثير من غلاة البروتستانت، وهو أمر منطقي يتسق مع بنية الفكر البروتستانتي ومع تَصاعُد معدلات الحلولية والعلمنة داخل النسق الديني المسيحي لما بعد الإصلاح الديني. وتُعَدُّ العقيدة الاسترجاعية من أهم تجليات العقيدة الألفية. ومما ينبغي ذكره أن العقائد الألفية بتأكيدها مركزية فكرة نهاية التاريخ قد تأخذ شكلاً فاشياً متطرفاً، يطالب بتطهير النسق تماماً من العناصر الغربية، فترى اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً وحسب ولا داعي لتوظيفه ويمكن الاكتفاء بالتخلص منه.

стр. 6774

وتظهر الكراهية العميقة لليهود عند أتباع حركة تُسمَّى «الهوية المسيحية» وهي جماعة ألفية تنادي بنبذ (بل إبادة) كل العناصر البشرية المختلفة الأخرى (أى غير البيضاء غير البروتستانيتة) داخل المجتمع الأمريكي: السود والكاثوليك واليهود. ويرى أتباع هذه الحركة الألفية أنهم هم إسرائيل الحقيقية وأن شعوب شمال أوربا هم قبائل يسرائيل العشرة المفقودة. ويُلاحَظ أن النزعة الوثنية المادية الكامنة في العقيدة الألفية الاسترجاعية تظهر بشكل واضح في أدبيات هذه الحركة. فهم يرفضون المسيحيين السود وكل الكاثوليك في الوقت الذي يقبلون فيه أتباع العبادات الوثنية النوردية، كما يعادون إسرائيل ويسمون حكومة الولايات المتحدة «زوج ZOG» وهي اختصار لعبارة «زايونست أوكيوبيشن جوفرنمنت Zionist Occupation Government» أي "حكومة الاحتلال الصهيونية". ويُعدُّ أتباع هذه الحركة أنفسهم لمعركة هرمجدون فيتدربون على السلاح ويقومون بتخزينه. وعلى أية حال، فإن العداء الصريح الذي تبديه هذه الحركة لليهود هو العداء الذي تشعر به أيٌّ من الحركات القومية العضوية تجاه الآخر، فهي حركات تدور في إطار حلولية بدون إله أو في إطار وحدة الوجود حيث يحل الإله في الشعب ويصبح الشعب في قداسة الإله أو أكثر قداسة منه، فهو يحوي داخله ركيزته النهائية ومصدر قداسته، والآخر يقع خارج دائرة القداسة، ولذا فهو مباح. وقد لاحظ المؤرخون أن الرايخ الثالث في الفكر الألماني (الذي سيستمر ألف عام) يقع داخل هذا النمط، فالدولة النازية تحوي داخلها ركيزتها النهائية، أي أن المطلق لا يتجاوزها وإنما هو كامن فيها ومتجسد من خلالها. وكان الغجر والسلاف وأعضاء الجماعات اليهودية يقعون خارج دائرة القداسة العضوية. ومن المعروف أن الأساطير والعقائد الألفية والاسترجاعية غير معروفة لدى المسيحيين الشرقيين، كما أنها ليست موضع حوار أو مناظرة بينهم. العقيدة الاسترجاعية Restorationism

стр. 6775

«العقيدة الاسترجاعية» هي الفكرة الدينية التي تذهب إلى أنه كيما يتحقق العصر الألفي، وكيما تبدأ الألف السعيدة التي يحكم فيها المسيح (الملك الألفي) ، لابد أن يتم استرجاع اليهود إلى فلسطين تمهيداً لمجيء المسيح. ومن هنا، فإن العقيدة الاسترجاعية هي مركز وعصب العقيدة الألفية. ويرى الاسترجاعيون أن عودة اليهود إلى فلسطين هي بشرى الألف عام السعيدة، وأن الفردوس الأرضي الألفي لن يتحقق إلا بهذه العودة. كما يرون أن اليهود هم شعب الله المختار القديم أو الأول (باعتبار أن المسيحيين هم شعب الله المختار الجديد أو الثاني) . ولذا، فإن أرض فلسطين هي أرضهم التي وعدهم الإله بها، ووعود الرب لا تسقط حتى وإن خرج الشعب القديم عن الطريق ورفض المسيح (وصلبه) . ولذا، فإن كل من يقف في وجه هذه العودة يُعتبَر من أعداء الإله ويقف ضد الخلاص المسيحي، فأعداء اليهود هم أعداء الإله. ويُلاحَظ هنا أن الفكر الحلولي اليهودي يجعل اختيار الإله لليهود ليس منوطاً بفعلهم الخير وتحاشيهم الشر، فهي مسألة عضوية حتمية تتجاوز الخير والشر. كما أن جَعْل الخلاص مسألة مرتبطة باليهود، ومَنْح اليهود مركزية في رؤيا الخلاص، هو جوهر القبَّالاه اللوريانية التي تجعل خلاص الإله من خلاص اليهود، إذ يستعيد ذاته المبعثرة من خلالهم. ومن الواضح أن العقيدة الاسترجاعية، شأنها شأن العقيدة الألفية، تفترض استمراراً كاملاً ووحدة عضوية بين اليهود في الماضي والحاضر والمستقبل، ومن ثم فهي تنكر التاريخ تماماً. والاسترجاعيون عادةً حرفيون في تفسير العهد القديم، وهذا أمر أساسي لتأكيد الاستمرار، فهم لا يرون إلا دالاً واحداً ثابتاً مرتبطاً بمدلول واحد ثابت لا يتغيَّر.

стр. 6776

ولكن هذا التقديس لليهود يُضمر كرهاً عميقاً لهم ورفضاً شاملاً لهم ولوجودهم، ذلك أن بنية العقيدة الاسترجاعية هي نفسها بنية فكرة الشعب العضوي المنبوذ، شعب مختار متماسك عضوي يرفض الاندماج في شعب عضوي آخر، ولذا لابد من نبذه! ويمكن أن نلخص هذا الكره وذلك الرفض في العناصر التالية: ١ ـ يذهب الاسترجاعيون إلى أن اليهود أنكروا المسيح وصلبوه، وأن عملية استرجاعهم إن هي إلا جزء من عملية تصحيح لهذا الخلل التاريخي وجزء من عملية تطهيرهم من آثامهم. فاليهود ليسوا مركز الخلاص بل هم مركز الخلل وسببه. والواقع أنهم مركز الخلاص لأنهم بإنكارهم المسيح أصبحوا مركز الخلل وسببه الأساسي (وهذا هو المعادل الديني لفكرة الشعب العضوي المنبوذ) . والخلاص لا يمكن أن يتم إلا بتطهير مركز الخطيئة. ولعل هذا التركيز على أن اليهود أصل الخطيئة يُفسِّر أن المسيح الدجال سيكون يهودياً (من سوريا) ، وأنه هو الذي سيقود ملوك الأرض ضد المسيح في المعركة الأخيرة (هرمجدون) .

стр. 6777

٢ ـ تذهب العقائد الألفية والاسترجاعية إلى أن عملية الخلاص النهائي ستصاحبها معارك ومذابح تصل ذروتها في معركة واحدة أخيرة (هرمجدون) ، وهي معارك سيروح ضحيتها ثلثا يهود العالم وستخرب أورشليم (القدس) . بل إنه كلما ازداد العنف ازدادت لحظة النهاية اقتراباً، فكأن التعجيل بالنهاية لا يتم هنا من خلال فعل أخلاقي يقوم به المسيحيون وإنما من خلال تقديم قربان مادي جسدي للإله (هولوكوست) يُشوَى بأكمله. بل إن أبعاد هذه المذبحة ستكون أوسع مدىً من المحرقة النازية، فكأن العقيدة الاسترجاعية هي عكس العقيدة المسيحية. ففي العقيدة المسيحية، يأتي المسيح ويُنزَف دمه ويُصلَب ويُهزَم، فهو قربان يُقدِّمه الإله فداءً للبشر بأسرهم، قربان لا حاجة بعده إلى قرابين. أما العقيدة الاسترجاعية فتذهب إلى أن المسيح قائد عسكري يدخل المعارك ويثخن في الأعداء ثم ينتصر. واليهود هم الذين سينزفون، وهم قربان الرب الذي لا حاجة بعده إلى قرابين، ولذلك فإن ذَبْحهم (أو صَلْبهم) يشير إلى النهاية الألفية السعيدة. كما أن اليهود، حسب الرؤية المسيحية التقليدية، كانوا دعاة القومية، على حين أن المسيح هو داعية العالمية. أما هنا، فإن العكس هو الصحيح، فاليهود هم مركز خلاص العالم والمسيح هو القائد القومي الذي سيؤسس مملكته في صهيون. ٣ ـ انتهت حياة المسيح الأولى بإنكار اليهود له وصلبه، أما حياته الثانية فستنتهي بإعلان انتصاره وبالتدخل في آخر لحظة لإنقاذ البقية الباقية من اليهود (وإعادتهم إلى أرضهم) ، فيخر اليهود أمام المسيح ويعترفون بألوهيته ويقابلونه باعتباره الماشيَّح المنتظَر ويتحولون إلى دعاة تبشير بالمسيحية ينشرون الإنجيل في العالم، أي أن المسيح سينجح في إقناع اليهود بما فشل في إقناعهم به أول مرة. وحينما يحدث ذلك، تكون الدائرة الحلولية قد اكتملت وتمت هداية العالم بأسره.

стр. 6778

٤ ـ العقيدة الاسترجاعية عقيدة تُحوسل اليهود تماماً، أي تُحوِّلهم إلى وسيلة أو أداة نافعة وأساسية لخلاص المسيحيين ولكنها لا قيمة لها في حد ذاتها، فهم يستمدون قيمتهم من مقدار أدائهم لوظيفتهم ومقدار تعجيلهم بعملية الخلاص المسيحية. فبنية الصيغة الاسترجاعية (شعب عضوي منبوذ يمكن توظيفه) هي نفسها الصيغة الصهيونية الأساسية، وعلى هذا فإن الفكر الصهيوني في شكله الديني والعلماني فكر استرجاعي. هرمجدون Armageddon

стр. 6779

«هرمجدون» (أو: آرمجدون) كلمة مكونة من كلمتين: «هار» بمعنى «تل» و «مجدو» اسم مدينة في فلسطين ( «مجيدو» ) والتي تقع بالقرب منها عدة جبال ذات أهمية إستراتيجية، وهو ما جعل المدينة حلبة لكثير من المعارك العسكرية في العالم القديم. وهرمجدون هي الموضع الذي ستجري فيه المعركة الفاصلة والنهائية بين ملوك الأرض تحت قيادة الشيطان) قوى الشر) ضد القوى التابعة للإله (قوى الخير) في نهاية التاريخ، وسيشترك فيها المسيح الدجال حيث سيُكتَب النصر في النهاية لقوى الخير وستعود الكنيسة لتحكم وتسود مع المسيح على الأرض لمدة ألف سنة، وبعدها ستأتي السماوات الجديدة والأرض الجديدة والخلود. وقد ورد ذكر هرمجدون مرة واحدة في العهد الجديد (رؤيا يوحنا اللاهوتي ١٦/٦ "فجَمَعهم إلى الموضع الذي يُدعَى بالعبرانية هرمجدون") . ويرتبط كل هذا بعودة اليهود إلى أرض الميعاد مرة أخرى، فهذا شرط الخلاص (وإن كان يرتبط أيضاً بهلاك أعداد كبيرة منهم تبلغ ثلثي يهود العالم) . وهرمجدون هي الصورة المجازية الأساسية في العقائد الألفية الاسترجاعية البروتستانتية. وهي تتواتر في الخطاب الغربي السياسي الديني (خصوصاً في الأوساط البروتستانتية المتطرفة واليهودية الصهيونية) لوصف المعارك بين العرب والصهيونية، أو لوصف أي صراع ينشب في الشرق الأوسط، أو حتى في أية بقعة في العالم، كما يتم إدراك الصرع العربي الإسرائيلي من خلال هذه الصورة المجازية (هرمجدون) . وكثيراً ما يشير بعض رؤساء الجمهورية في الولايات المتحدة إلى هذه الصورة المجازية في تصريحاتهم الرسمية. ولا يمكن الحديث هنا عن أي تأثير يهودي أو نفوذ للوبي الصهيوني، فمثل هذه المصطلحات المشيحانية متأصلة في الخطاب الديني البروتستانتي منذ عصر النهضة الغربية، وذلك نظراً لتصاعد معدلات العلمنة والحلولية والحرفية التي تصر على أن ترى كل التعبيرات والأحداث المجازية في العهدين القديم والجديد كنبوءات تاريخية لابد

стр. 6780

أن تتحقق بحذافيرها. المسيح الدجال Anti-Christ «المسيح الدجال» هي الترجمة العربية للكلمة الإنجليزية «أنتي كرايست» والتي تعني حرفياً «ضد المسيح» . وعقيد المسيح الدجال عقيدة مسيحية أخروية ظهرت مع بدايات المسيحية، وزادت أهميتها مع الإصلاح الديني، وهي عقيدة صهيونية بصورة ملموسة إذ أنها تضع اليهود في مركز الدراما الكونية الخاصة بخلاص العالم، وهي أيضا عقيدة معادية لليهود إذ أن مركزيتهم نابعة من كونهم تجسيد للشر في التاريخ، ومن ثم فإن تنصُّرهم (ونهاية التاريخ) شرط أساسي للخلاص. وتذهب هذه العقيدة إلى أن المسيح الدجال شخصية كافرة قاسية طاغية، وهو ابن الشيطان (بل لعله هو نفسه الشيطان المتجسد) . ومن علاماته أنه توجد في أقدامه مخالب بدلاً من الأصابع. أما أبوه، فيُصوَّر على هيئة طائر له أربعة أقدام ورأس ثور بقرون مدببة وشعر أسود كثيف. والمسيح الدجال ابن امرأة يهودية، وسيأتي من قبيلة دان (فاستناداً إلى نبوءة يعقوب، فإن دان سيكون ثعباناً في الطريق، واستناداً إلى كلمات إرميا فإن جيوش دان ستلتهم الأرض. كما أن الإصحاح السابع في رؤيا يوحنا لم يذكر قبيلة دان عندما ذكر القبائل العبرانية) . ويتواتر الآن في الأوساط المسيحية الحرفية أن المسيح الدجال سيكون يهودياً من سوريا. ويُقال إن المسيح الدجال سيظهر في الشرق الأوسط في نهاية الأيام وهو العدو اللدود للمسيح وسيسبق ظهوره عدد من الدجالين، وأنه سيدَّعي أنه المسيح ويصدقه الكثيرون، وخصوصاً أنه قادر على الإتيان ببعض المعجزات (ولذا، فهو يسمَّى «قرد الإله» أي الذي سيقلد الإله كما تقلد القردة البشر) وسيطيعه الرعد وتحرس الشياطين له بعض كنوز الأرض (التي سيستخدمها في غواية البشر) .

стр. 6781

وسيقوم الدجال ببناء الهيكل وسيهدم روما (مقر البابا) وسيُحيي الموتى وسيحكم الأرض مع الشيطان لمدة يُقال إنها ستصل إلى خمسين عاماً، وإن كان الرأي الأغلب أن فترة حكمه لا تتجاوز ثلاثة أعوام ونصفاً وسيساعده اليهود في كل أفعاله. وعندما يصل البؤس إلى منتهاه، سيتدخل الإله فتنفخ الملائكة في البوق معلنة حلول يوم القيامة وسينزل المسيح (عودة المسيح الثانية) لينقذ البقية الباقية الصالحة. وستدور معركة كونية هي معركة هرمجدون ويَلقَى ثُلثا اليهود حتفهم أثناءها. وسيعود إلياهو وإنوخ وسيأمر الدجال بقتلهم، ولكنهم قبل أن يلاقوا حتفهم سينصرون اليهود الذين سيقبلون المسيح باعتبارهم أفراداً (لا شعباً) . وسيخرج من فم المسيح سيفٌ ذو حدين سيصرع به المسيح الدجال ويحكم العالم بالعدل لمدة ألف عام (أو إلى ما لا نهاية) حيث ينتشر السلام والإنجيل في العالم. وكثيراً ما كان الدجال يُقرَن بالماشيَّح الذي ينتظره اليهود. ويذهب الحرفيون إلى أن إنشاء دولة إسرائيل علامة على أن موعد عودة المسيح قد دنت ومن ثم لحظة هداية اليهود، كما يَقرن الوجدان البروتستانتي الدجال ببابا روما وبأية شخصية تصبح تجسيداً للآخر (دعاة الاستنارة ـ قيصر ألمانيا ـ لينين ـ هتلر ـ جمال عبد الناصر) . وعقيدة الدجال هي عقيدة حلولية تُلغي الزمان وتُلغي المسافة التي تفصل بين الخالق والمخلوق، ثم تُلغي الآخر تماماً وتُخرجه من دائرة القداسة والتوبة والهداية. والآخر هنا هو اليهود، والدجال هو رمزهم. والعقيدة هي بلورة لكثير من جوانب الموقف الغربي من اليهود فالحضارة الغربية تضع اليهود (الشعب العضوي المقدَّس المنبوذ) في مركز الكون حيث يتم القضاء عليهم بطريقتين: إما عن طريق الإبادة (الهولوكوست) في معركة هرمجدون (أو في معسكرات الغاز والإبادة) ، أو عن طريق التنصير (أو عمليات الاندماج المكثفة في الولايات المتحدة وغيرها: الهولوكوست الصامت) . فرسان الهيكل

стр. 6782

Knight Templars جمعية استيطانية صهيونية ذات ديباجة مسيحية. واشتقت الجمعية اسمها من جماعة فرسان الهيكل الأولى، وهم جماعة من الفرسان الرهبان ظهروا في فلسطين عام ١١١٨ بعد وصول حملات الفرنجة لأرض الشام بما لا يزيد على عشرين عاماً، وكوَّنوا جماعة وظيفية قتالية استيطانية في العالم الإسلامي، وجماعة وظيفية مالية وسيطة في العالم الغربي. وقد كانت العلاقة بين العالم المسيحي في العصور الوسطى وجماعة فرسان الهيكل علاقة نفعية. وقد دخل الفرسان صراعاً مع كل من الكنيسة والسلطة الزمنية، لكن كلاًّ منهما تَحمَّل استقلالية الفرسان على مضض طالما كانت ثمة وظيفة لهم. وبانتفاء الغرض الذي قامت من أجله جماعة فرسان الهيكل، ومع فقدانها وظيفتها بعد سقوط عكا في يد المسلمين عام ١٢٩٢، لم يَعُد هناك مجال للاستمرار في العلاقة فهجمت السلطة الزمنية (بتشجيع من الكنيسة) على الفرسان واتهمتهم بالهرطقة وقامت بتعذيبهم ومصادرة أموالهم وتشريدهم وقُتل رئيسهم جاك دي مولاي عام ١٣١٢ بأمر من فيليب الجميل ملك فرنسا وبمباركة من البابا كلمنت الخامس، واستولى فيليب الجميل على ثروة فرسان الهيكل وتمكَّن من إضعاف سلطة النبلاء وتقوية الدولة.

стр. 6783

وتعود جمعية فرسان الهيكل الحديثة إلى حركة الأتقياء التي ظهرت في ألمانيا في القرن السابع عشر كحركة إصلاحية في الكنيسة الإنجيلية أكدت دراسة الكتاب المقدَّس وأكدت الإلهام الديني المباشر والذاتي. وقد استمرت هذه الحركة حتى القرن ١٩ وتركزت حول تيوزوفن بنجل الذي بشَّر بقيام مملكة الرب وعودة المسيح إلى الأرض في أعقاب كوارث مريعة سببها الابتعاد عن الروح المسيحية. وتَوقَّع بنجل عودة المسيح عام ١٨٣٦ بعد ظهور المسيح الدجال متمثلاً في شخص نابليون بونابرت. وعندما حلت مجاعة بمملكة فورتمبرج عام ١٨١٧، دعا بنجل أتباعه إلى الهجرة إلى الشرق، فهاجر آلاف الفلاحين من هذه المملكة إلى جنوب روسيا حيث رحب بهم قيصر روسيا ألكسندر الأول. وقد رأت مملكة فورتمبرج في هجرة مواطنيها خطراً يتهددها، ولذا لجأت إلى إنشاء جمعيات خاصة للمتدينين ذات استقلال ذاتي. وكانت أولى تلك الجمعيات تحت رئاسة جوتليب هوفمان والد كريستوف هوفمان مؤسس جمعية الهيكل الألمانية، الذي وجد أن ازدياد نفوذ الاتجاهات الليبرالية والثورية في البرلمان القائم في فرانكفورت دليل قاطع على سيطرة الاتجاهات الشيطانية بسبب فشل الكنيسة الإنجيلية في رسالتها. ولذا، دعا هوفمان إلى إقامة كنيسة جديدة مستقلة، وساعده في هذا صديقاه جورج ديفيد هارديج وعمانويل باولوس. ومع اندلاع حرب القرم عام ١٨٥٣، اعتقد هوفمان أن الوقت قد حان لإقامة مملكة الرب وسَلْخ أرض الميعاد في فلسطين عن الإمبراطورية العثمانية المتداعية وجَعْلها موطناً لشعب الله المختار تنفيذاً للوعود التوراتية. وقد فسَّر هوفمان هذه الوعود بأنها ليست لليهود ولكن للشعب المسيحي الإنجيلي.

стр. 6784

ومن ثم، شكَّل هوفمان جمعية تحت اسم «أصدقاء القدس» عام ١٨٥٤ دعت إلى اتخاذ الوسائل والتدابير لوضع مشروعه موضع التنفيذ. وطرح هارديج فكرة السعي لدى البرلمان الألماني في فرانكفورت من أجل التأثير على السلطان العثماني للسماح للألمان باستيطان فلسطين واستعمارها من أجل إيجاد عمل للمتعطلين من الألمان، وكان شعاره هو "ينبغي إيجاد عمل للشعب الألماني" (أي أنه اكتشف الحل الاستعماري لمشاكل أوربا، وهو تصديرها للشرق) . وقد تبنت الجمعية اقتراح هارديج بالإجماع. وبناءً على ذلك، كتب هوفمان مشروع دستور للجمعية الجديدة أسماه «مشروع دستور شعب الله» وسُمِّيت الجمعية «جمعية تجميع شعب الإله في القدس» . ثم قام هوفمان وهارديج برحلات عديدة في أوربا للدعوة لهذه الجمعية حيث لاقت دعوتهم بعض القبول وتبرعت بعض الأسر الثرية بالأموال لشراء الأراضي لتكون مواضع لتجميع شعب الإله قبل الانطلاق لاستعمار فلسطين. وقد أدَّت المجاعة التي أصابت فورتمبرج إلى انضمام العديد من الأنصار إلى الجمعية. ومع انتهاء حرب القرم عام ١٨٥٦ وعدم انهيار الإمبراطورية العثمانية كما تَوقَّع هوفمان، شنت الكنيسة الإنجيلية حملة شديدة على الجمعية، الأمر الذي أدَّى إلى تَقلُّص عدد أعضائها تدريجياً. وقد دخل هوفمان وأنصاره، نتيجة هذا الهجوم الشرس، معركة كبرى مع الكنيسة الإنجيلية، وهو ما أدَّى إلى طردهم منها عام ١٨٥٩. ولهذا، فقد أنشأوا طائفة دينية خاصة بهم دعاها هوفمان «الهيكل الروحي» . وقد أدَّى انشقاق الجماعة إلى اشتداد الحملة الكنسية عليها الأمر الذي أدَّى إلى انفضاض الأتباع عنها. لكنها استطاعت أن تستمر وتحافظ على كينونتها، بفضل وجود أتباع كثيرين لها بين المهاجرين الألمان في أمريكا الشمالية وجنوب روسيا.

стр. 6785

وقد أُعيد تنظيم الجماعة عام ١٨٦١ تحت اسم «جماعة الهيكل الألمانية» وكان شعارها "من أجل تجديد الحياة الدينية والاجتماعية لشعب الإله". وكان من الطبيعي أن تتم عملية التجديد هذه من خلال صيغة صهيونية واضحة: خروج الشعب المختار، أو البقية الصالحة، من أرض السبي والمنفى (أوربا التي تسودها الآثام الأخلاقية والبطالة) ـ دخول أرض الميعاد أو صهيون (استعمار فلسطين) ـ قيام مجتمع مثالي (صهيوني) يتسم بصفتين: أن يكون طابعه ألمانياً فاقعاً وسُمِّيت إحدى المستعمرات «فالهالا» ، أي قاعة الآلهة التيوتون التي يقيمون فيها الولائم بعد أن يقضوا يومهم في الحرب والقتال، كما سُمِّيت مستوطنة أخرى «فيلهلما» ، أي «الوليامية» (نسبة إلى فلهلم أو وليام قيصر ألمانيا) ، وأن يتسم المجتمع المثالي الجديد أيضاً بأنه مستقل عن المحيط العربي، فيكون مجتمعاً صهيونياً استيطانياً وربما إحلالياً غير يهودي. وسيقوم المجتمع الجديد بتمثيل مصالح ألمانيا في الشرق، وستقوم هي بحمايته، أي أن المجتمع الجديد دولة وظيفية.

стр. 6786

وقد أنشأت الجمعية علاقات وثيقة مع جمعيات صهيونية غير يهودية مماثلة في أوربا بغرض استعمار فلسطين، من أهمها العلاقة بين هارديج وهنري دوتان السويسري مؤسس الصليب الأحمر والذي أسَّس جمعية تحت اسم "جمعية العمل الدولي من أجل تجديد فلسطين" وكانت تدعو إلى هيمنة المسيحيين (أي الاستعمار الغربي) على فلسطين عن طريق الاستيطان السلمي (أي التسلل) . ولهذا، فقد سعى دوتان لدى السفير العثماني في باريس (جمال باشا) ولدى الوزير الفرنسي المفوض في إستنبول (المسيو بوريه) من أجل الضغط على الباب العالي للسماح للمستعمرين الألمان من جمعية فرسان الهيكل بشراء الأراضي في فلسطين والاستقرار بها. وقد أدَّت ضغوط دوتان إلى موافقة الباب العالي على هذا عام ١٨٦٨، وقام دوتان بإبلاغ هارديج بهذا الانتصار. ومن ثم، سافر هوفمان وهارديج مع أسرتيهما إلى فلسطين والتقيا في الطريق مع العديد من الدبلوماسيين الأوربيين الذين زودوهما بنصائح عن كيفية التعامل مع الباب العالي وبينوا لهما ضرورة عدم التجنس بالجنسية العثمانية حتى يتمتعوا بالحماية الأوربية (كما فعل المستوطنون الصهاينة اليهود بعدهم) . وكان أحد الأسباب التي شجعت هوفمان وهارديج على البدء بمشروعهما الاستيطاني هو القانون العثماني الذي صدر في ١٨٦٧ مبيحاً للأجانب حق تملك الأرض في المدن والريف في الولايات العثمانية كافة. وعند وصولهما إلى حيفا عام ١٨٦٨، قام هوفمان وهارديج بالتحايل على رفض الباب العالي الموافقة لهما على شراء الأراضي في حيفا عن طريق وسيط عثماني، وبدأ عام ١٨٦٩ في بناء أول مستعمرة ألمانية في فلسطين من البحر حتى سفح جبل الكرمل (افتُتحت رسمياً عام ١٨٧٠) . وقد حرص هوفمان وأتباعه على بناء المستعمرة على النسق الأوربي مع المحافظة على علاقاتهم بالوطن الأم في ألمانيا. وقد نمت تلك المستعمرة حتى وصل عدد سكانها عام ١٩١٤ إلى ٧٥٠ نسمة.

стр. 6787

وقد أنشأ فرسان الهيكل الألمان مستعمرات أخرى مثل: مستعمرة يافا (١٨٦٩) ومستعمرة سارونا على طريق تل أبيب ـ يافا (١٨٧١) ، ومستعمرة ريفايم (١٨٧٢) التي صارت مقر إدارة الجمعية (١٨٧٨) ، ومستعمرة فالهالا (١٨٩٢) ، ومستعمرة فيلهلما (١٩٠٢) . وقد كان نشاط المستعمرات زراعياً بالدرجة الأولى في بداية الأمر، ولكن المستوطنين اتجهوا بالتدريج نحو التجارة والصناعة وانصرفوا عن الزراعة، فأنشأوا العديد من الورش والمعامل حتى أصبحوا محور الحياة الاقتصادية في حيفا وأدخلوا أنشطة ثقافية متعددة مثل الأمسيات الموسيقية والمسرح والنوادي الرياضية وأوجه الثقافة الأوربية كافة. وكانت علاقة المستوطنات بالوطن الأم علاقة شد وجذب. وثمة عوامل كانت تضغط على ألمانيا باتجاه تقديم العون للمستعمرين الألمان في فلسطين: الرأي العام الألماني، والبلاط القيصري، ووزارة خارجية فورتمبرج، والبحرية الألمانية. ولكن العوامل الأقوى هنا هي التي أدَّت إلى ابتعاد الوطن الأم عن المستوطنات. فمصالح الوطن الأم عادةً ما تكون ذات نطاق عالمي، فمسرح نشاطها هو العالم بأسره أما المستوطنات فتدور في إطار مصالحها الضيقة المباشرة. فمع عام ١٨٧١، وبعد تحقُّق الوحدة الألمانية التي تلت انتصار ألمانيا على فرنسا، تحولت ألمانيا إلى دولة عظمى في أوربا وبدأ الاهتمام بالحصول على مستعمرات أفريقية، واتجهت السياسة الألمانية إلى التحالف مع العثمانيين في مواجهة الإنجليز والروس، ولذا لم تحاول ألمانيا دَعْم فرسان الهيكل كثيراً. ومن ثم، أخذت الدعوة للهجرة من ألمانيا تتوقف، وخصوصاً بعد تَحسُّن الأحوال الاقتصادية في ألمانيا نفسها، وانتهت تماماً بحلول عام ١٨٧٥. وقد أدرك المستوطنون هذا وتوقفوا عن السعي لتحقيق غايتهم المنشودة وهي تجميع شعب الإله في القدس وإقامة مملكة الرب، وتَركَّز اهتمامهم على تحسين أحوالهم المعيشية.

стр. 6788

ودبت الخلافات بين المؤسسين حتى انفصل هارديج عام ١٨٧٤ وشكَّل رابطة الهيكل. وكانت العلاقة بين المستوطنين وبين السكان العرب متوترة (كما هو الحال دائماً بين أي مستوطنين غربيين وأصحاب الأرض الأصليين) . وقد حدثت مشادة بين عربي ومستوطن ألماني، فقتل المُستوطنُ العربي، وانتقم أهله له، وهو ما دعا المستوطنين إلى طلب حماية ألمانيا التي سارعت بإرسال بارجة حربية لشواطئ فلسطين في سابقة لم تحدث من قبل. ولكن التوتر بين المستوطنين والسكان الأصليين أدَّى إلى مزيد من تقليص الدعم الألماني للمستوطنين، وذلك نظراً لأن ألمانيا كانت تود تحسين علاقاتها مع الباب العالي. وقد صدرت تعليمات مشددة من الخارجية الألمانية باعتبار المستوطنين ليسوا ألماناً، ما لم يرسلوا أبناءهم لأداء الخدمة العسكرية. وبعدئذ، حاول المستوطنون الألمان، أكثر من مرة، لفت نظر الحكومة الألمانية إلى أهمية فلسطين وإلى الضرر الذي قد يلحق بألمانيا إن وقعت فلسطين تحت السيطرة الفرنسية، بيد أن موقف الحكومة الألمانية كان مخيباً لآمال المستوطنين. وقد اتخذت جماعة فرسان الهيكل موقفاً معادياً من المستوطنين اليهود لاعتبارات عدة دينية وسياسية واقتصادية. فمن الناحية الدينية، رفض هوفمان اعتبار اليهود شعب الإله لأنهم غارقون في الدنس، ومن الناحية الاقتصادية اعتبرهم فرسان الهيكل منافسين خطرين، ومن الناحية السياسية خشي فرسان الهيكل من سيطرة اليهود على مقدرات الحياة في فلسطين لحُسْن تنظيمهم وقدراتهم المالية.

стр. 6789

وفي المقابل، استفاد الصهاينة من تجربة فرسان الهيكل في كيفية بناء المستوطنات والتنظيم على النسق الأوربي وطالبتهم الجرائد الصهيونية باتخاذ موقف متسامح ومتفهم للمصالح المشتركة بين اليهود والألمان. وقد ساعد على تحسُّن العلاقة، ولو لفترة قصيرة جداً، أن الحركة الصهيونية قبل وعد بلفور كانت تتطور في ألمانيا والتزم فرسان الهيكل بالسياسة الألمانية الرسمية في دَعْم الصهاينة في محاولة منهم للتقرب من الحكومة الألمانية. ولكن الحرب العالمية الأولى جاءت واتجه الصهاينة إلى الحلفاء ضد دول الوسط، وبعدئذ سقطت فلسطين في أيدي الإنجليز لتُنهي كل علاقة طيبة بين فرسان الهيكل والصهاينة، بل لتنهي المستعمرات الألمانية في فلسطين. ومن الأمور التي قد تكون طريفة ودالة في آن واحد أن بقايا فرسان الهيكل قد أصبحوا نواة الحزب النازي في فلسطين في الثلاثينيات واختفوا تماماً مع سقوط النازية. وأهمية جمعية فرسان الهيكل تَكمُن في أنها تُبلوِّر النموذج الصهيوني بشكل لم يتحقق من قبل ربما لن يتحقق من بعد (بسبب صغر حجم التجربة) . ١ ـ فكما بيَّنا، يدور فرسان الهيكل داخل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة: خروج من أوربا ـ دخول في فلسطين ـ توظيف المادة البشرية المنقولة ـ إنشاء الدولة الوظيفية ـ دولة راعية تقوم الدولة الوظيفية على خدمتها. ٢ ـ تتشابه الديباجات بين تجربة الصهاينة وتجربة فرسان الهيكل بشكل مدهش فهي ديباجات حلولية كمونية يتداخل فيها المقدَّس والنسبي والتوراتي والعسكري بشكل شبه كامل. ٣ ـ كلتا التجربتين الصهيونية اليهودية والصهيونية الألمانية ترى نفسها استمراراً لتجربة الفرنجة. ٤ ـ العنف العسكري هو آلية حتمية لكلتا التجربتين لأن السكان الأصليين رفضوا المستوطنين. ٥ ـ العلاقة بين المستوطنين (الهيكليين والصهاينة) والدولة الراعية هي علاقة نفعية هي علاقة المرتزق بولي نعمته.

стр. 6790

٦ ـ التجربة الصهيونية الألمانية (غير اليهودية) تسبق التجربة الصهيونية اليهودية (وهي في هذا تعبير عن أسبقية الصهيونية ذات الديباجات المسيحية وصهيونية غير اليهود العلمانية على الصهيونية ذات الديباجة اليهودية) . ٧ ـ من الأمور التي تستحق التأمل التشابه الكامل بين الصهيونيتين رغم اختلاف الشخصيات التي قامت بتنفيذ كل منهما: ففرسان الهيكل "مسيحيون" والصهاينة "يهود". ولعل هذا يعود إلى أن إشكالية الصهيونية هي إشكالية كامنة على المستوى الحضاري والمعرفي في الحضارة الغربية، ولذا فهي نموذج نهائي قادر على التهام أشكال الخطاب الديني المختلفة (يهودياً كان أم مسيحياً) لتعيد إنتاجه على هيئة مشروع لا ديني يستخدم ديباجات دينية. المورمون Mormons (Latter-Day Saints) «المورمون» حركة دينية شبه مسيحية، مركزها الرئيسي مدينة سولت ليك في ولاية أوتاه، واسمها الحقيقي هو «كنيسة المسيح عيسى، قديس آخر الأيام» . وهي حركة ذات طابع حلولي كموني واضح. وتوجد مجموعات متفرقة منفصلة من المورمون في مدينة إندبندانس في ولاية ميسوري ومدينة بيرليختون في ولاية ويسكونسين. والخلفية الاجتماعية والتاريخية لنشوء حركة المورمون مهمة لفهم عقائدهم، فقد بدأت في عشرينيات القرن الماضي وهي فترة توسُّع اقتصادي ضخم في الولايات المتحدة الأمر الذي خلق ردة فعل لدى ضحايا التقدم وتزايدت الدعوات الإنجيلية.

стр. 6791

وقد نشأ جوزيف سميث (١٨٠٥ ـ ١٨٤٤) مؤسس الحركة في أسرة تبحث عن الحراك الاجتماعي استقرت في نيويورك لهذا السبب. وفي هذا الجو الذي يتسم بالسيولة بدأ سميث بحثه عن الكنيسة الحقيقية أو الصحيحة. وفي ربيع ١٨٢٠، في سن الرابعة عشرة، تَلقَّى وحياً من الرب من خلال ملاك يُدعَى موروني (ومن هنا التسمية التي اشتهروا بها) بألا ينضم لأيٍّ من الكنائس القائمة لأنها كلها "خاطئة". ثم تَلقَّى وحياً آخر بأن الرب اختاره ليكون أداته لاستعادة الكنيسة الحقيقية أو الصحيحة بعد أن أفسدها أفراد لا عصمة لهم انحدروا إلى الشر والفساد. فقد هداه الملاك إلى أن يذهب إلى تل على مقربة من مزرعة أبويه حيث عثر على صحائف ذهبية فترجمها ونشرها عام ١٨٣٠ تحت عنوان كتاب المورمون وهو التاريخ المقدَّس لثلاث قبائل هاجرت إلى أمريكا الشمالية (٦٠٠ ق. م) أي قبل صول كولومبوس، وبعد حروب طويلة انقسمت القبائل إلى قسمين: النفايت (Nephite) واللامانايت (Lamanite) وهم أسلاف الهنود الحمر. وحسبما جاء في كتاب المورمون زار المسيح أمريكا بعد صلبه وعلمهم الإنجيل وأسَّس كنيسة لإقناع اليهود والأغيار أن عيسى هو المسيح، الإله الخالد الذي يكشف عن نفسه لكل الأمم (وهكذا تصبح الولايات المتحدة موضع الحلول والكمون) . وقد أعلن سميث أن كتاب المورمون هو كتاب مُكمِّل للإنجيل وليس بديلاً له. ومع هذا فإن المورمون ينظرون إليه باعتباره كتاباً مقدَّساً.

стр. 6792

وقد كان سميث يرى أن الكتب المقدَّسة ليست كافية في حد ذاتها لاستعادة الحقيقة المطلقة فالجنس البشري يحتاج إلى سلطة إلهية (شرعية إلهية) وقد اختفت مثل هذه السلطة بعد الأيام الأولى للمسيحية. ولكنها ظهرت مرة أخرى عام ١٨٢٩ في شخص سميث ومساعده أوليفر كودري. وهكذا عادت الكنيسة الحقيقية الصحيحة التي يقودها مجموعة من الكهنة ذوي الصلاحية الإلهية الذين يتمتعون بقدر عال من العصمة. وفي عام ١٨٣٣ طوَّر سميث العقيدة المورمونية بعد نشر كتاب الوصايا والعقائد والمواثيق وقد طلب من القديسين (أعضاء الكنيسة) أن يتجمعوا في جماعات وبنوا هيكلاً هو المركز الحرفي والمجازي المقدَّس للجماعة. وحسب ادعاءات الجماعة ظهر عيسى وموسى وإلياس وإلياهو لسميث وكوردي في المعبد عام ١٨٣٦ وبدأ تأسيس مملكة الرب التي لا تُفرِّق بين المقدَّس والنسبي ويحكمها الكهنة (تماماً كما هو الحال في مملكة يسرائيل القديمة) وقد حقق سميث نجاحات كثيرة في حركته التبشيرية وفكَّر في ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية.

стр. 6793

وبدأت تتبلور بعض العقائد التي تبتعد في جوهرها عن المسيحية ومن هذه العقائد إيمان المورمون بأن الإله ليس ثالوثاً مقدَّساً (كما يؤمن المسيحيون) وإنما ثلاثة آلهة، وأن الإله الأب كان في يوم من الأيام إنساناً وصل إلى الألوهية. وكما يقول لورنزو سنو (أحد "أنبياء المورمون" عام ١٩٠١) و"كما هو الإنسان الآن، كان الإله يوماً، وكما هو الإله الآن سيصبح الإنسان"، وهي عبارة لا تختلف كثيراً عن عبارة فتشينو الهرمسي إن الإله قد أصبح إنساناً كي يصبح الإنسان إلهاً (ولذا فكل من يتزوج زواجاً توافق عليه الكنيسة، سيصبح إلهاً في العالم الآخر) وكل من يتبع المورمونية في نهاية الأمر سيصبح هو الآخر إلهاً. ومن الواضح أن المنظومة المورمونية منظومة حلولية كمونية متطرفة لا تفرق بين الخالق والمخلوق. وهنا نجد ما سماه أحد الدارسين «ميتافيزيقا المادية» ، أي عدم الاعتراف بالخلق من العدم، أي أن الإله خَلَق العالم من مادة قديمة (على عكس الديانات التوحيدية التي تصر دائماً على الإيمان بالخلق من العدم) وهم يؤمنون بنوع من الوجود الروحي قبل الميلاد (وليس بتناسخ الأرواح) إذ يوجد ما يُسمَّى الإنسان الأزلي أو الأول، وهو إنسان وُجد قبل الخلق كجزء من الخالق، بل إنه هو نفسه الخالق (تماماً كما هو الحال في النظم الغنوصية) . وينقسم العالم الآخر إلى ثلاثة أقسام (كما هو الحال في الكاثوليكية) قسم أعلى يحتله المؤمنون والثاني لغير المؤمنين والثالث للشيطان وأتباعه. وأعضاء المورمون ممن يودون أن يدخل أسلافهم الجنة يمكنهم تعميدهم بأثر رجعي، ولذا يهتم المورمون بالسلالات وشجرة العائلة.

стр. 6794

ويُلاحَظ أن النزعة المشيحانية تحوي داخلها تيارين متناقضين: نزعة عميقة وواحدية معادية للحداثة ونزعة لا تقل عمقاً أو واحدية مؤيدة لها، وهو تناقض يوجد داخل المشيحانية المورمونية. ولكن هذا الصراع حُسم عام ١٨٩٠ لصالح التحديث إذ أصدر الرئيس الثالث للجماعة (ويلفورد وودروف) مانفستو بمنع تعدُّد الزوجات إذ كان هذا يعني التخلي عن فكرة الكنيسة الصحيحة ودخول التيار الأمريكي الذي يقبل التعددية النسبية. وبدأ المورمون تأكيد عناصر أخرى هي مصدر للتماسك مثل عدم شرب الكحول والشاي والقهوة وارتداء أزياء معينة والابتعاد عن الممارسات الجنسية الإباحية، كما أكدوا الإيمان بالتقدم اللانهائي للإنسان (ونهاية التقدم أن يصبح الإنسان إلهاً) . وهذه القيم هي عبارة عن بعث الأخلاقيات والقيم البروتستانتية التي هي عبارة عن زهد داخل الدنيا يساعد على الانضباط وتوحيد حياة الإنسان وتكثيف طاقتها وتوجيهها بشكل رشيد حتى يمكن غزو العالم، كل هذا يعني في واقع الأمر التكيف مع مرحلة الرأسمالية التنافسية في الولايات المتحدة.

стр. 6795

ورغم أن سميث كان يرى أن الولايات المتحدة موضع الكمون والحلول إلا أنه لم يكن يحصره فيها، فقد كان يرى أن فلسطين هي الأخرى موضع حلول وكمون ولذا كان يرى أن ثمة ضرورة لتجميع اليهود في فلسطين باعتبارها أرض إسرائيل، وذلك من أجل تحقيق الوعد للمؤمنين الجدد الذين يجب عليهم التجمُّع في أرض الميعاد الجديدة، مورمون في أمريكا ويهود في فلسطين. وقد كان اهتمام سميث بفكرة عودة اليهود كبيراً لدرجة أنه أنشأ مع أتباعه، عام ١٨٣٦، مدرسة لتعليم اللغة العبرية بدون معلم لدراسة التوراة بلغتها الأصلية وأيضاً للتبشير بين اليهود بلغتهم الأصلية من أجل إرسالهم لفلسطين. وقد أرسل سميث أحد أنصاره (أرسون هايد) في رحلة تبشيرية دينية لأوربا وفلسطين لنشر دعوة المورمون في الأوساط اليهودية الأوربية عام ١٨٤١. وقد قوبلت دعوة هايد بالرفض من قبَل حاخام هولندا. وأرسل هايد لسميث رسالة يخبره فيها بضرورة استخدام القوة السياسية والضغوط الحكومية لإعادة الشعب اليهودي إلى أرضه، وأن إنجلترا مُقدَّر لها أن تلعب هذا الدور لتحقيق هذا المشروع العظيم. وأعرب هايد عن تفاؤله لأن هذه الأرض المباركة ستصير خصبة وعامرة عندما يمتلكها أصحابها الحقيقيون.
следующие страницы →