Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.
стр. 6791
وقد نشأ جوزيف سميث (١٨٠٥ ـ ١٨٤٤) مؤسس الحركة في أسرة تبحث عن الحراك الاجتماعي استقرت في نيويورك لهذا السبب. وفي هذا الجو الذي يتسم بالسيولة بدأ سميث بحثه عن الكنيسة الحقيقية أو الصحيحة. وفي ربيع ١٨٢٠، في سن الرابعة عشرة، تَلقَّى وحياً من الرب من خلال ملاك يُدعَى موروني (ومن هنا التسمية التي اشتهروا بها) بألا ينضم لأيٍّ من الكنائس القائمة لأنها كلها "خاطئة". ثم تَلقَّى وحياً آخر بأن الرب اختاره ليكون أداته لاستعادة الكنيسة الحقيقية أو الصحيحة بعد أن أفسدها أفراد لا عصمة لهم انحدروا إلى الشر والفساد. فقد هداه الملاك إلى أن يذهب إلى تل على مقربة من مزرعة أبويه حيث عثر على صحائف ذهبية فترجمها ونشرها عام ١٨٣٠ تحت عنوان كتاب المورمون وهو التاريخ المقدَّس لثلاث قبائل هاجرت إلى أمريكا الشمالية (٦٠٠ ق. م) أي قبل صول كولومبوس، وبعد حروب طويلة انقسمت القبائل إلى قسمين: النفايت (Nephite) واللامانايت (Lamanite) وهم أسلاف الهنود الحمر. وحسبما جاء في كتاب المورمون زار المسيح أمريكا بعد صلبه وعلمهم الإنجيل وأسَّس كنيسة لإقناع اليهود والأغيار أن عيسى هو المسيح، الإله الخالد الذي يكشف عن نفسه لكل الأمم (وهكذا تصبح الولايات المتحدة موضع الحلول والكمون) .
وقد أعلن سميث أن كتاب المورمون هو كتاب مُكمِّل للإنجيل وليس بديلاً له. ومع هذا فإن المورمون ينظرون إليه باعتباره كتاباً مقدَّساً.
стр. 6792
وقد كان سميث يرى أن الكتب المقدَّسة ليست كافية في حد ذاتها لاستعادة الحقيقة المطلقة فالجنس البشري يحتاج إلى سلطة إلهية (شرعية إلهية) وقد اختفت مثل هذه السلطة بعد الأيام الأولى للمسيحية. ولكنها ظهرت مرة أخرى عام ١٨٢٩ في شخص سميث ومساعده أوليفر كودري. وهكذا عادت الكنيسة الحقيقية الصحيحة التي يقودها مجموعة من الكهنة ذوي الصلاحية الإلهية الذين يتمتعون بقدر عال من العصمة. وفي عام ١٨٣٣ طوَّر سميث العقيدة المورمونية بعد نشر كتاب الوصايا والعقائد والمواثيق وقد طلب من القديسين (أعضاء الكنيسة) أن يتجمعوا في جماعات وبنوا هيكلاً هو المركز الحرفي والمجازي المقدَّس للجماعة. وحسب ادعاءات الجماعة ظهر عيسى وموسى وإلياس وإلياهو لسميث وكوردي في المعبد عام ١٨٣٦ وبدأ تأسيس مملكة الرب التي لا تُفرِّق بين المقدَّس والنسبي ويحكمها الكهنة (تماماً كما هو الحال في مملكة يسرائيل القديمة) وقد حقق سميث نجاحات كثيرة في حركته التبشيرية وفكَّر في ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية.
стр. 6793
وبدأت تتبلور بعض العقائد التي تبتعد في جوهرها عن المسيحية ومن هذه العقائد إيمان المورمون بأن الإله ليس ثالوثاً مقدَّساً (كما يؤمن المسيحيون) وإنما ثلاثة آلهة، وأن الإله الأب كان في يوم من الأيام إنساناً وصل إلى الألوهية. وكما يقول لورنزو سنو (أحد "أنبياء المورمون" عام ١٩٠١) و"كما هو الإنسان الآن، كان الإله يوماً، وكما هو الإله الآن سيصبح الإنسان"، وهي عبارة لا تختلف كثيراً عن عبارة فتشينو الهرمسي إن الإله قد أصبح إنساناً كي يصبح الإنسان إلهاً (ولذا فكل من يتزوج زواجاً توافق عليه الكنيسة، سيصبح إلهاً في العالم الآخر) وكل من يتبع المورمونية في نهاية الأمر سيصبح هو الآخر إلهاً. ومن الواضح أن المنظومة المورمونية منظومة حلولية كمونية متطرفة لا تفرق بين الخالق والمخلوق. وهنا نجد ما سماه أحد الدارسين «ميتافيزيقا المادية» ، أي عدم الاعتراف بالخلق من العدم، أي أن الإله خَلَق العالم من مادة قديمة (على عكس الديانات التوحيدية التي تصر دائماً على الإيمان بالخلق من العدم) وهم يؤمنون بنوع من الوجود الروحي قبل الميلاد (وليس بتناسخ الأرواح) إذ يوجد ما يُسمَّى الإنسان الأزلي أو الأول، وهو إنسان وُجد قبل الخلق كجزء من الخالق، بل إنه هو نفسه الخالق (تماماً كما هو الحال في النظم الغنوصية) . وينقسم العالم الآخر إلى ثلاثة أقسام (كما هو الحال في الكاثوليكية) قسم أعلى يحتله المؤمنون والثاني لغير المؤمنين والثالث للشيطان وأتباعه. وأعضاء المورمون ممن يودون أن يدخل أسلافهم الجنة يمكنهم تعميدهم بأثر رجعي، ولذا يهتم المورمون بالسلالات وشجرة العائلة.
стр. 6794
ويُلاحَظ أن النزعة المشيحانية تحوي داخلها تيارين متناقضين: نزعة عميقة وواحدية معادية للحداثة ونزعة لا تقل عمقاً أو واحدية مؤيدة لها، وهو تناقض يوجد داخل المشيحانية المورمونية. ولكن هذا الصراع حُسم عام ١٨٩٠ لصالح التحديث إذ أصدر الرئيس الثالث للجماعة (ويلفورد وودروف) مانفستو بمنع تعدُّد الزوجات إذ كان هذا يعني التخلي عن فكرة الكنيسة الصحيحة ودخول التيار الأمريكي الذي يقبل التعددية النسبية. وبدأ المورمون تأكيد عناصر أخرى هي مصدر للتماسك مثل عدم شرب الكحول والشاي والقهوة وارتداء أزياء معينة والابتعاد عن الممارسات الجنسية الإباحية، كما أكدوا الإيمان بالتقدم اللانهائي للإنسان (ونهاية التقدم أن يصبح الإنسان إلهاً) . وهذه القيم هي عبارة عن بعث الأخلاقيات والقيم البروتستانتية التي هي عبارة عن زهد داخل الدنيا يساعد على الانضباط وتوحيد حياة الإنسان وتكثيف طاقتها وتوجيهها بشكل رشيد حتى يمكن غزو العالم، كل هذا يعني في واقع الأمر التكيف مع مرحلة الرأسمالية التنافسية في الولايات المتحدة.
стр. 6795
ورغم أن سميث كان يرى أن الولايات المتحدة موضع الكمون والحلول إلا أنه لم يكن يحصره فيها، فقد كان يرى أن فلسطين هي الأخرى موضع حلول وكمون ولذا كان يرى أن ثمة ضرورة لتجميع اليهود في فلسطين باعتبارها أرض إسرائيل، وذلك من أجل تحقيق الوعد للمؤمنين الجدد الذين يجب عليهم التجمُّع في أرض الميعاد الجديدة، مورمون في أمريكا ويهود في فلسطين. وقد كان اهتمام سميث بفكرة عودة اليهود كبيراً لدرجة أنه أنشأ مع أتباعه، عام ١٨٣٦، مدرسة لتعليم اللغة العبرية بدون معلم لدراسة التوراة بلغتها الأصلية وأيضاً للتبشير بين اليهود بلغتهم الأصلية من أجل إرسالهم لفلسطين. وقد أرسل سميث أحد أنصاره (أرسون هايد) في رحلة تبشيرية دينية لأوربا وفلسطين لنشر دعوة المورمون في الأوساط اليهودية الأوربية عام ١٨٤١. وقد قوبلت دعوة هايد بالرفض من قبَل حاخام هولندا. وأرسل هايد لسميث رسالة يخبره فيها بضرورة استخدام القوة السياسية والضغوط الحكومية لإعادة الشعب اليهودي إلى أرضه، وأن إنجلترا مُقدَّر لها أن تلعب هذا الدور لتحقيق هذا المشروع العظيم. وأعرب هايد عن تفاؤله لأن هذه الأرض المباركة ستصير خصبة وعامرة عندما يمتلكها أصحابها الحقيقيون.
стр. 6796
وبعد مقتل سميث عام ١٨٤٤ (على يد بعض أتباعه ممن رفضوا آراءه المتطرفة) ، تصاعدت النزعة الصهيونية بين المورمون كما هو الحال مع الصهاينة وغيرهم من ذوي الديباجة المسيحية فبعد أن قضت الدول الغربية على تجربة محمد علي في التجديد الحضاري عام ١٨٤٠، ساد الإحساس بأن سقوط الدولة العثمانية يبدو وشيكاً وأن اليهود أصبح مقدراً لهم أن يلعبوا دوراً في الشرق العربي الإسلامي. وقد أصدر خليفة سميث بريجهام يونج ومجلس الحكماء الإثنى عشر بياناً لكل ملوك العالم ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ولكل حكام الأرض وشعوبها، يدعون فيه إلى إصدار أمر باسم المسيح لليهود المشتتين بين كل شعوب الأرض بإعداد أنفسهم للعودة إلى القدس (فلسطين) وبإعادة بناء هذه المدينة والهيكل المكرس للإله، وكذلك تنظيم وإقامة دولتهم الخاصة وحكومتهم وذلك تحت إدارة قضاتهم وحكامهم ومشرعيهم في هذا البلد: "وليكن معلوماً لليهود أننا نحمل مفاتيح القداسة والمملكة التي سيعودون قريباً إليها، ولذا فإن عليهم أيضاً أن يندموا ويتوبوا ويُعِّدوا أنفسهم لإطاعة أحكام الرب".
وقد لعب المورمون في الولايات المتحدة دوراً مهماً في التبشير بالعقائد الصهيونية وبأفكار عودة اليهود وتجميعهم في فلسطين. وعبَّر ويلفورد وودروف عن إيمانه باقتراب الزمان الذي يقوم فيه أثرياء اليهود باستخدام ثرواتهم لتجميع الشعب المشتت وشراء أراضي أجدادهم في القدس وإعادة بناء المدينة المقدَّسة والهيكل. وفي عام ١٨٩٩، وبعد المؤتمرين الصهيونيين الأول والثاني (١٨٩٧، ١٨٩٨) ، نشر د. تانر عميد كلية الزراعة بجامعة ولاية يوتاه مقالة افتتاحية طويلة في جريدة المورمون يحث فيها أغنياء اليهود على رعاية الحركة الناشئة لأن المشكلة الاقتصادية ستطل برأسها لا محالة والاعتبارات العملية ينبغي عدم إغفالها. ويؤكد تانر أن العديد من اليهود لن ينتظروا قرار السلطان التركي.
стр. 6797
ومع صدور وعد بلفور، أعرب المورمون عن فرحهم الشديد لتحقيق الوعد وجَمْع شمل اليهود في فلسطين وذلك لتحقيق ملكوت السموات. وقد سافر اثنان من قادة المورمون إلى فلسطين بمناسبة الذكرى الرابعة لصدور وعد بلفور، وعبَّرا عن دهشتهما مما شاهداه من مظاهر الرفض المسيحي والإسلامي لحركة الاستيطان اليهودي، كما أعلنا أن الأمريكيين يحبذون عودة اليهود لفلسطين لأنهم مسيحيون مخلصون!
وثمة تَشابُه بنيوي ملحوظ بين حركة المورمون والحركة الصهيونية، فكلتا الحركتين تقومان على فكرة حلول الإله في شعب أو جماعة، سواء كانت هذه الجماعة هي اليهود في حالة الصهيونية أو الأوربيين البيض الشقر في حالة المورمون. وكلتا الجماعتين تؤمن بفكرة العودة المقدَّسة أو بأن ثمة شعباً تائهاً مشتتاً يبحث عن أرض الميعاد. وفي حالة المورمون، كانت هذه الأرض هي ولاية يوتاه حيث تنص تعاليم سميث، نبي الحركة، على أن أمريكا هي صهيون الحقيقية كما رأينا. ومن ثم، فإن رؤية المورمون تفترض غياب السكان الأصليين. ومعنى ذلك أنها رؤية إبادية تُغيِّب الآخر، تماماً مثل الرؤية الصهيونية للفلسطينيين. وقد أفلت الفلسطينيون من الإبادة لأسباب كثيرة من بينها أنهم ينتمون لتشكيل حضاري مُركَّب ويتمتعون بمستوى تعليمي عال وكثافة سكانية. ولهذا، فإن الصهاينة لم يستطيعوا سوى طردهم من فلسطين، أما قبائل الساليش التي كانت تقطن يوتاه فلم تفلت من هذا المصير إذ أبيد معظمهم. ويتبدَّى التشابه البنيوي بين المورمون والصهاينة في أجلى صوره في عملية اختيار المورمون ليوتاه والبحيرة المالحة لبناء مدينتهم ومستوطَنهم، فلقد وجدوا في هذه البقعة بحيرة مالحة يغذيها نهر حلو وينبع النهر من بحيرة أخرى. وعلى الفور، رأوا التشابه الشكلي مع الأردن والبحر الميت وبحيرة طبرية، حتى أنهم سموا النهر باسم الأردن.
стр. 6798
ويمكن القول بأن الأفكار المشيحانية التي تُوجِّه حركة المورمون تقود لا محالة إلى تأييد الفكر الصهيوني من منطلق احتقار اليهود، وحوسلتهم باعتبارهم جزءاً من متتالية الخلاص المسيحية، ومن هنا الرغبة في تنصيرهم وإبادة جرثومة الشر الموجودة في العالم إيذاناً بحلول السلام ونهاية التاريخ.
وفي إحدى أدبيات المورمون نقرأ أن "ثمة غريزة موروثة تقود اليهود نحو هذا الهدف [أي الذهاب إلى فلسطين] بيد أنهم لا يعرفون سبب هذا فهم وسيلة وليسوا غاية". ولكن السبب واضح لنا، فهم سيذهبون "للإعداد وللترحيب بعودة ابن الرب وملك الملوك وسيد الأسياد وأمير السلام الذي سيضع قدمه على الجبل فيقسمه شطرين". وعلاقة المورمون بالحركة الصهيونية تُذكِّرنا بأولئك الصهاينة غير اليهود الذين يودون جمع اليهود في مكان واحد ليَسهُل إفناؤهم أو تنصيرهم. فموقف المورمون المتعاطف مع الصهاينة يعبِّر عن رغبة عميقة في التخلص من اليهود.
وإذا كان صهاينة أوربا من غير اليهود يفكرون في التخلص من اليهود باعتبارهم عنصراً بشرياً فائضاً يهدد الأمن الاجتماعي ويمكن نَقْله خارج أوربا وتوظيفه لصالحها، فإن موقف المورمون من اليهود كان أكثر جذرية. فالمورمون أصحاب رؤية حلولية كمونية يدورون في إطار ثالوث مقدَّس: إله يحل في المورمون (ومن ثم فهُم شعب مختار) وفي أرضهم (أمريكا، أرض الميعاد) .
وجماعة المورمون لها حركة تبشيرية قوية إذ أن أعضاء الكنيسة من الذكور لابد أن يقوموا بخدمة تبشيرية تصل أحياناً لمدة عام (ويبلغ عدد المبشِّرين المورمون ٤٨ ألفاً) ولذا ارتفعت عضوية الكنيسة من ٥.٦ مليون عام ١٩٨٤ إلى ٩ مليون. ويعيش منهم ٤.٦ مليون في الولايات المتحدة وكندا. ولكن قصة نجاح المورمون الحقيقية في أمريكا اللاتينية (٢.٧ مليون) . وتبلغ ميزانية الكنيسة ٨ مليون دولار.
стр. 6799
وقد حاول المورمون مؤخراً أن يؤسسوا جامعة في إسرائيل لتكون مركزاً للتبشير برسالة المورمون وعقيدتهم، وقد اعترض على ذلك كثير من أعضاء المؤسسة الدينية اليهودية في إسرائيل ولكن المورمون نجحوا في نهاية الأمر، من خلال ضغوط مارسوها على الكونجرس الأمريكي.
ويرى الناقد الأدبي الأمريكي اليهودي هارولد بلوم أن حركة المورمون حركة دينية غنوصية، وأنها تعبِّر عن جميع العقائد الدينية السائدة في الولايات المتحدة، أي أنها العقيدة الدينية النماذجية الأمريكية، عقيدة الإنسان المتأله.
شهود يهوه
Jehovah's Witnesses
«شهود يهوه» جماعة دينية مسيحية بروتستانتية اسمها الأصلي هو Watchtower Bible and Tract Society يؤمن أتباعها بعدد من الأفكار المشيحانية الصهيونية. ويعود اسم الجماعة الشائع إلى إيمانها بأن اسم الإله الحقيقي هو «يهوه» وأن الاسم الحقيقي للمسيحيين هو «شهود» . نشأت الحركة في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٨٧٢ في مدينة بتسبرج بولاية فيلادلفيا على يد رجل أعمال شاب يدعى تشارلز راسل (١٨٥٢ ـ ١٩١٦) كان ينتمي لجماعة الأدفنتست، وهي جماعة بروتستانتية تدور أفكارها حول أطروحة عودة المسيح (فهم الأدفنتست أو المؤمنون بالعودة) وتنصير اليهود باعتبارهم أس الشر وجرثومة الفساد التي نمت في العالم.
ولقد واكب ظهور حركة شهود يهوه نهاية الحرب الأهلية الأمريكية التي شهدت دمار الجنوب وإخضاعه لسيطرة الشمال. وبذا، وُجدت تربة خصبة لنمو الأفكار المشيحانية عن الخلاص ونهاية العالم في جو الإحباط والدمار الذي تلا الحرب.
وقد أسس راسل جماعة لدراسة التوراة ونشر عام ١٨٧٤ على نفقته الخاصة كتيب غرض عودة الرب وكيفيتها الذي يزعم فيه كاتبه أنه كشف للعالم الخطة التي رسمها الرب للبشرية.
стр. 6800
وفي عام ١٨٧٩، قامت الجماعة بتأسيس مجلة برج صهيون وبشير مجيئ المسيح الشهرية التي ازداد توزيعها بمرور الوقت. وقد انخرط راسل في حسابات معقدة مستمدة من التوراة لمعرفة وقت عودة المخلِّص وبداية العهد الألفي وتخليص العالم من الشر ونهاية التاريخ وهي الأفكار التي تمثل حجر الزاوية في كل الأنساق الحلولية. وقد حدد راسل عام ١٩١٤ لعودة اليهود. وفيما بعد، أعلن أتباعه أنه كان يقصد الإشارة لوعد بلفور الذي صدر عام ١٩١٧.
وصاغ راسل نظرية دينية تقوم على منظومة تمرُّد الشيطان وخداعه لآدم وحواء ودفعهما للخطيئة ومحاربته للرب. وبعدئذ، سيطر الشيطان أو قوة الشر على العالم فيما أسماه راسل «إمبراطورية الشر» (المصطلح الذي يتواتر في الخطاب السياسي الأمريكي) .
كل هذا يعني في واقع الأمر أن حُكم المسيح الألفي أصبح وشيكاً وأن معركة هرمجدون بين قوى الخير والشر وشيكة وسيُهزَم الشيطان ويُحطم الأشرار إلى الأبد. أما من يرضى عنهم يهوه فنصيبهم هو الخلود. هذا يعني أن هناك من الأحياء الآن الذين لن يموتوا قط وسيحيون هذه الحياة الخالدة في العصر الألفي. وكما قال أحد قادة شهود يهوه "يوجد ملايين من الأحياء الآن لن ينال منهم الموت". وترى جماعة شهود يهوه أنه يوجد ١٤٤ ألف من المؤمنين عميقي الإيمان عبر التاريخ سيولدون كأبناء الإله الروحانيين وسيشاركون في حكم العالم مع المسيح. ومملكة المسيح ليست مفارقة للأرض فالمملكة الألفية ستؤسَّس هنا وهي مملكة كل ما فيها مثالي إذ ستمتلئ الدنيا عدلاً بعد أن امتلأت جوراً، بل إن الطبيعة المادية ذاتها ستتغيَّر، كما هو الحال في الرؤى المشيحانية.
стр. 6801
وعلى عضو جماعة شهود يهوه أن يظل بمنأى عن الدنيا الفاسدة وألا يطيع تلك القوانين والممارسات العلمانية، وأن يتبع تفسير الجماعة للإنجيل، وبناءً عليه يجب عدم استخدام الصور في العبادة وعدم المشاركة في الحوار بين الأديان وألا يسمح عضو الجماعة بنَقْل دم له وألا يُحيِّي العلم القومي لأية دولة ولا يُقسم يمين الولاء لأية أمة من أمم الأرض (وقد أدَّى هذا إلى اضطهاد أعضاء الجماعة وإلى مقتل بعضهم) .
ويؤمن الشهود بالثالوث المسيحي، ولكن الأب يهوه يشغل مكانة عالية تفوق مكانة الابن. ومع هذا يشغل الابن مكانة خاصة فهو أول مخلوقات الإله، دفع حياته تكفيراً عن خطايا البشر وقد مات على الخازوق (لا الصليب) ورُفع كروح خالدة، وهو موجود في العالم على هيئة الروح. والابن هو المركز الذي يتجمَّع حول الشهود في صلاتهم، فهم يصلون ليهوه من خلال المسيح.
ورغم أن الشهود يؤمنون بالميلاد بدون دنس إلا أنهم لا يحتفلون بعيد الكريسماس باعتبار أنه من أصول وثنية ولا يعترفون بالصوم الكبير ولا عيد الفصح، والتعميد عن طريق شهود يهوه يتم من خلال إغراق الجسد كله في الماء. وهم لا يُصلّون يوم الأحد إذ يقولون إن إقامة شعائر السبت تنطبق على اليهود وحدهم وأنه تم نَسْخها من خلال المسيح. ومع هذا يقبل الشهود يوم الأحد كيوم راحة وتغيير (كمحاولة للتكيف مع المعايير الاجتماعية السائدة وليس على أساس عقائدي) . ولا توجد طبقة كهنوتية عند شهود يهوه ويجتمع أعضاء الجماعة فيما يُسمَّى «صالات المملكة» للدراسة والتعميد، كما يجتمعون في منازل الأعضاء.
стр. 6802
ويُلاحَظ أنه بعد موت راسل عام ١٩١٦ حدث تَحوُّل عميق في الحركة ظهرت آثاره عام ١٩٣١. فقد تبنَّت الحركة في هذه المرحلة اسمها الجديد (شهود يهوه) وتسنَّم رئاستها محام بروتستانتي معمداني هو جوزيف رذرفورد تَبنَّى آراءً أكثر تطرفاً من المجتمعات العلمانية. إذ أعلن نهاية زمن الأغيار وأن الشيطان قد أصبح الحاكم الحقيقي والفعلي لكل حكومات الأرض وأن عصبة الأمم أصبحت ألعوبة في يد الشيطان.
وينعكس هذا التطور على موقف الجماعة من اليهود ومن المُستوطَن الصهيوني. ففي المرحلة الأولى كان راسل يذهب، وفقاً لحساباته، إلى أن اليهود سيلعبون دوراً حاسماً في صراع الرب ضد الشيطان حيث اصطفى الرب إسرائيل أو اليهود وأعطاهم حكماً دينياً ليكونوا شعبه المختار. لكن اليهود عصوا الرب، فعاقبهم بالنفي والشتات، وسيستمر هذا النفي مدة من الزمان تساوي سبعة أمثال خطاياهم كما ورد في التوراة. وبعدئذ، يعود اليهود إلى أرض إسرائيل، وتعود صهيون لأهلها، ويسامح الرب شعبه المختار. وقد دعا راسل اليهود إلى العودة لأرض إسرائيل كخطوة أولى نحو إقامة مملكة الرب على الأرض. وقد ازداد نمو حركة راسل بسرعة مع نهاية القرن واتصل بالقيادات الصهيونية وأبدى إعجابه الشديد بهرتزل وسماه «رجل الأقدار» . وقد زار راسل فلسطين عدة مرات وتقابل مع قادة الصهاينة الاستيطانيين هناك، وزاد دعايته للهجرة اليهودية إلى فلسطين وأعرب عن اعتقاده أن فلسطين تستطيع أن تستوعب ضعف عدد اليهود في الأرض، ولكنه أعرب في الوقت نفسه عن شكه في إمكانية هجرتهم جميعاً واقترح "هجرة الفقراء المخلصين باستخدام أموال الأغنياء". ولا يخفي الفكر الاستيطاني التوطيني الذي يقدمه راسل ولا تَطابُقه مع الفكر الصهيوني، وخصوصاً الفرع الأمريكي للمنظمة الصهيونية العالمية. وقد قابل جاكوب دي هاس محرر جريدة الجويش أدفوكيت في بوسطن راسل، وأعرب عن إعجابه به وأشار إلى أن آراءه تشبه كثيراً آراء اليهودية
стр. 6803
الحسيدية، بل سماه «أول محبي اليهود» .
هذا الموقف المتعاطف تراجع مع تسنُّم رذرفوره قيادة الحركة فقد أفزعه أن الصهاينة اتجهوا للتعاون مع المؤسسات العلمانية، ولذا قام بتحذيرهم من خطر الابتعاد عن حظيرة الرب. وقد حدَّد رذرفورد عام ١٩٢٥ بوصفه عاماً حاسماً في بناء مملكة الرب. وعندما مرّ العام دون حدوث شيء يذكر، تذرَّع الأتباع بواقعة إقامة الجامعة العبرية (فالنسق الحلولي الكموني لا يعدم العثور على الشواهد التي يتم تأويلها من خلال ليّ عنق الواقع حتى يتفق مع النموذج المطروح) .
وشهد عام ١٩٣١ تحولاً كاملاً في حركة شهود يهوه، فقد أعلن رذرفورد أن اليهود باتجاههم المستمر نحو العلمنة وتخليهم عن الحكومة الدينية قد نقضوا، وإلى الأبد، عهدهم مع الرب، وأصبح شهود يهوه هم الشعب المختار الروحي الوحيد. ودعا رذرفورد اليهود إلى نبذ المؤسسات الدولية والانضمام لحركة شهود يهوه. وبعدئذ انقلب من محب لليهود إلى معاد لهم. وعلى كلٍّ لا تقبل الأيديولوجيات التي تدور حول مركب الشعب المختار شعباً مختاراً آخر، إذ لا يمكن أن يوجد أكثر من شعب مختار واحد، ومن هنا جذور الصراع بين شهود يهوه والصهاينة، وهو لا يختلف كثيراً عن معركتهم مع النازيين. وقد سُئل هتلر مرة عن سبب عدائه لليهود، فكانت إجابته واضحة ومباشرة: "لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران. ونحن وحدنا الشعب المختار، فهل هذه إجابة شافية عن السؤال؟ ". ولذا عادى النازيون كلاًّ من اليهود وشهود يهوه (باعتبارهم شعوباً مختارة) ، بل اتهم النازيون حركة شهود يهوه بأنها ألعوبة يهودية في إطار المؤامرة اليهودية المستمرة من أجل حكم العالم. وبعد إقامة دولة إسرائيل، أصبحت دولة إسرائيل بالنسبة لأتباع شهود يهوه قلعة أخرى من قلاع الشيطان على الأرض.
стр. 6804
وحركة شهود يهوه حركة تبشيرية قوية لها نشاط ملحوظ في إسرائيل وتحارب الحكومة الإسرائيلية ضدها. وقد وصل عدد أعضاء جماعة شهود يهوه في العالم إلى ما يزيد عن ٢ مليون فرد في حوالي مائتي بلد.
ومما يجدر ذكره أن الجماعة بدأت تُهدئ قليلاً نزعتها المشيحانية فأعلن قادتها أن كل النبوءات السابقة القائلة بأن هرمجدون والحقبة الألفية وشيكة كانت مجرد نبوءات وليست عقائد مستقرة.
الباب الرابع: صهيونية غير اليهود العلمانية
صهيونية غير اليهود العلمانية
Gentile Secular Zionism
«صهيونية غير اليهود» اصطلاح نستخدمه للإشارة لما يُسمَّى «صهيونية الأغيار» ونضيف أحياناً كلمة «علمانية» حتى نميِّزها عن صهيونية غير اليهود ذات الديباجة المسيحية، وإن كنا عادةً لا نفعل ذلك ونكتفي بالحديث عن «صهيونية غير اليهود» من قبيل إطلاق العام والشائع على الخاص. وقد تدثرت الصيغة الصهيونية الأساسية بديباجات مسيحية عندما ظهرت في الغرب في القرن السابع عشر. ومع تزايد معدلات العلمنة، ابتداءً من القرن الثامن عشر، ومع انتشار الفلسفات النفعية والعقلانية، بدأت الديباجة المسيحية في الضمور والتواري وتم تسويغ الصهيونية انطلاقاً من الرؤية المعرفية الإمبريالية وأطروحاتها المادية. ومع هذا، فعادةً ما كانت الديباجات العلمانية والدينية تختلط، ولذا كانت تطرح ضرورة توطين اليهود في فلسطين لتحقيق الخلاص ولحماية الطريق إلى الهند.
стр. 6805
ويُلاحَظ أنه في الفترة الممتدة من القرن الثامن عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر، بدأت صهينة الوجدان الغربي فبلور الفكر الألماني الرومانسي فكرة الشعب العضوي (الفولك) ، وأصبح هناك «شعب عضوي ألماني» و «شعب عضوي إنجليزي» و «شعب عضوي يهودي» . ويرد اليهود في كتابات هردر وكانط وفخته باعتبارهم شعباً عضوياً. كما تتواتر الفكرة نفسها في كتابات المؤلفين الرومانسيين الغربيين، وخصوصاً في بريطانيا (مثل بايرون وولتر سكوت مثلاً) . ولكن الشعب العضوي اليهودي لا ينتمي إلى أوربا ولا للحضارة الغربية، فهو شعب عضوي منبوذ لابد من نَقْله. وقد تبلورت في أوائل هذه المرحلة فكرة نَفْع اليهود وإمكانية إصلاحهم وتوظيفهم، أي أن الصيغة الصهيونية الأساسية زادت تبلوراً ووضوحاً. وقد عبَّر فلاسفة حركة الاستنارة، مثل جون لوك وإسحق نيوتن، عن نزعة صهيونية أساسية في كتاباتهم.
وفي كتاب له صدر عام ١٧٤٩ صنَّف الفيلسوف ديفيد هارتلي اليهود ضمن الهيئات السياسية باعتبارهم "كياناً سياسياً موحداً ذا مصير قومي مشترك رغم تَشتتُّهم الحالي". وقد تبنَّى الحجج الدينية النبوئية الشائعة وأضاف لها تفسيرات دنيوية. كما أن جوزيف بريستلي صوَّر فلسطين أرضاً "غير مأهولة بالسكان، أهملها مغتصبوها الأتراك ولكنها مشتاقة ومستعدة لاستقبال اليهود العائدين". ولم يكن الفكر الرومانسي أقل حماسة من الفكر الاستناري، بل يمكن القول بأن الفكر الرومانسي أعطى دفعة جديدة للصهيونية فتزايد الحديث عن العبقرية اليهودية والعرْق اليهودي. وقد نادى روسو (الذي ينحدر من أسرة بروتستانتية) بإعادة اليهود لدولتهم الحرة. وكان الفكر الألماني الرومانسي، الذي وُلدت في أحضانه فكرة الشعب العضوي، يتسم بنزعة صهيونية (معادية لليهود) كما يتضح في كتابات هردر وكانط وفخته. كما توجد أصداء صهيونية في أشعار بايرون وروايات وولترسكوت.
стр. 6806
ويُلاحَظ تزايد الاهتمام باللغة العبرية، كما بدأ الفنانون الغربيون يتناولون الموضوعات اليهودية والعبرية بكثير من الألفة لم تكن معروفة من قبل. وقد نشر دزرائيلي روايتيه ديفيد الراوي (١٨٣٣) وتانكرد (١٨٤٧) ، وهما روايتان لهما نزعة صهيونية واضحة. وقد ظهرت رواية جورج إليوت دانيل ديروندا (١٨٧٦) أهم وثيقة أدبية صهيونية غير يهودية وهي التي تُعدُّ أهم وثيقة أدبية صهيونية غير يهودية والتي وُصفت بأنها مقدمة أدبية لوعد بلفور. ونُشر في الفترة بين ١٨٤٠ و١٨٨٠ ما يزيد على ١٦٠٠ كتاب من كُتب أصحاب الرحلات إلى فلسطين، وقد ساهمت هذه الكتب في تدعيم صورة فلسطين كأرض مُهَملة، وصورت العرب (المسلمين أو البدو) كمسئولين عن هذا الخراب. وأُسِّس صندوق استكشاف فلسطين عام ١٨٦٥ وكان مركزاً لمؤيدي الاستيطان الصهيوني. ومن أهم العلماء الأثريين فيه سير تشارلز وارن الذي قام بالعديد من الاكتشافات الأثرية وتنبأ بقيام حكم اليهود في فلسطين. كما قام كلود كوندر (١٨٤٨ ـ ١٩١٠) بكتابة دراساته الجغرافية التي كانت تنشرها الصحافة الصادرة بالعبرية.
وقد ظلت النزعة الصهيونية في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر تأخذ طابعاً فكرياً تأملياً أو عاطفياً لأن أوربا كانت في حالة انتقال. كما أن المشاريع الاستعمارية المختلفة كانت متوقفة أو لا تزال في حالة التفاف حول الدولة العثمانية التي كانت قد بدأت في التآكل من الداخل، وإن كانت لا تزال قوية قادرة على حماية رعاياها.
стр. 6807
ويمكن القول بأن ظهور محمد علي وقَلْبه موازين القوى وتهديده للمشروع الاستعماري الغربي ووضعه حداً لآمال الدول الغربية التي كانت تترقب اللحظة المؤاتية لاقتسام تركة رجل أوربا المريض، أي الدولة العثمانية، يُشكِّل نقطة تحوُّل في تاريخ فلسطين وتاريخ الصيغة الصهيونية الأساسية، إذ تساقطت الأردية الدينية وظهر الواقع المادي النفعي. ويشرح الزعيم الصهيوني حاييم سوكولوف الموقف فيقول إن أوربا عام ١٨٤٠ اضطرت محمد علي إلى التوقيع على «معاهدة لندن لتهدئة الشرق» ، وبعد ذلك أصبح المنطق السائد في أوربا آنذاك على النحو التالي:
"إذا اتفقت الدول العظمى الخمس على تسوية المسألة الشرقية على أساس استقلال سوريا ... واسترجاع اليهود لها ... حاملين معهم عُدة الحضارة وأجهزتها، بحيث يكونون نواة لخلق مؤسسات أوربية ... تحت رعاية القوى الأوربية الخمس ... فإن ذلك سيساهم في أن تسترجع الدولة العثمانية قوتها ... ومما لا شك فيه أن حالة سوريا محفوفة بعديد من المصاعب نظراً لانقسام سكانها إلى قبائل منفصلة. ولكن هذا لا يُثبت سوى ضرورة إدخال «مادة جديدة» . حتى يتم صَهْر الطبقات كلها في جماعة مترابطة متوازنة. وإذا ما سلمنا بضرورة إدخال مادة جديدة في نسيج سوريا الاجتماعي، فإننا سنسلِّم بالتالي بأن هجرة اليهود إلى سوريا ستزودنا بأكثر المواد قبولاً. وسيتبع ذلك إقامة مؤسسات أوربية. وستجد إنجلترا حليفاً جديداً سيثبت أن الصداقة معه في نهاية الأمر ذات نفع لها في التعامل مع المسألة الشرقية".
стр. 6808
ويُلاحَظ أن البُعد الجغراسي (الجيوبوليتيكي) الكامن للفكر الصهيوني بين غير اليهود أخذ يزداد حدة وتحدداً، بل أصبح البُعْد الرئيسي. ولم يعد الحل الصهيوني مجرد فكرة فلسفية أو تطلُّع عام. "فالتطورات السياسية [على حد قول سوكولوف] أدَّت إلى ظهور خلفية جديدة للصهيونية. إن قضية استرجاع إسرائيل التي كانت قضية أثيرة لدى العاطفيين وكُتَّاب المقالات والأدباء ... وكل مؤمن بالإنجيل وكل صديق للحرية، أصبحت قضية حقيقية مطروحة [على المستوى السياسي] ". وكما قالت التايمز عام ١٨٤٠، فإن المسألة أصبحت مطروحة بشكل جدي، بمعنى أن الصهيونية لم تَعُد فكرة هامشية تُتداوَل في الأوساط التبشيرية الإنجيلية وحسب، فعام ١٨٤٠ هو عام ولادة المسألة الشرقية وهو أيضا عام ولادة الحل الصهيوني للمسألة اليهودية! وقد طُرحت مشاريع صهيونية عديدة في كل مكان في أوربا (في روسيا وبولندا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا) ، فمع بدايات المشروع الاستعماري الألماني قام مولتكه (الضابط في الحرس الملكي البروسي) عام ١٩٣٩ بنشر كتاب ألمانيا وفلسطين يقترح فيه إنشاء مملكة صليبية هناك لتشجيع اليهود والمسيحيين. وقد وضع بندتو موسولينو، الإيطالي الجنسية، خطة في عام ١٨٥١ لتأسيس دولة يهودية في فلسطين. وشهد منتصف القرن التاسع عشر بعثاً مؤقتاً للمشروع الاستعماري الفرنسي المستقل إبّان حكم نابليون الثالث. فقد حصلت فرنسا على امتياز شق قناة السويس عام ١٨٥٤ ثم جردت حملة عسكرية فرنسية عام ١٨٦٠ ـ ١٨٦١ إلى جبل لبنان عقب الحرب الأهلية بين الدروز والموارنة، وهي الحرب التي كانت في واقع الأمر حرباً على النفوذ بين الإنجليز والفرنسيين. ويُقال إن الهدف من الحملة كان الضغط على السلطان العثماني للموافقة على امتياز قناة السويس. وفي هذا الإطار، ظهرت عدة كتابات فرنسية في الموضوع، أهمها دعوة لاهارن (سكرتير نابليون الثالث) لليهود بالعودة إلى فلسطين حتى يكونوا بمنزلة الوسطاء
стр. 6809
الذين سيفتحون الشرق للغرب لتأسيس دولة يهودية في فلسطين. وكان هنري دوتان (١٨٢٠ ـ ١٩١٠) ، مؤسس الصليب الأحمر الدولي، مهتماً بالمشروع الصهيوني، حيث حاول منذ عام ١٨٦٣ حتى عام ١٨٧٦ إثارة اهتمام الجماعات اليهودية باقتراحاته دون جدوى. وقد أسَّس جمعية الاستعمار الفلسطينية في لندن، واتصل بنابليون الثالث والحكومة العثمانية لعرض فكرته، كما حضر المؤتمرات الدولية للدفاع عنها واشترك في بعض المؤتمرات الصهيونية.
ويُلاحظ سوكولوف أن الكتابات الفرنسية في موضوع الصهيونية تتسم بأنها مجردة أكثر من اللازم. وبدلاً من أن يبيِّن أصحاب هذه الكتابات بشكل محدد الإجراءات التي يجب اتخاذها، فإنهم يكتفون بالتعبير عن الآمال الفارغة ويصوغون اقتراحات ودعاوى غامضة. ولعل هذا يعود إلى أن الفكر الصهيوني في فرنسا لم يكن وراءه لا تاريخ طويل ولا مصالح محددة كما كان الحال مع الفكر الصهيوني في إنجلترا. كما أن فرنسا الكاثوليكية، برفضها التفسير الحرفي للعهد القديم، لم تكن متعاطفة مع هذه الرؤية لليهود.
стр. 6810
ويُلاحَظ أن صهيونية غير اليهود صهيونية غربية بمعنى الكلمة (روسي ـ بولندي ـ ألماني ـ فرنسي ـ هولندي ـ إنجليزي) وقد أصدرت معظم هذه الدول وعوداً بلفورية أو ما يشبه الوعود البلفورية، ولكن صهيونية غير اليهود تظل ظاهرة بريطانية وبروتستانتية بالدرجة الأولى. والواقع أن أكبر عدد من الصهاينة غير اليهود ظهر بين صفوفهم، مثل الكولونيل جورج جاولر وجيمس فين ووليام بلاكستون وجوزيف تشامبرلين وإيان سمطس وجوسيا ودجوود، ولكن لورد شافتسبري ولورانس أوليفانت يعتبران أهم هؤلاء. وفي محاولة تفسير ذلك، يمكن القول بأن إنجلترا كانت أكبر قوة استعمارية، وأنها البلد الذي انتشر فيه التفسير الحرفي للكتاب المقدَّس، وأنها أخيراً البلد الذي لم يكن فيه يهود حتى أواخر القرن السابع عشر، فكان من الممكن ـ لكل هذه الأسباب ـ تجريد اليهود وتحويلهم عقلياً (ثم فعلياً) إلى وسيلة. كما يُلاحَظ أن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية كانت تتم في إطار الاستعمار الاستيطاني الغربي ككل، والأنجلو ساكسوني على وجه الخصوص، ولذا نجد أن معظم المهاجرين اليهود استوطنوا في بلاد مرتبطة بالمشروع الاستيطاني الأنجلو ساكسوني (الولايات المتحدة ـ نيوزيلندا ـ جنوب أفريقيا ـ إسرائيل) .
стр. 6811
وازدادت الفكرة الصهيونية مركزية في الوجدان السياسي الغربي، ولعل أكبر دليل على هذا أن المفكرين الصهاينة من غير اليهود أصبحوا قريبين من صانع القرار. ويمكن أن نذكر في هذا المضمار وزير البحرية البريطانية هنري إنس (الذي كتب مذكرة عام ١٨٣٩ موجهة إلى كل دول شمال أوربا وأمريكا البروتستانتية، قام اللورد بالمرستون، رئيس الوزراء، برفعها إلى الملكة فيكتوريا) . كما يمكن أن نذكر في هذا المجال، جورج جولر حاكم جنوب أستراليا. وقد نشرت جريدة جلوب اللندنية (القريبة من وزارة الخارجية) مجموعة مقالات عام ١٨٣٩/١٨٤٠ تؤيد فيها مسألة تحييد سوريا (وضمنها فلسطين) وتوطين أعداد كبيرة من اليهود فيها. وقد حازت المقالات موافقة اللورد بالمرستون. وقد نوقش في مؤتمر القوى الخمس الذي عُقد في لندن عام ١٨٤٠ مسألة تحديد مستقبل مصر. وفي ذلك العام، كتب بالمرستون خطابه إلى سفير إنجلترا في الأستانة يقترح فيه إنشاء دولة يهودية حماية للدولة العثمانية ضد محمد علي. وقدَّم الكولونيل تشرشل عام ١٨٤١ مذكرة لموسى مونتفيوري يقترح تأسيس حركة سياسية لدعم استرجاع اليهود لفلسطين لإقامة دولة محايدة (أي في خدمة الدول الغربية) .
стр. 6812
وفي عام ١٨٤٥، ظهر كتاب جورج جولر تهدئة سوريا والشرق حيث طرح خطوات عملية لعملية توطين اليهود في فلسطين. كما أن جولد سميد صاحب موسى مونتفيوري في رحلته إلى فلسطين عام ١٨٤٩، بل أسَّس عام ١٨٥٢ واحدة من المنظمات الصهيونية الأولى وهي منظمة تشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين التي قدمت المساعدة للقنصل الإنجليزي في القدس في عملية تدريب اليهود المحليين على الزراعة. كما نشر أيضاً اقتراحات عملية تتصل بتأسيس صناعات ترمي إلى زيادة النفوذ الإنجليزي في سوريا. وبعد انتهاء حرب القرم (١٨٥٣ ـ ١٨٥٦) ، قُدِّمت إلى مؤتمر القوى العظمى الذي عُقد في باريس مذكرة بشأن توطين اليهود في فلسطين. وقدَّم بنجامين دزرائيلي (الذي تقلَّد رئاسة الوزارة عام ١٨٧٤) مذكرة غفلاً من اسم واضعها موجهة إلى المندوبين في مؤتمر برلين ١٨٧٨ تتضمن اقتراحاً ذا طابع صهيوني لحل المسألتين اليهودية والشرقية، ولكن لم يتم توزيعها بسبب معارضة بسمارك (وقد قام المفكر الصهيوني الروسي بيرتس سمولنسكين بترجمة المذكرة إلى العبرية ونشرها) .
وفي عام ١٨٨٧، قدم إدوارد كازالت اقتراحاً بتوطين اليهود تحت حماية إنجلترا، وقد دافع عن الفكرة في كتابه وخطبه أثناء حملته الانتخابية حينما رشَّح نفسه للبرلمان. ويمكن القول بأن المشروع الصهيوني كانت ملامحه وأجزاؤه قد تكاملت في عقل كازالت، ولذا نجده يتوجه للتفاصيل الدقيقة وإلى الطابع اليهودي الإثني للاستيطان اليهودي، وإلى قضية الوعي اليهودي ككل، فكان أول من فكَّر في إنشاء جامعة عبرية. وفي نهاية السبعينيات، قام هو وأوليفانت، وانضم إليهما ممثلون عن جماعة البيلو، بالتفاوض مع الدولة العثمانية بشأن مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين.
стр. 6813
وفي ذلك الحين، كانت الولايات المتحدة (بتوجُّهها البروتستانتي الحرفي) تمور بالمفكرين الصهاينة غير اليهود مثل مانويل نواه (صاحب مشروع أرارات) ووليام بلاكستون. كما ظهرت فيها جماعات صهيونية مسيحية بعضها متعاطف مع اليهود والبعض الآخر يُكِّن له الحقد والاحتقار من أهمها جماعة شهود يهوه والمورمون. كما كانت توجد جماعة صهيونية مسيحية كان لها مشروعها الاستيطاني المستقل هي جماعة فرسان الهيكل الألمانية.
ومن الأمور المهمة والجديرة بالذكر أن كل هؤلاء الصهاينة غير اليهود توصلوا إلى الصيغة الصهيونية الأساسية، وأضافوا لها الديباجات لتبريرها، وخططوا المشروعات لوضعها موضع التنفيذ دون أية مؤثرات يهودية (فكرية أو غيرها) . وفي كثير من الأحيان، كان ذلك يتم دون أيِّ احتكاك باليهود أو أية معرفة بهم، ففكرهم وُلد من داخل النموذج الحضاري الغربي، وهو ثمرة بنية الحضارة الغربية نفسها ونتاج حركياتها وتطوُّر مصالحها الإستراتيجية. وقد أعلن أحد المؤتمرات الصهيونية أن أبا الصهيونية (الحقيقي) هو الصهيوني غير اليهودي بلاكستون، وهو وصف دقيق ومباشر وليس فيه أية أبعاد مجازية. ولنا أن نلاحظ أن معظم المفكرين الصهاينة غير اليهود كانوا شخصيات غريبة الأطوار، إن لم تكن شاذة ومهزوزة، ومع هذا فإن أفكارهم كانت تجد صدى في الأوساط السياسية الغربية، وهو ما يدل على أن هذه الأفكار تعبِّر عن شيء أصيل وكامن في الحضارة الغربية آنذاك، يتجاوز شذوذ وغرابة أطوار حَمَلة هذا الفكر.
стр. 6814
ورغم كل هذه النشرات والمقالات والمذكرات، إلا أن هناك إشكالية أساسية كامنة في صهيونية غير اليهود وهي أنها مهما بلغت من تحدُّد وتبلور وحدّة فهي لا تكترث بيهودية اليهود، فما يهمها هو المصالح الإستراتيجية للعالم الغربي (المسيحي) والاعتبارات العملية والنتائج الملموسة. ولذا، كان الصهاينة من غير اليهود ينظرون إلى اليهود من الخارج كأداة تُستخدَم وحسب، وكانوا يتحركون في العالم الغربي لا داخل المحيط اليهودي، ولم يكن بوسعهم بالتالي الوصول إلى المادة البشرية المستهدفة التي كانت تنظر بكثير من الشك إلى عالم الأغيار الذي كان يحاول أن يقضي عليها في الماضي بالذبح، ويحاول الآن القضاء عليها بالإعتاق والعلمانية.
وحديث هؤلاء الصهاينة غير اليهود عن عودة اليهود لم يلق صدىً لدى أعضاء المادة المُستهدَفة إذ أن اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية قامت بتحويل فكرة العودة إلى أمر يتحقق في آخر الأيام، أي إلى ضرب من الحلم الديني الذي لا يتحقق إلا في مجال التاريخ المقدَّس لا على مستوى التاريخ الزمني. ولذا، كان اليهود ـ وبخاصة يهود العالم الغربي ـ يرفضون التورط في مشاريع العودة التي تطلق على نفسها اسم «مشاريع قومية» . ولم تلق دعوة نابليون إلى يهود الشرق بالاستيطان آذاناً صاغية. وقد رفض مجلس مندوبي يهود إنجلترا الاقتراح الذي تقدَّم به الكولونيل تشارلز تشرشل لتوطين اليهود في فلسطين والذي حمله السير موسى مونتفيوري إلى المجلس نيابة عنه.
стр. 6815
وقد شهد منتصف القرن التاسع عشر ظهور اليهودية الإصلاحية بتأكيدها المُثُل الاندماجية ورفضها فكرة العودة الفعلية إلى فلسطين رفضاً تاماً. وعُقد عام ١٨٤٥ مؤتمر فرانكفورت الشهير الذي حذف من كتب الصلوات جميع التوسلات للعودة إلى أرض الآباء وإحياء دولة يهودية. وحينما عُقد المؤتمر اليهودي الأول عام ١٨٧٢ لبحث مشكلة يهود رومانيا، لم يتطرق هذا المؤتمر إلى الهجرة اليهودية إلى فلسطين باعتبارها حلاًّ للمسألة اليهودية.
ومن أطرف التعليقات اليهودية على المشاريع الصهيونية غير اليهودية ما نشرته مجلة يهودية ألمانية (ذات طابع اندماجي) إذ قارنت المشاريع الصهيونية الإنجليزية التي نُشرت في الجلوب والتايمز بالمشاريع الفرنسية، وبينت أن الشاعر لامارتين (١٧٩٠ ـ ١٨٦٩) الذي كان يشغل منصباً حكومياً آنذاك يقترح تأسيس مملكة مسيحية عند منابع نهر الأردن، وأنه ينوي، إذا ما وقعت القدس تحت الهيمنة الفرنسية، أن يترك العالم بأسره لإنجلترا. ولكن الغريب في الموضوع ـ كما تقول المجلة ـ أن اللورد بالمرستون قد اختار البقعة نفسها لإنشاء دولة يهودية، فبينما كان الشاعر الشهير يحلم بإقامة دولة مسيحية في القدس كان اللورد بالمرستون ينوي إقامة جمهورية يهودية فيها (وحولها) ، وقد حذَّرت المجلة الشباب اليهودي من مثل هذه الدعاوى الصهيونية.
стр. 6816
ويبدو أن الصهاينة غير اليهود أدركوا أن المادة البشرية المستهدفة لمشاريعهم ترفض مثل هذه المشاريع التي تهدف إلى اقتلاعهم من أوطانهم، ولذا فقد بذلوا جهداً في التوجه إلى الجماعات اليهودية وفي التقارب معها. فكتب الكولونيل كلود كوندر يشجع جهود أحباء صهيون على التسلل إلى فلسطين. ونشر هنري ونتورث مونك (كندي الجنسية) عدة مقالات صهيونية ظهرت في جويش كرونيكل بين عامي ١٨٥٩ و ١٨٩٦، وأسهم في تأسيس أولى المستوطنات اليهودية في فلسطين. وعقد مؤتمر للمسيحيين البارزين في مايو ١٨٨٢ لمناقشة مسألة توطين المهاجرين اليهود من رومانيا وروسيا في فلسطين. وشهدت الفترة نفسها كتابات الأب إغناطيوس التي نُشرت على صفحات مجلة دي فيلت الصهيونية والتي ناشد فيها اليهود الانضمام إلى الحركة الصهيونية.
وكان شافتسبري (أهم الصهاينة غير اليهود) صديقاً لمونتفيوري، أما أوليفانت (أكثرهم دينامية ونشاطاً) فقد اتصل ببعض الجمعيات اليهودية الاستيطانية لتشجيعها، وذهب بنفسه إلى فلسطين للاستيطان فيها بصحبة سكرتيره اليهودي نفتالي هرتز إمبر (مؤلف نشيد الهاتيكفاه) . وبدأت تظهر شخصيات تقف بين الجماعتين اليهودية والمسيحية: مثل دزرائيلي (اليهودي الذي تنصَّر ليدخل الحضارة الغربية) . ويمكننا الإشارة إلى الواعظ البروتستانتي هشلر الذي كان من أكثر الناس حماسة لإرجاع اليهود، فقدَّم العون لهرتزل وساهم في تقديمه للدوق بادن الذي قدَّمه بدوره إلى قيصر ألمانيا.
стр. 6817
ولكن، ومهما ازداد التقارب بين الصهاينة غير اليهود واليهود، فإن ذلك لم يكن له جدوى وكان ضرورياً أن يحدث شيء تاريخي ضخم يتجاوز حركات الأفراد، وقد كان هذا الشيء هو تعثُّر التحديث في شرق أوربا وتَوافُد الآلاف من يهود اليديشية على غرب أوربا، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور هرتزل الذي طوَّر الخطاب الصهيوني المراوغ وجعل بإمكان يهود الغرب قبول العقد الصهيوني الصامت وهو الأمر الذي كُلِّل بإصدار وعد/عقد بلفور.
ويمكن تلخيص إسهام صهيونية غير اليهود كما يلي:
١ ـ تمت صياغة الفكرة الصهيونية بمعظم أبعادها وديباجاتها. ولذا، فإن المفكرين الصهاينة من اليهود حينما ظهروا كانت الصياغات الأساسية جاهزة، وكذلك معظم الديباجات والمشاريع.
٢ ـ صهيونية غير اليهود ذات الديباجة المسيحية والرومانسية حوَّلت فلسطين ومن عليها إلى مكان خارج التاريخ، فهي مجرد أرض ليس فيها أي أثر للتاريخ الحقيقي. وبالتالي، فقد أهدرت حقوق سكان فلسطين الفعليين، وأصبحت فلسطين في الوجدان الغربي مكاناً خاوياً ينتظر سكانه الأصليين.
٣ ـ خلقت صهيونية غير اليهود (الدينية والعلمانية) المناخ السياسي الملائم لرؤية الأهمية الجغراسية لفلسطين.
٤ ـ وضعت صهيونية غير اليهود الأساس للحل الاستعماري الغربي للمسألة اليهودية في شرق أوربا.
٥ ـ طرحت صهيونية غير اليهود تفسيراً حرفياً لأحداث التاريخ وافترضت استمراراً حيث لا استمرار. وقد أثَّر ذلك في رؤية اليهود لفلسطين وأسهم في تحويل المفاهيم اليهودية الدينية التقليدية (المجازية) إلى مفاهيم استيطانية استعمارية.
стр. 6818
٦ ـ حينما ظهرت مشكلة المهاجرين اليهود من روسيا وبولندا ورومانيا في أواخر القرن التاسع عشر لم يُنظَر إليها باعتبارها مشكلة إنسانية تتطلب عملية التحديث السريعة، وإنما نُظر إليها باعتبارها مشكلة شعب عضوي مختار أو كتلة بشرية مستقلة أو مادة بشرية فعالة يمكن توظيفها في عملية الخلاص المسيحية أو المشاريع التجارية والاستعمارية الغربية المختلفة.
٧ ـ ربطت صهيونية غير اليهود بين المسألتين الشرقية واليهودية وطرحت تصوراً مفاده أن إحدى المشكلتين يمكن حلها من خلال الأخرى.
وأهم الصهاينة غير اليهود هو اللورد بلفور (صاحب الوعد المشهور) الذي كان يستخدم كلاًّ من الديباجات الدينية والديباجات العلمانية.
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن تيودور هرتزل، مؤسِّس الصهيونية، لم يكن يميِّز بين الصهاينة اليهود وغير اليهود، بل كان يرى الجميع جزءاً من التاريخ الغربي. ولذا، فهو يشير إلى دزرائيلي وجورج إليوت وموسى هس وليو بنسكر باعتبارهم صهاينة دون تمييز أو تفرقة بين اليهود منهم وغير اليهود.
صندوق استكشاف فلسطين
Palestine Exploration Fund
جمعية أُسِّست عام ١٨٦٤ تحت رعاية الملكة فكتوريا ملكة إنجلترا، وكان رئيس الجمعية أسقف يورك. وساهمت وزارة الحرب البريطانية بخدمات بعض الضباط، وخصوصاً من المهندسين مثل الكابتن كلود كوندر والكابتن تشارلز وارين (الذي اشتهر فيما بعد في جنوب أفريقيا) والملازم هـ. كتشنر (وهو اللورد كتشنر الذي عُيِّن فيما بعد معتمداً بريطانياً في مصر واشتهر في السودان) ، وت. إ. لورنس.
стр. 6819
وقد أعلن الصندوق أنه مؤسسة تهتم بالبحث الدقيق والمنظم في الآثار والطوبوجرافيا والجيولوجيا والجغرافية الطبيعية والتاريخ الطبيعي وعادات وتقاليد الأرض المقدَّسة بهدف «التوضيح التوراتي» ، والعبارة الأخيرة مبهمة إلى أقصى حد ولكنها تعني في نهاية الأمر أن البحث العلمي قد وُظِّف في خدمة الأهداف التوراتية، أي «الأهداف الإسترجاعية العسكرية» . وهذا ما وضحه كتاب المدنية والأرض الذي أصدره الصندوق، وهو يتألف من مجموعة من الدراسات كان من أهمها دراسة لوولتر بيسانت بيَّن فيها أن هدف الصندوق هو "الاستعادة": استعادة مجد فلسطين في عهد هيرود، واستعادة بلاد داود بحيث يمكن استعادة أسماء المدن التي دمرها القائد العظيم يوشع بن نون. وكذلك استعادة مكانة القدس ومجدها وأبهتها، واستعادة أسماء الأماكن المذكورة في التوراة (وكل هذا يبين مدى قوة العقيدة الاسترجاعية) .
ويظهر تلاقي البُعْد التوراتي والبُعْد العسكري في الإشارة إلى يوشع بن نون وفي قول المؤلف: "عندما وُضعت الأسماء في أماكنها، أصبح في وسعنا تتبُّع سير الجيوش في زحفها" (ويمكن أن نضيف: وأصبح بإمكان جيوش الغزو الإمبريالي ـ البريطاني والصهيوني ـ أن تعرف طريقها) . وقد ساهم كوندر بمقال في الكتاب نفسه ذي طابع صهيوني ديني عسكري.
стр. 6820
وقد لَعب الصندوق بالفعل دوراً عظيم الأهمية في مجال تزويد الساسة والعسكريين البريطانيين بالمعلومات الجغرافية والتاريخية والسياسية التي كانوا يحتاجون إليها لمد نفوذهم الاستعماري في المنطقة ولدراسة جدوى المشروع الاستعماري في فلسطين. وقد اعتمد الصندوق في ذلك على العديد من خبراء الآثار والتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا والمناخ. وكانت غالبية التقارير والدراسات الصادرة عن الصندوق ذات طابع صهيوني إذ كانت تشير إلى أهمية فلسطين وضرورة عودة اليهود إليها وإقامة كيان استيطاني لهم فيها تحت الحماية البريطانية. فالكابتن وارين نشر عدة مجلدات من أهمها إحياء القدس ومذكرات عملية مسح فلسطين، وذلك بالإضافة إلى كتاب أرض الوعد الذي دعا فيه إلى أن تتولَّى شركة الهند الشرقية تنمية موارد فلسطين، وخصوصاً مواردها الزراعية والتجارية، كما دعا إلى تدريب المستوطنين اليهود على إدارة شئونهم تمهيداً لتَسلُّمهم حكم فلسطين وإدارة شئونها (وهو المخطط الذي نُفِّذ فيما بعد من خلال حكومة الانتداب والوكالة اليهودية) . وشارك الكابتن ويلسون في عدة عمليات بَحْث وتنقيب في بعض المناطق السورية واللبنانية، ولكن جهود الصندوق تركزت في النهاية على مرج ابن عامر ونابلس والقدس والخليل باعتبارها الأماكن التي شهدت تنقلات واستقرار "شعب إسرائيل" (كما ورد في تقريره للصندوق) .
стр. 6821
وقد أصدر الصندوق، بالإضافة إلى العدد الكبير من الكتب والتقارير، خريطتين دقيقتين: إحداهما لفلسطين الغربية (١٨٨٠) والثانية لفلسطين الشرقية (١٨٨٤) . وقد حملت الخرائط الأسماء الحديثة والقديمة بالإضافة إلى إبراز تضاريس البلاد وطبيعتها المناخية. وقد بلغت الخريطتان من الدقة حداً كبيراً حتى سَهُل استعمالهما في عملية تحريك الجيوش البريطانية وانتقالها عبر تلك الأراضي في الحرب العالمية الأولى. وللصندوق متحف في لندن، وهو ينشر مجلة علمية ربع سنوية منذ عام ١٨٦٩ (أصبحت سنوية منذ عام ١٩٠٤) ، كما نشر مؤلفات كتشنر وكوندر وغيرهما.
ولم يكن صندوق استكشاف فلسطين الوحيد من نوعه، فبعد خمس سنوات من تأسيسه أسَّس الأمريكيون الجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين. وفي العام نفسه، أُسِّست جمعية الآثار التوراتية في إنجلترا. وأنشأ الألمان جمعيتين: الجمعية الألمانية للدراسات الشرقية (١٨٩٧) والجمعية الألمانية للأبحاث الفلسطينية (١٨٧٧) . وأسس الفرنسيون أيضاً مدرسة لدراسة الآثار. وقد كان الحافز وراء الدراسة في كل هذه الجمعيات توراتياً (صهيونياً) .
هنري فينش (١٥٥٨ ـ ١٦٢٥ (
Herny Finch
صهيوني غير يهودي استخدم ديباجات مسيحية. عضو في البرلمان البريطاني، وقانوني بارع. كان مهتماً جداً بالدراسات الدينية ودرس العبرية بتعمُّق.
من كتاباته غير المتصلة بالقانون كتاب شرح نشيد الأنشاد (عام ١٦١٥) الذي ناقش فيه ما أسماه «أورشليم الجديدة» . وكتب في عام ١٦٢١ أحد كلاسيكيات الصهيونية المسيحية وهو كتابه المعنون بـ الاستعارة العظيمة للعالم أو دعوة لليهود حيث دعا اليهود إلى التمسك بحقهم في الأرض الموعودة وطالب الملوك المسيحيين بأن يصغوا إلى مطالبهم ويرسلوهم إليها. واشترط لتحقيق هذا أن يتحول اليهود إلى المسيحية.
стр. 6822
وقدَّم فنش تفسيراً حرفياً لنصوص العهد القديم وأعاد تعريف إسرائيل، فتخلى عن التفسير المسيحي بأن إسرائيل هي مفهوم روحي وطرح مفهوماً عرْقياً ("إسرائيل التي انحدرت من صلب يعقوب") . وقد أثارت تلك الآراء انتقاداً شديداً وأدَّت إلى سجنه مع ناشر الكتاب حتى تنصلا من هذه الآراء واعترفا بخطئهما. وقد اعتبر الملك جيمس الأول أن هذا الكتاب إهانة للذات الملكية. ولنا أن نلاحظ أن بنية أفكاره قبَّالية تماماً وتبحث في كيفية تخليص العالم من اليهود من أجل خلق العالم الجديد والتمهيد لعودة المسيح والعهد الألفي الثاني.
فيليب دي لانجالري (١٦٥٦-١٧١٧)
Philippe De Langallerie
صهيوني غير يهودي استخدم ديباجات مسيحية وعلمانية، وهو جنرال فرنسي مغامر كان يحلم بإقامة دولة يهودية. وقد تقلَّب دي لانجالري في الجيوش الأوربية فخدم تحت إمرة النمساويين ثم البولنديين بعد أن عمل في جيش فرنسا، ثم قدَّم عام ١٧١٦ عرضاً للأتراك (من خلال سفيرهم في لاهاي بهولندا) بأن يقود جيشاً من الحجاج المتنكرين إلى روما ثم يقتحم الفاتيكان ويلقي القبض على البابا ويسلم روما للأتراك. ومقابل ذلك، يأخذ أحد جزر البحر المتوسط التي كانت تحت سيطرة الأتراك (أو فلسطين الأرض المقدَّسة إن أمكن) من أجل توطين القبائل اليهودية المبعثرة والتائهة في هذه الأرض.
وقد ناشد دي لانجالري التجمعات اليهودية في أمستردام وهامبورج والطونا وغيرها من المدن التجارية في أوربا تعبئة وتجهيز جيش من ١٠ آلاف رجل. وقد أُعجب القبَّالي ألكسندر سوسكند المتزي بهذا المشروع وعرض على دي لانجالري أن يصير أمين خزانة مشروعه المسمَّى «الحكومة الدينية للكلمة المقدَّسة» .
стр. 6823
وفي ١٧١٦، أُلقي القبض على دي لانجالري بالقرب من هامبورج، وحوكم في فيينا حيث مات في سجنه. وتوضح سيرة حياة هذا الرجل فكرة الارتباط بين الأفكار القبَّالية والمشيحانية من جهة والنزعات الاستعمارية والمادية التي كانت قد بدأت تسود أوربا في تلك الفترة من جهة أخرى.
جوزيف سلفادور (١٧٩٦-١٨٧٣ (
Joseph Salvador
طبيب ومفكر فرنسي ذي أب من أصل يهودي إسباني وأم كاثوليكية فرنسية. وُلد في مونبييه حيث درس الطب، لكنه استقر في باريس حيث اشتهر بدراساته في تاريخ الأديان. استخدم سلفادور المنهج النقدي التاريخي في دراساته الدينية الكثيرة، وخصوصاً في دراساته عن المسيح. وقد حاول سلفادور في دراسته المعنونة باريس وروما والقدس أو المسائل الدينية في القرن التاسع عشر أن يضع فكراً تصالحياً يجمع بين اليهودية والمسيحية في نسق ديني إصلاحي تقدُّمي. وقد حرَّمت الكنيسة الكاثوليكية كلا الكتابين. وكان سلفادور يحلم بأن تكون القدس مركز ديانته التجميعية الجديدة. وقد أدَّى تأكيده أهمية القدس ومركزيتها إلى أن يعتبره عدد من المؤرخين الصهاينة، مثل ناحوم سوكولوف وغيره، من أسلاف الصهيونية. بيد أن سلفادور كان يعتقد في قدس روحية سماوية تمثل مركزاً دينياً لحضارة كونية لا بؤرة استقطاب لشعب منبوذ/مختار في آن واحد. وقد تأثر سلفادور في أفكاره بأفكار سان سيمون.
من بين كتبه الأخرى: شريعة موسى أو النسق الديني والسياسي للعبرانيين (١٨٢٢) وتاريخ السيطرة الرومانية على يهوذا وتدمير القدس (١٨٤٦ (.
جورج جاولر (١٧٩٦-١٨٦٩)
George Gawler
صهيوني غير يهودي يستخدم ديباجات مسيحية وعلمانية. وهو قائد عسكري بريطاني أخذ على عاتقه نشر الأفكار المرتبطة باستقرار اليهود في فلسطين. شارك في معركة ووترلو وصار بعدها حاكماً لمستعمرة جنوب أستراليا (١٨٣٨ ـ ١٨٤١) .
стр. 6824
وكان الخطاب الديني يختلط بالخطاب السياسي والعسكري في وجدانه، فقد كان يرى أن فلسطين ملك لرب إسرائيل وأن اليهود هم شعبه القومي، وكان يذهب إلى أن العناية الإلهية وضعت سوريا ومصر بين إنجلترا من جهة وبين أعظم مناطق إمبراطوريتها ومراكز تجارتها في الهند والصين، أي أن الوضع الجغراسي (الجغرافي السياسي) المتميز لسوريا ومصر والذي يُمكِّن الإمبراطورية الإنجليزية من توظيفه والاستفادة منه هو جزء من المخطط الإلهي، وكأن الإمبراطورية الإنجليزية امتداد للتاريخ التوراتي المقدَّس. والوضع نفسه ينطبق على الشعب المختار إذ سيتحول إلى مادة استيطانية أو حرس يهودي قومي "ثم يقف على جبال إسرائيل في مستوطنات زراعية عسكرية مزدهرة تحميها ضد المعتدين".
وكان جاولر يعتقد أن توطين اليهود ("أبناء الأرض الحقيقيين") في فلسطين يمثل الحل الأمثل لمشكلة عدم الاستقرار في الشرق الإسلامي، وهو الأمر الذي تنبهت له بريطانيا بشدة بعد الحروب النابليونية، كما يمثل الحل الأمثل للمشكلة اليهودية في أوربا. وقد ربط جاولر بين هذه المستوطنات وبين المصالح البريطانية في المنطقة في كتيبه تهدئة سوريا والشرق: ملاحظات واقتراحات عملية للإسراع بإقامة مستعمرات يهودية في فلسطين وهو العلاج الناجع والمعقول لمآسي تركيا الآسيوية (١٨٤٥) . وفي كتيبه الآخر تحرير اليهود ضرورة لحفظ الطبيعة البروتستانتية للإمبراطورية ومن أهم دعائم الأمة البريطانية (١٨٤٧) .
стр. 6825
وكان جاولر يعتقد، بسبب تجربته الأسترالية، في إمكانية توطين فلسطين (التي كان يراها أرضاً بلا شعب) في غضون بضعة أعوام. وسافر مع السير موسى مونتفيوري إلى فلسطين عام ١٨٤٩ ونجح في الحث على المشروع وفي بناء مستوطنات زراعية قرب يافا، وقد رفض معظم اليهود البريطانيين أفكار جاولر الاستيطانية. ويُعتبَر جاولر مثالاً كلاسيكياً للصهيونية غير اليهودية التي انتشرت في أوربا مع بداية عصر الاستعمار، وخصوصاً مع نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. ومن الواضح أنه كان يهدف لحماية المصالح البريطانية في الهند وفي المستعمرات الجديدة عن طريق خَلْق منطقة دفاع من المستوطنين اليهود الموالين للإمبراطورية لمواجهة أعداء الإمبراطورية.
واردر كريسون (١٧٩٨-١٨٦٠ (
Warder Cresson
صهيوني مسيحي يهودي، وشخصية محورية في تاريخ الصهيونية. كان كريسون شخصية قلقة، فهو بالمولد من أتباع طائفة الكويكر ثم أصبح من المورمون، وانضم إلى فرق بروتستانتية أخرى، وبدأ اهتمامه باليهودية بعد أن قابل الحاخام الإصلاحي إسحق ليزر.
بذل كريسون جهوداً كثيرة حتى عُيِّن أول قنصل للولايات المتحدة في فلسطين. ولكنه اتُهم بالجنون فأُلغي تعيينه. ولكن القرار لم يَصدُر إلا بعد أن كان كريسون قد رحل إلى فلسطين!
كتب كريسون عدة مقالات ضد جماعة لندن لتنصير اليهود. وفي عام ١٨٤٨، مع نهاية خدمته كقنصل، اعتنق اليهودية وغيَّر اسمه إلى ميخائيل بوعاز إسرائيل.
وحينما عاد كريسون إلى الولايات المتحدة عام ١٨٤٩ ليسوي أموره تمهيداً للاستيطان النهائي في فلسطين، حاولت أسرته أن تُوقفه بحجة أنه مجنون، ولكنه كسب القضية المرفوعة ضده. واستوطن فلسطين عام ١٨٥١ حيث حاول تأسيس مستوطنة في وادي رفائيم بمساعدة موسى مونتفيوري وآخرين ولكنه فشل في مسعاه. وقد كان كريسون يرتدي ملابس اليهود السفارد الشرقية وتزوج من يهودية سفاردية وعاش حسب التعاليم الأرثوذكسية.
стр. 6826
ومن مؤلفاته الشاهدان: موسى وإلياهو، وشجرة الزيتون الطيبة، والقدس مركز العالم بأسره ومصدر فرحه (وقد نُشرت جميعاً عام ١٨٤٩) . كما نشر عام ١٨٥٢ كتاباً بعنوان مفتاح داود: داود الماشيَّح الحق. وقد بيَّن في كل مؤلفاته أن الوجود اليهودي في فلسطين لابد أن يكون ذا طابع زراعي. وقد تنبأ كريسون بكثير من المشاكل التي واجهها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، ثم الدولة الصهيونية، مثل معارضة الحاخامات الأرثوذكس إنشاء دولة يهودية ومعارضة السكان الأصليين. وعلى هذا، اقترح إقامة مستوطنات زراعية مسلحة قادرة على القتال وعلى الدفاع عن نفسها (وهذا ما نفَّذه الصهاينة فيما بعد) .
آدم مكيفتش (١٧٩٨-١٨٥٥)
Adam Mickiewicz
صهيوني نصف يهودي نصف مسيحي يستخدم ديباجات مسيحية. وهو شاعر بولندي من أصل يهودي (فرانكي) وُلد في ليتوانيا. انخرط في نشاط الحركات الطلابية القومية في جامعة فلنا، فطُرد من البلاد وأُبعد إلى روسيا. وفي عام ١٨٢٩، سُمح له بالسفر إلى الخارج وبدأ في التنقُّل من بلد أوربي إلى آخر حتى وفاته. كتب كبرى مسرحياته دزيادي (٣ أجزاء) عام ١٨٣٢ حيث نُشرت بالإنجليزية تحت عنوان ليلة الأسلاف (١٩٢٨) ، وقد رسم فيها صورة لمنقذ بولندا في المستقبل (ويُقال إنه كان يشير إلى نفسه) إذ رأت إحدى الشخصيات في المسرحية في الرؤيا أن المخلِّص سيكون ابن أم أجنبية ويجري في عروقه دم الأبطال القدامى، واسمه «أربع وأربعون» . وكانت أم مكيفتش من أسرة من أتباع جيكوب فرانك، والقيمة الرقمية لهذا الاسم (هي ٤٤. وهذه جميعاً أفكار قبَّالية تعرَّف عليها مكيفتش لا من القبَّالاه اليهودية وإنما من القبَّالاه المسيحية (من أعمال المتصوف المسيحي لوي كلود دي سان مارتن ومن كتابات سويدنبورج (
стр. 6827
ويرى مكيفتش في أحد أعماله كتب الأمة البولندية والحج البولندي (١٨٤٢) أن اليهود والبولنديين شعب مختار. ولذا، فإن اليهودي المثالي في ملحمة مكيفتش بان تاديوس (١٨٣٤) هو وطني بولندي مفعم بالحماس لبولندا. وقد عبَّر مكيفتش عن تعاطفه مع اليهود وعن تطلُّعهم للعودة في موعظة ألقاها في المعبد اليهودي في باريس.
وكان مكيفتش يحلم بتنصير اليهود ولكنه لاحَظ أن يهود فرنسا يتركون اليهودية ويندمجون في المجتمع العلماني ولا يتنصَّرون. وحينما نشبت حرب القرم توجَّه مكيفتش إلى القسطنطينية ليساعد الفرق البولندية للحرب ضد الروس. وحاول تنظيم فرقة يهودية تُقيم الشعائر اليهودية، وكان مساعده الأساسي في ذلك طبيب فرنسي يهودي، وكان هو ومساعده يتصوران أن مثل هذه الفرقة اليهودية قد تكون بمنزلة الخطوة الأولى نحو بَعْث الأمة اليهودية. ولكن مكيفتش مات قبل أن يُكمل مهمته. والواقع أن مكيفتش مثل جيد لتداخل التراث القبَّالي اليهودي والتراث المسيحي بحيث تصبح التفرقة بين أيٍّ منهما مستحيلة، كما أنه يبين كيف أن النزعة الفرانكية المشيحانية العسكرية تحوَّلت إلى مشروع استيطاني.
إرنست لاهاران (؟ -؟ (
Ernest Laharanne
صهيوني غير يهودي يستخدم ديباجات علمانية. وكان محرراً لصحيفة جمهورية النزعة أيَّدت فكرة التجارة الحرة وعمل كأمين لنابليون الثالث. وقد انتعشت الصهيونية غير اليهودية أيام إمبراطورية نابليون الثالث (١٨٥٢ ـ ١٨٧٠) عندما تجددت النشاطات الاستعمارية على نطاق أشد. وكان لنابليون الثالث طموحات في الشرق الأوسط. وقد أقحم فرنسا في حرب القرم مع روسيا متذرعاً بحماية الرهبان الكاثوليك في الإمبراطورية العثمانية. وقد شاع أن نابليون الثالث كان يفكر في تنصيب أحد أفراد أسرة روتشيلد ملكاً على القدس (ولكن رد فعل صحافة أعضاء الجماعة اليهودية لهذه الشائعة كان سلبياً إلى أقصى حد) .
стр. 6828
كتب لاهاران كتيبه المعنون بـ المسألة الشرقية الجديدة ـ إمبراطورية مصر والعرب: إعادة تكوين القومية اليهودية عام ١٨٦٠ يخبر فيه اليهود بأن فرنسا قد حررتهم وجعلتهم مواطنين وإخوة ويخبرهم أيضاً أنهم شعب ذو شخصية عبقرية مستقلة، فهو شعب عضوي لم يندمج في الحضارة الغربية لأنه مرتبط بالشرق حيث يجب أن يذهبوا حاملين "أنوار أوربا" ليكونوا بمنزلة الوسطاء الذين سيفتحون الشرق للغرب عن طريق تكوين دولة يهودية في الأرض الواقعة بين مصر وتركيا، تحت رعاية فرنسا، وبمؤازرة رجال البنوك والتجار اليهود في العالم، ويجرى اكتتاب مالي يهودي عام يتيح لليهود المجال "لشراء وطنهم القديم" من الدولة العثمانية. وقد بيَّن لاهاران الفوائد التي ستعود على الغرب من توطين اليهود في فلسطين: "طريق جديد ومُعبَّد للحضارة الغربية وأسواق جديدة للصناعة الغربية". وقد استمر لاهاران في الدعوة لهذه الفكرة بحماس شديد وربط بينها وبين الأفكار القومية التي كانت تلاقي إعجاب نابليون الثالث ورجال بلاطه الاستعماريين.
ولاهاران، شأنه شأن كل دعاة المشروع الصهيوني، يهاجم العرب (سكان فلسطين الأصليين) ليبرر عملية الغزو (ومع هذا كان لاهاران أحد ضيوف الشرف لدى الخديوي إسماعيل في حفل افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩) .
ولاهاران نموذج للمفكر الاستعماري المليء بالمتناقضات الذي يحاول بشتى الطرق العملية الوصول لهدفه الأوحد وهو السيطرة والغزو وتحقيق أقصى منفعة مادية على حساب الآخرين وباستغلال الآخرين عرباً كانوا أم يهوداً.
وهو أيضاً مثال للارتباط بين الفكر القومي الأوربي في القرن التاسع عشر والفكر الاستعماري، وللرؤية القومية في إطار التوسع والغزو والإمبراطورية العظمى التي كان يمثلها نابليون الثالث. وقد قرأ المفكر الصهيوني العمالي موسى هس كتاب لاهاران وأُعجب به.
لورد شافتسبري (١٨٠١-١٨٨٥ (
Lord Shaftesbury
стр. 6829
هو أنتوني أشلي كوبر، لورد شافتسبري السابع. واحد من أهم الشخصيات الإنجليزية في القرن التاسع عشر، ومن أهم المصلحين الاجتماعيين. يقول عنه المؤرخ الإنجليزي تريفليان إنه كان يُعَدُّ أحد أهم أربعة أبطال شعبيين في عصره. وقد كان شافتسبري، بالإضافة إلى هذا، شقيق زوجة رئيس الوزراء بالمرستون الذي كان يثق فيه تماماً ويأخذ بمشورته. وقد كان شافتسبري زعيم حزب الإنجيليين. ولذا، فإننا نجد أن اليهود كانوا أحد الموضوعات الأساسية في فكره كما كانوا محط اهتمامه الشديد. وكان خطاب شافتسبري خليطاً مدهشاً من العناصر الاجتماعية والأساطير الدينية حيث تَداخَل في عقله الوقت الحاضر والزمان الغابر والتاريخ المقدَّس، وقد كان هذا الخطاب يَصدُر عن فكرة الشعب العضوي المنبوذ بشكل لم يتحقق كثيراً في كتابات أي صهيوني آخر (يهودياً كان أم غير يهودي) . ينظر شافتسبري إلى اليهود من داخل نطاق العقيدة الألفية والاسترجاعية بعد علمنتها تماماً، فاليهود يكوِّنون بالنسبة إليه شعباً عضوياً مستقلاًّ وجنساً عبرياً يتمتع باستمرار لم ينقطع، ولكنهم لهذا السبب أصبحوا جنساً من الغرباء (المنبوذين) المتعجرفين سود القلوب المنغمسين في الانحطاط الخلقي والعناد والجهل بالإنجيل. وهم ليسوا سوى "خطأ جماعي". ولكل هذا، عارض شافتسبري مَنْح اليهود حقوقهم المدنية والسياسية في إنجلترا.
стр. 6830
ولكن ثمة علاقة عضوية بين هذا الشعب وبين بقعة جغرافية محددة هي فلسطين. ولهذا، فإن بَعْثهم لا يمكن أن يتم إلا هناك. كما أن عودتهم إلى هذه البقعة أمر ضروري حتى تبدأ سلسلة الأحداث التي ستؤدي إلى العودة الثانية للمسيح وخلاص البشر. وبرغم الديباجات الدينية فإن شافتسبري، شأنه شأن مسيحيي عصره العلمانيين، كان يؤمن بأن الوسيلة الإنسانية يمكن أن تحقق الأهداف الربانية (وهذا عكس الموقف المسيحي واليهودي التقليدي) . وقد عبَّر شافتسبري عن هذه الازدواجية في الخطاب في عبارته: "إن أي شعب لابد أن يكون له وطن، الأرض القديمة للشعب القديم"، وهي صيغة علمانية خافتة لشعار "الأرض الموعودة للشعب المختار". ثم طوَّر هذا الشعار ليصبح "وطن بلا شعب لشعب بلا وطن"، فهو إذن صاحب الشعار الصهيوني الشهير.
وقد نشر شافتسبري عام ١٨٣٨ في مجلة كوارترلي ريفيو (وهي من أكثر المجلات نفوذاً في ذلك العصر) عرضاً لكتب أحد الرحالة إلى فلسطين. وقد بدأ المقال بالديباجة الدينية المعتادة عن قضية اليهود ثم تناول بعد ذلك تربة فلسطين ومناخها باعتبارها مناسبة لنمو محصولات تتطلبها احتياجات إنجلترا مثل القطن والحرير وزيت الزيتون. ويبين شافتسبري أن كل المطلوب لإنجاز هذه العملية هو رأس المال والمهارة، وكلاهما سيأتي من إنجلترا، وخصوصاً بعد تعيين قنصل لإنجلترا في القدس إذ سيؤدى وجوده إلى زيادة أسعار الممتلكات. ثم يقترح عند هذه النقطة توظيف اليهود على أن يكون القنصل البريطاني الوسيط بينهم وبين الباشا العثماني، حتى يصبحوا، مرة أخرى، مزارعين في يهوذا والجليل. وهذا الاقتراح يحوي بعض عناصر الصيغة الصيهونية الأساسية (شعب عضوي منبوذ ـ نافع ـ ينقل خارج أوربا ـ لتوظيفه لصالحها (
следующие страницы →