← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

ومن مؤلفاته الشاهدان: موسى وإلياهو، وشجرة الزيتون الطيبة، والقدس مركز العالم بأسره ومصدر فرحه (وقد نُشرت جميعاً عام ١٨٤٩) . كما نشر عام ١٨٥٢ كتاباً بعنوان مفتاح داود: داود الماشيَّح الحق. وقد بيَّن في كل مؤلفاته أن الوجود اليهودي في فلسطين لابد أن يكون ذا طابع زراعي. وقد تنبأ كريسون بكثير من المشاكل التي واجهها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، ثم الدولة الصهيونية، مثل معارضة الحاخامات الأرثوذكس إنشاء دولة يهودية ومعارضة السكان الأصليين. وعلى هذا، اقترح إقامة مستوطنات زراعية مسلحة قادرة على القتال وعلى الدفاع عن نفسها (وهذا ما نفَّذه الصهاينة فيما بعد) . آدم مكيفتش (١٧٩٨-١٨٥٥) Adam Mickiewicz صهيوني نصف يهودي نصف مسيحي يستخدم ديباجات مسيحية. وهو شاعر بولندي من أصل يهودي (فرانكي) وُلد في ليتوانيا. انخرط في نشاط الحركات الطلابية القومية في جامعة فلنا، فطُرد من البلاد وأُبعد إلى روسيا. وفي عام ١٨٢٩، سُمح له بالسفر إلى الخارج وبدأ في التنقُّل من بلد أوربي إلى آخر حتى وفاته. كتب كبرى مسرحياته دزيادي (٣ أجزاء) عام ١٨٣٢ حيث نُشرت بالإنجليزية تحت عنوان ليلة الأسلاف (١٩٢٨) ، وقد رسم فيها صورة لمنقذ بولندا في المستقبل (ويُقال إنه كان يشير إلى نفسه) إذ رأت إحدى الشخصيات في المسرحية في الرؤيا أن المخلِّص سيكون ابن أم أجنبية ويجري في عروقه دم الأبطال القدامى، واسمه «أربع وأربعون» . وكانت أم مكيفتش من أسرة من أتباع جيكوب فرانك، والقيمة الرقمية لهذا الاسم (هي ٤٤. وهذه جميعاً أفكار قبَّالية تعرَّف عليها مكيفتش لا من القبَّالاه اليهودية وإنما من القبَّالاه المسيحية (من أعمال المتصوف المسيحي لوي كلود دي سان مارتن ومن كتابات سويدنبورج (

стр. 6827

ويرى مكيفتش في أحد أعماله كتب الأمة البولندية والحج البولندي (١٨٤٢) أن اليهود والبولنديين شعب مختار. ولذا، فإن اليهودي المثالي في ملحمة مكيفتش بان تاديوس (١٨٣٤) هو وطني بولندي مفعم بالحماس لبولندا. وقد عبَّر مكيفتش عن تعاطفه مع اليهود وعن تطلُّعهم للعودة في موعظة ألقاها في المعبد اليهودي في باريس. وكان مكيفتش يحلم بتنصير اليهود ولكنه لاحَظ أن يهود فرنسا يتركون اليهودية ويندمجون في المجتمع العلماني ولا يتنصَّرون. وحينما نشبت حرب القرم توجَّه مكيفتش إلى القسطنطينية ليساعد الفرق البولندية للحرب ضد الروس. وحاول تنظيم فرقة يهودية تُقيم الشعائر اليهودية، وكان مساعده الأساسي في ذلك طبيب فرنسي يهودي، وكان هو ومساعده يتصوران أن مثل هذه الفرقة اليهودية قد تكون بمنزلة الخطوة الأولى نحو بَعْث الأمة اليهودية. ولكن مكيفتش مات قبل أن يُكمل مهمته. والواقع أن مكيفتش مثل جيد لتداخل التراث القبَّالي اليهودي والتراث المسيحي بحيث تصبح التفرقة بين أيٍّ منهما مستحيلة، كما أنه يبين كيف أن النزعة الفرانكية المشيحانية العسكرية تحوَّلت إلى مشروع استيطاني. إرنست لاهاران (؟ -؟ ( Ernest Laharanne صهيوني غير يهودي يستخدم ديباجات علمانية. وكان محرراً لصحيفة جمهورية النزعة أيَّدت فكرة التجارة الحرة وعمل كأمين لنابليون الثالث. وقد انتعشت الصهيونية غير اليهودية أيام إمبراطورية نابليون الثالث (١٨٥٢ ـ ١٨٧٠) عندما تجددت النشاطات الاستعمارية على نطاق أشد. وكان لنابليون الثالث طموحات في الشرق الأوسط. وقد أقحم فرنسا في حرب القرم مع روسيا متذرعاً بحماية الرهبان الكاثوليك في الإمبراطورية العثمانية. وقد شاع أن نابليون الثالث كان يفكر في تنصيب أحد أفراد أسرة روتشيلد ملكاً على القدس (ولكن رد فعل صحافة أعضاء الجماعة اليهودية لهذه الشائعة كان سلبياً إلى أقصى حد) .

стр. 6828

كتب لاهاران كتيبه المعنون بـ المسألة الشرقية الجديدة ـ إمبراطورية مصر والعرب: إعادة تكوين القومية اليهودية عام ١٨٦٠ يخبر فيه اليهود بأن فرنسا قد حررتهم وجعلتهم مواطنين وإخوة ويخبرهم أيضاً أنهم شعب ذو شخصية عبقرية مستقلة، فهو شعب عضوي لم يندمج في الحضارة الغربية لأنه مرتبط بالشرق حيث يجب أن يذهبوا حاملين "أنوار أوربا" ليكونوا بمنزلة الوسطاء الذين سيفتحون الشرق للغرب عن طريق تكوين دولة يهودية في الأرض الواقعة بين مصر وتركيا، تحت رعاية فرنسا، وبمؤازرة رجال البنوك والتجار اليهود في العالم، ويجرى اكتتاب مالي يهودي عام يتيح لليهود المجال "لشراء وطنهم القديم" من الدولة العثمانية. وقد بيَّن لاهاران الفوائد التي ستعود على الغرب من توطين اليهود في فلسطين: "طريق جديد ومُعبَّد للحضارة الغربية وأسواق جديدة للصناعة الغربية". وقد استمر لاهاران في الدعوة لهذه الفكرة بحماس شديد وربط بينها وبين الأفكار القومية التي كانت تلاقي إعجاب نابليون الثالث ورجال بلاطه الاستعماريين. ولاهاران، شأنه شأن كل دعاة المشروع الصهيوني، يهاجم العرب (سكان فلسطين الأصليين) ليبرر عملية الغزو (ومع هذا كان لاهاران أحد ضيوف الشرف لدى الخديوي إسماعيل في حفل افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩) . ولاهاران نموذج للمفكر الاستعماري المليء بالمتناقضات الذي يحاول بشتى الطرق العملية الوصول لهدفه الأوحد وهو السيطرة والغزو وتحقيق أقصى منفعة مادية على حساب الآخرين وباستغلال الآخرين عرباً كانوا أم يهوداً. وهو أيضاً مثال للارتباط بين الفكر القومي الأوربي في القرن التاسع عشر والفكر الاستعماري، وللرؤية القومية في إطار التوسع والغزو والإمبراطورية العظمى التي كان يمثلها نابليون الثالث. وقد قرأ المفكر الصهيوني العمالي موسى هس كتاب لاهاران وأُعجب به. لورد شافتسبري (١٨٠١-١٨٨٥ ( Lord Shaftesbury

стр. 6829

هو أنتوني أشلي كوبر، لورد شافتسبري السابع. واحد من أهم الشخصيات الإنجليزية في القرن التاسع عشر، ومن أهم المصلحين الاجتماعيين. يقول عنه المؤرخ الإنجليزي تريفليان إنه كان يُعَدُّ أحد أهم أربعة أبطال شعبيين في عصره. وقد كان شافتسبري، بالإضافة إلى هذا، شقيق زوجة رئيس الوزراء بالمرستون الذي كان يثق فيه تماماً ويأخذ بمشورته. وقد كان شافتسبري زعيم حزب الإنجيليين. ولذا، فإننا نجد أن اليهود كانوا أحد الموضوعات الأساسية في فكره كما كانوا محط اهتمامه الشديد. وكان خطاب شافتسبري خليطاً مدهشاً من العناصر الاجتماعية والأساطير الدينية حيث تَداخَل في عقله الوقت الحاضر والزمان الغابر والتاريخ المقدَّس، وقد كان هذا الخطاب يَصدُر عن فكرة الشعب العضوي المنبوذ بشكل لم يتحقق كثيراً في كتابات أي صهيوني آخر (يهودياً كان أم غير يهودي) . ينظر شافتسبري إلى اليهود من داخل نطاق العقيدة الألفية والاسترجاعية بعد علمنتها تماماً، فاليهود يكوِّنون بالنسبة إليه شعباً عضوياً مستقلاًّ وجنساً عبرياً يتمتع باستمرار لم ينقطع، ولكنهم لهذا السبب أصبحوا جنساً من الغرباء (المنبوذين) المتعجرفين سود القلوب المنغمسين في الانحطاط الخلقي والعناد والجهل بالإنجيل. وهم ليسوا سوى "خطأ جماعي". ولكل هذا، عارض شافتسبري مَنْح اليهود حقوقهم المدنية والسياسية في إنجلترا.

стр. 6830

ولكن ثمة علاقة عضوية بين هذا الشعب وبين بقعة جغرافية محددة هي فلسطين. ولهذا، فإن بَعْثهم لا يمكن أن يتم إلا هناك. كما أن عودتهم إلى هذه البقعة أمر ضروري حتى تبدأ سلسلة الأحداث التي ستؤدي إلى العودة الثانية للمسيح وخلاص البشر. وبرغم الديباجات الدينية فإن شافتسبري، شأنه شأن مسيحيي عصره العلمانيين، كان يؤمن بأن الوسيلة الإنسانية يمكن أن تحقق الأهداف الربانية (وهذا عكس الموقف المسيحي واليهودي التقليدي) . وقد عبَّر شافتسبري عن هذه الازدواجية في الخطاب في عبارته: "إن أي شعب لابد أن يكون له وطن، الأرض القديمة للشعب القديم"، وهي صيغة علمانية خافتة لشعار "الأرض الموعودة للشعب المختار". ثم طوَّر هذا الشعار ليصبح "وطن بلا شعب لشعب بلا وطن"، فهو إذن صاحب الشعار الصهيوني الشهير. وقد نشر شافتسبري عام ١٨٣٨ في مجلة كوارترلي ريفيو (وهي من أكثر المجلات نفوذاً في ذلك العصر) عرضاً لكتب أحد الرحالة إلى فلسطين. وقد بدأ المقال بالديباجة الدينية المعتادة عن قضية اليهود ثم تناول بعد ذلك تربة فلسطين ومناخها باعتبارها مناسبة لنمو محصولات تتطلبها احتياجات إنجلترا مثل القطن والحرير وزيت الزيتون. ويبين شافتسبري أن كل المطلوب لإنجاز هذه العملية هو رأس المال والمهارة، وكلاهما سيأتي من إنجلترا، وخصوصاً بعد تعيين قنصل لإنجلترا في القدس إذ سيؤدى وجوده إلى زيادة أسعار الممتلكات. ثم يقترح عند هذه النقطة توظيف اليهود على أن يكون القنصل البريطاني الوسيط بينهم وبين الباشا العثماني، حتى يصبحوا، مرة أخرى، مزارعين في يهوذا والجليل. وهذا الاقتراح يحوي بعض عناصر الصيغة الصيهونية الأساسية (شعب عضوي منبوذ ـ نافع ـ ينقل خارج أوربا ـ لتوظيفه لصالحها (

стр. 6831

ولكن أهم وثائق الصهيونية غير اليهودية وأكثرها شفافية (إذ تتضح فيها الصيغة الصهيونية الأساسية بكل وضوح وجلاء) هي الوثيقة التي قدَّمها شافتسبري إلى بالمرستون (٢٥ سبتمبر ١٨٤٠) لاسترجاع اليهود وحل المسألة الشرقية وتطوير المنطقة الممتدة من جهة الرافدين حتى البحر الأبيض المتوسط (وهي البلاد التي وعد الإله بها إبراهيم حسب أحد تفسيرات الرؤية التوراتية) . ويؤكد شافتسبري في مقدمة المذكرة أن المنطقة التي أشار إليها آخذة في الإقحال بسبب التناقص في الأيدي العاملة، ولذا فهي تتطلب رأس مال وعمالة. ولكن رأس المال لن يأتي إلا بعد توفير الأمن. ولهذا، فلابد أولاً من اتخاذ هذه الخطوة، ثم يشير بعد ذلك إلى أن حب اختزان المال والجشع والبخل ستتكفل بالباقي، فهي من أهم دوافع الإنسان (الوظيفي) ، ولذا فهي ستدفع به إلى أية بقعة يمكن أن يحقق فيها أرباحاً (ومثل هذه الضمانات ستشجع كل محب للمال عنده الحماس التجاري، أي أعضاء الجماعات الوظيفية (

стр. 6832

كل هذه المقدمات العامة تقود شافتسبري إلى الحديث عن «العنصر العبري» أو الشعب العضوي المنبوذ (باعتباره جماعة وظيفية استيطانية) ثم يقترح أن القوة الحاكمة في الأقاليم السورية (دون تحديد هذه القوة) لابد أن تحاول وَضْع أساس الحضارة الغربية في فلسطين وأن تؤكد المساواة بين اليهود وغير اليهود فيها. وتحصل هذه القوة على ضمانات الدول العظمى الأربع عن طريق معاهدة ينص أحد بنودها على ذلك، وسوف يشجع هذا الوضع الشعب اليهودي العضوي المعروف بعاطفته العميقة نحو فلسطين حيث يحمل أعضاؤه ذكريات قديمة في قلوبهم نحوها. وهذا الشعب اليهودي العضوي "جنس معروف بمهاراته وثروته المختبئة ومثابرته الفائقة. وأعضاء هذا الجنس يمكنهم أن يعيشوا في غبطة وسعادة على أقل شيء، ذلك أنهم ألفوا العذاب عبر العصور الطويلة. وحيث إنهم لا يكترثون بالأمور السياسية، فإن آمالهم تقتصر على التمتع (بالأموال) التي يمكنهم مراكمتها ... إن عصوراً طويلة من العذاب قد غرست في هذا الشعب عادتي التحمل وإنكار الذات". ويضيف شافتسبري: "إذا رأينا عودتهم في ضوء استعمار فلسطين، فإن هذه الطريقة هي أرخص الطرق وأكثرها أمناً في الوفاء بحاجات هذه المناطق غير المأهولة بالسكان. وهم سيعودون على نفقتهم الخاصة دون أن يُعرِّضوا أحداً ـ سوى أنفسهم ـ للخطر"، أي أنهم أداة آمنة كفء وسيخضعون للشكل القائم للحكومة، فهم لم يصوغوا أية نظرية سياسية مُسبَقة يهدفون إلى تطبيقها. وقد تم ترويضهم في كل مكان تقريباً على الخضوع الضمني (الهادئ) للحكم المطلق ولا تربطهم رابطة بشعوب الأرض، ولذا لابد لهم من الاعتماد على قوة ما... وسيعترف اليهود بملكية الأرض لأصحابها الحقيقيين... حيث سيكتفون بالحصول على الفائدة من خلال الطرق المشروعة مثل الإيجار والشراء، ولن يتطلب المشروع أية اعتمادات مالية من القائمين على المشروع، ولهذا فإن ثمرتها ستعود على العالم المتحضر (أي الغربي) بأسره.

стр. 6833

ورغم أن هذه المذكرة قد كُتبت قبل عشرين عاماً من ميلاد هرتزل، فإن كل ملامح المشروع الصهيوني موجودة فيها، وخصوصاً فكرة توظيف وضع اليهود الشاذ داخل المجتمعات الغربية لخدمة هذه المجتمعات، وذلك عن طريق نَقْلهم ليصبحوا كتلة عضوية واحدة لا تخدم دولة غربية واحدة وإنما الغرب بأسره. وفي عام ١٨٧٦، كتب شافتسبري مقالاً آخر يطرح فيه مرة أخرى أفكاره الصهيونية بدقة ووضوح بالغين، فقد أكد أن سوريا وفلسطين ستصبحان شديدتي الأهمية من الناحيتين الجغرافية والتجارية بعد فترة وجيزة. وبعد الحديث عن الأمجاد الغابرة القديمة، يتساءل شافتسبري فيقول: من تجار العالم بالدرجة الأولى؟ والسؤال مجرد سؤال خطابي، لكن الإجابة معروفة، ثم يستطرد: "إن فلسطين في حاجة إلى السكان ورأس المال، وبإمكان اليهود أن يعطوها الشيئين معاً، وإنجلترا لها مصلحة في استرجاعهم لأنها ستكون ضربة لإنجلترا إن وُضع منافسوها في سوريا. لكل هذا، يجب أن تحتفظ إنجلترا بسوريا لنفسها كما يجب أن تدافع عن قومية اليهود وتساعدهم حتى يعودوا فيكونوا بمنزلة الخميرة لأرضهم القديمة. إن إنجلترا أكبر قوة تجارية وبحرية في العالم، ولهذا فلابد لها أن تضطلع بدور توطين اليهود في فلسطين ... وهذه ليست تجربة مصطنعة ... إنها الطبيعة ... إنه التاريخ". ويُلاحَظ أن الديباجة الدينية هنا قد اختفت تماماً وأن الديباجة الجغراسية (موازين القوى ـ الإمبراطورية ـ الموقع الجغرافي ـ الأهمية التجارية العسكرية) هي الأهم.

стр. 6834

وقد قام شافتسبري بعدة محاولات لتحويل صهيونيته الفكرية إلى صهيونية سياسية، فتحدَّث مع بالمرستون عن استخدام اليهود كرأس حربة لبريطانيا في الشرق الأوسط. ففتح بالمرستون قنصلية في القدس (وهذه بداية الصهيونية الاستيطانية) بناءً على إلحاحه على ضرورة مقاومة مصالح الدول الأخرى وحتى تجد بريطانيا من تحميه (فقد كانت فرنسا تحمي الكاثوليك وكانت روسيا تحمي الأرثوذكس) . وعُيِّن وليام ينج قنصلاً لتقديم الحماية لليهود والطوائف المسيحية، وهكذا قُدِّمت الحماية (أي التبعية لإنجلترا) لأي يهودي دون التثبت من أصله. وقد وافق الروس بين عامي ١٨٤٧ و ١٨٤٩ على أن يقوم الإنجليز بحماية اليهود الروس، المادة البشرية التي ستستخدمها الصهيونية الغربية. وكما يقول سوكولوف، فإن حماية اليهود جزء من اهتمام إنجلترا السياسي بالمسألة الشرقية. كما أن شافتسبري حث بالمرستون على أن يكتب للسفير البريطاني في إستنبول عن فكرة الدولة اليهودية. وقد تحرَّك بالمرستون بناء على نصيحة شافتسبري وأرسل خطاباً بهذا المعنى. وحتى بعد أن ترك بالمرستون الوزارة، استمر شافتسبري في نشاطه. وبدأ في وَضْع الأساس العملي لتحقيق حلمه في استرجاع اليهود إلى فلسطين تحت رعاية إنجلترا البروتستانتية، فساهم في جهود تأسيس أسقفية ألمانية إنجليزية تهدف إلى استرجاع اليهود. وقد اختير حاخام يهودي مُتنصِّر أسقفاً لها. وكان شافتسبري يَعُدُّ هذا تتويجاً لجهود جمعية اليهود، ذلك أن تأسيس الأسقفية كان بمنزلة العلامة على ابتداء عودة اليهود.

стр. 6835

وقد أصبح شافتسبري رئيساً لصندوق استكشاف فلسطين. ورغم أنه يؤكد في كتاباته دائماً أن روح العودة موجودة عند اليهود منذ ثلاثة آلاف عام، وأن الأمة اليهودية أمة عضوية تحن إلى وطنها ولابد أن تحصل علىه، إلا أنه يُلاحَظ أن اليهود الحقيقيين الذين يقابلهم في الحياة تنقصهم الوحدة التي يفترض هو وجودها حسب رؤيته الإنجيلية الحرفية. وعلى كلٍّ، فإنه يذكر في أحد خطاباته إلى بالمرستون أن اليهود "غير متحمسين للمشروع الصهيوني، فالأغنياء سيرتابون فيه ويستسلمون لمخاوفهم، أما الفقراء فسيؤخرهم جَمْع المال في بلاد العالم، وسوف يفضل بعضهم مقعداً في مجلس العموم في بريطانيا على مقعد تحت أشجار العنب والتين في فلسطين. وقد تكون هذه أحاسيس بعض الإسرائيليين الفرنسيين، أما يهود ألمانيا الكفار فيُحتَمل أن يرفضوا الاقتراح". وعلى هذا، فإن شافتسبري قد اكتشف المشكلة الأساسية في الصيغة الصهيونية الأساسية وهي أن المادة البشرية المُستهدَفة لن تخضع بسهولة لأحلامه الإنجيلية الحرفية الاستيطانية ولن تقبل ببساطة أن يتم انتزاعها من أوطانها. جيمس فين (١٨٠٦-١٨٧٢ ( James Finn صهيوني غير يهودي كان يعمل قنصلاً بريطانياً في القدس من ١٨٤٥ حتى ١٨٦٢. كان من رواد الدعوة لتوطين اليهود في فلسطين واعتاد مصادقة اليهود ووَضْعَهم تحت الحماية البريطانية. ففي عام ١٨٤٩ أقنع وزارة الخارجية البريطانية بأن تزود يهود روسيا (في فلسطين) بالحماية بعد أن رفضت الدولة الروسية أن تفعل ذلك. وقد انفق أموالاً كثيرة على تمويل مزارع ومشروعات استيطانية يهودية، ولكنه أفلس بعد فترة، كما اشترك في نشاطات تبشيرية وحاول توطين بعض اليهود المتنصرين في قرية بيت لحم لكنه تخلى عن هذا المشروع عام ١٨٦٤ بسبب رفض اليهود المشاركة في أيٍّ من هذه المشاريع. وكانت زوجته هي الأخرى متحمسة للمشروع الصهيوني، ولذا أسست جمعية تشجيع العمل الزراعي اليهودي في الأرض المقدَّسة.

стр. 6836

ألَّف فين عدة كتب عن اليهود نشرتها زوجته منها تقليب الأزمنة (١٨٧٦) ، ويهود الصين (١٨٤٩) ، ومستعمرة اليهود اليتيمة في الصين (١٨٧٢) ، والسفارد (١٨٤١ ( تشارلز تشرشل (١٨٠٧-١٨٦٩ ( Charles Churchill ضابط إنجليزي صهيوني من أوائل من دعوا إلى عودة اليهود إلى فلسطين. وهو من أسرة تشرشل الإنجليزية الشهيرة التي عملت في خدمة التاج البريطاني فترة طويلة، سواء في الجيش البريطاني أو في شركة الهند الشرقية. وُلد في مدراس بالهند عام ١٨٠٧، والتحق بالجيش البريطاني منذ شبابه المبكر (١٨٢٧) وخدم في البرتغال وإسبانيا في الفترة بين عامي ١٨٢٧ و ١٨٣٦ حيث شارك في الحروب الأهلية التي اندلعت في شبه جزيرة أيبريا، وترقَّى في سلك الجندية سريعاً. شهدت تلك الفترة صعود قوة مصر إبان عهد محمد علي حيث ساعدت القوات المصرية السلطان العثماني على إخماد ثورة اليونان رغم تَعرُّض الأسطول المصري حديث العهد للغرق في نافارين بعد هجوم أساطيل الدول الأوربية عليه. وبعد انتصار القوات المصرية على القوات العثمانية عام ١٨٣٨ وتسليم فوزي باشا قائد الأسطول العثماني سفنه لمحمد علي، اجتمعت الدول الأوربية في لندن وأرسلت إنذاراً لمحمد علي للانسحاب من الأراضي العربية التي كانت تابعة لتركيا في سوريا والحجاز وكريت واليمن. وقد رفض محمد علي الإنذار، فأرسلت الدول الأوربية مجتمعة حملة على بيروت عام ١٨٤٠. وفي ٣ نوفمبر ١٨٤٠، سقطت عكا، وكان تشارلز هنري تشرشل أحد الضباط المشاركين في الحملة. وقد تزامنت هذه الأحداث مع قضية داخلية صغيرة، إلا أن ما يدور في المنطقة نفسها جعلها قضية كبيرة ألا وهي الحادثة التي سُمِّيت بـ «قضية دمشق» . فقد اختفى راهب كاثوليكي وخادمه، وقام القنصل الفرنسي المعادي لليهود بإثارة حاكم دمشق ضد مجموعة من العائلات اليهودية على اعتبار أن اليهود قد قتلوا الراهب وخادمه، ووجهت لليهود تهمة الدم.

стр. 6837

وقام شريف باشا حاكم دمشق بسَجْن هؤلاء اليهود. وقد أرسلت بريطانيا بعثة برئاسة سير موسى مونتفيوري لمصر حيث نجحت تلك البعثة في تحرير السجناء بالضغط على محمد علي، وخصوصاً مع وصول القوات الأوربية إلى الشام. وفي هذه الأثناء أيضاً، قام روبرت بيل ولورد بالمرستون (عضوا البرلمان البريطاني) بالدعوة لإرسال اليهود إلى فلسطين، وخصوصاً بعد تحرير الأراضي المقدَّسة من أيدي المسلمين. وانتشرت في إنجلترا الدعوة إلى إعادة "شعب إسرائيل إلى أرض إسرائيل" سواء من منطلق استعماري أو من منطلق ديني أصولي (حرفي) حيث تُعتبر عودة اليهود بداية الخلاص. وقد لاقت تلك الدعاوى هوى في نفس تشرشل. ومع عودة مونتفيوري، تقابل الرجلان في مالطة. وأعرب تشرشل في هذه المقابلة عن إحساسه العميق بأن الأقدار قد رتبت هذا اللقاء في هذا المكان بالذات في إشارة واضحة لفرسان حملات الفرنجة وغزوهم فلسطين. وقد حمَّله مونتفيوري رسائل وخطابات أمان إلى يهود دمشق. وفي دمشق دعاه رئيس الجماعة اليهودية التاجر والمالي الكبير روفائيل فارحي إلى حفل استقبال كبير حيث ألقى تشرشل كلمة عبَّر فيها عن رغبته وأمله بل يقينه في أن "هذه الوديان والسهول الجميلة التي يقطنها الآن العرب الجوالون وبسببهم تعاني من الخراب بعد أن كانت مثالاً للوفرة والرخاء وتملأ أرجاءها أغاني بنات صهيون، ستعود لإسرائيل في ساعة قريبة حيث إن اقتراب الحضارة الغربية من هذه الأرض يمثل فجر نهضتها الجديدة. فلتستعد الأمة اليهودية مكانتها بين الشعوب، وليُثبت أحفاد المكابيين أنهم مثل أسلافهم العظماء".

стр. 6838

وقد كتب تشرشل خطاباً لمونتفيوري في الفترة نفسها يطلب فيه أن يأخذ اليهود زمام الموقف في أيديهم وأن يبادروا باتخاذ الخطوات الأولية نحو الاستيطان وأن على جميع اليهود تأييد مشروع الاستيطان، وخصوصاً أن القوى الأوربية ستساعدهم في مساعيهم. كما بيَّن تشرشل في خطابه أن مساندة إنجلترا للدولة العثمانية هو زيفٌ كبير وأنه يجب إنقاذ فلسطين من براثنهم. ويمكن القول بأن خطاب تشرشل يشبه إلى حدٍّ كبير خطاب نابليون بونابرت لليهود عام ١٧٩٩، وهذا طبيعي فقد كان الكولونيل البريطاني الشاب معجباً للغاية بالكورسيكي المغامر وكان يرى في نفسه أحياناً المقدرة على تحقيق هذه الطموحات التي لم يحققها نابليون، وخصوصاً مع إحساسه بأن البريطانيين قد حققوا ما فشل فيه الفرنسيون ألا وهو غزو عكا. من ثم، فقد تكلَّم باسم حكومة جلالة الملكة مستخدماً خطاباً قريباً من خطاب نابليون. ومع هذا، يمكن القول بأن خطاب تشرشل أكثر علمانية من خطاب نابليون إذ يُلاحَظ أن الديباجات الدينية فيه خافتة وباهتة للغاية. وقد أثارت كلمة تشرشل ضجة كبيرة في الأوساط السياسية اليهودية الأوربية نشرتها جرائد يهودية ألمانية ووصفها البعض بأنها "بداية حقبة جديدة وخاتمة سعيدة لملحمة دمشق". وكثُر ظهور أفكار مشابهة في كل أنحاء أوربا داعية شعب صهيون للنهوض وإقامة الهيكل في شكل أفخم من ذي قبل.

стр. 6839

وبدأ تشرشل على الفور في اتخاذ خطوات عملية تتعلق بتنفيذ رؤيته، فنصَّب نفسه (وهو القائمقام البريطاني) حامياً لليهود في دمشق حيث بدأ يعاملهم بوصفهم نواة الأمة اليهودية المُتخيَلة. ولأنه لم يقابل نجاحاً وسط صفوف يهود سوريا والشام عامة، توجَّه إلى يهود أوربا فأرسل خطاباً للسير مونتفيوري طالباً منه المساعدة لإنقاذ اليهود من آلامهم وتعبئتهم للهجرة إلى فلسطين باعتبار هذا حلاًّ سعيداً للمسألة الشرقية. ووضع في هذا الخطاب خطة توطينية استيطانية كاملة حيث يساهم يهود أوربا الأغنياء في توطين أقرانهم الفقراء في فلسطين، وأوضح أنه في مثل هذه المشروعات الضخمة يضحي المرء بكل عزيز لديه من مال ونفس. كما أكد أن البدو والأعراب قاطني هذه المنطقة لن يشكلوا عقبة كبيرة في وجه المشروع، بل إن المشروع سيمثل قلعة تدرأ خطر هجمات البدو أو أطماع الطامحين أمثال محمد علي. ورغم أن مونتفيوري تحمَّس شخصياً للمشروع إلا أن مجلس ممثلي يهود بريطانيا تغاضى عنه. وفي هذه الأثناء، انعقد مؤتمر لندن لتقرير مصير الشرق حيث قرر قصر حكم محمد علي على مصر فقط، وعودة الشام وباقي الأراضي العربية للحكم التركي. وكانت قرارات مؤتمر لندن مخيبة جداً لآمال تشرشل الذي كان قد أصبح قنصل بريطانيا في دمشق. ورغم خيبة أمله وإحباطه، إلا أنه استمر في أداء دوره كحام لليهود ومدافع عنهم، الأمر الذي أثار حفيظة حاكم دمشق التركي، وظهر العداء بينهما بوضوح في خطاب أرسله تشرشل للقنصل البريطاني في بيروت أعرب فيه عن اعتقاده بأن عودة الترك لحكم دمشق والشام هو انتصار للرجعية المسلمة.

стр. 6840

وبالمقابل، اتهمه الحاكم التركي بسوء السلوك وإثارة الاضطرابات والتخابر مع الدروز، وقد أدَّى هذا إلى إعادته إلى إنجلترا. ولكن هذا أتاح له فرصة أخرى للقاء السير مونتفيوري الذي اعتذر بأن مؤتمر لندن عرْقل خطة عودة اليهود لفلسطين التي اقترحها تشرشل. لكن تشرشل أخبره بأن ثمة خطة بديلة لها. وأرسل تشرشل للسير مونتفيوري خطاباً مفصلاً يتضمن هذه الخطة اقترح فيه خَلْق منصب خاص لمعتمد بريطاني لشئون اليهود، كما طالب يهود أوربا وبريطانيا بالضغط لخلق مثل هذا المنصب، ودعا إلى تكوين منظمة يهودية خاصة تمثل الشعب اليهودي تمثيلاً دبلوماسياً وسياسياً. كما عبَّر تشرشل عن أمله في أن يؤدي هذا إلى الإسراع بخلاص الشعب اليهودي. وكان رد مونتفيوري على هذه المقترحات سلبياً جداً حتى أنه لم يذكرها في مذكراته بل لم يُشر إليها. في المقابل، عندما أبدى تشرشل رغبته في العودة إلى الشام، سلمه مونتفيوري، وهو المالي الكبير، مبلغاً من المال لمساعدة يهود الشرق. لكن هذا الرفض المؤدب من قبَل مونتفيوري الاندماجي لخطط تشرشل التوطينية كان نهاية المشاريع الصهيونية عند تشرشل. وعاد تشرشل إلى بيروت عام ١٨٤٢ وتزوج سيدة لبنانية واستقر هناك حيث عمل بالتجارة والمضاربات العقارية. وكانت له علاقات طيبة مع الدروز والمارونيين وتزوجت بناته من أفراد من أسرة شهاب الشهيرة. وألَّف تشرشل كتاباً بعنوان جبل لبنان عام ١٨٥٢ دعا فيه الحكومة البريطانية لمساعدة اللبنانيين على التخلص من الحكم التركي.

стр. 6841

وتَدخَّل تشرشل في السياسة الداخلية اللبنانية والصراعات بين الدروز والمارونيين مُتقلِّباً بين الفرقتين حسب قوة كل منهما. ومع مذابح عام ١٨٦٠، أصدر تشرشل كتاباً آخر بعنوان الدروز والمارونيون تحت الحكم التركي من ١٨٤٠ حتى ١٨٦٠ اتهم فيه الدول الأوربية بالتقاعس عن أداء مهمتها لإنقاذ المنطقة من حكم الأتراك. وقد تعرَّف تشرشل في هذه الآونة إلى شخصية كان لها أثر كبير فيما بقى له من أيام هي الأمير عبد القادر الجزائري الذي ساهم بجهد كبير في إنهاء مذابح الشام عام ١٨٦٠. وألَّف تشرشل عنه كتابه الأخير حياة عبد القادر الذي نُشر عام ١٨٦٧ بإهداء للإمبراطور نابليون الثالث. وكان هذا الإهداء محيراً للجميع، فعبد القادر الجزائري كان عدو فرنسا اللدود كما كان تشرشل نفسه. ولكن يبدو أن خيبة أمل تشرشل في مشاريعه التوطينية والاستعمارية على يد البريطانيين هي التي دعته لهذا الإهداء. وتُوفي تشرشل عام ١٨٦٩ في لبنان. وتُمثِّل شخصية تشرشل وحياته الصاخبة نموذج عصره أصدق تمثيل، حيث اختلطت الأحلام الاستعمارية بالرؤى المشيحانية. ولكن، لم يكن بإمكان تشرشل أن يحقِّق أحلامه وطموحاته المشيحانية الاستعمارية والدولة الإسلامية العثمانية ما زالت موجودة وقوية إلى حدٍّ ما. إلا أن هذا لم يمنعه من الاستقرار في الشرق ومواصلة محاولة لعب دور داخل في سياسته. والجدير بالذكر أن الصهاينة المحدثين يعتبرون تشرشل أحد الآباء الأوائل للحركة الصهيونية، وهو بالفعل كذلك، فخطبه وكتاباته تضم كل أبعاد الفكر الصهيوني، أما تحركاته الدبلوماسية فتحمل كل سمات التحركات الصهيونية فيما بعد، من إدراك ضرورة البحث عن راع استعماري للمشروع الصهيوني إلى ضرورة ضرب الدولة العثمانية. كما أنه أدرك الطبيعة الوظيفية للدولة الصهيونية، وضرورة محاولة الاستفادة من الأقليات في المنطقة، وأدرك أيضاً ضرورة أن يكون هناك صهيونيتان: صهيونية استيطانية وصهيونية توطينية.

стр. 6842

بنديتو موسولينو (١٨٠٩-١٨٨٥ (Benedetto Musolino صهيوني غير يهودي يستخدم ديباجات علمانية، وسياسي إيطالي ورجل دولة تنبأ بعودة اليهود إلى فلسطين. وُلد في بيزو، وعاش شبابه منفياً، ثم انضم لجيش غاريبالدي وخدم كعضو في برلمان إيطاليا منذ عام ١٨٦١. ألَّف سبعة كتب في الفلسفة والقانون والعدالة الاجتماعية. زار فلسطين أربع مرات وحرَّر كتاباً بعنوان القدس والشعب العبراني (١٨٥١) حث فيه بريطانيا على إقامة إمارة يهودية في فلسطين تحت التاج العثماني، وذلك كحل للمسألة اليهودية في أوربا. وقام موسولينو بصياغة دستور نظام حكم هذه الإمارة حيث العبرية لغتها الرسمية واليهودية ديانتها، وهو يمنح حق الانتخاب لأولئك المتكلمين بالعبرية فقط، كما تُمنَح الجنسية لليهود الذين يستوطنون هذه الإمارة، وكذلك لغير اليهود الذي يطلبون ذلك. وتضمن الإمارة حق العمل وحرية التعبير، وتشرف شركة قومية على توطين اليهود فيها. وقد حاول موسولينو أن يثير اهتمام عائلة روتشيلد بمشروعه دون جدوى. جورج إليوت (١٨١٩-١٨٨٠ ( George Eliot صهيونية غير يهودية تستخدم ديباجات عضوية رومانسية، واسمها الحقيقي هو ماري آن إيفانس. تدل كتابات جورج إليوت الأولى على أنها، مثل معظم الصهاينة غير اليهود، بدأت حياتها الفكرية برفض اليهود وتراثهم، فهي ترى أن "كثيراً من أساطيرهم الأولى، وكذلك كل أحداث تاريخهم، تعاف النفس منها إلى أقصى مدى ... إن كل شيء يهودي هو شيء وضيع على وجه الخصوص" (من خطاب لها عام ١٨٤٨) .

стр. 6843

ومن الواضح أن جورج إليوت تنطلق من مفهوم الشعب العضوي المنبوذ. ولذا، فقد نشرت رواية دانيل ديروندا (١٨٧٦) وهي رواية ذات طابع صهيوني عن يهودي يكتشف هويته (أو بتعبير أدق ما يتصوره جذوره العرْقية اليهودية) ويرى أن لا خلاص له إلا من خلال الحل الصهيوني، أي من خلال الهجرة وتأسيس دولة يهودية. وتقدِّم الرواية صورة إدراكية جديدة لليهودي باعتباره بطلاً لتحل محل الصورة الإدراكية القديمة لليهودي باعتباره تاجراً أو مرابياً. وقد جاء في الرواية دعوة إلى مشروع صهيوني يموِّله أغنياء اليهود ويتم الإعلام عنه بكفاءة، بحيث ينظم اليهود أنفسهم بهدف "تأسيس كيان يهودي ... مركز عضوي للعرْق اليهودي". يتم ذلك عن طريق هجرة عظمى ثانية تتحرك من خلالها روح الإنجاز السامية، ليصبح اليهود أمة مثل كل الأمم. وهذا هو المشروع الصهيوني لإفراغ أوربا من اليهود عن طريق تهجيرهم خارجها، وهو، في جوهره، مشروع معاد لليهود. وبطل القصة قد تم ـ على ما يبدو ـ رسم شخصيته بوحي من شخصية الضابط البريطاني جولد سميد الذي اكتشف هويته اليهودية في العشرينيات من عمره وذهب إلى فلسطين "ليحيي المركز العضوي" لشعبه!

стр. 6844

والواقع أن دانيل ديروندا من أهم وثائق الصهيونية غير اليهودية، ربما لا يعادلها في الأهمية سوى مؤلف أوليفانت أرض جلعاد. ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن كلاسيكيات الصهيونية غير اليهودية تسبق كلاسيكيات الصهيونية اليهودية بسنوات. وقد أثرت هذه الرواية تأثيراً عميقاً في رواد الفكر والأدب الصهيوني مثل بن يهودا وبيريتس وسمولنسكين وجوردن وليلينبلوم، وقد تُرجمت القصة إلى العبرية وانتشرت بين يهود ألمانيا وغيرهم من الجماعات اليهودية. ووُصفت بأنها "وعد بلفور الأدبي". لكن معظم النقاد يرون أن هذه الرواية ليست من أعظم روايات إليوت، وأن مضمونها الصهيوني متضخم إلى حدٍّ كبير. كما أن كثيراً من أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا رفضوا فكرة العودة القومية، إذ كانوا يرون أنفسهم شعباً بالمعنى الروحي وحسب. جولدوين سميث (١٨٢٣-١٩١٠ ( Goldwin Smith مؤرخ ومصلح تربوي بريطاني، وهو نموذج جيد لليبرالي الصهيوني غير اليهودي المعادي لليهود. كتب سميث مقالاً عام ١٨٧٨ بيَّن فيها أن اليهودية دين قَبَلي منغلق، وأن تمسُّك اليهود باليهودية في شتاتهم زادهم تعصباً. وأضاف أن هذا الدين فَقَد مضمونه الأخلاقي ولم يبق منه سوى العنصر، أي أن تمسُّك اليهود بدينهم هو في واقع الأمر تعصُّب للعرْق. واليهود شعب عضوي متماسك، ولكنه شعب عضوي منبوذ فهو محط بُغض الشعوب. وليس بإمكان اليهود أن يصبحوا مواطنين صادقين في انتمائهم لأوطانهم في دول أوربا التي تستضيفهم. ولذا، يشكل وجودهم خطراً سياسياً على البلد الذي يحلون فيه (وهذه أطروحة أساسية في الأدبيات الصهيونية والمعادية لليهود ( وكمعظم صهاينة عصره (من اليهود وغير اليهود) كان سميث يرى أن المسألة الشرقية يمكن حلها من خلال رَبْطها بالمسألة اليهودية. فهو يرى إمكانية أن يعود بعض اليهود «شديدي العزلة» (أي يهود اليديشية) من شرق أوربا إلى فلسطين. وستنجز هذه العملية أمرين:

стр. 6845

١ ـ سيساعد انسحاب الفائض البشري اليهودي المجتمعات الغربية على دَمْج العنصر اليهودي الأكثر اندماجية في المجتمع الأوربي. ٢ ـ سيتحدد وضع اليهود كقومية منفصلة منعزلة (كما هو الحال في اليونان) تقوم بملء الفراغ الذي سيخلقه حل الدولة العثمانية. ولنا أن نلاحظ أن سميث قد اكتشف ظاهرة الصهيونيتين التوطينية والاستيطانية، وأنه وضع يده على كثير من الأطروحات الصهيونية الأساسية وذلك قبل أن ينشر هرتزل كتابه دولة اليهود. إدوارد كازالت (١٨٢٧-١٨٨٣ ( Edward Cazalet صهيوني غير يهودي يستخدم ديباجات علمانية وهو رجل صناعة بريطاني. كان يمتلك عدة مصانع في روسيا القيصرية، ولكنه كان على معرفة بمسألة يهود شرق أوربا اليهودية فألَّف كتيباً بعنوان سياسة إنجلترا في الشرق: علاقتنا مع روسيا ومستقبل سوريا (١٨٧٩) بيَّن فيه كيف يمكن حل المسألة الشرقية والمسألة اليهودية من خلال الربط بينهما. وقد بيَّن كازالت أن السكان العرب غير صالحين من الناحية الحضارية والخلقية لأن يكونوا أسياد مصيرهم. وهذه هي الحجة الإمبريالية التقليدية لإثبات أن ثمة فراغاً في الشرق العربي، يمكن أن تملأه القوة الإمبريالية بمعرفتها. وبالفعل، اقترح كازالت أن تقوم الإمبراطورية الإنجليزية بتوطين اليهود في فلسطين وسوريا تحت الحماية البريطانية باعتبارهم مادة بشرية يمكن من خلالها تنمية المنطقة اقتصادياً.

стр. 6846

وقد أرسل كازالت عام ١٨٨١ يهودياً يُدعى جيمس ألكسندر للقسطنطينية ليتفاوض على إقامة خط سكك حديدية من سوريا إلى بلاد ما بين النهرين على أن تُخصَّص الأراضي المجاورة للخط الحديدي للاستيطان، وكانت خطته هي استقدام عمال يهود وتوطينهم في تلك الأراضي. وقد حصل كازالت على دعم دزرائيلي لمشروعه بهدف تفويت الفرصة على كلٍّ من الألمان والفرنسيين الذين كانوا يطمعون في القيام بهذه المهمة. واستمرت المباحثات عدة أعوام، ولكنها مع الاحتلال البريطاني لمصر عام ١٨٨٢ انتهت إلى لا شيء حيث لم تَعُد هناك حاجة لمثل هذه الخطة مع استقرار الطريق للهند بعد احتلال مصر. لورانس أوليفانت (١٨٢٩-١٨٨٨ ( Laurence Oliphant صهيوني غير يهودي، ومفكر يستخدم ديباجات علمانية. وهو أحد أصدقاء لورد شافتسبري السابع. عمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بعض الوقت (في الشئون الهندية) ، كما كان عضواً في البرلمان الإنجليزي. وينطلق أوليفانت، شأنه شأن معظم الصهاينة، من فكرة الشعب العضوي المنبوذ ليدور داخل نطاق الفكر الألفي الاسترجاعي، فاليهود جنس مستقل يتسم أعضاؤه بالذكاء في الأعمال التجارية وبالمقدرة على جَمْع المال، ولكن وجودهم داخل الحضارة الغربية أمر سلبي لأن جذورهم في فلسطين.

стр. 6847

وكان أوليفانت (منطلقاً من الصيغة الصهيونية الأساسية) يرى، مثل كثير من السياسيين البريطانيين في عصره، ضرورة إنقاذ الدولة العثمانية من مشاكلها المستعصية حتى تقف حاجزاً ضد التوسع الروسي. ويمكن أن يتم ذلك عن طريق إدخال عنصر اقتصادي نشيط في جسدها المتهاوي ووجد أن اليهود هم هذا العنصر. ولذلك، دعا أوليفانت بريطانيا إلى تأييد مشروع توطين اليهود لا في فلسطين وحسب وإنما في الضفة الشرقية للأردن كذلك. وكان المشروع يتلخص في إنشاء شركة استيطانية لتوطين اليهود برعاية بريطانية وبتمويل من الخارج على أن يكون مركزها إستنبول (وقد لاحَظ بن هالبرن ـ وهو أحد مؤرخي الصهيونية المُحدَثين وأحد المؤيدين لها ـ أوجه الشبه بين هذه الخطة واقتراحات هرتزل فيما بعد ( وكانت صهيونية أوليفانت تتسم بالعملية والحركية إذ لم يكتف بطَرْح أفكاره، بل اتجه إلى فلسطين للبحث عن موقع مناسب للمُستوطَن المُقتَرح، واختار منطقة شرق الأردن شمالي البحر الميت (وتُسمَّى هذه المنطقة «جلعاد» في العهد القديم) ثم اتجه إلى إستنبول مع إدوارد كازالت (المموِّل الإنجليزي) لعَرْض مشروع سكة حديد وادي الفرات، وقدما طلباً إلى السلطان بإعطاء اليهود قطعة من الأرض بعرض ثلاثة كيلومترات على حافتي الطريق المقترح.

стр. 6848

وكانت تربط أوليفانت علاقة بعدد من الزعماء الصهاينة من اليهود في شرق أوربا مثل بيرتس سمولنسكين وأهارون ديفيد جوردون. وقد حضر مؤتمر فوكساني في رومانيا، الذي عُقد في ٣٠ ديسمبر ١٨٨١ لمناقشة هجرة اليهود واستيطانهم في فلسطين. وكان لظهوره فعل السحر، وانتشرت آراؤه بشأن توطين اليهود في فلسطين بدلاً من الولايات المتحدة حيث كان اليهود يتهددهم الاندماج. وقام أعضاء جماعة البيلو بالاتصال به، وكتب له بعض أحباء صهيون يخبرونه بأن الخالق وحده هو الذي وضع في يده صولجان قيادة اليهود، وسموه «المخلِّص الماشيَّح» أو «قورش الثاني» . ويبدو أنه لم يكن بعيداً عن تأسيس جماعة بيلو. وقد قام أوليفانت بطرح مشروع جماعة البيلو على السلطان العثماني للحصول على قطعة أرض في فلسطين، وحضر أحد مؤتمرات جماعة أحباء صهيون، كما عارض الجهود التي كانت تبذلها جماعة الأليانس لتهجير اليهود إلى الولايات المتحدة لإنقاذهم، وقام بجَمْع توقيعات من اليهود على عريضة يؤكدون فيها رغبتهم في الهجرة إلى فلسطين لا إلى غيرها من البلدان. وبالفعل، نجح أوليفانت في تهجير سبعين يهودياً من أصحاب الحرف إلى فلسطين.

стр. 6849

وفي عام ١٨٨٠، نشر أوليفانت كتابه أرض جلعاد الذي نادى فيه بضرورة توطين اليهود في فلسطين، كما شرح أبعاد فكره الصهيوني الذي أسلفنا الإشارة إليه. ومن القضايا الأساسية في الكتاب، مشروعه الخاص بسكان البلاد من العرب. فبعد أن عبَّر أوليفانت عن عدم تعاطفه مع العرب باعتبارهم مسئولين عن إفقار فلسطين، قسَّمهم إلى قسمين: بدو وفلاحين. واقترح طرد البدو ووَضْع الفلاحين في معسكرات مثل معسكرات الهنود في كندا، على أن يتم استخدامهم كمصدر للعمالة الرخيصة تحت إشراف اليهود. وقد ترجم سوكولوف الكتاب إلى العبرية عام ١٨٨٦ ووزع منه ١٢ ألف نسخة، وهو رقم قياسي بالنسبة إلى المنشورات العبرية في ذلك الوقت، بل يُقال إنه كان أكثر الكتب المكتوبة بالعبرية شيوعاً. وقد عاد أوليفانت إلى فلسطين واستقر فيها مع سكرتيره اليهودي نفتالي إمبر مؤلف نشيد «هاتيكفاه» ، أي «الأمل» (وهو نشيد الحركة الصهيونية الذي أصبح النشيد الوطني الإسرائيلي فيما بعد) . وكان أوليفانت يهدف إلى مساعدة المستوطنين الصهاينة وإلى كتابة مجموعة من المقالات عن المستوطنات الصهيونية. وقد ألَّف بالفعل كتاباً آخر بعنوان حيفا أو الحياة في فلسطين الحديثة، ومات في هذه المدينة الفلسطينية عام ١٨٨٨ (أما سكرتيره الصهيوني اليهودي فلم ترق له الحياة في فلسطين وهاجر منها إلى الولايات المتحدة (

стр. 6850

ولا يعبِّر أوليفانت عن كرهه للشعب العضوي المنبوذ ولا عن رغبته في التخلص منه عن طريق التشهير به أو التبشير بين أعضائه كما كان شافتسبري يفعل أحياناً، وإنما عن طريق طَرْح مشروع متكامل للتهجير يتبناه اليهود بأنفسهم. كما أنه عمل على تخليص صهيونية غير اليهود من ديباجتها الدينية وإعطائها ديباجاتها العملية العلمية العلمانية، بحيث أصبح بالإمكان تداولها بين أكبر عدد ممكن من المسيحيين واليهود والعلمانيين. كما أن أوليفانت نجح في التمييز بين النزعات الصهيونية التوطينية الخيرية التي قام بها يهود الغرب المندمجون لإنقاذ يهود الشرق والتخلص منهم وبين الرؤية الصهيونية الاستيطانية التي لا تحاول إنقاذ اليهود كبشر وأفراد وإنما تنطلق من فكرة الشعب العضوي المنبوذ الذي لا مكان له في العالم الغربي ويمكن توظيفه وحوسلته لصالح الغرب عن طريق توطينه في فلسطين (وقد مرّ على هرتزل عدة سنوات وعلى يهود شرق أوربا عدة عقود قبل إدراك هذه الحقائق ( وتتميَّز صهيونية أوليفانت عن صهيونية شافتسبري باقترابها من اليهود ومحاولة التوجه إليهم وتجنيدهم. ولعل ظروف المرحلة قد ساعدته على ذلك باعتبار أن محاولات التحديث في شرق أوربا كانت في أربعينيات القرن، حينما بدأ شافتسبري نشاطه، لا تزال في بدايتها الناجحة ولم تكن قد تعثَّرت بعد، بينما بدأ أوليفانت نشاطه الصهيوني مع بدايات التعثر. وتجدر ملاحظة أن أوليفانت يتحرك في صفوف اليهود بألفة شديدة لم نشهدها من قبل بين الصهاينة غير اليهود. دانييل موردوفتسيف (١٨٣٠-١٩٠٥ ( Daniel Mordovtsev

стр. 6851

كاتب روسي صهيوني غير يهودي بشَّر بعودة اليهود لفلسطين. وموردوفتسيف أحد قادة الحركة القومية الأوكرانية المعروفة بعدائها العميق لليهود لأسباب تاريخية من أهمها اشتغال اليهود بالأرندا. عمل حتى عام ١٨٦٦ في وظائف حكومية مختلفة، وبعدئذ انخرط في كتابة الأعمال الأدبية. زار فلسطين عام ١٨٨١ وقابل عدداً من المهاجرين اليهود الذين هربوا من مذابح أوديسا وطالب دول العالم مراراً وتكراراً بإعادة اليهود إلى فلسطين، وقد ازدادت نشاطات موردوفتسيف في هذا الصدد بعد مذابح أوائل الثمانينيات وتعثُّر التحديث. وقد ألَّف موردوفتسيف عدة قصص عن اليهود منها لماذا؟ وبين المطرقة والسندان، وهيرود. وقد أبدى تأييداً شديداً للحركة الصهيونية عند ظهورها. فيليب نفلينسكي (١٨٤١-١٨٩٩ ( Philippe Newlinski صهيوني غير يهودي، بولندي الجنسية. كان يعمل صحفياً (رغم أصوله الأرستقراطية) ودبلوماسياً. ومن خلال عمله في السفارة النمساوية المجرية في القسطنطينية تعرَّف إلى العثمانيين وعرف الوضع في تركيا ودول البلقان. عاد إلى عمله الصحفي عام ١٨٨٠ وأسس في فيينا جريدته الخاصة رسالة الشرق. وقد تعرَّف إلىه هرتزل عام ١٨٩٦ وجنده للدعوة إلى الأهداف الصهيونية، وكان يدفع له لقاء جهوده وتعبه، ولكنه بعدئذ تحمَّس للدعوة الصهيونية وأصبح مستشار هرتزل الموثوق به. حاول نفلينسكي أن ينظم لقاءً بين هرتزل والسلطان العثماني لكنه فشل، ونجح فقط في أن يجعل البلاط العثماني يُقلِّد هرتزل نيشاناً. ولكنه نجح في تنظيم لقاء بين ولي عهد بلغاريا وهرتزل، وكذلك نجح في مقابلة ملك صربيا وإقناعه بفكرة توطين اليهود في فلسطين. وحاول أن يكسب تأييد الفاتيكان وبسمارك للقضية الصهيونية.

стр. 6852

لم يحضر نفلينسكي المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) بسبب المرض، لكنه حضر المؤتمر الثاني (١٨٩٨) وخصص عموداً في جريدته الأخبار الصهيونية. أرسله هرتزل عام ١٨٩٩ لمقابلة السلطان العثماني ولكنه مات أثناء عودته من المهمة. ولم يلاق نفلينسكي أية صعوبة في مقابلة الشخصيات الأوربية المهمة وإقناعها بالمشروع الصهيوني، إذ كانت أوربا والغرب في أواخر القرن التاسع عشر وبداية التقسيم الإمبريالي للعالم على استعداد تام لتَقبُّل الأفكار الصهيونية. فالمشاكل الاجتماعية الداخلية كانت آخذة في التفاقم وأعداد اليهود كانت آخذة في التزايد، وكان الاستعمار آخذاً في التوسع والتوحش وكانت الدولة العثمانية على وشك السقوط. ويليام بلاكستون (١٨٤١-١٩٣٥) William Blackstone صهيوني غير يهودي، يستخدم ديباجات مسيحية وعلمانية، وهو رجل أعمال أمريكي من شيكاغو. أنفق الملايين على التبشير، وتزَّعم حملة لعودة اليهود إلى فلسطين تمهيداً لعودة السيد المسيح وبداية العهد الألفي الذهبي. وكان لكتابه يسوع قادم (١٨٧٨) أثر كبير في الأوساط الشعبية البروتستانتية الأمريكية الإنجيلية، وكان من أكثر الكتب رواجاً إذ بيع منه أكثر من مليون نسخة وترجم إلى ٨٤ لغة منها العبرية. وكان عدد الزعماء المسيحيين الذين أثار الكتاب انتباههم يفوق عدد من أثَّر فيهم أي كتاب آخر نُشر طوال عشرات السنين. وتعود أهمية بلاكستون إلى أنه نقل الصهيونية ذات الديباجة المسيحية من عالم التبشير والعقيدة إلى عالم الممارسة السياسية.

стр. 6853

زار بلاكستون فلسطين عام ١٨٨٨/١٨٨٩ ونظم بعدئذ اجتماعاً يهودياً مسيحياً من أجل نشر الأفكار الصهيونية. وأرسل عام ١٨٩١ مذكرة (التماساً) إلى الرئيس هاريسون بعنوان "فلسطين لليهود" يحثه فيها على إعادة فلسطين لليهود باعتبار أن هذا هو الحل الرئيسي لمشكلة مذابح واضطهاد اليهود في روسيا القيصرية وتَزاحُم المهاجرين اليهود في البلاد الأوربية. وقد طلبت المذكرة من الرئيس الأمريكي أن يستخدم وساطته مع الدول الغربية والدولة العثمانية لعقد مؤتمر دولي لمناقشة حق اليهود في فلسطين. وقد وقع على الالتماس ٤١٣ شخصية يهودية ومسيحية مرموقة في الولايات المتحدة. ويُعَدُّ هذا بداية تشكيل جماعة الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة، ومما له دلالته أن صهيونياً غير يهودي هو العقل المدبر وراءها. وقد احتج الحاخام الإصلاحي إميل هيرش على هذا الالتماس وأعلن أن اليهود المحدثين لا يودون أن يعودوا إلى فلسطين ليكونوا أمة يهودية. ويبدو أن بلاكستون كان يتوقع مثل هذا الاحتجاج، ولذا ضمَّن مذكرته (التماسه) تحذيراً من اليهود الاندماجيين الذين يدعون للاندماج في مجتمعاتهم. وقد أرسل بلاكستون (عام ١٩١٦) مذكرة مماثلة للرئيس ويلسون. واشترك عام ١٩١٨ في مؤتمر اتحاد الصهاينة الأمريكيين في فيلادلفيا، الذي أعلن أن بلاكستون هو "أبو الصهيونية". وقد كان أعضاء المؤتمر محقين تماماً في ذلك، فنشاطه الصهيوني يسبق نشاط هرتزل ومؤلفاته كثيراً. ويليام هشلر (١٨٤٥-١٩٣١ ( William Hechler

стр. 6854

صهيوني مسيحي وُلد في الهند حيث كان أبوه يعمل مبشراً مسيحياً إنجيلياً. عمل عام ١٨٧١ مبشراً في نيجيريا، ثم عمل عام ١٨٧٤معلماً لأطفال فريدريك دوق بادن الأعظم عم القيصر فيلهلم الثاني قيصر ألمانيا. اشترك هشلر عام ١٨٨٢ في اجتماع عقده بعض المسيحيين المرموقين لمناقشة إمكانية توطين المهاجرين من يهود اليديشية في فلسطين ثم ارتحل إلى القسطنطينية حاملاً رسالة إلى السلطان العثماني من الملكة فيكتوريا تطلب فيها السماح بتوطين يهود روسيا في الأراضي المقدَّسة. تعرَّف إلى هرتزل من كتابه دولة اليهود وهو واعظ بالسفارة البريطانية في فيينا، فأرسل خطاباً إلى دوق بادن يوصيه فيه بهذا الكتاب قائلاً: "إنه أول محاولة عملية وموضوعية وجادة لتعليم اليهود كيف يتحدون من جديد لتكوين أمة في أرض الميعاد التي وعدهم الإله بها". وبعدئذ كرَّس هشلر جهوده لإقامة علاقة بين هرتزل وكلٍّ من دوق بادن والقيصر. وثمة بُعد آخر لصهيونية هشلر، فقد كان مولعاً بالحسابات الرامية إلى تحديد نهاية العالم وبداية العهد الذهبي الألفي وتحوُّل اليهود إلى المسيحية. وقد ضمَّن هذه الحسابات كتابه استرجاع اليهود لفلسطين حسب تعاليم الأنبياء (١٨٨٤) . ومن خلال حسابات الأرقام وما تصوَّره من قوة الحروف الرقمية في بعض النبوءات التوراتية والقبَّالية، توصَّل إلى أن عودة اليهود ستكون بين عامي ١٨٩٧ و ١٨٩٨. وقد كتب مقالاً مطولاً في جريدة دي فيلت الصهيونية حول استنتاجاته النهائية والحاسمة عن الخلاص الأبدي الوشيك، وأكد اقتناعه بأن الصهيونية هي الحل النهائي للوصول إلى الخلاص.

стр. 6855

حضر هشلر المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ، وشكره هرتزل علناً على هذا ثم سافرا سوياً إلى فلسطين عام ١٨٩٨ حيث قابلا قيصر ألمانيا وقدم له هشلر ألبوماً مصوراً عن المستوطنات اليهودية. وقد فشلت جهود هشلر للوساطة بين هرتزل وألمانيا نظراً للعلاقة الوثيقة والتحالف القائم بين الإمبراطورية العثمانية والألمان. ومن ثم، فقد أراد إقامة جسر آخر بين الصهاينة وبين الحكومات الأوربية، فحاول تنظيم مقابلة لهرتزل مع قيصر روسيا (عدو العثمانيين اللدود) من خلال شقيق زوجة القيصر. كان هشلر يحتفظ في منزله بمتحف صهيوني من مقتنياته عربة مونتفيوري، وبعد موته أوصى بالمتحف لمتحف أرض إسرائيل. وقد تم نَقْل المتحف وعُرض في القدس. ونلاحظ أن هشلر هو التجسيد الكامل للفكر الصهيوني ذي الديباجة المسيحية، فتربيته المسيحية القبَّالية تجعله يعتقد في القدرة السحرية للأفكار، وضرورة التنفيذ الحرفي للنبوءة، فالعهد القديم لا يحوي صوراً مجازية أو مجاز، وإنما هو نص مقدَّس لابد من تنفيذه حرفياً، وكان اهتمامه باليهود من قبل الخطوات التمهيدية للتخلص منهم، فلابد من عودتهم إلى أرض الميعاد ليأتي المسيح ثانيةً ويخلِّصهم من الشر الكامن فيهم عضوياً. ونلاحظ أيضاً أن الجو العام في أوربا كان مهيئاً جداً لسماع الأفكار الغيبية المشيحانية (البلهاء) عند هشلر، وقد كان من السهل عليه مقابلة ملكة إنجلترا وقيصر ألمانيا وقيصر روسيا بل الحصول على وعود منهم. ومن ثم، فإننا نستطيع أن نرى بوضوح طبيعة هذه الفترة في تاريخ الحضارة الغربية التي سادها خليط من الأفكار العرْقية والعلمية والقبَّالية هيمنت فيها الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي تجعل الآخر أداة وضحية. تشارلز سكوت (١٨٤٦-١٩٣٢ ( Charles Scott

стр. 6856

صهيوني غير يهودي وصحفي بريطاني وُلد في اسكتلندا، وكان يمتلك صحيفة المانشستر جارديان ويعمل رئيساً لتحريرها، وكان عضواً ليبرالياً في البرلمان (١٨٩٥ ـ ١٩٠٦) . قابل ايزمان عام ١٩١٤ وقدمه للويد جورج وهربرت صمويل وعدد آخر من الساسة البريطانيين، ومن ثم فقد ساعد وايزمان وأصدقاءه في مداولاتهم مع الحكومة البريطانية التي أدَّت إلى صدور وعد بلفور. كتب سكوت خطاباً لهاري ساخر يشرح فيه موقفه من الصهيونية فقال: "يجب أن نجعل اليهودي يهودياً كاملاً [وهو ما يعني أن وجوده في أي بلد خارج فلسطين يجعله يهودياً ناقصاً، فهو عضو في شعب عضوي منبوذ] . ولا يمكن إنجاز هذا الأمر إلا بأن يُحسِّن صورته في عينيه وفي عيون العالم [وهو ما يعني أن صورته غير مرضية على الإطلاق بالنسبة للعالم وبالنسبة لنفسه، أي أنها غير مرضية بشكل موضوعي] ". ويرى سكوت أن الوقت قد حان لتنفيذ هذا المشروع. وبعد أن دخلت تركيا الحرب العالمية الأولى، أكد سكوت أهمية فلسطين بالنسبة للمصالح البريطانية (الدولة الوظيفية ( كلود كوندر (١٨٤٨-١٩١٠) Calaude Conder ضابط بريطاني كان مسئولاً عن عملية مسح شمال فلسطين بالنيابة عن صندوق استكشاف فلسطين (وكان يُعَدُّ أحد مؤسسيه) مع تشارلز وارين. وقد ألَّفا معاً كتاباً من عدة أجزاء عنوانه مسح فلسطين الغربية. وقد قام العرب بالهجوم عليه وإصابته بالقرب من صفد عام ١٨٧٥. وفي دراسته السابقة ركز كوندر على دراسة مصادر المياه فيها والتثبت من أماكن هذه المياه وحجمها، فقام هو والملازم كتشنر (اللورد كتشنر فيما بعد) بمَسْح منطقة الخليل.

стр. 6857

لم يكن نشاط كوندر (أو سير تشارلز وارين) علمياً محايداً، ولم يَقصُر نشاطه على التنقيب، بل كانت له ميول صهيونية واستعمارية واضحة. فقد أبدى اهتماماً بمشاريع السكك الحديدية المرتبطة تماماً بالمشروع الاستعماري. وكان يذهب إلى أن الهدف من تأسيس صندوق استكشاف فلسطين هو توضيح ما جاء في التوراة، وهي عبارة تعني عادةً التفسير الحرفي العسكري للتاريخ المقدَّس الذي ورد في التوراة. ومن أهداف الصندوق الأخرى ـ حسب تصوُّره ـ مساعدة اليهود الذين سيكونون سكان البلاد في المستقبل، إذ سيزودهم الصندوق بالحقائق الثابتة عن طاقات وإمكانيات البلاد. وقد تَعاوَن كوندر بالفعل مع أحباء صهيون ولورنس أوليفانت. وساهم في عملية بعث التسميات التوراتية القديمة وتحديد مواقعها الحديثة. وفي عام ١٨٩٢ قام بحملة تأييد للاستيطان اليهودي في فلسطين وذلك لتخفيف أثر ازدياد هجرة يهود شرق أوربا إلى إنجلترا. أما سير تشارلز وارين فكان ينادي بأن فلسطين تصلح لاستيعاب عشرة ملايين مستوطن يهودي (من فائض أوربا اليهودي ولا شك) كَتب كوندر عدة كُتب، من أهمها كتاب عن تاريخ المملكة اللاتينية ُينوِّه فيه بأن الحملات الصليبية (أي حملات الفرنجة) حملات متحضرة وإلى أن مملكة القدس كانت نموذجاً للحكم العادل والمعتدل (تماماً مثل الحكم البريطاني في الهند) ، أي أنه وضع حملات الفرنجة في إطارها الاستعماري. وكان يذهب إلى أن الاستعمار الإنجليزي قد أكمل ما فشل فيه الفرنجة، فقد عادت قبرص إلى الأمة التي غزتها أيام ريتشارد قلب الأسد، ونجح الإنجليز فيما أخفق فيه الملك لويس باحتلالهم مصر، ولم يَعُد الشرق قادراً على صد الهجمات التجارية أو العسكرية الغربية، أي أن الوقت قد حان لعودة اليهود إلى فلسطين مع انتشار الاستعمار الغربي الأنجلو ساكسوني!

стр. 6858

وقد أصدر صندوق استكشاف فلسطين كتاباً بعنوان المدينة والأرض (١٨٩٢) ساهم فيه كوندر بدراسة عنوانها «مستقبل فلسطين» يعرض فيها مشروعاً صهيونياً مؤكداً فيه أن العنصر الفعال الوحيد القادر على النهوض بفلسطين وبمدينة القدس هم اليهود. وأشار إلى أن نهضة يهودية قد بدأت في الأرض المقدَّسة، فبعد أن كان عدد اليهود لا يتجاوز المئات عام ١٧٩٣ أصبح عددهم أربعين ألفاً عام ١٨٩٢، ولم يعودوا أقلية مضطهدة جبانة وإنما أصبحوا يسيطرون على التجارة في القدس. وتنبأ كوندر بزيادة المستوطنات الزراعية اليهودية. وكلما ازداد رأس المال الأوربي والمستوطنون الأوربيون ازداد استقلال فلسطين عن الدولة العثمانية وسيعود اليهود باعتبارهم عرْقاً مستقلاً يعتمد على نفسه وهي عودة لا تعارضها الحكومات الغربية وإنما تنظمها. وإن أعاق أحد هذه العودة فينبغي حلها في قرقميش ومجدو (هرمجدون) ، أي بقوة السلاح. وهكذا تلتقي التوراة بالسيف، كما هو الحال دائماً في الخطاب الصهيوني ذي الديباجات المسيحية. إيان سمطس (١٨٧٠-١٩٧٠ ( Jan Smuts

стр. 6859

صهيوني غير يهودي وسياسي ومحارب ومفكر من جنوب أفريقيا. شارك في حرب البوير (١٩٠٤ ـ ١٩٠٥) ثم شارك في حكومة الحرب البريطانية في الحرب العالمية الأولى. كان صديقاً شخصياً لحاييم وايزمان وداعية صهيونياً كبيراً. عمل على استصدار وعد بلفور لتحويل فلسطين إلى وطن لليهود وعلى فرض الانتداب على فلسطين. وكان سمطس يَعتبر وعد بلفور أعظم ما خرجت به الحرب من إنجازات. وقد ساعد على إنشاء الفيلق اليهودي وقال لجابوتنسكي عام ١٩١٧: "إن أحسن فكرة سمعتها في حياتي هي أن على اليهود أن يحاربوا من أجل أرض إسرائيل". وكان سمطس يعتقد أن الحركة الصهيونية تجسيد جديد لدولة جنوب أفريقيا التي حارب من أجلها عام ١٩٠٤. وكان سمطس عنصرياً عنيفاً شرساً حين تولَّى رئاسة الوزارة في جنوب أفريقيا (١٩١٩ ـ ١٩٢٤، ١٩٣٩ ـ ١٩٤٨) ، فطبَّق أشد قوانين العزل العنصري قسوة وذُبح على يديه الآلاف من السود والملونين (فجنوب أفريقيا أرض بلا شعب، تماماً مثل فلسطين بالنسبة للصهاينة) . اعترف سمطس بدولة إسرائيل فور إعلانها. ولا نستطيع أن نقول إن ثمة فكراً محدداً لسمطس، ولكن يُلاحَظ أن عنصريته التي تترجم نفسها إلى رفض للآخر (الذي يقع خارج نطاق القداسة) تضرب بجذورها في نسق حلولي عضوي، فهو يأخذ بالتفسيرات الحرفية للعهد القديم ويوظفها في تبرير استيطان الرجل الأبيض في أفريقيا واليهودي في فلسطين. جوسيا ودجوود (١٨٧٢-١٩٤٣ ( Josiah Wedgwood سياسي بريطاني صهيوني غير يهودي، وهو أول بارون من أسرة ودجوود. كان عضواً في البرلمان عن حزب الأحرار منذ ١٩٠٦ وحتى ١٩١٩، ومنذ ١٩١٩ عن حزب العمال، وكان صديقاً لجابوتنسكي. شارك في الجهود السياسية التي أدَّت إلى وعد بلفور، وكان يرى أن الصهيونية حركة ستعيد لليهود "تلك الثقة القومية الجماعية التي يبدو أنهم يفتقرون إليها".

стр. 6860

وأثَّر ودجوود في البعثة الأمريكية في مؤتمر السلام في فرساي وسافر بين الحربين في عدة مهمات صهيونية. ورأى ودجوود أنه ينبغي إقامة دولة يهودية حدودية على ضفتي الأردن.. تصير عضواً في الكومنولث البريطاني. وقال: لو تخلت الحكومة البريطانية عن الصهيونية لإرضاء العرب، فسوف يكون هذا ضد مصالحها الحقيقية، وعلى اليهود أن يحاربوا هذا بكل الطرق المتوافرة لديهم، مشروعة كانت أم غير مشروعة. في عام ١٩٢٦، قام ودجوود بجولة في الولايات المتحدة من أجل الصندوق التأسيسي الفلسطيني، وقد نشر فيما بعد أحاديثه هناك في كتيب بعنوان فلسطين: الحرب من أجل الحرية والمجد اليهوديين. وفي عام ١٩٢٨ نشر كتابه فلسطين: الحكم السابع دعا فيه إلى إقامة سلطة يهودية ذات إدارة ذاتية في فلسطين، على أن تكون جزءاً من الإمبراطورية البريطانية. وفي عام ١٩٢٩، أسَّس لجنة الحكم السابع التي انضم إليها عدد من أعضاء البرلمان. عبَّر ودجوود الأفكار الصهيونية ودافع عنها في مجلسي العموم واللوردات، كما شجع الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين من أجل توطين أبناء "موسى والأنبياء" فيها. ومن أغرب الجوانب في فكر ودجوود نظرته للصلة بين البريطانيين واليهود. فكلاهما ـ في رأيه ـ يعمل بالربا، وأعضاء الشعبين "يتجولون" بين الشعوب الأخرى تجاراً، ويكنون الاحتقار لمن يتعاملون معهم. ومن ثم، فهم لا يتمتعون بمحبة الآخرين، وعلى استعداد دائم لاستخدام كتبهم المقدَّسة لتبرير كل ما يحتاجون إلى تبريره في علاقتهم بالجنس البشري. ويُلاحَظ أن أفكار ودجوود رغم حماسها الشديد في تأييد الصهيونية لا تخلو من نظرة احتقار لليهود. هربرت سايدبوثام (١٨٧٢-١٩٤٠ ( Herbert Sidepotham

стр. 6861

صهيوني غير يهودي. توصَّل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية دون معرفة سابقة بأي يهود، كان يعمل محرراً في المانسشتر جارديان مع تشارلز سكوت. نشر عدة مقالات في المجلة كانت أهمها في ٢٢ نوفمبر ١٩١٥ حيث بيَّن أهمية فلسطين، وقد كتب هذه المقالات في وقت بدأ فيه التفكير في تقسيم الدولة العثمانية، فأبرز أهمية فلسطين. وقد اشترك في تأسيس مجلة فلسطين التي كانت تهدف إلى تعريف أعضاء النخبة في إنجلترا بفلسطين. وقد أثارت مقالاته في الجارديان انتباه وايزمان الذي التقى به عام ١٩١٦. ويدور فكر سايدبوثام في إطار فكرة الشعب العضوي المنبوذ، فهو يستخدم اصطلاحي «يهودا» و «السامرة» للإشارة إلى فلسطين. والواقع أن هذا ينبع من تصوُّره أن فلسطين ليس لها وجود قومي أو جغراسي مستقل عن اليهود. وبالنسبة إليه، فإن فلسطين ليست مهمة بالنسبة لليهود الذين يعيشون فيها وحسب، وإنما هي كذلك بالنسبة لكل يهود العالم ـ أي الشعب اليهودي ـ هذا الشعب القديم العريق صاحب الحضارة المرتبطة عضوياً بفلسطين. بل إن حضارة هذا الشعب هي الحضارة الطبيعية الوحيدة التي يمكن أن تنشأ هناك، الأمر الذي يعني هامشية الحضارة العربية غير اليهودية. ولذا، يذهب سايدبوثام إلى أن بلفور، حين أطلق مصطلح «وطن قومي» على فلسطين، فهو لم يكن يعطي اليهود شيئاً يخص شعباً آخر. هذا هو الشعب العضوي، ولكن الشعب العضوي المرتبط بفلسطين شعب منبوذ. فحضارته هي وحدها التي يمكن أن تحل محل الحضارة التركية، وهذا هو سر نَفْع اليهود إذ يمكن توطينهم داخل إطار الدولة الوظيفية في فلسطين ذات الأهمية الإستراتيجية والسياسية بالنسبة لإنجلترا.

стр. 6862

ولكل هذا، يلخص سايدبوثام مواقف صهيونية غير اليهود بشكل مدهش في قوله: "إن الحجة من أجل الصهيونية قوية جداً بالنسبة لأمتنا (الإنجليزية) حتى أن الواجب ليدعونا أن نوجدها لو لم تكن موجودة بيننا"، وهو يعني هنا أن اليهود كمادة استيطانية شيء يوجد في عقل أوربا وفي رؤيتها الإمبريالية للكون واليهود. وماذا عن السكان الأصليين، أي العرب؟ يُلاحَظ تغييب العرب تغييباً تدريجياً في مصطلح سايدبوثام. وفي حديثه عن علاقة الشعب العضوي بفلسطين تتقرر نهاية العرب المحتومة حينما يشير سايدبوثام إلى ما يسميه عرب فلسطين البدائيين ... فهم جنس أكثر ضعفاً وتنوعاً من "عرب اليمن والحجاز" (وكلمة «تنوع» هنا تعني «عدم التجانس» ، وعدم التجانس كان يُعدُّ عيباً أكيداً من منظور القومية العضوية ( رينهولد نيبور (١٨٩٢-١٩٧١ ( Reinhold Niebuhr رجل دين بروتستانتي أمريكي له دراسات اجتماعية مهمة. صاغ نيبور أفكاره الأخلاقية والدينية في الفترة هي ١٩٤١ ـ ١٩٤٣ في مجموعة مقالات ومحاضرات أهمها طبيعة ومصير الإنسان أو ما عُرف باسم» محاضرات جيفورد « وقد أعلن نيبور غير مرة أن واقعيته ذات الطبيعة المشيحانية قد غذتها قراءات أقوال الأنبياء العبرانيين، وقال: "لقد عملت كرجل دين مسيحي على تقوية المحتوى العبراني النبوءاتي للمنهج المسيحي". وعبَّر نيبور عن مفهومه لليهودية ورفضه الحاسم للنشاط التبشيري المسيحي بين اليهود في الفصل السابع من كتابه أمريكا التقية والعلمانية (١٩٥٨) . وقد دعا، منذ عام ١٩٤١، لإقامة وطن قومي لليهود، وخصوصاً اللاجئين الأوربيين، وذلك رغم ترحيبه باللاجئين في أمريكا. وقد منحته الجامعة العبرية في القدس درجة الدكتوراه الفخرية عام ١٩٦٧. ويطلق عليه تشومسكي "مُنظِّر العنصرية الأمريكية الأول". تشارلز وينجيت (١٩٠٣-١٩٤٤ ( Charles Wingate

стр. 6863

ضابط بريطاني صهيوني مسيحي، وُلد في الهند لعائلة ذات تاريخ في عمل الإرساليات المسيحية. بعد انضمامه للجيش في سن العشرين أُرسل عام ١٩٢٧ إلى السودان حيث بقي حتى عام ١٩٣٣، وتعلَّم أثناء ذلك اللغة العربية ولكنه لم يستطع قط التغلب على كراهيته العميقة للإسلام والقرآن، وكان جده مبشراً. وفي عام ١٩٣٦، نُقل إلى فلسطين كضابط مخابرات، لدراسة الموقف السياسي والعسكري، وهناك ظهر حماسه الشديد للصهيونية، ولكنه كان كمعظم الصهاينة غير اليهود ممن يفسرون أحداث العهد القديم تفسيراً حرفياً عسكرياً كأنها حدثت بالأمس (على حد قول بن جوريون) . وقد أشرف على تنظيم وتدريب الفرق الليلية الخاصة التابعة للهاجاناه وكانت له دراية خاصة بأساليب التعذيب وحصل لقاء ذلك على وسام الخدمة المتميِّزة البريطاني. كما ساهم في تطوير عمل المخابرات الصهيونية حيث أمد مصلحة المعلومات ببيانات وافية عن أوضاع الفلسطينيين وأبرز قياداتهم المناهضة للاستيطان الصهيوني والاحتلال البريطاني. وقام وينجت بدور مهم في تطوير الأساليب التي استخدمها الصهاينة في حملاتهم الإرهابية ضد الفلاحين الفلسطينيين، وقد تركت أساليبه غير التقليدية بصمات واضحة على العمل العسكري الصهيوني فيما بعد. وبلغ اعتناقه الصهيونية درجة إعرابه عن ضيقه لعدم اتخاذ الحركة الصهيونية مواقف أكثر تحقيقاً لأهدافها، ولهذا أطلق عليه الصهاينة اسم «الصديق» و «لورانس يهودا» .

стр. 6864

وفي ربيع ١٩٣٨، أدلى وينجت بشهادة أمام لجنة ودهيد في القدس فذكر أن أي تَقدُّم قام به العرب في فلسطين إنما يرجع لليهود، وأن دولة صهيونية صناعية حديثة تحت الحماية البريطانية سوف تحمي الوجود البريطاني في المنطقة، وستمثل خير أمل للعالم الغربي. وقد نُقل وينجت من فلسطين عام ١٩٣٩، وعند عودته إلى بلاده التقى بعدد من كبار القادة العسكريين البريطانيين وعبَّر لهم عن رأيه بأن الطريقة الوحيدة أمام بريطانيا لاستعادة السلام في فلسطين هي أن تَتبنَّى سياسة ممالئة للصهيونية. ومع نشوب الحرب العالمية الثانية، رغب وينجت في تولِّي قيادة جيش يهودي وعرض تكوين جيش من ٦٠.٠٠٠ مقاتل يهودي يتولَّى طرد إيطاليا من شمال أفريقيا، إلا أن عرضه لم يلق موافقة. وقد عمل وينجت عامي ١٩٤٠ و ١٩٤١ قائداً لقوات خاصة في إثيوبيا، ثم أُرسل إلى الهند لتنظيم فرقة تتولَّى القيام بعمليات خلف الخطوط اليابانية في بورما. وقد قُتل وينجت في حادث طائرة ببورما، ويُطلَق اسمه الآن على عدة أماكن في إسرائيل (قرية للأطفال ـ كلية التربية البدنية ـ ميدان في القدس ـ غابة أقامها الصندوق القومي اليهودي) .

стр. 6865

الباب الخامس: الصهيونية التوطينية الصهيونية التوطينية: تعريف Settlement Zionism: Definition » الصهيونية التوطينية «هي صهيونية اليهودي الذي يرفض الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها، ومع هذا يستمر في الادعاء بأنه صهيوني وتأخذ "صهيونيته" المزعومة شكل دَعْم الدولة الصهيونية مالياً وسياسياً والمساهمة في توطين اليهود الآخرين. ونحن نضع «الصهيونية التوطينية» مقابل «الصهيونية الاستيطانية» . وتاريخ الصهيونية التوطينية منفصل إلى حدٍّ كبير عن تاريخ الصهيونية الاستيطانية، كما أن جماهير الأولى مختلفون بشكل جوهري عن جماهير الثانية. وترجمة كلمة «توطينية» باللغة الإنجليزية صعبة بعض الشيء ويمكن أن تكون «ستلنج Settling» بمعنى «من يقوم بتوطين آخر» ، ولكننا ترجمناها بكلمة «ستلمنت Settlement» نظراً لسلاستها، ونظراً لأنها استُخدمت بهذا المعنى في أسماء المنظمات الصهيونية التوطينية على أن نترجم كلمة «صهيونية استيطانية» بـ «ستلركولونيال زايونيزم Settler Colonial Zionism» . الصهيونية التوطينية: تاريخ Settlement Zionism: History «الصهيونية التوطينية» مصطلح قمنا بسكه لنشير إلى الصهيوني الذي يؤمن بأن الصيغة الصهيونية الأساسية (َقْل بعض أو كل يهود أوربا خارجها) تنطبق على يهودي أو صهيوني آخر ولا تنطبق عليه هو شخصياً. وتقف صهيونية مثل هذا الصهيوني عند حد الدعم المالي والسياسي للمشروع الاستيطاني دون الهجرة بنفسه، أي أنه يتخلى عن التطبيق الفعلي لأحد أهم جوانب الصهيونية (الاستيطانية) دون التخلي عن تأييده ودعمه. ولذا، فإن الصهيونية التوطينية هي أهم أشكال التملص اليهودي من الصهيونية. والواقع أن تاريخ الصهيونية التوطينية مواز تماماً لتاريخ الصهيونية الاستيطانية وينقسم إلى مرحلتين أيضاً: مرحلة ما قبل هرتزل وبلفور وما بعدها. المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل هرتزل وبلفور. ١ ـ صهيونية غير اليهود: وهي صهيونية توطينية بطبيعتها، إذ أن المادة البشرية المُستهدَفة هي اليهود وهم جماعة لا ينتمي إليها الصهيوني غير اليهودي.
следующие страницы →