← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

ويهاجم كابلان الصهاينة الذين يحاولون فَرْض نظرية تربوية تهدف إلى تنمية الحنين لدى الطفل اليهودي للهجرة وإلى غَرْس الإحساس في وجدانه بأنه لا يمكنه أن يحيا حياة سوية في الدياسبورا ولا يمكنه الاحتفاظ بهوية مستقلة. والواقع أن هذه المفاهيم لها نتائج هدامة على سعادة الطفل وعلى شخصيته (كما يقول كابلان) ، فهي تطلب منه أن يحيا حياة غير عادية دون أن تفسر له الأسباب. ويشير كابلان إلى أن الافتراض الصهيوني بأن اليهودي من المستحيل أن يشعر وكأنه في وطنه ضمن بيئة غير يهودية هو افتراض مبني على اليأس أو على الاستسلام والقدرية. ولذا، فإن على اليهودي التوطيني أن يشعر (حينما يذهب لزيارة أرض إسرائيل لخدمة شعبها) تماماً مثل أي أمريكي يقوم بعمل تبشيري أو ثقافي خدمة لمختلف الشعوب في الشرق الأقصى. تدور الصهيونية التوطينية حتى الآن في إطار فكر حركة الاستنارة الليبرالي التعاقدي (وفي إطار صورة مجازية ذرية آلية) . ولكن الصورة المجازية العضوية تبدأ في الظهور، فالانعتاق ليس انعتاق أفراد وحسب وإنما ينبغي أن يتم بشكل جماعي قومي. فالانعتاق هو منح الحرية للفرد والجماعة في آن واحد، حتى يتسنَّى للفرد أن يعبِّر عن نفسه من خلال حياته المشتركة مع مجموعته القومية. والصهيونية ليست ضد الاندماج وإنما هي ضد الاندماج الذي يؤدي إلى فقدان الذات والانصهار الكلي للأقليات. ولذا، فإن الرؤية النهائية هي رؤية مبنية على التنوع تؤيد انسجام وتنظيم الجماعات العضوية المختلفة بشكل تعاوني لإيجاد حياة مشتركة، ولكنها لا تؤيد دَمْج الفوارق لتزول وتصبح ذاتاً واحدة. والتأرجح هنا، بين الرؤية التعاقدية الآلية والرؤية العضوية، هو محاولة للتوصل إلى عقد اجتماعي بين أقليات أو قوميات عضوية تود كل واحدة منها الاحتفاظ بإثنيتها مع انتمائها إلى المجتمع الأمريكي، فكأن الإثنية جزء من كل، وهي الرؤية التي يستند إليها العقد الاجتماعي الأمريكي.

стр. 6897

وتستمد كل أقلية في المجتمع الأمريكي إثنيتها من الوطن الأصلي، كما أن العقد الاجتماعي الأمريكي يسمح بالحفاظ بهذه الإثنية وتنميتها ما دامت لا تتعارض مع مصلحة الدولة (ولعل هذا هو ما يُفسِّر إصرار الزعماء الصهاينة على أن تكون المصالح الأمريكية والإسرائيلية متماثلة حتى يتسنى لهم استغلال الأغلبية العظمى من يهود العالم الموجودين في الولايات المتحدة) . وقد صرح برانديز، عام ١٩١٢، بأن تعددية الولاء مرفوضة إذا كانت الولاءات متعارضة، ولكنه أكد أن هذا الوضع لا ينطبق على الصهيونية. ثم ذهب إلى حد التصريح بأن الولاء لأمريكا يتطلب أن يعتنق كل يهودي أمريكي العقيدة الصهيونية، مع أنه يعلم تماماً أنه لا هو، ولا حتى نسله، يمكن أن يعيشوا في فلسطين، وهذا أمر مفهوم طبعاً في إطار تماثل المصالح بين الدولة الصهيونية والدولة الأمريكية، وهو في هذا لا يختلف عن أي مواطن أمريكي آخر. وقد نجح الصهاينة التوطينيون في أن يعيدوا صياغة رؤيتهم لإسرائيل وعلاقتهم بها، فقد أصبحوا أقلية يهودية عضوية تنتمي إلى أمريكا وتنظر إلى إسرائيل باعتبارها الوطن الأصلي وباعتبارها مركزاً روحياً وركيزة للهوية. ومعنى هذا أنه تم تبنِّي الصيغة الصهيونية الإثنية (العلمانية) ، ومن ثم فإن الصهاينة التوطينيين لهم مركزان: أحدهما سياسي في الولايات المتحدة، والآخر إثني في إسرائيل. ولهذا، فإنهم يطالبون بفصل الدين عن الدولة في الولايات المتحدة ولكن بعضهم يحتج على انتشار العلمنة في الدولة اليهودية. ولكن مشكلة مثل هذا الصيغة أن الوطن الأصلي هو الوطن الذي يهاجر الإنسان منه لا إليه، ولذا فالتوطينيون قد أعطوا أساساً فلسفياً تاريخياً لتوطينيتهم ولتملصهم من الصهيونية.

стр. 6898

وقد أدرك الصهاينة الاستيطانيون منذ البداية ضرورة تَقبُّل هذا النوع من الصهيونية حتى يستفيدوا من دعم يهود الغرب الأثرياء، وأصبح هذا القبول جزءاً من العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية بخصوص يهود العالم. ولذا، نجد أن الفيدرالية الصهيونية في نيويورك تعلن (عام ١٨٩٩) عن ولائها للولايات المتحدة وأن هدفها هو دَعْم الصهيونية، من قبيل التعاطف وحسب. وقد ساعدت الصياغة الهرتزلية المراوغة على إنجاز هذا. وبعد وعد بلفور، أصبح مجال نشاط الصهيونية التوطينية العالم كله (خارج فلسطين) ، مهمتها الأساسية دعم النشاط الاستيطاني سياسياً ومالياً، وضمان استمرار الدعم الإمبريالي عن طريق الترغيب والترهيب. وتقوم الصهيونية التوطينية بتجنيد يهود الغرب لهذا الغرض، كما تقوم بتحقيق المفهوم الصهيوني الخاص بغزو الجماعات والقضاء على أية معارضة قد تنشأ في صفوفها. وحيث إن الغرب لم يعد يواجه مشكلة فائض يهودي ينبغي التخلص منه (وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية) ، وحيث إن المُستوطَن الصهيوني يواجه أزمة طاقة بشرية، فقد أصبحت إحدى مهام الصهيونية التوطينية البحث عن مهاجرين.

стр. 6899

وقد تحاول الصهيونية التوطينية قدر استطاعتها ألا تتدخل في الأمور السياسية والاقتصادية والدينية الخاصة بالمُستوطَن الصهيوني، وإن كانت تتدخل في الأمور التي تخصها مثل قضية الهوية اليهودية. كما يُلاحَظ أن الولايات المتحدة (الدولة الراعية والتي تضم أكبر جماعة يهودية في العالم وأكثرها نفوذاً) تستخدم الصهاينة التوطينيين في الضغط والتأثير على الدولة الصهيونية. وبوسع هذه الصهيونية التوطينية أن تستوعب أية ديباجات سياسية (اشتراكية ـ ليبرالية ـ فاشية) . وقد كانت الصهيونية العمومية الاتجاه الذي يقوم بتنظيم الصهاينة التوطينيين. ولا يزال هناك اتحاد الصهاينة العموميين، ولكن منظمات صهيونية أخرى تشاركه هذه المهمة في الوقت الحالي، من أهمها منظمة الهاداساه في الولايات المتحدة. كما أن فروع المنظمة الصهيونية في أنحاء العالم تسهم بشكل أساسي في نشاط الصهيونية الخارجية. وقد جعلت الصهيونية الإثنية الدينية والعلمانية كل يهود العالم داخل وخارج إسرائيل مجالاً لها، ولذا نجد أن الصهاينة التوطينيين ينقسمون إلى دينيين وعلمانيين، شأنهم في هذا شأن المستوطنين الصهاينة (وإن كانت الأغلبية الساحقة للصهاينة التوطينيين علمانية) وبطبيعة الحال، ورغم العقد الصامت، هناك لحظات من الصراع بسبب اختلاف أهداف كلٍّ من الصهيونية التوطينية والصهيونية الاستيطانية. ولعل أشرس هذه اللحظات هي التي شهدت الصراع بشأن معاهدة الهعفراه (النقل) ، حيث وجد الاستيطانيون أن من صالحهم توقيع معاهدة مع ألمانيا النازية لضمان تدفُّق رأس المال والمهاجرين، وهو ما كان يعني ضَرْب المقاطعة اليهودية للبضائع النازية، بينما رأى التوطينيون ضرورة الاستمرار في المقاطعة. وبعد إنشاء الدولة، ظن الصهاينة التوطينيون أنهم سيستمرون في إدارة دفة المنظمة الصهيونية العالمية وفي الإشراف على الدولة كما كانوا يفعلون حتى عام ١٩٤٨.

стр. 6900

ولكن الصهاينة الاستيطانيين كانوا قد فرغوا من عملية الاستيلاء على الأرض وطَرْد سكانها، ولذا فقد دخلوا صراعاً مع الصهاينة التوطينيين واستولوا على المنظمة تماماً. وقد استمرت عملية التهميش حتى أصبحوا يقنعون بدور ثانوي لأقصى حد. والصهيونية الاستيطانية لا تهدف إلى إنقاذ اليهود وإنما تهدف إلى توظيفهم في خدمة الصهيونية، ولذا فكثيراً ما يحاول الصهاينة الاستيطانيون إفشال محاولات يهود العالم إنقاذ أنفسهم بالهجرة إلى أي مكان، وإغلاق الأبواب دونهم حتى يضطروا للهجرة إلى فلسطين. ولذا، يُلاحَظ أن الصهيونية التوطينية ظهرت مرة أخرى أثناء الاضطهاد النازي كقوة مستقلة إذ أن الصهيونية الاستيطانية ركزت على تهجير العناصر البشرية القادرة على المساهمة في بناء المُستوطَن الصهيوني إلى فلسطين وأهملت الآخرين. كما أن موقف الدولة الصهيونية من المهاجرين السوفييت وإغلاقها أبواب الولايات المتحدة دونهم هو تعبير عن التناقض نفسه. وتحاول الدولة الصهيونية أحياناً إحراج التوطينيين والتقليل من شأنهم، ولذا قُدِّم اقتراح في المؤتمر الصهيوني الثامن والعشرين في القدس (١٩٧٢) بأن الزعيم الصهيوني الذي لا يهاجر إلى إسرائيل خلال أربع سنوات من انتخابه لا يُنتخَب مرة أخرى. وقد أثار هذا الاقتراح ما يشبه الثورة، وهددت منظمة الهاداساه بالانسحاب إذا تمت الموافقة علىه. ويمكن إيجاز السمات الأساسية للصهيونية التوطينية فيما يلي: ١ ـ يتبنَّى اليهودي الشعارات الصهيونية كافة ويدافع عنها (قولاً) بحماس شديد. ٢ ـ على مستوى الممارسة، لا يُتوقَّع من هذا اليهودي أن يهاجر بنفسه ويستوطن في فلسطين. ويُطلَب منه أمران اثنان:

стр. 6901

أ) دَفْع بعض الأموال (المعفاة من الضرائب) لدعم الاستيطان الصهيوني وللمساعدة في توطين اليهود (يهود شرق أوربا بالأساس) : مثل شراء سندات إسرائيل ودفع التبرعات للجامعة العبرية. وكثيراً ما يرفض الصهاينة التوطينيون الدفع، وهنا تلجأ الصهيونية الاستيطانية إلى ابتزازهم عن طريق تصعيد إحساسهم بالذنب وتوليد الإحساس عندهم بالحاجة النفسية إلى الصهيونية. ومن المعروف أن الولايات المتحدة لا تمانع في تدفُّق هذه المعونات اليهودية على إسرائيل، قاعدتها الإستراتيجية الأساسية في الشرق العربي، دون أن تتكبد هي أي عناء أو تكاليف. ب) أن يقوم الصهيوني التوطيني بالضغط على حكومته من أجل إقرار مصالح الدولة الصهيونية، ولا يمنع الأمر من حضور بعض التظاهرات أو إرسال خطابات لممثله في الكونجرس تطالبه بالتصويت لصالح مشاريع القرارات التي تخدم مصلحة إسرائيل. ولكن كل هذا يتم في إطار التعبير عن الإثنية اليهودية الأمريكية التي لا تتعارض مع المصالح القومية الأمريكية، أي أنها لا تتم في إطار المصالح القومية اليهودية. وعلى كلٍّ هذه مسألة محسومة تماماً، فالدولة الصهيونية جزء أساسي من المشروع الإمبريالي الغربي. وإن حدث تَعارُض في المصالح، كما حدث في واقعة بولارد، فإن يهود الولايات المتحدة يحددون ولاءهم وبشكل واضح مع دولتهم.

стр. 6902

٣ ـ يستمد اليهودي هويته المتعينة من مجتمعه العلماني الاستهلاكي، فهو أمريكي يهودي. ولكن هذه الهوية لا تستبعد بعض عناصر إثنية غير أمريكية، والواقع أن العقد الاجتماعي في العالم الغربي لا يرفض مثل هذا التنوع السطحي. وتتحقق هذه الهوية اليهودية من خلال دَفْع التبرعات (ولهذا، فإنها تُسمَّى «يهودية دفتر الشيكات» ) ، وكذلك من خلال الاحتفاظ ببعض الزخارف اليهودية التي لا تسبِّب الحرج لليهودي المندمج ولا تفرض عليه أية التزامات. وهذه الهوية اليهودية ستتدعم من خلال النظر لإسرائيل باعتبارها مركز الثقافة اليهودية وركيزتها الأساسية. والصهاينة التوطينيون يحتاجون إلى مثل هذا المركز في مجتمعاتهم العلمانية حيث يجابه الإنسان تآكل هويته وافتقاد المعنى بسرعة. ٤ ـ تتحول إسرائيل من صهيون (التي يدور حولها الحلم المشيحاني بالعودة) إلى مسقط رأس اليهود، تماماً مثل أيرلندا بالنسبة إلى الأمريكيين الأيرلنديين وإيطاليا بالنسبة إلى الأمريكيين الإيطاليين والعالم العربي بالنسبة إلى الأمريكيين العرب. فكأن إسرائيل أصبحت الدولة التي يهاجر اليهودي منها لا إليها، وهو ما يعني أن الأسطورة الكامنة في الصهيونية التوطينية تقف على النقيض من الصهيونية الاستيطانية. ٥ ـ يستطيع الصهيوني التوطيني أن يتبنَّى أية عقيدة سياسية تروق له وأن يؤيد أي حزب داخل إسرائيل. ويمكننا أن نقول إن معظم الرأسماليين اليهود في العالم الغربي من أتباع الصهيونية التوطينية. ولعل أقصى تعبير عن هذا الاتجاه هو ظهور كتاب هوارد ساخار الدياسبورا الذي لا يتضمن أي فصل عن الولايات المتحدة وكندا، فهما وطنان قوميان لليهود أما إسرائيل فهي الوطن الأم.

стр. 6903

والصهيونية التوطينية شكل من أشكال التملص من الصهيونية الاستيطانية. ولعل أكبر أشكال التملص أن أقلية (فقط) من الشعب اليهودي هي التي تعيش في إسرائيل. فعدد سكانها لا يزيد على أربعة ملايين من مجموع يهود العالم البالغ عددهم ١٢ مليوناً. وإذا كانت نسبة يهود المُستوطَن تتزايد بالنسبة إلى يهود العالم، فإن هذا ليس بسبب الهجرة وإنما بسبب تناقص عدد يهود العالم، وكذلك بسبب تزايد نسبة التكاثر بين المستوطنين بالقياس إلى نسبتها بين أعضاء الجماعات. وكما قال أحد المثقفين الفرنسيين، فإن أقلية (فقط) من اليهود هي التي تختار، أو اختارت إسرائيل، وهو ما يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن الأغلبية قد اختارت الشتات. ولعل هذا يفسر سبب بقاء إسرائيل بدون الأعداد الكبيرة من المنفيين من أبنائها الذين من أجلهم أُنشئت الدولة. وقد تذمَّر أحد الزعماء الصهاينة البارزين من أن اليهود الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل كما لو كانت «ديزني لاند» ، أي كمدينة ملاه يهودية أو متحف يهودي، وسماه آخر «فندق صهيون» ، أي مجرد مكان يؤمه الجمهور من أجل الاستمتاع والإثارة والثرثرة. وكما قال المثقف الفرنسي (المشار إليه) ، مستخدماً صورة مجازية تشبه صورة ديزني لاند المجازية، فإن معظم اليهود لا يُظهرون حماساً كبيراً للذهاب إلى إسرائيل إلا لمجرد قضاء إجازة هناك. وتدل الإحصاءات على أن اليهود لا يجدون أن صهيون مكان مسلٍّ بالقدر الكافي. ولذا، فنسبة السياح اليهود التي تذهب إلى بلاد أخرى غير أرض الميعاد تفوق كثيراً نسبة الذين يذهبون إلى إسرائيل. وقد وصف أحدهم هذا الضرب من الصهيونية بأنه مثل فرَق الأنشاد العسكرية التي تقف على المسرح (أو في أي مكان) وتغني بأعلى صوتها "إلى الأمام، إلى الأمام"، دون أن تبرح مكانها.

стр. 6904

وهناك بعض النوادر التي تعبِّر عن موقف الصهاينة التوطينيين. فيقال، على سبيل المثال، يقال إن البارون إدموند دي روتشيلد، وهو كبير أثرياء اليهود التوطينيين، الذي كان وعد بلفور خطاباً موجهاً إليه، سُئل عن المنصب الذي يريد أن يتبوأه في الدولة اليهودية فقال: منصب سفير الدولة في باريس أو لندن. وقد عرَّف أحدهم الصهيوني التوطيني (مقابل الاستيطاني) بأنه يهودي يأخذ تبرعات من يهودي آخر ويرسل بيهودي ثالث إلى أرض الميعاد. واليهوديان الأول والثاني من يهود العالم الغربي، أما الثالث فهو من يهود اليديشية. ولا يزال هذا هو النمط السائد في العالم، فيهود الاتحاد السوفيتي هم الذين يهاجرون إلى إسرائيل، أما يهود العالم الغربي فيكتفون بالتصفيق والدعم المالي والسياسي ويلزمون بيوتهم مكيفة الهواء.

стр. 6905

وقد لاحَظ بن جوريون أن كثيراً من المفاهيم والمصطلحات يتم الحفاظ عليها واستخدامها حتى بعد أن تفقد دلالتها، كما أن مصطلح «صهيوني» لا يمثل أي استثناء من القاعدة. وقد وصف الزعيم الصهيوني سلوك بعض اليهود الذين يصرون على تسمية أنفسهم «صهاينة» في الوقت الذي يتجاهلون فيه المقولة الصهيونية الأساسية، أي الهجرة، بأنه نوع من أنواع التزييف. وأصدق مثل على ذلك (في تصوُّره) يهود الولايات المتحدة (أي الأغلبية العظمى من يهود العالم) الذين لا يبدون أي استعداد للهجرة. ومع ذلك، فإنهم يصرون على تسمية أنفسهم صهاينة. ولكن مثل هذا الموقف ـ على حد قوله ـ شيء سخيف. وقد وصف ليفي أشكول الصهيونية التوطينية الوصف الذي تستحقه، باعتبارها قولاً معادياً للقومية (أي الصهيونية) ترتدي ثوباً لفظياً قومياً (أي صهيونياً) . بل قد اكتشف بن جوريون أن هذه الصهيونية إن هي إلا غطاء كثيف يغطي به الصهاينة التوطينيون الاندماج المتزايد الذي يتم على مستوى الفعل، فكأن الصهاينة التوطينيين يطلقون الديباجات اللفظية الجهورية التي تخبئ النكوص الحقيقي المعادي للصهيونية الاستيطانية. وقد اقترح بن جوريون تسمية هؤلاء الصهاينة الذين لا ينوون، لا هم ولا نسلهم، الاستيطان في إسرائيل «أصدقاء إسرائيل» أو «أصدقاء صهيون» . ويبدو أن حركة الصهيونية التوطينية قد بدأت تجتاح المُستوطَن الصهيوني نفسه، إذ نزحت أعداد ضخمة منه مهاجرة إلى الولايات المتحدة وتشكل دياسبورا إسرائيلية تنخرط في النشاط الصهيوني! وسوف نجد أن معظم المفكرين والمؤلفين والكُتَّاب اليهود، الذين يعيشون في العالم الغربي، يُظهرون تعاطفاً مع الصهيونية التوطينية. ومن أهم مفكري الصهيونية التوطينية كالن وسيلفر وكابلان. ويمكن أن نعتبر ناحوم جولدمان واحداً منهم. ويُعتبر برانديز من أهم القيادات السياسية التوطينية. لويس برانديز (١٨٥٦-١٩٤١ ( Louis Brandeis

стр. 6906

أحد زعماء الصهيونية التوطينية في الولايات المتحدة. وُلد في الولايات المتحدة لأبوين مهاجرين من تشيكوسلوفاكيا من أصل ألماني ومن أتباع اليهودية الإصلاحية (وكانت أمه من أسرة من أتباع يعقوب فرانك) . لم يتلق برانديز أي تعليم ديني تقليدي إذ دخل مدرسة ألمانية في الولايات المتحدة ثم التحق بجامعة هارفارد. وقد حقق برانديز، شأنه شأن معظم الأسر الأمريكية اليهودية من أصل ألماني، معدلات عالية من الاندماج. ورُشِّح للوزارة عام ١٩١٤، ولكن ترشيحه رُفض لا بسبب يهوديته وإنما لأن بعض القوى المالية التي كانت لا توافق على آرائه المعادية للاحتكار كانت تخشى تعيينه. ألف برانديز كتاباً بيَّن فيه كيف أن المصالح المالية تتحكم في السياسة، وفي عام ١٩١٦، رشحه الرئيس ويلسون لعضوية المحكمة العليا الأمريكية (وكانت هذه أول مرة يُرشَّح فيها يهودي لهذا المنصب) . وقد أثار ترشيحه عاصفة، لا لأنه يهودي وإنما بسبب أفكاره الراديكالية. وقد تم تعيينه في نهاية الأمر ليظل في منصبه حتى تقاعد عام ١٩٣٩. ويُعَدُّ برانديز من المصلحين الاجتماعيين في الولايات المتحدة، فقد شن حرباً ضد الاحتكارات، وعمل من أجل تحديد ساعات عمل المرأة. وكان يرى ضرورة أن يكون النظام الرأسمالي مُكوَّناً من وحدات صغيرة متنافسة. وكان برانديز يؤمن بأن القانون يجب ألا يكون أمراً ثابتاً أو نهائياً، وإنما يجب أن يُعاد تفسيره دائماً حسب الملابسات التاريخية، ولا يختلف فكره في الواقع كثيراً عن الفلسفة التي استند إليها برنامج نيو ديل New Deal الذي تم تطبيقه بعد عام ١٩٣٣.

стр. 6907

ويرجع اهتمام برانديز بالصهيونية إلى خبرته في نيويورك حيث شهد بعض آثار الاستغلال الموجه ضد عمال النسيج من يهود اليديشية، وهو استغلال تتعرض له عادةً جماعات المهاجرين الذي يتحولون إلى عمالة رخيصة. ولكن يبدو أن برانديز تصوَّر أن معاداة اليهود لعبت دوراً في عملية الاستغلال هذه. كما التقى برانديز بجيكوب دي هاس، سكرتير هرتزل الذي عرَّفه بالفكر الصهيوني. وقد كان برانديز من المؤمنين بأن هناك تماثلاً كاملاً بين المثل العليا الأمريكية والصهيونية وأن كلاً منهما يغذي الآخر، ولذا فلا يوجد مجال لازدواج الولاء بالنسبة ليهود أمريكا إن تبنَّوا العقيدة الصهيونية. فمُثُل أمريكا (على حد قوله) هي نفسها مُثُل اليهود عبر تاريخهم. وكي يصبح الأمريكي اليهودي أكثر يهودية عليه أن يصبح صهيونياً. ومن ثم فعلى كل يهودي أمريكي أن يساعد المُستوطَن الصهيوني رغم أنه يعرف أنه لا هو ولا نسله سيعيشون هناك قط. وقد طالب برانديز بإعادة صياغة فلسطين ( «أرض الأجداد» على حد قوله) لا باعتبارها مكاناً للاستيطان وإنما باعتبارها مركزاً تُشعُّ منه الروح اليهودية وتعطي اليهود المبعثرين في كل أنحاء العالم هذا الوحي الذي ينبع من ذكريات ماض عظيم وأمل مستقبل عظيم. وببساطة شديدة، فإن كل هذه العبارات الرنانة تعني أن يهود أمريكا أمريكيون حققوا الاندماج في مجتمعهم في وطنهم القومي أما فلسطين فهي الوطن الأم الذي يساعدهم على الحفاظ على هويتهم ولكنهم لن يهاجروا إليه قط، فهذا أمر مقصور على اليهود الآخرين، عادةً يهود اليديشية.

стр. 6908

انضم برانديز للمنظمة الصهيونية عام ١٩١٢ في لحظة حرجة، إذ أن الحرب العالمية كانت قد همَّشت المنظمة في أوربا تماماً فاضطلع صهاينة أمريكا بمهمة دعم المُستوطَن الصهيوني، وخصوصاً أن الولايات المتحدة بدأت تتبوأ مكان القيادة. فتم تنظيم لجنة تنفيذية مؤقتة لشئون الصهيونية العامة في الولايات المتحدة (١٩١٤ ـ ١٩١٨) وعُيِّن برانديز رئيساً لها، غير أنه رفض رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية واكتفى بأن يكون رئيساً فخرياً لها في الفترة ١٩٢٠ ـ ١٩٢١. وقد ساهم برانديز في تحديد اتجاه عملية دعم وغوث المُستوطَن الصهيوني، كما ساهم في توسيع المنظمة الصهيونية وزار فلسطين بين عامي ١٩١٧ و ١٩١٩. وترأس برانديز الوفد الأمريكي في مؤتمر لندن الصهيوني عام ١٩٢٠، وهو أول اجتماع للمنظمة الصهيونية بعد الحرب العالمية الأولى.

стр. 6909

ساهمت اللجنة التنفيذية المؤقتة في إدارة المُستوطَن الصهيوني وفي إرسال العون للمستوطنين، وقامت البحرية الأمريكية أيضاً بالمساعدة في ذلك. وكان السفير الأمريكي في القسطنطينية على اتصال دائم بالمُستوطَن الصهيوني بإيعاز من برانديز. ويمكن القول بأنه حتى دخول الولايات المتحدة الحرب عام ١٩١٧ كانت اللجنة التنفيذية المؤقتة هي الدعامة الأساسية للمُستوطَن. وقد نجح برانديز في الاحتفاظ بحياد المنظمة الصهيونية أثناء الحرب متبعاً في ذلك السياسة الأمريكية. وكانت قيادة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة آنذاك من أصل ألماني، ولذا كانت عواطفهم تتجه نحو ألمانيا وحاولوا دَفْع المنظمة نحو اتخاذ خط ممالئ للوطن الأصلي، ولكن برانديز نجح في وقف هذا الاتجاه. ولكن، مع انتصار الحلفاء، قرر برانديز تعديل السياسة الصهيونية واتصل بالرئيس ويلسون الذي عبَّر عن تعاطفه مع الصهيونية، ثم اتصل بالسفيرين الفرنسي والإنجليزي في واشنطن وعرض عليهما المشروع الصهيوني. وقد رتب الرئيس ويلسون لاجتماع بين بلفور وبرانديز. وفي هذه الآونة أيد برانديز إنشاء الفيلق اليهودي. ولعب دوراً في حث الحكومة الأمريكية على قبول وعد بلفور. قام برانديز بعد ذلك بإعداد ما يُسمَّى «برنامج بتسبرج» (١٩١٨) الذي دعا إلى الملكية العامة للأرض في فلسطين (لمنع السمسرة والمضاربة) وإلى الموارد الطبيعية والمرافق وإلى تشجيع الخطوات التعاونية في تطوير الزراعة والصناعة. وفي عام ١٩٢٠، عشية مؤتمر سان ريمو الذي أعلن الوصاية البريطانية على فلسطين، نجح برانديز في التأثير على ويلسون لتعديل حدود فلسطين الشمالية بحيث اختلفت عن تلك التي نص عليها اتفاق سايكس بيكو.

стр. 6910

وبعد مؤتمر سان ريمو، ظهرت التناقضات بين برانديز بنزعته التوطينية واتجاهاته الاندماجية من جهة، ومن جهة أخرى ممثلي الصهيونية الاستيطانية التي تحاول أن تستفيد من كل يهود العالم ولا تتركهم وشأنهم، وكذلك ممثلي الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية) التي تحاول أن تفرض على يهود العالم هوية يهودية محددة تتناقض مع طموحاتهم الأمريكية نحو الاندماج الكامل (وهو التناقض الذي سماه أحد الصهاينة «الصراع بين واشنطن ومنسك» ) وقد قدَّم برانديز عدة اقتراحات جوهرها فك الاشتباك تماماً بين صهاينة الخارج التوطينيين وصهاينة الداخل المستوطنين بحيث يصبح كل فريق فيهم حراً تماماً عن الآخر، على أن يتم التواصل بينهم من خلال حكومة الانتداب (الممثل الرسمي للاستعمار الغربي) . ويظهر مدى إلحاح رغبة برانديز في فك الاشتباك بين التوطينيين والاستيطانيين في تأييده مشروع نوردو الخاص بنقل عدد ضخم من اليهود إلى فلسطين لخلق أغلبية سكانية فورية تتمتع بعد قليل بالسيادة الكاملة على أن تتم العملية برمتها تحت إشراف حكومة الانتداب وداخل إطار المصالح الغربية. ويتلخص اقتراح برانديز في محاولة تحديد مهمة الصهاينة التوطينيين ونطاق عملهم على المستويين الدولي الخارجي والفلسطيني الداخلي: ١ ـ في المجال الدولي، كان برانديز يرى أن مهمة الصهيونية السياسية أو الدولية قد انتهت تماماً مع صدور وعد بلفور إذ أن حكومة الانتداب ستستوعب كل مهام الصهيونية السياسية الدولية. ولذا، يستطيع الصهاينة التوطينيون إسقاط هذا الجانب من نشاطهم. ويجب على كل قيادات الحركة الصهيونية (باستثناء سوكولوف ووايزمان) تَرْك النشاط الاستيطاني والدولي وأن يركزوا على محاولة تأسيس منظمة صهيونية قوية ليس لها طابع سياسي تضم اليهود غير الصهاينة الذين ينضمون إليها في إطار حكومة الانتداب بهدف جَمْع رأسمال يموِّل المشاريع التي ليس لها عائد.

стр. 6911

٢ ـ أما على الصعيد الفلسطيني، فقد اقترح برانديز أن تمثل المنظمة الصهيونية في فلسطين مجموعة تكنوقراطية بعيدة تماماً عن السياسة، متخصصة في المشاريع التي ليس لها عائد مثل الصحة العامة والزراعة (إصلاح الأراضي) والصناعة، وتتخذ قراراتها خارج أي إطار عقائدي ولا تلتزم إلا بالعمل داخل نطاق حكومة الانتداب. ويقوم المستوطنون من الناحية السياسية بتمثيل أنفسهم من خلال مجالس تمثيلية تشرف عليها حكومة الانتداب، وبذا تنتفي العلاقة المباشرة مع يهود وصهاينة العالم. ولا يختلف الأمر كثيراً من الناحية الاقتصادية إذ طالب برانديز بأن يصبح المستوطنون مستقلين تماماً يديرون شئونهم على أسس رأسمالية سليمة بهدف أن يصبحوا معتمدين على أنفسهم ومكتفين بذاتهم ويشجعوا الاستثمارات الفردية الرأسمالية. إن جوهر اقتراح برانديز هو إسقاط الخصوصية الصهيونية من المشروع الاستعماري الصهيوني وتحويله إلى مشروع استعماري غربي لا يختلف من قريب أو بعيد عن المشاريع الأخرى. ومن ثم لا يتحرك التوطينيون إلا في نطاق حكومة الانتداب ولا يتحرك الاستيطانيون إلا في النطاق نفسه ولا يلتقي الطرفان إلا داخله. ولم يوافق وايزمان وقيادات يهود اليديشية وممثلي الصهيونية الاستيطانية على اقتراحات برانديز للأسباب التالية: ١ ـ ذهب وايزمان إلى أن برانديز لا يعرف طبيعة الاستيطان الذي يتطلب الدعم الدائم، ومن ثم فإن إدارة المشروع الصهيوني الاستيطاني على أسس رأسمالية سيطيح به. ٢ ـ ما بين مؤتمر سان ريمو وإعلان الدولة كان الاستيطانيون يعرفون أنهم يحتاجون إلى دعم الصهاينة التوطينيين سياسياً ومالياً، وهو ما يحاول برانديز وضع نهاية له.

стр. 6912

٣ ـ إسقاط الديباجات القومية اليهودية كان يُعَدُّ ضربة في الصميم لمحاولة تأكيد الصلة بين المستوطنين ويهود العالم، وهي صلة كان يحرص عليها المستوطنون لتوظيفها لصالحهم. ولذا أصر الاستيطانيون على أن تظل المنظمة الصهيونية العالمية منظمة للشعب اليهودي بأسره تعبِّر عن إرادة هذا الشعب ومن ثم يمكنها أن تبتز أمواله. وقد وُصف مشروع برانديز بأنه «صهيون بدون صهيونية» أي أنه مشروع استيطاني في فلسطين ليست له خصوصية يهودية (وهو خلاف «الصهيونية بدون صهيون» وهي الصهيونية الإقليمية) . ويمكن القول بأن الاستيطانيين أدركوا أن طبيعة المرحلة تتطلب استمرار التشابك بينهم وبين التوطينيين ويهود العالم. ولذا، فقد سمحوا بدخول العناصر غير الصهيونية إلى الوكالة اليهودية لكن داخل الإطار الصهيوني، وتم تأسيس الصندوق التأسيسي (كيرين هايسود) وأُنفقت بعض أمواله المخصصة للأعمال الخيرية والمشاريع التي لا عائد لها على مشاريع استثمارية، فاعترض برانديز فيما يُسمَّى «مذكرة زبلاند» التي قدِّمت للمنظمة الصهيونية في أمريكا (١٩٢١) . وقد رُفضت اقتراحات برانديز وأُخذ بوجهة نظر وايزمان، فاستقال برانديز (هو وبعض الصهاينة) وقطع علاقته بالمنظمة الصهيونية، ولكنه ظل يمارس ما سماه «النشاط التعاوني» وأسس شركة فلسطين الاقتصادية لتصب فيها الهبات والمنح (ومعنى ذلك أنه استمر في نشاطه الخيري التوطيني) . وقد أدلى برانديز ببعض التصريحات التي يُفهَم منها رفضه الرؤية الصهيونية بقضها وقضيضها. وقد سُمِّيت جامعة برانديز باسمه.

стр. 6913

ويمكن القول بأن برانديز أدرك طبيعة المشروع الصهيوني من البداية وأنه جزء من المشروع الاستعماري الغربي، كما أدرك طبيعة العلاقة بين الاستيطانيين والتوطينيين، وكل ما في الأمر أنه طرح رؤيته في مرحلة مبكرة للغاية. ولكن التطورات اللاحقة سواء في المُستوطَن الصهيوني أو بين الصهاينة التوطينيين أثبتت صدق رؤيته، إذ أن الدولة الصهيونية أصبحت جزءاً أساسياً من المشروع الاستعماري الغربي، مدينة له بوجودها واستمرارها، وهي لا تعتمد على مساعدات يهود العالم التي لا تشكل سوى نسبة مئوية ضئيلة من المساعدات التي تصلها من الولايات المتحدة. والعلاقة بين الصهاينة المستوطنين والصهاينة التوطينيين تتم في إطار المصالح والأولويات الإستراتيجية الغربية. فرانز أوبنهايمر (١٨٦٤-١٩٤٣ ( Franz Oppenheimer عالم اجتماع واقتصاد ألماني وصهيوني توطيني، ورائد فكرة إقامة مستوطنات زراعية تعاونية للمستوطنين اليهود في فلسطين. وُلد في برلين لأب كان يعمل حاخاماً إصلاحياً، ودرس الطب ومارسه حتى عام ١٨٩٦ ثم تحوَّل اهتمامه إلى دراسة العلوم الاجتماعية فحصل عام ١٩٠٨ على درجة الدكتوراه فيها وعمل محاضراً في جامعة برلين (١٩٠٩ ـ ١٩١٧) ثم أستاذاً لعلم الاجتماع والنظرية الاقتصادية في جامعة فرانكفورت (١٩١٩ ـ ١٩٢٩) . وقد استقر في الولايات المتحدة منذ عام ١٩٣٨ وحتى وفاته.

стр. 6914

وقد عارض أوبنهايمر نظرية مالتوس السكانية، وكذلك مفاهيم ماركس الاقتصادية، وسعى إلى تقديم بديل يجمع بين الأفكار الاشتراكية الإصلاحية والأفكار الليبرالية الاجتماعية وهو ما أسماه «الاشتراكية الليبرالية» . ويرى أوبنهايمر أن السبيل إلى تلافي الصراع الاجتماعي الناجم عن التفاوتات الجائرة بين الناس يتمثل في القضاء على الملكية الاحتكارية للأرض الزراعية التي تؤدي إلى تَسارُع هجرة الريفيين إلى المناطق الحضرية ومن ثم إلى خَلْق جيش من العمال. ويقترح أوبنهايمر أن يُستبدَل بالملكية الاحتكارية نظام تعاوني يقوم على إعادة توزيع الأرض على عدد أكبر من الفلاحين المستقلين، وهو ما يؤدي إلى استعادة التنافس الحر وبالتالي تحقيق "الاشتراكية الليبرالية". أما اهتمام أوبنهايمر بالصهيونية وشئون اليهود، فيرجع إلى عام ١٩٠٢ عندما التقى بهرتزل الذي طلب منه صياغة الجوانب الاقتصادية والزراعية في البرنامج الصهيوني. وقد نفَّذ أوبنهايمر تلك المهمة وتقدَّم باقتراحاته إلى المؤتمر الصهيوني السادس (١٩٠٣) الذي أقرها. وفي عام ١٩١١، قام مكتب فلسطين التابع للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية بإنشاء مستوطنة تعاونية في يافا استناداً إلى أفكار أوبنهايمر. ورغم فشل المشروع، فإن مكتب فلسطين كان الأساس الذي قامت عليه المستوطنات الزراعية التعاونية التي أقامها المستوطنون اليهود في فلسطين والتي تُعرَف باسم «الموشاف» . إلا أن أوبنهايمر لم يكن متحمساً للدعاوى القومية للحركة الصهيونية فهو صهيوني توطيني يرى المشروع الصهيوني باعتباره وسيلة للتخلص من الفائض البشري اليهودي وحسب. وقد أدَّى هذا إلى ابتعاده عن أية مشاركة رسمية في الأنشطة الصهيونية منذ عام ١٩١٣. وقد وضع عدة مؤلفات تعرض أفكاره الاقتصادية والإصلاحية وأبرزها الدولة (١٩٠٧) ، ومنهج علم الاجتماع (١٩٢٢ ـ ١٩٣٥) ليو موتزكين (١٨٦٧-١٩٣٣ ( Leo Motzkin

стр. 6915

قائد صهيوني روسي وُلد في قرية كييف ونشِّيء تنشئة يهودية تقليدية في أسرة ثرية. أرسلته أسرته ليدرس في برلين في سن الخامسة عشرة. وفي برلين، أسَّس عام ١٨٨٩، مع فيكتور جيكوبسون وشماريا ليفين وغيرهما، الجمعية الأكاديمية اليهودية الروسية التي انضم إليها وايزمان فيما بعد. ساعد هرتزل في تنظيم المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ، وساهم في صياغة برنامج بازل، وقد كلفه المؤتمر الأول بعمل بَحْث عن المستوطنات اليهودية في فلسطين قدمه للمؤتمر الثاني (١٨٩٨) . غادر برلين مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (لأنه كان يعتقد أن الحلفاء سينتصرون) ، وترأس مكتب كوبنهاجن. وقد استقر في باريس بعد الحرب إلى آخر أيامه. كان من أشد المتحمسين للغة العبرية ومن أوائل من تحدثوا بها في المؤتمرات الصهيونية وكان أيضاً ممن يعتقدون أن الكفاح من أجل حقوق اليهود في بلاد الشتات أو الدياسبورا من أهم واجبات الحركة الصهيونية. ولذا، فقد ساهم موتزكين مع كلٍّ من ستيفن وايز وناحوم جولدمان في تأسيس المؤتمر اليهودي العالمي. برنارد لازار (١٨٧٠-١٩٠٣) Bernard Lazare كاتب وصحفي فرنسي بدأ حياته مدافعاً عن الحركات الاشتراكية والفوضوية. وقد كتب عدة مقالات في مجلات دورية كانت فيما بعد أساساً لكتابه معاداة اليهود: تاريخها وأسبابها الذي صدر عام ١٨٩٤. وقد تضمَّن هذا الكتاب فقرات من النقد الشديد لبعض القطاعات اليهودية واعتبر أن اليهود هم أنفسهم سبب العداء الذي يتعرضون له. وكان لازار يرى أن معاداة اليهود يمكنها أن تلعب دوراً بنَّاءً في الفكر الاشتراكي وأن كُره الناس للرأسمالية اليهودية سيؤدي إلى النفور من الرأسمالية في جميع أشكالها.

стр. 6916

لكن موقف لازار تغيَّر تماماً بالنسبة للمسألة اليهودية بعد قضية دريفوس. فهبَّ لنصرة الضابط الفرنسي وحارب من أجل رد اعتباره، ونشر عدة كتب محاولاً إظهار براءته. وقد انتُخب لازار نتيجة موقفه الجديد في لجنة العمل في المؤتمر الصهيوني الثاني، ولكن لم يكن لديه اقتراح بمكان معيَّن تُنشأ فيه الدولة الصهيونية المُقترَحة. كما أنه، من ناحية ثانية، هاجم بشدة الداعين للاندماج كنوع من الحل. وقد اختلف لازار بعد ذلك مع هرتزل بشأن إقامة الصندوق القومي اليهودي لتمويل الاستيطان اليهودي في فلسطين، معارضاً أن تتحول حركة البعث اليهودي إلى ما أسماه «العملية الرأسمالية» ، وأنهى علاقته بالحركة الصهيونية. وقد مات لازار شبه منسي، وكتب مرثيته الكاتب الكاثوليكي شارل بيجي. جيكوب دي هاس (١٨٧٢-١٩٣٧ ( Jacob de Haas كاتب وقائد صهيوني وُلد في لندن من أصل هولندي. انخرط في شبابه في الحركة الصهيونية. ومع صدور كتاب هرتزل دولة اليهود، بدأ في مراسلته، وكان واضحاً له منذ البداية أن هدف الحركة الصهيونية هو توطين اليهود في فلسطين من أجل إقامة دولة يهودية هناك. عمل أميناً للمؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ثم سافر عام ١٩٠٢ إلى الولايات المتحدة بناء على طلب هرتزل حيث استقر هناك، وصار أميناً لاتحاد الصهاينة الأمريكيين حيث استمر في ذلك المنصب من ١٩٠٢ إلى ١٩٠٥.

стр. 6917

استقال بعدئذ لاختلافه مع القيادة الصهيونية في الولايات المتحدة وانتقل إلى بوسطن ليحرر مجلة جويش أدفوكيت. قابل برانديز ونجح في ضمه للحركة الصهيونية وإقناعه بتولي قيادة الاتحاد، وكانت علاقتهما بعد ذلك قوية جداً. ومع انتخاب برانديز عام ١٩١٦ كعضو في المحكمة الدستورية العليا بالولايات المتحدة، أصبح دي هاس المنفذ الرئيسي لأفكاره في الحركة الصهيونية في أمريكا، ومع تأسيس المنظمة الصهيونية الأمريكية عمل قائداً لها من عام ١٩١٨ وحتى عام ١٩٢١، ولكنه ترك قيادتها مع هزيمة الكتلة البرانديزية وتزعَّم حركة «العودة إلى هرتزل» ، وكان من مناصري الصهيونية العامة ومعجباً بفلاديمير جابوتنسكي، فانضم عام ١٩٣٥ إلى المنظمة الصهيونية الجديدة. وتُوفي دي هاس في نيويورك عام ١٩٣٧. ستيفن وايز (١٨٧٤-١٩٤٩ ( Stephen Wise حاخام أمريكي إصلاحي وقائد صهيوني توطيني. وُلد في بودابست وارتحل مع أسرته إلى الولايات المتحدة وعمره ١٧ شهراً. أصبح حاخاماً عام ١٩٠٠، وحصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا عام ١٩٠٢. وعُرض عليه عام ١٩٠٦ منصب حاخام معبد عمانويل في نيويورك الذي كان يُعتبَر أهم الأبرشيات، ولكن ظهر نزاع بينه وبين لويس مارشال رئيس الأبرشية حول مدى حرية التعبير إذ أصر مارشال أن حاخام الجماعة لابد أن يخضع لقرارات مجلس أمنائها في الأمور الحيوية المهمة. وقد رفض وايز هذا الرأي وأسَّس المعبد الحر في نيويورك وظل يعمل حاخاماً لهذا المعبد حتى وفاته.

стр. 6918

والأساس الذي انبنى عليه هذا المعبد هو أن يعبر الحاخام عن آرائه بحريته الكاملة، وأن يكون نظام الجلوس في مقاعد المعبد حراً تماماً أيضاً غير مقيد بمقدار تبرع المصلي. فمن المعروف أن مقاعد المعابد كانت تُباع للمصلين وكانت قيمة المقاعد تزداد بمقدار مدى القرب أو البُعْد عن لفائف التوراة، وكلما ازداد المقعد قرباً من هذه النقطة ازدادت قيمته. وقد نجم عن ذلك أن المقاعد الأمامية كانت دائماً مخصَّصة للأثرياء وكانت المقاعد الخلفية مخصَّصة للمُعدَمين ومقاعد الوسط لمتوسطي الحال، أي أن طريقة الجلوس في المعبد كانت تعكس البناء الطبقي للجماعة اليهودية. وقد بدأ النشاط الصهيوني لوايز في تسعينيات القرن التاسع عشر. كان وثيق الصلة بتيودور هرتزل حيث التقيا في بازل في المؤتمر الصهيوني الثاني (١٨٩٨) . وقد كان من قبل يشغل منصب أمين الحركة الصهيونية في أمريكا. وفي مؤتمر السلام في فرساي، تحدَّث وايز بلسان الحركة الصهيونية. وأسس، مع آخرين، المؤتمر اليهودي الأمريكي عام ١٩١٦، وكان نائباً لرئيسه في الفترة ١٩٢٢ ـ ١٩٢٥، ثم ترأسه بين عامي ١٩٣٦ و١٩٤٩. وفي هذه الفترة، عمل على إفشال المؤتمر اليهودي العالمي الثالث والمؤتمر الذي دعا إليه المموِّل الأمريكي اليهودي أُنترماير، وقد كانا يحاولان تنظيم حركة المقاطعة اليهودية للنازية في وقت كانت الحركة فيه آخذة في التنامي. وقد قام بذلك حتى تستطيع الحركة الصهيونية الاستمرار في التعاون مع النظام النازي من خلال اتفاقية الهعفراه. ورغم حربه الشرسة ضد يهود العالم لصالح المستوطنين، كان وايز صهيونياً توطينياً من الدرجة الأولى. فبعد إعلان الدولة لم يهاجر إليها، ولعله لو طال به العمر لاصطدم ببن جوريون ولتم القضاء على نفوذه كما حدث مع بقية القيادات الصهيونية التوطينية التي كانت تتصوَّر أن بوسعها التحكم في المُستوطَن الصهيوني من خلال المنظمة. إدموند فليج (١٨٧٤-١٩٦٣) Edmond Fleg

стр. 6919

شاعر وكاتب مسرحي وقاص فرنسي، لعب دوراً مهماً في الفكر الصهيوني، وقد وُلد في جينيف، وكان في سنوات تكوينه الأولى متباعداً عن اليهودية نفسياً وفكرياً إذ نشأ في أسرة مندمجة، وتعلَّم في مدارس وجامعات غير يهودية في أوربا ومن بينها السوربون. وفي عام ١٩١٤، انضم إلى الكتيبة العسكرية الفرنسية للأجانب، واشترك في الحرب العالمية الأولى، وحصل بعد عامين على الجنسية الفرنسية، ثم عاد إلى باريس والتحق بالخدمة المدنية وواصل دراسته. وكان فليج ـ بالاشتراك مع المؤرخ جول إسحق ـ من مؤسسي إحدى الحركات من أجل الإخاء المسيحي ـ اليهودي، وكتب في مستهل حياته عدة مسرحيات ناجحة شعبياً، لا علاقة لها باليهودية، مثل فاوست (١٩٣٧) . ثم حدث التحول في حياته نتيجة هزة نفسية تعرَّض لها عقب قضية دريفوس، إذ شعر فجأة بيهوديته (على حد قوله) ، فانكب على دراسة جادة لما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، وقدَّم للقارئ الفرنسي على مدى أربعين سنة أعمالاً تدور حول موضوعات يهودية. بدأ اهتمام فليج بالصهيونية وشارك في بلورة فكرها والدعاية لها بعد حضوره المؤتمر الصهيوني الثالث (١٨٩٩) . ومن أهم أعماله الأدبية لماذا أنا يهودي (١٩٢٨) ، وهو تحليل لعودته إلى اليهودية وصف فيه التجربة التي مر بها، وإن كان التحليل في نهاية الأمر لا يجيب على أي تساؤل ولا يحل أي تناقض.

стр. 6920

وفي كتاب فلسطين أرض الميعاد يعبِّر فليج عن أمله في إحياء الروح اليهودية وإنشاء الدولة الجديدة وإن كان يتساءل عن جدوى إقامة وطن لليهود في فلسطين ما دام مصيرهم سيكون مهدداً فيها كما هو الحال في كل مكان، وهل يستطيع هذا الجيتو الجديد أن يحل مشكلة اليهود؟ أما المجموعة الشعرية اسمعي يا إسرائيل فهي ملحمة شعرية تقص تاريخ الشعب اليهودي حتى إعلان إسرائيل، بدأها عام ١٩٠٦ واستمر في كتابتها والإضافة لها عبر حياته ولم تُنشر إلا عام ١٩٥٤ وهي تُعتبَر صورة يهودية مطابقة لعمل فيكتور هيجو الأدبي أسطورة الأجيال. وقد كان لفليج تأثير في الأدب الفرنسي ذي الطابع اليهودي، كما حاول جاهداً في كتاباته إظهار التوافق بين الثقافة الغربية والقيم اليهودية. ورغم اهتمام فليج باليهودية والصهيونية، فإنه كان أساساً من الصهاينة التوطينيين الذين يدافعون عن الصهيونية كمثل أخلاقي أعلى وحركة لحل مشاكل اليهود الآخرين. فيلكس فرانكفورتر (١٨٨٢-١٩٦٥ ( Felix Frankurter صهيوني توطيني كان يعمل قاضياً بالمحكمة الدستورية العليا الأمريكية. وُلد في فيينا عام ١٨٨٢، ثم هاجر مع أبويه إلى الولايات المتحدة عام ١٨٩٤. تخرَّج في كلية الحقوق في جامعة هارفارد عام ١٩٠٦ وأصبح مساعد المدعي العام الأمريكي في نيويورك. وأصبح مساعداً لوزير الحرب الأمريكي عام ١٩١١. وكان أستاذاً للقانون الإداري بهارفارد حتى تم اختياره قاضياً بالمحكمة الدستورية العليا عام ١٩٣٩. وأخيراً، كان المستشار القانوني للوفد الصهيوني الأمريكي لمؤتمر السلام في باريس، وشارك مشاركة فعالة في مفاوضات فيصل/ وايزمان. وقد ابتعد فرانكفورتر عن المشاركة في النشاطات الصهيونية بعد استقالة برانديز ولكنه استمر في النشاط الصهيوني التوطيني والإثني من خلال عضويته في مجلس مديري أصدقاء الجامعة العبرية في القدس. وكان فرانكفورتر صديقاً شخصياً لروزفلت. وتُوفي في نيويورك عام ١٩٦٥.

стр. 6921

أبراهام جولدبرج (١٨٨٣-١٩٤٢ ( Abraham Goldberg قائد صهيوني وكاتب. وُلد في روسيا عام ١٨٨٣ وشارك في النشاط الصهيوني منذ شبابه. هاجر إلى الولايات المتحدة عام ١٩١٨ واستقر هناك. وفي عام ١٩٠٣، أسَّس مع آخرين أول جماعة لعمال صهيون في الولايات المتحدة. كان من مؤيدي خطة التوطين في شرق أفريقيا ومن الإقليميين الاشتراكيين. شارك في تأسيس عدة جرائد يديشية صهيونية واشترك في تنظيم المؤتمر اليهودي الأمريكي. وأصبح بعد الحرب عضواً في المكتب السياسي للمنظمة الصهيونية الأمريكية وحارب ضد مجموعة برانديز أثناء معركتهم مع حاييم وايزمان عام ١٩٢١. وعمل مراسلاً ومبعوثاً لحاييم وايزمان مرتحلاً بين عدة جماعات يهودية لشرح فكرة توسيع الوكالة اليهودية، وصار منذ عام ١٩٣٧ عضواً في المكتب التنفيذي للوكالة. فريدريك كيش (١٨٨٨-١٩٤٣) Frederick Kisch مهندس عسكري بريطاني وقيادي صهيوني. وُلد في الهند حيث كان أبوه يعمل في الإدارة المدنية الهندية، وأتم دراسته في الأكاديمية العسكرية الملكية والتحق بالجيش الهندي. وقد خاض الحرب العالمية الأولى، وبعد إصابته عُيِّن في إدارة الاستخبارات العسكرية في مكتب شئون الحرب وكان مسئولاً عن الفرع المختص بروسيا وإيران والصين واليابان. وبعد انتهاء الحرب، اختير ضمن الوفد البريطاني إلى مؤتمر باريس للسلام (١٩١٩ ـ ١٩٢١)

стр. 6922

وقد استقال كيش من الخدمة العسكرية عام ١٩٢٣ وقَبل دعوة حاييم وايزمان ـ زعيم المنظمة الصهيونية العالمية آنذاك ـ للانضمام إلى عضوية اللجنة التنفيذية الصهيونية في القدس وهي هيئة قيادية فرعية للمنظمة الصهيونية العالمية. ومن خلال موقعه هذا، قام كيش بدور بارز في دعم التعاون والتنسيق بين القادة الصهاينة وسلطات الانتداب البريطاني في فلسطين. كما تولَّى كيش الإشراف على المكتب السياسي التابع للجنة، وهو أداة جنينية لأنشطة الاستخبارات، حيث عمل على تنظيم شبكة تجسُّس من المستوطنين اليهود كانت تتستر وراء الهيئات العامة كالنوادي والجمعيات الخيرية. وفي عام ١٩٣١، ترك كيش منصبه القيادي في الحركة الصهيونية وتفرَّغ لإدارة مشروعات تجارية في حيفا، ولكنه واصل إمداد المستوطنين الصهاينة بنصائحه في شئون الأمن. وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية، عاد كيش إلى الخدمة العسكرية في صفوف القوات البريطانية فتولى مسئولية مد خطوط الإمدادات المائية إلى المنشآت العسكرية في منطقة شمال أفريقيا، وقد لقي مصرعه في إحدى العلمليات العسكرية. وقد سجل كيش تفاصيل علاقته بالحركة الصهيونية وأنشطته على أرض فلسطين في كتاب يوميات فلسطين (١٩٣٨) ومن الواضح أن كيش صهيوني توطيني يرى المشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً استعمارياً غربياً، ولا يكترث بسماته اليهودية الخاصة. أبا هليل سيلفر (١٨٩٣-١٩٦٣) Abba Hillel Silver

стр. 6923

حاخام أمريكي وزعيم صهيوني وُلد في ليتوانيا وهاجر إلى أمريكا عام ١٩٠١ وانخرط في سلك الصهيونية منذ صباه حيث أسس نادياً لأحباء صهيون الصغار. وعلى هذا الأساس، شارك في الاتحاد الصهيوني الأمريكي. ويُعَدُّ من أوائل الحاخامات الإصلاحيين الذين انضموا للحركة الصهيونية وحاربوا الاتجاهات المعادية لها في صفوف أتباع اليهودية الإصلاحية. وقد انحاز إلى القاضي برانديز أثناء الخلاف بينه وبين وايزمان (١٩٢٠ ـ ١٩٢١) ، لكنه ما لبث أن عاد إلى أحضان المنظمة الصهيونية ومثَّل الصهاينة الأمريكيين في عديد من المؤتمرات الصهيونية وساهم في تأسيس النداء اليهودي الموحَّد والنداء الفلسطيني الموحَّد. وقد كثَّف جهوده أثناء المناورات الصهيونية لإنشاء الدولة الصهيونية مستخدماً الوسائل الدبلوماسية والتقليدية والضغط عن طريق الرأي العام، وقد لجأ سيلفر للضغط المكشوف دون أي خوف من أن يُتهم بازدواج الولاء، وشارك منذ عام ١٩٤٣ فيما عُرف بعدئذ باللوبي الصهيوني. وقد ترأس المنظمة الصهيونية الأمريكية بين عامي ١٩٤٥ و١٩٤٧ وظل رئيساً فخرياً لها حتى موته. ومما يُذكر أنه بعد قيام الدولة، اصطدم سيلفر وبن جوريون الذي كان يفضل دائماً أن ينظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية في العالم على أنهم مجرد وسيلة لتحقيق أنبل غاية يهودية، أي الدولة الصهيونية: وهذا تعريف يرفضه سيلفر وزعماء صهيونية الدياسبورا التوطينيون الذين يصرون على ازدواجية ولاء اليهودي الأمريكي بحيث يكون ولاؤه السياسي لبلده وولاؤه العاطفي الثقافي لإسرائيل. ويمكننا أن نرى علاقته مع بن جوريون في إطار العلاقة العامة بين التوطينيين الذين يرسلون الدعم المالي والاستيطانيين الذين يؤدون المهمة الأساسية للاحتلال (أي الاستيطان) ، وهي علاقة تجمع بين الحب والكراهية في آن واحد. ومما صعد التناقض بينهما أن كليهما كان يطمع في الزعامة. لكن الاستيطانيين رفضوا بشدة أن يعطوا أي دور للتوطينيين.

стр. 6924

وقد كان سيلفر من دعاة تدعيم القطاع الخاص في الاقتصاد الإسرائيلي الأمر الذي كان يمثل تهديداً كبيراً للبيروقراطية العمالية الصهيونية الحاكمة. والحاخام سيلفر مشيحاني الاتجاه يجمع بين الفكر الإصلاحي الاندماجي والرؤية المشيحانية، وقد أعرب عن رأيه في أن الصهيونية ليست مجرد حل لمشكلة لاجئين وإنما هي قضية روحية لخلاص الشعب اليهودي. ومن أهم مؤلفاته تأملات حول الماشيَّح المنتظر في يسرائيل القديمة، ومواطن اختلاف اليهودية عن الديانات الأخرى. ناحوم جولدمان (١٨٩٤-١٩٨٢ ( Nahum Goldman زعيم صهيوني توطيني مؤسِّس المؤتمر اليهودي العالمي. وُلد في ليتوانيا ونشأ وتعلَّم في ألمانيا حيث حصل على الدكتوراه في القانون، وانخرط في سلك النشاط الصهيوني وهو بعد في سن الخامسة عشرة. وقد حاول أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها أن يثير اهتمام الحكومة الألمانية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين تحت رعاية ألمانيا (وقد كان مثل هرتزل من كبار المعجبين بالروح العسكرية البروسية) . وأسس مع كلاتزكين في برلين دار إشكول لنشر الكتب العبرية، وكان من أعضاء جماعة العامل الفتي، ولكنه تركها وانضم إلى جماعة الصهاينة الراديكاليين وحضر جميع المؤتمرات الصهيونية منذ عام ١٩٢١، وساهم في تأسيس المؤتمر اليهودي العالمي عام ١٩٣٦ (وهي فكرة باركها الزعيم الفاشيستي موسوليني في اجتماع بينه وبين جولدمان ساده الفهم المُتبادَل، وقد أبدى الدوتشي استعداده لدعم هذا المؤتمر) . وتولَّى جولدمان رئاسة المؤتمر اليهودي العالمي في الفترة بين عامي ١٩٥٣ و١٩٧٧، كما تولَّى رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية منذ عام ١٩٥٦ حتى عام ١٩٦٨ وقد أصبح مواطناً إسرائيلياً عام ١٩٦٤، ولكنه لم يلعب دوراً ذا بال في الحياة السياسية هناك.

стр. 6925

ومن أهم مساهمات جولدمان في دعم التجميع الاستيطاني في إسرائيل، إتمام اتفاقية التعويضات الألمانية التي دفعت الحكومة الألمانية بمقتضاها تعويضات لأسر اليهود الذين قُتل ذووهم في معسكرات الاعتقال. وقد ذهبت معظم التعويضات التي بلغت ٨٢٢ مليون دولار إلى إسرائيل، هذا غير المبالغ التي دُفعت للأفراد (وقد اعترف جولدمان نفسه بأن مجموع التعويضات الفعلي قد بلغ ٤٠ ألف مليون مارك، أي حوالي أربعة بلايين دولار) . وبعد عام ١٩٦٧، تزايدت الانتقادات التي وجهها جولدمان إلى الحكومة الإسرائيلية بشأن قضية السلام، ولم يُعَد انتخابه رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية عام ١٩٦٨ وأصبح بعد ذلك مواطناً في سويسرا. وحاول زيارة مصر عام ١٩٦٩ ولكن جولدا مائير، رئيسة الوزراء آنذاك، رفضت المبادرة. وقد طلب جولدمان من كارتر أن يحطم اللوبي الموالي لإسرائيل في الولايات المتحدة. ويُلاحَظ أنه، على المستوى الفلسفي والفكري، يوجد تياران متصارعان في تفكير جولدمان، التيار الأول حلولي كموني صهيوني معاد للتاريخ من الناحية السياسية. فالتاريخ اليهودي، حسب جولدمان، يعبِّر عن تفرُّد الشعب اليهودي الذي بقى عبر التاريخ بسبب مقدراته الروحية ووحدتها، وهي مقدرات تخلع على تاريخ البشرية بأسره جلاله ومغزاه، فكأن الشعب اليهودي هو المطلق الكامن في مركز التاريخ وركيزته الأساسية. بل إن الشعب اليهودي في علاقته مع الأغيار يشبه علاقة المسيح مع من صلبوه. فالبشرية التي يعيش اليهود بينها هي المسئولة عن عذابهم. هذه الأمة ذات علاقة حلولية عضوية بالأرض الفلسطينية، ومن ثم تصبح الدولة الصهيونية حتمية وتصبح حقوق اليهود في الأرض مطلقة. وحتى لو سلمنا بأن العرب أصحاب حق في فلسطين فيجب إدراك أن هذه الحقوق لا تُقارَن بالحقوق اليهودية المطلقة فيها.

стр. 6926

ولكن جولدمان كصهيوني توطيني يكمل هذه الرؤية الحلولية بأخرى أقل حلولية وأكثر تفتحاً، فهو يؤمن بأن الإله لا يتجسد في كل تعرجات ونتوءات التاريخ اليهودي ولا يتدخل دائماً فيه، الأمر الذي يترك مساحة واسعة للحرية الإنسانية، ولا يوجد قَدَر محدَّد مرسوم لليهود خططه الإله خصيصاً لليهود منذ بدأ الكون، فإذا كان الإله مسئولاً عن انتصار عام ١٩٦٧ فهو بلا شك مسئول عن أوشفيتس أيضاً، أي أن جولدمان يرى أن الإله منزَّه عن الطبيعة والتاريخ وأن الخالق لا يحلّ في المخلوق ولا يذوب فيه، ومن ثم فإن الإنسان مخيَّر وليس مسيَّراً. ولأن جولدمان قادر على رؤية التاريخ اليهودي بهذه الطريقة، فإنه قادر على تقييمه وعلى التهكم على الرؤية المشيحانية الميلودرامية، فهو يعقد مقارنة بين الإنجليز واليهود فيقول: "في القرن الماضي فَقَد الإنجليز إمبراطوريتهم ولكنهم تخطوا أحزانهم، أما اليهود فقد فَقَدوا الهيكل منذ ألفي عام ولم يَكفُّوا عن النواح عليه منذ ذلك الوقت بل خصصوا يوماً للنواح، لو فَقَد اليهود إمبراطوريتهم لصاموا يوماً من كل أسبوع"، أي أنه يرى أن المركزية التي يخلعها اليهود على أنفسهم أو تخلعها الحلولية اليهودية عليهم ترهقهم تماماً وتُفقدهم إنسانيتهم وتضع على كاهلهم عبئاً ثقيلاً. وإذا كان التاريخ ليس موضع الحلول الإلهي وإنما مجال حرية الإنسان، فلا حتميات إذن: لا حتمية في الصراع العربي الإسرائيلي، والأرض الفلسطينية ليست أرضاً بلا شعب كما ادعى الصهاينة. ومعاداة اليهود ليست خالدة ولا أزلية، كما أن يهود العالم لا يتمتعون بأية وحدة حلولية عضوية فيما بينهم أو بينهم وبين إسرائيل.

стр. 6927

هاتان الرؤيتان (الحلولية والإنسانية) تتبدَّيان في رؤيتين متناقضتين (كما هو الحال مع الصهاينة التوطينيين) . فمن حق اليهودي أن يحس بالولاء تجاه البلد الذي ينتمي إليه، ولكن من حقه أيضاً أن يشعر بالولاء تجاه إسرائيل، دون أن يشعر بأي تناقض، لأن جولدمان كان قد حرَّر يهود العالم من عبء الرؤية الحلولية فإنه قد ترك إسرائيل أسيرة دائرة القداسة، فهي تقبع داخلها. ومن ثم، فإن ولاء اليهودي ولاء سياسي تاريخي، أما ولاؤه لإسرائيل فهو ولاء ديني حلولي (ويحس جولدمان شخصياً بالولاء لجنيف العلمانية والقدس الحلولية) . لكل هذا، فإن العودة لصهيون ليست مسألة حتمية أو مرغوباً فيها، فبإمكان اليهود البقاء في أوطانهم والاحتفاظ بهويتهم والدفاع عن حقوقهم. ولذا، يجب ألا يتدخل المُستوطَن الصهيوني في شئونهم. وبدلاً من الدعاية من أجل هجرة اليهود السوفييت وإحراجهم، يجب النضال من أجل تحسين أحوالهم وضمان تمتُّعهم بحقوقهم كاملة. وبالطريقة نفسها، يجب ألا يتدخل يهود العالم في شئون إسرائيل. بل إن جولدمان يطالب بأن تكون مهمة المنظمة الصهيونية حماية اليهود في كل بلد وتأتي العلاقة مع إسرائيل في المرتبة الثانية.

стр. 6928

ما وظيفة إسرائيل إذن في حياة يهود العالم؟ هنا يظهر موضوع المركز الروحي (فكرة آحاد هعام) . فجولدمان يرى أن انفصال يهود العالم انفصالاً كاملاً عن اليهود واليهودية هو نوع من أنواع الموت من خلال القلب (مثل منفيي الروح عند بن جوريون) . وحتى يتمكن القلب والروح اليهوديان من أن ينعما بالحرية، يجب تخصيص دولة تكون مركزاً روحياً تُولَد فيها أفكار جديدة وتصبح مصدر إلهام للشعب اليهودي المشتت. ويُشكِّل تَضامُن يهود العالم مع إسرائيل، أو المركز الروحي، جزءاً أساسياً في حياة كل منهما، فإذا كان وجود يهود العالم مستحيلاً بدون الدولة (فهم مهددون بالاندماج والانصهار) فوجود الدولة الصغيرة مستحيل بدون الدياسبورا (يهود العالم) ، أي أن هناك مركزين لليهودية. ورغم أن جولدمان يُلقي عبء المطلقية على الدولة الصهيونية في علاقتها باليهود، فإنه ينظر لها بطريقة أكثر تركيباً في علاقتها بالدول العربية. فقد لاحظ جولدمان أن إسرائيل تعتمد اعتماداً شبه كامل على الدول الغربية، مع أنه يرى أن على إسرائيل أن تتعامل مع الواقع العربي المحيط بها، وخصوصاًً أن الزمن لا يعمل لصالحها، فكل الانتصارات الإسرائيلية لم تنجح حتى الآن في حسم المسألة. وفي العصر الحديث، نجد أن كل الشعوب، حتى أصغرها عدداً، تتمتع بحق تقرير المصير الذي يجب أن يشمل الفلسطينيين. ولذا، فقد طالب جولدمان بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية (بشروط صهيونية) . وعلى إسرائيل أن تقبل سلاماً رسمياً في إطار ضمانات دولية، وأن تتصرف كدولة في الشرق الأوسط، إذ لا يوجد أي مستقبل للدولة اليهودية دون تفاهُم كامل مع العرب. بل إنه طالب بأن تصبح إسرائيل (المركز الروحي لليهود) سويسرا الشرق: دولة محايدة تماماً وتتحرك خارج نطاق الصراعات والسياسات الدولية.

стр. 6929

ويبرر جولدمان حياد إسرائيل على أساسين: واحد حلولي مغلق والآخر إنساني منفتح. فدولة إسرائيل المحايدة تتويج لمعاناة اليهود التي استمرت ألف عام، وحيادها سيؤدي إلى تعاون هائل بين العرب وإسرائيل الأمر الذي يجعل المنطقة تقترب من شيء يشبه المرحلة المشيحانية. أما التبرير التاريخي السياسي فهو يَصدُر عن إدراك جولدمان لعنصرين أساسيين في إسرائيل: ١ ـ لا يسكن إسرائيل أكثر من عشرين بالمائة من يهود العالم، ومن غير الواقعي تصوُّر أن أكثرية اليهود ستتجمع في إسرائيل خلال العقود المقبلة. وعلى أية حال، فبدون تضامن يهود العالم ما كان ليتم تأسيس الدولة الصهيونية، وما كان بمقدورها الاستمرار في الوجود حتى الآن. والواقع أن حياد إسرائيل المقترح يمكن أن يوفر لجميع يهود العالم مركزاً ثقافياً أخلاقياً ودولة غير متورطة في مشكلات السياسة الدولية. وبذا، يتمكن يهود العالم من الخلاص من تهمة الولاء المزدوج. ٢ ـ دولة إسرائيل تشبه الشوكة في حلق العالم العربي فهي دولة (وظيفية) تدور في إطار المصالح الغربية يمكنها عرْقلة السياسة المشتركة لهذا العالم، ولو كانت إسرائيل محايدة وغير ضالعة في مسائل السياسة الدولية الأساسية لاستطاع العالم العربي قبول الأمر الواقع (أي وجود إسرائيل) على نحو أسهل. وقبل موته بثلاثة أعوام، صرح جولدمان لمجلة ألمانية بأن إسرائيل تمثل فشل تجربة، وأنها كارثة أضخم من أوشفيتس. وقبل موته بشهر واحد، نشر إعلاناً في جريدة ليموند يدعو إلى مبادرة إسرائيلية فلسطينية للاعتراف المتبادل. نسيم جعون (-١٩٢٢ ( Nessim Gaon

стр. 6930

رجل أعمال وُلد في السودان لعائلة يهودية سفاردية ذات أصول تركية هاجرت إلى مصر ثم انتقلت إلى السودان حيث عمل والده في الحكومة السودانية في الخرطوم في ظل وجود الاستعمار البريطاني في المنطقة. وتخرَّج جعون في مدرسة كومبوني في الخرطوم وانضم خلال الحرب العالمية الثانية إلى الجيش البريطاني حيث اشترك في القتال في سوريا والعراق وإيران وإيطاليا وشمال أفريقيا. وبعد تسريحه من الجيش، عاد إلى السودان حيث التحق بتجارة الأسرة. وفي عام ١٩٥٧، بعد أن نالت السودان استقلالها، وبعد رحيل الاستعمار البريطاني عن المنطقة، انتقل جعون إلى جنيف حيث شيَّد مؤسسة تجارية عالمية متخصِّصة في مجالات الاستيراد والتصدير والاستثمارات والعقارات. ونشط جعون بشكل بارز في مجال الشئون اليهودية. ففي الخرطوم عمل سكرتيراً ونائباً لرئيس الجماعة اليهودية في السودان، وفي جنيف نجح في توحيد الجماعة الإشكنازية والجماعة السفاردية وأصبح رئيساً للجماعة المتحد ة التي أصبحت تمثل الجماعتين منذ عام ١٩٦٦. واهتم جعون بالجماعة السفاردية بشكل خاص وعمل رئيساً للاتحاد السفاردي العالمي منذ عام ١٩٧١. كما احتل منصب نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي منذ عام ١٩٧٣. وقدَّم جعون تبرعات ومساهمات عديدة لإسرائيل، وأصبح عام ١٩٧١ عضواً في مجلس إدارة جامعة بارابلان الإسرائيلية. وفي عام ١٩٧٣، أصبح رئيس مجلس إدارة جامعة بن جوريون في بئر سبع.

стр. 6931

ويأتي دعم جعون السخي لإسرائيل، مثل غيره من أثرياء يهود الغرب، في إطار ما يمكن تسميته «الصهيونية التوطينية» حيث يقوم هؤلاء بدعم وتأييد إسرائيل مادياً وسياسياً وبتمويل النشاط الاستيطاني بها دون أن يهاجروا هم بأنفسهم إليها. ولذلك، يتخذ هذا الدعم شكلاً حماسياً واستعراضياً ويتسم بنبرته العالية. إلا أن هذا الدعم يأتي في المقام الأول كتعبير عن مصالح الرأسمالية العالمية ومصالحها الإمبريالية التي يخضع أثرياء الغرب من اليهود لآلياتها، شأنهم شأن غير اليهود، ويشكلون جزءاً لا يتجزأ من نسيجها. ولكن هناك بُعداً آخر لدعم جعون للمُستوطَن الصهيوني، إذ يبدو أنه يقوم بدعم الأحزاب السفاردية في المُستوطَن الصهيوني (تامي مثلاً) بهدف أن تقوم هذه الأحزاب بتمثيل مصالحه والقيام بتسهيل أعماله والدفاع عنها. الباب السادس: المؤسسات التوطينية مؤسسات توطينية Institutions Promoting the Settlement of Members of Jewish Communities مؤسسات ظهرت بين يهود العالم الغربي المندمجين، أساساً في الولايات المتحدة، ويعود تاريخها إلى أواخر القرن التاسع عشر، وظهور المسألة اليهودية في شرق أوربا بين يهود اليديشية وتدفُّق ملايين المهاجرين منهم على دول أوربا الغربية (إنجلترا وفرنسا) ووسطها (ألمانيا) ثم على الولايات المتحدة، الأمر الذي هدَّد المواقع الطبقية والمكانة الاجتماعية ليهود العالم الغربي بسبب تميُّز يهود اليديشية دينياً وإثنياً ووظيفياً واقتصادياً. وقد قام أثرياء يهود الغرب المندمجين بتمويل هذه الجمعيات التي حاولت توطين هؤلاء المهاجرين بعيداً عن أوربا.

стр. 6932

وقد تزامن ظهور المؤسسات التوطينية مع تنامي الحركة الصهيونية، كما أن هذه المؤسسات تتفق مع الحركة الصهيونية في بعض الأهداف وإن اختلفت الوسائل. وكلاهما يتفق على بعض عناصر الصيغة الصهيونية الشاملة، فكل من المؤسسات التوطينية والحركة الصهيونية تهدف إلى التخلص من يهود اليديشية (الفائض البشري اليهودي في المُصطلَح الصهيوني) . وكانت الصهيونية تحاول إنجاز هذا الهدف عن طريق الاستيلاء على أرض فلسطين وطَرْد سكانها وإحلال المستوطنين اليهود محلهم وتوظيفهم في خدمة الاستعمار الغربي. أما المؤسسات التوطينية، فكانت تهدف إلى إنجاز الهدف نفسه من خلال ما يلي: ١ ـ توطين المهاجرين اليهود في البلاد الاستيطانية التي تحتاج إلى مادة بشرية مثل أمريكا اللاتينية (الأرجنتين على وجه الخصوص) وأستراليا، على أن يذوبوا في المجتمعات الجديدة ويصبحوا جزءاً من أهلها وثقافتها. ويُلاحَظ أن عملية التوطين تتم في إطار التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي بشكل عام، وليس لها مضمون يهودي محدد. ويُلاحَظ أن البلاد التي كان التوطين يتم فيها تتسم بأن عملية الإبادة والإحلال للسكان الأصليين فيها كانت قد اكتملت (ولذا، فإن التوطين هنا يتم بموافقة السلطة الجديدة والعنصر البشري المهيمن وليس رغماً عنه) ، وكانت المؤسسات التوطينية تشجع اليهود المهاجرين على التخلي عن ميراثهم الثقافي والديني والاقتصادي وعلى الاندماج بل الذوبان في مجتمعهم الجديد.

стр. 6933

٢ ـ مساعدة يهود اليديشية على الاندماج في بلادهم عن طريق تحديث مؤسساتهم التربوية والثقافية وعن طريق تحويلهم إلى عناصر منتجة (أي تحويلهم من جماعة وظيفية، تقع خارج بناء المجتمع الطبقي والثقافي إلى مواطنين عاديين، مندمجين في مؤسساته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية) . وعادةً ما كان هذا يتم من خلال مشاريع توطينية تقوم بها الحكومات المختلفة في أرض زراعية بكر. ولعل أهم هذه المشاريع تلك المشاريع التي قامت بها روسيا القيصرية ثم السوفيتية وساهمت فيها الحركات التوطينية. ٣ ـ مساعدة المهاجرين الذين وصلوا بالفعل إلى المجتمعات الغربية على الاندماج واكتساب هوية جديدة. ويمكن القول بأن التوطين من أهم أهداف معظم مؤسسات الغوث اليهودية (مثل الأليانس إسرائيليت يونيفرسل) إن لم يكن الهدف الوحيد. ولكن كانت هناك أيضاً مؤسسات توطينية خاصة مثل أجروجوينت وإميج ديركت وأورت وأوزت وإيكا وإيكور وكومزت وهياس وهيسم. وكما أسلفنا، فإن هذه المؤسسات لم تكن ذات توجُّه صهيوني استيطاني، بل كانت (في بعض الأحيان) معادية للصهيونية وللأهداف السياسية الكامنة في عملية التوطين في فلسطين. ومع هذا، فقد كان كثير من المؤسسات التوطينية يقوم بنشاط صهيوني توطيني إذ أنها كانت تساعد على توطين يهود اليديشية في فلسطين باعتبار أن هذا هو إحدى وسائل التخلص من اليهود، وهذا ما نطلق عليه اصطلاح «الصهيونية التوطينية» . وكثير من هذه الجمعيات تم استيعابه داخل الشبكة الصهيونية العامة بحيث أصبح يمارس نشاطه داخل إطار صهيوني. ولكن هذا هو النمط العام لكثير من النشاطات اليهودية في العالم الغربي، فقد تم استيعابها داخل النشاط الصهيوني بعد أن أصبحت الصهيونية جزءاً مستقراً في التشكيل الاستعماري الغربي. لجنة التوزيع المشتركة الأمريكية اليهودية American Jewish Joint Distribution Committee

стр. 6934

اختصارها «JDC» ويشار إليها أحياناً باسم «جوينت Joint» وحسب. وهي منظمة أمريكية يهودية تأسست عام ١٩١٤ تحت اسم «لجنة التوزيع المشتركة للأموال الأمريكية من أجل غوث ضحايا الحرب من اليهود» وتحت رئاسة فليكس واربورج. وقد قامت بتأسيسها ثلاث منظمات أمريكية يهودية (هي: اللجنة الأمريكية اليهودية للغوث، واللجنة المركزية للغوث، واللجنة الشعبية للغوث) بهدف تنسيق وتوحيد عمليات جمع التبرعات وغوث أعضاء الجماعات اليهودية في الخارج، وخصوصاً في أوربا حيث كان شبح الحرب يهدد باقتلاع مئات الآلاف من اليهود وغير اليهود من بلادهم. وقد كان من أبرز مؤسسيها أثرياء اليهود الأمريكيين ذوي الأصول الألمانية أمثال عائلات واربورج وليمان وروزنفالد وغيرها والتي كانت تخشى من تدفُّق موجات جديدة من يهود شرق أوربا إلى الولايات المتحدة. ولذلك، كانت المهمة الأساسية لهذه المنظمة تقديم الغوث ومجموعة من الخدمات الطبية والصحية والاجتماعية والاقتصادية، وإقامة برامج إعادة التأهيل لأعضاء الجماعات اليهودية، الأمر الذي يتيح لهم البقاء والاستمرار في أوطانهم الأصلية. كما كان دعمها للاستيطان اليهودي في فلسطين يهدف في المقام الأول إلى تحويل جزء من هجرة يهود أوربا المرتقبة إلى فلسطين.

стр. 6935

وقد شاركت المنظمة في عمليات الغوث في بولندا وألمانيا في خلال الحرب العالمية الأولى، وأنفقت ١٤.٩٣٧.٧٨٣ دولاراً لدعم التجمع اليهودي في فلسطين، كما أرسلت لهم عام ١٩١٥ سفينة محملة بأطنان من المواد الغذائية. أما بعد الحرب، فقد شاركت المنظمة في مواجهة المجاعة التي اجتاحت مناطق واسعة من أوربا الشرقية، وساعدت أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا وبولندا ورومانيا والمجر، وأقامت مؤسسات صحية وجمعيات لرعاية الأطفال في هذه البلاد، وخصوصاً في بولندا حيث أقامت عام ١٩٢٣ منظمة صحية هي «توز TOZ» (جمعية الرعاية الصحية لليهود في بولندا) وأخرى لرعاية الأطفال عام ١٩٢٦ هي «كانتوس Cantos» ، كما عملت الجمعية على إعادة فتح ورعاية المدارس والمؤسسات الدينية التعليمية التي حطمتها الحرب. ولكن نشاطها الأكثر أهمية تَركَّز في مجال إعادة تأهيل أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا اقتصادياً، وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج من خلال تأسيس شبكة من جمعيات الإقراض وجمعيات الائتمان التعاونية، وإقامة المدارس الفنية والتجارية وإعادة توطين أعضاء الجماعات في الأراضي الزراعية.
следующие страницы →