Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.
стр. 7001
طبيب روسي صهيوني استيطاني تسللي وزعيم جماعة أحباء صهيون. وُلد في روسيا، وكان أبوه مدرساً وعالماً، كما كان يعمل بالتجارة وقد انتقل إلى مدينة أوديسا بعد فشله في أعماله التجارية في جاليشيا، وكانت أوديسا مدينة روسية جديدة تتسم بارتفاع معدلات العلمنة والاندماج بين أعضاء الجماعة اليهودية، فزود ابنه بثقافة روسية علمانية وعرَّفه بأفكار حركة الاستنارة اليهودية، كما تعلَّم بنسكر اللغة الألمانية (وهي لغة الحديث في المنزل) وتعلَّم قليلاً من العبرية. ولم يتعلم بنسكر في مدرسة يهودية (كما هو الحال مع معظم المفكرين والزعماء الصهاينة) ، وإنما أنهى دراسته الثانوية في مدرسة روسية ثم درس الحقوق في أوديسا ودخل جامعة موسكو لينال منها شهادة طبية. وقد كتب عدة مقالات في راسيفيت وهي أول مجلة أسبوعية يهودية تصدُر بالروسية (بدأ نشرها عام ١٨٦٠) ، وكتب أيضاً في مجلات يهودية أخرى ذات طابع اندماجي، كما قام بجهود كبيرة كعضو في جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا. وخدم بنسكر في الجيش الروسي أثناء حرب القرم (١٨٥٦) ، وساهم في حركة الترويس، وقد كان يرى أن اليهود إن تعلموا اللغة القومية فإن ذلك سيساهم في دَمْجهم.
стр. 7002
ولكن أحداث عام ١٨٧١ في أوديسا زعزعت إيمانه. ومع تعثُّر التحديث وصدور قوانين مايو ١٨٨٢، تغيَّر موقفه بشكل جوهري وعدل عن كثير من آرائه، وبدأ الشك يساوره في مقدرة الاستنارة وحدها على حل مشاكل اليهود. وفي عام ١٨٨١، وفي أحد اجتماعات جماعة تنمية الثقافة، طالب بنسكر بالعدول عن هذه السياسة واقترح إعادة توطين اليهود في وطن واحد. وبدأ بنسكر في التجوال في عواصم أوربا للدعوة لفكرته بشأن الدولة الصهيونية، فقابل الحاخام أدولف جلينك، حاخام فيينا الأكبر وصديق أبيه، فأشار هذا عليه بإخضاع نفسه للعناية الطبية. وقابل زعماء الأليانس وبعض القادة اليهود ولكنهم عارضوه. ومع هذا، فقد ألف بالألمانية كراسة الانعتاق الذاتي: تحذير من يهودي روسي لإخوته (١٨٨٢) الذي نُشر دون ذكر اسم المؤلف لأنه كان مُوجَّهاً أساساً إلى يهود الغرب. والكراس يأخذ شكل المانفستو، ولذلك فإنه خال من أيِّ عمق.
ويتميَّز كراس بنسكر بأنه لا ينظر إلى اليهود من الداخل باعتبارهم جماعة مستقلة (كما يفعل بعض مثقفي يهود اليديشية) وإنما ينظر إليهم من الخارج كما ينظر إليهم الصهاينة غير اليهود. وقد تعلَّم بنسكر تعليماً غربياً وكان ذا هوية غربية، واليهود واليهودية بالنسبة إليه موضوعا للدراسة أساسا، وهوية فرضت عليه فرضا من الخارج. وعلى أية حال، فبالإمكان تصنيفه على أنه صهيوني يهودي غير يهودي.
стр. 7003
يضع بنسكر الموضوع اليهودي في سياقه الغربي وحسب وينطلق، مثله مثل معظم الصهاينة، من رفض اليهودية التقليدية والتفكير الديني اليهودي. فهو يعلن ضرورة التخلص من موقف الانتظار وضرورة الثورة ضد الشعور الديني القديم الذي يدفع اليهود إلى تقبُّل وَضْعهم ووجودهم في المنفى باعتباره عقاباً أنزله الإله بهم "فشعب الله المختار إن هو إلا شعب مختار للكراهية العالمية". ولذا، يجب على اليهود التخلي عن الفكرة المغلوطة القائلة بأن اليهود بتشتتهم هذا يحققون رسالة إلهية، فتلك الرسالة لا يؤمن بها أحد.
стр. 7004
ويُقدِّم بنسكر طرحاً مغايراً تماماً للرؤية الدينية، فينظر لليهود في سياق وضعهم الهامشي في المجتمع الغربي، وفي إطار التحولات التي طرأت على هذا المجتمع (التصنيع والتحديث والتنوير والإعتاق والعلمنة) والتي أدَّت إلى ظهور المسألة اليهودية في إطار فكرة الشعب العضوي المنبوذ من المجتمع الغربي. فهو يقول إن اليهود شعب عضوي لا يمكن أن يذوب في الأمم الأخرى، ولذا فهو يعيش في بلاد لا تعترف به ابناً لها، فالألماني الفخور بصفاته التيوتونية والسلافي الفخور بصفاته السلافية وغيرهم لا يعترفون بأن اليهودي يتساوى معهم بالمولد، فهذه القوميات العضوية تجعل الانتماء القومي مسألة عضوية موروثة. واليهود، رغم أنهم شعب عضوي، إلا أنهم يفتقرون إلى كثير من الصفات القومية العضوية (لغة وعادات مشتركة وأرض مشتركة) كما أنهم ليس لهم وطن أصلي ولا حكومة تمثلهم، ولهذا تحوَّلوا من أمة يهودية إلى يهود، وأصبحوا بذلك شعباً ميتاً: فقدوا استقلالهم وتحولوا إلى حالة التعفن التي لا تستطيع مسايرة العضو الحي المتكاسل. وهم "شبح" يأتي من عالم الأموات (ولنلاحظ أن كل الصور المجازية الإدراكية هنا صور مجازية عضوية) . ثم تتري الصور المجازية التي تدل على تقبُّل بنسكر مقولات معاداة اليهود: "إننا قطيع منتشر في أرجاء المعمورة دونما راع يحمينا ويجمعنا معاً. أما في أحسن الظروف، فقد نصل إلى مرتبة الماعز التي تبيت (حسب التقليد الروسي) في إسطبلات الخيل"، وإذا بقيت الظروف على ما هي عليه "فسنظل طفيليين نعتمد في معيشتنا على بقية السكان". وهذا هو أس البلاء، فما دام اليهود عنصراً قومياً غريباً، ضيوفاً على أمم مضيفة، فإنهم سيظلون محط كراهية كل الشعوب لأن الناس تخاف من الأشباح.
стр. 7005
ومن الواضح أن وَصْف بنسكر متأثر بتجربة يهود شرق أوربا، وخصوصاً في روسيا، فقد كانوا يعيشون في مناطق الاستيطان على هامش المجتمع الروسي: "منبوذون ... لا يُطبَّق عليهم القانون العام باعتبارهم أغراباً بمعنى الكلمة. فثمة قوانين خاصة باليهود". وقد يكون في هذا الوصف شيء من الموضوعية التقريرية المباشرة، ولكنه يعزل أعضاء الجماعات اليهودية عن الظواهر المماثلة في المجتمع الروسي وفي المجتمعات الأخرى، ويجعل الاضطهاد حكراً على اليهود في كل مكان. وما دام اليهودي لا وطن له في أي مكان وليس له حقوق المواطنة، فإنه منبوذ في كل مكان وزمان. فالخوف من الأشباح، أي معاداة اليهود، أمر أزلي ينتقل من جيل إلى آخر ويقوى عبر العصور. كما أن بنسكر نفسه يقول: "تظهر هذه الفكرة في كل زمان ومكان".
وما الحل الآن؟ يرفض بنسكر مرة أخرى الحلول التقليدية مثل الهجرة الفردية: "كافحنا عبر القرون بجهد كي نحيا لكن كأفراد وليس كأمة". كما يرفض بنسكر فكرة الاستيطان الديني التقليدي الذي كان يُموَّل بأموال الصدقة (الحالوقاه) ، فمشروعه الصهيوني المقترح لا يتم "بجمع التبرعات من الحجاج والهاربين الذين سينسون وطنهم ومن ثم سيضيعون في أعماق غربة أرض مجهولة".
стр. 7006
الحل هو التخلص من اليهود من خلال تصفيتهم، ومن اليهودية من خلال التخلي عنها تماماً. "نحن نرضى التخلي عن (رسالتنا الإلهية) إذا أمكن محو اللقب الممقوت «يهودي» من ذاكرة الإنسان". وقد ذكر بنسكر هذه الكلمات في لحظة غضب، ولكنه يهدأ ويبدأ في اقتراح الطرق المنهجية الكفيلة بتحقيق هذا الهدف "لابد أن تتعامل الأمم مع أمة يهودية" ولابد من "خَلْق مأوى دائم". و"الطريق الوحيد الصحيح لإصلاح الوضع هو خلق قومية يهودية مؤلفة من شعب يعيش على أرض يملكها". أما بالنسبة إلى آليات هذا الحل، فهو أولاً لن يأتي من الإله وإنما سيتم بالانعتاق الذاتي (عنوان الكراسة) . ويُلاحظ بنسكر أن الجو العام في أوربا قد خلق مناخاً مواتياً لحركة البعث القومي. فالفكرة القومية في كل مكان، كما أن اليهود يشعرون بالبؤس في كل مكان أيضاً. ولكن الحل الذي يطرحه بنسكر لنقل اليهود خارج أوربا يثير عدة مشاكل من بينها أن الشعوب التي نالت استقلالها مؤخراً هي أمم عاشت على أرضها وكانت تتكلم لغة واحدة، فكان لها بذلك أرض. أما اليهود فلا أرض لهم، ولابد من خلق هذه الأرض.
وثمة عدة مؤشرات كامنة في كراسة بنسكر تحدد هوية هذه الأرض وهوية من يهاجر إليها وآليات النقل:
١ ـ من الواضح أنه، حينما يفكر في الحركة القومية، يفكر أيضاً في تقسيم الدولة العثمانية، فهو يفكر في الصرب وأهل رومانيا وحصولهم على الاستقلال. ومن ثم، فالأرض هي في غالب الأمر أرض فلسطين.
٢ ـ وهو يضيف قائلاً إن تحرير اليهود واجب كواجب تحرير الزنوج. ومع هذا، فإنه يضيف أن اليهود ينتمون إلى عرْق متقدم وليسوا زنوجاً، أي أنهم عنصر استيطاني أبيض.
٣ ـ ومعظم البلاد المتحضرة سوف لا تقبل هجرة اليهود الجماعية إليها، أي أن الدول الغربية ستوقف سيل يهود اليديشية إليها.
стр. 7007
٤ ـ ولكن إذا لم يكن اليهود زنوجاً، ومع هذا ترفض الدول المتحضرة (البيضاء) هجرتهم إليها لأن وجود اليهود بينهم يسبب لهم المشاكل (المسألة اليهودية) ، وإذا كانت الدولة العثمانية آخذة في التآكل (المسألة الشرقية) ، وكان المشروع الصهيوني لن ينشأ بشكل عشوائي وإنما سينشأ بمعاونة الحكومات، فإن الحل سيكون كامناً في ربط المسألة اليهودية بالمسألة الشرقية فتُحَل المسألتان الواحدة من خلال الأخرى.
٥ ـ ويرى بنسكر ضرورة أن نلفت "أنظار الشعوب التي تمقتنا"، أي يجب تجنيد أعداء اليهود من الشعوب الغربية، كما يجب أيضاً الضغط على السياسة الدولية في الوقت الحاضر فستظهر نتيجته المثمرة في المستقبل. أي يجب الاستعانة بالدول الغربية، فالسياسة الدولية هي السياسة الإمبريالية الغربية.
٦ ـ وحينما يقول "امنحونا متعة الاستقلال واسمحوا لنا أن نقرر مستقبلنا، وأعطونا قطعة من الأرض، امنحونا تلك الأشياء التي منحتموها للصرب وأهل رومانيا، أعطونا مجال وجود القومية الحرة" فنحن نعرف أنه يتوجه للقوى العظمى الاستعمارية (وإن لم يدرك هو ذلك تماماً) ، فهي وحدها القادرة على توطين الفائض البشري خارج أوربا. وهو يطلب رقعة في الولايات المتحدة أو ولاية كتلك التي يقوم عليها باشاوات آسيا التركية، يعترف بها الباب العالي والعالم الغربي كبلد محايد. ثم يضيف: وستكون مهمة الإدارة الصهيونية المقترحة إقناع الباب العالي والحكومات الأوربية بهذا المخطط.
ثم يطرح بنسكر عدة قضايا متصلة بالتنظيم والإجراءات الأخرى، مثل تأسيس مجلس وطني أو مؤسسة وطنية تقوم بوضع السياسة العامة ثم تؤسس شركة لشراء قطعة الأرض، والإشراف على أمور الاستيطان لشراء الأراضي وغير ذلك، وهي أمور كانت تُعتبَر جديدة كل الجدة على اليهود، لأنه حديث عن آليات العودة بشكل حديث لم يألفوه من قبل.
стр. 7008
ولكن الأهم من ذلك هو حديثه عن الأرض فهو يقول يجب ألا يكون الحديث عن الأرض المقدَّسة وإنما عن مجرد أرض نملكها، أرض ذات مركز جيد ومساحة كافية لإسكان عدة ملايين تحددها بعثة خبراء تعطي رأيها بعد تحريات ودراسات عميقة. إن علمانية المصطلح وحداثته كان أمراً جديداً كل الجدة. ومع هذا، يتدارك بنسكر ويقول قد تعود الأرض المقدَّسة لنا، فإذا حدث هذا الشيء فهو أفضل بمعنى أنه لا يرفض تماماً الصهيونية الإثنية ويترك الباب مفتوحاً أمامها.
وقد توقَّع بنسكر معارضة معظم اليهود، ولذلك حاول أن يكون برنامجه أكثر وضوحاً وتفصيلاً إذ يفرِّق بين الصهيونيتين، فقسَّم اليهود إلى غربيين مندمجين (سعداء) ، وشرقيين (بؤساء) . أما بالنسبة للفريق الأول فهم اليهود الغربيون الذين يكوِّنون نسبة قليلة من السكان، ولذلك فحالهم في البلاد التي يعيشون فيها أحسن، ومن الأفضل لهم ألا يهاجروا. أما البلاد التي بلغ اليهود فيها درجة التشبع مثل روسيا (وبولندا التي كانت تتبعها) ، ورومانيا (أي شرق أوربا) ، فمن الأفضل لهم الهجرة (وهكذا يبدأ تقسيم العمل إلى صهيونية استيطانية وأخرى توطينية) . فالحديث ليس عن كل اليهود وإنما عن اليهود غير المندمجين في المجتمع والفائضين عنه، الذين يجب إرسالهم إلى مكان آخر (الوطن القومي) لأنهم كبروليتاريا تعيش عالة على أعضاء المجتمعات المضيفة. بل يضيف بنسكر بُعداً آخر يبلغ الغاية في الأهمية إذ يقرر أنه حتى أغنياء شرق أوربا بإمكانهم البقاء حيث هم، ومعنى هذا أنه يعرِّف الفائض إثنياً وطبقياً وليس قومياً.
стр. 7009
ويمكن القول بأن كثيراً من عناصر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة قد ظهرت في كراس بنسكر. ومن هنا أهميته في تاريخ الفكر الصهيوني، فقد أسقط المقولات الدينية التقليدية ونزع القداسة عن اليهود واقترح ربط المسألة الشرقية بالمسألة اليهودية باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً وعنصراً استيطانياً أبيض، أي أنه يقترح أن يتم الحل داخل التشكيل الاستعماري الغربي. بل يترك الباب مفتوحاً أمام الأشكال الصهيونية الأخرى (الصهيونية الإثنية الدينية وغيرها) ، ويضع يده على ضرورة وجود صهيونيتين؛ واحدة استيطانية والأخرى توطينية.
ومع هذا، ظلت صيغة بنسكر مترددة متعثرة، ربما بسبب تكوينه الثقافي الضيق، فالأفق الثقافي في روسيا القيصرية كان ضيقاً إلى أقصى حد، وكان أكثر ضيقاً داخل المدن اليهودية ومواطن الاستيطان. ولذا، فإنه لم يكن لديه إدراك كامل لحتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية لوضع أي مشروع استيطاني موضع التنفيذ. فالمشروع الاستعماري الروسي لم يكن على استعداد لتوظيف اليهود لصالحه، بل كان يود التخلص منهم في أسرع وقت. كما أنه لم يكن مشروعاً عالمياً كما كان الحال في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة، إذ أن المطامع الروسية القيصرية كانت تتجه نحو دول البلطيق والمناطق التي تفصل بين روسيا واليابان والصين والدولة العثمانية. أما فلسطين فقد كان الروس ينظرون إليها باعتبارها منطقة نفوذ أرثوذكسية، وهو ما يتطلب استبعاد اليهود. ولذا، فرغم أن كل أفكار هرتزل الأساسية موجودة في الانعتاق الذاتي إلا أن هرتزل قد حقق ما لم يحققه بنسكر لأنه كان مدركاً لحتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية باعتبارها الآلية الوحيدة لتحقيق الحلم الصهيوني.
стр. 7010
وقد أصبح بنسكر زعيم جمعية أحباء صهيون ودُعي إلى مؤتمر كاتوفيتش ١٨٨٤، وانتُخب رئيساً للجمعية. ولكن حينما نشبت بعض الخلافات داخل الجمعية، قدَّم استقالته عام ١٨٨٧ ثم سحبها خشية أن تسيطر العناصر اليهودية الأرثوذكسية، تحت قيادة موهيليفر، على الجمعية. وقد استقال ثانيةً عام ١٨٨٩ إثر اختيار قيادة جديدة للحركة، ولكنه عاد مرة أخرى بعد سماح السلطات الروسية بإنشاء لجنة أوديسا. وخلال رئاسته، تمكنت الجمعية من جَمْع بعض الأموال لإقامة مستعمرات في فلسطين، ومهدت السبيل أمام الاستيطان الصهيوني، كما تأسست في روسيا «جمعية تقديم المساعدات للمستوطنين الزارعيين وأصحاب الحرف اليدوية اليهود في سوريا وفلسطين» التي كانت تُعرف بلجنة أوديسا.
وقد زار بنسكر باريس وأقنع روتشيلد بمساعدة الاستيطان اليهودي، ونظراً لأن الأموال التي جمعتها جماعة أحباء صهيون كانت قليلة جداً (فهي لم تكن حركة جماهيرية) ، فإن معظم المستوطنات كانت في نهاية الأمر قد أصبحت تابعة لروتشيلد. كما أن بنسكر تابع مشاريع البارون موريس دي هيرش لتوطين اليهود الروس في الأرجنتين باهتمام شديد.
ويُعَدُّ بنسكر مفكراً صهيونياً أكثر من كونه منفذاً للمشروع، وصهيونيته هي من النوع الذي يُطلق عليه «الصهيونية العملية» أي «التسللية» ، كما أن أسلوبه وأفكاره يشبهان أفكار وأسلوب هرتزل إلى حدٍّ كبير، لكن هرتزل قد دوَّن في مذكراته أنه لم يطَّلع على كتابات بنسكر. ولعل الفارق الأساسي بينهما هو مدى إدراك حتمية الاعتماد على الإمبريالية، إذ كان بنسكر يتحرك داخل وهم الانعتاق الذاتي التسللي.
حاييم لورج (١٨٢١-١٨٧٨ (
Chaim Lorje
стр. 7011
أحد رواد فكرة الاستيطان اليهودي في فلسطين، ومؤسِّس أول جمعية تقام لهذا الغرض. وُلد في فرانكفورت وكان طوال حياته يبدي تحمساً شديداً لأفكار القبَّالاه، بل زعم أنه ينحدر من سلالة المفكر القبَّالي إسحق لوريا. وقد عمل بالتدريس حيث كان يدير مدرسة داخلية للأطفال. وفي عام ١٨٦٤، رحل إلى برلين واستقر فيها بقية حياته.
وقد تركت أحداث ثورة ١٨٤٨ في ألمانيا أثراً كبيراً في فكر لورج الذي رأى فيها برهاناً على اقتراب مقدم الماشيَّح. ومنذ ذلك الحين، تزايد اهتمامه بما يُسمَّى «البعث القومي اليهودي» حيث اعتبر أن استيطان اليهود في فلسطين يُعَد تحقيقاً للنبوءة التوراتية بالعودة إلى أرض الأجداد وتطهُّراً من رجس المنفى. وكانت نقطة البداية لتحقيق هذا الهدف ـ في نظره ـ هي إقامة منظمة تتولى تنسيق الجهود وتوفير الأموال اللازمة لدعم مشاريع الاستيطان. ولذلك، بادر عام ١٨٦٠ بتأسيس «جمعية استعمار فلسطين» (ولذا فهي تُعَدُّ أوَّل جمعية استيطانية يهودية صهيونية) ، ولم يدخر وسعاً في الدعوة لأهداف الجمعية واجتذاب شخصيات بارزة إلى عضويتها وتنظيم حملات للتبرعات. وقد اتسعت شهرة الجمعية في الأوساط اليهودية وانتشرت فروعها في عدة مدن ألمانية وانضم إليها مفكرون بارزون من أمثال يهودا القلعي وموسى هس وديفيد جوردون فضلاً عن تسفي كاليشر، الذي تولت الجمعية نشر كتابه البحث عن صهيون (١٨٦٢) . كما نجح لورج في التصدي لحجج خصومه، وعلى الأخص في أوساط الذين استوطنوا في فلسطين لدوافع دينية.
стр. 7012
إلا أن لورج فشل في تحقيق الهدف الأساسي لجمعيته، فلم يفلح في تهجير أي يهودي إلى فلسطين ولا في إقامة أية مستوطنات هناك، وسرعان ما تحولت الجمعية نفسها إلى مشروع خاسر حيث أصبحت نفقاتها والتزاماتها تفوق مواردها كثيراً، كما تنازعتها الخلافات والانشقاقات. وبحلول عام ١٨٦٤، كانت الجمعية قد غدت مجرد ذكرى عابرة. ورغم أن هذا الفشل يمكن أن يُعزى جزئياً إلى شخصية لورج التي تتسم بالرعونة والتسلط وافتقاد الحنكة التنظيمية، إلا أن السبب الأساسي يكمن في أنه لم يدرك ما أدركه هرتزل فيما بعد من ضرورة اللجوء إلى قوة استعمارية عظمى تكون بمنزلة آلية دولية تقوم بنقل اليهود وتوظيفهم في إطار الدولة الوظيفية.
هرمان شابيرا (١٨٤٠-١٨٩٨)
Herman Schapira
أحد القادة الأوائل لحركة أحباء صهيون والصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية. ومؤسس فكرة الصندوق القومي اليهودي. وُلد في ليتوانيا في أسرة فقيرة وعمل ليموِّل دراسته، واشتغل كتاجر سلاح أثناء الحرب التركية الروسية عام ١٨٧٧ ـ ١٨٧٨ فكسب مبالغ طائلة، ومن ثم عاد للدراسة في ألمانيا، وعُيِّن محاضراً في الجامعة عام ١٨٨٣ في قسم الرياضة البحتة. انضم لحركة أحباء صهيون بعد مذابح روسيا في أوائل الثمانينيات من القرن التاسع عشر، وكتب مقالات تدعو إلى إقامة مستوطنات زراعية في أرض إسرائيل وإلى إقامة جامعة لتدريس العلوم. وكان شابيرا يعتقد أن اللغة المستخدمة في هذا المشروع ستكون الألمانية مع دعوته لتدريس العبرية بقدر الإمكان حتى يحين الوقت الذي تصبح فيه العبرية لغة منطوقة كذلك.
أصيب شابيرا بيأس وإحباط لفشله في إثارة اهتمام اليهود بمشاريعه. وانخرط بعد ذلك في فلسفة دينية مشيحانية وحاول التوفيق بين الآراء القبَّالية والعلم الحديث. بعد ظهور هرتزل، عاد إليه الأمل وقدَّم أفكاره حول الصندوق القومي لليهود للمؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) وكذلك حول إنشاء الجامعة العبرية.
стр. 7013
إليم دافيجدور (١٨٤١-١٨٩٥ (
Elim D'avigdor
أحد رواد حركة أحباء صهيون. وُلد في فرنسا ودرس الهندسة المدنية، وتولَّى الإشراف على مد الخطوط الحديدية في سوريا ورومانيا، كما تولَّى إقامة المنشآت المائية في فيينا. كتب عدداً من قصص الصيد باسم مستعار قبل أن يكرس جهوده لدعم الحركة الصهيونية.
قام بدور بارز في مد نشاط أحباء صهيون في أوربا الغربية، ورأس عام ١٨٩٤ فرعها في باريس الذي أطلق عليه "اللجنة المركزية". وعارض مشاريع هجرة اليهود إلى أمريكا لأنهم كلما اتجهوا صوب الغرب ازدادت المسافة التي تفصلهم عن "صهيون"، أي عما يتصور أنه الهوية اليهودية، ودعا في المقابل إلى اتباع خطة تنظيم وعمل مدروسة بعناية للاستيطان في فلسطين. وسعى ـ كخطوة أولى لتحقيق هذا الهدف ـ إلى شراء مساحات من الأراضي في منطقة حوران بُغية جعلها قاعدة للاستيطان الصهيوني، وتقديم التسهيلات اللازمة، فضلاً عن الإعفاء من دفع الضرائب خلال السنوات الأولى والتي أُطلق عليها اسم "السنوات الانتقالية".
بيرتس سمولنسكين (١٨٤٢-١٨٨٥ (Peretz Smolenskin
стр. 7014
كاتب روسي وداعية صهيوني. من مؤسسي منظمة قديما. وُلد في روسيا وتعلَّم في المدرسة التلمودية، كما تعلَّم اللغة الروسية واستقر في أوديسا مركز الثقافة الروسية اليهودية عام ١٨٦٢، ومكث فيها مدة خمسة أعوام سافر بعدها إلى فيينا واستقر نهائياً هناك. أصدر مجلة هاشاحار (الفجر) عام ١٨٦٨، وهي أهم مجلة تصدُر باللغة العبرية عبَّرت عن أفكار حركة التنوير التي كان سمولنسكين من دعاتها في مستهل حياته الفكرية، ومع هذا ظهرت المجلة في المرحلة الانتقالية التي كانت أفكار حركة التنوير قد بدأت فيها في التآكل والتحول إلى الفكر الصهيوني. وقد انتقد في مقالاته الشخصية اليهودية المتخلفة الخاضعة للتقاليد حسب قوله. ولكنه، مع هذا، هاجم موسى مندلسون باعتبار أن دعوته للتنوير كانت أيضاً دعوة للاندماج والانصهار. وقد طرح سمولنسكين في مقالاته حان وقت الزرع (١٨٧٥ ـ ١٨٧٧) تصوُّره للقومية اليهودية الروحية التي لا ترتبط بالأرض وإنما ترتبط بالتوراة (ومن الواضح تأثير أفكار جرايتز وكروكمال فيه) . وانطلاقاً من هذا التصور بإمكان اليهود أن يصبحوا مواطنين مخلصين لأوطانهم محتفظين بتضامنهم الروحي فيما بينهم، وهم أمة عالمية لأن تضامنهم روحي وليس مادياً.
стр. 7015
وقد كتب قصة انتقام الميثاق (١٨٨١) التي وصف فيها التغيير الذي طرأ على الشباب اليهودي نتيجة الاضطهاد الروسي. وتعبِّر كتاباته عن رغبته المترددة في الانتقال إلى أفكار العصر الحديث، وهي رغبة يشوبها خوف عميق من الانصهار في عالم الأغيار، وهو انصهار لا يؤدي بالضرورة للسعادة، ولهذا تنتهي قصته المتجول في سبيل الحياة (١٨٧٦) التي تمثل سيرة ذاتية بالعودة إلى الشعب. وتصف قصته مكافأة الأمين (١٨٧٥) موقف اليهود المأساوي لوقوعهم ضحية الصراع بين روسيا وبولندا عام ١٨٦٣. وتنتقد روايته قبر الحمار (١٨٧٣) تنظيمات الجماعات اليهودية. أما روايته الأخيرة فهي الميراث (١٨٧٦ ـ ١٨٨٠) . وقد صدرت ترجمته لمسرحية جوته فاوست عام ١٨٦٧.
стр. 7016
وقد تعمَّقت رؤية سمولنسكين الصهيونية بعد تعثُّر التحديث في روسيا، فاتصل بالصهيوني غير اليهودي لورانس أوليفانت طالباً منه العون للبدء في نشاط استيطاني يهودي في فلسطين. ويبدو أن سمولنسكين كان يعرف جيداً أدبيات وجهود الصهاينة غير اليهود، ففي مقاله "فلنبحث عن طريقنا" (١٨٨١) يقول: "إن الخبراء من غير اليهود، وبعض الباحثين البريطانيين المرموقين، قالوا إن الأرض [أي فلسطين] جيدة جداً وإذا استُثمرت بجد ومهارة فباستطاعتها أن تستوعب أربعة عشر مليون يهودي". ثم تبنَّى سمولنسكين الصيغة الصهيونية الأساسية، ونادى بالعودة الفعلية إلى صهيون رافضاً فكرة الهجرة إلى الولايات المتحدة، ثم انضم لجمعية أحباء صهيون. والواقع فإن جميع ملامح هذه الصيغة، بعد تهويدها، توجد في كتابات سمولنسكين، من رفض للدين اليهودي "وللهوية اليهودية المتخلفة" وإدراك أن معاداة اليهود جزء من بنية المجتمع الغربي، وأن التنوير لم يقلل حدتها "إذ أن اليهودي المتعلم منافس خطير للمسيحيين". وهو يؤمن أيضاً بأن اليهود شعب عضوي منبوذ على يد القوميات الغربية العضوية، ولذلك فإن الهجرة الفردية مستحيلة لأن الدول المتحضرة (الغربية) سترفض هجرة اليهود إليها. ويصبح الحل بذلك هو تحويل الهجرة إلى استعمار، أي أن يحل الشعب المنبوذ من قبل أوربا مشكلته عن طريق أوربا، ويتم ذلك عن طريق تطبيع اليهود وتطويعهم وتحويلهم إلى مادة استيطانية ثم نَقْلهم إلى فلسطين. وقد توصَّل سمولنسكين إلى إدراك وجود صهيونيتين: واحدة استيطانية بالنسبة ليهود الغرب المندمجين، والأخرى توطينية بالنسبة ليهود اليديشية في الشرق.
стр. 7017
ومن أهم إنجازات سمولنسكين علمنته مفهوم إرتس يسرائيل الديني بحيث تحوَّلت إلى مجرد أرض. فهو يتحدث عن ضرورة العودة للأرض لأسباب صوفية محضة مثل الارتباط الأزلي بين اليهود والأرض المقدَّسة، ثم يضيف مزايا عملية أخرى مثل أن الأرض ليست بعيدة عن مساكن اليهود، وأن رمالها ذات نوعية عالية الأمر الذي يساعد على ازدهار الاستيطان اليهودي وذلك بإقامة مصانع زجاج، ويضيف كذلك أن التجارة والزراعة والصناعة ستزدهر فيها (وهذه بدايات الديباجة الاشتراكية) . كما أن موقع الأرض سيجعلها تتحول إلى مركز تجاري يربط أوربا بآسيا وأفريقيا كما كانت منذ زمن بعيد (وهذه أيضاً بدايات عرض الدولة اليهودية كدولة وظيفية تقام للدفاع عن مصالح الاستعمار الغربي) . وهذا الخطاب المراوغ، متعدد الدلالات، هو إحدى سمات الخطاب الصهيوني بحيث تصبح كلمة «الأرض» ذات دلالة دينية للمتدين وذات قيمة استثمارية لمن ينشدون الربح. ولكن حين وصل إلى مستوى الإجراءات والتنفيذ، لم يكن سمولنسكين على المستوى نفسه من الحداثة إذ توجَّه للأثرياء الروس ولم يتوجَّه للعالم الغربي الاستعماري رغم معرفته بالصهاينة غير اليهود. ولعل تاريخ الصهيونية بعد ذلك هو الانتقال من توجهات أحباء صهيون التسللية اعتماداً على دعم أثرياء الغرب إلى الاعتماد على الاستعمار الغربي لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.
موشيه ليلينبلوم (١٨٤٣-١٩١٠ (oshe Lilienblum
стр. 7018
صحفي روسي يهودي يكتب بالعبرية، وأحد قيادات جماعة أحباء صهيون. وُلد في ليتوانيا ونشأ نشأة يهودية تقليدية تماماً، حيث درس في طفولته العلوم الدينية وتمكَّن منها إلى أن أصبح من علماء التلمود. وقد خطب له والده وهو بعد في سن الثالثة عشرة، وتزوَّج بعدها بثلاث سنوات. وقد أسس ليلينبلوم مدرستين دينيتين وعمره ٢٢ عاماً، ولكنه ما لبث أن خضع لتأثير أفكار حركة الاستنارة وحركة التنوير اليهودية والفكر الوضعي الروسي (وكان فكراً نفعياً مادياً متطرفاً) ، فقام بنشر عدة مقالات أهمها مقاله "طرق التلمود" (١٨٦٨) طالب فيه بإصلاح المجتمع والدين اليهودي الذي أصابه الأسى والركود حتى يتمكن اليهود من التكيف مع العصر، وبيَّن أن التلمود قد يكون فيه بعض الأفكار التقدمية، ولكن الشولحان عاروخ كتاب جامد ضيق الأفق. وهاجم الحاخامات، ونادى بأن التعليم هو السبيل الأوحد لإصلاح المجتمع. وانتقل ليلينبلوم إلى أوديسا عام ١٨٦٩ تاركاً زوجته الأرثوذكسية وأطفاله. وقد واجه هناك مشكلة علمنة اليهود واليهودية إذ وجد نفسه معلم العبرية والتلمود، لا جمهور لكتاباته، وبدون عمل لمدة طويلة، فقيراً على حافة الجوع. وقد بدأت الفلسفة النفعية تسيطر عليه إذ اكتشف أن ما يشغل الجماهير اليهودية ليس القضايا الفلسفية التي تشغل باله وإنما مشكلة البقاء وحسب. وعلى أية حال، فإن الفلسفات المادية تشغل نفسها دائماً بمشكلة البقاء وتُحل إرادة البقاء محل معنى الوجود في الفلسفات التقليدية.
стр. 7019
نشر ليلينبلوم في أوديسا مجموعة من المقالات الساخرة (١٨٧٠) طالب فيها بتطبيع اليهود من خلال العمل الزراعي وتنظيم العمل في الصناعة تنظيماً حديثاً. وبدأ عام ١٨٧١ في تحرير مجلة يديشية كتب فيها مجموعة من المقالات عن التعليم اليهودي في المدرسة الابتدائية الخيرية (حيدر) وفي المدرسة التلمودية العليا (يشيفاه) . كما أثار فيما بعد قضايا تحرير المرأة وسوء إدارة الجماعات اليهودية والحرية الدينية. وفي عرضه لأحد كتب أبراهام مابو، طالب ليلينبلوم بتبني رؤية مادية واقعية للحياة. وقد ظلت رؤيته طوال حياته رؤية مادية مباشرة، تنكر أهمية المعنى والخيال وتؤكد المنفعة المادية وحسب. وكتب ليلينبلوم سيرة حياته بين عامي ١٨٧٣ و١٨٧٦، وتبنَّى الاشتراكية كمذهب سياسي في الفترة ١٨٧٤ ـ ١٨٨١.
стр. 7020
ولكن، مع تعثُّر التحديث عام ١٨٨١، تحوَّل ليلينبلوم إلي الصهيونية وكتب في ذلك العام مقالاً بعنوان "طريق العودة" يلوم فيها نفسه لانقطاعه عن المشاركة مع شعبه. وأصبح أحد قادة أحباء صهيون، فأسَّس لجنة أوديسا عام ١٨٨٣. كما أصبح من أكبر مؤيدي هرتزل وإن كان قد اختلف معه بسبب عدم إدراك ليلينبلوم الطبيعة الاستعمارية الغربية للمشروع الصهيوني، ولذا فقد قلَّل من شأن أسلوب هرتزل الدبلوماسي الاستعماري وأيَّد الاستيطان التسللي. ومع هذا، حاول التوفيق بين توجُّهه والتوجه الهرتزلي الدبلوماسي. وقد أصبح فكره منذ ذلك التاريخ صهيونياً فهو ينطلق من رفض اليهودية رفضاً تاماً. ويرى أن قضية اليهود هي قضية الشعب العضوي المنبوذ في المجتمع الغربي "فهو ليس تيوتونياً عضواً في الأمة الألمانية، ولا مجرياً عضواً في الأمة المجرية، ولا سلافياً عضواً في الأمة السلافية، ولذا فهو غريب شاء أم أبى". وقد أدرك ليلينبلوم أن الحضارة الغربية قد قبلت القومية (العضوية) إطاراً، كما أدرك أن هذا التحول يعد تقدماً مع أن هذا الإطار هو نفسه الذي ينتج العداء لليهود (فالشعب العضوي يعيد إنتاج الآخرين على هيئة الشعب العضوي المنبوذ) . ومن ثم، فإن اليهود شعب لابد أن يختفي إما عن طريق الاندماج الكامل (وهو أمر عسير بل يكاد يكون مستحيلاً) أو عن طريق ترحيلهم إلى أرض خاصة بهم حيث يصبحون أمة عضوية مستقلة ودولة مستقلة، وهو ما يعني أنه عثر على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، وأدرك أنها صيغة سترضي أعضاء الجماعات اليهودية. وكان ليلينبلوم يرى أن فلسطين مكان مناسب لذلك، فعارض الهجرة إلى الولايات المتحدة كما عارض الصيغة الدبنوفية الخاصة بقومية الدياسبورا (القومية اليديشية) وطالب بدلاً من ذلك بأن "يقوم زعماء شعبنا في أوربا بالتوسط لدى زعماء تلك الدول لمساعدتنا ... بينما يقوم الثمانية ملايين يهودي وكبار أغنيائهم بجمع عشرة مليون روبل لبداية
стр. 7021
نشاطنا ... لشراء مساحات كبيرة من الأرض، من حكومة تركيا، لتوطين اليهود عليها ... ومحاولة الحصول على ترخيص، لتأسيس جمعية لاستيطان أرض إسرائيل وسوريا". وطالب ليلينبلوم بتصفية الوجود اليهودي في العالم. واصطدم ليلينبلوم كذلك بآحاد هعام واتهمه بأنه لا يزال يهوِّم في عالم الميتافيزيقا والمطلقات، فاليهود يودون البقاء من أجل البقاء ويؤمنون بالمنفعة ويجب أن يصبحوا نافعين ليس من أجل أي معنى محدد. وعلى هذا النحو، قام ليلينبلوم بنزع القداسة تماماً عن اليهود، وجَعَلهم مادة استيطانية نافعة.
ومع هذا، كان ليلينبلوم متنبهاً لبعض مشاكل المشروع الصهيوني واحتمال انقسامه إلى إثني ديني وإثني علماني، ولذا طالب في مقاله "دعونا من الخلط بين القضايا" أن يتنازل كل فريق بعض الشيء حتى لا تنقسم الأمة إلى قسمين. وإطاره المرجعي هنا هو الشعب العضوي (الفولك) المكتفي بذاته الذي له قوانينه الخاصة التي تتجاوز الزمان والمادة وتتجاوز الخلافات الوقتية. وعلى هذا، فهو يرى أن جميع اليهود مقدَّسون، المؤمنون منهم وغير المؤمنين، وإثنيتهم مصدر قداستهم وقال أيضاً: "فليتصرف كل فرد في أموره الشخصية حسبما يحلو له. أما وحدتنا الوطنية فيجب ألا تضعف ... إن هويتنا القومية هي أعز ما نملك ... وسنحميها بذاك الإخلاص الذي دافع به أجدادنا عن إيماننا"، أي أن الهوية الإثنية أصبحت في منزلة الدين وأصبحت مركز الحلول والكمون والمطلقية.
كما أدرك ليلينبلوم انقسام الصهيونية إلى صهيونية استيطانية وأخرى توطينية، فالأغنياء المندمجون لن يرحلوا، ولذا فقد حدد لهم دورهم التوطيني "فليشتر كل منهم قطعة أرض في أرض إسرائيل" تُعطَى لأحد المستوطنين ولا داعي لأن يهاجروا هم، أما الفقراء "فهؤلاء هم [المادة الاستيطانية الحقة] الذين سيهاجرون حيث سيحققون حراكاً اجتماعياً".
стр. 7022
ثم يتوجَّه ليلينبلوم للجوانب التنظيمية ولكن ملاحظاته في هذا الشأن ساذجة ومتناثرة (تنظيم يانصيب يهودي، وفرض ضرائب على حفلات الزفاف اليهودية ... إلخ) . ولكنه، مع هذا، وضع إطاراً لاستثمار أموال أثرياء الغرب المندمجين وتوظيفها في خدمة المستوطنين.
كتب ليلينبلوم عدة كتب نُشرت بعد موته في أربعة أجزاء، كما طُبعت خطاباته. وقد جمع ليلينبلوم مقالاته عن الإحياء القومي بعنوان الولادة الجديدة لليهود في أرض آبائهم وكانت بمنزلة برنامج للإحياء القومي والأولى من نوعها باللغة الروسية (وقد سبقتها كتابات بنسكر بالألمانية)
ألبرت جولدسميد (١٨٤٦ – ١٩٠٤)
Goldsmid
стр. 7023
صهيوني يهودي من أصل مسيحي ومن رواد الحركة الصهيونية. وُلد في الهند لعائلة إنجليزية يهودية تحولت إلى المسيحية وكانت تعتبر نفسها من نسل المكابيين القدامى. التحق بالكلية العسكرية الملكية، ونُقل مع فرقته إلى الهند، واشترك في الحرب في جنوب أفريقيا. وقد اكتشف جولدسميد بعد وفاة أبيه أن "الدم اليهودي يجري في عروقه"، فاعتنق اليهودية بصورة علنية وهو في الرابعة والعشرين من عمره. انضم إلى جمعية أحباء صهيون في بريطانيا، وزار فلسطين عام ١٨٨٣ برفقة لورانس أوليفانت لبحث وسائل تعزيز الاستيطان اليهودي هناك. وأخذ يلح بعد عودته إلى بريطانيا على تشكيل «لجنة فلسطين» لتنشيط الهجرة اليهودية عن طريق المساعدات المنظمة. وقد انصرف بعد ذلك إلى العمل على توحيد جمعيات أحباء صهيون في بريطانيا ووضعها تحت سلطة واحدة. وتولَّى رئاستها عام ١٨٩٣. فأخذ في إضفاء الطابع العسكري عليها؛ إذ سُمِّيت اللجنة التنفيذية «مقر القيادة» واستبدل بمنصب «الرئيس» رتبة «الزعيم» واستبدل بلفظ «جمعية» لفظ «خيمة» ، وأصبحت حركة أحباء صهيون بالتالي تتألف من «خيام» تحت أمرة قادة عسكريين يدينون له بالولاء. وقد وضع جولدسميد برنامج الحركة الذي ركز على استعمار فلسطين والأراضي المجاورة لها عن طريق التوسع في المستعمرات أو تدعيم المستعمرات القديمة، وأكد أن حل المسألة اليهودية لن يتم إلا بقيام دولة يهودية تضمنها الدول الكبرى في إرتس يسرائيل. كما قام جولد سميد بوضع خريطة عبرانية لفلسطين.
стр. 7024
وقد تعاون جولد سميد مع البارون دي هيرش في مشاريعه لتوطين اليهود في الأرجنتين، وأشرف على إدارة المستعمرات اليهودية هناك، إلا أنه كان من معارضي الاستيطان اليهودي في أي مكان غير فلسطين، وكان يرى أن مستوطنات الأرجنتين ليست سوى "دار حضانة لفلسطين". وقد التقى عام ١٨٩٥ مع هرتزل الذي قال له إن "فلسطين وحدها هي التي تستحق الاهتمام". ولكنه لم يتعاون معه بشكل فعال إلا بعد استمالة عائلة روتشيلد في لندن لصالح الدعوة الصهيونية، فاشترك في البعثة التي قامت بدراسة أوضاع العريش وكان سكرتيرها، وحضر المؤتمر الصهيوني السادس (١٩٠٣) ، كما شارك مع هرتزل وجرينبرج في المفاوضات مع كرومر (المندوب السامي البريطاني في القاهرة) عامي ١٩٠٢ و١٩٠٣ بشأن الاستيطان اليهودي في العريش. ويُقال إن شخصية دانيال ديروندا في رواية جورج إليوت التي تحمل هذا العنوان هي صياغة أدبية لشخصية جولدسميد.
يهيل تشيلنوف (١٨٦٣-١٩١٨ (
Jehiel Tschelenov
قائد صهيوني روسي وُلد في أوكرانيا لأسرة ثرية حسيدية الأصل. تخرَّج في كلية الطب بموسكو عام ١٨٨٨ وصار طبيباً شهيراً. تغيَّر اهتمامه السياسي من الإيمان بالأفكار الشعبوية إلى الصهيونية بعد مذابح ١٨٨١. اشترك في جمعية أحباء صهيون وشارك في منظمة هرتزل بعد تردُّد.
رفض مشروع أوغندا بشدة وربط بين الهدف السياسي الصهيوني والاستيطان في أرض إسرائيل. وتزايد دوره مع تزايد دور الروس في الحركة التوطينية الصهيونية وانتُخب في المؤتمر العاشر (١٩١١) عضواً في اللجنة التنفيذية. وقد اشترك تشيلنوف في المفاوضات التي أدَّت إلى وعد بلفور ومات في لندن.
شماريا ليفين (١٨٦٧-١٩٣٥)
Shmarya Levin
قائد صهيوني ومؤلف بالعبرية واليديشية. شارك في حركة أحباء صهيون منذ صباه، وكان أحد أتباع آحاد هعام. كما اشترك في جمعية أبناء موسى، وانتُخب للبرلمان الروسي ودافع عن حقوق اليهود.
وبعد أن حلت حكومة القيصر الدوما، وقَّع على بيان يدين الحكم القيصري المطلق، فأُجبر على مغادرة روسيا. وبعد أن استقر في برلين، أسَّس معهد التخنيون في حيفا. وكان من الصهاينة التسلليين. وفي عام ١٩٢٠، عارض مشروع شرق أفريقيا بشدة. وفي وقت لاحق، ترأَّس قسم الدعاية في الصندوق القومي. وتوفي ليفين في حيفا عام ١٩٣٥.
стр. 7025
الباب الثامن: تيودر هرتزل
هرتزل: حياته (١٨٦٠-١٩٠٤)
Theodor Herzl: Biography
هو مؤسِّس الحركة الصهيونية. وضع نهاية للصهيونية التسللية وجهودها الطفولية، ونجح في تطوير الخطاب الصهيوني المراوغ، كما نجح في إبرام العقد الصهيوني الصامت بين العالم الغربي والمنظمة الصهيونية باعتبارها ممثلاً غير منتخب ليهود العالم، وهو ما جعل توقيع وعد بلفور؛ أهم حدث في تاريخ الصهيونية، ممكناً. وقد خرجت كل الاتجاهات الصهيونية من تحت عباءته أو من ثنايا خطابه المراوغ.
والواقع أن شخصية هرتزل تجعله في وضع مثالي يؤهله لأن يكون جسراً موصلاً بين العالم الغربي والجماعات اليهودية فيه، وبين يهود الغرب المندمجين ويهود اليديشية. فقد كان شخصية هامشية مثل يهود المارانو يقف على الحدود، فهو يهودي غربي مندمج لم يبق من يهوديته سوى قشرة، أي أنه يهودي غير يهودي. ومع هذا، فهو يصنف على أنه يهودي، ولذا فهو يملك أن يتحدث للغرب باعتباره غربياًـ وأن يتحدث ليهود اليديشية باعتباره يهودياً. فسطحية انتمائه هو ما جعل منه جسراً مثالياً ومعبراً مريحاً.
стр. 7026
وقد بيَّن المفكر الصهيوني جيكوب كلاتزكين المولود في روسيا أن هرتزل هو ثمرة الوعي الإنساني العالمي (أي الغربي) لا ثمرة وعي ثقافي يهودي منحط (من شرق أوربا) ، وكلاتزكين مُحقٌّ في ذلك إلى حدٍّ كبير (مع عدم قبولنا لتقييماته وتحيزاته) . ولكنه، على أية حال، أهمل أهمية القشرة اليهودية السطحية في تكوين هرتزل، فهي التي أكسبته الشرعية أمام جماهير شرق أوربا اليهودية وأظهرته بمظهر اليهودي الغربي العائد إليهم، ولهذا فقد اعتبروا عودته إحدى علامات آخر الأيام.
ولم يكن هرتزل سوى واحد من جيل طويل من اليهود المغتربين الذين كانوا يتنصرون لإعلان ولائهم الغربي (مثل دزرائيلي ووالد ماركس وهايني) . ولكنهم، مع ازدياد العلمانية في الحضارة الغربية، أصبح بإمكانهم الانتماء إلى الغرب بلا تنصُّر، فالغرب نفسه كان قد بدأ يفقد مسيحيته.
ولم تكن هامشية هرتزل وحدها هي التي ترشحه لأن يكون الجسر الموصل، وإنما نرى أن سطحيته الفكرية ساهمت إلى حدٍّ كبير في ذلك. ولأنه كان يظل دائماً على سطح الأشياء، لم يدرك عمق التناقضات بين الصهيونية الغربية وصهيونية شرق أوربا، وهو ما جعله قادراً على أن يصل للصيغة المراوغة التي سترضي الجميع دون أن يضطر أحد للتنازل عن شيء. وأعتقد أن عبقريته التي تتحدث عنها التواريخ الصهيونية تكمن هنا.
стр. 7027
وُلد تيودور هرتزل عام ١٨٦٠ لأب تاجر ثري. وكان يحمل ثلاثة أسماء، أهمها اسمه الألماني «تيودور» ، وثانيها اسمه العبري «بنيامين زئيف» ، وثالثها اسمه المجري «تيفا دارا» . والتحق تيودور الصغير بمدرسة يهودية وعمره ست سنوات لمدة أربعة أعوام انقطعت بعدها علاقته بالتعليم اليهودي. ولذا، لم يُقدَّر له أن يَدرُس العبرية، بل لم يكن يعرف الأبجدية نفسها. والتحق بعد ذلك بمدرسة ثانوية فنية، ومنها التحق بالكلية الإنجيلية ١٨٧٦ وعمره ١٥ سنة (أي أنه التحق بمدرسة مسيحية بروتستانتية، ولعله تَلقَّى تعليماً دينياً مسيحياً هناك) ، وأنهى دراسته عام ١٨٧٨. وكانت أسرة هرتزل مجرية النسب. إلا أنها، ضمن مجموعة من اليهود، قاومت عملية المجيرة (أي صبغها بالصبغة المجرية) واحتفظت بولائها لألمانيا (مثل كثير من يهود المجر: ماكس نوردو وجورج لوكاش وغيرهما) . ولذا، نزحت الأسرة إلى فيينا عام ١٨٧٨. وكان عدد اليهود في فيينا آنذاك (١٨٨١) لا يزيد على عشرة آلاف يهودي، ولكن تَعثُّر التحديث في شرق أوربا أدَّى إلى دَفْع جحافل اليهود إلى وسط وغرب أوربا بحيث بلغ عددهم عام ١٨٩٩ ما يزيد على ١٠٠ ألف، أي أنهم زادوا عشرة أضعاف خلال أقل من عشرة أعوام.
التحق هرتزل بجامعة فيينا وحصل على دكتوراه في القانون الروماني عام ١٨٨٤ وعمل بالمحاماة لمدة عام، ولكنه فضل أن يكرس حياته للأدب والتأليف. ومع هذا، ظلت عقليته أساساً عقلية قانونية تعاقدية، فنشر ابتداءً من عام ١٨٨٥ مجموعة من المقالات، وكتب بعض المسرحيات التي لم تلاق نجاحاً كبيراً من أهمها مسرحية الجيتو الجديد (١٨٩٤) التي تقدم صورة متعاطفة مع بطلها، إلا أنها تقدم اليهود من خلال الأنماط المعروفة في تراث معاداة اليهود في الغرب. وتنتهي المسرحية بأن يطلب البطل الخروج من الجيتو العقلي المضروب حوله، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استحالة هذه العملية.
стр. 7028
ولعل بطل المسرحية يشبه من بعض الوجوه زعماء الحركة الصهيونية في تلك المرحلة، هرتزل وبنسكر ونوردو وجابوتنسكي وغيرهم ممن حاولوا الاندماج في الحضارة الغربية وحاولوا تَرْك تراثهم تماماً ونسيان هويتهم اليهودية (الإثنية والدينية) . ولكنهم تصوروا أنهم لم يوفقوا في مساعيهم ولم يتمكنوا من العودة بسبب بعض مظاهر معاداة اليهود أو بسبب تصنيف المجتمع لهم على أنهم يهود. فهم يهود رغم أنفهم، يهود وغير يهود. وقد وَصَفهم نوردو هم وأمثالهم وصفاً دقيقاً في المؤتمر الصهيوني الأول (١٩٨٧) : "يسرع اليهود المندمجون إلى قَطْع خطوط رجعتهم وذلك بتأثير نشوة وضعهم الجديد. لقد أصبح عندهم الآن بيوت جديدة فلم يعودوا بحاجة إلى عزلتهم. أصبح لديهم الآن معارف جدد، فهم غير مجبرين على العيش مع إخوانهم في الدين، وتحوَّل الشعور بالاختلاف إلى تعمُّد التقليد الأعمى". لقد فقد هؤلاء المندمجون هويتهم الإثنية وهويتهم الدينية "لقد فقدوا ذلك الإيمان الذي قد يساعدهم على تحمُّل العذاب واعتباره مجرد قصاص من الإله، كما فَقَدوا الأمل في مجيء الماشيَّح الذي سيوجههم إلى المجد في يوم عجيب". وكلما حاولوا التهرب من اليهودية حتى عن طريق التنصُّر، تدفع بهم معاداة اليهود بعيداً عن هدفهم. ولذا، فإنهم يصبحون "المارانو الجدد" أي مسيحيون من الخارج يهود من الداخل. ولكن منطق نوردو نفسه يجعلنا نعتقد أن يهوديتهم الداخلية ضعيفة هامشية، تماماً مثل يهودية المارانو.
стр. 7029
وفي عام ١٨٨٩، تزوج هرتزل من جولي نتشاور وكانت من أسرة ثرية كان يأمل هرتزل أن يحل من خلالها بعض مشاكله المالية. ولكن الزواج لم يكن موفقاً بسبب ارتباط هرتزل الشديد بأمه التي غذت أحلامه، فقد قامت نشأته على تصوُّر من ينتدب نفسه لتحقيق عظائم الأمور ويحلم بأنه صاحب رسالة في الحياة. ويبدو أن مما عقَّد الأمور، عدم حماس الزوجة للتطلعات الصهيونية لدى زوجها. ولعل مشاكل هرتزل الجنسية لعبت دوراً في ذلك، إذ يبدو أنه أصيب بمرض سري (شأنه شأن نيتشه معاصره) وتنقَّل في عدة مصحات للاستشفاء من هذا المرض.
وفي عام ١٨٩١، التحق هرتزل بصحيفة نويا فرايا براسا أوسع الصحف النمساوية انتشاراً، وأُرسل إلى باريس للعمل مراسلاً للصحيفة هناك (حتى عام ١٨٩٥) حينما عُيِّن رئيساً لتحرير القسم الأدبي في الصحيفة وبقى في عمله حتى وفاته.
وهنا قد يكون من المفيد التوقف قليلاً للتحدث عن هوية هرتزل التي كانت تقف بين عدة انتماءات دينية إثنية متنوعة (ألمانية ـ مجرية ـ يهودية ـ بل مسيحية) دون أن ينتمي لأيٍّ منها أو يُستوعَب فيها. فإذا نظرنا لانتمائه اليهودي، فإننا نجد أنه يرفض الدين اليهودي والتقاليد الدينية اليهودية. والواقع أن زوجته كان مشكوكاً في يهوديتها، وقد رفض حاخام فيينا إتمام مراسم الزواج. كما أن هرتزل لم يختن أولاده ولم يكن الطعام الذي يُقدَّم في بيته «كوشير» ، أي مباحاً شرعاً. أما تَصوُّره للإله، فلم يكن يستند إلى العقيدة اليهودية بقدر استناده إلى فلسفة إسبينوزا بنزعته الحلولية التي توحِّد الإله والطبيعة، فهي حلولية وحدة الوجود أو حلولية بدون إله (وقد طُرد إسبينوزا نفسه من حظيرة اليهودية ولم يَتبنَّ ديناً آخر، ولهذا فإنه يُعَدُّ أول يهودي إثني في العصر الحديث) . وقد تأثر هرتزل بتعاليم شبتاي تسفي الماشيَّح الدجال وظل مشغولاً به وبأحداث حياته.
стр. 7030
أما من الناحية الثقافية، فإن هرتزل كان ابن عصره، يجيد الألمانية والمجرية والإنجليزية والفرنسية. ويبين أحد مؤرخي الحركة الصهيونية أن اتخاذ هرتزل دور الداندي (أي الوجيه الذي يبالغ في الأناقة) وتَظاهُره بأنه من الأرستقراطيين هو القناع الذي كان يختبئ وراءه ليهرب من هويته اليهودية. وكان هرتزل لا يعرف العبرية، وقد تساءل علناً وبسخرية (في المؤتمر الصهيوني الثالث [١٨٩٩] ) عما يُسمَّى «الثقافة اليهودية» . وحينما قرَّر مجاملة حاخامات مدينة بازل، اضطر إلى تأدية الصلاة في كنيس المدينة قبيل افتتاح المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ، كما اضطر إلى تعلُّم بضع كلمات عبرية لتأدية الصلاة. وكان المجهود الذي بذله في تعلُّمها أكبر من المجهود الذي بذله في إدارة جلسات المؤتمر بأسرها (حسب قوله) . ومما له دلالة عميقة أن هرتزل كان يرى أنه دزرائيلي يهودي، ودزرائيلي هو اليهودي المُتنصِّر الذي دخل عالم الغرب من خلال باب غربي وبشروط غربية بعد أن تخلَّى عن يهوديته أو الجزء الأكبر منها. أما هرتزل فقد فعل مثله تماماً باستثناء التخلي عن القشرة اليهودية المتبقية.
стр. 7031
ولكن، ورغم ابتعاده عن الثقافة اليهودية، نجده متأثراً بعقيدة الماشيَّح المخلّص، ونجد أن ذكرها يتواتر في مراسلاته ومذكراته بأسلوب ينم عن الإيمان بها وإن كان الأمر لا يخلو من السخرية منها في آن واحد. وكان اهتمامه ينصب على الماشيَّح الدجال شبتاي تسفي. وقد استخدم هرتزل كلمة «الخروج» التوراتية ليشير إلى مشروعه الاستيطاني، الأمر الذي يدل على أن الأسطورة التوراتية كانت تشكل جزءاً من إطاره الإدراكي. وتتداخل الأساطير الحديثة مع الأساطير اليهودية، ونجده يعتبر أن فرديناند ديليسبس مَثَله الأعلى في الحياة، ونجده يرى أن الكهرباء هي الماشيَّح المنتظر (وهذا امتداد لرؤية إسبينوزا للإله) . لكل ذلك، لا يمكن القول بأنه كان يهودياً حقاً (كما هو الحال مع حاخامات الحسيديين مثلاً) ولا حتى بالمعنى الإثني (كما هو الحال مع وايزمان وآحاد هعام) ، ولا هو مندمج تماماً (كما هو الحال مع إدوين مونتاجو وأثرياء يهود إنجلترا) ، فهو مُعلَّق في الهواء في منطقة حدودية تلتقي فيها الحلولية الكمونية اليهودية بالحلولية الكمونية العلمانية.
هذه الهوية الهامشية التي تقف على حافة الهويات الأخرى كانت أمراً مقبولاً حسب تعريف الهوية في الإمبراطورية النمساوية/ المجرية، فهو تعريف لم يكن محدداً أو ضيقاً وإنما كان (كما هو الحال دائماً مع الإمبراطوريات) تعريفاً رحباً سمحاً يسمح بتعايش التناقضات. ولهذا، فقد كان من الممكن أن يسمح بوجود مثل هذه الشخصية التي لا تنتمي لليهودية من الناحية الدينية أو الإثنية. ومع هذا، كان بإمكانه التحدث عن نفسه كيهودي دون أن يثير الضحك، كما كان بإمكانه أن يتحدث عن القومية اليهودية والانفصال اليهودي (وقد كان هو شخصياً يتمتع بالاندماج)
стр. 7032
ولعل هامشية الانتماء الحضاري هذا يفسر جانباً آخر من شخصية هرتزل وهو ذكاؤه الحاد وسطحيته الشديدة. وقد وَصَفه مؤرخ الصهيونية وولتر لاكير بأن تفكيره يتصف بالتبسيط الشديد. ووَصَفه مؤرخ آخر هو حاييم فيتال، في أكثر من مكان، بأنه ذكي دون أن يكون عميقاً، وأنه لم يكن يدرك كثيراً من الأبعاد السياسية لعصره. أما شلومو أفنيري، فيرى أن كتاباته قد تكون متألقة لامعة ولكنها ينقصها العمق الروحي، كما تحدَّث عن "الجانب الخفيف" في طبيعته، أي سطحيته.
ويطرح السؤال نفسه: كيف تتمكن شخصية هامشية سطحية (رغم كل ذكائها) ، شخصية لم يكن عندها مصادر مالية، تقف ضدها كل المؤسسات الدينية والمالية اليهودية ولم يكن لديها تنظيم، أن تفرض نفسها بهذا الشكل؟
يفسر أحد مؤرخي الحركة الصهيونية (شلومو أفنيري) هذه الأعجوبة بسببين أولهما: كفاح هرتزل البطولي الذي يكاد يكون جنونياً، وثانيهما: اكتشافه الرأي العام العالمي وألاعيب الإعلام. بل يضيف قائلاً: "إن المشروع الصهيوني قد نجح إلى حدٍّ كبير، حتى الوقت الحاضر، في الوقوف ضد قوة السياسة والتاريخ"، بسبب الرأي العام. ولعل هذا قد يفسر بعض أسرار نجاح هرتزل، ولكنه لا يصلح بأية حال لتفسير نجاحه في تَخطِّي الحاخامات والأثرياء وجمعيات أحباء صهيون وأن يفرض نفسه فرضاً على الجميع ويتحدث باسم يهود أوربا الذين لم يعطوه الصلاحية لأن يفعل ذلك.
стр. 7033
ولكننا نعتقد أن نجاحه يكمن في نقط قصوره وهامشيته وذكائه السطحي، إذ تضافرت هذه العوامل وجعلته قادراً على أن يصل إلى الصيغة التي تفتح الطريق المسدود الذي كانت الصهيونية (بشقيها اليهودي وغير اليهودي) قد دخلته. فهامشيته جعلته قادراً على أن ينظر مثلاً لليهود من الخارج على طريقة العالم الغربي «كمادة بشرية» (المصطلح الذي استخدمه في دولة اليهود) يجب التخلص منها أو توظيفها. ولذا، فإن اهتمامه باليهود كان اهتماماً غربياً. ولعل هذا يفسر أن الحلول الأولى التي طرحها للمشكلة اليهودية تتسم بكثير من السوقية الفظة، كأن يقترح تعميد اليهود في كاتدرائية القديس بول في روما.
وكما بيَّنا من قبل، لم يكن هرتزل يعرف شيئاً عن عالم اليهود ولكنه كان يعرف بعض الشيء عن شخصيات الاستعمار الغربي مثل بنجامين دزرائيلي وسيسل روديس وهنري ستانلي، وعن موازين القوى وعن رجل أوربا المريض وعن التشكيل الاستعماري الغربي.
ورغم كل هذا ورغم إعجابه الشديد بمؤسسات الحضارة الغربية، ابتداءً من العقلية الألمانية وانتهاءً بالمشروع الاستعماري والتكنولوجيا الغربية، إلا أنه اكتشف أن هذه الحضارة قد أوصدت أبوابها دونه أو على الأقل دون الاندماج التام الذي كان يطمح إليه، فتعرَّض لتمييز عنصري ولسخرية لأنه يهودي، فتذكرة الدخول للحضارة الغربية والاندماج الكامل فيها كان لا يزال اعتناق المسيحية (كما اكتشف هايني) . ولعل انتماءه إلى جماعة شبابية للمبارزة، وهي جماعة ذات مُثُل قومية ألمانية عضوية، دليل على حرصه على الانتماء الألماني. ولكن الجمعية اتخذت قراراً عام ١٨٨١ بعدم ضم أعضاء يهود جدد فقرر الاستقالة احتجاجاً على القرار (ولكن مما له دلالته أن صاحب الاقتراح كان هو نفسه شخصية هامشية، فهو نمساوي من أصل يهودي) .
стр. 7034
إن هرتزل بهذا المعنى مثال جيد على «اليهودي غير اليهودي» ، ولذا كان بإمكانه أن يلعب دور الجسر الموصل، فينظر إليه الغرب على أنه رسولهم إلى اليهود وينظر إليه اليهود على أنه رسولهم للغرب. وهو شخصية هامشية حدودية يستطيع الغرب أن يراه على أنه اليهودي الذي يحمل مُثلاً غربية لليهود فيُفهِّمهم ويساعدهم، وبإمكان اليهود أن يروه الغربي الذي يفهم المسألة اليهودية من الداخل ويعاني منها معهم ويمكن أن يشرح حالتهم للعالم الغربي.
ومما له دلالته أن هرتزل لم يكن يُفرِّق بين صهيونية غير اليهود وصهيونية اليهود، فهو في مذكراته يَقرن موسى هس بدزرائيلي بجورج إليوت كممثلين للفكرة الصهيونية. وإذا قرنَّا كل ذلك بجهله بفكر "رجل يُدعى بنسكر" كان يعيش في أوديسا بل بكل ما هو يهودي، لأصبح من الممكن أن نتحدث عنه باعتباره نتاج صهيونية غير اليهود وأن أصوله اليهودية مسألة عرضية.
وقد ظهر هرتزل في مرحلة كانت صهيونية غير اليهود وصهيونية شرق أوربا فيها قد دخلت طريقاً مسدوداً، فالفريق الأول كان ينظر لليهود من الخارج وكان الثاني لا ينظر إلى الخارج أبداً، أما هو فيهودي غربي، أو إن أردنا الدقة لا هو من شرقها ولا هو من غربها وإنما من وسطها، يقف بين شرقها المتعثر وغربها المندمج. ورغم أنه يهودي كُتب عليه المصير اليهودي، إلا أنه كان كصحفي نمساوي يتحرك بكفاءة في الأوساط الغربية كما كان يتحدث لغتها. وقد قال هو نفسه إنه "تعلَّم في باريس كيف يدار العالم". وكان قد ذهب إلى باريس وعمره ٣١ عاماً وتركها وعمره ٣٥ عاماً.
стр. 7035
وقد كانت جماهير شرق أوربا تنظر إليه لا باعتباره من وسط أوربا وإنما باعتباره غربياً، واعتُبرت عودته لها إحدى علامات آخر الأيام. وقد عبَّر وايزمان عن هذا الإحساس خير تعبير، بأسلوبه المتورم دائماً حين قال: "أتى هرتزل من عالم غريب لم نعرفه فركعنا أمام النسر الذي جاء من تلك البلاد [ولنلاحظ الصورة الوثنية هنا، فالنسر علامة القوة ورمز عالم الأغيار بكل تأكيد] . ولو أن هرتزل قد تتلمذ في مدرسة دينية (حيدر) لما تبعه أحد من اليهود [يعني يهود شرق أوربا] لقد سحر اليهود لأنه ظهر في قلب الثقافة الأوربية".
ولكن هرتزل عاد إلى الشرق بشروطه الغربية، عاد ليُخرج يهود اليديشية من نطاق يهوديتهم التقليدية، أو كما قال نوردو "ليُخرج كل جهودهم الصهيونية من إطار الكنيس والاجتهادات الدينية"، لقد عاد كما عاد هس من قبله وكما يفعل الصهاينة من بعده.
ولا ندري بالضبط سبب العودة التي تبدو فجائية، ولكننا نعتقد كما ذكرنا أن الهامشية كانت بكل تأكيد أحد الأسباب التي أهلته للعودة، كما أن تَفاقُم المسألة اليهودية مع عقم الحلول الصهيونية المطروحة كانت سبباً آخر. ولعل رفض إحدى مسرحياته عام ١٨٩٥ له علاقة ما بالموضوع، وهو أمر يَصعُب البت فيه، ولكننا نعرف أن ملامح الحل الصهيوني كانت قد بدأت تختمر حينذاك في عقله وأنه قرَّر في شتاء ذلك العام أن يبدأ جهوده السياسية أو الدبلوماسية، وهي جهود لم تكن بعيدة على كل حال عن جهوده الأدبية، إذ تبدأ اليوميات بالحديث عن الدولة اليهودية كما لو كانت رواية.
стр. 7036
وما بين ربيع عام ١٨٩٥ وشتائه، اختمرت فكرة الدولة اليهودية في عقل هرتزل، ثم قرَّر أن يسجل أفكاره في كتيب ففعل ذلك في خمسة أيام ونشر موجزاً في جويش كرونيكل ثم نشرها في ١٤ فبراير ١٨٩٦ بعنوان دولة اليهود: محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية. وقد ألَّف هرتزل الكتيب بالألمانية ونشر منه بين عامي ١٨٩٦ و١٩٠٤ خمس طبعات بالألمانية وثلاثاً بالروسية وطبعتين بكلٍّ من العبرية واليديشية والفرنسية والرومانية والبلغارية. وقد أصر هرتزل على أن يضع لقبه العلمي (دكتوراه في القانون) بجوار اسمه (ليؤكد حداثة حله) . والكراسة مكونة من ٣٠ ألف كلمة (وتقع في ٦٥ صفحة في طبعتها الأصلية) وأسلوبها واضح بسيط لا يتسم بأي عمق أو تفلسُف. وقد وصف هرتزل كتابه بأنه ليس حلاًّ وحسب، وإنما هو "الحل الوحيد الممكن". وطالب بألا يُنظَر إليه على أنه يوتوبيا، فهو مشروع محدد قوته الدافعة هي مأساة اليهود الذين يُعامَلون كغرباء، أي أنه من البداية حدَّد مجال اهتمامه فهو ليس إيجابياً (هوية التراث اليهودي) وإنما سلبي (اضطهادهم) . والواقع أن سيرة هرتزل بعد ذلك التاريخ هي سيرة الحركة الصهيونية التي كانت تدور حوله بالدرجة الأولى.
стр. 7037
وقد اختفى نسل هرتزل نهائياً، فكبرى بناته بولين (١٨٩٠ ـ ١٩٣٠) كانت مختلة عقلياً وطُلِّقت من زوجها وأصبحت صائدة للرجال ومدمنة للمخدرات. أما أخوها هانز (١٨٩١ ـ ١٩٣٠) الذي لم يختن طيلة حياته، مخالفة للتعاليم اليهودية، فقد أصيب بخلل نفسي واكتئاب شديد ثم تَحوَّل إلى المسيحية وانتحر يوم وفاة أخته. أما الابنة الصغرى، فقد ترددت على كثير من المصحات حتى ماتت عام ١٩٣٦. وقد نشأ ابنها ـ وحفيد هرتزل الوحيد ـ في إنجلترا حيث غيَّر اسمه من نيومان (اسم ذو نكهة يهودية) إلى نورمان (اسم ذو نكهة أنجلو ساكسونية) ، وكان يعمل ضابطاً في الجيش الإنجليزي. وبعد أن ترك الخدمة عُيِّن مستشاراً اقتصادياً للبعثة البريطانية في واشنطن حيث انتحر بأن ألقى بنفسه من على كوبري في النهر.
أفكارهرتزل
Herzl's Ideas
هرتزل ليس صاحب فكر وإنما صاحب أفكار وانطباعات متناثرة في نصوص كثيرة لا يتسم معظمها بالذكاء أو التسلسل المنطقي أو الوضوح أو التماسك، فهو ينتقل من نقطة إلى أخرى ثم يعود إليها، ولا يتعمق في أيٍّ من النقاط التي يطرحها. ولذا فيمكنه أن يطرح حلاًّ للمسألة اليهودية بكل جراءة دون إدراك لتضميناته الفلسفية والعملية. وسنحاول في هذا المدخل أن نجمع شتات أفكاره فيما يشبه النسق المتكامل، وهو نسق ليس فيه ارتباط كبير بين المقدمات والنتائج وإنما يتسم بالترهل والهلامية، وهو مليء بالثغرات لعل هرتزل تركها عمداً كي يملأها كل من يقرأ نصه بالطريقة التي تروق له. والنصوص التي سنستخدمها هي دولة اليهود، والخطاب الذي ألقاه هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ، ويومياته. كما سنشير إلى رواية الأرض القديمة الجديدة وبعض تصريحات أصدقاء هرتزل المقربين، أمثال ماكس نوردو، لتوضيح نقطة ما أو مفهوم كامن لم يتضح تماماً في كتابات هرتزل نفسها.
стр. 7038
يَصدُر هرتزل عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، ولكنه طوَّر الخطاب الصهيوني المراوغ وهو ما فتح الباب لتهويد الصيغة الأساسية. وقد يكون الخطاب المراوغ أحد أهم إسهاماته في عملية تطوير الفكر الصهيوني والحركة الصهيونية، فهرتزل يقدم حله للأطراف المعنية بصياغة مراوغة تجعل من الصعب على أي طرف رفض الصيغة، إذ أنها ستُرضي الجميع وستتعايش داخلها التناقضات، وهي صيغة منفتحة جداً تسمح بكل التحورات والتلونات، كالحرباء كل شيء فيها يتغيَّر إلا عمودها الفقري (يستخدم هرتزل صورة الحرباء المجازية للإشارة إلى يهود الغرب في عصره الذين يتلونون ببيئتهم. وفي العصور الوسطى، كان يشار لليهود بأنهم إسفنجة تمتص أي شيء، وهما صورتان مجازيتان متقاربتان في أنهما يؤكدان عدم وجود حدود صلبة، حيث الداخل والخارج متماثلان أو متداخلان رغم وجود "داخل" و"خارج") . ويمكن القول بأن الصياغة الهرتزلية المراوغة هي محاولة أولية لتهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة حتى تستطيع المادة البشرية المُستهدَفة استيعابها، أو هي على الأقل محاولة لفتح الصيغة الأساسية الشاملة المصمتة حتى يمكن استيعاب الديباجات اليهودية ومن ثم يمكن تهويدها.
وقد ساعدته الصياغة المراوغة على وضع إطار تعاقدي بين يهود الغرب والعالم الغربي، نشير إليه باعتباره «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» الذي يُعبِّر عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ولكن المراوغة جزء من اتجاه أهم وأشمل في كتابات هرتزل، فقد قرَّر تحديث فَهْم المسألة اليهودية وتحديث الحلول المطروحة ومحاولة تقديم حل رشيد. والواقع أن المفتاح الحقيقي لفهم كتابات هرتزل هو العنوان الفرعي لكتابه دولة اليهود: محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية.
стр. 7039
ولا تتبدَّى حداثة هرتزل في الأفكار وحسب وإنما تتبدَّى كذلك في النبرة الهادئة، وهو يَصدُر عن فكرة الشعب العضوي المنبوذ ويفسره ويطرح حلولاً عملية للموضوع:
١ ـ الشعب العضوي المنبوذ.
يذهب هرتزل إلى أن معاداة اليهود أساسية في الحضارة الغربية لا مجال للتخلص منها، فهي إحدى الحتميات العلمانية التي تعلَّمها هرتزل من داروين وغيره، ولذا فهو يقابل الظاهرة بكثير من الهدوء والتجرد ويفسرها على عدة أسس:
أ) أساس تاريخي اجتماعي.
تَطوَّر اليهود داخل الجيتو وأصبحوا جزءاً من الطبقة الوسطى المسيحية التي لن تتردد في أن تلقي بهم للاشتراكية، فاليهود قوة مالية مستقلة ونفوذ اقتصادي رهيب. ولذا، فإن الشعوب المسيحية تدفع عن نفسها هذه السيطرة "فليس بمقدورهم أن يخضعوا لنا في الجيش والحكومة وفي جميع مجالات التجارة". وتتضح حداثة هرتزل في هدوئه وهو يستنتج مشروعية معاداة اليهود، فهي "شكل من أشكال الدفاع عن النفس" والمعادون لليهود بطردهم إياهم كانوا ببساطة يدافعون عن أنفسهم. السبب الكامن وراء معاداة اليهود، إذن، سبب موضوعي اجتماعي بنيوي هو المنافسة التجارية. ولكن هرتزل يضيف سبباً آخر هو "التعصب الموروث"، وهو سبب ذو بُعد تاريخي. ولعل هرتزل كان يعني بذلك أن المنافسة التجارية في المجتمعات الغربية البورجوازية كان يجب ألا تؤدي بالضرورة إلى معاداة اليهود. ولكن بسبب التعصب الموروث، أو بسبب أنماط الإدراك التقليدية الموروثة عن العصور الوسطى، أدَّى نجاح اليهودي في المجتمع البورجوازي إلى رفضه.
ب) أساس عرْقي.
كان هرتزل يرى أحياناً أن اليهود عرْق مستقل، ولذا فقد تحدَّث عن أنوفهم المعقوفة المشوهة وعيونهم الماكرة المراوغة. وكثيراً ما تحدَّث عنهم من خلال الأنماط العرْقية التقليدية الشائعة في أدبيات اليهود.
стр. 7040
وقد قرأ هرتزل كلاسيكية دوهرنج عن معاداة اليهود عام ١٨٨٢ فتركت فيه أثراً عميقاً. ويبدو أنه اعتقد صحة ما جاء فيها أو تقبَّلها بشيء من التحفظ.
جـ (أساس إثني ثقافي.
كان هرتزل ينظر لليهودي (في عمله المسرحي الجيتو الجديد) من خلال الأنماط الإثنية لأدبيات معاداة اليهود، فاليهودي متسلق اجتماعياً وتاجر في البورصة وشخص يعقد زيجات من أجل المنفعة والمصلحة المالية. واليهود شخصيات كريهة خارجية طفيلية تشكل خطراً على القوميات العضوية في أوربا. وقد كان هرتزل يرى أن اليهود، بماديتهم الموغلة وألمانيتهم الفاسدة (اليديشية) ، يقومون بإفساد الروابط العضوية التي تربط أعضاء الفولك الألماني بعضهم ببعض، وتزخر يومياته بالمقارنات التي يعقدها بين الشخصية الألمانية المنفتحة الصحيحة والشخصية اليهودية العليلة.
ويبدو أن ادعاء الأرستقراطية كان من قبيل محاولة اللجوء إلى عالم الأغيار الرحب هرباً مما سماه «المادية اليهودية المفرطة» التي زادت بتَساقُط الدين اليهودي. ومن الطريف أن التواريخ الصهيونية ترى أن واقعة دريفوس هي التي هزت هرتزل وأعادته إلى يهوديته، ولكن المقالات التي كتبها لصحيفته عام ١٨٩٤ تدل على أنه كان مقتنعاً بأن الضابط اليهودي كان مذنباً، ولعل اقتناعه بوجاهة الاتهامات هو الذي قاده إلى الصهيونية. فالكره العميق لليهود واليهودية هو الأساس العميق الكامن للصهيونية.
следующие страницы →