← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

وفي عام ١٩٥٤، اندمجت هياس مع كل من «الخدمة المتحدة للأمريكيين الجدد» ، وقسم التهجير للجنة المشتركة للتوزيع، لتكوين خدمة هياس المتحدة. وقد عملت هذه المنظمة على مساعدة المهاجرين اليهود من شرق أوربا وشمال أفريقيا، وخصوصاً بعد أزمة المجر عام ١٩٥٦ وحربي ١٩٥٦ و١٩٦٧ في الشرق الأوسط، وتوطينهم في دول أخرى ـ وخصوصاً غرب أوربا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. وللمنظمة مكاتب في جنيف ونيويورك وريودي جانيرو، ويأتي الجزء الأكبر من ميزانيتها من النداء اليهودي الموحَّد. وقد ساهمت منظمة هياس في توطين المهاجرين اليهود السوفييت في الولايات المتحدة بل في تشجيعهم على تغيير اتجاههم والتوجه إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل (وهو ما يُسمَّى في المعجم الصهيوني «التساقط» ) . ولذا، فتحت هياس مكتباً لها في فيينا لمساعدتهم في الحصول على تأشيرات دخول للولايات المتحدة وتقديم معونة مالية لهم. وقامت السلطات الأمريكية بإصدار قرار عام ١٩٨٩ بعدم السماح لليهود بالهجرة إلى الولايات المتحدة إلا إذا تقدموا بطلب تأشيرة قبل أن يغادروا الاتحاد السوفيتي، وذلك لدعم الهجرة اليهودية الاستيطانية إلى إسرائيل وتحييد هياس. وفتحت الجمعية مكتباً لها في موسكو في فبراير ١٩٩٠، وقد وصفها ميخائيل كلاينر (رئيس لجنة الهجرة في الكنيست) بأنها "نمو سرطاني يجب استئصاله" وذلك بعد نجاحها في استصدار ثمانية آلاف تأشيرة دخول للولايات المتحدة للمهاجرين السوفييت. وقد دافعت هياس عن موقفها بتأكيد ضرورة التضحية بمصلحة الصهيونية (ودولتها) في سبيل حماية اليهود، أي أنها تعطي أولوية لمصلحة اليهود على مصلحة الدولة الصهيونية. هيسم Hicem

стр. 6967

«هيسم» هي الحروف الأولى لأسماء ثلاث منظمات، هي هياس وإيكا وإميج ديركت، قامت بتأسيس هذه المنظمة في باريس عام ١٩٢٧ في إطار المحاولات الرامية إلى توحيد وتنسيق الجهود الخاصة بهجرة أعضاء الجماعات اليهودية من شرق أوربا. وقد انسحبت منظمة إميج ديركت من هيسم عام ١٩٣٤، إلا أن هيسم استمرت في نشاطها. وقد كان لها لجان منتشرة في ٣٢ بلداً تقوم بتقديم المشورة القانونية والفنية للمهاجرين من اليهود، وتقديم برامج تدريب لإعادة تأهيلهم لحياتهم الجديدة، والمساعدة في إيجاد فرص عمل لهم في دول المهجر، وتقديم التسهيلات الائتمانية لهم، وكذلك تعليمهم اللغات الجديدة. كما اشتركت هيسم في مساعدة اللاجئين من اليهود الذين فروا من ألمانيا بعد مجيء النازي إلى السلطة عام ١٩٣٣ حيث ساعدت ٣٦.٠٢٦ لاجئاً يهودياً ألمانياً في الهجرة إلى دول عديدة من بينها فلسطين في الفترة ١٩٣٣ ـ ١٩٤٠. الباب السابع: الصهيونية الاستيطانية (العملية) الصهيونية الاستيطانية: تعريف Settler Colonial Zionism: Definition «الصهيونية الاستيطانية» مصطلح نستخدمه للإشارة إلى الصهيونية التي يؤمن أصحابها بأن الجانب الاستيطاني في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة لابد أن يوضع موضع التنفيذ، وأنهم على استعداد للاضطلاع بهذه الوظيفة. والاستيطان جوهر الصهيونية. والاستعمار الصهيوني هو استعمار استيطاني إحلالي لا يأخذ شكل جيش يقهر أمة ويحتل أرضها ليستغل إمكاناتها الاقتصادية والبشرية لصالح البلد الغازي وحسب وإنما يأخذ شكل انتقال الفائض البشري اليهودي من أوطان مختلفة إلى فلسطين للاستيلاء عليها وطرد سكانها الأصليين والحلول محلهم.

стр. 6968

ونحن نُميِّز في هذه الموسوعة بين «الصهيونية التوطينية» و «الصهيونية الاستيطانية» ، فالصهيونية التوطينية هي صهيونية يهود العالم الذين يشجعون استيطان اليهود في فلسطين لسبب أو آخر ولكنهم هم أنفسهم لا يهاجرون إليها قط، أما الصهيونية الاستيطانية فهي صهيونية من يستوطن في فلسطين بالفعل. وقد ظهرت الصهيونية الاستيطانية بعد الصهيونية التوطينية إذ أن المادة البشرية المُستهدَفة، أي يهود شرق أوربا، لم يتبنوا الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة إلا بعد قرون من تبنِّي الأوساط المسيحية البروتستانتية والأوساط الاستعمارية العلمانية للصيغة الصهيونية. وقد كان ما نطلق عليه «الصهيونية التسللية» أول أنواع الصهيونية الاستيطانية، ثم أعلن بعد ذلك وعد بلفور واستمر الاستيطان وتصاعدت وتيرته تحت رايات الاستعمار البريطاني، في الهجرات الصهيونية الاستيطانية المختلفة (انظر: «الهجرة الصهيونية الاستيطانية [تاريخ [» ( والصهيونية الاستيطانية هي الصهيونية التي تعمل في فلسطين فتنشئ المؤسسات الاستيطانية (الاقتصادية والعسكرية) وتنظم المستوطنين داخل التنظيمات الزراعية العسكرية، وتتعاون مع الدولة الراعية، وتضع الخطط الكفيلة بالقضاء على مقاومة السكان الأصليين بل سَحْقها تماماً، وتقوم بالمهام التي توكلها إليها الدولة الراعية. ولا يتدخل الصهاينة الاستيطانيون، ما وسعهم عدم التدخل، في شئون صهاينة الخارج التوطينيين، ما دام الدعم المالي والسياسي مستمراً وما دام صهاينة الخارج لا يتدخلون بدورهم في شئون المُستوطَن.

стр. 6969

والصهيونية الاستيطانية، شأنها شأن الصهيونية التوطينية، قادرة على امتصاص أيِّ مضمون سياسي أو ديني. فهناك مؤسسات استيطانية ذات ديباجات اشتراكية إلحادية، وأخرى ذات ديباجات دينية أو ليبرالية أو فاشية. ولكن يمكن القول بأن الصهيونية العمالية هي التي قامت بتجنيد أعضاء الفائض اليهودي من شرق أوربا وزودتهم بإطار نظري، ثم زرعتهم في فلسطين، وقادت عمليات الإرهاب ضد العرب، إلى أن طردت غالبيتهم. وكانت مؤسساتها الاستيطانية المختلفة وتنظيماتها الثقافية والعسكرية هي المهيمنة تماماً على عملية الاستيطان. وكانت مشاركة الأحزاب الأخرى ـ مثل الأحزاب الدينية والأحزاب الصهيونية ذات الديباجة الليبرالية (الصهاينة العموميون) أو الفاشية (حيروت) ـ مشاركة ضئيلة بالقياس إلى ما أنجزه العماليون. وبعد إعلان الدولة، ظل العماليون مسيطرين على الصهيونية الاستيطانية، إلى أن استولى الليكود على الحكم وقاد المُستوطَن الصهيوني وبدأ يشارك مشاركة أكيدة وفعالة في صياغة سياساته وتوجهاته.

стр. 6970

وبعد تأسيس الدولة الصهيونية، نشب صراع بين الصهاينة التوطينيين والصهاينة الاستيطانيين إذ ظن التوطينيون أنهم سيستمرون في الإشراف على الدولة والاشتراك في توجيه سياساتها (أوليسوا هم أيضاً أعضاء في الشعب اليهودي وجزءاً من قياداته؟ أوليست الدولة مدينة بوجودها لهم ولجهودهم؟) . ولكنهم لم يدركوا أن الدور القيادي الذي لعبوه كان دوراً مؤقتاً بسبب وجودهم في الغرب (راعي المشروع الصهيوني) وتمتُّعهم بحرية الحركة، وبسبب انشغال الاستيطانيين بعمليات تأسيس المؤسسات الاستيطانية وإرهاب العرب. وكان الصهاينة الاستيطانيون يرون من البداية أن الجماعات اليهودية في الخارج بمنزلة كوبري (جسر) للوطن القومي، أو لبنات في بنائه، أو حتى مستعمرات تُوظَّف في خدمته. وانطلاقاً من هذه الرؤية، وصف بن جوريون المنظمة الصهيونية بأنها كالسقالة التي استُخدمت لبناء الدولة. ولذا، لم يَعُد هناك أي مبرر لوجودها بعد إعلان الدولة، أي أنه عرَّف المنظمة الصهيونية كمجرد أداة وعرَّف علاقة الدولة بالمنظمة على أنها علاقة نفعية مالية وليست عضوية. فالسقالة ليست جزءاً عضوياً من البناء، ولذا يمكن الاستغناء عنها بعد الانتهاء من عملية البناء. وقد كسب الصهاينة الاستيطانيون هذه المعركة وتحوَّلت المنظمة الصهيونية إلى سقالة دائمة؛ خادم خاضع قانع بدور الأداة الطيعة في يد صاحبها الذي يستخدمها في ابتزاز يهود العالم وامتصاص أموالهم. ومن أهم قادة الصهاينة الاستيطانيين قبل عام ١٩٤٨ جوزيف ترومبلدور وبن جوريون، أما بعدها فقيادات الاستيطان هم قيادات المستوطن الصهيوني. الصهيونية العملية Practical Zionism

стр. 6971

«الصهيونية العملية» اصطلاح يُطلَق على أحد الاتجاهات الصهيونية في فترة ما قبل هرتزل وبلفور، وهو مصطلح غير دقيق، وسنسميه «الصهيونية العملية التسللية» أو «الصهيونية التسللية» وحسب. والواقع أن كل الحركات الصهيونية حركات عملية مغرقة في العملية، لكن تسللية هذا الاتجاه (مقابل إمبريالية الاتجاهات الأخرى) هو ما يميِّزها. المشاريع الاستيطانية الصهيونية الخيالية Zionist Utopias ظهرت في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر مجموعة من الأعمال الأدبية أو شبه الأدبية التي كتبها مؤلفون يهود تتناول بشكل روائي خيالي المجتمع الصهيوني أو الدولة الصهيونية حيث يتم حل كل مشكلات اليهود. ولم يكن ثمة حد فاصل بين الخيال والواقع في هذه الكتابات، كما أنها لم تكن فريدة في هذا المجال وإنما كانت تعبِّر عن اتجاه أساسي داخل الحضارة الغربية في ذلك الوقت. ١ ـ فهي، ابتداءً، حضارة تَصدُر عن مفهوم التقدم اللا متناهي وعن الإيمان بإمكانية التحكم في كل شيء والتوصل لحل نهائي لكل المشاكل وإقامة الفردوس الأرضي في نهاية التاريخ. ٢ ـ ساعد التقدم العلمي المذهل في هذه المرحلة على تدعيم هذا الوهم حتى أصبحت نهاية التاريخ في اعتقاد الكثيرين توجد على بُعْد خطوات. ٣ ـ ويمكن القول بأن انتصار الإمبريالية الغربية وتقسيمها للعالم قد عمَّق إحساس الإنسان الغربي بأنه قادر على حل كل مشاكله الاجتماعية عن طريق تصديرها، وكان الاستعمار الاستيطاني الآلية الكبرى لذلك، فكانت المستعمرات تقام لتوطين المتطرفين دينياً وسياسياً البيوريتان والفوضويين (أمريكا الشمالية) والمجرمين (أستراليا) والذين فشلوا في تحقيق الحراك الاجتماعي في مجتمعاتهم (معظم الجيوب الاستيطانية) والفائض البشري اليهودي (الدولة الصهيونية)

стр. 6972

٤ ـ سادت التفسيرات الحرفية والمشيحانية للعهد القديم، سواءٌ في الأوساط المسيحية البروتستانتية أو في الأوساط اليهودية، مع تصاعد الثورة العلمية وزيادة معدلات الترشيد والعلمنة في المجتمع (وهي مرتبطة بتصاعُد الحلولية التي تسد الثغرة بين الدال والمدلول وبين الظاهر والباطن بحيث لا يُقبَل سوى التفسير الحرفي المباشر وتُرفَض التفسيرات الرمزية أو المجازية) . ويظهر هذا أكثر ما يظهر في موقف الوجدان الغربي (المسيحي واليهودي) من إرتس يسرائيل إذ بدأت تتحول من مكان روحي يتطلع إليه المؤمن ليؤسس فيه مملكة الرب في آخر الأيام (ليخرج منها النور للعالمين) إلى بقعة ذات أهمية إستراتيجية يلقى فيها بالفائض اليهودي وتخرج منها الجيوش التي تؤدب الدول المجاورة. ٥ ـ يُلاحَظ أن هذه الأعمال شبه الأدبية تتسم بنهاياتها السعيدة ووصولها إلى نهاية التاريخ، وهي بهذا تنتمي إلى الكتابات الطوباوية المماثلة في القرن التاسع عشر والتي كانت لا تزال تدور في إطار الرؤية السطحية التفاؤلية التي طرحها فكر الاستنارة والتي تَصدُر عن إيمان تافه بحتمية التقدم (والحتميات المختلفة) وإمكان تغيير كل شيء، بما في ذلك الطبيعة البشرية نفسها، بما يتفق مع متطلبات العلم الحديث! فهي رؤية ترى إمكانية أن يتجسد المثل الأعلى على هيئة حقيقة اجتماعية في التاريخ. هذا على عكس الطوباويات الأوربية والغربية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين والتي تغلب عليها الروح التشاؤمية نظراً لتعمق الرؤية البشرية وإدراكها أن التحكم الكامل في الكون أمر مستحيل، وأنه لو تحقق بالفعل لكانت الكارثة.

стр. 6973

وفي هذا الإطار، تمت كتابة هذه الأعمال الأدبية التي لا تتمتع بقيمة أدبية كبيرة، فهي ذات قيمة تاريخية أو حتى ذات قيمة تأريخية محضة، وتصف المشاريع الاستيطانية الصهيونية بشكل خيالي. وتسمي المراجع الصهيونية هذه الأعمال باليوتوبيات (جمع «يوتوبيا» أي المدينة الفاضلة) وهي اسم على غير مسمَّى للأسباب التالية: ١ ـ تأخذ العديد من تلك الكتابات شكل البرنامج التفصيلي العملي المحدد، فهي مشروع استيطاني لا يختلف كثيراً عن تلك المشاريع التي تم وضعها موضع التنفيذ بالفعل، أما العنصر الخيالي فهو ينصرف إلى بعض التفاصيل وحسب. ولعل هذا هو الذي دفع هرتزل لأن يقول: "أستطيع أن أؤكد أن ما نراه ليس يوتوبيا. لقد ظهرت العديد من اليوتوبيات قبل بعد توماس مور، لكن لم يفكر أي شخص عقلاني منطقي في وضع هذه الأفكار موضع التنفيذ، إنها أفكار مسلية لكنها ليست عملية". وقد وضع هرتزل يده على جانب مهم من الحقيقة، وهو حرفية ما يُسمَّى باليوتوبيات الصهيونية، إذ أدرك أن هذه اليوتوبيات لا علاقة لها بعالم الحلم المتجاوز وإنما تضرب بجذورها في أرض المشروعات المادية الصلبة. أما الجانب الذي فشل هرتزل في إدراكه، فهو أن يوتوبيا سير توماس مور ليست مسلية وإنما هي عمل فني واع بمثاليته المتجاوزة، واع بأن المدينة الفاضلة بطبيعتها يستحيل تنفيذها، وإنما هي صورة مجازية، شكل من أشكال المجاز، يحاول الكاتب عن طريقها التعبير عن تطلُّع إنساني إلى عالم من المثاليات يتجاوز عالم المادة والحسابات الضيقة والتي يعرف الكاتب مسبقاً أنها مثاليات. ومن هنا نبرته المتهكمة أحياناً، ومن هنا إصراره على تقديم هذا العالم باعتباره عالماً مثالياً، فهو ليس فردوساً أرضياً، وإنما فردوس قلبي يعبِّر عن شيء أزلي في الإنسان، وهذا ما فشل هرتزل (الصحفي النمساوي من الدرجة الثانية) في أن يدركه.

стр. 6974

٢ ـ تلتزم هذه الأعمال شبه الأدبية الخيالية الصمت الكامل حيال كثير من المشاكل مثل: ماذا لو رفض اليهود الانتقال إلى المدينة الفاضلة المزعومة؟ والأهم من هذا، ماذا سيحدث لسكان الأرض التي ستقام عليها المدينة الفاضلة؟ هل سيمتد العدل ليشملهم أم أن السكين تنتظرهم؟ ويمكن الاحتجاج بالقول بأن الأعمال الأدبية الخيالية لا تتعرض لمثل هذه التفاصيل ولا تتناولها بالسلب أو الإيجاب. ولكن الرد على مثل هذا القول هو أن هذه الأعمال الصهيونية تتوجه إلى كثير من التفاصيل، كما أن الخطاب الصهيوني الهلامي المراوغ قد لجأ إلى الحيلة نفسها فيما بعد، وهو عدم ذكر السكان الأصليين من قريب أو بعيد وتغييبهم تماماً. ومن القصص الطوباوية الصهيونية الأولى قصة صورة العودة لإدموند أيسلر (١٨٥٠ ـ ١٩٤٢) وهو يهودي سلوفاكي كتب قصته عام ١٨٨٢ ونشرها بدون اسم عام ١٨٨٥. وتتحدث القصة عن هجرة جماعية لليهود من أوربا بسبب اضطهاد عام وجماعي لليهود فيها. وتقوم تلك الجماعة المهاجرة بإقامة دولة في فلسطين يحكمها ملك هو ألفريد (وهو اسم غير يهودي) الذي تنبأ بهذه الهجرة. وتدخل هذه الدولة حروباً مستمرة مع جيرانها وتنتصر عليهم جميعاً ثم يستقر السلام بعد ذلك.

стр. 6975

وقد ألهمت هذه القصة تيودور هرتزل كتابة قصته الأرض القديمة الجديدة (التنيولاند) . يتصور هرتزل أن اليهود سيؤسسون مجتمعاً مثالياً عام ١٩٢٣ في الأرض المقدَّسة. وسيدير المجتمع الجديد مؤسسة تعاونية. وستبدأ التجربة الجديدة بتأسيس شركة استعمارية استيطانية تقوم بنقل اليهود من أوربا ومن أماكن أخرى إلى أرض خاصة بهم. وستحصل الشركة (المساهمة) على ميثاق من السلطات التركية (فهي شركة ذات براءة) تعطي اليهود الحكم الذاتي، وسيتلقى الأتراك مقابل ذلك مبلغ مليوني جنيه إسترليني كل سنة، وربع الريع الذي تحققه الشركة الاستعمارية، وتظل السيادة القومية في يد الأتراك ثم تقوم الشركة بعد الحصول على الميثاق بحملة دعائية ضخمة بين اليهود وتتفاوض مع الحكومات المختلفة لضمان خروج اليهود بأمن من أوطانهم وتصفية ممتلكاتهم. وسيكون شكل الحكومة ديموقراطياً وتُؤسَّس الدولة الجديدة على أسس تكنولوجية متقدمة ونظام كفء للري. وستزدهر مدن كثيرة، وتصبح القدس على هيئة متحف. وإلى جانب التكنولوجيا، يوجد الاقتصاد التعاوني حيث تختلط الأشكال الرأسمالية وحرية الملكية بالأشكال الاشتراكية التي تضع بعض الحدود على حركة رأس المال. ورغم أن المجتمع الجديد مجتمع يضم أغلبية يهودية، إلا أنه لا يستبعد غير اليهود، فهو مجتمع غربي، حضارته أوربية يعتمد على التعددية اللغوية، وليس له أية ملامح يهودية خاصة (فهو صهيون بلا صهيونية) . وهذا يتفق تماماً مع رؤية هرتزل، فهو صهيوني يهودي غير يهودي. وقد هاجم آحاد هعام هذه الرواية لخلوها من المضمون اليهودي.

стр. 6976

ورواية الأرض القديمة الجديدة لا تختلف كثيراً عن دولة اليهود، فهي مكتوبة بالطريقة المراوغة نفسها التي تسم الخطاب الصهيوني. بل يمكن القول بأن المراوغة في الرواية (وخصوصاً بالنسبة للسكان الأصليين) أكثر صقلاً وعمقاً، فبينما يكتب هرتزل عن اشتراك السكان الأصليين في المجتمع الجديد وعدم استبعادهم، كان يدوَّن في مذكراته الطرق التي سيتم بها طردهم. ولكن الرواية كانت للنشر الواسع، بينما كانت المذكرات مُستودَع الأفكار الحقيقية والأمنيات التي تعبِّر عن الرؤية. وقد تأثرت معظم الكتابات الطوباوية الصهيونية بمؤلَّف الكاتب الأمريكي إدوارد بيلامي (١٨٥٠ ـ ١٨٩٨) المسمَّى النظر للخلف ١٨٨٧ ـ ٢٠٠٠ الذي يضع يوتوبيا اشتراكية. ومن الكُتَّاب الصهاينة الذين تأثروا بهذا الكتاب ماكس أوستربرج فيراكوف ـ وهو كاتب من أصل يهودي، كتب قصة اسمها الدولة اليهودية عام ٦٠٠٠ (٢٤٤١) ونشرها عام ١٨٩٣. والقصة تتحدث عن إقامة دولة يهودية في فلسطين وعلاقتها بالدول الخارجية التي اضطهدت اليهود، وعلاقة اليهود في تلك الدولة بيهود الشتات. وقد تأثر الحاخام الإنجليزي الأمريكي هنري منديس برواية بيلامي وألَّف على منوالها قصته النظر للأمام (١٨٩٩) ـ حيث تصوَّر الدولة اليهودية وعاصمتها القدس كمركز لسلام العالم وكمدرسة لتعليم البشرية كيفية التصرف السليم. وهي تتصور أيضاً حركة طرد/هجرة يهودية جماعية من أوربا إلى فلسطين. ومن القصص الطوباوية الطريفة في هذا الصدد قصة معاداة الأغيار في صهيون لليهودي الجزائري جاك باهار عام ١٨٩٨. وقد كان الكاتب ممثلاً للجماعة اليهودية الجزائرية في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) . يتخيل الكاتب وجود دولة تتم فيها محاكمة شخص غير يهودي بتهمة تماثل تهمة دريفوس في فرنسا، ويؤكد الطابع المتسامح للدولة اليهودية على عكس الدولة الكاثوليكية في فرنسا.

стр. 6977

وثمة قصتان مهمتان أيضاً، الأولى للكاتب البولندي اليهودي إسحق فرنهوف (١٨٦٨ ـ ١٩١٩) حيث تصوَّر (في رواية تُسمَّى فكر) دولة يهودية في فلسطين تحمل اسم دولة إسرائيل كفكرة خيالية تعارض واقع اليهود البائس الذي عايشه الكاتب في بولندا وأوكرانيا. أما القصة الثانية فهي قصة لم تكتمل نُشرت مسلسلة في مجلة اللحظة اليديشية، واسم القصة هو في دولة إسرائيل عام ٢٠٠٠، وكتبها المؤلف والصحفي اليهودي البولندي هيليل زيتلين (١٨٧١ ـ ١٩٤٢) بدأ نشرها عام ١٩١٩ تحت تأثير النشوة التي حدثت وسط الجماعات اليهودية والمتعاطفين مع الصهاينة نتيجة وعد بلفور. وهذا العمل يتحدث عن دولة يهودية ويصف دستورها ومؤسساتها. والكاتب من أسرة حسيدية وقد أهتم في صباه بآراء إسبينوزا ونيتشه ثم تحوَّل من العلمنة الكاملة إلى الصوفية الحلولية في اليهودية، ومن ثم فهو يبدي تعاطفاً واضحاً مع الجانب الغنوصي في اليهودية. وقد ظهرت بعض المؤلفات التي تدور حول المشاريع الاستيطانية والخيالية بالعبرية أثناء فترة الانتداب البريطاني تحدثت عن دور العمل الصهيوني والكفاح ضد الانتداب وما إلى ذلك من أفكار الصهاينة الاستيطانيين. ومن بين هذه المؤلفات قصة النحات بوريس شلتر (١٩٢٤) التي تتحدث عن مشاكل المستوطنين وتتوقع حلها مع إقامة الدولة التي ستلغي كل القوانين الظالمة. ونلاحظ تنوُّع اللغات التي كُتبت بها هذه المؤلفات: الألمانية واليديشية والفرنسية والعبرية. لكن معظم هذه القصص كُتبت كرد فعل لأحداث محلية، مثل مذابح كشينيف في روسيا التي كانت المحرك الأول لقصة أيسلر، وقضية دريفوس التي كانت المحرك الأول والنموذج المثالي لقصة باهار. الصهيونية العملية (التسللية ( Practical Zionism

стр. 6978

«الصهيونية العملية» اصطلاح يُطلَق على أحد التيارات الصهيونية التي وُجدت قبل ظهور هرتزل وبلفور، وهو تيار يَصدُر عن الصيغة الصهيونية الأساسية (شعب عضوي ـ منبوذ ـ نافع ـ يمكن توظيفه خارج أوربا لصالحها) . ولكن ديباجاتها كانت تنطوي على بعض الخلل، إذ تصوَّر التسلليون أن حل المسألة اليهودية لا يمكن أن يتم إلا عن طريق جهود اليهود الذاتية والانعتاق الذاتي والعمل على تحقيق أمر واقع في فلسطين وذلك عن طريق التسلل إلى فلسطين بالطرق السرية أو بالوساطات الخفية غير المباشرة (على حد قول هرتزل) أو عن طريق الاستيطان القائم على الصدقات، أي بمساعدة أثرياء الغرب المندمجين دون اللجوء لمساعدة أية قوى عظمى أو المناورات الدبلوماسية (مع الدول الغربية الاستعمارية) ولا عن طريق الضمانات الدولية. وقد كان وايزمان من أهم قادة هذه الاتجاه العملي، ومن أهم مفكريه ليون بنسكر وموشيه ليلينبلوم. وكانت الثمرة العملية لهذا الاتجاه جماعة أحباء صهيون الذين كانوا يحاولون استيطان فلسطين عن طريق التسلل وترسيخ أقدامهم فيها عن طريق العمل البطيء والمثابرة. واصطلاح «الصهيونية العملية» مثل معظم المصطلحات الصهيونية مضلل وغير دقيق، ولذا فنحن نطرح بدلاً منه اصطلاح «الصهيونية العملية التسللية» أو «الصهيونية التسللية» . فالمتسللون كانوا يتحركون داخل إطار يهودي (شرق أوربي) محض وينظرون للأمور من خلال منظار يهودي محض ويتصورون واهمين إمكانية استيطان فلسطين عن طريق التسلل.

стр. 6979

ومعظم التسلليين كانت تجربتهم تقليدية محدودة وكانوا يدورون في إطار الجماعة الوظيفية التي تمارس قيادتها السيطرة الكاملة عليها، وتقوم بدور الوسيط (شتدلان) بين الجماعة اليهودية والقوة الحاكمة. والقيادة اليهودية كانت دائماً مجموعة من الحاخامات والأثرياء. ولكن بات من الواضح للجميع أن الحاخامات كانوا قد فقدوا كل صلة بالواقع الغربي الحديث، وأن ثقافتهم التلمودية وجهلهم بلغة البلد قد زادهم عزلة. ولذا، لم تَعُد الحكومات تخاطبهم في أمور اليهود كما كان يحدُث في الماضي. أما أثرياء شرق أوربا فكان عددهم صغيراً، وكانوا ضعفاء جداً وفي حالة هلع شديد للحفاظ على مواقعهم الطبقية الجديدة، ولذا كانوا يؤثرون الحفاظ على مسافة كبيرة بينهم وبين الجماهير اليهودية في بلادهم. وحيث إن يهود اليديشية لم يدركوا أهمية الإمبريالية لأنهم كانوا من شرق أوربا، خاضعين للرقابة في الإمبراطورية القيصرية، وهي إمبراطورية لم يكن لها مشروع استعماري استيطاني في فلسطين أو حولها (إذ أخذ مشروعها الاستعماري شكل التوسع من خلال ضم المناطق المتاخمة لحدودها) ، لذا نجدهم يتحركون نحو الغرب (مركز القوة) . وكان في هذا تحديث للحركة، ولكنهم كانوا لا يتوجهون إلى حكوماته وإنما إلى أثرياء اليهود في الغرب (بدلاً من أثرياء اليهود في الشرق) كي يقوموا بتمويل نشاطهم الاستيطاني والتسللي. ولعل توجُّههم للأثرياء بدلاً من الحكومات هو نفسه نتاج تجربتهم مع الدولة الروسية التي لم تكن تتمتع بعد بالمركزية والهيمنة التي كانت تتمتع بها نظيراتها في أوربا الغربية.

стр. 6980

وقد تم النشاط الاستيطاني التسللي بشكل هزيل وعملي، خارج نطاق أي فكر أيديولوجي، وظل محتفظاً بطابعه البرجماتي الإغاثي المباشر، ولم يتجاوز إقامة مزارع صغيرة لا قيمة لها. وقد استفاد التسلليون من نفوذ قناصل الدول الغربية (الذين كانوا يتنافسون على حماية اليهود، أي تحويلهم إلى عنصر وظيفي عميل) . وهذا يشير إلى أن التسلليين كانوا يتحركون عملياً وموضوعياً داخل إطار صهيوني بالمعنى الاستعماري الاستيطاني للكلمة، حتى ولو لم يدركوا هم ذلك. ولكنهم وضعوا أولوياتهم بطريقة أدخلتهم طريقاً مسدوداً (تسلُّل استيطاني ـ دعم الأثرياء ـ إنشاء دولة) إذ جعلوا الاستيطان مقدمة وهو في واقع الأمر نتيجة للآلية الكبرى الإمبريالية. ولذا، فقد سقطوا في نهاية الأمر في يد روتشيلد وأصبحوا موظفين لديه، يقومون بابتزازه ويقوم هو بتمويلهم وزجرهم والتحكم فيهم.

стр. 6981

وكان التسلليون، بسبب طبيعة نشأتهم في شرق أوربا، يهتمون بمسائل الهوية اليهودية (اليديشية) وبعملية إصلاح اليهود واليهودية. ثم جاء هرتزل وحدد الأولويات بطريقة مختلفة تماماً، فبدلاً من جهود التسلليين الصغيرة طرح رؤيته الخاصة بما سماه «الاستيطان القومي» الذي يضمنه القانون العام، أي الدول الغربية الاستعمارية الكبرى. والواقع أن هرتزل، من خلال صهيونيته الدبلوماسية الاستعمارية، حدَّد أولويات الحركة بطريقة مغايرة تماماً للطريقة التي حددتها بها الصهيونية التسللية: موافقة استعمارية ثم استيطان، وهي صيغة تتفق مع الظروف التاريخية السائدة في أوربا وفي العالم ومع موازين القوى الفعلية التي جعلت من الحتمي على المشروع الصهيوني (وعلى أي مشروع استيطاني آخر) الاستعانة بالقوى الإمبريالية حتى يخرج إلى حيز الوجود. وقد كان هرتزل محقاً تماماً في موقفه، فافتقاد المتسللين لأساس القوة جعلهم بالضرورة مفتقدين للاستقلال والسيادة، الأمر الذي جعل استيطانهم عديم الفائدة، خاضعاً لرحمة أو غضب أي باشا ويبقى دائماً عُرضة لفرض القيود عليه (على حد قول نوردو) . كما أن هرتزل لم يكن يهتم كثيراً بالمسائل الإثنية لأنها لم تكن تعنيه كثيراً، فهي لا تعني الدول الكبرى التي يتوجه إليها طالباً الدعم والشرعية.

стр. 6982

ويمكن القول بأن هرتزل قام بتحديث مسألة أوربا اليهودية بأن نَزَع القداسة عن اليهود وجعلهم مادة وظيفية استيطانية، ثم قام بتدويل المسألة اليهودية بأن توجَّه إلى أوربا بأسرها، صاحبة المشكلة، وأخبرها أنها هي أيضاً صاحبة الحل والمستفيد الأول إن قبلت رؤية اليهود على طريقته. وبدلاً من النظر إلى يهود أوربا بوصفهم شحاذين أو فقراء يحتاجون إلى الصدقات أو شخصيات غريبة ذات تراث إثني فريد، فإن على أوربا (وأثرياء اليهود في الغرب) أن ينظروا لهم باعتبارهم شعباً له نفعه (وتحويل كل شيء إلى مادة نافعة يمكن الاستفادة منها هو جوهر التحديث) ، كما أن له وظيفته التي يمكن أن يضطلع بها، ولذا فهو لا يحتاج إلى الصدقات وإنما إلى الدعم مقابل الخدمات التي سيؤديها. والدعم سيأتي من الدول الاستعمارية التي تحتاج إلى «إسفين» في الشرق والتي ستضمن "وجودنا بالمقابل". ولعل حداثة الصيغة الهرتزلية تظهر في العبارة الأخيرة التي تدل على أنه يستخدم منطقاً تعاقدياً نفعياً. وبدلاً من جماعات أحباء صهيون الصغيرة المتفرقة في الشرق والغرب، طوَّر هو صيغة مراوغة ورؤية متكاملة لعقد صهيوني صامت يُوقَّع بين الحضارة الغربية ويهود الغرب وإطار تنظيمي ينتظم الجميع. وقد ظهرت الخلافات بين التسللين وهرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ، ولكن هرتزل اكتسح الجميع بسبب دقة أولوياته وحداثة طَرْحه، وخطابه المراوغ، فانضموا هم إلى المنظمة ولم ينضم هو إلى جماعاتهم الكثيرة رغم أنه كان مجرد صحفي كتب كراسة عن المسألة اليهودية وكانوا هم عدة تنظيمات يضمون في صفوفهم كثيراً من المفكرين وبضعة آلاف من الأعضاء. ثم صَدَر برنامج بازل، وقد قبل التسلليون الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية وقبلوا قيادتها للمنظمة. ومنذ تلك اللحظة، سقطت عنهم الصفة التسللية بإدراكهم حتمية الاستعانة بالإمبريالية الغربية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.

стр. 6983

ورغم هذا، استمر الخلاف بين ما يمكن تسميته «الصهيونية العملية (الاستيطانية) » مقابل الصهيونية الدبلوماسية (التوطينية) ، فقد شهدت الفترة الواقعة بين عامي ١٨٩٧و١٩٠٥ تبلور معارضة الصهاينة الاستيطانيين الذين طالبوا بالتركيز على البند الأول من برنامج بازل الخاص بتشجيع عملية الاستيطان في فلسطين، بينما انصرف اهتمام تيار هرتزل الدبلوماسي إلى تحقيق البند الرابع من البرنامج وهو الخاص بالحصول على ضمان أو اعتراف من الدول الاستعمارية الرئيسية لحماية مشروع إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين. ولم تكن الخلافات بين العمليين (الاستيطانيين) من جهة، والدبلوماسيين (التوطينيين) من جهة أخرى، سوى خلافات ناجمة عن سوء الفهم من جانب العمليين الذين لم يكونوا قد أدركوا بعد أهمية الدولة الاستعمارية الراعية للمشروع الصهيوني، رغم قبولهم إياها، ومن جانب الدبلوماسيين التوطينيين الذين لم يدركوا أهمية سياسة خَلْق الأمر الواقع في فلسطين وضرورة تبنِّي ديباجات إثنية لتجنيد المادة البشرية المُستهدَفة. ومع هذا، بدأت عملية التقارب، إذ بدأ الاستيطانيون يدركون بالتدريج تفاهة فكرة الاعتماد على الذات، ولذا أصبح النشاط الاستيطاني في مرتبة ثانوية بالنسبة لمنظمة هرتزل الصهيونية، كما بدأوا يدركون أولوية الجهود الدبلوماسية الاستعمارية على الجهود الاستيطانية. وربما لهذا السبب لا نسمع كثيراً عن جهود استيطانية مكثفة في هذه المرحلة. ونظراً لسطحية الاختلاف، لم يكن من العسير التوفيق بين الاتجاهين. فمن البداية أعربت المنظمة الصهيونية عن استعدادها للاعتراف بالاستيطان الذي يتم بناء على ترخيص مسبق من الحكومة التركية، وأعلنت عن استعدادها لتقديم المساعدة لمثل هذا الاستيطان، بل أقامت المنظمة لجنة خاصة لشئون الاستيطان.

стр. 6984

وقد تم، في نهاية الأمر، التوصل إلى صيغة توفيقية في المؤتمر السابع (١٩٠٥) ، فرُفض الاستيطان التسللي (الذي يعتمد على الصدقات وعلى الحصول على قطعة أرض) نهائياً. ومع هذا، قررت المنظمة الصهيونية أن تشجع العمل الزراعي والصناعي الاستيطاني هناك، وتم انتخاب لجنة تنفيذية جديدة تضم ثلاثة من العمليين الاستيطانيين وثلاثة من الدبلوماسيين التوطينيين. وفي المؤتمر الثامن (١٩٠٧) ، أكد وايزمان أهمية المزج والتوفيق بين الاتجاهين وطَرَح ما سماه «الصهيونية التوفيقية» ، أي الصهيونية التي تجمع بين النهجين العملي الاستيطاني والسياسي الاستعماري الخارجي. وفي المؤتمر الصهيوني العاشر (١٩١١) انتخب المؤتمر ووربورج ومعه ٤ أعضاء آخرين في اللجنة التنفيذية، وكانوا من العمليين الاستيطانيين، وظلت المؤسسات المالية في يد العمليين الاستيطانيين. وفي المؤتمر الصهيوني الحادي عشر (١٩١٣) أحكم الاستيطانيون السيطرة على كل المؤسسات الصهيونية. وقد كان هرتزل ـ شأنه شأن صهاينة الغرب عامة ـ يعتقد أن صهاينة شرق أوربا غير قادرين على قيادة الحركة الصهيونية "بل كان يعتقد أننا سنكون أداة تستفيد منها الحركة الصهيونية الغربية" على حد قول وايزمان. ولكن مسار التاريخ قَلَب تقسيم العمل المقترح تماماً، فأمسك الشرقيون من يهود اليديشية بزمام الأمور في المنظمة الصهيونية وتولوا قيادتها، وهو أمر منطقي ومتوقَّع. فالاستيطانيون (العمليون) كانوا من شرق أوربا، والمشروع الصهيوني كان ـ حسب تصوُّرهم ـ أمراً حيوياً، بل مصيرياً بالنسبة لهم، فهم ممثلو الفائض اليهودي والقادرون على التحدث باسم هذه الكتلة البشرية المرشحة للنقل إلى فلسطين وبلُغتها، على عكس يهود الغرب الصهاينة الذي كان يهمهم التخلص من الفائض وإبعاده عن بلادهم وحسب، وكانوا غير قادرين على تَفهُّم لغته وآماله.

стр. 6985

وقد ساعدت صياغة هرتزل المراوغة على امتصاص كل الخلافات، فتعلَّم الصهاينة أن يعيشوا مع التناقض والصراعات ما دام ثمة اتفاق على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وعلى الأولويات الإجرائية. ولعل كلمات الزعيم الصهيوني الروسي مناحيم أوسيشكين هي أدق تلخيص لصهيونية ما بعد هرتزل بمقدرتها الامتصاصية الفائقة، فقد اقترح العودة لا إلى صهيونية أحباء صهيون (التسللية الاستيطانية) ولا إلى الصهيونية الدبلوماسية (صهيونية هرتزل) ، وإنما إلى مزيج من هذه التيارات الثلاثة، وبلغة أخرى إلى الصهيونية السياسية كما نص عليها برنامج بازل، أي أنه اقترح العودة إلى صهيونية هرتزل! ولكن الذي حَسَم الخلاف تماماً بين الفريقين لم تكن المؤتمرات الصهيونية وإنما التطورات الدولية. فبعد اتخاذ قرار تقسيم تركيا، ومع اهتمام إنجلترا المتزايد بالبُعْد الجيوسياسي لفلسطين، لم يكن أمام الصهاينة (العمليين أو السياسيين أو خلافهم) سوى انتظار الدولة الراعية التي سترعى مصالحهم والتي ستوفر لهم الأرض والضمانات الدولية اللازمة. والصهيونية التي لم يكن لديها أية جماهير لم تكن تملك سوى الانتظار والتلقي، وبذا يكون الاستعمار الغربي في واقع الأمر مصدر الوحدة بين الاتجاهات الصهيونية المختلفة. ويظهر التمازج الكامل بين الاتجاهات الصهيونية المختلفة عام ١٩١٧، إذ نجد أن وايزمان (زعيم الصهيونية العملية الاستيطانية) هو أيضاً الذي سعى إلى استصدار وعد بلفور، قمة جهود الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية، وكان آحاد هعام (زعيم التيار الصهيوني الإثني العلماني) يقدم له المشورة. ويمكن تلخيص إنجازات صهيونية يهود شرق أوربا في النقاط التالية:

стр. 6986

١ ـ رفض التسلليون (الدينيون منهم واللا دينيون) الموقف الديني التقليدي الذي يطلب من اليهود الانتظار إلى أن يبعث الإله الماشيَّح، وطلبوا من اليهود عدم انتظار مشيئة الإله والإمساك بزمام الموقف واتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق العودة. وبعد أن توصَّل التسلليون إلى أن الحل ليس في السماء، اكتشفوا أنه في غرب أوربا متمثلاً في أثرياء الغرب وقناصل دولهم في فلسطين، أي أنهم بدأوا يتحسسون الطريق نحو التحالف الذي سيحوِّل الحلم الصهيوني إلى حركة ومنظمة واستيطان. ٢ ـ قبل التسلليون مقولة أن وضع اليهود داخل الحضارة الغربية وضع شاذ وهامشي، وأن الفائض اليهودي لا يمكنه أن يندمج في المجتمع. وقد خلصوا من ذلك إلى أن اليهود لا مكان لهم داخل المجتمعات الغربية، وحولوا معاداة اليهود إلى إحدى الدعائم النظرية للفكر الصهيوني، وركزوا على نَقْد الشخصية اليهودية. وقد توصَّل التسلليون إلى واحد من أهم ملامح الحل الصهيوني، وهو حل مسألة الفائض اليهودي عن طريق نَقْله إلى خارج أوربا، وقاموا بأول محاولة فعلية لوضع الحل موضع التنفيذ. ٣ ـ اكتشف التسلليون أن الزراعة وسيلة أساسية للاستيطان في أرض أجنبية معادية، كما أدركوا طبيعة المشروع الصهيوني الإحلالية. ٤ ـ اكتشف التسلليون إمكانية توظيف الخطاب الصهيوني المراوغ لحل التناقضات العقائدية، فأدركوا إمكانية التعاون مع أثرياء الغرب المندمجين وإمكانية ابتزازهم ما داموا لا يفرضون عليهم الصيغة القومية ولا يشهِّرون بهم لرفضها. كما أدركوا إمكانية تعايش العلمانيين والمتدينين داخل صيغة مبهمة تسمح لكل فريق بأن يفرض المعنى الذي يراه.

стр. 6987

٥ ـ ظهرت طلائع المفكرين الذين صاغوا الخطاب الصهيوني الإثني (الديني والعلماني) وهو الاتجاه الذي هوَّد الصيغة الشاملة، فعمَّق فكرة الشعب اليهودي وأضفى عليها أبعاداً تاريخية ودينية ونقاها من بقايا الفكر الاندماجي العلماني. وهذا الاتجاه هو الذي أسبغ على الصهيونية شرعية يهودية تُخفي الأبعاد العملية والنفعية التي توصَّل إليها الصهاينة غير اليهود والصهاينة اليهود غير اليهود الذين لا يكترثون بمشاكل الهوية. وقد كانت هذه الشرعية ضرورية للجماهير اليهودية المتدينة في شرق أوربا، وللجماهير التي فَقَدت إيمانها التقليدي وظلت تبحث عن هوية خاصة. لكل هذا، يمكن القول بأن صهيونية شرق أوربا أسهمت في تطوير فكر صهيوني ذي ديباجة يهودية يحاول حل مشكلة اليهود واليهودية، ويطرح نفسه بوصفه المعبِّر عن آمال وآلام جماهير شرق أوربا، وهي المجموعة البشرية المطلوب تجنيدها لتنفيذ المشروع الصهيوني. وبذا، تكون صهيونية يهود أوربا قد بدأت بالسير نحو حل مشكلة الصهيونية في الحضارة الغربية، فلأول مرة، يظهر مفكرون من داخل صفوف هذه المجموعة البشرية ينظرون إليها من الداخل، ويستخدمون مصطلحها ورموزها، وينظمون بضعة آلاف منها، بل يقومون بتجارب استيطانية قد تكون متفرقة وهزيلة ولكنها تمثل مع هذا نقطة البداية نحو نَقْل اليهود من أوربا وتشكل إطاراً يجعل الحوار مع الغرب غير اليهودي ممكناً. أحباء صهيون Hibbat Zion

стр. 6988

«أحباء صهيون» اسم يُطلَق على مجموعة من الجمعيات الصغيرة في روسيا (التي كانت تضم أكبر جماعة يهودية) وبولندا ورومانيا، والإمبراطورية النمساوية المجرية وألمانيا وإنجلترا والولايات المتحدة. وكانت جمعيات أحباء صهيون في غرب أوربا تضم أساساً اليهود والمهاجرين من شرق أوربا وبعض العناصر المحلية القلقة من هذه الهجرة اليهودية، وكان لهذه الجمعيات أسماء كثيرة تحمل معنى حب صهيون أو الرغبة في العودة، كما كان هناك جمعيات تحمل أسماء مثل البيلو وقديما وجمعية بني موسى (السرية) . وكان أهم هذه الجماعات جماعة زروبابل في أوديسا التي كان يترأسها بنسكر وليلينبلوم أهم مفكري الحركة (ويمكن أن نضيف إليهما سمولنسكين) ورغم تعدُّد الأسماء والجمعيات، إلا أن هذا يجب ألا يؤدي إلى تصوُّر أن أحباء صهيون كانت حركة جماهيرية اكتسحت يهود شرق أوربا، فهي قد ظلت حتى النهاية تنظيمات صغيرة من المثقفين والبورجوازيين الصغار، وكانت كل جمعية تضم حوالي ١٠٠ إلى ١٥٠ عضواً، وكان عددها ١٢ جمعية عام ١٨٨٢ ووصل إلى ١٣٨ جمعية بين عامي ١٨٨٩ و١٨٩٠، وتراوحت العضوية بين تسعة آلاف وأربعة عشرة ألفاً عام ١٨٨٥ من مجموع يهود العالم البالغ حينذاك عشرة ملايين تقريباً، وقد آثر ما يقرب من مليونين منهم الهجرة إلى الولايات المتحدة، ولعل هذا يفسر أن هرتزل كان غير مدرك لوجودهم، وحينما أدرك وجودهم فإنه لم يعاملهم باحترام شديد وقرر توظيفهم في مخططه.

стр. 6989

ويعود ظهور هذه الجمعيات إلى تعثُّر عملية التحديث في روسيا وشرق أوربا، وإلى تناقُص فرص الحراك الطبقي أمام بعض قطاعات اليهود هناك. وتصدُر هذه الجمعيات عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد تهويدها من خلال بعض المفاهيم اليهودية أو شبه اليهودية، مثل: رَفْض الاندماج، والإيمان بأن معاداة اليهود ظاهرة أزلية، ورَفْض الانتظار السلبي للماشيَّح، وكذلك حل المسألة اليهودية، هنا في الأرض وفي هذه الأيام وليس هناك في السماء أو في آخر الأيام. وقد اكتشف أعضاء أحباء صهيون أن الحل ليس في الأرض بشكل عام وإنما في العالم الغربي وبين أثرياء اليهود هناك على وجه التحديد. وكانت هذه الجمعيات تسعى إلى حل مشكلة يهود شرق أوربا عن طريق ما يُسمَّى "جهودهم الذاتية"، أي دون الاعتماد على الدول الغربية، وذلك لتهجير من يريد منهم إلى أية بقعة في العالم وتوطينه فيها، ثم استقر الاختيار على فلسطين. وحركة أحباء صهيون هي أهم ممثلي التيار الصهيوني التسللي (الذي يُسمَّى «العملي» ) والذي تصدَّى لهرتزل. وقد دعي بنسكر وليلينبلوم و٣٤ شخصية يهودية إلى اجتماع في منزل بنسكر في أكتوبر ١٨٨٣. ولعل وظائف المدعوين تعطي صورة عن التكوين الطبقي للجمعية فحوالي النصف كانوا من التجار، وكان هناك أيضاً صاحب بنك وسمسار في البورصة وأربعة أطباء وصيدلي وكبير حاخامات أوديسا، وكان المجتمعون يعرفون أن أثرياء اليهود في شرق أوربا سيعارضونهم (إذ أنهم كانوا من دعاة الاندماج) . ولذا قرروا أن يكون التوجه للطبقة الوسطى.

стр. 6990

وقد عقدت جمعية أحباء صهيون أول مؤتمر لها في كاتوفيتش عام ١٨٨٤، وألقى بنسكر خطاباً تحدَّث فيه عن مساعدة المستوطنين اليهود "أينما كانوا"، وطالب بإنشاء جمعية مونتفيوري لتطوير الزراعة بصورة خاصة بين المستوطنين في فلسطين. وقد بذل بنسكر قصارى جهده للابتعاد عن أية ديباجة قومية حتى لا يخيف يهود الغرب الذين كان يطلب عونهم: "ففكرة الدولة اليهودية ... لا تزال بالضرورة بعيدة المنال، وهي تحتاج لجهد يفوق طاقة جيلنا، وهو جهد صعب بشكلٍّ خاص في البلاد المتحضرة [أي بلاد غرب أوربا] التي تحدد الإيقاع في أوربا بأسرها". ولعله كان يخشى أيضاً خَلْق جو من التوتر بين الدولة العثمانية والمستوطنين الصهاينة. ثم عُقد مؤتمر آخر في دروسكينكي ١٨٨٧ حيث ظهر الخلاف بين المتدينين والعلمانيين، وقد فشل الفريق الأول في عزل بنسكر ولكنهم نجحوا في تعيين ثلاثة حاخامات في اللجنة التنفيذية، ولم تختلف قرارات هذا المؤتمر عن سابقه. وقد ازدادت الخلافات بين الفريقين اتساعاً عام ١٨٨٨/١٨٨٩ لأنه عام سبتي لا يُباح فيه لليهود زراعة الأرض، ولكن المستوطنين مع هذا استمروا في زراعتها. وعُقد مؤتمر ثالث عام ١٨٨٩ في فلنا وزاد النفوذ الصهيوني الديني فيه الأمر الذي اضطر العلمانيين إلى تأسيس جماعة بني موسى السرية (على غرار المحافل الماسونية)

стр. 6991

وعُقد المؤتمر الرابع في أوديسا عام ١٨٩٠ بعد اعتراف النظام القيصري بالجمعية. وقد حصلوا على الاعتراف من خلال بارون روسي يهودي توسَّط لهم لدى الحكومة، وسُمِّيت الجمعية رسمياً باسم «جمعية تقديم المساعدات للمستوطنين اليهود الزراعيين وأصحاب الحرف اليدوية في سوريا وفلسطين» . وبعد أن رفعت السلطات العثمانية الحظر عن الاستيطان اليهودي في فلسطين تم فتح مكتب في يافا. وقد وقع انقسام وخلاف بين القيادة في روسيا واللجان المحلية في فلسطين، فكان شراء حصان على سبيل المثال يتطلب مناقشة لجان عديدة والحصول على الموافقة من روسيا. ولم تفهم لجنة أوديسا الطبيعة الخاصة للزراعة الاستيطانية، والعلاقة مع العرب. وقد تملَّك المستوطنين إحساس بالعجز التام أمام العثمانيين وبأن الباب العالي لن يعطيهم أية تنازلات. وقد أُغلق مكتب يافا عام ١٨٩١ بعد أن أصيب بخسائر مالية فادحة، وبعد أن نجح العرب في إيصال معارضتهم للأستانة. وتوقفت الحركة عن إنشاء مستوطنات جديدة، وقصرت جهودها على مساعدة المدارس العبرية والمستوطنات القائمة بالفعل.

стр. 6992

ومع هذا، قامت الجمعية بالإشراف على وضع بذور الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. فقامت بشراء قطعة أرض عام ١٨٨٢ على ساحل البحر (الطبيعة الاستيطانية) . وبالقرب من أراضي البدو التي يمكن شراؤها في المستقبل (الطبيعة التوسعية) . وحينما لم تتم الصفقة بسبب معارضة الوالي، تدخَّل نائب قنصل بريطانيا في يافا فاشترى الأرض وسجَّلها باسمه (القوة الإمبراطورية الراعية) وسُميت مستعمرة «ريشون لتسيون» وهي عبارة توراتية تعني «الأول أو الطليعي في صهيون» (تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية) . وفي العام نفسه، قام مبعوث من جمعيات أحباء صهيون بشراء أراض وتأسيس مستوطنة روش بينا (رأس أو حجر الزاوية) . وفي العام نفسه أيضاً، تم شراء أراض مملوكة لمواطن فرنسي وذلك بمساعدة إميل فرانك، وهو يهودي فرنسي يعمل وكيلاً في المواني السورية لإحدى شركات السفن البريطانية ويشغل في الوقت نفسه منصب نائب قنصل ألمانيا والنمسا في الإسكندرية. وأُسِّست المستوطنة الثالثة التي سُمِّيت «زخرون يعقوب» تخليداً لذكرى والد البارون روتشيلد بعد أن تعهَّد بتقديم المعونة المالية للمستوطنة (الصهيونية التوطينية) . وقد استمرت عملية شراء الأراضي بمساعدة قناصل الدول الغربية، ومن خلال استخدام النفوذ الغربي والامتيازات الممنوحة لرعايا الدول الغربية.

стр. 6993

وكما تقدَّم، لم تكن حركة أحباء صهيون حركة جماهيرية، ولذا فإنها لم تنجح إلا في تهجير بضع مئات من اليهود وبتكاليف باهظة (في الوقت الذي هاجر فيه الملايين إلى الولايات المتحدة) ، وكانت مواردها المالية ضعيفة فقد كانت ميزانية الجمعية ٥٠ ألف روبل (في السنة على أحسن تقدير) (يعادل خمسة آلاف جنيه إسترليني) . وكانت تكاليف توطين الأسرة الواحدة ثلاثة آلاف روبل أي أن الجمعية بكل فروعها لم يكن في إمكانها أن توطن سوى عشرين أسرة في السنة، وقد كان هذا راجعاً إلى خلل أساسي في أحباء صهيون وهو افتقارهم لآليات وَضْع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ: الدعم الإمبريالي، وهو خلل كانت تعاني منه أيضاً الحركة الصهيونية فيما بعد وقامت بالتغلب عليه عن طريق وعد بلفور. أما أحباء صهيون ـ على عادة التسلليين ـ فقد لجأوا إلى روتشيلد الذي أنفق في فترة عشرين سنة ما مقداره ١.٦٠٠.٠٠٠ جنيه إسترليني ـ في حين أنهم لم ينفقوا سوى ٨٧ ألفاً فقط. ولذا، لم يكن من المستغرب أن يفرض المليونير الفرنسي هيمنته بالتدريج على مستوطناتهم ليتحوَّلوا إلى مرتزقة يعيشون عالة عليه يحاولون اعتصاره ويعتمدون على العمالة العربية الرخيصة ـ وتتجه أفكارهم لجمع المزيد من المال والهجرة إلى أمريكا (الصهيونية النفعية) . لكل هذا كان المستوطنون من أحباء صهيون في مقدمة مؤيدي مشروع شرق أفريقيا. وحينما عُقد المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ، انضم إليه معظم جماعات أحباء صهيون وتحوَّلت إلى ما يُسمَّى «التيار العملي» . واستمرت الحركة موجودة بشكل مستقل تحت قيادة أوسيشكين من عام ١٩٠٦ إلى عام ١٩١٩ حيث تم التوصل للصيغة الصهيونية التوفيقية التي جعلت التعايش مع الخلافات ممكناً. وفي عام ١٩٢٠، قامت الحكومة الشيوعية في روسيا بحل الحركة.

стр. 6994

وبشكل عام، فإن تاريخ حركة أحباء صهيون هو تاريخ مصغر للصهيونية ككل. ولعل الاختلاف الأساسي هو إدراك الحركة الصهيونية بعد هرتزل حتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ، في الوقت الذي سقط فيه أحباء صهيون في وَهْم الاعتماد الذاتي. ويُلاحَظ وجود عدة تيارات داخل الحركة أصبحت من أهم التيارات في الحركة الصهيونية: تيار عام يتزعمه ليلينبلوم يدعو إلى إنشاء المستوطنات وحسب دون الإصرار على أية ديباجات، ثم تياران يمثلان الخطاب الإثني أولهما التيار الإثني العلماني ويمثله آحاد هعام، وتيار إثني ديني يتزعمه موهيليفر. ويُلاحَظ أن هذين التيارين، رغم تعارضهما الظاهري، استمرا يعملان جنباً إلى جنب. مؤتمر كاتوفيتش Kattowitz Conference مؤتمر لجمعيات أحباء صهيون عُقد عام ١٨٨٤ في روسيا بمدينة كاتوفيتش (الآن في بولندا) . وقد طُرح اقتراح بأن يُعقَد الاجتماع في الأستانة حتى يتم إقناع السلطات العثمانية بأن الصهيونية ليست تابعة للقوى الغربية، ولكن الاقتراح هُزم إذ اتضح للجميع أنه ليس من المتوقع أن توافق السلطات العثمانية على الاقتراح. فوقع الاختيار على كاتوفيتش لأنها في الوسط بين الشرق والغرب في جزء من بولندا كانت تحكمه ألمانيا. وكان الدافع لعقد المؤتمر هو الإحساس بضرورة وجود هيئة مركزية تعمل على تنسيق أنشطة الجمعيات المختلفة لأحباء صهيون. ويُعَدُّ بنسكر صاحب الفضل الأساسي في الدعوة والإعداد لهذا المؤتمر، وكان قد أشار في كتابه الانعتاق الذاتي إلى ضرورة عَقْده. وقد سبقت المؤتمر عدة محاولات لتشكيل هيئة مركزية، فحاول موهيليفر عام ١٨٨٣ اختيار لجنة مركزية، وعقد مؤتمراً محدوداً لهذا الغرض في بيالستوك، ولكن اللجنة المنتخبة كانت خاملة تماماً وهو ما دفع جمعية بناي بريت إلى تنظيم مؤتمر آخر في سبتمبر من العام نفسه، ولكنه لم يحقق نجاحاً يُذكَر.

стр. 6995

وقد تم الإعلان عن المؤتمر باعتباره مؤتمراً تأسيسياً لإنشاء جمعية خيرية، لتشجيع المستوطنات الزراعية اليهودية، تُسمَّى «مزكيرايت موشيه» أي «ذكرى موسى» أو «أحباء موسى» نسبة إلى موسى مونتفيوري (الذي مات بعد عدة أشهر من تاريخ عقد المؤتمر، ولم يترك لهم أي دعم مالي أو معنوي، ومن ثم فقد تخلوا عن الاسم) وقد عُقد المؤتمر في جو من الإحساس بالضعف والخوف من الفشل أو من عداء أثرياء الغرب، ولذا خفف المؤتمرون تماماً من أية ديباجة قومية وتبنوا صيغة إنقاذية وتحدثوا عن ضرورة عودة اليهود إلى النشاط الزراعي في فلسطين، ولم يذكروا شيئاً عن طموحات الإحياء القومي أو الاستقلال السياسي. ومع هذا، فقد اكتشف المؤرخ جرايتز البُعْد القومي الكامن المستتر، كما اكتشف أن المؤتمر ليس مجرد مؤتمر لحل مشاكل يهود روسيا فانسحب من المؤتمر. وقد تقرَّر أن يكون مركز الجمعية برلين (في الغرب) على أن تكون أوديسا هي المركز مؤقتاً. وتقرَّر تكوين لجنتين، إحداهما لاستقصاء المعلومات عن فلسطين والأخرى للذهاب للباب العالي للتفاوض بشأن فَتْح أبواب فلسطين أمام المستوطنين. وتقرَّر تقديم طلب رسمي للحكومة الروسية لتأسيس جمعية خيرية، وانتخب المؤتمر لجنة مركزية لجمعيات أحباء صهيون من تسعة عشر عضواً تحت رئاسة بنسكر. وتقرَّر عدم إنشاء أية مستوطنات أخرى والاستمرار في دعم المستوطنات الموجودة بالفعل. ولم يناقش المؤتمر المسألة الكبرى، وهي: هل سيحل الاستيطان (على طريقتهم التسللية) المسألة اليهودية أو لا؟ وقد حضر المؤتمر اثنان وثلاثون مندوباً (٢٢ روسياً، ٦ ألمان، بريطانيان، ومندوب واحد من كل من فرنسا ورومانيا) ، وتم انتخاب موهيليفر رئيساً فخرياً له. وقد أثيرت في المؤتمر عدة قضايا من بينها وضع الدين، وهل سيتوقف العمل في الدولة اليهودية يوم السبت؟ وإذا ما تقرَّر ذلك ـ فماذا سيكون العمل فيما يتصل بالبريد والمواصلات التي لابد أن تعمل ٢٤ ساعة؟

стр. 6996

وقد قُدِّم في المؤتمر اقتراح بأن تصدُر القرارات بلغتين: نسخة عبرية إلى جانب النسخة الألمانية وتختلف عنها في اللهجة والتوجه (أي أنه تقرَّر إصدار نسخة عبرية استيطانية وأخرى ألمانية توطينية) . ولكن بنسكر عارض الفكرة. وقد سقطت فكرة توجيه الحركة من الغرب لعدم وجود حماس كاف بين أثرياء الغرب. وقد عُقدت مؤتمرات أخرى في دروسكينكي عام ١٨٦٧ وفي فلنا عام ١٨٨٩. ويمكن القول بأن المؤتمر قد يدل على أن صهاينة شرق أوربا كانوا قد اكتشفوا عقم الصيغة التسللية بل عقم الاتصال بأثرياء اليهود المندمجين وبدأوا ينتظرون المخلِّص من الغرب دون أن يعرفوا هويته أو خصائصه. ثم جاء هرتزل ومعه الحل: الاعتماد على قوة إمبريالية تقوم بنقل اليهود إلى فلسطين وتؤسس لهم دولة وظيفية تابعة تقوم على خدمتها وتضمن القوة الإمبريالية بقاءها واستمرارها. البيلو Bilu أول حركة استيطانية صهيونية حديثة اتخذت اسمها من الأحرف الأولى للعبارة الدينية «بيت يعقوب لخي فنيلخاه» بمعنى (أيا بيت يعقوب هيا نذهب) (أشعياء ٢/٥) ، وهي صياغة استيطانية فضَّلها أعضاء البيلو على الصيغة التوطينية التي وردت في سفر الخروج ١٤/١٥ والتي تحرض أبناء جماعة يسرائيل على الخروج. وقد نشأت الحركة على أيدي بعض الطلبة اليهود من أحباء صهيون في خاركوف الروسية عام ١٨٨٢ كرد فعل على المذابح الروسية وقتها وعلى قوانين مايو. ولم تقتصر الحركة على الطلبة فقط بل انتشرت في أماكن غير خاركوف حتى بلغ إجمالي أعضائها ٥٢٥ عضواً.

стр. 6997

وقد انطلق أعضاء البيلو من الإيمان بأن حضارة أوربا لا مكان فيها لليهود، وأنه لابد من الإحياء القومي اليهودي عن طريق الهجرة إلى فلسطين والنهوض باليهود وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج عن طريق العودة للزراعة، أي أن أعضاء البيلو اكتشفوا الصيغة الصهيونية الأساسية وأضفوا عليها بعض الديباجات الشعبوية (الروسية) واليهودية. وقد قررت الجمعية تجنيد ثلاثة آلاف يهودي وتهجيرهم وجَمْع المال من أثرياء اليهود في روسيا (وفشلت في تحقيق الهدفين) وقد تحدَّث برنامج البيلو عن تأسيس مركز سياسي للشعب اليهودي ومركز روحي لهم، أي أن الخلافات التي وسمت الحركة الصهيونية ظهرت من البداية. كما حدث خلاف آخر إذ انقسم أعضاء البيلو إلى فريقين: واحد يرى أن الاستيطان المباشر (التسللي) هو الحل الوحيد. أما الفريق الآخر فكان يرى ضرورة الحصول على موافقة الباب العالي (الصهيونية الدبلوماسية) وقد وصل إلى إستنبول وفد يمثل الحركة وقابلوا الصهيوني غير اليهودي لورانس أوليفانت وطلبوا منه التوسط لدى السلطات العثمانية لتسمح لهم بالاستيطان. وقد بذل أوليفانت جهداً بالنيابة عنهم ولكنه لم يوفَّق في مساعيه. فاتجه ١٤ عضواً من الوفد إلى فلسطين. ورغم وصولهم ووصول غيرهم ممن هاجروا مباشرةً من روسيا، لم يزد المجموع الكلي عن الخمسين في حين أن عدد أعضاء الجمعية في روسيا كان قد وصل إلى خمسمائة. ويمكن القول بأن عام ١٨٨٢ يؤرخ لبداية الهجرة الصهيونية الاستيطانية لفلسطين.

стр. 6998

وفي فلسطين، عمل أعضاء البيلو بالزراعة وأسسوا بعض المستعمرات الزراعية وتعلموا في مدرسة مكفيه إسرائيل الزراعية وعاشوا عيشة جماعية وواجهوا صعوبات جمة لأنهم لم يعتادوا العمل اليدوي الشاق، ولجهلهم بالزراعة وعدم اعتيادهم الطقس، كما أنهم تلقوا مرتبات صغيرة وعانوا من المعاملة الفظة من قبَل مدير المدرسة. ولكنهم التقوا بتشارلز نتر مؤسس المدرسة الذي شجعهم على الاستمرار، كما التقوا بميخائيل باينس الذي انتخبوه رئيساً للبيلو، فنقل بعضهم إلى القدس ليشتغلوا بالحرف وكوَّنوا جمعية تُسمَّى «شيحو» (الحروف الأولى لعبارة «شيفات هي حاريش بي هامسجر» (لتعد إلى الحرفي والحداد، ملوك ثاني ٢٤/١٦) . ولكن هذا المشروع فشل أيضاً وتبعثر أعضاء البيلو. ثم انتقل بعض أعضاء البيلو إلى ريشون لتسيون وعملوا كعمال أجراء عند مجلس المستوطنة. ولكن العلاقات توترت بينهم. فاستمر أعضاء البيلو في الانتقال من ريشون لتسيون ومكفاه إسرائيل. وقد خيبت جماعة أحباء صهيون ظنهم أيضاً فلم تزودهم بأي عون. وقد اشترى أعضاء الجمعية بواسطة باينس أرض قرية عربية، وهكذا أُسِّست مستوطنة جديرا. وقد قدَّم إليهم روتشيلد العون لبعض الوقت، ولكنهم حينما ضاقوا بهيمنته ومعاملة مدير مستوطنة ريشون لتسيون لهم قاموا بطردهم، كما أنه سحب تمويله لمستوطنة جديرا لأن أكثر سكانها كانوا من جماعة البيلو. عاد بعض أعضاء البيلو إلى روسيا واتجه البعض الآخر إلى الولايات المتحدة، كما بقي البعض في فلسطين.

стр. 6999

والجدير بالذكر أن اليهود الأرثوذكس في القدس لم يتحمسوا لأعضاء البيلو بل رأوا فيهم عامل إقلاق وامتصاص لجزء من أموال الحالوقاه (الصدقة) المُرسَلة من الخارج، ولذلك فقد ناصبوهم العداء. كما وقفت السلطات العثمانية ضد هؤلاء المستوطنين وحرَّمت هجرة اليهود الروس وشراء الأراضي في فلسطين، لكنهم تحايلوا على ذلك برشوة الموظفين الأتراك وتسجيل الأراضي بأسماء يهود من أوربا الشرقية ومن خلال بعض رعايا الدول الأجنبية ممن يتمتعون بالحماية التي تكفلها لهم الامتيازات الأجنبية. على أن الظاهرة الجديرة بالملاحَظة هي الصراع الذي ما لبث أن نشب بين البيلو وبين عناصر الهجرة اليهودية الثانية الذين سُموا الرواد، وهم الذين اتهموا عناصر الموجة الاستيطانية الأولى بالاندماج مع العرب والإقامة في المدن مع استخدام العامل العربي في الزراعة بل التحدث باللغة العربية وارتداء الأزياء العربية. وقد ترتَّب على هذا الصراع إثارة واحدة من أهم قضايا الحركة الصهيونية في هذه الفترة وهي المعروفة بقضية العمل العبري. كما أن أعضاء البيلو، برؤيتهم الرومانسية ومعاداتهم للغرب (وهي أفكار كانت منتشرة بين أعضاء الحركة الشعبوية في روسيا) ، كانوا يتصورون أنهم سيتبنون الحضارة الشرقية (العربية في هذه الحالة) ويصبحون جزءاً منها، وقد كتب بعضهم أعمالاً أدبية تمجد العربي وتحيطه بهالة رومانسية باعتباره «المتوحش النبيل» . ويظهر أعضاء البيلو في صورهم مرتدين اللباس العربي. والواقع أن جماعة البيلو جماعة صهيونية جنينية اكتشفت معظم مكونات المشروع الصهيوني ومشاكله ولكنها لم تكتشف حتمية الاعتماد على الإمبريالية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. ومع هذا، يمكن القول بأن أعضاء الجمعية بدأوا يتحسسون طريقهم نحوها في اتجاههم نحو الباب العالي وروتشيلد. وقد جاء هرتزل واكتشف الآلية الكبرى لتنفيذ المشروع الصهيوني (أي الإمبريالية) قديما Kadima

стр. 7000

«قديما» كلمة عبرية تعني «إلى الأمام» أو «إلى الشرق» . وجمعية قديما تنتمي إلى جمعيات أحباء صهيون، أسسها في فيينا عام ١٨٨٢ عدد صغير من الطلاب اليهود (فالغالبية لم تكن ذات توجُّه صهيوني) معظمهم من يهود اليديشية من شرق أوربا. وكان من بين المؤسسين ناثان بيرنباوم وبيريتس سمولنسكين الذي اقترح اسم المنظمة والذي كانت تُعَد كتاباته الملهم الأساسي لهم. وأسَّس بيرنباوم مجلة تُسمَّى الانعتاق الذاتي للدفاع عن مصالح العرْق اليهودي، كانت أهم أهدافها المعلنة: محاربة اندماج اليهود وتقوية الروح القومية اليهودية وتدعيم الاستيطان اليهودي في فلسطين (وهناك جمعية أخرى تحمل نفس الاسم أسسها المهاجرون الروس في إنجلترا عام ١٨٨٧) وتنتمي جمعية قديما إلى فترة ما قبل هرتزل وبلفور أو إلى فترة التكوين قبل أن تدرك الصهيونية حتمية الاستعانة بالإمبريالية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. ولذا، فإننا نجد تفكيرها يتسم بالسذاجة الشديدة وعدم إدراك البُعْد السياسي الاستعماري لعملية الاستيطان وعدم فَهْم طبيعة الموازنات الدولية. وحينما ظهر هرتزل غيَّر كل ذلك، وبيَّن للجميع أن الحل الصهيوني لابد أن يكون حلاًّ استعمارياً تساعده قوة إمبريالية عظمى، وقضى على وهم الجهود الذاتية. ولذا، حين أخبره عضوان من قديما أنهما يفكران في تكوين فرقتين من ألفي متطوع تذهبان إلى يافا لاحتلالها مثلما فعل غاريبالدي (لاجتذاب انتباه أوربا) ، نصحهما بالإقلاع عن هذه الحيلة الصبيانية لأن السكان هناك لن يرحبوا بهم وسيُقضَى على العملية كلها في ٢٤ ساعة. ولعل إدراك هرتزل كل أبعاد العملية الاستيطانية وحتمية عداء السكان الأصليين لها هو الذي جعله قادراً على إزاحة بيرنباوم تماماً من الطريق، رغم أن الأخير كان أكثر ثقافةً وعلماً وعمقاً. ليو بنسكر (١٨٢١-١٨٩١ ( Leo Pinsker

стр. 7001

طبيب روسي صهيوني استيطاني تسللي وزعيم جماعة أحباء صهيون. وُلد في روسيا، وكان أبوه مدرساً وعالماً، كما كان يعمل بالتجارة وقد انتقل إلى مدينة أوديسا بعد فشله في أعماله التجارية في جاليشيا، وكانت أوديسا مدينة روسية جديدة تتسم بارتفاع معدلات العلمنة والاندماج بين أعضاء الجماعة اليهودية، فزود ابنه بثقافة روسية علمانية وعرَّفه بأفكار حركة الاستنارة اليهودية، كما تعلَّم بنسكر اللغة الألمانية (وهي لغة الحديث في المنزل) وتعلَّم قليلاً من العبرية. ولم يتعلم بنسكر في مدرسة يهودية (كما هو الحال مع معظم المفكرين والزعماء الصهاينة) ، وإنما أنهى دراسته الثانوية في مدرسة روسية ثم درس الحقوق في أوديسا ودخل جامعة موسكو لينال منها شهادة طبية. وقد كتب عدة مقالات في راسيفيت وهي أول مجلة أسبوعية يهودية تصدُر بالروسية (بدأ نشرها عام ١٨٦٠) ، وكتب أيضاً في مجلات يهودية أخرى ذات طابع اندماجي، كما قام بجهود كبيرة كعضو في جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا. وخدم بنسكر في الجيش الروسي أثناء حرب القرم (١٨٥٦) ، وساهم في حركة الترويس، وقد كان يرى أن اليهود إن تعلموا اللغة القومية فإن ذلك سيساهم في دَمْجهم.

стр. 7002

ولكن أحداث عام ١٨٧١ في أوديسا زعزعت إيمانه. ومع تعثُّر التحديث وصدور قوانين مايو ١٨٨٢، تغيَّر موقفه بشكل جوهري وعدل عن كثير من آرائه، وبدأ الشك يساوره في مقدرة الاستنارة وحدها على حل مشاكل اليهود. وفي عام ١٨٨١، وفي أحد اجتماعات جماعة تنمية الثقافة، طالب بنسكر بالعدول عن هذه السياسة واقترح إعادة توطين اليهود في وطن واحد. وبدأ بنسكر في التجوال في عواصم أوربا للدعوة لفكرته بشأن الدولة الصهيونية، فقابل الحاخام أدولف جلينك، حاخام فيينا الأكبر وصديق أبيه، فأشار هذا عليه بإخضاع نفسه للعناية الطبية. وقابل زعماء الأليانس وبعض القادة اليهود ولكنهم عارضوه. ومع هذا، فقد ألف بالألمانية كراسة الانعتاق الذاتي: تحذير من يهودي روسي لإخوته (١٨٨٢) الذي نُشر دون ذكر اسم المؤلف لأنه كان مُوجَّهاً أساساً إلى يهود الغرب. والكراس يأخذ شكل المانفستو، ولذلك فإنه خال من أيِّ عمق. ويتميَّز كراس بنسكر بأنه لا ينظر إلى اليهود من الداخل باعتبارهم جماعة مستقلة (كما يفعل بعض مثقفي يهود اليديشية) وإنما ينظر إليهم من الخارج كما ينظر إليهم الصهاينة غير اليهود. وقد تعلَّم بنسكر تعليماً غربياً وكان ذا هوية غربية، واليهود واليهودية بالنسبة إليه موضوعا للدراسة أساسا، وهوية فرضت عليه فرضا من الخارج. وعلى أية حال، فبالإمكان تصنيفه على أنه صهيوني يهودي غير يهودي.

стр. 7003

يضع بنسكر الموضوع اليهودي في سياقه الغربي وحسب وينطلق، مثله مثل معظم الصهاينة، من رفض اليهودية التقليدية والتفكير الديني اليهودي. فهو يعلن ضرورة التخلص من موقف الانتظار وضرورة الثورة ضد الشعور الديني القديم الذي يدفع اليهود إلى تقبُّل وَضْعهم ووجودهم في المنفى باعتباره عقاباً أنزله الإله بهم "فشعب الله المختار إن هو إلا شعب مختار للكراهية العالمية". ولذا، يجب على اليهود التخلي عن الفكرة المغلوطة القائلة بأن اليهود بتشتتهم هذا يحققون رسالة إلهية، فتلك الرسالة لا يؤمن بها أحد.

стр. 7004

ويُقدِّم بنسكر طرحاً مغايراً تماماً للرؤية الدينية، فينظر لليهود في سياق وضعهم الهامشي في المجتمع الغربي، وفي إطار التحولات التي طرأت على هذا المجتمع (التصنيع والتحديث والتنوير والإعتاق والعلمنة) والتي أدَّت إلى ظهور المسألة اليهودية في إطار فكرة الشعب العضوي المنبوذ من المجتمع الغربي. فهو يقول إن اليهود شعب عضوي لا يمكن أن يذوب في الأمم الأخرى، ولذا فهو يعيش في بلاد لا تعترف به ابناً لها، فالألماني الفخور بصفاته التيوتونية والسلافي الفخور بصفاته السلافية وغيرهم لا يعترفون بأن اليهودي يتساوى معهم بالمولد، فهذه القوميات العضوية تجعل الانتماء القومي مسألة عضوية موروثة. واليهود، رغم أنهم شعب عضوي، إلا أنهم يفتقرون إلى كثير من الصفات القومية العضوية (لغة وعادات مشتركة وأرض مشتركة) كما أنهم ليس لهم وطن أصلي ولا حكومة تمثلهم، ولهذا تحوَّلوا من أمة يهودية إلى يهود، وأصبحوا بذلك شعباً ميتاً: فقدوا استقلالهم وتحولوا إلى حالة التعفن التي لا تستطيع مسايرة العضو الحي المتكاسل. وهم "شبح" يأتي من عالم الأموات (ولنلاحظ أن كل الصور المجازية الإدراكية هنا صور مجازية عضوية) . ثم تتري الصور المجازية التي تدل على تقبُّل بنسكر مقولات معاداة اليهود: "إننا قطيع منتشر في أرجاء المعمورة دونما راع يحمينا ويجمعنا معاً. أما في أحسن الظروف، فقد نصل إلى مرتبة الماعز التي تبيت (حسب التقليد الروسي) في إسطبلات الخيل"، وإذا بقيت الظروف على ما هي عليه "فسنظل طفيليين نعتمد في معيشتنا على بقية السكان". وهذا هو أس البلاء، فما دام اليهود عنصراً قومياً غريباً، ضيوفاً على أمم مضيفة، فإنهم سيظلون محط كراهية كل الشعوب لأن الناس تخاف من الأشباح.

стр. 7005

ومن الواضح أن وَصْف بنسكر متأثر بتجربة يهود شرق أوربا، وخصوصاً في روسيا، فقد كانوا يعيشون في مناطق الاستيطان على هامش المجتمع الروسي: "منبوذون ... لا يُطبَّق عليهم القانون العام باعتبارهم أغراباً بمعنى الكلمة. فثمة قوانين خاصة باليهود". وقد يكون في هذا الوصف شيء من الموضوعية التقريرية المباشرة، ولكنه يعزل أعضاء الجماعات اليهودية عن الظواهر المماثلة في المجتمع الروسي وفي المجتمعات الأخرى، ويجعل الاضطهاد حكراً على اليهود في كل مكان. وما دام اليهودي لا وطن له في أي مكان وليس له حقوق المواطنة، فإنه منبوذ في كل مكان وزمان. فالخوف من الأشباح، أي معاداة اليهود، أمر أزلي ينتقل من جيل إلى آخر ويقوى عبر العصور. كما أن بنسكر نفسه يقول: "تظهر هذه الفكرة في كل زمان ومكان". وما الحل الآن؟ يرفض بنسكر مرة أخرى الحلول التقليدية مثل الهجرة الفردية: "كافحنا عبر القرون بجهد كي نحيا لكن كأفراد وليس كأمة". كما يرفض بنسكر فكرة الاستيطان الديني التقليدي الذي كان يُموَّل بأموال الصدقة (الحالوقاه) ، فمشروعه الصهيوني المقترح لا يتم "بجمع التبرعات من الحجاج والهاربين الذين سينسون وطنهم ومن ثم سيضيعون في أعماق غربة أرض مجهولة".
следующие страницы →