Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
الباب الخامس عشر: الدولة مزدوجة القومية
الدولة مزدوجة القومية
Bi-National State
أدرك بعض زعماء الاستيطان الصهيوني أن المشروع الصهيوني مشروع استعماري استيطاني لا يكترث كثيراً بسكان البلاد الأصليين، شأنه في هذا شأن أي مشروع مماثل. كما لاحظوا تزايُد المقاومة العربية للاستيطان الصهيوني، فالأرض، كما تبيَّن ليست بلا شعب. فحاول هؤلاء تخفيف حدة المقاومة والتوصُّل إلى حل سلمي مع العرب عن طريق طرح مشروع الدولة مزدوجة القومية، حيث يقتسم العرب والمستوطنون الصهاينة فلسطين ويتعاونان سوياً. ومن أهم هذه الجماعات جماعة بريت شالوم وإيحود.
ويمكن القول بأن هذه الدعوة، رغم ما فيها من إحساس طيب، تغفل الطابع الاستيطاني الإحلالي البنيوي للصهيونية.
بريت شالوم
Brit Shalom
» بريت شالوم» عبارة عبرية تعني «عهد السلام» ، وبريت شالوم منظمة يهودية في فلسطين كان لها علاقات وفروع في دول أخرى وكانت تدعو لتعايش سلمي بين الصهاينة والعرب. وكانت المنظمة تتكون أساساً من المثقفين والأعضاء البارزين في التجمُّع الاستيطاني اليهودي في فلسطين. وقد وصلت بريت شالوم إلى قمة نشاطها في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات في القرن العشرين. وتعود بداية بريت شالوم إلى ١٩٢٥ مع افتتاح الجامعة العبرية في القدس، حيث تكونت حلقة من عدة شخصيات مهمة دعت إلى تغيير في النشاط الصهيوني من الاعتماد على العلاقات مع سلطات الانتداب البريطاني إلى محاولة العمل لخلق علاقات طيبة مع العرب. ولم تصل بريت شالوم إطلاقاً إلى تحديد واضح لأهدافها وبنيتها التنظيمية. فبعض أعضائها كان يعتبرها جماعة بحثية عليها أن تلفت نظر الحركة الصهيونية إلى أهمية المشكلة العربية. ودعا البعض الآخر إلى قيام نشاط دعائي واسع النطاق. وهم، على أية حال، ليسوا جماعة جماهيرية. وقد ساعدت أفكار هذه المنظمة على خلق حوارات سياسية ولكنها لم تؤد أبداً إلى أنشطة فعالة.
стр. 7282
وكان الهدف الرئيسي لبريت شالوم هو الدعاية لخلق دولة مزدوجة القومية في فلسطين بغض النظر عن التمثيل العددي، وكان هذا يعني التخلي عن خطة تكوين الدولة اليهودية. وأعرب بعض أعضائها عن اعتقادهم بوجوب تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
ويبدو أن الصهيونية كانت تمثل، بالنسبة إلى أعضاء بريت شالوم، حركة ثقافية أكثر منها سياسية، ودعا البعض إلى تقوية العلاقات العرْقية التي تعود للأصل السامي بين العرب واليهود. وحاول أعضاء بريت شالوم إقامة مؤسسات للحكم الذاتي يهودية/ عربية من أجل التعاون في الإدارة البلدية والحياة الاقتصادية، وتطوير الخدمات العربية بمساعدة اليهود. وكانت المنظمة تُصدر جريدة عبرية وكذلك مطبوعات بالعربية والإنجليزية. وقد انتقدت المنظمة بشدة سياسات الهستدروت تجاه العمال العرب.
وقد رفض العرب برنامج بريت شالوم بوصفه دعاية صهيونية متخفية. وكان تأثير الجماعة في المستوطنين اليهود ضئيلاً جداً رغم مشاركة شخصيات مثل صمويل هوجو برجمان وآرثر روبين وحاييم كلفارسكي وجرشوم شولم ومارتن بوبر ويهودا ماجنيس. وقد تَوقَّف نشاط الجمعية تماماً مع أوائل الثلاثينيات.
إيحود
Ihud
стр. 7283
» إيحود» كلمة عبرية تعني «الاتحاد» أو «الوحدة» . وإيحود جماعة يهودية دعت إلى إقامة دولة عربية يهودية مزدوجة القومية في فلسطين. وفي عام ١٩٣٧، رأت لجنة بيل، التي عينتها الحكومة البريطانية لتَقصِّي الحقائق بعد اندلاع الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام ١٩٣٦، أن خطة إقامة كومنولث مزدوج القومية قد صارت خطة مستحيلة التطبيق. وكبديل، اقترحت اللجنة تقسيم فلسطين. وقد رفض أعضاء جماعة إيحود، ومن بينهم يهودا ماجنيس ومارتن بوبر وحاييم كالفارسكي وآرثر روبين، هذه الخطة. واتفق معهم في الرأي كلٌ من موسى سيملانسكي وقادة جماعة الحارس الفتي (هاشومير هاتزعير) اليسارية. وفي عام ١٩٤٢، تم تكوين جمعية إيحود أو الوحدة التي دعت إلى إقامة فلسطين مستقلة تضم العرب واليهود معاً. وقد انضمت جماعة صغيرة من العرب إلى الجماعة، بيد أنه تم اغتيالهم الواحد بعد الآخر.
وكانت الجمعية تُصدر دوريات باللغات الرسمية الثلاث في فلسطين، وكذلك مجلة شهرية. وقد نشب خلاف أساسي بين أعضاء الجماعة من العرب واليهود حول موضوع تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، دعت إيحود إلى المفاوضات مع العرب واستمرت في جهودها من أجل الحل ثنائي القومية عام ١٩٤٧، وطالب ماجنيس بهذا الحل أمام اللجنة الخاصة للأمم المتحدة حول فلسطين، وطالب بتحييد فلسطين (مثل سويسرا) مع إعطاء اليهود مقعداً خاصاً في الأمم المتحدة بوصفهم قومية خاصة. ومع صدور قرار التقسيم، قام كلٌّ من ماجنيس وإيحود بالدعوة إلى إقامة اتحاد سامي يشمل إسرائيل، بيد أن هذه المحاولة قد فشلت.
إسحق إبشتاين (١٨٦٢-١٩٤٣ (Yithak Epstein
стр. 7284
كاتب صهيوني وتربوي ومتخصص في اللغة العبرية. وُلد في بيلوروسيا وترعرع ونشأ في أوديسا. سافر عام ١٨٨٦ إلى فلسطين على نقفة البارون إدموند دي روتشيلد. أمضى ٦ سنوات في مستوطنتي زخرون ياكوف وروش بينا. ثم صار مدرساً وناظراً لمدرسة عامة افتتحت في صفد. وبعدئذ تَنقَّل إلى مدارس ميتولا وروش بينا، ثم سافر إلى سويسرا حيث درس في لوزان بين عامي ١٩٠٢ و١٩٠٨. وبعد حصوله على الشهادة من الجامعة هناك، سافر إلى اليونان حيث عمل مديراً لمدرسة الأليانس في سالونيكا بين عامي ١٩٠٨ و١٩١٥، ثم عاد بعد ذلك إلى سويسرا لإتمام دراسة الدكتوراه في التربية والأدب. وفي عام ١٩١٩، عاد إلى فلسطين وعمل مديراً لمعهد لفنسكي للمدرِّسات في تل أبيب حتى ١٩٢٣. ثم عمل بعدئذ مشرفاً عاماً على مدارس الحركة الصهيونية ومقره القدس. بعد استقالته من منصبه، كرس حياته لدراسة لغويات العبرية، خصوصاً الصوتيات. وكان يدعو في نهاية حياته إلى التعاون بين العرب واليهود. واستقال من منظمة بريت شالوم رغم أنه كان أحد مؤسسيها.
حاييم كالفارسكي (١٨٦٨-١٩٤٧ (Hayimm Kalvarsky
أحد قادة الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وُلد في بولندا لأسرة إقطاعية، وكان نشيطاً منذ الصبا في الحركة الصهيونية وحركة أحباء صهيون. درس العلوم الزراعية في جامعة مونبييه وأسَّس هناك جمعية طلابية باسم «مستقبل إسرائيل» ، واستوطن فلسطين بعد تَخرُّجه، وعمل في يافا أميناً لجمعية أبناء موسى، ثم صار مدرساً في المدرسة الزراعية. وبعد عام ١٩٠٠، أصبح كبير إداريي المستوطنات اليهودية في الجليل التابعة لجمعية الاستعمار اليهودية حيث أسَّس عدة مستوطنات. قابل هرتزل في أوربا عام ١٩٠٢ وأقنعه بأهمية المستوطنات اليهودية في فلسطين للحركة الصهيونية.
стр. 7285
وكان كالفارسكي من دعاة التفاهم والتقارب بين العرب واليهود، وقد أسَّس بأموال إدموند روتشيلد مدرسة أطفال عبرية عربية في قرية جاعوني قرب روش بينا. ونظم لقاءات بين ناحوم سوكولوف وبعض القادة من القوميين العرب في دمشق وبيروت. ودعاه الملك فيصل الأول عام ١٩١٩ لحضور مؤتمر عموم سوريا لتقديم مقترحات بصدد العلاقات اليهودية العربية.
انضم إلى جميع الجماعات التي كانت تدعو إلى إقامة علاقات عربية يهودية. وفي أخريات حياته، ساهم في تأسيس جمعية فلسطين الجديدة مع فوزي الحسيني الذي ترأسها.
وعارض كالفارسكي السياسات الصهيونية الرسمية لفشلها في رؤية أهمية العلاقات مع العرب. وقد كان كالفارسكي يعتقد إمكانية قيام دولة فيدرالية كبرى في المنطقة تضم العرب واليهود معاً.
آرثر روبين (١٨٧٦-١٩٤٣)
Arthur Ruppin
عالم اقتصاد واجتماع، وقائد صهيوني ومنظِّم المستوطنات الزراعية في فلسطين. وُلد في ألمانيا لعائلة فقيرة، وترك الدراسة في سن الرابعة عشرة. لكنه عمل ودرس حتى حصل على دكتوراه القانون عام ١٩٠٢.
اشترك في عدة جمعيات يهودية في الفترة بين عامي ١٩٠٢ و١٩٠٥، والتحق بالمنظمة الصهيونية العالمية في ١٩٠٥. وطلب منه ديفيد ولفسون ١٩٠٧ أن يذهب إلى فلسطين ليبحث حالة المستوطنات اليهودية. وكانت تلك المرحلة نقطة تحوُّل في حياته حيث كرَّس كل جهوده بعد ذلك لتطوير المستوطنات اليهودية، واستقر في فلسطين حيث ترأَّس المكتب الفلسطيني للمنظمة الصهيونية في يافا.
طرده أحمد باشا والي الشام وقائد الجيش التركي في سوريا لشكه في أنه يعمل لحساب الحلفاء لكنه رحل إلى إستنبول حيث عمل كحلقة اتصال بين مكتب فلسطين والمكتب الصهيوني التنفيذي في برلين. وعاد روبين إلى فلسطين عام ١٩٢٠ واستقر هناك، حيث كان مسئولاً عن مكتب المستوطنات، وأسس عدة بنوك في فلسطين لتمويل حركة الاستيطان.
стр. 7286
ساعد في تأسيس حركة بريت شالوم، وكان من دعاة تأسيس دولة مزدوجة القومية (عربية عبرية) في فلسطين. وبعد الثورة العربية عام ١٩٢٩، حارب روبين بشدة من أجل زيادة الهجرة إلى فلسطين وزاد نشاطه في حركة الاستيلاء على الأراضي العربية بكل الطرق. وقد ظل يتأرجح بين موقفيه المتناقضين: محاولة ضمان تنفيذ المشروع الصهيوني عن طريق تصعيد الهجرة الاستيطانية ومحاولة التفاهم مع العرب (ضحايا المشروع الصهيوني) . ومع تَصاعُد الصراع مع العرب، دوَّن في مذكراته (إبان الحرب العالمية الثانية) أنه يعتقد أن ثمة جنوناً كاملاً قد سيطر على العالم بأسره. وتُوفي آرثر روبين في القدس عام ١٩٤٣.
يهودا ماجنيس (١٨٧٧-١٩٤٨)
Judah Magnes
حاخام أمريكي إصلاحي، صهيوني توطيني، ورئيس الجامعة العبرية. وُلد في الولايات المتحدة لعائلة يهودية من أصل ألماني متأثرة بالتعاليم والنزعات الصهيونية. قام بنشاطات صهيونية فأصبح سكرتيراً لفيدرالية الصهاينة الأمريكيين (١٩٠٥ - ١٩٠٨) ، كما ساهم في تأسيس اللجنة اليهودية الأمريكية. ولكن معظم نشاطاته كانت من النوع التوطيني، فأصله الألماني، وكذلك توجُّهه الإصلاحي واندماجه في المجتمع الأمريكي وانتماؤه للطبقة الوسطى، جعل تبنِّىه مُثُل الصهيونية الاستيطانية أمراً مستحيلاً. ولذا، فقد كان يرى أن الصهيونية هي بالدرجة الأولى حركة لإنقاذ يهود شرق أوربا وجسر يربط النخبة اليهودية ذات الأصل الألماني في الولايات المتحدة وجماهير المهاجرين من يهود روسيا. وكان يصر دائماً على وجوب تفسير الصهيونية بطريقة تلائم البيئة الأمريكية خارج نطاق النظرية القومية التي كانت سائدة في أوربا. ولذا، فإننا نجده يشترك في جمع التبرعات لضحايا مذبحة كيشينيف وينظم بعض التظاهرات لصالحهم.
стр. 7287
عُيِّن عام ١٩٠٨ حاخاماً لمعبد إيمانوئيل في نيويورك. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، طالب بأن يترجم الإيمان الديني نفسه إلى رفض للحرب واتخاذ موقف سلمي، فأغضب هذا الكثيرين، ومنهم المؤسسة الصهيونية التي كانت تسعى للحصول على وعد بلفور، فاضطر إلى الاستقالة من المعبد ثم من الفرع الأمريكي للحركة الصهيونية (١٩١٥) . وهكذا أصبح يزداد ابتعاداً عن الصهيونية الدبلوماسية والعامة (الاستعمارية) بتأكيدها أولوية الدولة، كما أصبح يزداد اقتراباً من الصهيونية الإثنية العلمانية التي تركز على مسائل الهوية والوعي. ولذا، نجد أنه على المستوى الديني يزداد اقتراباً من اليهودية المحافظة. وقد أسس مؤسسة سمّاها القهال (١٩٠٩) كي تكون إطاراً إدارياً موحَّداً للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بهدف أمركة المهاجرين. وقد نجحت هذه المؤسسة إلى حدٍّ ما في مجال التعليم ومكافحة الجريمة بين المهاجرين بالتعاون مع الشرطة. ولكنها حُلت عام ١٩٢٢، ولم تترك أثراً يُذكَر إلا في مجال التربية.
وفي إطار صهيونيته الإثنية التوطينية، كان ماجنيس يطالب بإحياء الثقافة واللغة العبريتين. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، دعا إلى تنظيم الجامعة العبرية فقام بجمع التبرعات اللازمة ووضع الإطار الأكاديمي، واستقر في فلسطين نهائياً عام ١٩٢٢. وحينما افتُتحت الجامعة عام ١٩٢٥، عُيِّن ماجنيس رئيساً لها.
стр. 7288
ورغم هذا الحماس للإحياء القومي اليهودي، كان ماجنيس من القلة الصهيونية النادرة التي تنبهت إلى المخاطر التي تنطوي عليها إقامة الوطن اليهودي، فقد كان يعرف أن هناك شعباً عربياً فلسطينياً سيُقاوم وأن الدولة التي أُنشئت رغماً عنه ستعيش في حالة حرب دائمة. وقد كرس ماجنيس نفسه للترويج لفكرة التفاهم اليهودي العربي، ودعا إلى وضع نظام يتسم بالتكافؤ التام بين العرب واليهود، وطالب بتقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وفي مقال تحت عنوان «مثل كل الشعوب» كتبه عام ١٩٣٠، حذَّر الصهاينة من أن العرب يشكلون الأغلبية المطلقة في فلسطين. وحيث إن الغاية (مهما سمت) لا يمكن أن تبرر الواسطة (الدنيئة) ، فقد عبَّر عن اطمئنانه إلى (أو عن أمله فى) أن اليهود لن تسمح لهم أنفسهم بغزو أرض الميعاد على طريقة يوشع بن نون الذي فتح كنعان (وأباد سكانها) ، والذي ثبَّت دعائم الوجود اليهودي عن طريق السيف. لقد كان ماجنيس من المؤمنين بأن "تأسيس الوطن اليهودي بكبت طموح العرب السياسي أمر غير ممكن، لأن مثل هذا الوطن سيُؤسَّس على رؤوس الحراب مدة طويلة". ولذلك، فقد اقترح التغلب على الصعاب التي تواجه الصهاينة "باستخدام جميع الأسلحة التي وضعتها الحضارة تحت تصرفهم باستثناء الحراب، مثل الأسلحة الروحية والثقافية والاجتماعية والمالية والاقتصادية والطبية ... والأخوة والصداقة".
стр. 7289
وقد ساهم ماجنيس فى تأسيس جماعة بريت شالوم (عهد السلام) لتعزيز التفاهم والتعاون بين العرب واليهود ودرء الخطر الناجم عن تنفيذ برنامج بلتيمور الصهيوني. كما ساهم فى تأسيس جماعة إيحود (الاتحاد) عام ١٩٤٢، التي ضمت عدداً من الأعضاء السابقين في بريت شالوم بالإضافة إلى شخصيات يهودية بارزة مثل مارتن بوبر وإرنست سيمون وسميلانسكي ورؤساء جمعية الحارس الفتى، كما انضم إلى الجمعية بعض العرب الفلسطينيين. وقد كانت الجمعية تنادي بدولة مستقلة مزدوجة الجنسية، ولكن جهودها ذهبت سدى بسبب الرفض الشعبي الفلسطيني ولعدم وجود آذان صهيونية صاغية، وقد عارض ماجنيس قرار تقسيم فلسطين. وفي عام ١٩٤٨، أصدر مجلس الجامعة العبرية بياناً أعلن فيه أن الجامعة وهيئة التدريس لا علاقة لهما بنشاطات ماجنيس السياسية الرامية لإنشاء دولة تتسع لليهود والعرب. وقد مات ماجنيس في نيويورك. وقد جُمعت كتاباته وخُطَبه في عدة كتب من بينها خطب في وقت الحرب ١٩١٧ - ١٩٢١ (١٩٢٣) ، وحيرة الأزمنة (١٩٤٦)
стр. 7290
الجزء الثالث: الحركة الصهيونية
الباب الأول: المنظمة الصهيونية العالمية
المنظمة الصهيونية العالمية: تاريخ
World Zionist Organization: History
أُسِّست المنظمة الصهيونية العالمية عام ١٨٩٧ في المؤتمر الصهيوني الأول. كان اسمها في البداية «المنظمة الصهيونية» وحسب (ولكن الاسم عُدِّل عام ١٩٦٠ ليصبح «المنظمة الصهيونية العالمية» ) . وعُرِّفت المنظمة عند تأسيسها بأنها الإطار التنظيمي الذي يضم كل اليهود الذين يقبلون برنامج بازل ويسددون رسم العضوية (الشيقل) ، وقد أنيطت بها مهمة تحقيق الأهداف الصهيونية التي جسدها برنامج بازل وعلى رأسها إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين "يضمنه القانون العام" وهي عبارة تعني في واقع الأمر: "تضمنه القوى الاستعمارية في الغرب". وكانت المنظمة بمنزلة هيئة رسمية تمثل الحركة الصهيونية في مفاوضاتها مع الدول الاستعمارية الرئيسية آنذاك من أجل استمالة إحداها لتبنِّي المشروع الصهيوني، وكانت إطاراً لتنظيم العلاقة بين الصهاينة الاستيطانيين والصهاينة التوطينيين، أي أن تأسيسها كان بداية انتقال النشاط الصهيوني من مرحلة البداية الجنينية التسللية إلى مرحلة العمل المنظم على الصعيد الغربي.
ولتنفيذ مخططها الاستيطاني والتوطيني عملت المنظمة على إنشاء عدد من المؤسسات المالية لتمويل المشروع الصهيوني، كان من أهمها صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار، وهو بنك صهيوني تم تأسيسه عام ١٨٩٩. وقد أشار سوكولوف إلى أن هذا البنك قد أُسِّس على نمط شركة الهند الشرقية وشركة خليج هدسون للفراء في كندا وشركات التعدين في جنوب أفريقيا. وفي عام ١٩٠٣، أنشأ الصندوق فرعاً مصرفياً برأسمال قدره ٤٠ ألف جنيه إسترليني، كما أنشأ فروعاً أخرى في هولندا وفرنسا (وقد عُرف فيما بعد باسم «البنك البريطاني الفلسطيني» ثم عُرف بعد ذلك باسم «بنك ليئومي ليسرائيل» منذ عام ١٩٥١)
стр. 7291
وفي عام ١٩٠١، أسَّست المنظمة الصندوق القومي اليهودي (كيرين كايميت) بهدف توفير الأموال اللازمة لشراء الأراضي في فلسطين ونص القانون الأساسي لهذا الصندوق على اعتبار الأراضي التي يشتريها ملكية أبدية للشعب اليهودي لا يجوز بيعها أو التفريط فيها. كما حصلت المنظمة على امتياز مجلة دي فيلت لتكون لسان حال المنظمة.
وقد نمت المنظمة الصهيونية خلال سنواتها الأولى. فمع انعقاد المؤتمر الصهيوني السادس عام ١٩٠٣، بلغ عدد الأعضاء المشاركين فيه ٦٠٠ عضو، وازداد عدد الجمعيات الصهيونية إلى ١٥٧٢ جمعية موزعة على بلاد مختلفة. وقد وصل الأعضاء عشية الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩) إلى مليون عضو. وفي عام ١٩٤٦، كان عدد دافعي الشيقل ٢.١٥٩.٨٤٠ (ولكن يجب مراعاة أن عضوية المنظمة بالنسبة لكثير من الصهاينة لا تتجاوز حرفياً دفع الشيقل، ولا تعني بالضرورة القيام بأي نشاط آخر)
وقد انتقل مركز المنظمة من عاصمة إلى أخرى. فبعد وفاة هرتزل، انتقل مكان وجود رئيس المنظمة من فيينا إلى كولونيا، وهو مقر ديفيد ولفسون في الفترة ١٩٠٥ ـ ١٩١١، ثم إلى برلين في ظل رئاسة أوتو واربورج (١٩١١ ـ ١٩٢٠) . وبعد صدور وعد بلفور، انتقل مركز المنظمة إلى لندن: مركز الثقل الإمبريالي في العالم (وكان ذلك يعني الارتباط بالإمبريالية البريطانية وتوقيع العقد الصامت مع الحضارة الغربية) . وظل مركز المنظمة في لندن إبان رئاسة حاييم وايزمان (١٩٢٠ ـ ١٩٣١) ثم ناحوم سوكولوف (١٩٣١ ـ ١٩٣٥) في عام ١٩٣٦، وبعد استقرار المؤسسات الاستيطانية في فلسطين التي وُضعت تحت حكم الانتداب عام ١٩٢١، انتقلت المنظمة إلى القدس وإن ظلت لندن مقر رئيس المنظمة وبعض أعضاء اللجنة التنفيذية.
стр. 7292
ولم يخلُ تاريخ المنظمة من الخلافات والصراعات بين التيارات المختلفة وكذلك الانقسامات والانشقاقات، فمنذ المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) وحتى عام ١٩٠٥ تبلورت معارضة الصهاينة العمليين (الاستيطانيين التسلليين) الذين طالبوا بالتركيز على البند الأول من برنامج بازل الخاص بتشجيع حركة الاستيطان في فلسطين، في حين تزعَّم هرتزل تيار الصهاينة الدبلوماسيين (الاستعماريين) الذين ركزوا على تحقيق البند الرابع من البرنامج الصهيوني الخاص بالحصول على «ميثاق» دولي (أي غربي) يتيح الاستيطان اليهودي في فلسطين القائم على القانون وتحت حماية الدول الاستعمارية الكبرى. ومن الجدير بالذكر أن الخلاف بين الفريقين لم يكن خلافاً مبدئياً أو إستراتيجياً بقدر ما كان خلافاً تكتيكياً يرى التركيز على بند دون الآخر من بنود البرنامج الصهيوني. وبالفعل، تم التوصل في نهاية الأمر إلى صيغة توفيقية تجمع بين الاتجاهين وتتمثل في الصهيونية التوفيقية (أو التركيبية) التي طرحها وايزمان في المؤتمر الصهيوني الثامن (١٩٠٧) ، وقد نجح الصهاينة الاستيطانيون في إحكام سيطرتهم على المؤسسات الصهيونية كافة خلال المؤتمر الحادي عشر
(١٩١٣ظهرت خلافات عميقة حول إدارة المنظمة وبرز الجناح الديموقراطي الصهيوني (العصبة الديموقراطية) بقيادة حاييم وايزمان وليو موتزكين وفيكتور جيكوبسون ومارتن بوبر وغيرهم من الذين انتقدوا قيادة هرتزل لأنها غير ديموقراطية ولا تكترث بقضية بَعْث الثقافة اليهودية.
وعلى الصعيد نفسه، وجهت المعارضة التي قادها مناحم أوسيشكين من خلال اللجنة الروسية وعَبْر مؤتمرها الذي عقد عام ١٩٠٣ إنذاراً لهرتزل بالتخلي عن أسلوبه في إدارة المنظمة وبإلغاء مشروع شرق أفريقيا والتركيز على المشاريع الاستيطانية في فلسطين.
стр. 7293
وقد شهدت المنظمة انشقاقات مهمة، كان أولها انسحاب إسرائيل زانجويل وأتباعه الصهاينة الإقليميين بعد أن رفض المؤتمر الصهيوني السابع (١٩٠٥) مشروع إقامة وطن قومي يهودي في أوغندا وقاموا بتأسيس منظمة مستقلة عُرفت باسم المنظمة الصهيونية الإقليمية.
كما شهدت المنظمة انقساماً آخر عام ١٩٣٣ حينما انشق غالبية الصهاينة التصحيحيين بزعامة فلاديمير جابوتنسكي عن المنظمة الصهيونية بعد إخفاقهم في حملها على تبنِّي مطلبهم المتمثل في الإعلان بصراحة عن أن الهدف النهائي للحركة هو إقامة الدولة اليهودية. وشكلوا منظمة أخرى تُدعَى «المنظمة الصهيونية الجديدة» .
وبالإضافة إلى ذلك، كانت المنظمة منقسمة إلى اتجاهات سياسية متباينة: حركة عمال صهيون (وهم الصهيونيون العماليون) وحركة مزراحي (التي تمثل الصهيونية الإثنية الدينية) والصهاينة العموميين. كذلك كان هناك تيار الصهيونية الإثنية الثقافية وعلى رأسه آحاد هعام وأنصاره.
ويجب أن نذكر، مرة أخرى، أن هذا الانقسام أو هذه الانشقاقات كانت تتم داخل إطار من الوحدة والالتزام المبدئي. ولذلك، نجد أن الإقليميين والتصحيحيين عادوا إلى حظيرة المنظمة بعد بضع سنوات، كما أن أتباع المزراحي الذين انشقوا عام ١٩٠١ تحت زعامة الحاخام إسحق راينس وأسسوا حركة مزراحي ظلوا يعملون داخل إطار المنظمة مع أعضاء عمال صهيون الماركسيين والصهاينة العموميين ذوي الاتجاهات الليبرالية.
стр. 7294
وقد شهد انتهاء الحرب العالمية الأولى صدور وعد بلفور والبداية الحقيقية لتطبيق المشروع الصهيوني في فلسطين بفرض الانتداب البريطاني عليها، وبالتالي بدأ اتخاذ الخطوات لترجمة وعد بلفور على المستوى التنظيمي، فأكملت المنظمة جهازها المالي بإنشاء الصندوق التأسيسي الفلسطيني (كيرين هايسود) عام ١٩٢١ المختص بتمويل نشاطات الهجرة والاستيطان. كما تحولت اللجنة الصهيونية في فلسطين إلى حكومة في طور التكوين قامت بالإشراف على كل الشئون الاستيطانية والاقتصادية والثقافية للتجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين.
كما أسَّست المنظمة ساعدها التنفيذي المعروف باسم «الوكالة اليهودية» عام ١٩٢٢، إذ نص صك الانتداب البريطاني على فلسطين على الاعتراف بوكالة يهودية مناسبة لإسداء المشورة إلى سلطات الانتداب في جميع الأمور المتعلقة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. واعترف صك الانتداب بأن المنظمة الصهيونية هي هذه الوكالة. وفي عام ١٩٢٩، نجح وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية آنذاك في إقناع أعضاء المؤتمر الصهيوني السادس عشر بضرورة توسيع الوكالة اليهودية بحيث يتشكل مجلسها من عدد من أعضاء المنظمة وعدد مماثل من غير أعضائها (وكان الغرض من ذلك استمالة أثرياء اليهود التوطينيين لتمويل المشروع الصهيوني دون إلزامهم بالانخراط في صفوف المنظمة، والإيحاء في الوقت نفسه بأن الوكالة تمثل جميع اليهود في العالم ولا تقتصر على أعضاء المنظمة) .
وكان من شأن هذه الخطوة أن تعطي دفعة قوية للحركة الصهيونية وتدعم الموقف التفاوضي للمنظمة الصهيونية مع الحكومة البريطانية التي كان يقلقها تصاعد الأصوات الرافضة للصهيونية في أوساط يهود بريطانيا.
стр. 7295
وقد ظلت المنظمة وساعدها التنفيذي تُعرَفان بنفس الاسم على النحو التالي: المنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية، وذلك حتى عام ١٩٧١، إذ جرت في ذلك العام عملية مزعومة وشكلية لإعادة التنظيم بحيث أصبحت المنظمتان منفصلتين قانونياً وتعمل كل منهما تحت قيادة هيئة خاصة (سمّاها أحدهم «المنظمة ذات الرأسين» ) . ويمكننا أن نستخدم الجزء الأول من الاسم (أي «المنظمة الصهيونية العالمية» ) للإشارة إلى نشاط المنظمة بين الجماعات اليهودية في العالم من حيث تجنيدهم لدعم المُستوطَن مالياً وسياسياً، وذلك مقابل تعميق إحساسهم بالهوية اليهودية (وهو نشاط الصهيونية التوطينية الأساسي) .
أما حينما تكون الإشارة إلى الجانب التنفيذي أو الاستيطاني، فإن عبارة «الوكالة اليهودية» هي التي تُستخدَم وحدها.
وحتى عام ١٩٤٨، كانت المنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية هي المسئول عن المشروع الصهيوني بشقيه الاستيطاني (أي المرتبط بالتجمُّع الاستيطاني اليهودي في فلسطين وبنشاطه الاقتصادي والعسكري) والتوطيني (أي المرتبط بالجماعات اليهودية في العالم وبنشاط بعض عناصرها في دعم النشاط الاستيطاني في فلسطين سياسياً ومادياً وضمان استمرار الدعم الإمبريالي له) .
стр. 7296
كذلك ظلت المنظمة ممثلة للتيار الصهيوني الإثني العلماني وأيضاً للتيار الصهيوني الإثني الديني. ورغم وجود تناقضات أساسية بين الصهاينة الاستيطانيين والتوطينيين، وكذلك بين الاتجاهات الدينية والعلمانية (وذلك بخلاف التناقضات الفرعية داخل كل فريق) ، فقد ظلت هذه التناقضات محصورة في أضيق نطاق بسبب الحاجة الماسة لدى المستوطنين إلى دعم يهود العالم وبسبب عجزهم عن الحركة بحرية على الصعيد الغربي، فهم كمستوطنين في فلسطين لم يكونوا يملكون الاتصالات اللازمة للقيام بهذه العملية. وفي الأعوام القليلة السابقة على إعلان الدولة، كان الصهاينة الاستيطانيون والتوطينيون يشعرون بضرورة وجود هيئة تمثل جميع الصهاينة وتكون المحاور الوحيدة للدولة المنتدبة والأمم المتحدة وهو الدور الذي قامت به المنظمة. ومع تعاظُم نفوذ الولايات المتحدة داخل المعسكر الإمبريالي، تصاعد نفوذ الصهاينة الأمريكيين وأصبحوا المهيمنين تقريباً على المنظمة الصهيونية. وقبل ذلك بكثير، كان وايزمان قد اهتم ببناء جسور قوية مع الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك حتى تم انعقاد مؤتمر صهيوني طارئ في نيويورك عام ١٩١٤ تشكلت فيه اللجنة التنفيذية المؤقتة للشئون الصهيونية العامة برئاسة القاضي لويس برانديز زعيم الصهاينة الأمريكيين آنذاك. وقد اتجهت المنظمة عقب الحرب العالمية الثانية إلى نَقْل مركز ثقلها من لندن إلى واشنطن وتم عقد مؤتمر استثنائي في بلتيمور عام ١٩٤٢ صَدَر عنه برنامج بلتيمور الصهيوني الشهيرالذي نادى باستبدال كومنولث يهودي بالانتداب البريطاني في فلسطين حتى يمكن تحقيق الوطن القومي لليهود الذي وعد به تصريح بلفور. وقد ضغطت المنظمة داخل الأمم المتحدة من أجل صدور قرار التقسيم عام ١٩٤٧، ثم قامت بتأسيس مجلس وطني بعد ذلك ليكون بمنزلة برلمان للدولة الصهيونية المزمع إنشاؤها وإدارة وطنية لحكومة الدولة المرتقبة.
стр. 7297
وفي مايو عام ١٩٤٨، قام ديفيد بن جوريون رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية والإدارة الوطنية (حيث لم يُنتخَب رئيس للمنظمة الصهيونية بعد أن استقال وايزمان خلال المؤتمر الثاني والعشرين عام ١٩٤٦) بإعلان قيام الدولة الصهيونية.
ولكن قيام الدولة الصهيونية فجَّر التناقضات الكامنة بين الصهاينة الاستيطانيين والصهاينة التوطينيين، ودخلت العلاقة بين الدولة والمنظمة في أزمة طويلة ومتصاعدة لم تخف حدتها إلا عام ١٩٦٨. بدأت ملامح تلك الأزمة تتبين مع اقتراب قيام الدولة الصهيونية.
стр. 7298
الباب الثانى: اللوبي اليهودي والصهيوني
اللوبي اليهودي والصهيوني (أو جماعات الضغط الصهيونية)
Jewish and Zionist Lobby
» لوبي «Lobby كلمة إنجليزية تعني «الرواق» أو «الردهة الأمامية في فندق» ، ولذا يُقال مثلاً: "سأقابلك في لوبي الفندق"، أي في الردهة الأمامية التي توجد عادةً أمام مكتب الاستقبال. وتُطلَق الكلمة كذلك على الردهة الكبرى في مجلس العموم في إنجلترا، وعلى الردهة الكبرى في مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة، حيث يستطيع الأعضاء أن يقابلوا الناس وحيث تُعقَد الصفقات فيها، كما تدور فيها المناورات والمشاورات ويتم تبادل المصالح. وقد أصبحت الكلمة تُطلَق على جماعات الضغط (الترجمة الشائعة للمعنى المجازي لكلمة «لوبي lobby» ) التي يجلس ممثلوها في الردهة الكبرى ويحاولون التأثير على أعضاء هيئة تشريعية ما مثل مجلس الشيوخ أو مجلس النواب. وفعل «تو لوبي to lobby» يعني أن يحاول شخص ذو نفوذ (يستمده من ثروته أو مكانته أو من كونه يمثل جماعة تشكل مركز قوة) أن يكسب التأييد لمشروع قانون ما عن طريق مفاوضة أعضاء المجلس التشريعي في ردهته الكبرى، فيعدهم بالأصوات أو بالدعم المالي لحملاتهم الانتخابية أو بالذيوع الإعلامي إن هم ساندوا مطالبه وساعدوا على تحقيقها، ويهددهم بالحملات ضدهم وبحجب الأصوات عنهم إن هم أحجموا عن ذلك. ويوجد في الولايات المتحدة أكثر من لوبي أو جماعة ضغط تمارس معظم نشاطاتها في العلن بشكل مشروع، وإن كان هذا لا يستبعد بعض الأساليب الخفية غير الشرعية (مثل الرشاوي التي قد تأخذ شكل منح نقدية مباشرة أو تسهيلات معيَّنة أو منح عقود أو التهديد بنشر بعض التفاصيل أو الحقائق التي قد تسبب الحرج لأحد أعضاء النخبة الحاكمة وصانعي القرار ... إلخ)
стр. 7299
وتوجد أشكال وأنواع من جماعات الضغط، فهناك جماعات الضغط الإثنية: مثل اللوبي اليوناني أو اللوبي الأيرلندي، كما يوجد الآن لوبي عربي. وهناك كذلك جماعات الضغط الدينية، فهناك لوبي كاثوليكي وآخر علماني. ويوجد جماعات ضغط مهنية وجيلية ونفسية واقتصادية، فيوجد لوبي للمصالح البترولية وآخر لمنتجي الألبان وثالث لمنتجي البيض ورابع لزارعي البطاطس وخامس لنقابات العمال وسادس لمنتجي التبغ وسابع لصانعي السجائر وثامن لمن يحاربون التدخين وتاسع للعجائز وعاشر للشواذ جنسياً (وهناك بالطبع لوبي لمن يحاربون الشذوذ الجنسي ويدافعون عن قيم الأسرة) . وقد أصبحت جماعات الضغط على درجة من الأهمية جعلت النظام السياسي الأمريكي أصبح يُسمَّى «ديموقراطية جماعات الضغط» ، أي أنه لم يَعُد هناك نظام ديموقراطي تقليدي يعبِّر عن مصالح الناخبين مباشرةً حسب أعدادهم (لكل رجل صوت) ، بل أصبح النظام يعبِّر عن مقادير الضغوط التي تستطيع جماعات الضغط أن تمارسها على المشرِّعين الأمريكيين لتحديد قرارهم بشأن قضية ما بحيث تَصدُر تشريعات وقوانين معيَّنة وتُحجَب أو تُعدَّل أخرى. فالمواطن الأمريكي لم يَعُد يمارس حقوقه الديموقراطية مباشرةً وإنما أصبح يمارسها من خلال هذه الجماعات.
ويُقال إن أهم جماعات الضغط في الولايات المتحدة جماعة المدافعين عن حق المواطن الأمريكي في اقتناء الأسلحة النارية (دون ترخيص) واستخدامها للدفاع عن النفس، وهو حق يعود للجذور الاستيطانية الإحلالية للولايات المتحدة، ويشبه "حق" المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية في استخدام الأسلحة لقتل العرب "دفاعاً عن النفس".
стр. 7300
وتشير كلمة «لوبي» ، بالمعنى المحدَّد والضيق للكلمة، إلى جماعات الضغط التي تسجل نفسها رسمياً باعتبارها كذلك. ولكنها، بالمعنى العام، تشير إلى مجموعة من المنظمات والهيئات وجماعات المصالح والاتجاهات السياسية التي قد لا تكون مسجلة بشكل رسمي، ولكنها تمارس الضغط على الحكام وصناع القرار. وعبارة «اللوبي اليهودي الصهيوني» في الأدبيات العربية والغربية (في كثير من الأحيان) تشير إلى معنيين اثنين:
١ ـ اللوبي الصهيوني بالمعنى المحدَّد: تشير كلمة لوبي في هذا السياق إلى لجنة الشئون العامة الإسرائيلية الأمريكية (إيباك) ، وهي من أهم جماعات الضغط. ومهمته، كما يدل اسمه، الضغط على المشرعين الأمريكيين لتأييد الدولة الصهيونية. ويتم ذلك بعدة سبل، من بينها تجميع الطاقات المختلفة للجمعيات اليهودية والصهيونية وتوجيه حركتها في اتجاه سياسات وأهداف محددة عادةً تخدم إسرائيل. كما أن اللوبي يحاول أيضاً أن يحوِّل قوة الأثرياء من أعضاء الجماعات اليهودية (وخصوصاً القادرين على تمويل الحملات الانتخابية) ، وأعضاء الجماعات اليهودية على وجه العموم (أصحاب ما يُسمَّى «الصوت اليهودي» ) إلى أداة ضغط على صناع القرار في الولايات المتحدة، فيلوح بالمساعدات والأصوات التي يمكن أن يحصل المرشح عليها إن هو ساند الدولة الصهيونية والتي سيفقدها لا محالة إن لم يفعل.
٢ ـ اللوبي الصهيوني بالمعنى العام الشائع للكلمة: وهو إطار تنظيمي عام يعمل داخله عدد من الجمعيات والتنظيمات والهيئات اليهودية والصهيونية تنسق فيما بينها، من أهمها: مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى، والمؤتمر اليهودي العالمي، واللجنة اليهودية الأمريكية، والمؤتمر اليهودي الأمريكي، والمجلس الاستشاري القومي لعلاقات الجماعة اليهودية.
стр. 7301
وكل هذه المنظمات لديها ممثلون في واشنطن للتأثير على عملية صنع السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. ورغم أن هذه المنظمات لديها أنشطة مختلفة ترتبط بالموضوعات الاجتماعية، فإنها أيضاً تعمل بشكل مباشر في الموضوعات التي ترضي إسرائيل حيث تسعى إلى الضغط على الكونجرس من خلال إرسال الخطابات إلى أعضائه، وغير ذلك من أشكال الضغط.
وهناك أيضاً عدد من الجماعات الصهيونية التي تسعى إلى كسب تعاطف الرأي العام الأمريكي مع إسرائيل، والتي ظهرت في بداية الأمر من أجل السعي لإنشاء دولة إسرائيل ثم تأييدها بعد ذلك. ومن هذه المنظمات: المنظمة الصهيونية لأمريكا، والتحالف العمالي الصهيوني، والهاداساه، ومنظمة النساء الصهاينة في أمريكا. وتعمل هذه الجماعات على كسب الرأي العام عن طريق مشروعات متعددة تتراوح بين إنشاء المدارس التي تعلِّم العبرية وإنشاء المستشفيات وإنتاج الأفلام الموالية لإسرائيل وتمويل رحلات الباحثين والسياسيين الأمريكيين إلى إسرائيل.
ومن الناحية التنظيمية، تتميَّز هذه الجمعيات والمنظمات عن نظيراتها الأمريكيات بكونها تضم عضوية كبيرة، كما أن أجهزتها تتميَّز بوجود موظفين متميزين ومدربين على العمل في مجالات جماعات الضغط والتأثير. كذلك فإنها قادرة حالياً على تشجيع برامج سياسية واجتماعية غير مرتبطة دائماً بالبرنامج الصهيوني، كما أنها تملك جماعات متخصصة وقادرة على معالجة مشاكل بعينها وتنمية شبكات للاتصال. وكذلك فإن لديهم بيروقراطية مركزية لها القدرة على الربط الدائم بين اليهود النشيطين سياسياً على مستوى أمريكا كلها عن طريق كل من مؤتمر الرؤساء ولجنة الشئون العامة. هذا بدوره يجعل لدى الجماعات الصهيونية القدرة على الرد الفوري والتعبئة السريعة وبشكل منسق على المستوى القومي، وذلك عندما تظهر موضوعات تستحق التدخل من جانب هذه الجماعات.
стр. 7302
وفي مجال الدعاية والتأثير على الرأي العام الأمريكي، فإن اللوبي الصهيوني بالمعنى المحدد للكلمة، وبالمعنى العام، نجح في جعله موالياً لإسرائيل بصورة عامة. وهذا النجاح لا يرجع فقط إلى الدعاية المنظمة والمؤتمرات وإنما يرجع أيضاً لقدرة اللوبي الصهيوني على عقد تحالفات دائمة مع جماعات المصالح الأخرى مثل العمال والمرأة والمنظمات الدينية وتلك التي تمثل الأقليات الأخرى وجمعيات حقوق الإنسان، واستخدام هذه الجماعات للتأثير على الرأي العام والكونجرس.
ولا يعمل اللوبي الصهيوني (بالمعنى العام الشائع) بشكل مستقل عن الحركة الصهيونية وإنما ينسق معها. وعندما يُثار موضوع مهم، فإن قادة مؤتمر الرؤساء ولجنة الشئون العامة يحتفظون باتصال وثيق مع العاملين في السفارة الإسرائيلية في واشنطن ومع المستويات العليا في الحكومة الإسرائيلية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كلتا المنظمتين لديها القدرة على تنسيق أنشطتها مع الجماعات الصهيونية على المستوى العالمي من خلال المنظمة الصهيونية.
هذا هو المعنى الشائع، ولكننا سنطرح معنى ثالثاً غير شائع إذ أننا نذهب إلى أن اللوبي الصهيوني لا يتكون من عناصر يهودية وحسب وإنما يضم عناصر غير يهودية أيضاً، وهو يضم كل أصحاب المصالح الاقتصادية الذين يرون أن تفتيت العالم العربي والإسلامي يخدم مصالحهم، وأعضاء النخبة السياسية والعسكرية ممن يتبنون وجهة نظرهم. كما يضم اللوبي الصهيوني كثيراً من الليبراليين ممن كانوا يدعون إلى اتخاذ سياسة ردع نشيطة ضد الاتحاد السوفيتي (سابقاً) ، وكثيراً من المحافظين الذين يرون في إسرائيل قاعدة للحضارة الغربية وقاعدة لمصالحها، كما يضم جماعات الأصوليين (الحَرْفيين) ممن يرون في دولة إسرائيل إحدى بشائر الخلاص.
стр. 7303
ولا يُوظِّف اللوبي اليهودي الصهيوني عناصر اليهودية والصهيونية وحسب، وإنما يُوظِّف عناصر ليست يهودية ولا صهيونية (بل قد تكون معادية لليهود واليهودية) ولكنها مع هذا تُوظِّف نفسها دفاعاً عنه وعن مصالحه، بسبب الدور الذي تؤديه الدولة الصهيونية في الشرق الأوسط وبسبب تلاقي المصالح الإستراتيجية الغربية والصهيونية.
اللوبي اليهودي والصهيوني: الأطروحة الشائعة
Jewish and Zionist Lobby: The Dominant Hypothesis
يُعَدُّ اللوبي اليهودي والصهيوني (بالمعنى الشائع) أداة ضغط فعالة في يد من يمثلون مصالح الدولة الإسرائيلية. ولا يستطيع أي دارس أن ينكر قوة اللوبي الذاتية التي يمكن تلخيص مصادرها فيما يلي:
١ ـ يستند اللوبي اليهودي والصهيوني إلى قاعدة واسعة من الناخبين من أعضاء الجماعة اليهودية.
٢ ـ توجد بين هؤلاء الناخبين نسبة عالية من الأثرياء يُقدَّر أنهم يتبرعون بأكثر من نصف مجموع الهبات الكبرى للحملة الانتخابية للحزب الديموقراطي، إضافة إلى مبالغ ضخمة لحملات الحزب الجمهوري (انظر: «الصوت اليهودي» )
٣ ـ ازدادت أهمية هؤلاء الناخبين بعد الزيادة الهائلة في كلفة الحملات الانتخابية.
٤ ـ من أسباب قوة اللوبي اليهودي والصهيوني ارتفاع المستوى التعليمي لأعضاء الجماعات اليهودية.
٥ ـ يوجد عدد كبير من المثقفين الأمريكيين اليهود الذين أصبحوا جزءاً عضوياً من النخبة الحاكمة، فهم أبناء حقيقيون للمجتمع الأمريكي لا يعيشون على هامشه أو "في مسامه" وإنما في صلبه، وهو ما يجعلهم قادرين على ممارسة الضغط والتأثير بشكل مباشر.
٦ ـ الجماعة اليهودية جماعة منظمة لدرجة كبيرة، وهذا يجعلها قادرة على مضاعفة قوتها وزيادة نفوذها لدرجة لا تتناسب مع أعداد أعضائها.
стр. 7304
٧ ـ ساعد نظام الانتخابات في الولايات المتحدة على أن يلعب اليهود دوراً ملحوظاً في الانتخابات بسبب تركُّزهم في بعض أهم الولايات التي تقرر مصير الانتخابات الأمريكية (نيويورك ـ كاليفورنيا ـ فلوريدا) .
٨ ـ لا يهتم الناخب الأمريكي كثيراً بقضايا السياسة الخارجية ولا يفهمها كثيراً، ولذا فإن أقلية مثل الجماعة اليهودية عندها هذا الاهتمام بإسرائيل وسياسة الولايات المتحدة تجاهها يمكنها أن تمارس نفوذاً قوياً في تحديد السياسة الخارجية الأمريكية.
والافتراض الكامن في كثير من الأدبيات العربية أن اللوبي اليهودي الصهيوني (بالمعنى الشائع) هو الذي يؤثر في صناع القرار الأمريكي، بل يرى البعض أنه يسيطر سيطرة تامة على مراكز صنع السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وأنه يدفع هذه السياسة في اتجاه التناقض مع المصالح القومية الأمريكية الحقيقية بما يخدم مصلحة الدولة الصهيونية (وينسب البعض للوبي مقدرات بروتوكولية رهيبة) . وهذا يعني بطبيعة الحال أن اللوبي الصهيوني هو لوبي يهودي وأن اليهود يشكلون قوة سياسية وكتلة اقتصادية موحدة خاضعة بشكل شبه كامل للسيطرة الصهيونية ويتحركون وفق توجيهاتها، وأن بإمكان أقلية قوامها ٤.٢% من السكان أن تتحكم في سياسة إمبراطورية عظمى مثل الولايات المتحدة.
كما يفترض المفهوم أن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة علاقة عارضة متغيرة وليست إستراتيجية مستقرة، وأن تأييد الولايات المتحدة لإسرائيل ناجم عن عملية ضغط عليها "من الخارج" تقوم به قوة مستقلة لها آلياتها المستقلة وحركياتها الذاتية ومصلحتها الخاصة، وليس نابعاً من مصالح الولايات المتحدة أو من إدراكها لهذه المصالح.
стр. 7305
ويستند إدراك كثير من المنادين بمقولة قوة اللوبي الصهيوني إلى مجموعة من المقدمات المنطقية المعقولة التي تكاد تكون بدهية، ومن وجهة نظرهم. فنحن إذا حكَّمنا العقل ودرسنا الواقع بشكل موضوعي لتوصلنا إلى أنه ليس من صالح الولايات المتحدة الأمريكية أن تدخل في معركة مع الشعب العربي، بل من صالحها أن تتعاون معه في كل المجالات الممكنة، لأن مثل هذا التعاون سيؤدي إلى استقرار المنطقة العربية وسيعود على الولايات المتحدة بالفائدة. فالعالم العربي يشغل موقعاً إستراتيجياً مهماً، فهو يقع في وسط أفريقيا وآسيا، وله امتداد حضاري وسكاني في كليهما، وهو شريك أوربا في حوض البحر الأبيض المتوسط، ويشكل نواة العالم الإسلامي. ولذا فمن صالح الولايات المتحدة أن تكون علاقاتها جيدة مع شعب يشغل مثل هذا الموقع الإستراتيجي، وألا يزاحمها أحد في مثل هذه المكانة. علاوة على هذا، يضم العالم العربي نسبة ضخمة من بترول العالم ومن مخزونه الإستراتيجي المعروف، وهذا البترول ـ كما هو معروف ـ أمر حيوي بالنسبة للمنظومة الصناعية في الغرب. كما أن الأسواق العربية من أهم الأسواق من منظور تسويق السلع وكذلك استثمار رأس المال. والعلاقة الطيبة بين الدول العربية والولايات المتحدة ستؤدي حتماً إلى تحسين صورتها لا في العالم العربي وحسب بل في العالم الثالث بأسره.
стр. 7306
ولكن الولايات المتحدة، هذا البلد العقلاني الذي تحكمه معايير عملية عقلانية مادية باردة، لا تسلك حسب هذه المعايير المعقولة البديهية، فهي تتمادى في تأييد إسرائيل وتقف وراءها بكل قوة وتستجلب على نفسها عداء العرب. مثل هذا الوضع شاذ وغير عقلاني لا يمكن تفسيره إلا بافتراض وجود قوة خارجية، ذات مقدرة ضخمة، قادرة على أن تضغط على الولايات المتحدة بحيث تتصرف، لا بحسب ما تمليه عليها مصالحها الموضوعية، وإنما حسبما تمليه عليها مصالح هذه القوة، أي المصالح اليهودية والصهيونية والإسرائيلية التي يمثلها اللوبي اليهودي والصهيوني (بالمعنى الشائع (
ولكن ما لم يطرأ لمثل هؤلاء على بال هو أن من المحتمل أن الولايات المتحدة لا تدرك "مصالحها" بهذه الطريقة التي يتصورون أنها عقلانية بل لعلها ترى أن "عدم الاستقرار أو عدم الاستقرار المحكوم" (بالإنجليزية: كونترولد إنستابيليتي Controlled instability) أفضل وضع بالنسبة لها، وأن وضع التجزئة العربية هو ما يخدم "مصالحها"، وأن إسرائيل هي أداتها في خلق حالة عدم الاستقرار المحكوم هذه، والخادم الحقيقي "لمصالحها".
اللوبي اليهودي والصهيوني: تلاقي المصالح الإستراتيجية بين العالم الغربي والدولة الصهيونية
Jewish and Zionist Lobby: The Convergence of the Strategic Interests of the Western World and the Zionist State
стр. 7307
مفهوم «المصلحة الإستراتيجية» ليس مفهوماً بسيطاً أو عقلانياً. ومما لا شك فيه أن عملية اتخاذ القرار السياسي في العالم الغربي مركبة لأقصى حد، فهي تتم من خلال مؤسسات يديرها علماء متخصصون (تكنوقراط) بطريقة "رشيدة"، بمعنى أنها تتبع إجراءات معروفة ومحددة لا تخضع للأهواء الشخصية، ولذا لا يُتخذ القرار إلا بعد توفير المعلومات اللازمة وإشراك المستشارين والمتخصصين. ثم بعد ذلك تتم عملية موازنات صعبة ودقيقة بشأن حساب المكسب والخسارة وجدوى القرار وقوة العدو ونقط ضعفه. وعلى سبيل المثال، حينما قرَّر كيسنجر التخلص من حكم الليندي في تشيلي الذي كان قد وصل إلى سدة الحكم من خلال انتخابات نزيهة، وأحل محله حكماً عسكرياً شرساً. وحينما قررت الولايات المتحدة دعم الكونترا وهو ما يعني التدخل في الشئون الداخلية لنيكاراجوا وإثارة حفيظة دول أمريكا اللاتينية التي كانت تعلم تماماً أن نظام الساندنيستا ليس نظاماً شيوعياً كما تزعم الولايات المتحدة وإنما نظام وطني ينحو منحى يسارياً. نقول، حينما قررت الولايات المتحدة أن تفعل ذلك، فإنها كانت مدركة تماماً أن ثمة خسارة ما ولكن حساب المكسب والخسارة كان واضحاً، فالعائد السياسي (القضاء على نظم قومية تحاول أن تحرز نمواً اقتصادياً خارج نطاق المنظومة الرأسمالية والهيمنة الأمريكية والغربية) كان أعلى كثيراً من العادم (تدعيم صورة اليانكي القبيح المستغل وترسيخها في الوجدان اللاتيني) . والشيء نفسه ينطبق على قرار غزو بنما والقضاء على عميل مهم للولايات المتحدة، فنروييجا كان مخلوق أمريكا القبيح. وحينما أرسلت الولايات المتحدة قوتها للقيام بعملية الغزو فإنها كانت مدركة أن العائد الاجتماعي السياسي (القضاء على واحد من أهم مصادر المخدرات، وبالتالي حل مشكلة المخدرات التي تهدد نسيج المجتمع الأمريكي وأمنه القومي ودعم صورة المؤسسة الحاكمة أمام جماهيرها، على أنها مؤسسة جادة في عملية
стр. 7308
محاربة المخدرات) كان أعلى كثيراً في تصوُّرها من العادم (تدخُّل قوة عظمى في شئون دولة صغيرة والقضاء على عميل نافع مفيد)
ولكن، إذا كان التكنوقراط يتخذون القرار حسب إجراءات موضوعية ومعايير محسوبة تضمن توظيف الوسائل على أحسن وجه في خدمة الأهداف، فإن الأهداف الإستراتيجية نفسها لا تحددها اللجان التكنوقراطية، فهذه العملية تتم على أعلى المستوىات وتصبح جزءاً من العقد الاجتماعي الذي يستند إليه المجتمع ككل، كما أن تغيير هذه الأهداف لا يتم إلا بثورة اجتماعية شاملة. وحساب المكسب والخسارة والعائد والعادم يتم في إطار ما يُسمَّى «مصلحة الدولة العليا» . وهذه المصلحة ليست قضية بسيطة يمكن تحديدها موضوعياً ورياضياً وبشكل إجرائي غير شخصي، فرؤية أعضاء النخبة الحاكمة لمصالحهم، والمصالح الفعلية التي يحاولون الحفاظ عليها، والإطار الرمزي الذي يدركون من خلاله هذه المصالح، والعقيدة السياسية والدينية التي تستند إليها شرعية النخبة، تساهم كلها، بشكل أو بآخر، في تحديد «مصلحة الدولة العليا» ، فما يرى أعضاء النخبة أنه مصلحة الدولة العليا قد يكون مصلحتهم هم كجماعة أو طبقة ولا يمثل بالضرورة صالح الدولة ككل أو صالح أغلبية أعضاء المجتمع. وما قد يكون رشيداً من وجهة نظر إنسانية عامة قد لا يكون رشيداً من وجهة نظر أصحاب القرار.
стр. 7309
وما نود تأكيده هنا أن سلوك دولة عظمى مثل الولايات المتحدة ليس مسألة تتم حسب قواعد رشيدة بسيطة، وإنما هو نتيجة عملية مركبة تدخل فيها عناصر "ذاتية" وعقائدية ومادية وغير مادية، قد لا تنضوي بالضرورة داخل إطار الرشد كما نتخيله (وهنا يأتي دور الصور الذهنية وعالم الرموز والتراث المسيحي اليهودي والذاكرة التاريخية ... إلخ) . وإن لم يكن الأمر على هذا النحو، فكيف نفسِّر دخول الولايات المتحدة حرباً ضروساً في فيتنام (بعد هزيمة فرنسا فيها) ، وتورطها في هذه الحرب لعشرات السنين، وإنفاقها بلايين الدولارات وإهدارها دماء عشرات الألوف من الأمريكيين والفيتناميين، في حرب كان يعرف الجميع أنها خاسرة، واعترف بذلك ـ فيما بعد ـ مهندس الحرب الحقيقي روبرت ماكنمارا؟ ولماذا لم تخرج هذه الدولة العقلانية من الحرب إلا بعد تصاعُد المظاهرات في الولايات المتحدة لما يزيد عن عشرة أعوام؟
وأعتقد أن الغرب قد عرَّف مصلحته الإستراتيجية منذ بداية القرن التاسع عشر بطريقة تجعله ينظر للمنطقة العربية باعتبارها مصدراً هائلاً للمواد الخام (الرخيصة) ومجالاً خصباً للاستثمارات الهائلة (التي تعود عليه وحده بالربح) وسوقاً عظيمة لسلعه (التي ينتجها ويصرفها فيزداد هو ثراءً) ، أو قاعدة إستراتيجية شديدة الخطورة والأهمية (بالنسبة لأمنه هو) إن لم يتحكم فيها قامت قوى معادية (مثل الاتحاد السوفيتي في الماضي) باستخدامها ضده، ويعبِّر هذا الموقف عن نفسه في مصطلح مثل «الفراغ» الذي كثيراً ما يُستخدَم للإشارة إلى شرقنا العربي وكأن وطننا رقعة أرض أو مساحة لا يقطنها شعب عريق له امتداده الحضاري، وكأن أوطاننا هي وجود جغرافي رحب مجرد من التاريخ، أي أننا في الإدراك الغربي مجرد شيء قد يصلح للاستخدام أو الاستعمال.
стр. 7310
وحتى حينما نتحول إلى أكثر من مجرد مساحة، فإن الإدراك الغربي للمنطقة (وهو إدراك تحدده مصلحته كما يراها هو أو كما تراها نخبته الحاكمة ومؤسسات صنع القرار فيه) يرى وطننا العربي على أنه منطقة مأهولة بشعوب وقبائل وأقليات معظمها يتحدث العربية وتدين بديانات مختلفة لا يربطها رابط حضاري أو اجتماعي واحد لكلٍّ مصلحته الاقتصادية ومستقبله السياسي المستقل (وتفتُّتها يُسهِّل عملية تحويلها إلى مادة استعمالية) وتكمن مصلحة الغرب (كتشكيل حضاري نهم يود استغلال الشرق والاستثمار فيه بما يعود عليه هو بالربح وبتوجيهه لما يخدم أمنه) في الحفاظ على عدم الترابط الحضاري أو الاجتماعي في عالمنا العربي. وهذه هي مصلحة الغرب كما يدركها أهله، وهذا هو الإطار الذي يتم اتخاذ القرار من خلاله.
стр. 7311
والمفهوم الصهيوني لعالمنا العربي يتفق تمام الاتفاق مع المفهوم الغربي، فالصهاينة يشيرون إلى فلسطين باعتبارها «أرضاً بلا شعب» ، وإلى الضفة الغربية باعتبارها «يهودا والسامرة» ، وهي مصطلحات تلغي التاريخ العربي تماماً. وهم يشيرون إلى الشرق الأوسط على أنه «المنطقة» وهو اصطلاح يشبه في كثير من الوجوه اصطلاح «الفراغ» ، فكلاهما يؤكد فكرة أن عالمنا العربي مكان بلا زمان، وجغرافيا بلا تاريخ، أو مساحة تسكنها شعوب عديدة متفرقة متناثرة، والصهيونية في نهاية الأمر وليدة التراث الفكري الاستعماري الغربي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي أداته في المنطقة، وقد بدأ الاهتمام الغربي بالصهيونية كفكرة منذ القرن السابع عشر، ولكن الاهتمام الفكري تحوَّل إلى فكر سياسي ثم إلى خطاب سياسي ثم إلى مُخطَّط استعماري ثابت بعد ظهور محمد علي الذي كان يهدد المصالح الغربية لأنه كان قادراً على ملء «الفراغ» في المنطقة إما عن طريق طرح نفسه على أنه القوة الجديدة، أو عن طريق إدخال العافية على رجل أوربا المريض. ومن هنا كانت فكرة الدولة الصهيونية التي وُلدت داخل الخطاب السياسي الغربي، ومن هنا الدعم الغربي الحاسم للمشروع الصهيوني، أداة الغرب في خَلْق الفراغ والحفاظ عليه كوسيلة للدفاع عن أمن الغرب لا عن أهل المنطقة، وعن مصالح الغرب لا مصالح العرب. ولا يمكن إنكار دور الصهاينة في ترسيخ هذا الإدراك الغربي للشرق الأوسط، ولكن تظل العلاقة بين الصهيونية والتشكيل الاستعماري الغربي تدور في إطار المصالح الإستراتيجية الثابتة التي تشكلت داخل الحضارة الغربية قبل ظهور الجماعات اليهودية كقوة سياسية فاعلة في الغرب.
стр. 7312
هذا هو السر الحقيقي للنجاح الصهيوني في الغرب، فهو لا يعود إلى سيطرة اليهود على الإعلام، أو لباقة المتحدثين الصهاينة، أو إلى مقدرتهم العالية على الإقناع والإتيان بالحجج والبراهين، أو إلى ثراء اليهود وسيطرتهم المزعومة على التجارة والصناعة، وإنما يعود إلى أن صهيون الجديدة جزء من التشكيل الاستعماري الغربي، وإلى أنه لا يمكن الحديث عن مصالح يهودية وصهيونية مقابل مصالح غربية، وإلى أن الإعلام واللوبي الصهيونيين يمثلان أداة الغرب الرخيصة: دولة وظيفية عميلة للولايات المتحدة تؤدي كل ما يوكل إليها من مهام بنجاح وتنصاع تماماً للأوامر، ولا توجد سوى مناطق اختلاف صغيرة بينها وبين الولايات المتحدة (لا تختلف كثيراً عن الاختلافات التي تنشأ بين الدولة الإمبريالية الأم والجيوب الاستيطانية التابعة لها، كما حدث بين فرنسا والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر، وبين إنجلترا من جهة والمستوطنين الإنجليز في روديسيا والمستوطنين الصهاينة في فلسطين من جهة أخرى) . وتنصرف هذه الاختلافات أساساً إلى الأسلوب والإجراءات لا إلى الأهداف النهائية، اختلافات يمكن حسمها عن طريق الإقناع والضغط كما يحدث عندما تطلب السعودية صفقة أسلحة ولا ترضى إسرائيل عن ذلك، أو عندما تريد إسرائيل توسيع رقعة استقلالها قليلاً عن طريق إنتاج سلاح مثل طائرة اللافي ولا ترضى المؤسسة العسكرية الصناعية الأمريكية عن ذلك. فالاختلاف ينصرف إلى التفاصيل لا إلى "المصلحة" وإدراكها، ومن هنا يمكن إدارة الحوار حسب قوانين اللعبة المتعارف عليها وتتم ممارسة الضغط داخل إطار من التفاهم بشأن المبادئ الأساسية ومن داخل النسق لا من خارجه. ويجب ألا يثير هذا الوضع دهشتنا فتاريخ الحركة الصهيونية ليس جزءاً من «تاريخ يهودي عالمي وهمي» ولا هو جزء من التوراة والتلمود (رغم استخدام الديباجات التوراتية والتلمودية) وإنما هو جزء من تاريخ الإمبريالية الغربية. ولذا فالصهيونية لم
стр. 7313
تظهر بين يهود اليمن أو الهند أو المغرب وإنما ظهرت بين يهود العالم الغربي، وهي لم تظهر في العصور الوسطى، على سبيل المثال، وإنما في أواخر القرن السابع عشر مع ظهور التشكيل الاستعماري الغربي وبدايات استيطان الإنسان الغربي في العالم الجديد وفي بعض المدن الساحلية في أفريقيا وآسيا.
ويدرك الساسة الإسرائيليون هذه الحقائق إدراكاً كاملاً، ولذا فهم لا يكفون عن الحديث عن أهمية إسرائيل كقاعدة عسكرية وحضارية وأمنية للغرب، وأنها، علاوة على ذلك، قاعدة رخيصة، أرخص بكثير من ١٠ حاملات طائرات تبلغ تكاليفها ٥٠ بليون دولار، كانت الولايات المتحدة ستضطر لبنائها وإرسالها للبحر الأبيض المتوسط وللبحر الأحمر لحماية "المصالح" الأمريكية. إن إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة "كنز إستراتيجي" (أو دولة وظيفية في مصطلحنا) ، وهذا ما يؤكده المتحدثون الإسرائيليون في واشنطن، قبل الدخول في أية مفاوضات. وقد جاء في إحدى إعلانات النيويورك تايمز (الذي مولته إحدى الهيئات الصهيونية) أنه إذا ما تهددت مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فإن وضع قوة لها شأنها هناك يحتاج إلى "أشهر، أما مع إسرائيل كحليف فإنه لا يحتاج إلا بضعة أيام". إن هذه العبارة تتحدث عن إجراءات القمع والتأديب ضد العالم العربي وتبين مدى كفاءة الدولة الوظيفية في إنجاز مهمتها، ولا تتحدث عن نقطة الانطلاق ولا عن الأسباب الداعية للقمع والتأديب وهي أن مصلحة الغرب تتطلب مثل هذا القمع لأنها مسألة مستقرة مفروغ منها في الفكر الإستراتيجي الغربي.
اللوبي اليهودي والصهيوني: أوربا الغربية
Jewish and Zionist Lobby: Western Europe
стр. 7314
نذهب إذن إلى أن "سر" نجاح اللوبي اليهودي والصهيوني هو أنه يدور في إطار المصالح الإستراتيجية الغربية وأنه يعرض دولته الصهيونية باعتبارها أداة، أي أن مصدر نجاحه لا يعود لقوته الذاتية أو لعناصر كامنة فيه، وإنما بسبب اتفاق مصلحته مع مصلحة الغرب الإستراتيجية. والنموذج السائد في الخطاب التحليلي العربي (الرسمي والشعبي) هو عكس هذا، فهو يفترض أن نجاح الصهاينة يعود لقوتهم الذاتية ومن ثم يُفسِّر تزايُد الدعم الغربي لإسرائيل على أساس تعاظُم النفوذ اليهودي والصهيوني، فإن زاد الثاني زاد الأول. ولاختبار هذه الأطروحة الشائعة، ولتوضيح ضعف مقدرتها التفسيرية، سنورد بعض الشواهد والقرائن التاريخية والحديثة:
١ ـ أول من دعا لإنشاء دولة يهودية في فلسطين في العصر الحديث هو نابليون بونابرت، وهو أيضاً أول غاز غربي للشرق العربي في العصر الحديث. ومما يجدر ذكره أن نابليون كان معادياً لليهود، كما يدل على ذلك سجله في فرنسا. ولا يمكن الحديث عن وجود لوبي يهودي أو صهيوني قوي أو ضعيف حين أطلق نابليون دعوته، فقد كانت نابعة من إدراكه لمصالح فرنسا الإستراتيجية.
٢ ـ هناك حشد من الساسة البريطانيين (بالمرستون ـ شافتسبري ـ أوليفانت ـ لويد جورج ـ بلفور) دعوا لإقامة دولة يهودية في فلسطين، إما قبل ظهور الحركة الصهيونية بين اليهود أو في غياب لوبي يهودي أو صهيوني. ومما يجدر ذكره أن كل هؤلاء الساسة كانوا ممن يكرهون اليهود، وبخاصة بلفور، الذي كان وراء استصدار قانون الغرباء عام ١٩٥٠ لمنع اليهود من دخول إنجلترا، والذي اعترف بعدائه للسامية، والذي كان يرى أن اليهود يشكلون عبئاً على الحضارة الغربية ولكنهم جميعاً وجدوا أن ثمة فائدة إستراتيجية تعود على إنجلترا لو أسست دولة صهيونية.
стр. 7315
٣ ـ لا شك في أن صدور وعد بلفور هو أهم حدث في تاريخ الصهيونية ودراسة الظروف المحيطة بصدوره. ولذا فهو يزودنا بلحظة نادرة لاختبار نموذج الضغط اليهودي والصهيوني. ولإنجاز هذا سنعقد مقارنة بين "قوة" الجماعتين اليهوديتين في ألمانيا وإنجلترا من منظور مقدرتهما على الضغط:
أ) فمن المعروف أن الوجود اليهودي في ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى كان قوياً جداً، وكان اليهود يشغلون مناصب حكومية مهمة، ويوجدون في مواقع اقتصادية ذات طبيعة إستراتيجية، فكان أهم ثلاثة بنوك يملكها بعض أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا، كما كانوا متغلغلين في الإعلام وقيادات الأحزاب السياسية، وكان منهم كثير من المؤلفين والفنانين. وقد حققوا معدلات عالية للغاية من الاندماج، وهو ما يسَّر لهم عملية التحرك داخل المجتمع الألماني، كما أن اليهود الألمان اشتركوا بأعداد كبيرة في الحرب تفوق نسبتهم القومية. والحركة الصهيونية حتى ذلك الوقت كانت حركة ألمانية في توجهها الثقافي، فكانت لغة المؤتمرات الصهيونية هي الألمانية، كما كانت برلين مقر المنظمة الصهيونية العالمية. وكان الصهاينة على أتم استعداد لأن يجعلوا مشروعهم الصهيوني جزءاً من المشروع الألماني الاستعماري.
ب) مقابل هذا كانت توجد في إنجلترا جماعة يهودية صغيرة للغاية ليست لها القوة المالية أو الثقافية للجماعة اليهودية في ألمانيا، وكانت جماعة مندمجة تماماً ومعادية للصهيونية (كان وايزمان والقيادات الصهيونية من شرق أوربا)
стр. 7316
مع هذا نجح الصهاينة في إنجلترا في استصدار وعد بلفور، رغم ضعفهم وعزلتهم، بينما فشل صهاينة ألمانيا في ذلك رغم قوتهم وارتباطهم بالمجتمع. ولا يمكن العودة إلى الصورة الإعلامية أو اللوبي الصهيوني وما شابه من نماذج تفسيرية. وإنما علينا أن نعود إلى المصالح الإستراتيجية الإمبريالية الإنجليزية مقابل المصالح الإستراتيجية الإمبريالية الألمانية. أما الإمبريالية الألمانية فكانت متحالفة مع الدولة العثمانية، ولذا لم يكن هناك مجال لإعطاء أي وعود للصهاينة على حساب هذه الدولة. لكن الوضع كان مختلفاً بالنسبة للإمبريالية الإنجليزية فقد ظل التحالف قائماً بينها وبين الدولة العثمانية حتى اندلاع الحرب، ولذا حينما صدر أول وعد بلفوري إنجليزي وهو الخاص بمشروع شرق أفريقيا فقد كان وعداً بقطعة أرض خارج الدولة العثمانية. ولكن بعد أن قررت الإمبريالية الإنجليزية تقسيم الدولة العثمانية أصبح من الممكن إصدار وعد بلفور لمجموعة من الصهاينة ليسوا من الإنجليز. وكان على الموجودين في إنجلترا أن يقطعوا علاقتهم مع المنظمة الخاضعة لنفوذ ألمانيا آنذاك، وكان الوعد هذه المرة وعداً بقطعة أرض داخل الدولة العثمانية. إن وعد بلفور والدعم البريطاني للمشروع الصهيوني لا علاقة لهما بأي لوبي يهودي أو صهيوني قوي أو ضعيف.
٤ ـ إذا نظرنا إلى سياسة كل من إنجلترا وفرنسا في الوقت الحالي تجاه الشرق الأوسط لوجدنا أنها تتفق مع السياسة الأمريكية والتوجه الإستراتيجي الغربي بشكل عام مع اختلافات طفيفة. ويستطيع الباحث المدقق أن يجد أن سياسة إنجلترا أكثر اقتراباً من السياسة الأمريكية وأكثر دعماً لإسرائيل، وأن السياسة الفرنسية أكثر ابتعاداً وربما اعتدالاً (من وجهة نظر غربية) . ولو حاول تفسير هذا الاختلاف على أساس النفوذ الصهيوني لباءت محاولته بالفشل:
стр. 7317
أ) فالجماعة اليهودية في إنجلترا ضعيفة لأقصى حد من الناحية الكمية، أما من الناحية الكيفية فهي من أكثر الجماعات اندماجاً وهي آخذة في التناقص (إن لم يكن أيضاً الاختفاء) . وعند وقوع مذبحة صبرا وشاتيلا لم يجد التليفزيون البريطاني مفكراً بريطانياً يهودياً واحداً يدافع عن الموقف الصهيوني، فاضطروا إلى إحضار نورمان بودوريتس رئيس مجلة كومنتاري من الولايات المتحدة لتقديم وجهة النظر الصهيونية.
ب) أما في فرنسا فتوجد جماعة يهودية يبلغ تعدادها ٧٠٠ ألف، وهي جماعة اكتسبت لوناً يهودياً قوياً نوعاً ما بعد هجرة يهود المغرب العربي، وهي جماعة ذات نفوذ قوي في الإعلام وغيره.
وأعتقد أنه لتفسير موقف كلا البلدين يجب ألا نعود إلى قوة أو ضعف الجماعة اليهودية في كلٍّ منهما وإنما إلى موقف كليهما من التحالف الغربي وإلى رؤية كل منهما له. فإنجلترا أكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة من فرنسا داخل هذا التحالف، بينما تحاول فرنسا أن تحافظ على مساحة من الاستقلال الأوربي لا تهتم بها إنجلترا بالدرجة نفسها، ولعل هذا هو مصدر اختلاف سياسة البلدين تجاه قضية الشرق الأوسط.
٥ ـ وإذا نظرنا إلى دول مثل هولندا وبلجيكا فلا يمكن تفسير تأييدها لإسرائيل استناداً إلى مقولة اللوبي اليهودي الصهيوني، فالوجود اليهودي في كثير من هذه البلدان يكاد يكون منعدماً.
اللوبي اليهودي والصهيوني: الاتحاد السوفيتي
Jewish and Zionist Lobby: The Soviet Union
تُثار قضية اللوبي اليهودي والصهيوني (بالمعنى العام) في الاتحاد السوفيتي إذ يذهب البعض أن "اليهود" سيطروا على الاتحاد السوفيتي، فالثورة البلشفية حسب تصوُّرهم هي "الثورة اليهودية" والشيوعية العالمية والصهيونية العالمية حليفان.
стр. 7318
وكما هو الحال دائماً مع النماذج الاختزالية ثمة عناصر في الواقع يمكنها تأييد مثل هذا المفهوم. فمن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية في الاتحاد السوفيتي كانوا من أكثر الجماعات وجوداً في مؤسسات الحزب الشيوعي بالقياس إلى نسبتهم القومية ومهندس الجيش الأحمر هو تروتسكي "اليهودي". كما يمكن أن نشير إلى وجود أعداد كثيرة من اليهود في الإعلام السوفيتي وفي بعض المؤسسات المهمة مثل اتحاد الكتاب وفي الجامعات والمؤسسات البحثية. ولكن هذا الوضع يعادله عدة عناصر من أهمها:
١ ـ أن النسبة العددية لأعضاء الجماعة اليهودية في الاتحاد السوفيتي كانت صغيرة جداً وآخذة في التناقص.
٢ ـ لم يشكل أعضاء الجماعة كتلة متماسكة لها مصالح واحدة. فيهود جورجيا لا تربطهم رابطة كبيرة بيهود أوكرانيا، بل إن ثمة نقاط اختلاف دينية وحضارية عميقة بينهم.
٣ ـ كان يهود الاتحاد السوفيتي يتمتعون بدرجة عالية من الاندماج يجد تَجلِّىه في الزواج المُختلَط وفي اختفاء اللغة والثقافة اليديشية.
٤ ـ اتجه اليهود السوفييت (من خلال عناصر داخلية سوفيتية مثل تركُّزهم في قطاعات اقتصادية مشبوهة، وخارجية مثل تدخل الحركة الصهيونية) إلى الخروج من الاتحاد السوفيتي وليس البقاء داخله. وقد أدَّى هذا إلى ضعف نفوذهم كجماعة ضغط داخل النظام السوفيتي.
٥ ـ من الأمور التي كانت تعوق اليهود السوفييت عن التأثير في القرار السياسي السوفيتي، من داخل النظام أو من خارجه، أن ثمة رفضاً عميقاً لليهودي داخل التشكيل الحضاري الروسي باعتبار أن اليهودي هو الغريب، وهو رفض يدعمه تركُّز نسبة كبيرة من أعضاء الجماعة في وظائف هامشية وفي السوق السوداء.
стр. 7319
٦ ـ من العناصر بالغة الأهمية أنه ليس كل اليهود السوفييت مؤيدين لإسرائيل، فهناك اليهود المتدينون الذين لا ينظرون إلى الدولة الصهيونية بعين الرضا. كما أن هناك إحساساً، بين يهود شرق أوربا، بأنهم يُشكِّلون أقلية قومية شرق أوربية يديشية، وهي التقاليد التي صاغها دبنوف وحزب البوند.
٧ ـ وفي نهاية الأمر كانت هناك السياسات السوفيتية الرامية إلى تفكيك اليهود (وكل الجماعات الدينية والإثنية) كجزء من النزوع الأممي وتركيز السلطة في يد السوفييت وحكومتهم المركزية وطليعتهم الحزبية!
ودراسة موقف الاتحاد السوفيتي من الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية تبين أن المصالح الإستراتيجية للدولة السوفيتية كانت دائماً العنصر الأساسي في تحديد موقفها (انظر: «البلاشفة والجماعات اليهودية» ـ «البلاشفة والصهيونية» )
стр. 7320
ويمكن دراسة قضية حيوية مثل الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي (سابقاً) في السبعينيات باعتبارها مثلاً مصغراً لتوجهات السياسة السوفيتية، وهل تتحدد هذه السياسة نتيجة ضغط يهودي صهيوني أم نابعة من المصالح السوفيتية؟ ومن المعروف أن قضية اليهود السوفييت "وحقهم" في الهجرة لم تُثر في بداية السبعينيات بضغط من الإعلام أو اللوبي الصهيوني وإنما تم بضغط من الولايات المتحدة (بمساعدة أعضاء الجماعة اليهودية فيها) . وقد سمح السوفييت في نهاية الأمر بهجرة أعداد كبيرة من اليهود بسبب ضغوط بنيوية داخلية: التخلص من عناصر متمردة ساخطة وعناصر تجارية إن لجأ للعنف في ضربها أثار الرأي العام الغربي عليه. كما أن الضغوط الغربية لعبت دوراً حاسماً إذ ربط الغرب بين التسهيلات التجارية والائتمانية الممنوحة للاتحاد السوفيتي من جهة والموقف السوفيتي من الهجرة اليهودية من جهة أخرى. ولكن مع تراجع هذه السياسات توقفت الهجرة لتفتح أبوابها مرة أخرى في أواخر الثمانينيات مع الانفتاح السوفيتي على الغرب ومع رغبته العارمة في الحصول على مساعدات مالية وتكنولوجيا متقدمة، فالقرار قرار سوفيتي اتُخذ استجابة لحاجات سوفيتية داخلية ومطالب غربية، ولا يشكل اليهود في هذه الصفقة سوى المادة التي سيتم نقلها. ومما لا شك فيه أن الإعلام الذي تنشط فيه العناصر اليهودية أو الصهيونية سواء في الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة لعب دوراً ملحوظاً، ولكن لا يمكن تفسير سلوك الاتحاد السوفيتي وسماحه بهجرة اليهود السوفييت في السبعينيات ثم وقفه الهجرة في منتصف الثمانينيات ثم فتحه باب الهجرة مرة أخرى في أواخر الثمانينيات إلا في إطار مصالح الاتحاد السوفيتي المتشابكة والضغوط الأمريكية عليه.
следующие страницы →