Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
مع هذا نجح الصهاينة في إنجلترا في استصدار وعد بلفور، رغم ضعفهم وعزلتهم، بينما فشل صهاينة ألمانيا في ذلك رغم قوتهم وارتباطهم بالمجتمع. ولا يمكن العودة إلى الصورة الإعلامية أو اللوبي الصهيوني وما شابه من نماذج تفسيرية. وإنما علينا أن نعود إلى المصالح الإستراتيجية الإمبريالية الإنجليزية مقابل المصالح الإستراتيجية الإمبريالية الألمانية. أما الإمبريالية الألمانية فكانت متحالفة مع الدولة العثمانية، ولذا لم يكن هناك مجال لإعطاء أي وعود للصهاينة على حساب هذه الدولة. لكن الوضع كان مختلفاً بالنسبة للإمبريالية الإنجليزية فقد ظل التحالف قائماً بينها وبين الدولة العثمانية حتى اندلاع الحرب، ولذا حينما صدر أول وعد بلفوري إنجليزي وهو الخاص بمشروع شرق أفريقيا فقد كان وعداً بقطعة أرض خارج الدولة العثمانية. ولكن بعد أن قررت الإمبريالية الإنجليزية تقسيم الدولة العثمانية أصبح من الممكن إصدار وعد بلفور لمجموعة من الصهاينة ليسوا من الإنجليز. وكان على الموجودين في إنجلترا أن يقطعوا علاقتهم مع المنظمة الخاضعة لنفوذ ألمانيا آنذاك، وكان الوعد هذه المرة وعداً بقطعة أرض داخل الدولة العثمانية. إن وعد بلفور والدعم البريطاني للمشروع الصهيوني لا علاقة لهما بأي لوبي يهودي أو صهيوني قوي أو ضعيف.
٤ ـ إذا نظرنا إلى سياسة كل من إنجلترا وفرنسا في الوقت الحالي تجاه الشرق الأوسط لوجدنا أنها تتفق مع السياسة الأمريكية والتوجه الإستراتيجي الغربي بشكل عام مع اختلافات طفيفة. ويستطيع الباحث المدقق أن يجد أن سياسة إنجلترا أكثر اقتراباً من السياسة الأمريكية وأكثر دعماً لإسرائيل، وأن السياسة الفرنسية أكثر ابتعاداً وربما اعتدالاً (من وجهة نظر غربية) . ولو حاول تفسير هذا الاختلاف على أساس النفوذ الصهيوني لباءت محاولته بالفشل:
стр. 7317
أ) فالجماعة اليهودية في إنجلترا ضعيفة لأقصى حد من الناحية الكمية، أما من الناحية الكيفية فهي من أكثر الجماعات اندماجاً وهي آخذة في التناقص (إن لم يكن أيضاً الاختفاء) . وعند وقوع مذبحة صبرا وشاتيلا لم يجد التليفزيون البريطاني مفكراً بريطانياً يهودياً واحداً يدافع عن الموقف الصهيوني، فاضطروا إلى إحضار نورمان بودوريتس رئيس مجلة كومنتاري من الولايات المتحدة لتقديم وجهة النظر الصهيونية.
ب) أما في فرنسا فتوجد جماعة يهودية يبلغ تعدادها ٧٠٠ ألف، وهي جماعة اكتسبت لوناً يهودياً قوياً نوعاً ما بعد هجرة يهود المغرب العربي، وهي جماعة ذات نفوذ قوي في الإعلام وغيره.
وأعتقد أنه لتفسير موقف كلا البلدين يجب ألا نعود إلى قوة أو ضعف الجماعة اليهودية في كلٍّ منهما وإنما إلى موقف كليهما من التحالف الغربي وإلى رؤية كل منهما له. فإنجلترا أكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة من فرنسا داخل هذا التحالف، بينما تحاول فرنسا أن تحافظ على مساحة من الاستقلال الأوربي لا تهتم بها إنجلترا بالدرجة نفسها، ولعل هذا هو مصدر اختلاف سياسة البلدين تجاه قضية الشرق الأوسط.
٥ ـ وإذا نظرنا إلى دول مثل هولندا وبلجيكا فلا يمكن تفسير تأييدها لإسرائيل استناداً إلى مقولة اللوبي اليهودي الصهيوني، فالوجود اليهودي في كثير من هذه البلدان يكاد يكون منعدماً.
اللوبي اليهودي والصهيوني: الاتحاد السوفيتي
Jewish and Zionist Lobby: The Soviet Union
تُثار قضية اللوبي اليهودي والصهيوني (بالمعنى العام) في الاتحاد السوفيتي إذ يذهب البعض أن "اليهود" سيطروا على الاتحاد السوفيتي، فالثورة البلشفية حسب تصوُّرهم هي "الثورة اليهودية" والشيوعية العالمية والصهيونية العالمية حليفان.
стр. 7318
وكما هو الحال دائماً مع النماذج الاختزالية ثمة عناصر في الواقع يمكنها تأييد مثل هذا المفهوم. فمن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية في الاتحاد السوفيتي كانوا من أكثر الجماعات وجوداً في مؤسسات الحزب الشيوعي بالقياس إلى نسبتهم القومية ومهندس الجيش الأحمر هو تروتسكي "اليهودي". كما يمكن أن نشير إلى وجود أعداد كثيرة من اليهود في الإعلام السوفيتي وفي بعض المؤسسات المهمة مثل اتحاد الكتاب وفي الجامعات والمؤسسات البحثية. ولكن هذا الوضع يعادله عدة عناصر من أهمها:
١ ـ أن النسبة العددية لأعضاء الجماعة اليهودية في الاتحاد السوفيتي كانت صغيرة جداً وآخذة في التناقص.
٢ ـ لم يشكل أعضاء الجماعة كتلة متماسكة لها مصالح واحدة. فيهود جورجيا لا تربطهم رابطة كبيرة بيهود أوكرانيا، بل إن ثمة نقاط اختلاف دينية وحضارية عميقة بينهم.
٣ ـ كان يهود الاتحاد السوفيتي يتمتعون بدرجة عالية من الاندماج يجد تَجلِّىه في الزواج المُختلَط وفي اختفاء اللغة والثقافة اليديشية.
٤ ـ اتجه اليهود السوفييت (من خلال عناصر داخلية سوفيتية مثل تركُّزهم في قطاعات اقتصادية مشبوهة، وخارجية مثل تدخل الحركة الصهيونية) إلى الخروج من الاتحاد السوفيتي وليس البقاء داخله. وقد أدَّى هذا إلى ضعف نفوذهم كجماعة ضغط داخل النظام السوفيتي.
٥ ـ من الأمور التي كانت تعوق اليهود السوفييت عن التأثير في القرار السياسي السوفيتي، من داخل النظام أو من خارجه، أن ثمة رفضاً عميقاً لليهودي داخل التشكيل الحضاري الروسي باعتبار أن اليهودي هو الغريب، وهو رفض يدعمه تركُّز نسبة كبيرة من أعضاء الجماعة في وظائف هامشية وفي السوق السوداء.
стр. 7319
٦ ـ من العناصر بالغة الأهمية أنه ليس كل اليهود السوفييت مؤيدين لإسرائيل، فهناك اليهود المتدينون الذين لا ينظرون إلى الدولة الصهيونية بعين الرضا. كما أن هناك إحساساً، بين يهود شرق أوربا، بأنهم يُشكِّلون أقلية قومية شرق أوربية يديشية، وهي التقاليد التي صاغها دبنوف وحزب البوند.
٧ ـ وفي نهاية الأمر كانت هناك السياسات السوفيتية الرامية إلى تفكيك اليهود (وكل الجماعات الدينية والإثنية) كجزء من النزوع الأممي وتركيز السلطة في يد السوفييت وحكومتهم المركزية وطليعتهم الحزبية!
ودراسة موقف الاتحاد السوفيتي من الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية تبين أن المصالح الإستراتيجية للدولة السوفيتية كانت دائماً العنصر الأساسي في تحديد موقفها (انظر: «البلاشفة والجماعات اليهودية» ـ «البلاشفة والصهيونية» )
стр. 7320
ويمكن دراسة قضية حيوية مثل الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي (سابقاً) في السبعينيات باعتبارها مثلاً مصغراً لتوجهات السياسة السوفيتية، وهل تتحدد هذه السياسة نتيجة ضغط يهودي صهيوني أم نابعة من المصالح السوفيتية؟ ومن المعروف أن قضية اليهود السوفييت "وحقهم" في الهجرة لم تُثر في بداية السبعينيات بضغط من الإعلام أو اللوبي الصهيوني وإنما تم بضغط من الولايات المتحدة (بمساعدة أعضاء الجماعة اليهودية فيها) . وقد سمح السوفييت في نهاية الأمر بهجرة أعداد كبيرة من اليهود بسبب ضغوط بنيوية داخلية: التخلص من عناصر متمردة ساخطة وعناصر تجارية إن لجأ للعنف في ضربها أثار الرأي العام الغربي عليه. كما أن الضغوط الغربية لعبت دوراً حاسماً إذ ربط الغرب بين التسهيلات التجارية والائتمانية الممنوحة للاتحاد السوفيتي من جهة والموقف السوفيتي من الهجرة اليهودية من جهة أخرى. ولكن مع تراجع هذه السياسات توقفت الهجرة لتفتح أبوابها مرة أخرى في أواخر الثمانينيات مع الانفتاح السوفيتي على الغرب ومع رغبته العارمة في الحصول على مساعدات مالية وتكنولوجيا متقدمة، فالقرار قرار سوفيتي اتُخذ استجابة لحاجات سوفيتية داخلية ومطالب غربية، ولا يشكل اليهود في هذه الصفقة سوى المادة التي سيتم نقلها. ومما لا شك فيه أن الإعلام الذي تنشط فيه العناصر اليهودية أو الصهيونية سواء في الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة لعب دوراً ملحوظاً، ولكن لا يمكن تفسير سلوك الاتحاد السوفيتي وسماحه بهجرة اليهود السوفييت في السبعينيات ثم وقفه الهجرة في منتصف الثمانينيات ثم فتحه باب الهجرة مرة أخرى في أواخر الثمانينيات إلا في إطار مصالح الاتحاد السوفيتي المتشابكة والضغوط الأمريكية عليه.
стр. 7321
ومع هذا، يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة بدأوا يتمتعون بحرية أكبر في الحركة والتعبير عن آرائهم. ولكن هذا لا يعود إلى قوتهم الذاتية وإنما إلى تغيُّر مبدئي وبنيوي في سياسة الدولة السوفيتية جعلها تجد أن من صالحها السماح لليهود بالهجرة والسماح للحركة الصهيونية بالتحرك. وبطبيعة الحال، فإنه مع تزايد هجرة اليهود من روسيا وأوكرانيا، ومع انحلال الاتحاد السوفيتي وانقسامه إلى عدة دول ذات سياسات مختلفة، فمن المتوقع أن تزداد قدرة الجماعات اليهودية على الضغط.
اللوبي اليهودي والصهيوني: الولايات المتحدة الأمريكية
Jewish and Zionist Lobby: The United States of America
يمكن القول بأن كل الأمثلة التي وردت في المدخل السابق مستمدة من تاريخ إنجلترا أو فرنسا أو الاتحاد السوفيتي وأن الولايات المتحدة حالة مختلفة تماماً وأن النفوذ الصهيوني مُسيطر عليها بشكل لم يحدث من قبل أو بعد. ولذا فلنحاول اختبار نموذجنا التفسيري الأساسي: إن المصالح الإستراتيجية/الغربية (الأمريكية في هذه الحالة) هي التي تحدد القرار الأمريكي، وأن الضغوط الصهيونية ـ من خلال اللوبي أو الإعلام ـ ذات أهمية ثانوية، فهي قد تُؤخر القرار قليلاً، وقد تُعدل شكله ولكنها لا تُحدِّده أو تُعدِّل اتجاهه الأساسي. ويمكننا أن نذكر الأحداث المهمة التالية للبرهنة على مقولتنا:
١ ـ هناك عدد كبير من رؤساء الجمهورية في الولايات المتحدة ممن دعوا لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، حتى قبل أن توجد جماعة يهودية ذات وزن من الناحية العددية والنوعية في أمريكا الشمالية. ويمكن أن نذكر ـ في هذا المضمار ـ الرئيس جاكسون (الذي كان قد لعب دوراً أساسياً في عملية الإجهاز على البقية الباقية من السكان الأصليين في الولايات المتحدة الأمريكية)
стр. 7322
٢ ـ المؤسِّس الحقيقي للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة (بالمعنى العام غير الشائع الذي نطرحه) هو وليام بلاكستون (١٨٤١ ـ ١٩٣٥) الصهيوني غير اليهودي، الذي أرسل عام ١٨٩١ التماساً إلى الرئيس الأمريكي هاريسون يحثه فيه على "إعادة" فلسطين لليهود. وقد وقَّع على هذا الالتماس عدد من الشخصيات المسيحية واليهودية. ولكن كان هناك معارضة يهودية قوية لمثل هذه الاتجاهات الصهيونية، إما من منظور ديني أو منظور اندماجي. وقد تصاعدت هذه الاتجاهات بين أعضاء النخبة الحاكمة الأمريكية (البروتستانتية) مع تزايُد اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط. فأيَّدت الولايات المتحدة وعد بلفور، وحنث الرئيس ولسون بوعوده الخاصة بحق تقرير المصير، لا خضوعاً لأي ضغط صهيوني أو يهودي وإنما لأنه رأى أن مصير الشرق الأوسط لا يمكن أن يُصاغ دون أن يكون للولايات المتحدة دخل فيه، ووجد أن تأييده لوعد بلفور هو وسيلته لذلك. (وقد فعل ذلك رغم احتجاج عدد كبير من أعضاء الجماعة اليهودية)
٣ ـ كانت الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر أقلية تؤمن باليهودية الإصلاحية التي تشجع الاندماج. وهذه الأقلية كانت تشكل نخبة ثرية مندمجة من أصل ألماني ولذا لم تكن متحمسة لهجرة يهود شرق أوربا الأرثوذكس السلاف «المتخلفين» المتحدثين باليديشية. ومع هذا اتُخذ القرار الأمريكي بفتح أبواب الولايات المتحدة لجميع المهاجرين لأن هذا ما كانت تتطلبه المصالح الأمريكية، وبالفعل هاجر الملايين من يهود شرق أوربا حتى أصبحوا يُشكِّلون غالبية يهود أمريكا.
стр. 7323
٤ ـ في عام ١٩٢٤ قررت الولايات المتحدة أن تحد من عدد المهاجرين بسبب الأزمة الاقتصادية فأصدرت قانون النصاب عام ١٩٢٣، ثم قانون جونسون عام ١٩٢٤، فانخفض عدد المهاجرين اليهود انخفاضاً ملحوظاً (من ١١٩ ألفاً عام ١٩٢١، و٤٩ ألفاً عام ١٩٢٤ إلى ١٠ آلاف عام ١٩٢٥، و٢.٧٥٥عام ١٩٣٢) . وبعد أن كانت الولايات المتحدة تستوعب ٨٥% من المهاجرين اليهود أصبحت تستوعب ما يقل عن ٢٥% وأحياناً عن ١٠%. ويجب أن نُذكِّر أنفسنا بأن القرارات الخاصة بالهجرة في الولايات المتحدة هي قرارات ذات طابع إستراتيجي، فالولايات المتحدة دولة استيطانية، وكانت حينذاك لا تزال في طور التشكيل، وتشكل المادة الاستيطانية الإنتاجية القتالية بالنسبة لها عنصراً إستراتيجياً، وبالتالي فالقرارات كانت تُتخذ في ضوء المصالح الأمريكية وحدها، وسواء سعد اليهود بهذا القرار أم ابتأسوا له فهذه مسألة ثانوية تماماً.
٥ ـ أثناء ما يمكن تسميته بالمرحلة النازية (١٩٣٣ ـ ١٩٤٨) رفضت الولايات المتحدة ومعظم بلاد أوربا فتح أبوابها للمهاجرين اليهود (رغم كل التباكي في الوقت الحالي على ضحايا الإبادة) . ويُفسَّر هذا الوضع على أساس حالة الاقتصاد الأمريكي المتردية والخوف من تَسلُّل الجواسيس الألمان، بل إن القوات الأمريكية بقيادة إيزنهاور رفضت ضرب قضبان السكك الحديدية المؤدية لمعسكرات الإبادة لوقف عملية نقل اليهود إليها. ويُقال في تفسير هذا إن أيزنهاور قائد القوات الأمريكية كان لا يريد تبديد طاقته العسكرية في هذا العمل الجانبي. ومهما كانت التفسيرات التي تُساق فإن القرار كان أمريكياً والمصالح كانت أمريكية.
стр. 7324
٦ ـ حينما أُعلنت دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ اعترفت الولايات المتحدة بها فوراً، ولم يكن اللوبي الصهيوني قوياً أخطبوطياً بعد، حتى باعتراف أولئك الذين يروجون لأسطورة قوته وأخطبوطيته. كما أن اللوبي اليهودي المعادي للصهيونية كان لا يزال قوياً إذ كان يضم عدداً كبيراً من أثرياء اليهود المندمجين، وهو ما يعني أن مسارعة الولايات المتحدة بالاعتراف لا يمكن تفسيرها إلا على أساس المصالح الأمريكية وليس لها علاقة بالضغوط اليهودية أو الحملات الإعلامية.
٧ ـ حينما تحالفت إسرائيل مع إنجلترا وفرنسا عام ١٩٥٦ وشنت العدوان الثلاثي على مصر، دون موافقة الولايات المتحدة، عوقبت أشد العقاب، إذ أن الإستراتيجية الأمريكية حينذاك كانت أنْ تلعب الإمبريالية الأمريكية دوراً نشيطاً في الشرق الأوسط وتحل محل الاستعمار التقليدي (الإنجليزي والفرنسي) وتملأ هي "الفراغ" الناجم عن انسحابهما منه. والدولة الصهيونية باشتراكها في هذه المغامرة وقفت ضد المخطط الأمريكي ولذا كان من الضروري تأديبها، ومن هنا موقف أيزنهاور "النزيه" و"العادل" و"المحايد".
٨ ـ لم تشن إسرائيل حرب عام ١٩٦٧ إلا بموافقة صريحة من الولايات المتحدة التي وجدت أن من صالحها تصفية حكم عبد الناصر آنذاك، وعلى كلٍّ ليس بإمكان إسرائيل أن تشن أي حرب أو تدخل أية مغامرة عسكرية إلا بموافقة الولايات المتحدة التي تمدها بالسلاح والدعم والمظلة الأمنية.
٩ ـ شاهدت الفترة من ١٩٦٧ ـ ١٩٧٤ تنامي العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة وذلك قبل أن يُعاد تنظيم إيباك، وفي فترة حكم نيكسون الذي كان لا يكن حباً خاصاً لليهود.
١٠ ـ حينما حاولت إسرائيل أن تؤكد استقلالها النسبي في الآونة الأخيرة جاءتها الرسالة واضحة من واشنطن ألا تتجاوز حدودها.
стр. 7325
أ) وأولى المحاولات الإسرائيلية لتأكيد شيء من الاستقلال كان في حادثة جوناثان بولارد وهو موظف أمريكي يهودي تجسَّس على الولايات المتحدة لحساب إسرائيل، وكان رد المؤسسة الأمريكية الحاكمة حاسماً، إذ قُبض على بولارد وأُدخل السجن لمدة عشرين عاماً وأُجري تحقيق في إسرائيل لتحديد المسئولية، كما أن الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة ثارت ثائرتها ضد الدولة الصهيونية. وصرح جيكوب نيوزنر، أهم عالم تلمودي في العالم ومن زعماء يهود الولايات المتحدة، أن يهود أمريكا يؤمنون بأرض ميعاد واحدة هي الولايات المتحدة وأن عاصمتهم هي واشنطن وحسب. بل إن موظفاً مدنياً يهودياً يعمل في وزارة الخارجية الأمريكية منذ ٢٥ عاماً سُحب منه تصريحه الأمني (الذي يمكن بمقتضاه أن يطَّلع على وثائق سرية) لأن ثلاثة من أولاده يعيشون في إسرائيل بعد حادثة بولارد وزيادة الاحتياطات الأمنية (جيرو ساليم بوست ١١ فبراير ١٩٨٩) ، ولو حدث شيء مماثل في أي بلد آخر لاتُهم هذا البلد على الفور بأنه معاد لليهود. ولكن الإعلام الصهيوني لزم الصمت لأن الجميع يعرف أن هذا هو الخط الذي لا يستطيع أحد عبوره، فهو خط إستراتيجي أحمر راسخ واضح. وقد حاول اللوبي الصهيوني أن يستفيد من قرار بوش بالعفو عن المتهمين في قضية إيران ـ كونترا عند انتهاء مدة رئاسته وحاولوا استصدار عفو عن بولارد ولكن الطلب رُفض. وقد رفض كلينتون أيضاً العفو عن بولارد.
стр. 7326
ب) أما الواقعة الثانية فهي إلغاء مشروع طائرة اللافي. فالمؤسسة الحاكمة الصهيونية كانت حريصة كل الحرص على إنتاج هذه الطائرة محلياً في إسرائيل (بعون أمريكي) لأسباب عديدة من بينها تحقيق شيء من الاستقلال الإسرائيلي وتحسين صورة إسرائيل القومية أمام المستوطنين الصهاينة الذين يشعرون باعتماد دولتهم المذل على الولايات المتحدة. كما أن الطائرة لافي كانت تعني أيضاً إنشاء صناعة طائرات محلية تخلق عشرات الوظائف للمهندسين والفنيين الإسرائيليين بأمل أن يحد ذلك بعض الشيء من ظاهرة هجرة العقول من إسرائيل ونزوح عناصر النخبة الفنية منها. ولكن المؤسسة الصناعية العسكرية في الولايات المتحدة وجدت أنه ليس من صالحها السماح لإسرائيل بإنتاج اللافي فأُلغي المشروع رغم المحاولات اليائسة والمريرة لمدة عامين، ولم ينجح اللوبي الصهيوني أو غيره في أن يؤثر على القرار الأمريكي. وقد تزايد عدد النازحين بالفعل عن الدولة الصهيونية، كما أنه قلل مقدرة إسرائيل الاستيعابية للمهاجرين الجدد، وبخاصة من ذوي المؤهلات العالية، وهو الأمر الذي شكَّل مشكلة خطيرة مع هجرة اليهود السوفييت.
١١ ـ لوحظ أن بعض الإسرائيليين واليهود السوفييت المقيمين في الولايات المتحدة قد أسسوا عصابات تمارس الجريمة المنظمة (المافيا) ولها نشاط في عالم المخدرات والجنس وتزييف النقود. ولم يتردد الكونجرس الأمريكي في إجراء تحقيق في الموضوع ونشر نتائج التحقيق، وهو ما أساء لصورة اليهود الإعلامية (جيروساليم بوست ١٩ أبريل ١٩٨٨) ولكنه فعل ذلك دون تردُّد لأن الجريمة تهدد أمن الولايات المتحدة القومي، ولم يخش أحد من سطوة الإعلام الصهيوني.
стр. 7327
١٢ ـ ثم جاءت حرب الخليج فأثبتت بما لا يقبل أي شك أن الدولة الصهيونية تتحرك داخل إطار المصالح الإستراتيجية الغربية وليس داخل إطار المصالح اليهودية أو الصهيونية الوهمية، فالدولة الصهيونية قد أُعدت عبر تاريخها للاضطلاع بدور الأداة العسكرية الكفء، وقد موَّلها الغرب لهذا السبب، وهذا السبب وحده. ولكن تبيَّن للغرب أن اشتراكها في القتال سيُسبِّب خسارة للمصالح الغربية، فاسم إسرائيل لا يزال كريهاً لدى الجماهير العربية التي تدرك بفطرتها السليمة طبيعة هذه الدولة الاستعمارية، ووقوف أي دولة عربية في القتال جنباً إلى جنب مع إسرائيل (حتى ولو كان ضد العراق) كان سيؤدي إلى غضب هذه الجماهير وثورتها، ولذا طلبت الولايات المتحدة من الدولة الصهيونية أن تتنحى عن دورها التقليدي وأن تلزم القوات الإسرائيلية ثكناتها وأن تتلقى الصواريخ العراقية دون أن تحرك ساكناً. وقد امتثلت الدولة الصهيونية لهذه الأوامر، وسُمِّي هذا «ضبط النفس» . وسلوك الدولة الصهيونية ـ مرة أخرى ـ يبيِّن مدى ذكاء أهل الحكم فيها ومعرفتهم تماماً بقوانين اللعبة.
ولعل التنازل الوحيد الذي قدمه الأمريكيون للإسرائيليين في هذه الحالة هو اختيار كولونيل يهودي ليترأس طاقم صواريخ باتريوت الذي أُرسل لحماية الدولة الصعهيونية من الصواريخ العراقية، وكان ضمن الطاقم عشرون يهودياً! وهو تنازل له طابع رمزي وحسب ولا يمتد بأية حال للأهداف النهائية.
стр. 7328
١٣ ـ أثناء المعركة الانتخابية الأخيرة للرئاسة الأمريكية ادعى مدير إيباك في مكالمة تليفونية مع أحد المليونيرات اليهود أن كلينتون يقوم باستشارته بشأن المرشحين لمنصب وزير الخارجية (وذلك بهدف تضخيم دور اللوبي) . ولكن المليونير كان قد قام بتسجيل المكالمة وسربها للصحف التي قامت بنشرها، ويُعدُّ مثل هذا التصريح خرقاً للعقد الاجتماعي الأمريكي الذي يسمح لأعضاء الأقليات بالتعبير عن هويتهم الإثنية بشرط ألا يتناقض هذا مع الصالح الأمريكي العام وأن يأتي الولاء للولايات المتحدة في المقام الأول. وقد اعتذر مدير إيباك عما بدر منه وأكد أن ما قاله في المكالمة التليفونية بشأن تعيين وزير الخارجية لم يكن إلا من قبيل الدعاية للإيباك لحث المليونير اليهودي على أن يجزل العطاء للإيباك، وقدَّم المدير استقالته بعد ذلك.
إلى جانب هذه الوقائع التاريخية التي تثبت أن المرجعية النهائية هي المصلحة الإستراتيجية الغربية، يمكننا أن نكتشف بعض جوانب آليات الضغط اليهودي الصهيوني لنرى مدى علاقتها بالمصالح اليهودية والصهيونية المستقلة:
стр. 7329
١ ـ يمكن أن نطرح سؤلاً بشأن مدى تأثير الصوت اليهودي في سياسات الولايات المتحدة وانحيازها لإسرائيل. وتبعاً للأطروحة الشائعة، لابد أن يزيد الانحياز مع تزايُد قوة هذا الصوت، والعكس صحيح. ولنا أن نلاحظ أن العلاقة بين الدولة الصهيونية والولايات المتحدة أثناء حكم الرؤساء الجمهوريين (نيكسون ـ ريجان ـ بوش) قد توثقت عراها بشكل مذهل، رغم أن ما بين ٧٠ ـ ٨٠ %من مجمل الأصوات اليهودية ذهبت للديموقراطيين. وقد لوحظ في انتخابات الكونجرس لعام ١٩٩٤ تقلُّص في عدد الممثلين اليهود إذ انخفض عدد الشيوخ من ١٠ إلى ٩ وعدد النواب من ٤١ إلى ٣٣، وهو ما يعني تراجع المقدرة الصهيونية المزعومة على الضغط. ومع هذا لم يتوقع أحد أن تتغيَّر سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، بل زادت درجة الانحياز كما زاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في مؤسسات صنع القرار. (انظر: «الصوت اليهودي» ) .
٢ ـ ويمكن أن نثير قضية سيطرة رأس المال اليهودي وهيمنته. ولنا أن نشير هنا إلى أن حجم رأس المال الذي يتحكم فيه بعض أعضاء الجماعات اليهودية يشكل نسبة ضئيلة للغاية بالنسبة لرأس المال الكلي للولايات المتحدة. والمنظومة الرأسمالية ـ كما هو معروف ـ منظومة متكاملة متداخلة، لها قوانينها وآلياتها التي تتجاوز إلى حدٍّ كبير إرادة الأفراد وأهواءهم. ويمكن أن نضيف هنا أنه على الرغم من ثراء يهود الولايات المتحدة (يوجد ١٤٠ يهودي بين أكثر من ٤٠٠ شخص يُعَدون الأكثر ثراء) فإنه لا يوجد رأس مال يهودي في الصناعات الأساسية (الحديد ـ الصلب ـ السيارات) ، كما أن المصارف الأساسية لا تزال في أيدي الواسب (البروتستانت) . وعلى المنادين بأطروحة السيطرة اليهودية أن يبينوا أن ثمة علاقة طردية بين تزايد رأس المال المتوافر في أيدي اليهود والانحياز الأمريكي لإسرائيل.
стр. 7330
٣ ـ وقل الشيء نفسه عن الإعلام وسيطرة اليهود عليه. فثمة وجود يهودي ملحوظ في قطاع الإعلام. ولكن هل تزايد هذا النفوذ أو تراجع في الأعوام العشرين الماضية؟ وهل زادت نسبة ملكية اليهود لوسائل الإعلام أو قلت؟ وهل هناك علاقة واضحة بين تزايد الهيمنة اليهودية على الإعلام ومنحنى الانحياز؟ كل المؤشرات تدل على أن العناصر غير اليهودية التي دخلت مجال الإعلام الأمريكي أعلى بكثير من العناصر اليهودية، ومع هذا لم يتغيَّر منحنى الانحياز المتزايد.
٤ ـ ويمكن أن نثير قضية أن أعضاء الجماعة اليهودية يلعبون دوراً متميِّزاً داخل المؤسسات الأمريكية لصنع القرار. وفي تقرير كُتب في السبعينيات، أُشير إلى أن ٢٠.٩% من كل أعضاء هيئات التدريس في الجامعات و٢٥.٨% من مجموع العاملين في الإعلام من اليهود، وأن هناك بين ٥٤٥ شخصية قيادية حوالي ١١.٤% من اليهود. وقد تزايد عدد اليهود في إدارة كلينتون الأخيرة (١٩٩٦) وبخاصة في المراكز الحساسة مثل وزير الخارجية ووزير الدفاع وعضوية مجلس الأمن القومي. ويشار إلى كل هذا باعتباره دليلاً على مدى سيطرة اليهود. ولكن عملية صنع القرار في الولايات المتحدة ـ كما أسلفنا ـ عملية مؤسسية في غاية التركيب، ولا تستطيع أية أقلية واحدة التحكم فيها. كما أن اليهود لا يشكلون الأقلية الوحيدة داخل مؤسسات صنع القرار، إذ توجد أقليات وجماعات ضغط أخرى كبيرة ومهمة مثل جماعة الضغط الكاثوليكية.
ويمكن تشبيه اليهودي داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية بالموظف الحركي النشيط في إحدى الشركات الكبرى الأمريكية. فهذا الموظف إن أبدى ذكاءً غير عادي في فهم أهداف المؤسسة التي يعمل فيها وأخذ بزمام المبادرة وتحرك نحو تنفيذها، فلابد أنه سيترقى ويتحرك نحو القمة، ولكن حركته الصاعدة تظل في نهاية الأمر محكومة بالهدف المؤسسي الذي يتم تحديده بشكل مؤسسي، كما أن من الصعب على فرد أو مجموعة أفراد تغييره.
стр. 7331
ويمكننا أيضاً أن نستخدم تشبيهاً مستمداً من تجربة أهم الجماعات اليهودية في التاريخ (من منظور تاريخ الصهيونية) ، أي يهود الأرندا، وهم كبار المموِّلين من أعضاء الجماعة اليهودية الذين لعبوا دور الوكلاء الماليين (أرنداتور) للنبلاء الإقطاعيين البولنديين (شلاختا) في أوكرانيا، فكانوا أداتهم في استغلال الفلاحين الأوكرانيين. وقد كان للأرندانور سلطة مطلقة داخل المزرعة التي يقوم بإدارتها. وكان النبيل الإقطاعي الغائب في بولندا يستمع لمشورته ويأخذ بنصيحته. ولكن القرار النهائي كان في يد النبيل الإقطاعي، كما أن الأرنداتور كان يستمد قوته وسطوته لا من ذاته وإنما من النبيل الإقطاعي، ولذا رغم هذه القوة والسطوة، كان استمراره، بل وجوده، يستند إلى رضا النبيل الإقطاعي.
٥ ـ ونحب أن نثير قضية مبدئية وهي قضية مصطلح «يهودي» نفسه، ومدى "صهيونية" هؤلاء اليهود؟ وهل يَصدُر يهود الولايات المتحدة عن رؤية يهودية وصهيونية لأنفسهم، أم يَصدُرون عن رؤية أمريكية؟. تدل كل المؤشرات على أن يهود الولايات المتحدة قد اندمجوا إلى حدٍّ كبير في المجتمع الأمريكي (رغم كل الثرثرة عن الشخصية اليهودية والجيتو اليهودي) . وحسب دراسات علم الاجتماع الأمريكي تُعَد الأقلية اليهودية من أكثر الأقليات اندماجاً وقبولاً للعقد الاجتماعي الأمريكي وقيم هذا المجتمع البرجماتية. ومنذ أمد طويل عرَّف أحد الزعماء الصهاينة في الولايات المتحدة البرنامج الصهيوني بأنه تداخل صهيونية اليهودي مع أمريكيته، حتى لا ينفصل الواحد عن الآخر.
стр. 7332
ومن المعروف أن عدد اليهود في كليات إدارة الأعمال في الجامعات الأساسية في أمريكا (هارفارد ـ برنستون) حتى منتصف الستينيات كان صغيراً للغاية، إذ أنه لم يكن بإمكان اليهودي أن يصبح مديراً في الشركات الكبرى (التي تحكم أمريكا) ، كما أن المناصب الوزارية المهمة التي كانوا يتقلدونها كانت دائماً هامشية. ولكن في عام ١٩٧٤ حدث تغيُّر جوهري إذ شهد هذا العام تعيين كيسنجر وزيراً للخارجية الأمريكية، وعُيِّن شابيرو مديراً لشركة دي بونت للكيماويات. ويبدو أن النخبة الحاكمة في أمريكا قد وجدت أن يهود أمريكا أصبحوا أمريكيين لهم مصالح أمريكية، أي ليسوا مجرد يهود لهم مصالح يهودية، وأنه تم دمجهم وأمركتهم تماماً، بحيث أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي خاضعين لحركيات المجتمع الأمريكي (الذي لا يمانع في الحفاظ على بعض معالم الهوية الإثنية، طالما أنها لا تؤثر في ولاء الشخص وفي سلوكه في رقعة الحياة العامة) .
وقد أثبت يهود أمريكا صدق حدس النخبة الحاكمة. فرغم الهستريا الواضحة في تأييد الدولة الصهيونية (الذي لا يختلف في واقع الأمر عن تأييد المواطن الأمريكي العادي لها إلا في النبرة) فثمة انصراف واضح عن المنظمة الصهيونية وعن التبرع لها وعن حضور مؤتمراتها وانتخاباتها. وقد ظهر ولاء يهود الولايات المتحدة بشكل واضح لا مراء فيه ـ كما أسلفنا ـ في حادثة جوناثان بولارد (حيث جنَّدت المخابرات الإسرائيلية مواطناً أمريكياً يهودياً للتجسس على الولايات المتحدة) إذ ثارت ثائرة المتحدثين باسم يهود أمريكا ضد إسرائيل لأنها تُعرِّض وضعهم داخل مجتمعهم للخطر.
стр. 7333
٦ ـ بل يمكن القول بأن هناك عناصر تسبب بعض التوتر بين يهود الولايات المتحدة والدولة الصهيونية، فالصورة الإعلامية للدولة الصهيونية ليست صورة رائعة طيلة الوقت (حرب لبنان ـ الانتفاضة ـ التشدد الصهيوني ـ بناء المستوطنات) . وكثيراً ما يجد يهود أمريكا، الذين يعيشون في مجتمع ليبرالي يدَّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، أنه ليس من صالحهم أن يُوحَّد فيما بينهم وبين الكيان الصهيوني، ولذا تتخذ قيادات الأمريكيين اليهود أحياناً موقفاً مستقلاًّ عن الدولة الصهيونية وناقداً له. ويُلاحَظ كذلك أن سقوط الإجماع القومي في إسرائيل حول المستوطنات انعكس على الأمريكيين اليهود، إذ أن ذلك أعطاهم حرية حركة لم تكن متاحة لهم من قبل. فنجد أن حركة السلام الآن لها فروع في الولايات المتحدة بل لها صندوق جباية مستقل عن الصندوق القومي اليهودي. كما أن الصراع بين الدينيين الأرثوذكس واللادينيين يجد صداه بين الأمريكيين اليهود ويقلل التفافهم حول الدولة الصهيونية التي تتحكم فيها المؤسسة الأرثوذكسية التي لا تعترف بهم كيهود.
стр. 7334
إذن ثمة عناصر، داخل المجتمع الأمريكي، بعضها يزيد من اقتراب الأمريكيين اليهود من الفكرة الصهيونية، والبعض الآخر يبعدهم عنها. ولكن، مهما كانت الصورة مركبة، فإن العنصر الأساسي في تحديد سلوك اليهود السياسي، سلباً أو إيجاباً، اقتراباً أو ابتعاداً من الصهيونية، هو كونهم مواطنين أمريكيين لهم مصالحهم الخاصة والمباشرة التي تفوق ولاءهم العقائدي للصهيونية. بل إن تأييد الأمريكيين اليهود لسياسة بلادهم في الشرق الأوسط لا تختلف كثيراً عن تأييد الأمريكيين البروتستانت لها لا في النسبة ولا في الحدة. ولعل يهودية الأمريكي اليهودي تفسر علو النبرة فقط. ومما يجدر ذكره أن بعض المحللين السياسيين يرون أن التظاهر السياسي لصالح إسرائيل، وارتفاع النبرة، هو شكل من أشكال التملُّص اليهودي من الصهيونية. فالأمريكي اليهودي يدفع الأموال للدولة الصهيونية ويمارس الضغط السياسي من أجلها خوفاً منها وليس حباً فيها (حتى يرضي ضميره) فهو يرفض الهجرة الاستيطانية تماماً.
стр. 7335
كما أن هناك من المحللين من يذهب إلى أن نفوذ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة يستند إلى قوة إسرائيل وليس العكس. فاعتماد الولايات المتحدة على إسرائيل في كثير من الأمور الأمنية وحاجتها إليها كقاعدة عسكرية وحاملة طائرات، يجعلها توسِّع رقعة حركة المنظمات الصهيونية حتى تقوم بعملية تعبئة الرأي العام الأمريكي (بما في ذلك الرأي العام الأمريكي اليهودي) ليساند الولايات المتحدة في دعمها الدائم والمستمر للكيان الصهيوني بما يتضمنه ذلك من دعم مالي قد يبدو باهظاً من منظور الإنسان العادي ولكنه استثمار إستراتيجي جيد من منظور المؤسسة الحاكمة، الأمر الذي يتطلب عملية قومية سياسية تقوم بها المنظمات الصهيونية على أكمل وجه. كما أن المنظمات الصهيونية تساهم، عن طريق عمليات جمع التبرعات، في دفع الفاتورة. والنفوذ الصهيوني، من هذا المنظور، ليس سبباً لسياسات الولايات المتحدة وإنما هو نتيجة لهما. ولاستيعاب هذه النقطة، يمكن مقارنة النفوذ الصهيوني ومدى نجاحه بفشل الجماعات الأيرلندية في جمع الدعم والأسلحة لجيش التحرير الأيرلندي رغم قوة الجماعة الأيرلندية، النوعية والعددية، ورغم أن أحد رؤساء الولايات المتحدة (كنيدي) كان من أصل أيرلندي!
اللوبي اليهودي والصهيوني: لم ازدهرت الأسطورة؟
Jewish and Zionist Lobby: Why has the Myth Prospered?
стр. 7336
يمكننا القول بأن تضخيم قوة اللوبي والإعلام الصهيوني وجعلهما مسئولين عن كل ما يحدث في الغرب هي أسطورة قد يكون لها علاقة ما بالواقع، ولكنها ذات مقدرة تفسيرية ضعيفة لعدم إحاطتها بهذا الواقع ولعجزها عن التمييز بين ما هو جوهري وما هو فرعي فيه. بل يمكن القول بأن هذه الأطروحة الشائعة في أشكالها المتطرفة، هي امتداد للرؤية التآمرية الاختزالية البروتوكولية (نسبة إلى بروتوكولات حكماء صهيون) ، التي تجعل اليهود مسئولين عن كل شيء وتجعل الغرب ضحية للتلاعب اليهودي الصهيوني. وهذا تبسيط للأمور يعمي الأبصار، فهل يمكن أن يتصور أحد أن التشكيل الاستعماري الغربي الذي حوَّل العالم بأسره إلى ساحة لنشاطه من خلال جيوشه ومخابراته (والآن من خلال عملائه ومخابراته) والذي أسس تشكيلاً حضارياً وبنية اجتماعية ونظاماً سياسياً يهدف إلى استغلال المصادر البشرية والطبيعية للكون بأسره وتوظيفها لصالحه، نقول هل يمكن أن تُحدَّد سياسات هذا الكيان نتيجة تدخُّل قوة سياسية مثل اللوبي اليهودي الصهيوني، هل لو أن اليهود اختفوا تماماً ولم يَعُد لهم من أثر، ولو أن إسرائيل اختفت من على خريطة العالم، هل ستتغير سياسة الولايات المتحدة وتصبح قوة مسالمة تتصالح مع القوى القومية والداعية للسلام والبناء، أو أنها كانت ستبحث عن عملاء آخرين وعن أشكال أخرى من التدخل؟ هذا هو السؤال الذي وجهته مرة للسناتور الأمريكي السابق جيمس أبو رزق (من أصل عربي) وكان رده أنه لا يمكن تخيُّل العالم بدون يهود أو الشرق الأوسط بدون إسرائيل! والإجابة لا تدل على عجز السناتور أبو رزق عن التخيل بقدر ما تدل على كفاءته النادرة في المراوغة.
ورغم ضعف المقدرة التفسيرية لأسطورة نفوذ اللوبي الصهيوني إلا أنها تزدهر وتترعرع لعدة أسباب نورد بعضها فيما يلي:
стр. 7337
١ ـ يروِّج الصهاينة أنفسهم لأسطورة اللوبي ويرسخونها في الأذهان. فكان وايزمان يتصور أن وعد بلفور قد مُنح لليهود بسبب اكتشاف الأسيتون، وكان اليهود يتصورن أن أول مندوب سامي بريطاني في فلسطين بعد فرض الانتداب، سير هربرت صمويل، هو أول ملك يهودي لفلسطين بعد هدم الهيكل! وقد ألقى أحد الحاخامات في معبد يهودي في واشنطن مؤخراً موعظة بدأها بالعبارة التالية: "الولايات المتحدة لم تَعُد حكومة للأغيار (أي غير اليهود) بل هي إدارة يشارك فيها اليهود بشكل كامل على كل المستويات". ولا شك في أن الصهاينة يستفيدون من مثل هذه الشائعات والأساطير، فهي تضفي عليهم أهمية لا يستحقونها، وتنسب لهم قوة تزيد وزنهم وهو ما يُحسِّن وضعهم التفاوضي. وقد عششت أسطورة اللوبي اليهودي والصهيوني في رؤوس بعض أعضاء النخب الحاكمة العربية، حتى أنهم يُحدِّدون سياساتهم انطلاقاً منها وتأسيساً عليها.
٢ ـ نجحت الدولة الصهيونية الوظيفية في إنجاز مهمتها باعتبارها قاعدة عسكرية رخيصة وحارساً للمنطقة العربية، وقد دعَّم هذا من رواج أسطورة اللوبي. ويمكن القول بأن ثمة علاقة طردية بين قوة اللوبي الصهيوني وضعف العرب، فكلما ازداد العرب ضعفاً وغياباً ازداد اللوبي الصهيوني قوة وحضوراً وزاد تلاحم المصالح الغربية والمصالح الصهيونية. ولكن لو زادت تكلفة إسرائيل (من خلال المقاومة والمقاطعة والجهاد) لأعادت الولايات المتحدة حساباتها، ولأصبحت هذه الحسابات أكثر رشداً (من وجهة نظرنا) ولما استمرت الولايات المتحدة في انحيازها، ولما ازداد منحنى التحيز انحناءً لصالح إسرائيل.
стр. 7338
٣ ـ تروِّج الحكومة الأمريكية ذاتها لمثل هذه المزاعم البروتوكولية عن اللوبي الصهيوني للإيحاء بأنها ترغب في اتخاذ مواقف أكثر اعتدالاً تجاه القضايا العربية ولكنها لا تستطيع ذلك بسبب اللوبي الصهيوني، وبذا يصبح الدعم الأمريكي السخي والمستمر لإسرائيل أمراً يتم رغم إرادة الولايات المتحدة وضد رغبتها، وتصبح هذه القوة العظمى الباطشة مجرد ضحية للنفوذ اليهودي وألعوبة في يد القوة الصهيونية التي لا تُقهَر. وهو يُحسِّن صورتها أمام زبائنها من العرب.
٤ ـ تستفيد النظم العربية من أسطورة اللوبي اليهودي والصهيوني. فهي تبرر الهزيمة العربية إذ تجعلها شيئاً متوقَّعاً ومفهوماً، كما أن ساحة القتال تنتقل من فلسطين إلى غرف الكونجرس وشوارع واشنطن وباريس حتى يتسنى لهذه الأنظمة العربية ممارسة ضغط يشبه الضغط اليهودي!
стр. 7339
إن توافق المصالح، وتوافق الإدراك الغربي والصهيوني، هو سر نجاح إسرائيل الإعلامي ومصدر قوة اللوبي الصهيوني وليس العكس، وهي العوامل التي تحدد في نهاية الأمر السلوك الغربي. فالإعلام واللوبي الصهيوني لا يستمدان قوتهما من كفاءة الصهاينة وإنما من أن إسرائيل وجدت لنفسها مكاناً داخل الإستراتيجية الغربية، ولأنها جعلت نفسها أداة طيعة رخيصة كفئاً لتحقيق هذه الإستراتيجية. وتحديد القضية على هذا النحو يعني أننا لا نقلِّل من أهمية اللوبي الصهيوني أو من مقدرته على تعبئة الرأي العام الأمريكي لصالح إسرائيل أو من فعاليته في التأثير على صانع القرار الأمريكي (وبخاصة في أمور الشرق الأوسط والصراع العربي ـ الإسرائيلي) . ولكننا مع هذا لا نفسر كل سلوك الغرب على أساسه، إذ تظل الأولويات الإستراتيجية التي حددها صانع القرار الغربي هي التي تفسر سلوكه. وإدراكنا لهذه الحقيقة سيُعمِّق إدراكنا للواقع وحركياته ويزيد مقدرتنا على التنبؤ والتصدي. إن النموذج التفسيري الذي نطرحه ليس مجرد تمرين أكاديمي، وإنما هو أمر أساسي في تحديد إستراتيجية التصدي لإسرائيل، وفي تحديد الأولويات.
стр. 7340
وقد ركز الإعلام العربي أثناء إحدى انتخابات الرئاسة الأمريكية على مسألة أن كيتي دوكاكيس زوجة المرشح الديموقراطي آنذاك يهودية، وأن هذا سيؤدي إلى تزايد نفوذ اللوبي الصهيوني. ولابد أن هذا الموقف شارك فيه بعض صانعي القرار العربي. ويقف هذا على الطرف النقيض من الموقف التركي، فحين سُئل المتحدث الرسمي التركي عن رأيه في مسألة ترشيح دوكاكيس للرئاسة، وهو من أصل يوناني، ومدى تأثير ذلك في الموقف الأمريكي من تركيا إن تم انتخابه، قال ببساطة إن الولايات المتحدة لها مصالح إستراتيجية ثابتة سيتمسك بها الرئيس المنتخب أياً كان أصله. فهذه المصالح الثابتة هي السبب الحقيقي الكامن وراء دعم الولايات المتحدة لتركيا وهي أيضاً وراء تأييد الولايات المتحدة للدولة الصهيونية، ولا يمكن تصوُّر أن كيتي دوكاكيس ستؤثر في ذلك الموقف بشكل جوهري! وهذه مقولة غير مريحة بالنسبة لمن استناموا لمقولة أخطبوطية اللوبي الصهيوني، إذ أنها تعني أن عدونا ليس الأفعى اليهودية الخيالية الميتافيزيقية التي لا يمكن الإمساك بها لأنها خفية رغم أنها في كل مكان (وهذه دعوة مقنعة للاستسلام) وإنما هو العالم الغربي الذي يدافع عن مصالحه الإستراتيجية التي يمكن تعريفها والتصدي لها ومحاربتها في كل مكان.
الصوت اليهودي في الولايات المتحدة
The Jewish Vote in the U. S. A
стр. 7341
«الصوت اليهودي» مصطلح يفترض أن هناك عدداً من الأصوات يدلي بها أصحابها من اليهود في الانتخابات الأمريكية (أو غيرها من البلاد الغربية) سواء القومية لانتخاب رئيس الجمهورية، أو على مستوى الولاية لانتخاب حاكمها، أو على مستوى المدينة لانتخاب العمدة أو غيره من القادة. كما يفترض المصطلح أن الناخبين اليهود يتبعون نمطاً واحداً تقريباً في التصويت، وأنهم دائماً يقفون إلى جانب إسرائيل ويؤيدون الموقف الصهيوني، وهم بذلك يشكلون أداة ضغط في يد اللوبي الصهيوني. كما يفترض المصطلح أنه كلما ازداد عدد الناخبين اليهود ازداد «الصوت اليهودي» قوة. ومما زاد هذا المفهوم شيوعاً أن بعض الساسة الغربيين أنفسهم يستخدمونه لتفسير سلوكهم الممالئ لإسرائيل وللسياسات الصهيونية إذ يدَّعون أن سلوكهم إنما هو استجابة عملية لضغوط الصوت اليهودي والمصالح الصهيونية ولا يعبِّر عن موقف إستراتيجي مبدئي تمليه عليهم مصالحهم الأمريكية أو الغربية أو على الأقل رؤيتهم لها. وقد دأبت الدعاية الصهيونية على ترويج هذه المقولة وكأنها حقيقة مسلم بها، وتلوح بها ضد معارضي الصهيونية.
стр. 7342
و «الصوت اليهودي» أسطورة لها أساس في الواقع. ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية (أينما وُجدوا) سيكون لهم أثر ما على صنع القرار السياسي، وخصوصاً في الدول الديموقراطية الغربية. ولكن، بعد تقرير هذه الحقيقة، يظل هناك كثير من القضايا الأساسية مثل: ما حجم هذا الأثر؟ هل هو من القوة بحيث يجب أخذه في الاعتبار، أو هو من التفاهة بحيث يمكن تجاهله تماماً؟ وإذا كان التأثير قوياً فما مصادر أو أسباب قوته؟ هل «الصوت اليهودي» قوي بسبب اتفاق مصالح الدولة الغربية مع الدولة الصهيونية؟ وهل قوة هذا الصوت اليهودي تعود إلى القوة الاقتصادية للجماعة اليهودية أو تعود إلى أسباب أخرى؟ ونظراً لاختلاف وضع الجماعات اليهودية من بلد إلى آخر، فسنتناول في هذا المدخل أهم الجماعات اليهودية وهي الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة (ونتناول أوربا الغربية وجنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية في مدخل مستقل) .
стр. 7343
يُشار إلى الديموقراطية الأمريكية باعتبارها ديموقراطية جماعات الضغط، أي أنها ليست مجرد ديموقراطية حزبية على النمط الأوربي حيث يطرح كل حزب برنامجه السياسي وينضم إليه الناخبون ويعبِّرون عن إرادتهم من خلال هذا الإطار الحزبي، وإنما هي ديموقراطية يعبِّر فيها الناخبون عن آرائهم من خلال كل من الأحزاب وجماعات الضغط التي ينتمون إليها، وهي قد تكون جماعات ذات طابع إثني تضم المواطنين الذين ينتمون إثنياً إلى أصل واحد، مثل الأمريكيين من أصل إسباني والأمريكيين من أصل إيطالي ... إلخ. وقد تكون جماعات مصالح مثل المعوَّقين والمتقدمين في السن والمحاربين القدامى والعاملين في صناعة السلاح. وتحاول هذه الجماعات حماية مصالح أعضائها وتحسين صورتهم في المجتمع عن طريق الضغط على السلطة إما عن طريق التظاهر أو عن طريق غيره من الوسائل، وإن كانت أهم أشكال الضغط هي الانتخابات ورشوة أعضاء الكونجرس (ولكن استكشاف هذا الجانب الأخير يقع خارج نطاق هذا المدخل)
ورغم أن اليهود لا يشكلون سوى ٢.٤% من مجموع الناخبين الأمريكيين، وهو ما يجعلهم كتلة انتخابية صغيرة نسبياً قياساً بالكتل الأخرى مثل الناخبين من أصل إسباني أو أيرلندي أو الناخبين السود، فإن ثمة عوامل تجعل قوتهم الانتخابية وتأثيراتهم تفوق بكثير عددهم الفعلي:
١ ـ فاليهود من أكثر الأقليات تركيزاً في المدن، فهم يوجدون بأعداد كبيرة في بعض المدن، مثل نيويورك وشيكاغو وميامي (فلوريدا) ، وهو ما يجعل لهم ثقلاً غير عادي. وعلى سبيل المثال، يشكل اليهود ١٩% من كل سكان مانهاتن وبروكلين (وهما أهم قسمين إداريين في مدينة نيويورك) . وهم يشكلون ١٦% من كل سكان نيويورك و٣% من كل سكانها البيض. وبالتالي، فإن أي مرشح يتوجه للصوت الأبيض (مقابل الصوت الأسود والإسباني) عليه أن يضع الصوت اليهودي في الاعتبار.
стр. 7344
٢ ـ يتركز اليهود في بعض الولايات التي تلعب دوراً حاسماً في انتخابات الرئاسة، وهذا ما يجعل أهميتهم كجماعة ضغط تتزايد فهم يشكلون ١٠.٦% من جملة الناخبين في ولاية نيويورك و٥.٩% في نيوجيرسي و٤.٨% في واشنطن (العاصمة) و٤.٧% في ولاية فلوريدا ونسبة كبيرة في ولاية كاليفورنيا. كما يوجدون بأعداد كبيرة في ولاية بنسلفانيا وإلينوي.
٣ ـ يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية يتمتعون بأعلى مستوى تعليمي في الولايات المتحدة، وهو ما يؤثر على سلوكهم الانتخابي إذ أنهم يدلون بأصواتهم بنسبة تفوق بمراحل النسبة القومية. وتبلغ هذه النسبة بين اليهود ٩٢% (وهي أعلى نسبة على الإطلاق بين أي أقلية في المجتمع الأمريكي) مقابل ٥٤% وهي النسبة بين الأمريكيين على وجه العموم، وهذا يعني تزايد قوتهم الانتخابية. وعلى سبيل المثال، ذكرنا أن ١٠.٦% من جملة الناخبين البيض الذين لهم حق الانتخاب في ولاية نيويورك من اليهود. ولكن، نظراً لحرص الناخبين اليهود على الإدلاء بأصواتهم، نجد أن نسبتهم الفعلية، وهي النسبة التي يضعها المرشحون في اعتبارهم، تصل إلى ما بين ١٦% و٢٠%.
٤ ـ وتضاعف هذه النسبة فيما يتعلق بانتخابات مؤتمرات الولايات التي يتم عن طريقها اختيار المرشحين لرئاسة الجمهورية. ففي انتخابات مؤتمر الحزب الديموقراطي في نيويورك (انتخابات عام ١٩٨٤) ، بلغت نسبة عدد اليهود نحو ٣٠%. وكان ٤١% من الأصوات التي أعطيت لمونديل من أصوات اليهود. أما في انتخابات عمدة نيويورك، فإن أصوات اليهود كانت تشكل ٥٠% من الأصوات التي حصل عليها. (ومع هذا لوحظ مؤخراً انصراف الشباب اليهودي في الولايات المتحدة عن الإدلاء بأصواتهم. وقد بينت إحدى الإحصائيات أن عدد الممتنعين عن الاشتراك في الانتخابات قد وصل إلى ما يزيد على مليون عام ١٩٩١ وهو ما يضعف قوة الصوت اليهودي، وخصوصاً مع زيادة عدد أعضاء الأقليات الأخرى وتزايد إقبالهم على الانتخابات) .
стр. 7345
٥ ـ وإلى جانب كل هذا، يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية نشطاء سياسياً ويشتركون في معظم الحركات السياسية، وخصوصاً الليبرالية واليسارية، ويؤثِّرون فيها بشكل يفوق عددهم.
٦ ـ تضم الجماعة اليهودية عدداً كبيراً من كبار المثقفين والفنانين ورجال السياسة، الأمر الذي يزيد من ثقل وأهمية الصوت اليهودي.
٧ ـ تُعدُّ الجماعة اليهودية من أكثر الأقليات ثراء في العالم إن لم تكن أكثرها ثراء بالفعل. ونظراَ لنشاطهم السياسي، فهم يتبرعون للحملات الانتخابية بمبالغ كبيرة يحسب المرشحون حسابها. وربما كانت الجماعة اليهودية، كجماعة ضغط، تنفرد بهذه الخاصية إذ أن أعضاء جماعات الضغط الأخرى قد يفوقون اليهود عدداً ولكنهم لا يقتربون بأية حال من إمكاناتهم المالية.
стр. 7346
إذن، لا شك في أن الجماعات اليهودية تمثل قوة ضغط مهمة داخل النظام السياسي الأمريكي. وثمة صوت يهودي تماماً كما أن هناك صوتاً أسود أو صوتاً إسبانياً (وبدايات صوت عربي) . وهذا الصوت اليهودي متعاطف مع إسرائيل والصهيونية. ولكن هذا الصوت اليهودي يظل خاضعاً لحركيات النظام السياسي الأمريكي وللتناقضات التي تتفاعل داخل المجتمع. وما يحدد اتجاهه، ليس الولاء العقائدي المجرد للصهيونية وإنما استجابة اليهود، كأمريكيين أو كأمريكيين يهود، لما يواجههم في مجتمعهم الأمريكي. فأعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة هم أمريكيون يهود أو أمريكيون يؤمنون بالعقيدة اليهودية أو بالهوية اليهودية، وليسوا يهوداً أمريكيين. وهم، في هذا، لا يختلفون عن كل المواطنين في الولايات المتحدة، فلا يوجد أمريكي خالص سوى فئة الواسب WASP وهي اختصار لعبارة وايت أنجلو ساكسون بروتستانت White Anglo-Saxon Protestant، أي البروتستانت من أصل أنجلو ساكسوني (وحتى هؤلاء يحمل اسمهم أصلهم العرْقي) . أما بقية الأمريكيين، فهم أمريكيون إيطاليون أو أمريكيون أيرلنديون أو أمريكيون عرب، ويشار إليهم بالإنجليزية بتعبير «هايفنيتيد أميريكانز hyphenated Americans» أي «أمريكيون بشرطة» (إذ يشار إليهم باعتبارهم «أمريكيين/ يهود ـ أمريكيين/عرب» وهكذا)
стр. 7347
وهذا يعود إلى طبيعة تكوين المجتمع الأمريكي، فهو مجتمع استيطاني مُكوَّن أساساً من مهاجرين ولا توجد فيه تقاليد حضارية ثابتة أو عقائد دينية مستقرة. وكان على المهاجر أن يسقط معظم ثقافته القديمة ويندمج في المجتمع ليصبح أمريكياً، وإن ظل به ولع لثقافته القديمة فإنه يستطيع أن يعبِّر عن هذا الجانب من شخصيته من خلال بعض جوانب حياته غير المهمة مثل الطعام والاحتفال ببعض الأعياد. لكن هويته الأوربية (القديمة) ، أو ما تبقَّى منها، يجب أن تظل خاضغة لانتمائه الأمريكي. ومن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية من المهاجرين كانوا من أكثر المهاجرين تقبلاً للمُثل الأمريكية، وأكثر تخلياً عن ثقافتهم القديمة الأوربية، بمعدلات تفوق المهاجرين الآخرين. وهذا يعود إلى عدم تجذُّر اليهود في الثقافة الأوربية في شرق أوربا، ولذا فهم (على عكس كثير من المهاجرين) لم يأتوا إلى الولايات المتحدة ليجربوا حظهم وإنما ليستقروا ويقيموا. ومن ثم، فقد كانت نسبة العائدين إلى أوربا من بين المهاجرين اليهود هي أقل نسبة بين مختلف جماعات المهاجرين (ربما باستثناء الأيرلنديين) . وبعد أن استقر يهود شرق أوربا، وضعوا أنفسهم داخل الإطار الأمريكي وأصبحوا أمريكيين بشرطة (أمريكيين/يهوداً) بحيث أصبحت إسرائيل بالنسبة إليهم مثل أيرلندا بالنسبة للأمريكيين من أصل أيرلندي. ويجب ملاحظة أن إسرائيل، بذلك، أصبحت البلد الأصلي، أي البلد الذي يهاجر منه الإنسان لا إليه، لكن فكرة أن إسرائيل هي البلد الأصلي هي فكرة مناقضة للفكرة الصهيونية.
стр. 7348
وفي الوقت الحاضر، يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، على عكس ما هو شائع، من أكثر الأقليات اندماجاً وتأمركاً حيث يتبدَّى هذا في تزايد معدلات العلمنة. فقد لوحظ أن عدد اليهود الذين يمارسون شعائر عقيدتهم لا يزيد عن ٥٠%، ووصلت معدلات الزواج المُختلَط في بعض الولايات إلى ما يزيد على ٥٠%. ولذا، فنحن نسميهم «اليهود الجدد» ، فهم مختلفون بشكل جوهري عن يهود أوربا ويهود عصر ما قبل الاستنارة في أواخر القرن الثامن عشر. ولفهم سلوكهم الانتخابي والسياسي الحقيقي، لابد أن نضعهم داخل سياقهم الأمريكي خارج الأساطير الصهيونية التي يرددها بعض العرب.
стр. 7349
على سبيل المثال، يُلاحَظ أن العلاقة بين الدولة الصهيونية والولايات المتحدة ازدادات عمقاً أثناء حكم الرئيسين الجمهوريين نيكسون وريجان، وخصوصاً الأخير. ويُلاحَظ كذلك أن سياسات الحزب الجمهوري، التي تتبنى سياسة المواجهة مع الاتحاد السوفيتي وتصعيد الحرب الباردة، تلقى صدى في صفوف الصهاينة والدولة الصهيونية المستفيدة من حالة التوتر الدولي والاستقطاب. ويُلاحَظ كذلك أن برنامج الحزب الجمهوري عام ١٩٨٨ يتسم بالتحيز الشديد لإسرائيل من مطالبة بتقوية الأواصر الإستراتيجية معها وتعميق العلاقة الخاصة بها والوقوف ضد إنشاء دولة فلسطين وتأييد إلغاء قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية. كما أن الحزب الجمهوري لا يضم في صفوفه شخصية مثل جيسي جاكسون الذي نجح هو وأتباعه، ولأول مرة في تاريخ مؤتمرات الأحزاب الأمريكية، في وضع فكرة الدولة الفلسطينية موضع المناقشة. فإن صدقت مقولة «الصوت اليهودي» كأداة ضغط في يد الصهاينة، فإن من المتوقع أن يصوِّت اليهود لصالح الجمهوريين بأعداد متزايدة. ومع هذا، فقد أدلى معظم اليهود بأصواتهم لصالح الحزب الديموقراطي، بنسبة ٧٠% ـ ٨٠% من مجمل الأصوات كما حدد بعض المحللين. وفي محاولة تفسير هذا الوضع نجد أن المحللين يسقطون «الولاء الصهيوني» كعنصر محرك ويتوجهون لعلاقة هؤلاء الأمريكيين اليهود بمجتمعهم الأمريكي. فيُلاحَظ أن الحزب الديموقراطي كان دائماً حزب المهاجرين والأقليات وسكان المدن وهو أيضاً الحزب الذي يمثل مصالحهم ويحاول التعبير عن هذه المصالح. ومنذ عام ١٩٣٢، حصل مختلف الرؤساء الأمريكيين من الحزب الديموقراطي على ما يزيد على ٧٠% من الأصوات اليهودية. وبحسب كثير من المحللين، لا تزال هذه النسبة هي النسبة القائمة، ففي انتخابات عام ١٩٨٤ لم يحصل ريجان إلا على ٣٠% ـ ٤٠% من الصوت اليهودي، وقد حصل بوش على نسبة أقل. ويُقال إن كلينتون قد حصل على حوالي ٨٥% من الصوت اليهودي. فالحزب الجمهوري
стр. 7350
هو حزب البيض (الواسب) بالدرجة الأولى (من بين المندوبين لمؤتمر الحزب الجمهوري لاختيار مرشح الرئاسة عام ١٩٨٨، كان هناك ٢% من اليهود مقابل ٦% في مؤتمر الحزب الديموقراطي، وكان هناك ٣% من السود مقابل ٢٠% في مؤتمر الحزب الديموقراطي) . ورغم أن برنامج الحزب الجمهوري مؤيد للصهيونية وإسرائيل، فإن البرنامج نفسه يقف ضد إباحة الإجهاض ويطالب بإدخال الصلوات في المدارس ويؤكد ضرورة ترديد يمين الولاء في المدارس. كما أن البرنامج يطالب بإعطاء خصم ضريبي لأولياء الأمور الذي يلحقون أولادهم بمدارس خاصة حتى لو كانت دينية. وهي سياسات محافظة لا تروق للناخبين اليهود واستجابتهم لها هي التي تحدد سلوكهم الانتخابي.
وقد تبدو كل هذه الأمور بالنسبة إلى المراقب الخارجي وكأنها أمور تافهة، وهي حقاً كذلك من منظور السياسة الخارجية، ولكنها ليست كذلك من منظور الحركيات الداخلية للمجتمع الأمريكي ونمط التصويت الذي يتبعه أعضاء الجماعة. فمنذ بداية الستينيات والمعركة مستمرة بين دعاة العلمانية وفصل الدين عن الدولة بشكل كامل ومطلق، بقيادة الجماعة اليهودية من جهة، وبعض الجماعات الأخرى ذات التوجه الديني من جهة أخرى. ويرى معظم أعضاء الجماعة اليهودية أن مصلحتهم تكمن في تزايد معدلات العلمنة، وأن هذا هو الضمان الوحيد لحريتهم بل وجودهم. وقد اكتسح هذا التيار المجتمع الأمريكي في الستينيات، ووصلت عملية الفصل بين الدين والدولة مراحل هستيرية حتى أن ذكر كلمة «الإله» في الكتب المدرسية مُنع، ومُنعت الصلوات كما مُنعت نشاطات الجمعيات الدينية في المدارس حتى لو أرادت تسجيل نفسها على أنها من جماعات الهوايات أو كرة القدم!
стр. 7351
ولكن، مع بداية السبعينيات، بدأ رد فعل ضد هذا الاتجاه وبدأت حركة بعث ديني ذات طابع أصولي. والطريف أن هذه الحركة ذات توجه صهيوني بمعنى أن أتباع هذا الاتجاه يرون عدم إمكان أن يتم الخلاص المسيحي إلا بعد عودة اليهود إلى صهيون (فلسطين)
وقد استفادت الدولة الصهيونية من هذا الوضع، وهي تعتبر هذه الجماعات جماعات ضغط لصالحها، بل إن بعض المعلقين السياسيين الإسرائيليين يرون أنها أكثر أهمية من جماعة اليهود كجماعة ضغط باعتبار أن اليهود أقلية توجد خارج المجتمع الأمريكي (المسيحي) حتى ولو كانت مندمجة فيه. أما الجماعات المسيحية الأصولية، فهي ليست مندمجة فيه وإنما هي جزء عضوي منه تعمل من داخله. ولكن رؤية الأمريكيين اليهود لهذا الموضوع مختلفة عن رؤية الدولة الصهيونية له. فهذه الجماعات الأصولية، برغم صهيونيتها، تهدد حرية أعضاء الجماعة وكل ما حققته من مكانة اجتماعية وحراك اجتماعي. ويُقال إن كثيراً من اليهود صوتوا لصالح مونديل عام ١٩٨٤ بسبب اجتماع الإفطار الذي أقيمت أثناءه الصلاة المسيحية وحضره ريجان وذلك إبان انعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري في دالاس. وقد حاول الجمهوريون تصحيح خطئهم هذه المرة (عام ١٩٨٨) ، فعقدوا اجتماع إفطار صلاة تعددياً حضره بروتستانت وكاثوليك ويهود. ولكن دونالد هودل وزير الداخلية (وهو مسيحي أصولي) ألقى موعظة في هذا الاجتماع طلب فيها من مستمعيه، بما في ذلك اليهود، أن يدخلوا المسيح في حياتهم الشخصية، فزاد الطين بلة! ويحاول بوش أن يخفف حدة برنامج الحزب الجمهوري الخاص بإدخال الصلوات ويدعو إلى أن تأخذ الصلاة شكل «لحظة صمت» يستطيع الطلبة فيها أن يصلوا أو أن يجلسوا أثناءها في صمت دون صلاة إن شاءوا. ولكن، مهما حاول الحزب الجمهوري، فسوف يظل موقفه باهتاً بالقياس إلى موقف الحزب الديموقراطي حيث طالب دوكاكيس بكل حدة بفصل الدين عن الدولة. وربما كان أكبر دليل على ليبراليته وعلمانيته أن زوجته
стр. 7352
يهودية. ثم يأتي كلنتون ليعبِّر عن تزايد معدلات العلمنة ويبدأ فترة رئاسته بإباحة الإجهاض ومحاولة إدخال الشواذ جنسياً القوات المسلحة الأمريكية. ونضيف إلى هذا أن سياسات الحزب الجمهوري الداخلية بشأن الإنفاق على مشاريع الرخاء الاجتماعي والتعليم هي سياسات محافظة في حين أن سياسة الحزب الديموقراطي في هذا المضمار ليبرالية. وكما أسلفنا، يتبنى معظم اليهود مواقف الحزب الديموقراطي الليبرالية.
لكل هذا، يصوِّت معظم يهود أمريكا للحزب الديموقراطي وليس للحزب الجمهوري، تعبيراً عن وضعهم كمواطنين أمريكيين لهم حركياتهم الأمريكية الخاصة وليس بوصفهم أعضاء في الحركة الصهيونية أو متعاطفين معها.
ومع هذا، يجب الإشارة إلى بعض العناصر المهمة التي قد تغيِّر سلوك الناخبين اليهود في المستقبل:
١ ـ يُلاحَظ، في الآونة الأخيرة، تزايد تحوُّل اليهود عن الليبرالية واليسار وتبنيهم مواقف محافظة. وربما يعود هذا إلى تزايد اندماجهم وحراكهم الاجتماعي حتى أصبحوا من أعضاء الطبقات الثرية الأمريكية بعد أن فَقَدوا ميراثهم الاقتصادي والحضاري المتميِّز. ويُلاحَظ هذا في مجلة مثل كومنتاري التابعة للجنة اليهودية الأمريكية، فقد كانت من أكثر المجلات ليبرالية، ولكنها أصبحت مجلة محافظة تدافع عن التسلح والحرب الباردة. وهناك بالفعل جماعة تُسمَّى «المحافظون الجدد» من بينهم إرفنج كريستول، ونورمان بودورتز (رئيس تحرير كومنتاري) ينادون بتحالف سياسي جديد. وربما يعبِّر هذا التغيير في الوضع الطبقي، والتحول في التوجه السياسي العام، عن مزيد من تعاطف اليهود مع فلسفة الحزب الجمهوري الاجتماعية واستعدادهم للتصويت لصالحه.
стр. 7353
٢ ـ يُلاحَظ أن الحزب الديموقراطي هو حزب السود، فظهور شخصية مثل جيسي جاكسون هو تعبير عن تزايد نفوذهم. والعلاقات بين اليهود والسود تتسم بالتوتر ابتداءً من منتصف الستينيات. ومع تزايد نفوذ السود داخل الحزب الديموقراطي، يمكن أن نتوقع تزايداً في انكماش عدد اليهود وفي انصرافهم عن الحزب ليبحثوا عن بدائل أخرى، أي الحزب الجمهوري.
٣ ـ يُلاحَظ أن البعث الديني في الولايات المتحدة يجد صداه أيضاً في صفوف اليهود الأرثوذكس والمحافظين. ولذا، لا يساير هؤلاء المحاولات التي يقوم بها اليهود الليبراليون لزيادة معدلات العلمنة داخل المجتمع الأمريكي، بل يطالبون بأن تقوم الدولة بتمويل التعليم الديني. وربما يكون لهذا أثره أيضاً في السلوك السياسي والانتخابي لهذه القطاعات من الصوت اليهودي. وهذا الفريق يرى أن زوجة دوكاكيس اليهودية نقطة سلبية محسوبة عليه لا له، وذلك باعتبار أنها تعبير عن تزايد العلمنة بزواجها المختلط من مسيحي، وباعتبار أنها ستكون قدوة ومثلاً أعلى للمرأة اليهودية.
كل هذه الاتجاهات داخل الجماعة اليهودية قد تجعل الناخبين اليهود يصوتون للحزب الجمهوري بأعداد متزايدة. ويُلاحَظ مثل هذا الاتجاه بالفعل، ففي انتخابات ١٩٦٨ صوَّت نحو ٣٨% لصالح الديموقراطي هيوبرت همفري، أي أن ١٧% وحسب صوَّتوا لنيكسون، في حين صوَّت ٣٥% لصالحه في انتخابات ١٩٧٢. وفي انتخابات ١٩٧٦، صوت لكارتر ٥٤% من اليهود وحسب، وصوت ٤٥% لصالح فورد، لكن هناك إحصاءً آخر يرى أن العدد كان ٣٣% لفورد والباقي لكارتر، وهو ما يبيِّن أن الإحصاءات غير دقيقة بسبب طبيعة الموضوع. ومع هذا تشير كل الدلائل إلى أن النمط القديم (المتمثل في أن اليهود أقلية ليبرالية تقطن المدن وتصوت للحزب الديموقراطي) قد يطرأ عليه بعض التغيُّر الطفيف ولكنه سيظل النمط السائد.
стр. 7354
إن كل العناصر السابقة تجعل من المستحيل الحديث عن «صوت يهودي» توظفه الحركة الصهيونية ببساطة لصالحها، فالمسألة أكثر تركيباً، فالصوت اليهودي قادر على التأثير دون شك، ولكنه لا يتصرف في إطار صهيوني وإنما في إطار أمريكي.
الصوت اليهودي في أوربا الغربية وأمريكا اللاتينية
The Jewish Vote in Western Europe, and Latin America
لا يشذ الصوت اليهودي في دول أوربا الغربية عن هذه القاعدة العامة فهي دول تؤيد إسرائيل من الناحية الإستراتيجية، وتضم جماعات يهودية تدين بالولاء لأوطانها، ومن ثم فهي قد تؤيد الدولة الصهيونية وتضغط لصالحها ولكن داخل إطار انتماء أعضائها لأوطانهم وقبولهم للعقد الاجتماعي السائد فيها. ولا يمكن تفسير سياسات الحكومة من منظور مدى تزايد أو تناقص النفوذ الصهيوني أو الصوت اليهودي. ففرنسا، على سبيل المثال، حين اتخذت موقفاً معادياً نوعاً ما تجاه إسرائيل أيام الجنرال ديجول وفرضت حظراً على تصدير السلاح لها، لم يكن هذا بسبب ضعف نفوذ اليهود فيها وإنما بسبب سياسة ديجول التي كانت ترمي إلى إيجاد شخصية مستقلة لأوربا بين الدولتين العظميين. وحينما رفعت فرنسا هذا الحظر، فلا يمكن تفسير ذلك بتعاظم الصوت أو النفوذ اليهودي. وعلى كلٍّ، يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا يُشكِّلون أقل من ١% من مجموع السكان (٧٠٠ ألفاً من نحو ٥٤ مليوناً) . كما أن الجماعة اليهودية لا تتسم بالتماسك الشديد إذ أنها مُقسَّمة إلى يهود سفارد شرقيين من جهة ويهود غرييين من جهة أخرى. كما أن يهود فرنسا مركزون أساساً في باريس وبضع مدن أخرى، وهو ما يجعلهم قريبين من مؤسسات صنع القرار، ولكنهم غائبون في الوقت نفسه عن معظم فرنسا. وهذا لا يعني أن الفرنسيين اليهود غير مؤثرين على الإطلاق، فهم ولا شك ذوو أثر عميق، وخصوصاً في الإعلام، ولكن أثرهم ينبع من كونهم فرنسيين.
стр. 7355
ويمكن أن نضرب مثلاً آخر بسياسة إنجلترا التي تلتزم بتأييد إسرائيل، وتؤيد المواقف الأمريكية بشكل شبه كامل. ولو نظرنا إلى الصوت اليهودي لوجدنا أن اليهود لا يشكلون كتلة بشرية كبيرة، فعددهم لا يتجاوز ٠.٦% من مجموع السكان، وهم ليسوا أقوياء من ناحية النفوذ الاقتصادي، كما أن أصواتهم موزعة بين عدة دوائر (ولذا لا يمكن الحديث عن دوائر يهودية) . ومع هذا، بلغ عدد الأعضاء اليهود في البرلمان الإنجليزي عام ١٩٨٣ ثمانية وعشرين عضواً من أصل ستمائة وخمسين، وهي نسبة تفوق نسبة اليهود إلى عدد السكان. ولكن هؤلاء النواب كانوا يمثلون دوائر لا يُلاحَظ فيها وجود يهودي غير عادي، أي أنهم انتخبوا باعتبارهم بريطانيين وأعضاء في أحزاب بريطانية. وكان عدد النواب اليهود ستة وأربعين عضواً عام ١٩٧٤، أي أنه حدث انخفاض كبيرفي عددهم. ولكن لا يمكن تفسير هذا الانخفاض في إطار حركيات يهودية، وإنما لابد من العودة إلى حركيات المجتمع البريطاني والجماعة اليهودية فيه. ولذا، فإن هذا الانخفاض لا يصلح مؤشراً على تراجع النفوذ الصهيوني، تماماً كما لا يصلح الحكم على وجود خمسة وزراء يهود في إحدى وزارات تاتشر في عام ١٩٨٦ (وهو أكبر عدد شهدته أية حكومة بريطانية) على أساس تزايد هذا النفوذ. فالموقف البريطاني من إسرائيل موقف إستراتيجي مبدئي لن يتغيَّر بتراجع النفوذ اليهودي، بل لن يتغيَّر باختفائهم الكامل (وهو الأمر الذي يتوقعه بعض المراقبين)
следующие страницы →