← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

١٠ـ انتقل الترانسفير إلى رؤية الذات، فالإنسان الغربي داخل إطار المرجعية المادية قادر على رؤية ذاته باعتبارها مادة استعمالية لا قداسة لها يمكن توظيفها دون أي احتجاج من جانبه. فهو، مثلاً، يشتري المنزل (الذي يشكل نقطة الثبات في حياة كثير من البشر والمأوى الدائم لهم) ويراه استثماراً، وقد أصبح المنزل هو أهم استثمار بالنسبة للأمريكيين، والاستثمار الوحيد لغالبيتهم. وبدلاً من أن يعيش في منزله ويستقر فيه ويعيد صياغته بشكل يتفق مع احتياجاته وهويته فإنه يبيعه ليحقق ربحاً بعد فترة وجيزة (في الولايات المتحدة مثلاً يغير كل مواطن منزله مرة كل خمسة أعوام) . لهذا السبب أصبح معمار المنازل محايداً (أربعة جدران محايدة وسقف أكثر حياداً) ، وفقد أية خصوصية، وذلك حتى يمكن لصاحبه أن يتركه وينتقل منه (ترانسفير) ويبيعه لشخص آخر بسهولة ويسر ويحقق ربحاً عالياً (أليست هذه هي حضارة الفوارغ؟) .

стр. 737

١١ ـ ولا يعود تغيير المنزل إلى الرؤية الاستثمارية وحسب بل إلى أن الكثيرين يغيرون محل عملهم حتى يحققوا ما يطمحون إليه من حراك اجتماعي. وتُعَد الحركة الدائمة أحد مظاهر التحديث، ولعل الحركة اليومية للملايين من مكان إلى مكان، وحركة ملايين السياح من بلد لآخر، تعبير آخر عن هذا. وفي أحيان كثيرة، يكون مجرد المل والرغبة في التغيير هو مصدر الأوتو ترانسفير أو الترانسفير الذاتي. ويمكن القول بأن السائح شخصية علمانية نماذجية، فهو إنسان حركي لا يؤمن بالثوابت أو المطلقات، يجمع في شخصيته ثنائية الإنسان الاقتصادي (الذي يراكم المال) والإنسان الجسماني (الذي يندفع لإنفاقه بشراهة) . وهو حينما ينتقل إلى بلد (ترانسفير) ، فإن كل همه هو الاستهلاك وتحقيق المتعة لنفسه (اللذة) دون أية اعتبارات إنسانية. أما المجتمع الذي يستقبله، فلا ينظر إليه إلا باعتباره مصدر مال (المنفعة) ، أي أنه ينزع القداسة عن المجتمع المضيف ويقوم المجتمع المضيف بنزع القداسة عنه. ١٢ ـ يُطبَّق الترانسفير على الذات حينما يتحرك المسنون في المجتمعات الغربية في إطار المرجعية المادية ويقبلون أن يُنقَلوا إلى بيوت المسنين، أو إلى مدن تشكل جيتوات خاصة بهم، حين يبلغون السن القانونية ويستنفدون عمرهم الإنتاجي الافتراضي، يمكثون فيها حتى تحين ساعتهم. وهم يفعلون ذلك عن طيب خاطر ويسعون إليه ويسعدون به مادامت المنازل التي سيُودَعون فيها مكيفة الهواء وتحتوي على وسائل الراحة المادية كافة.

стр. 738

١٣ ـ وبحسب رأينا، فإن الترانسفير الذي يُطبَّق على العجائز في الغرب يَصدُر تقريباً عن المقولات الترانسفيرية نفسها التي تَصدُر عنها الإبادة النازية لليهود والعجزة والغجر والسلاف وغيرهم. فالنازية كانت تنظر للبشر في إطار المرجعية المادية وفي ضوء مدى «نفعهم» فمن كان نافعاً منتجاً أصبح من حقه البقاء وغير قابل للترحيل، أما غير النافعين فهؤلاء «أفواه تستهلك ولا تنتج» ومن ثم فلا فائدة ترجى من إطعامها (بالإنجليزية: يوسليس إيترز useless eaters) ، وكان يتم تدريب بعضهم ليصبح نافعاً مُنتجاً. أما هؤلاء الذين لا أمل في تحويلهم لمنتجين، فكانوا يُصنَّفون باعتبارهم يهوداً قابلين للترحيل (بالإنجليزية: ترانفسيرابل tranferable) ويمكن التخلص منهم (بالإنجليزية: ديسبوزابل disposable) . وقد سُوِّيت حالة هؤلاء عن طريق الترحيل إلى معسكرات السخرة والإبادة (حيث يتم القضاء عليهم عن طريق العمل المُجهد المتواصل أو عن طريق التسخين السريع في أفران الغاز) وهذا لا يختلف كثيراً عن ترحيل العجائز إلى بيوت المسنين عند انتهاء عمرهم الافتراضي الإنتاجي، حيث يُترَكون في أمان ليموتوا عن طريق التبريد البطيء المريح. ١٤ ـ ويمكن اعتبار الجنس العَرَضي (أي أن يعاشر الذكر الأنثى دون وجود علاقة عاطفية تتسم بقدر من الثبات بينهما) شكلاً من أشكال التنقل (الترانسفير) من أنثى إلى أخرى، وذلك لأن الأنثى مادة استعمالية لا قداسة لها تُوظَّف لتحقيق اللذة. ولكن يجب أن نسارع ونقول (حتى لا نُتَهم بالتقليل من شأن المرأة) أن الذكر الذي يدخل في مثل هذه العلاقة هو الآخر مادة استعمالية تُوظِّفها الأنثى لتحقيق اللذة لنفسها، فثمة مساواة كاملة تؤدي إلى التسوية الكاملة وإلى سيادة المرجعية المادية الصارمة على الجميع.

стр. 739

١٥ ـ يتحدثون في الغرب الآن عن «التفضيل أو الميل الجنسي» (بالإنجليزية: سكشوال بريفيرنس sexual preference) بدلاً من الطبيعة الجنسية الثابتة للإنسان، بمعنى أن الإنسان يختار الممارسات أو الهوية الجنسية التي يميل لها. فإذا كان المرء ذكراً، فيمكنه أن يمارس الجنس مع ذكر مثله، فهو جنسمثلي أو شاذ جنسياً (بالإنجليزية: هوموسكشوال homosexual) مثل فوكوه الفيلسوف الفرنسي. وإذا كان المرء أنثى، فهي تمارسه مع أنثى مثلها، فهي مساحقة (بالإنجليزية: لزبيان lesbian) مثل كثير من زعيمات حركة التمركز حول الأنثى. وهناك من يفضل الآن ممارسة الجنس مع الحيوانات (بالإنجليزية: زوفيليا zoophilia) ، ويُقال إن فيلسوف النفعية جريمي بنتام كان يحب ملاعبة القرود بطريقة جنسية، كما أن هناك من يفضل ممارسة الجنس مع الأطفال (بالإنجليزية: بيدوفيليا pedophilia) كما يُقال عن مايكل جاكسون. ويمكن إضافة أذواق غير معروفة في البلاد المتخلفة، مثل «ترانسفستايت transvestite» وهو الميال إلى ارتداء أزياء الجنس الآخر والتشبه بسلوكه، و «أندروجيناس androgynous» وهو الخنثى الذي لا يمكن تصنيفه ذكراً أو أنثى (ويؤكد مايكل جاكسون هذا المظهر في هويته) . وهناك «ترانس سكشوال transsexual» وهو شكل طريف جداً بدأ يظهر مؤخراً في الغرب، فهو مثلاً رجل يصر على أن يكون امرأة، بل يحاول أن تُجرَى له عملية جراحية ليصبح من الجنس الآخر (والعكس بالعكس) . وكل من شاهد فيلم "صمت الحملان" رأى عيِّنة من ذلك، فالمجرم الذي اختطف الفتاة يحاول أن يخيط لنفسه بدلة من جلدها (وجلد غيرها من الإناث) حتى يصبح له ثديان مثل الإناث تماماً (ويُلاحَظ ظهور السابقة «ترانس» في بعض الكلمات) . ونضيف إلى هذه القائمة الترانسفيرية «أسكشوال asexual» وهو المحايد جنسياً تماماً. وهناك أخيراً (حتى لا ننسى الأصل) «هيتروسكشوال heterosexuel» وهم البشر التقليديون العاديون الذين يختارون أن يشتهوا

стр. 740

أعضاء من الجنس الآخر (وإذا أردنا أن نتوخى الدقة تماماً، فإن علينا أن نُسقط كلمة «الأصل» لأن المساواة تحت رايات ما بعد الحداثة تصل إلى درجة إنكار الأصل والمركز تماماً) . ١٦ - وإذا كان الترانسفير قد انطبق على أمور لا يزال بعضنا يظنها جوهرية وطبيعية وفطرية مثل الجنس، فإنه ينطبق من باب أولى على التنظيم الاجتماعي. ويُلاحَظ أن الأسرة قد اختلفت أشكالها (تماماً مثل الميول الجنسية) ، ففي الماضي كان هناك الأسرة الممتدة التي تضم ثلاثة أجيال ثم انكمشت إلى الأسرة النووية التي تضم رجلاً وزوجته وطفليهما (ويستحسن أن يكون الطفلان ذكراً وأنثى حتى يتمكن المجتمع من إعادة إنتاج نفسه) . أما الآن، فقد أصبحوا (في الولايات المتحدة) يسمون الأسرة النووية «الأسرة الأساسية» (بالإنجليزية: كور فاميلي core family) ويشيرون إلى أنماط أخرى من الأسر. ويُلاحَظ أن هذه الأسرة الأساسية أصبحت أقلية إذ توجد أنواع أخرى، مثل: أب مع أطفاله ـ أم بمفردها مع أطفالها ـ أب وعشيقته مع أطفاله/أو أطفالها أو أطفالهما ـ أم وعشيقها مع أطفالها/أو أطفاله أو أطفالهما ـ أم وصديقتها مع أطفالها أو أطفالهما ـ أب وصديقه مع أطفاله أو أطفالهما. وقد قرأنا منذ عدة شهور عن أسرة من نوع الكور فاميلي الثابت الراسخ، إلا أن تعديلاً طفيفاً دخل عليه إذ انضم للأسرة عشيق الأب ووافقت الأم على ذلك (فمن الواضح أنها تتمتع بعقلية ترانسفيرية منفتحة) وأصبح تركيب الأسرة على النحو التالي: أم وأب وصديقه وأطفالهم (أي سقط المثنى وسقطت الثنائية والمركزية والمرجعية) .

стр. 741

١٧ ـ ويصل الترانسفير إلى قمته ويتم تكريسه تماماً عندما يختفي مفهوم الطبيعة البشرية في العلوم الإنسانية الغربية (كيف يمكن أن يقوم مثل هذا المفهوم في مثل هذا المجتمع؟) ويصبح من الرجعية بمكان الاهتمام بأية مطلقات أو ثوابت إنسانية أو مرجعية. فالإنسان هو مجموعة من العلاقات المادية المتغيرة التي يمكن تعريفها إجرائياً وحسب. ١٨ ـ كما يصل الترانسفير إلى قمته، على مستوى الممارسة، فيما يُسمَّى بتنميط المجتمع (بالإنجليزية: ستاندردايزيشن standardization) ، وهو أن يتم تنميط السلع في المجتمع وإخضاعها للنموذج الميكانيكي. وبعد أن يتم تنميط الحياة المادية (البرانية) ، يبدأ تنميط الحياة النفسية (الجوانية) . ويظهر هذا فيما نسميه «صناعة اللذة» التي تقوم بتنميط أحلام الإنسان ورغباته وتطلعاته وشهواته من خلال الأفلام والإعلانات والمجلات الإباحية وغير الإباحية. وعملية التنميط تعبير منطقي عن عمليات الترشيد في إطار المرجعية المادية. ومع تنميط حياة الإنسان البرانية والجوانية، نكون قد وصلنا إلى الترانسفير الكامل للإنسان، ليصبح كزجاجة الكوكاكولا أو قطعة الغيار، فيمكن نقله من مكان إلى آخر، ويمكن التخلص منه دون أي إحساس بالمأساة أو الملهاة، وهذه هي اليوتوبيا التكنولوجية الكاملة أو الفردوس الأرضي أو نهاية التاريخ.

стр. 742

١٩ ـ والنظام العالمي الجديد هو تعبير عن تَصوُّر العالم الغربي أن إبستمولوجيا الترانسفير والمرجعية المادية قد هيمنت تماماً على العالم بأسره، وأنها قد غزت البلاد والشعوب والعقول كافة (أو على الأقل عقول النخب الحاكمة) وأن الجميع على استعداد لأن يغير قيمه بعد إشعار قصير، وعلى استعداد لاستبعاد القيم الأخلاقية مثل الكرامة والتمسك بأرض الأجداد والدفاع عن المطلقات. فمثل هذه القيم تجعل نقل الأنماط الاستهلاكية، وانتقال رأس المال (في شكل الشركات متعددة الجنسيات) ، وتنفيذ توصيات البنك الدولي، أمراً صعباً. ويتوهم الغرب أننا قد وصلنا لهذه المرحلة التي تُستبعد فيها القيم الثابتة بسهولة ليتبنى المرء أية قيم أخرى. وقد جاء شمعون بيريس، حينما كان يشغل منصب وزير خارجية إسرائيل، إلى القاهرة وجلس مع بعض المثقفين المصريين وأخبرهم بأن المسألة كلها تجارة في تجارة، فالجميع يدورفي إطار المرجعية المادية. فالديموقراطية تجارة، والأوطان بوتيكات وفنادق، والإنسان وحدة اقتصادية يمكن نقلها (ترانسفير) . وكما قال أحد المثقفين المصريين "كل الدول تود أن تكون سنغافورة"، وهي بلد لا تشتهر بهويتها أو قيمها أو إسهاماتها الحضارية، وإنما بالسوبرماركتات والمقدرة المذهلة على البيع والشراء، أي أنه بلد يدور تماماً في إطار المرجعية المادية.

стр. 743

٢٠ ـ يمكن أن نتوجه لقضية علاقة الدال بالمدلول لندرك مدى تغلغل مفهوم الترانسفير في أكثر الأشياء ثباتاً، أي اللغة الإنسانية. فمنذ عصر النهضة في الغرب، كان ثمة إيمان عميق بأن كل شيء خاضع للتغير، ولا يوجد ثابت سوى قانون الحركة. ولابد من الإيمان المطلق والثابت بضرورة التغيير (فهذه هي حضارة التقدم) . ويُعبِّر هذا عن نفسه في فلسفة مثل الداروينية والنيتشوية حيث يصبح العالم كياناً متطوراً متغيراً ولا يوجد فيه ثبات إلا للقوة، فمن خلال القوة يستطيع الإنسان أن يفرض المعنى الذي يريده. وقد بيَّن هوبز أن الدولة هي المعرِّف الأكبر (بالإنجليزية: جريت ديفاينر great definer) ، فمن خلال سطوتها يمكنها أن تمنح الدلالة للكلمات، فكأن الدال لا علاقة له بالمدلول إلا من خلال القوة. وهناك الجانب الآخر من نفس القضية وهو البرجماتية (نيتشوية الضعفاء) ، وهي فلسفة تدعو للتكيف الدائم مع الأمر الواقع. كما أن هذه المرونة الترانسفيرية تعني تَقبُّل تعريف الأقوياء للكلمات، بل إعادة تسميتها حتى تكتسب شرعية جديدة، ومن ثم تصبح «فلسطين» «إسرائيل» وتصبح «الضفة الغربية» «يهودا والسامرة» . وينطبق نفس الشيء على كثير من الظواهر التي يتكيف معها المهزومون ممن لا حول لهم ولاقوة. فالأطفال غير الشرعيين كانوا يُسمَون بهذا الاسم. ولكنهم، من خلال التكيف، أصبحوا يسمون «أطفال أم غير متزوجة» (بالإنجليزية: أنويد مذر unwed mother) ، ثم أصبح يُطلَق عليهم «أبناء أسرة ربها إما أب أو أم» (بالإنجليزية: سنجل بيرنت فاميلي single parent family) ، ثم اكتسبوا أخيراً اسماً حتمياً لطيفا هو «أطفال طبيعيون» (بالإنجليزية: ناتشورال بيبيز natural babies) ، وهو أمر يعني أن الحادث تم قيده ضد مجهول أو أنه ثمرة الطبيعة/المادة. وأخيراً أصبحوا يسمون «لاف بيبيز love babies» وهي عبارة إنجليزية مبهمة. فكلمة «love» الإنجليزية تعني «حب» كما تعني «جنس» (كما في عبارة

стр. 744

«تو ميك لاف to make love» الإنجليزية، والتي يترجمها بعض البلهاء بعبارة «يتعاطى الحب» مع أنها تعني في واقع الأمر أموراً لا علاقة لها بالحب أو الكره) ، ومن ثم فهم «أبناء الحب/الجنس» . ومهما كان المعنى المقصود، فإن العبارة الجديدة تُخفي الأصول وتجعل ظاهرة الأطفال غير الشرعيين ظاهرة طبيعية تماماً، أي أن الانتقال (الترانسفير) تم من الحرام والحلال إلى الحياد، تماماً مثلما أصبحت البغيّ «عاملة جنس» (بالإنجليزية: سكس وركر sex worker) . وأثناء هذه العملية، تنحل علاقة الدال بالمدلول تماماً. ٢١ ـ ومادمنا نتحدث عن الترانسفير المعرفي الإبستمولوجي، فيمكن أن نُعرِّف الترانسفير بأنه أولاً هيمنة المرجعية المادية (في عصر الثنائية الصلبة) ثم اختفاء المرجعية والمركز، أية مرجعية وأي مركز، بحيث لا يكون هناك هامش أو مركز، ولا قمة ولا قاع، ولا داخل ولا خارج، ولا فارق بين إنسان وحيوان، ولا علاقة ضرورية بين دال ومدلول (يتحدث أنصار ما بعد الحداثة عن رقص الدوال) . وهذا وصف دقيق لعالم ما بعد الحداثة حيث لا يمكن لكائن أن يشغل مكاناً متميِّزاً، وحيث كل الأمور متساوية وكل الظواهر نسبية، وحيث الأصل والصورة هما شيء واحد، وحيث يمكن أن يحل شيء محل شيء آخر وتحل كلمة محل كلمة أخرى. وبهذا المعنى، يمكن القول بأن ما بعد الحداثة هي أيديولوجيا النظام العالمي الجديد حيث ينزلق الجميع من السوق إلى المصنع، ومن المصنع إلى السوق، تماماً كما بشَّر بذلك وزير خارجية إسرائيل. نهاية التاريخ

стр. 745

«نهاية التاريخ» (بالإنجليزية: إند أوف هستوري end of history) عبارة تعني أن التاريخ، بكل ما يحويه من تركيب وبساطة، وصيرورة وثبات، وشوق وإحباط، ونبل خساسة، سيصل إلى نهايته في لحظة ما، فيصبح سكونياً تماماً، خالياً من التدافع والصراعات والثنائيات والخصوصيات، إذ إن كل شيء سيُردُّ إلى مبدأ عام واحد يُفسِّر كل شيء (لا فرق في هذا بين الطبيعي والإنساني) . وسيُسيطر الإنسان سيطرة كاملة على بيئته وعلى نفسه، وسيجد حلولاً نهائية حاسمة لكل مشاكله وآلامه. ونحن نرى أن هذا المصطلح ينتمي إلى عائلة كاملة من المصطلحات الأخرى التي تصف بعض جوانب منظومة الحداثة الغربية والتي تعني انتهاء شيء ما والقضاء عليه، وهذا الشيء في غالب الأمر هو الجوهر الإنساني، كما نعرفه، وكما ظهر مُتعيِّناً في التاريخ. وقد أشرنا لبعضها في المداخل السابقة، ولكن أهمها هو مصطلح «دي كونستراكت deconstruct» بمعنى «يفكك» أو «يقوِّض» . كما يمكن أن نضع مصطلح «نهاية التاريخ» مع المصطلحات التي تبدأ بالكاسحة «post» والتي تعني حرفياً «بعد» ولكنها تعني في واقع الأمر «نهاية أو تَحوُّل جوهري كامل» مثل: «بوست مودرن post-modern» بمعنى «ما بعد الحداثة» ، و «بوست إندستريال post-industrial» بمعنى «ما بعد الصناعي» ، و «بوست كابيتاليست post-capitalist» بمعنى «ما بعد الرأسمالي» وأخيراً «بوست هيستوريكال post-historical» بمعنى «ما بعد التاريخ» التي تعني في واقع الأمر «نهاية التاريخ» .

стр. 746

ويُلاحَظ ـ ابتداءً ـ أن ثمة اختلافاً عميقاً بين مفهوم نهاية التاريخ (الحلولي الدنيوي) ومفهوم يوم القيامة (التوحيدي) . فيوم القيامة نقطة تقع خارج الزمان، في الآخرة، يتجه نحوها الزمان ويتم فيها الحساب. وهو ما يعني أن الزمان التاريخي لن يصبح في يوم من الأيام خالياً من الصراع والتدافع، أي أن ثمة ثنائية لا تُمحى ولا تُردُّ إلى غيرها وأن التاريخ رغم فوضاه له هدف وغاية. أما نهاية التاريخ، فتتحقَّق داخل الزمان الإنساني وعلى الأرض، حين يؤسِّس الإنسان الفردوس (صهيون ـ مملكة المسيح ـ المهدي المنتظر ـ اليوتوبيا التكنولوجية) داخل الزمان، فهو فردوس مادي أرضي. ولذا يمكن القول بأن نهاية التاريخ تعني في واقع الأمر نهاية التاريخ الإنساني المركب، بكل ما فيه من تعاريف وتدافع، كي يبدأ تاريخ بسيط أحادي يتسم بالانتظام الشديد (تشبه بنيته بنية التاريخ الطبيعي) .

стр. 747

والنظم الحلولية (الروحية والمادية) نظم مغلقة، تُفضي إلى نهاية التاريخ، ففي وحدة الوجود الروحية يحل الإله في الطبيعة وفي الإنسان فيستوعبهما في ذاته ويصبح كل شيء تعبيراً عن الإله وتجسيداً له (ولا موجود إلا هو) ، فينتهي التاريخ ويُلغى الزمان ويتحول إلى دورات متكررة؛ بداياته تشبه نهاياته، وتشبه كل دورة كونية الدورات الأخرى (فهو عود أبدي رتيب) . أما في إطار وحدة الوجود المادية، فإن الإله يحل في الإنسان والطبيعة ويُستوعَب فيهما، ويصبح لا وجود له إلا من خلالهما. ثم تُعاد تسميته ليصبح «قانون الحركة» أو «قانون الضرورة» أو «قوانين الطبيعة/المادة» ، التي يُردُّ لها كل شيء، ومن ذلك الظواهر الإنسانية، (ولا موجود إلا هي) . ومن يعرف هذه القوانين يصل إلى المعرفة التي تمكِّنه من التحكم في العالم وفي إنهاء التاريخ الإنساني والزمان وفي بدء التاريخ الطبيعي وتأسيس الفردوس الأرضي. فكأن وحدة الوجود الروحية تتحول، من خلال إعادة التسمية، إلى وحدة وجود مادية، معادية للإنسان ولاستقلاله عن عالم الطبيعة/المادة من حوله، ومعادية للتاريخ، مجال حرية الإنسان وساحة نجاحه وفشله.

стр. 748

وتتضح وحدة الوجود الروحية في العقائد المشيحانية (المهدوية) الدينية، فالعقيدة المشيحانية ـ على سبيل المثال ـ تضع اليهود في مركز التاريخ، ويدور التاريخ البشري بأسره (تاريخ اليهود وتاريخ الأغيار) حولهم. ويتركز الغرض الإلهي في اليهود (شعب الله المختار) الذين سيُعانون كل الآلام إلى أن يأتي الماشيَّح ويقضي على أعدائهم ويضع حداً لآلامهم فيجمعهم من شتات الأرض ويعود بهم إلى صهيون ليؤسس مملكته هناك حيث يتحقق السلام الكامل والفردوس الأرضي. إلا أن التاريخ، كما يقول المفكر الصهيوني موسى هس، سيصبح مثل الطبيعة في العصر المشيحاني (سبت التاريخ أو نهايته) ، ويصبح الإنساني والتاريخي في بساطة الطبيعي. وبالفعل لن يشهد العصر المشيحاني الألفي إصلاح المجتمع الإنساني وحسب وإنما سيشهد أيضاً تَحوُّل قوانين الطبيعة ليتم التوافق الكامل بين الطبيعة والإنسان.

стр. 749

وتضع النظم التي تدور حول وحدة الوجود المادية، هي الأخرى، نهاية للتاريخ، فمن البداية يُفسَّر التاريخي والاجتماعي والإنساني في إطار الطبيعي/المادي ويُردُّ كل شيء إلى الطبيعة/المادة. وإذا كان هناك مشيحانية (مهدوية) تدور في إطار وحدة الوجود الروحية فهناك أيضاً مشيحانية دنيوية، علمية أو علموية، تدور في إطار وحدة الوجود المادية. فهناك من يرى أن المعرفة العلمية هي المعرفة التي ستمكِّننا من السيطرة على قانون الضرورة وتأسيس صهيون العلمية، أي اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية. ويَصدُر هؤلاء من رؤية علمية (أو علموية) ضيقة تدور في إطار السببية الصلبة، ويتصورون أن العلم سيؤدي إلى معرفة يقينية شاملة كاملة. (ومن المفارقات أن كل هذه التصورات فقدت مصداقيتها في الأوساط العلمية التي أصبحت تدرك لاتَحدُّد العلوم الطبيعية واحتماليتها. ومع هذا، لا تزال مثل هذه التصورات سائدة في بعض الأوساط بين دارسي العلوم الإنسانية التي لا تزال تتبنَّى منظوراً علمياً سببياً صلباً عفى عليه الزمان) إن إشكالية نهاية التاريخ إشكالية كامنة في الفكر الديني والفلسفي الغربي، ولكنها تحولت إلى موضوع أساسي في الحضارة الغربية منذ عصر النهضة. واتضحت بشكل متبلور مع ظهور فكرة اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، التي تنسلخ عن التاريخ الإنساني لأنها تُدار وفق العقل الذي يُدرك القانون أو العلم الطبيعي الذي لا علاقة له بالقوانين الاجتماعية والتاريخية والإنسانية (لأن قوانين العقل تماثل قوانين الطبيعة) ، فاليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، من ثم، تعبير عن رغبة حقيقية وصادقة في وضع الحلول النهائية لكل المشاكل وتأسيس الفردوس الأرضي وإنهاء التاريخ.

стр. 750

ويوتوبيا عصر النهضة في الغرب هي إرهاصات لهذا الفكر التكنوقراطي الحديث والرغبة في التحكم الكامل النابعة من الرؤية الواحدية المادية. ومن أهم هذه اليوتوبيات يوتوبيا سير توماس مور (١٤٧٨ ـ ١٥٣٥) الذي وصف نظاماً تسوده الملكية العامة وعلاقات المساواة والتسوية وتُلغَى فيه مؤسسة الأسرة. ومن اليوتوبيات الأخرى، يوتوبيا توما كمبانيلا (١٥٦٨ ـ ١٦٣٩) الذي صوَّر مجتمعاً طوباوياً اشتراكياً في كتابيه دولة المسيح ومدينة الشمس تسقط فيه الملكية الخاصة وتنتهي الأسرة وتقوم الحياة الجماعية وتنتهي الفردية تماماً، إذ يتم تخطيط كل شيء ومراقبة كل الأفراد والوفاء بحاجاتهم المادية والروحية، وهو ما يريح الإنسان من عبء المسئولية والاختيار ويحل المشكلات والتناقضات الاجتماعية والتاريخية كافة. ومدينة الشمس انعكاس لعالم الطبيعة، التي لا يحكمها سوى القوانين الطبيعية، وأعظم الرجال هو من يفهم هذه القوانين ويوظفها. ويحكم كل هذا الساحر/الكاهن (العالم والتكنوقراط) الذي يوجِّه حياة المدينة لتكون على وفاق تام مع الكون والطبيعة. ولذا، كان من الهموم الأساسية للمدينة تحديد اللحظة المناسبة (من الناحية الفلكية) التي يعاشر فيها الذكر الأنثى حتى تضمن أن يولد طفل صحيح (من الناحية البدنية) متوازن (من الناحية النفسية) ، أي أن مدينة الشمس يوتوبيا علمية كاملة، رحم اجتماعي جمعي، يتم فيه التحكم في ظاهر الإنسان وباطنه (ومن المثير أن كامبانيلا كان يؤمن بمقدراته المشيحانية، فكان يعتقد أن النتوءات السبعة على وجهه تمثل السماوات السبع، أي أن له علاقة بالقوى الكونية. كل هذا يجعله رائداً للشخصيات الكاريزمية النيتشوية الحديثة مثل روبسبيير وهتلر وستالين المرتبطين باليوتوبيا التكنولوجية والتكنوقراطية) . أما يوتوبيا سير فرانسيس بيكون (١٥٦١ ـ ١٦٢٦) أطلانطيس الجديدة، فهي يوتوبيا علمية نماذجية إذ يحكمها العلماء وأصحاب الخبرة (من بيت سليمان) حيث

стр. 751

توجه الدولة كل شيء ولا يوجد مجال للتناقضات والاختلافات. ورغم أن كل هذه اليوتوبيات متفائلة فإنها وثيقة الصلة بكتاب هوبز التنين، حيث قدَّم هو الآخر رؤية للدولة التي يمكنها أن تتحكم في كل شيء، وتُوجِّه كل شيء، وتضع حلولاً نهائية لسائر المشاكل، ولذا فهي تحل محل الضمير الشخصي. والفارق أن هوبز كان يرى أن إمكانية الإنسان للشر ضخمة، أما اليوتوبيون فلم تكن عندهم نظرية في الشر. وتتبدَّى الرغبة نفسها في إنهاء التاريخ في الفكر المادي الرياضي الآلي الذي يرفض تنوُّع التاريخ وجدليته ويُحل محله عالماً بسيطاً آلياً يتحرك كالآلة أو الساعة الدقيقة (صورة نيوتون المجازية) ، وتتحرك فيه الأجسام الإنسانية كالأحجار المندفعة (صورة إسبينوزا المجازية) ، ويصبح عقل الإنسان صفحة مادية بيضاء (صورة لوك المجازية) ، ويصبح الإنسان في نسق الآلة وبساطتها (صورة جوليان دي لامتري المجازية)

стр. 752

ويظهر رفض التاريخ الإنساني بطريقة أكثر صقلاً في فكر حركة الاستنارة الذي ينطلق من تأكيد أن التاريخ نشاط إنساني، فهو ثمرة جهد عقل الإنسان ومستودع حكمته. ولذا فهناك نزعة في فكر الاستنارة لتمجيد التاريخ وتقديسه. ولكن العكس صحيح أيضاً فقوانين العقل هي نفسها قوانين الطبيعة والمادة والحركة، والعقل المستنير لا يستمد معياريته من التاريخ أو الحضارة أو المجتمع وإنما من خلال الدراسة العلمية الصارمة لقوانين الطبيعة والمادة والحركة. ولذا بدلاً من الغائية التقليدية التي ترى أن التاريخ يسير بتوجيه إلهي، طُرحت فكرة جديدة تماماً على الفكر البشري وهي أن التاريخ يتحرك إما دون غائية، فهو حركة دون هدف (تماماً مثل الطبيعة/المادة) ، أو أن غائيته مثل معياريته مستمدة من الطبيعة/المادة. وغني عن القول أن الرؤية الأولى تنسف فكرة التاريخ تماماً. أما الرؤية الثانية فقد ترجمت نفسها إلى رؤية للتاريخ باعتباره عملية تَقدُّم دائمة، ولكنه تَقدُّم مرجعيته النهائية الطبيعة/المادة، وهدفه النهائي تَحقُّق قوانينها في التاريخ، ومن ثم يصبح التقدم تزايد تطبيق القوانين الطبيعية إلى أن تسود هذه القوانين تماماً (ويصبح المجتمع الإنساني في بساطة عالم الطبيعة ويحل التاريخ الطبيعي محل التاريخ الإنساني) . وقد عبَّرت هذه الرؤية الاستنارية عن نفسها في كل من الهيجلية والفلسفات التي ثارت على الهيجلية. ولنبدأ بالفلسفات المعادية للهيجلية فرفضها للتاريخ أمر واضح، فهي فلسفات تنكر فكرة الجوهر والكل والمركز والسببية وأي شكل من أشكال اليقينية أو الثبات، بل تنكر الغائية نفسها، فيصبح العالم في حالة حركة دائمة خالية من المعنى والهدف والغاية، ومن ثم لا يمكن أن تقوم للتاريخ قائمة.

стр. 753

وإذا كان عداء الفلسفات المعادية للهيجلية للتاريخ أمراً واضحاً، فالأمر مختلف بعض الشيء بالنسبة للهيجلية التي تتحدث كثيراً عن التاريخ وحتمياته وقوانينه ومراحله وأنماطه. ولكنها مع هذا، في تصوُّرنا، لا تقل في عدائها للتاريخ عن المدارس المعادية للهيجلية. فالفلسفة الهيجلية تفترض أن ثمة فكرة ليس لها وجود مادي أو نسبي، هي التي تحرك التاريخ والمجتمع والإنسان والطبيعة. ويُطلَق على هذه الفكرة عدة أسماء: الفكرة المطلقة ـ العقل المطلق ـ الروح بشكل عام (جايست) ـ الروح اللامتناهي. ولكن المطلق ليس سكونياً، فهو لن يُدرك نفسه إدراكاً كاملاً ولن يتحقق تحققاً كاملاً إلا في الطبيعة والزمان والتاريخ، وذلك عبر عملية جدلية تتداخل فيها المتناقضات وتتحدد من خلالها الأضداد، إلى أن يصبح الفكر طبيعة، وتصبح الطبيعة فكراً. وهذه الوحدة الكونية النهائية ممكنة لأن قوانين الفكر هي في واقع الأمر قوانين المادة، وقوانين المنطق (العقل) هي في واقع الأمر قوانين الطبيعة. كل هذا يعني أن الفلسفة الهيجلية، رغم كل حديثها عن التاريخ والجدل والتناقض، فلسفة واحدية تسد الثغرة التي تفصل بين الإنساني والطبيعي وتلغى ثنائية الفكر والمادة والحضارة والطبيعة، ومن ثم تمحو الإنسان كظاهرة متفردة مستقلة عن الطبيعة. ولهذا قيل عن حق إن الهيجلية فلسفة لا تعرف الثنائيات ولا تفصل بين المادي والمثالي، أو بين الطبيعي والإنساني، أو بين المقدَّس والزمني، إذ سيُردُّ كل شيء إلى عنصر واحد، مادي فعلاً روحي اسماً. والفكر الهيجلي لا ينظر إلى الواقع إلا من منظور نهاية التاريخ حين يتجسد العقل الكلي ويتحقق القانون العام في التاريخ، في لحظة ينتهي فيها الجدل والمعاناة الإنسانية، إذ يصل الإنسان إلى الحل النهائي لكل مشاكله، ويُحكم السيطرة على كل شيء. ولكن من المفارقات أن لحظة السيطرة الكاملة هذه هي أيضاً لحظة انتصار البسيط على المركب والطبيعي على

стр. 754

الإنساني. وقد استخدَمتُ مصطلح «نهاية التاريخ» لأول مرة عام ١٩٦٥ حينما كنت أكتب رسالتي للدكتوراه عن الشاعر الأمريكي وولت ويتمان الذي وصفته بأنه شاعر حلولي صوفي مادي يعادل بين الروح والمادة ويقرن بينهما (على طريقة هيجل) . وهو يتغنى بالمادة والجنس والكهرباء والجاذبية الأرضية التي يرى أنها تشبه الجاذبية الجنسية. فالإنسان ما هو إلا جزء لا يتجزأ من الكون ووعيه لا يتجاوز الطبيعة، بل عليه أن يتكيف معها ويذعن لها. كما أن إيمان ويتمان المطلق بالطبيعة (وعداءه للإنسان المركب التاريخي) يترجم نفسه إلى عداء للتاريخ يتضح في محاولته الوصول إلى نهاية التاريخ وإلى اليوتوبيا التكنولوجية. كان ويتمان يرى أن أمريكا هي هذا الفردوس الأرضي الذي يبدأ فيه التاريخ الطبيعي وتسود فيه قوانين الطبيعة/المادة، قمة كل التطور التاريخي السابق، فهي دولة العلم والتكنولوجيا التي ستهدم التاريخ وتعلن نهايته (وذلك قبل أن يتحدث فوكوياما في نهاية الثمانينيات عن التلاقي الكامل أو عن انتصار الليبرالية التي تؤدي إلى نهاية التاريخ) . وكما يقول ويتمان "جوهر المثالية [الأمريكية] هو علموة to scientize الروح والشرائع اليونانية"، أي صبغها بالصبغة العلمية أو فرض قوانين علمية (تم استخلاصها من عالم الطبيعة) عليها حتى يدير الإنسان حياته من خلالها بطريقة علمية (وهذا هو أساس فكرة وحدة العلوم واليوتوبيا التكنولوجية) . ويظهر التاريخ كجثة هامدة في شعر ويتمان الذي تسود فيه رؤية واحدية يُردُّ فيها التاريخ بأسره إلى مبدأ واحد هو الطبيعة/المادة ـ "القانون الذي لا يتغيَّر"؛ "الحتمي مثل قوانين الشتاء والصيف، والنور والظلام! ".

стр. 755

وشعر ويتمان مفعم بهذه "الرغبة في العودة"، الحرفية والمادية والدائمة، إلى الطبيعة. وكثير من قصائد ويتمان تبدأ بالابتعاد التدريجي عن الحضارة والاقتراب المتزايد من الطبيعة إلى أن يلتحم بها تماماً، ويصل إلى اللحظة النماذجية، لحظة ذوبان الذات الإنسانية في الطبيعة المادية، وهي عادة ما تكون لحظة قذف جنسية (مع محب من جنسه) يُعلن فيها تحرُّره من عبء التاريخ ومن التدافع ومن الحضارة والهوية، فهي لحظة نهاية التاريخ وتحقُّق الفردوس الأرضي. ثم استخدَمتُ مصطلح «نهاية التاريخ» بشكل أكثر شمولاً في كتابي نهاية التاريخ (عام ١٩٧٢) ، لوصف النماذج الحلولية الواحدية المادية الشاملة التي تترجم نفسها في عالم السياسة إلى نظم طوباوية شمولية فاشية. وبيَّنت أن مثل هذه النماذج تحوي داخلها دائماً " قابلية لإعلان نهاية التاريخ، فما هو مجهول ليس بغيب وإنما هو أمر غير معروف بشكل مؤقت. إذ من المتوقع أن يكتشف الإنسان بالتدريج قوانين الحركة خلال عشرات السنين من المحاولة والخطأ، وستنكمش رقعة المجهول تدريجياً وتتسع رقعة المعلوم، وسينحسر الجهل بالتدريج مع تزايد الترشيد والاستنارة إلى أن نصل في التحليل الأخير وفي نهاية الأمر والتاريخ " إلى نقطة التوهج الأخيرة والرشد الكامل بحيث يصبح كل شيء واضحاً، وتوضع الحلول النهائية لجميع المشاكل ويتم التحكم في كل شيء، ويتم تفسير كل شيء في ضوء القانون العام فتُمحَى الثنائيات والمطلقات ويختفي الإنسان. ومن ثم، فإن نقطة التوهج هي في الواقع نقطة الاحتراق، وهي أيضاً نقطة نهاية التاريخ ونهاية الإنسان باعتباره كائناً مركباً متعدد الأبعاد لا يمكن رده إلى الطبيعة/المادة، وهي أيضاً النقطة التي سيظهر فيها إنسان جديد رشيد يعيش حسب قوانين الطبيعة المادية العلمية، ومن ثم فهو خاضع للتحكم العلمي.

стр. 756

وقد تناولتُ الموضوع مرة أخرى في مقدمة كتاب الفردوس الأرضي (١٩٧٩) ، حيث تحدثت عن الإنسان الطبيعي والإنسان التاريخي، وبيَّنت أن الإنسان الطبيعي إنسان لا حدود له، يرفض الحدود التاريخية، هو إنسان روسو الحر الفرح الآمن الذي يتحول إلى إنسان داروين المتجهم الذي تأكله الذئاب من الحيوانات الطبيعية أو من البشر الطبيعيين (وقد تحوَّل أخيراً إلى كلب بافلوف المسكين، القابع في المعمل، لا باطن له، لا يتحرك إلا بعد تلقِّي الإشارات البرانية) . وقد أشرت إلى أن الإنسان التاريخي يتسم بالثنائية "فالإنسان يعيش في التاريخ، يفصل بين المطلق والنسبي ويبحث عن المطلق خارج التاريخ، إذ أن التاريخ لا نهاية له، ولن نصل بتاتاً إلى لحظة السكون التي يتحقق فيها الفردوس الأرضي وينتفي فيها الجدل ويتداخل فيها المطلق والنسبي ويصبح التاريخ دائرياً مثل الطبيعة". وقد ربطت هذه النزعة الفردوسية اللاتاريخية بما سميته حينذاك «الغيبية العلمية» التي تدَّعي لنفسها احتكار الحقيقة المطلقة وتنسب لنفسها القدرة على تحقيق الفردوس "الآن وهنا" بإشباع كل رغبات البشر، ذلك إن استسلم الناس لها "وأسلموا لها القياد، متبعين آخر الأساليب العلمية التي لا يعرفها بطبيعة الحال إلا العلماء". وهذه الرؤية الفردوسية العلمية رؤية "ميكانيكية بسيطة تفترض أن الإنسان كمٌ محض لا يختلف عن الكائنات الطبيعية الأخرى" يعكس بيئته بشكل مباشر وبسيط. وقد وجدت أن هذا التيار ليس مقصوراً على العالم الرأسمالي بل يوجد أيضاً في العالم الاشتراكي. حيث عبَّرت كل هذه المفاهيم "عن نفسها في فكرة «التقدم» السريع والدائم نحو الفردوس العلمي المنظم (اليوتوبيا التكنولوجية) الذي يعيش فيه الإنسان كالأطفال في تناسق تام مع الطبيعة وكأنه آدم قبل السقوط وقبل أن يكتسب معرفة الخير والشر".

стр. 757

ويرى بعض المؤرخين أن العصر الحديث هو عن حق عصر نهاية التاريخ، فالحضارة الحديثة المرتبطة بآليات السوق، وبالعرض والطلب، هي حضارة مرتبطة بآليات بسيطة لا تعرف تركيبية الإنسان وتنكر مقدرته على التجاوز، فهو إنسان ذو بُعد واحد (يعيش في مجتمعات أحادية الخط) ، وعقله عقل أداتي (يغرق في التفاصيل والإجراءات، ولا يمكنه إدراك الأنماط التاريخية ولا تطوير وعيه التاريخي) . فالسوق (والمصنع) بآلياتهما البسيطة يتطلبان إنساناً طبيعياً مادياً بسيطاً، لا علاقة له بالإنسان الإنسان، الإنسان المركب. والمجتمعات الاستهلاكية التي لا تحكمها إلا آليات العرض والطلب والاستهلاك والإنتاج تزعم أنها قادرة على إشباع جميع رغبات الإنسان المادية والروحية من خلال مؤسساتها الإنتاجية والتسويقية والترفيهية.

стр. 758

ويُلاحَظ في العصر الحديث تَزايُد هيمنة البيروقراطية والتكنوقراطية والتحكم في البشر من خلال الهندسة الوراثية والبيولوجيا الاجتماعية وعمليات الترشيد المتحررة من القيمة، وهذه علامة على شيوع فكرة نهاية التاريخ. وكما قال ألدوس هكسلي متهكماً، واصفاً إمكانيات تكنولوجيا اليوتوبيا والفردوس الأرضي: "في عام ٥٢٠٠ سيحكم الأرض عالم جديد شجاع، مبادئه المساواة والتماثل والاستقرار. وسيكون علم البيولوجيا العلم الأساسي في هذا العالم، سيُمكِّن الإنسان من الحصول (من الحاضنة) على كائنات بشرية متشابهة وفق معايير موحدة. وسيعمل آلاف من التوائم على الآلات نفسها، ويقومون بالأعمال نفسها ... ". ويُعلق علي عزت بيجوفيتش (المفكر المسلم رئيس جمهورية البوسنة) على ذلك بقوله: "في هذا العالم الرائع لن يوجد أناس خاطئون، قد يوجد بعض الأفراد المعاقين، ولكنهم لا يكونون مسئولين عن إعاقتهم، ولا يُعاقَبون عليها [ولذا] سيتم فكهم من الآلة ببساطة. في عالم كهذا، لن يكون هناك خير ولا شر ... ولن يكون هناك إلهام ولا مشكلات ولا شكوك ولا عصيان. هنا يتم القضاء على الدراما وعلى الإنسان وتاريخه، ويرتفع صرح اليوتوبيا". بل إن نهاية التاريخ أصبحت لأول مرة في تاريخ البشرية إمكانية قائمة بالمعنى الحرفي، فالتلوث الكوني يتزايد إلى درجة تهدد الحياة على وجه الأرض، وقد تراكم لدى البشر كمٌ من الأسلحة يكفي لتدمير العالم أكثر من عشرين مرة. وهذه آلية تكنولوجية رائعة لإنهاء كل من التاريخ والجغرافيا بطريقة رشيدة بسيطة شاملة حديثة لا تسبب ألماً كبيراً ولا تستغرق سوى لحظات، وهي من ثم تحقق حلم الإنسان العلماني الشامل بالتأله الكامل والتحكم الشامل في كل شيء، وضمن ذلك يوم القيامة!

стр. 759

ورغم مركزية فكرة نهاية التاريخ (والحلول النهائية والفردوس الأرضي واليوتوبيا التكنولوجية) في الفكر الغربي الحديث عامة فإن حدة الحمى الطوباوية المشيحانية التكنولوجية تختلف من عقيدة لأخرى. فهي خافتة مثلاً في الفكر الليبرالي، ولكنها ولا شك كامنة فيه، فهو فكر يدور حول فكرة التقدم والإيمان بأن ما هو مجهول لابد أن يصبح معروفاً (فلا مجال للمجهول أو للغيب) ، الأمر الذي يعني تَزايُد التحكم (الإمبريالي) في الواقع، إلى أن يصل الإنسان إلى قدر عال من المعرفة العلمية بقوانين الطبيعة، بحيث يمكن تحقيق ما يشبه السعادة الكاملة المخططة المُبرمَجة، أي الفردوس الأرضي. وإذا كانت الحمى المشيحانية التكنولوجية خافتة في النموذج النفعي العقلاني الديموقراطي الليبرالي، فهي تزداد سخونة في الفكر الماركسي لدى حديثه عن المجتمع الشيوعي، حيث تزول كل الحدود ويتطابق الداخل والخارج ويتحقق الفردوس الأرضي. وتصل السخونة إلى درجة الغليان والانصهار في الستالينية حيث يتم إصلاح العالم بقرارات وزارية وعسكرية مادية جدلية علمية رصينة تطرح الحلول النهائية التي تكفل إزالة جميع العناصر المُقاومة للتقدم وسائر الانحرافات عن المسار الحتمي الواضح المؤدي إلى السعادة الكاملة وإلى تحقيق المجتمع الشيوعي العادل (وقد شبَّه أحدهم نهاية التاريخ بأنه بوليس سري يطرق باب المعارضين) . وفي ألمانيا النازية، كان الرايخ الثالث الترجمة المباشرة للعقيدة الألفية ذات الطابع المشيحاني (وكان المفترض فيه أن يستمر لمدة ألف عام) . ففي الرايخ الثالث كان سيتم القضاء على كل آلام الشعب الألماني ويتم تحقيق الرخاء الأزلي، الأمر الذي كان يتطلب إزالة بضعة ملايين من الأطفال المعوقين والعجزة والغجر والسلاف واليهود ممن لا نفع لهم، فنهاية التاريخ تتطلب بطبيعة الحال الحل النهائي. النظام العالمى الجديد وما بعد الحداثة ونهاية التاريخ

стр. 760

يمكن القول بأن النموذج الكامن وراء معظم الأيديولوجيات العلمانية الشاملة (النازية ـ الماركسية ـ الليبرالية ـ الصهيونية) هو ما يُسمَّى «التطوُّر أحادي الخط» (بالإنجليزية: يوني لينيار unilinear) ، أي الإيمان بأن ثمة قانوناً علمياً وطبيعياً واحداً للتطور تخضع له المجتمعات والظواهر والبشرية كافةً، وأن التقدم هو في الواقع عملية متصاعدة من الترشيد المادي، أي إعادة صياغة الواقع الإنساني في إطار الطبيعة/المادة فتُستبعد كل العناصر الكيفية والمركبة والغامضة والمحفوفة بالأسرار، بحيث يتحول الواقع إلى مادة استعمالية بسيطة ويتحول الإنسان إلى كائن وظيفي أحادي البعد. ومن ثم يمكن توظيف كل من الواقع المادي والإنساني بكفاءة عالية. ثم تتصاعد عمليات الترشيد (والتنميط والتسوية) إلى أن يتحقق حلم اليوتوبيا التكنولوجية، حين تتم برمجة كل شيء، والتحكم في كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، ظاهره وباطنه (ومن ثم يمكن استنساخه ببساطة) . وعمليات الترشيد تأخذ شكل مراحل تمر بها كل المجتمعات البشرية (ومن هنا ولع الفكر الغربي بتقسيم التاريخ إلى مراحل محددة) .

стр. 761

وتصاعُد عمليات الترشيد على مستوى العالم هو العولمة بحيث يصبح العالم كله مادة استعمالية ويصبح كل البشر كائنات وظيفية أحادية البعد يمكن التنبؤ بسلوكها. وتتصاعد معدلات الترشيد إلى أن تصل سائر المجتمعات البشرية إلى نقطة تتلاقى عندها ويسود التجانس الكامل بينها، وهذا ما يُسمَّى أيضاً «نظرية التلاقي» (بالإنجليزية: كونفيرجانس ثيري convergence theory) . والتلاقي هو تَوحُّد النماذج كلها بحيث تتبع نمطاً واحداً وقانوناً عاماً واحداً هو قانون التطور والتقدم بحيث يصبح العالم مُكوَّناً من وحدات متجانسة؛ ما يحدث في الواحدة يحدث في الأخرى. وقد أشار أحد المعلقين إلى أن ما يحدث الآن في العالم هو سقوط الماركسية وبدلاً من الماركسية، ماركسيزم Marxism، ظهرت عبادة السوق ماركتزم Marketism. وعبادة السوق هذه وهيمنتها على العالم بأسره، بشماله وجنوبه وشرقه وغربه، هي في واقع الأمر نقطة التلاقي التي تحدَّث عنها علم الاجتماع الغربي. وقد تنبأ ماكس فيبر بأن عمليات الترشيد ستؤدي إلى تحويل المجتمع إلى حالة المصنع وإلى إدخاله القفص الحديدي. ونحن نتفق معه تماماً في صورة القفص الحديدي، ولكننا نذهب إلى أن العالم سيحكمه إيقاع ثُلاثيّ: المصنع (حيث ينتج الإنسان) ـ والسوق (حيث يشتري ويبيع) ـ وأماكن الترفيه (حيث يفرغ ما فيه من طاقة وتوترات وعُقد وأبعاد) ، أي أنه إيقاع يستوعب كلاً من الإنسان الاقتصادي والإنسان الجسماني ويشبع جميع رغباتهم البسيطة الطبيعية أحادية البُعْد، التي لا علاقة لها بأي تركيب إنساني.

стр. 762

وحينما يسيطر هذا الإيقاع الثلاثي على العالم بأسره يظهر النظام العالمي الجديد وأيديولوجيات نهاية التاريخ وما بعد الحداثة. وهي أيديولوجيات نابعة من الموقف المزدوج لعصر الاستنارة من التاريخ: موقف هيجلي يُقدِّس التاريخ ويؤكد أنه ذا غاية محددة وأنه يصل إلى نهايته حين تتحقق هذه الغاية، وقسم معاد لهيجل يرى أن التاريخ لا غاية له ولا هدف. والتياران، كما سنبين، في تقديسهما وفي عدائهما للتاريخ، ينكرانه. ١ ـ التاريخ يصل إلى نهايته عند تَحقُّق غايته: فوكوياما وهنتجتون: أ) فوكوياما ونهاية التاريخ: يرى فرانسيس فوكوياما أن كلاًّ من هيجل وماركس كانا يريان أن التاريخ سيصل إلى نهايته حينما تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع الذي يشبع الاحتياجات الأساسية والرئيسية للبشر، فهو عند هيجل الدولة الليبرالية وعند ماركس المجتمع الشيوعي. ولكن العالم بأسره قد وصل إلى ما يشبه الإجماع بشأن الديموقراطية الليبرالية كنظام صالح للحكم بعد أن ألحقت الهزيمة بالأيديولوجيات المنافسة. وهذا يعود إلى أن الديموقراطية الليبرالية خالية من تلك التناقضات الأساسية الداخلية التي شابت أشكال الحكم السابقة.

стр. 763

ويستخدم فوكوياما نموذج العلوم الطبيعية (المادية) لتفسير التاريخ. فالعلوم الطبيعية الحديثة تمثل النشاط الاجتماعي المهم الوحيد الذي يُجمع الناس على أنه يتسم بالنمو والتراكم والغائية، ومن ثم يقرر فوكوياما أن منطق العلوم الطبيعية الحديثة يبدو كأنه يفرض على العالم (الطبيعة والإنسان) تطوراً شاملاً يتجه صوب الرأسمالية والسوق الحر، أي أن ما تمكن تسميته «الرأسمالية العلمية» ، الممثل الوحيد والحقيقي للمبدأ الطبيعي/المادي الواحد، قد حلت محل ما كان يُسمَّى «الاشتراكية العلمية» ، التي كانت تدَّعي لنفسها شرف تمثيل المبدأ الطبيعي. وبذا، تَحوَّل الإنسان في الشرق والغرب إلى الإنسان الاقتصادي (المادي) الذي يمكنه إدارة حياته على أسس علمية رشيدة.

стр. 764

ولكن يبدو أن فوكوياما، بعد أن استخدم نموذج العلوم الطبيعية/المادية بهذه السوقية والفجاجة، وبعد أن أكد أسبقية المادة على الإنسان بشكل مطلق، يحاول أن يراجع نفسه ويقرر أن يُدخل عنصراً إنسانياً غير مادي (وهذا نمط متكرر في الأيديولوجيات المادية العلمانية كافة، فهي لا تستطيع أن تواجه وحشية ماديتها، ومن هنا فإنها تُدخل مُحسِّنات روحية معرفية) . والعنصر الإنساني غير المادي الذي يُدخله فوكوياما هو سعي البشر إلى نيل الاعتراف بقدرهم أو الاعتراف بقدر الأشخاص أو الأشياء أو المبادئ التي يعتقدون أن لها قدراً كبيراً (وهو ما يُسمَّى «عزة النفس» ) . والديموقراطية الليبرالية ستحقق كل ما يريده الإنسان على المستويين الاقتصادي (المادي) والإنساني (غير المادي) . ولكن رغم كل هذه المحسنات، نجد أن فوكوياما يثير الشكوك حول إمكان أن يؤدي التطور التاريخي العلمي إلى سعادة الإنسان، فالتأثير النهائي لهذا التطور على سعادة البشر أمر غامض. بل إن فوكوياما يورد، بقدر من الاستحسان، عبارة من كتابات كوجيف (مفسر هيجل الذي يعتمد عليه فوكوياما) يقول فيها: "إن اختفاء الإنسان بانتهاء التاريخ ليس بكارثة كونية [طبيعية/مادية] . فالعالم الطبيعي [المادي] سيبقى كما كان عليه منذ البداية. ولا هو بكارثة بيولوجية، فالإنسان سيبقى حياً كالحيوانات منسجماً مع الطبيعة/المادة". أما ما سيختفي، فهو الإنسان بمعناه الشائع؛ والإنسان بمعناه الشائع أمر حضاري تاريخي مُركَّب لا يهتم به الماديون الطبيعيون كثيراً.

стр. 765

إن إعلان فوكوياما نهاية التاريخ هو إعلان نهاية الإنسان وانتصار الطبيعة/المادة، أي الموضوع (اللاإنساني) على الذات (الإنسانية) ، ومعناه تَحوُّل العالم بأسره إلى كيان خاضع للقوانين الواحدية المادية (التي تجسدها الحضارة الغربية) التي لا تُفرِّق بين الإنسان والأشياء والحيوان والتي تُحوِّل العالم بأسره إلى مادة استعمالية، فنهاية التاريخ هي في واقع الأمر نهاية التاريخ الإنساني وبداية التاريخ الطبيعي. ب) صموئيل هنتنجتون وصدام الحضارات: أشار بعض المحللين السياسيين إلى أن أطروحة هنتنجتون هي عكس أطروحة فوكوياما، فبينما يعلن الأول تَصاعُد الصراع بين الحضارات يعلن الثاني انتهاء الجدل والتدافع والتاريخ. والأمر هو بالفعل كذلك لو قنعنا بالمستوى التحليلي السياسي وبنقل الأفكار، أما إذا تعمقنا وحاولنا الوصول إلى المستوى المعرفي فإننا سنجد أن الأمر مختلف تماماً. يبدأ هنتنجتون بتأكيد أن دور الدولة القومية كفاعل أساسي في الصراعات الدولية قد تَراجَع (ولم يختف كليةً) ، وظهر بدلاً من ذلك الصراع بين الحضارات والثوابت الحضارية. وقد نشب هذا الصراع نتيجة دخول الحضارات غير الغربية كعناصر فاعلة في صياغة التاريخ، أي أن الغرب لم يَعُد القوة الوحيدة في هذه العملية. فالصراع ليس حتمياً وإنما هو نتيجة دخول لاعبين جدد!

стр. 766

واستخدام هنتنجتون لكلمة «حضارة» يعادل تقريباً استخدام كلمة «معرفي» عندنا. فلكل حضارة ـ حسب رؤية هنتنجتون ـ رؤية للكون تدور حول العلاقة بين الإنسان والإله (الفرد والمجتمع ـ الجزء والكل) ، وتُؤسَّس على هذه الرؤية للكون منظومات معرفية وأخلاقية تحدد تراتب المسئوليات والحقوق (المساواة والسلطة ـ الفرد والأسرة ـ المواطن والدولة ـ الصراع والاتساق) . هذه الرؤية للكون أمر متجذر في البشر عبر قرون طويلة ولا يمكن أن يُمحَى أثرها في سنوات قليلة، وما يراه أهل حضارة معينة أمراً أساسياً قد يراه آخرون هامشياً. ويؤكد هنتنجتون أن أساس اختلاف الحضارات هو التاريخ واللغة والحضارة والتقاليد، ولكن أهم العناصر طراً هو الدين (نلاحظ بشكل جانبي أن طريقة هنتنجتون في التصنيف ليست جيدة، فهو يورد عناصر متداخلة مثل التقاليد والتاريخ باعتبارها عناصر مستقلة تمام الاستقلال، كما أنه يذكر العناصر بشكل رأسي وكأنها جميعاً متساوية، ولكن يجب أن نذكر أنه يعطي مركزية سببية للدين) . فكأن هناك صراعاً حضارياً في العالم هو في واقع الأمر صراع ديني. وبعد أن يبلور هنتنجتون أطروحته بهذا الشكل (الحضارة الغربية مقابل الحضارات غير الغربية) يعطي انطباعاً بأن ثمة تنوعاً حضارياً هائلاً في العالم (ومن هنا حديثه عن الحضارة الغربية الأرثوذكسية مقابل البروتستانتية والكاثوليكية، والحضارة الكونفوشيوسية والحضارة الإسلامية اللتين يرى أنهما يمارسان نوعاً من التعاون في اكتساب القوة والثروة) .

стр. 767

ولكننا لو دققنا النظر لوجدنا أن التعددية التي يطرحها هنتنجتون واهية زائفة إذ تطل الثنائية الصلبة بوجهها، فالعالم ينقسم إلى قسمين اثنين: الغرب من ناحية وبقية العالم من ناحية أخرى (أو كما يقولون بالإنجليزية: ذا ويست آند ذا رست the West and the rest) ، ولوجدنا أن العالم بأسره يتحرك في واقع الأمر نحو الغرب (تماماً مثلما بشَّر فوكوياما) . وسنكتشف أن كلمة «الغرب» تعني في واقع الأمر «الحداثة» ، فثمة تَرادُف بين هاتين الكلمتين عند هنتنجتون (وهناك كلمات أخرى مثل «السوق الحرة» و «الديموقراطية» و «الفردية» تؤكد هذا الترادف) . أو كما يقول هنتنجتون "إن الحضارة الغربية حديثة وغربية"، أي أن التحديث هو التغريب، ومن ثم فإن "من يود أن يُحدَّث فليُغرَّب". وهو يقتبس باستحسان بالغ كلمات نايبول (الكاتب الجامايكي الذي تَخصَّص في تأليه الغرب وتجريح العالم الثالث، ومنه وطنه الأم، الهند، كما تَخصَّص في الهجوم على الإسلام) : "إن الحضارة الغربية هي الحضارة العالمية التي تناسب كل الناس"، ومعنى ذلك أن الحضارة الغربية حالة طبيعية، صفة لصيقة بطبيعة الإنسان، ومن ينحرف عنها فهو إنسان غير طبيعي وشاذ! وهذا يعني أن التاريخ يتبع مساراً واحداً وأن هنتنجتون يؤمن بالنموذج أحادي الخط، رغم كل حديثه عن التعددية والصراع.

стр. 768

ويتضح هذا الإيمان بالنموذج أحادي الخط في الأمثلة التي يسوقها في مقاله. فهو يذكر أنه اكتشف، أثناء مقابلة له مع رئيس جمهورية المكسيك، أن هذا الأخير يود أن يحوِّل بلده من بلد أمريكي لاتيني إلى بلد أمريكي شمالي (أي يحاول أن يجعلها تلحق بركب الحضارة الغربية والطبيعية!) ، ولا يملك هنتنجتون إلا أن يُعبِّر عن إعجابه العميق بعملية التطبيع هذه، التي ستجعل المكسيك متسقة مع قوانين الطبيعة وأمريكا الشمالية، وتقوِّم إنحرافها عن الصراط المستقيم. هذ هو الإيمان المستقر. ولكن رئيس جمهورية المكسيك، هذا الذي يعرف أمور السياسة، يحذره من الإفصاح عن هذا الإيمان ويقول: "لا يمكن أن نقول ذلك علناً"، إذ أن السيد الرئيس يعرف أن جماهير الشعب تتمسك بالخصوصية والأصالة ولا تدرك، كما يدرك هو وكما يدرك هنتنجتون بطبيعة الحال، أن الخصوصية زخرفة يمكن الاستغناء عنها، وأن الهوية إضافة لا مبرر لها. ولحل هذه الإشكالية لابد من الحديث عن الخصوصية والأصالة ذراً للرماد في العيون مع الاستمرار في عمليات التحديث والتغريب والتطبيع. وهذا ما فعله أوزال رئيس جمهورية تركيا، هذا الذي يؤمن بالتحديث كتغريب وتطبيع، ومع هذا أدى فريضة الحج إلى مكة. هؤلاء هم أبطال هنتنجتون، رجال يؤمنون بأن الحضارة الغربية حضارة عالمية تناسب كل الناس في كل زمان ومكان، ولذا فبطله الأساسي هو أتاتورك الذي قام بأشمل وأسرع عملية تحديث وتغريب (انطلاقاً من إيمانه بضرورة التخلص من الهوية والخصوصية والماضي) حتى يصل بمجتمعه إلى الحالة الغربية الطبيعية/المادية الحديثة، وهي حالة ـ على كلٍّ ـ سيصل إليها المجتمع في نهاية الأمر، شاء أم أبى، من خلال قوانين التقدم التاريخية الطبيعية العلمية الحتمية.

стр. 769

ولكن كل حضارة، كما يؤكد هنتنجتون، تستند إلى رؤية دينية، فما البُعد الديني للحضارة الغربية؟. يعلن هنتنجتون أن قيم الحضارة الغربية هي الديموقراطية والاقتصاد الحر وفصل الدين عن الدولة والليبرالية والدستورية وحقوق الإنسان. وفي الواقع، فإن ما يود هنتنجتون أن يقوله هو أن الأساس الديني الثابت للحضارة الغربية هو فصل الدين عن الدولة (وهو يُظهر هنا مرة أخرى عدم مقدرته على التصنيف الذكي والترتيب الدال، ولكن ما يهمنا هنا هو أن النموذج الفكري كامن وواضح) . ولابد أن إعجابه بأتاتورك ينبع من هذا الإيمان الحار بالعلمانية، وليس من قبيل الصدفة أن يقتبس كلمات المستشرق الأمريكي اليهودي العنصري برنارد لويس حين يتحدث عن نشوب ثورة من جانب الحضارة غير الغربية "ضد التراث اليهودي/المسيحي وضد حاضرنا العلماني وضد انتشارهما عالمياً"، فالعنصر اليهودي/المسيحي ينتمي للماضي (مجرد تراث) ، أما الحاضر فهو العلمانية، أما الوعد فهو الانتشار، أي أن ثمة ترادفاً بين الغربي والعلماني والإمبريالي التوسعي (يفترض فؤاد عجمي هذا الترادف في مقاله الذي رد به في مجلة الشئون الخارجية على هنتنجتون، فهو يتحدث عن عمليات العلمنة في الهند وتركيا باعتبارها عمليات تغريب وتحديث) . والواقع أن مفهوم الدولة الممزقة أو المتمزقة (بالإنجليزية: تورن ستيت torn state) الذي يستخدمه هنتنجتون يفترض هذا الترادف، فهي دولة ممزقة بين الحديث والغربي والعلماني من جهة، وبين تراثها وهويتها وقيمها من جهة أخرى. ثمة ثنائية حادة واستقطاب متطرف في عالم هنتنجتون بين الأنا الغربي (الحديث العلماني) من جهة، والآخر (غير الغربي غير الحديث غير العلماني) من جهة أخرى، وهي ثنائية لابد أن تُمحَى، وهذا هو في واقع الأمر صراع الحضارات، أي صراع الحضارة الغربية الحديثة العلمانية ضد الحضارات الأخرى. وهي نفس الثنائية الكامنة في عالم فوكوياما وفؤاد عجمي.

стр. 770

ولكن نقطة الاختلاف الأساسية بين الثلاثة تكمن في الاختلاف حول سرعة الوصول، ففوكوياما زادت حرارته المشيحانية فتَعجَّل وأعلن أننا قد "وصلنا" و"عدنا" ولذا فهو يُعلن نهاية الآخر وانتصار الذات ونهاية التاريخ وبداية الفردوس الأرضي، بينما يرى فؤاد عجمي أننا قد بدأنا كلنا نستحث الخطى ولكننا لم نصل بعد. أما هنتنجتون فهو أقل تفاؤلاً من كليهما، فهو يرى أن الطريق إلى النهاية الفردوسية الطبيعية في لحظة الوصول ليست بهذه البساطة. وحتى يوضح وجهة نظره، فإنه يشير إلى تلك الأيام الجميلة حينما كان الغرب يهيمن على المؤسسات السياسية والأمنية الدولية والاقتصادية ثم تغيَّر الأمر بعد ذلك إذ ظهر لأول مرة بعد إعلان حقوق الإنسان (وهو إعلان علماني تماماً يستند إلى فكرة القانون الطبيعي) دول لا تؤمن لا بالتراث المسيحي/اليهودي (أي تراث الحضارة الغربية) ولا بالقانون الطبيعي (التحديث على الطريقة الغربية والعلمانية) . وقد زادت هذه الدول عدداً وأصبحت الآن في المقدمة. وهذه الدول التي لا تنضوي تحت المنظومة الغربية لا تحث الخطى نحو النهاية الموعودة (والاستسلام للآخر لمحو الثنائية) إذ أن بعضها بدأ (على حد قول جورج ويجيل الذي يقتبس هنتنجتون كلماته) يتراجع عن عمليات العلمنة والتغريب في العالم وبدأت تقاوم، بل قد تتحالف مع بعضها ضد الفردوس الأرضي ونهاية التاريخ وحالة الطبيعة. ويُعَدُّ هذا التراجع الحقيقة الاجتماعية الأساسية في الحياة في نهاية القرن العشرين. والدين (كما قال هنتنجتون) أساس الهوية والخصوصية الحضارية التي تتجاوز الحدود القومية وتُوحِّد الحضارات، فالصراع ليس صراعاً بين حضارات (لكلٍّ قيمتها وقيمها) وإنما هو صراع بين منظومة قيمية غربية علمانية تدور في إطار المرجعية المادية وتستند إلى فكرة القانون الطبيعي (المادي) بكل ما يتضمنه ذلك من إنهاء للتاريخ والإنسان والهوية من جهة، ومن جهة أخرى كل من يقاوم ذلك ولا

стр. 771

يوافق عليه ويرى أن الإنسان ليس مجرد مادة (وهذه هي الصلة الحقيقية بين الإسلام والكنفوشيوسية) . ولكن هنتنجتون موقن تماماً أن ذلك صراع مؤقت، فثمة نقطة أساسية واحدة يتجه نحوها العالم فيتحقق فيها القانون الطبيعي (والعقل الكلي الغربي، الطبيعي/المادي الحديث) ؛ نقطة انتصار الحضارة الغربية الحديثة الطبيعية/المادية العلمانية، وهي نقطة وصلت إليها بعض البلاد بالفعل. ويقين هنتنجتون بشأن الحضارة الغربية باعتبارها حالة الطبيعة أمر يثير الخوف. فمن يقاوم حالة الطبيعة لابد من تقويمه بطبيعة الحال ووضعه على المسار الطبيعي، فهو المسار الوحيد والصحيح، الأمر الذي يتطلب طبعاً اتخاذ بعض الإجراءات الطبيعية غير السارة وطرح بعض الحلول الطبيعية الجذرية النهائية مثل إسقاط الحكومات القومية (التي تتمسك بأهداب خصوصية زائفة) ودك العواصم المقاومة (التي تدافع عن قيم لا جدوى لها مثل الكرامة والعزة الوطنية) واستباحة المدن والقرى العاصية التي تقاوم قانون الطبيعة والتطور الغربي! ٢ ـ التاريخ لا هدف له ولا غاية: ما بعد الحداثة:

стр. 772

ما بعد الحداثة هي الرؤية الفلسفية التي أحرزت مؤخراً شيوعاً لا نظير له في العالم الغربي، وهي رؤية تنطلق من عدة أطروحات فلسفية متداخلة ومصطلحات صاخبة رنانة (تتغيَّر بمعدل مرة كل أسبوع تقريباً) كلها تؤكد غياب المرجعيات وتآكل الذات وفقدانها حدودها، وتآكل الموضوع وفقدانه حدوده، وهيمنة النسبية المعرفية الأخلاقية، ومن ثم استحالة الوصول إلى فكرة الكل، سواء كانت هي فكرة الإله أو الأخلاق المطلقة أو الطبيعة البشرية (أساس الأنطولوجيا الغربية) (تُعتبَر فلسفة ما بعد الحداثة قمة الثورة ضد الهيجلية، وهي تَبلور للاتجاه الفلسفي الغربي المعادي للفلسفة) . ولكن هذا يعني في واقع الأمر اختفاء العقل، أي الملكة التي يقوم الإنسان من خلالها بمراكمة المعنى والإنجازات، ويظهر ما سماه أحدهم «ذاكرة الكلمات المتقاطعة» ، أي معلومات متناثرة لا يربطها رابط وينشأ الإحساس بأننا في الحاضر الأزلي، تَغيُّر مستمر بلا ماض ولا مستقبل، تجارب دائمة بلا عمق ولا معنى. ويتحول التاريخ إلى مجرد لحظات جامدة، وزمن مسطح لا عمق له، ملتف حول نفسه لا قسمات له ولا معنى. ويتزامن الحاضر والماضي والمستقبل تتساوى تماماً مثل تَساوي الذات والموضوع والإنسان والأشياء، ولكنه تَزامُن دون استمرار، فثمة انقطاع كامل. ومن هنا، يتحدث أنصار ما بعد الحداثة عن إحلال القصص الصغيرة (أو الجزئية أو الذاتية) محل القصة الكبيرة (أو الشاملة أو الكلية) ، أي أن الإنسان غير قادر على الوصول إلى رؤية تاريخية شاملة تضم البشر كافة ولكنه قادر على خوض تجارب جزئية يمكنه أن يقصها بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل، ولكنها لا ترقى البتة إلى مستوى تاريخ عام للبشر، فليست لها أية شرعية خارج نطاق تجربته.

стр. 773

وقد لا تطرح رؤية ما بعد الحداثة نماذج خطية تطورية أو حلولاً نهائية، وقد لا تبشر بالفردوس الأرضي أو باليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، ولكنها هي الأخرى إعلان لنهاية التاريخ ونهاية الإنسان ككائن مركب اجتماعي قادر على الاختيار الأخلاقي الحر، ليحل محله إنسان ذو بُعد واحد يدور في إطار المرجعية الكامنة أو دون أية مرجعيات، فالإنسان يعيش منكفئاً إما على ذاته الطبيعية التي لا علاقة لها بما هو خارجها، فهي مرجعية نفسها، أو على كليات لاإنسانية مجردة لا علاقة لها بالإنسان كما نعرفه. وهذا الإنسان لا ذاكرة له فهو يعيش في اللحظة دائماً، في قصته الصغرى. ولذا لخص أحدهم ما بعد الحداثة بأنها نسيان نشط للذاكرة التاريخية، وهي طريقة متضخمة متورمة للقول بنهاية التاريخ. ويمكننا القول بأنه إذا كان فوكوياما قد اكتشف نهاية التاريخ فإن ما بعد الحداثة تقوم بقتله. ما علاقة نهاية التاريخ وصراع الحضارات وما بعد الحداثة بواقعنا وبالنظام العالمي الجديد؟

стр. 774

إن كل آليات الإغواء التي يستخدمها النظام العالمي الجديد تصب في هدف واحد أو حل نهائي واحد هو ضرورة ضرب الخصوصيات القومية والمرجعيات الأخلاقية حتى يفقد الجميع أية خصوصية وأية منظومة قيمية ليصبحوا آلة إنتاجية استهلاكية، لا تكف عن الإنتاج والاستهلاك دون أية تساؤلات، ومن هنا تظهر نهاية التاريخ كمفهوم أساسي، فالنظام العالمي الجديد لا يشير إلا للحظة الراهنة وحسب، ولا يتحدث إلا عن المستقبل، ولكنه لا يتحدث قط عن الماضي فهو نظام يدَّعي أنه هو نفسه لا ماضي له، وأن كل البشر لا ماضي لهم، وإن كان لهم ماض فهو ليس مهماً فكل شيء جديد طازج مثل صفحة لوك البيضاء (باللاتينية: تابيولا رازا tabula rasa) . داخل هذا الإطار، يصبح الإنسان إنساناً طبيعياً أحادي البُعْد لا عمق له ولا ذاكرة ولا قيم، يبدأ دائماً من نقطة الصفر وينتهي فيها، يعيش في عالم بلا دنس ولا خطيئة ولا حياة، عالم مغسول في الرشد المادي والإجرائي، كل ما فيه يتحرك بشكل هندسي متناسق، معقم من التدافع والجدل.

стр. 775

ولنلاحظ أن ما تَساقَط هنا ليست خصوصية قومية بعينها وإنما مفهوم الخصوصية نفسه، وليس تاريخاً بعينه وإنما فكرة التاريخ نفسها، وليس هوية بعينها وإنما كل الهويات، وليس منظومة قيمية بعينها وإنما فكرة القيمة نفسها، وليس نوعاً بشرياً بعينه وإنما فكرة الإنسان المطلق نفسها، الإنسان ككيان مركب لا يمكن رده إلى ما هو أدنى منه. لقد اختفت المرجعية، أية مرجعية، وظهر عالم لا خصوصيات فيه ولا مركز له. هذا العالم الذي لا مركز له، يسير فيه بشر لا مركز لهم ولا هدف، لا يمكنهم التواصل أو الانتماء لوطن أو أسرة، كل فرد جزيرة منعزلة أو قصة صغيرة، فيظهر إنسان استهلاكي أحادي البُعد يُحدِّد أهدافه كل يوم، ويُغيِّر قيمه بعد إشعار قصير يأتيه من الإعلانات والإعلام، إنسان عالم الاستهلاكية العالمية الذي ينتج بكفاءة ويستهلك بكفاءة ويُعظِّم لذته بكفاءة حسب ما يأتيه من إشارات وأنماط! هذا هو الحل النهائي في عصر التسوية الذي حل محل الحل النهائي لعصر التفاوت، فبدلاً من الإبادة من الخارج، يظهر التفكيك من الداخل.
следующие страницы →