Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.
стр. 7456
وقد ادعت الصهيونية أن اليهود مصابون بشتي أمراض المنفي، مثل الهامشية والطفيلية وانقلاب الهرم الإنتاجي، وأنها ستقوم بتحويلهم إلي شعب منتج يعمل بيديه. ولكن هذه النبوءة لم تتحقق إذ أن عدد اليهود في الدولة الصهيونية الذين يشتغلون بأعمال إنتاجية في الوقت الحالي يبلغ ٢٣%، وكانت النسبة ٢٤% قبل عام ١٩٤٨. وقد تزايد قطاع الخدمات وتَضخَّم في المجتمع الإسرائيلي وفي الجيش نفسه.
ومن القضايا التي يثيرها يهود العالم من المؤمنين باليهودية، مشكلة معدلات العلمنة المتزايدة في الدولة اليهودية التي لا تسودها القيم اليهودية، فكثيراً ما يجدون أن بعض مبعوثي الدولة اليهودية لم يقرأوا التوراة في حياتهم قط، ولم يذهبوا إلي معبد يهودي. وتضطر الدولة التي يقال لها «يهودية» إلي أن تعطي دورات مكثفة في الدين اليهودي لبعض مبعوثيها إلي الخارج حتي لا ينكشف السر، فهم لا يعرفون كيف تُقام الصلوات اليهودية ولا يدرون شيئاً عن السلوك الواجب اتباعه في المعبد اليهودي.
ويشير هؤلاء المتدينون أيضاً إلي أن الدولة اليهودية، التي كان من المفترض أن تكون مثلاً أعلي يُحتذَي، أصبحت ذات توجُّه استهلاكي حاد يُقبل سكانها علي استهلاك السلع الغربية بشغف شديد. وهي، علاوة علي هذا، دولة تنتشر فيها الجرائم والمخدرات والدعارة، كما أصبحت ترتع فيها الجريمة المنظمة، وأصبح الجهاز الحكومي لا يتمتع بسمعة طيبة بسبب فضائحه المالية المتتالية.
стр. 7457
وحينما تتهم الدولة الصهيونية أعضاء الجماعات اليهودية بأنهم آخذون في الاندماج، بل في الانصهار والتلاشي، يشيرون هم بدورهم إلي حياة إسرائيل العلمانية، ويؤكدون أن الإسرائيليين هم الذين يفقدون هويتهم اليهودية بالتدريج، وأنهم هم الذين سيندمجون تماماً في حضارة الأغيار. بل إن بعضهم يري أن ما يحدث في إسرائيل هو ظهور قومية جديدة إسرائيلية لا علاقة لها باليهودية، وبالتالي لا علاقة لها بهم. ويثير يهود العالم قضية أساسية أخري يبدو أنها دون حل في الوقت الحاضر، وهي أن المؤسسة الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل ترفض الاعتراف باليهود الإصلاحيين والمحافظين كيهود، وهم يشكلون مع اليهود اللا أدريين والملحدين ما يزيد علي ٨٠% من يهود العالم الغربي، في حين لا يشكل الأرثوذكس إلا أقلية صغيرة. وتأخذ القضية شكلاً حاداً، كلما أثارت المؤسسة الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل قضية تغيير قانون العودة حتي يصبح تعريف اليهودي هو من تهوَّد حسب الشريعة، أي علي يد حاخام أرثوذكسي وحسب.
ويري بعض المفكرين الدينيين اليهود أن ظهور الدولة الصهيونية قد أدَّي إلي انهيار اليهودية وتآكُلها من الداخل، فأصبحت الدولة هي دين يهود العالم، ومصدر القيمة المطلقة لهم، كما أصبح جمع التبرعات من أهم الشعائر «الدينية» . وهم يرون أن اليهودي العادي قد أصبح يُفرغ أية شحنة دينية داخله عن طريق النشاط الصهيوني، وهو نشاط دنيوي بالدرجة الأولي.
стр. 7458
ويثير يهود العالم قضية أساسية أخري، وهي: هل الدولة اليهودية مجرد دولة تخدم مصالحها بغض النظر عن مصالح اليهود، أو هي دولة يهودية تضع مصالح يهود العالم في الاعتبار؟ وقد أثيرت القضية مؤخراً بكل حدة بسبب التعاون الوثيق بين الحكومة الصهيونية وحكومة الأرجنتين العسكرية. وقد قام شامير، باعتباره وزيراً لخارجية إسرائيل، بزيارة الأرجنتين في الأيام الأخيرة للنظام العسكري، وقد ثبت أن هذا النظام، المشهور بميوله النازية المعادية لليهود، كان يقوم بتعذيب معارضيه، واليهود منهم علي وجه الخصوص. ومع هذا، فقد استمر النظام الصهيوني في الحفاظ علي علاقاته بالنظام العسكري في الأرجنتين. وكانت السفارة الإسرائيلية ترفض التدخل لصالح المعتقلين السياسيين اليهود. وثمة حقيقة مهمة تدعو إلي التساؤل: إن أحد أهداف الدولة اليهودية هو توفير الأمن والحماية لليهود، ومع ذلك فإن أعضاء الجماعات اليهودية يشعرون بأن أمنهم قد تزعزع بسبب الأحداث في الشرق الأوسط وأن الجو الذي يعيش فيه اليهود في عدة بلاد قد تحوَّل من جو آمن إلي جو قلق مشحون. وفي الواقع، فإن كثيراً من المؤسسات اليهودية تحتاج الآن إلي حراسة مسلحة. وقد صرح شامير مؤخراً بأن الدولة الصهيونية لا يمكنها أن تضطلع بمسئولية حماية أعضاء الجماعات اليهودية إذ أنها مشغولة بحماية وبناء نفسها.
стр. 7459
ويشير اليساريون اليهود في العالم إلي علاقات إسرائيل بالنظم العسكرية في أمريكا اللاتينية، فهي من أكبر موردي السلاح إليها، كما أن علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية مع نظام جنوب أفريقيا محل انتقادهم، إذ كيف يتأتي لدولة يهودية متمسكة بالقيم اليهودية أن تتحول إلي حليف لكل قوي القمع والإرهاب في العالم؟ ويضطر الليبراليون أيضاً إلي الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الكيان الصهيوني حينما يقوم بعمليات وحشية تفوح رائحتها مثل صابرا وشاتيلا. وقد حاولت الصهيونية أن تحل مشكلة سلوكها العنصري والإرهابي بأن قلَّصت مجال هذه العنصرية وجعلتها مقصورة علي مكان واحد فقط هو فلسطين، فهي ليست عنصرية كونية علي الطريقة النازية بل عنصرية مقصورة علي بؤرة واحدة (فلسطين) ، وعلي شعب واحد. ولذا، تستطيع العقيدة الصهيونية أن تتخذ ديباجات اشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وديباجات رأسمالية ليبرالية في العالم الغربي، وديباجات فاشية في أمريكا اللاتينية، ويمكنها في النهاية أن تمارس وحشيتها كاملة في فلسطين دون أن تسبب حرجاً كبيراً لمناصريها في الخارج. ومع هذا، نجد أن اندلاع الانتفاضة قد غيَّر هذه الصورة، فقد أصبح الاحتفاظ بالازدواجية صعباً واضطر يهود العالم إلي شجب الأعمال الوحشية التي تمارسها إسرائيل.
ومن القضايا التي تثير بعض التوتر بين أعضاء الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية، هجرة عدد كبير من مواطني الكيان الصهيوني إلي الولايات المتحدة واستيطانهم فيها. ويبلغ عدد المهاجرين ٦٠٠ ألف، أكثر من نصفهم من مواليد إسرائيل (فلسطين) ، أي من جيل الصابرا، ومن هنا يتم طرح السؤال التالي: هل من الواجب أن تقوم المؤسسات اليهودية بتقديم المساعدة لهؤلاء المهاجرين باعتبارهم يهوداً أم تجب مقاطعتهم باعتبارهم خونةً مرتدين؟
стр. 7460
ويمكن القول بأن واحداً من أكبر أشكال فشل الدولة الصهيونية في الهيمنة الفعلية علي أعضاء الجماعات اليهودية في العالم أنه بعد مرور ما يزيد علي مائة عام علي الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وبعد مرور نحو أربعة عقود علي إنشاء الدولة الصهيونية، وبعد الحملات المكثفة، بل الهستيرية، التي تهدف إلي إقناع أعضاء الجماعات بالهجرة إلي فلسطين انطلاقاً من إيمانهم الديني القوي، والتي تؤكد لهم أن هذه الهجرة هي السبيل الوحيد إلي الحفاظ علي وطنهم القومي، أي إسرائيل، بعد كل هذا لم تقابل المنظمة الصهيونية والدولة الصهيونية كثيراً من النجاح، الأمر الذي فرض عليهما أن تطرحا جانباً في الآونة الأخيرة تلك المنطلقات العقائدية الصهيونية وتطرحا بدلاً منها شعارات مادية استهلاكية. فإسرائيل، حسب الحملات الدعائية الجديدة، ليست أرض الميعاد ولا مسرح الخلاص، وإنما هي بلد تتوافر فيه أسباب الراحة المادية للمهاجر حيث يمكنه أن يمتلك بيتاً واسعاً كبيراً بشروط ائتمانية سهلة، وبالتقسيط المريح، أو يمكنه أن يجد فرصاً أحسن للعمل أو الاستثمار. بل تم تعديل الأسطورة الصهيونية نفسها، فبدلاً من الإصرار علي اليهودي الخالص، اليهودي مائة في المائة، تم الاعتراف بالأمريكي اليهودي، أي اليهودي الذي ينتمي إلي وطنه الأمريكي انتماءً كاملاً، ويعتز بتراثه الإثني ما دام هذا الاعتزاز لا يتناقض مع انتمائه الأمريكي. ولا يختلف الأمريكي اليهودي في هذا عن الأمريكي الإيطالي أو الأمريكي البولندي. وداخل هذا الإطار، تصبح إسرائيل مثل إيطاليا وبولندا أي «مسقط الرأس» الذي أتي منه المهاجر. ولكن المفارقة تكمن في أن هذه الأسطورة تقف علي النقيض من الأسطورة الصهيونية، لأن «مسقط الرأس» هي البلد الذي يهاجر منه اليهودي، علي عكس «صهيون» أو «أرض الميعاد» فهي البلد الذي يعود إليه. وهكذا تحوَّلت الأسطورة الصهيونية إلي نقيضها من خلال محاولتها التكيف مع الوضع
стр. 7461
الأمريكي. وهذا هو أحسن تعبير عن مدي ارتباط أعضاء الجماعات بأوطانهم، وعن حقيقة موقفهم المتعيِّن من الصهيونية الذي يتجاوز التصريحات الساخنة والشعارات النارية الصهيونية.
مركزية الدياسبورا
Centrality of the Diaspora
«مركزية الدياسبورا» عبارة تعني الإيمان بأن الحياة الحضارية والسياسية لأعضاء الجماعات اليهودية تتشكل خارج فلسطين، وبأن علاقتهم بإسرائيل قد تكون مهمة ولكنها ليست أهم شيء في حياتهم إذ أن لديهم مصالحهم وثقافتهم وحركياتهم الاجتماعية المستقلة عن الدولة الصهيونية. وبالتالي فلابد أن تكون العلاقة بين الدولة وبين الجماعات اليهودية علاقة متكافئة. ولا يرد هذا المصطلح في الكتابات الصهيونية أو اليهودية، ولكنه افتراض كامن في كتابات دبنوف الذي يستخدم مصطلح «قومية الدياسبورا» . ولا يمكن تفسير سلوك أعضاء الجماعات إلا في إطار هذا المفهوم. وتُعَدُّ استجابة يهود الولايات المتحدة لحادثة بولارد دليلاً جيداً علي الإيمان بمركزية الدياسبورا وبانفصال أعضاء الجماعات عن المركز الصهيوني المزعوم. كما أن المصطلح يتجلي في بعض التصريحات مثل تصريح مدير عام منظمة إيباك الصهيونية: "إذا كانت إسرائيل هي مركز العالم اليهودي، فنيويورك هي إذن مصدر وجوده". أما الحاخام جيكوب نيوزنر، فقد أكد بلا مواربة أن أمريكا أفضل من القدس بالنسبة إلي يهود الولايات المتحدة، وأنه إذا كانت هناك أرض ميعاد فإن اليهود الأمريكيين يعيشون فيها بالفعل علي نحو لا يمكن أن يتاح لهم في إسرائيل. ومن الثابت أن إسرائيل لا تلعب دوراً رئيسياً من الناحية الثقافية والدينية في حياة الأمريكيين اليهود. ومع ضعف صورة الدولة الصهيونية وتراجع نفوذها، وخصوصاً بعد الانتفاضة، فإن من المُتوقَّع أن يحقق أعضاء الجماعات قدراً أكبر من الاستقلال ويؤكدوا بالتالي أهميتهم ومركزيتهم بشكل أكبر.
قومية الدياسبورا
Diaspora Nationalism
стр. 7462
«قومية الدياسبورا» مصطلح شائع في الكتابات الصهيونية واليهودية، وهو يشير إلي أن الجماعات اليهودية تشكل شعباً واحداً وقومية يهودية لها مركز واحد. ولكن هذا المركز لم يكن هو فلسطين في سائر اللحظات التاريخية، وإنما كان ينتقل بانتقال القيادة الفكرية لليهود. فهو مرة في بابل، وأخري في الأندلس، وثالثة في ألمانيا أو في روسيا، ولعله الآن في الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ويتفق مفهوم قومية الدياسبورا مع الفكر الصهيوني في عدة نقاط، من أهمها أن اليهود يكوِّنون شعباً واحداً وأن له تراثاً واحداً. ولكن قومية الدياسبورا تختلف عن الصهيونية في قبولها تعددية المركز، وفي رفض فكرة مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا، أي الجماعات اليهودية. وقد يبدو هذا الاختلاف سطحياً، ولكنه في الواقع اختلاف جوهري إذ أن تعددية المركز تعني أن الدولة الصهيونية ليست مسألة ضرورية أو حتمية أن اليهود يمكنهم التعبير عن هوياتهم أينما وُجدوا. كما أنه يعني أن تراث يهود العالم تراث يستحق الحفاظ عليه، وأن الشعار الصهيوني الداعي إلي تصفية الدياسبورا ونفيها شعار معاد لليهود. ويُعتبر كلٌّ من المؤرخ الروسي اليهودي سيمون دبنوف والكاتب الروسي اليديشي حاييم جيتلوسكي من أهم دعاة قومية الدياسبورا.
стр. 7463
وعلي مستوي البنية الفكرية الكامنة، تعني قومية الدياسبورا بالنسبة إلي هذين الداعيين قومية يهود اليديشية أو القومية اليديشية باعتبارها قومية يهودية شرق أوربية يمكن التعبير عنها من خلال إطار الدولة متعددة القوميات (علي نمط الإمبراطورية الروسية والدولة السوفيتية والإمبراطورية النمساوية المجرية) . وبالفعل، نجد أن قومية الدياسبورا أصبحت، علي مستوي الممارسة، هي حق يهود اليديشية في التعبير عن هويتهم الثقافية وفي الحفاظ علي تراثهم ولغتهم داخل إطار الدولة متعددة القوميات. ولذا، فإن مصطلح «قومية الدياسبورا» ليس دقيقاً البتة، وقد يكون من الأدق الإشارة إلي «القومية اليديشية الشرق أوربية» أو «القومية اليهودية الشرق أوربية» ، وعلي كلٍّ فقد تهاوي هذا المفهوم بتزايد معدلات الاندماج بين يهود الاتحاد السوفيتي ويهود الولايات المتحدة.
ويوجد تيار داخل الفكر الصهيوني يميل إلي قبول صيغة معدلة من قومية الدياسبورا، إذ يذهب بعض الصهاينة إلي أن تراث الدياسبورا مهم ويجب الحفاظ عليه ولكنهم يصرون، مع هذا، علي أن مركز الثقافة اليهودية يجب أن يظل في فلسطين. ولعل صيغة مثل هذه هي التي تحكم العلاقة بين الجماعات اليهودية في العالم وفي إسرائيل، فإسرائيل تَقَبل الآن وجودهم في المنفي باعتبارها حالة نهائية، وتَقَبل إسهاماتهم الحضارية كشيء يستحق المحافظة عليه. وفي المقابل، يَقَبل يهود العالم مركزية إسرائيل في حياتهم الثقافية ويستمدون منها شيئاً من هويتهم، وهذا ما يُطلَق عليه «الصهيونية التوطينية» ، وهي صهيونية يؤمن بها اليهودي في الغرب، حتي يحافظ علي هويته التي يهددها المجتمع الاستهلاكي بالهلاك ودون أن يُضطر إلي الاستيطان في إسرائيل.
القومية اليديشية
Yiddish Nationalism
انظر: «قومية الدياسبورا «.
سيمون دبنوف (١٨٦٠-١٩٤١ (Simon Dubnow
стр. 7464
مؤرخ روسي يهودي، والمُنظِّر الأساسي لفكرة قومية الدياسبورا، ذلك المفهوم الذي طُرح كأحد حلول المسألة اليهودية. وُلد في مقاطعة موجيليف في روسيا، وتلقَّي تعليماً دينياً تقليدياً إلا أنه تخلي عن ممارسة الشعائر الدينية في سن مبكرة، كما حصل علي قدر من التعليم العلماني في المنزل وأتقن العبرية والروسية إلي جوار اليديشية لغته الأصلية. وفي الفترة ١٨٨٠ ـ ١٩٠٦، انتقل بين عدة مدن روسية من أهمها أوديسا التي كانت تُعتبر آنذاك مركزاً للبعث الثقافي للجماعة اليهودية في روسيا وانضم هناك إلي دائرة آحاد هعام (فيلسوف الصهيونية الثقافية، أي الإثنية العلمانية) ، ثم استقر في بطرسبرج حيث عمل بتدريس ما يُسمَّي «التاريخ اليهودي» الذي أصبح اهتمامه الرئيسي. وقد أصدر عدة أعمال في هذا المجال شملت دراسة في تاريخ الجماعات اليهودية في شرق أوربا، ودراسة موجزة لتاريخ الجماعات اليهودية وتاريخ الحسيدية.
стр. 7465
تأثر دبنوف بكل من فكر الاستنارة، والفكر المعادي للاستنارة؛ تأثر بوضعية أوجست كونت وليبرالية جون ستيورات ميل، فرفض اليهودية من حيث هي فكرة تتناقض مع الفردية والحرية والتفكير العلمي، وطرح جانباً مقولات مثل «رسالة الشعب المقدَّس» و «الارتباط الأزلي بأرض الميعاد» إذ وجد أنها لا تفسر وضع الجماعات اليهودية في العالم، وتبنَّي بدلاً من ذلك منهجاً يأخذ في الاعتبار المعطيات المادية (البيئية والحسية) ويؤكد التفاصيل والأشياء المتعينة والقراءة المتعينة للتاريخ وينظر إلي اليهود واليهودية باعتبارهما ظواهر اجتماعية وتاريخية. لكن تأثير الفكر المعادي للاستنارة يتبدَّي في اهتمامه بالبُعد الخاص والعضوي والروحي في الظواهر الإنسانية. وقد تأثر دبنوف بفلسفة فختة في تأكيده العنصر الروحي في القومية، وبفكر إرنست رينان في تأكيده العنصر الذاتي فيها. كما تأثر بمفاهيم المؤرخ الفرنسي فولي الذي عرَّف القومية بأنها (أولاً وقبل كل شيء) مجموعة من الأفراد الذين ينظرون إلي أنفسهم علي أنهم أمة، وقال إن جوهر الأمة هو وعيها. وكذلك تأثر دبنوف بفكر المفكر والمؤرخ الأدبي تايين الذي اعتبر القيم الروحية لأي شعب إنما هي نتاج تطلعاته وظروفه الخاصة. وقد تَبنَّي في نهاية الأمر المفهوم العضوي للأمة الذي طرحه كلٌّ من رينان وتايين والذي أصبح جزءاً من الخطاب السياسي الغربي في القرن التاسع عشر. ولذا، فرغم أن رفضه اليهودية انطلاقاً من رؤيته العلمية المستنيرة، إلا أنه عاد وقَبلها انطلاقاً من الفكر المعادي للاستنارة باعتبارها تعبيراً إيجابياً عن الروح القومية للشعب اليهودي.
стр. 7466
ومن الأفكار الأساسية التي أثرت في دبنوف بشكل جوهري فكرة دولة القوميات، أي الدولة الإمبراطورية التي تضم عدة قوميات لكل منها هويتها ولغتها بل تاريخها المستقل، بحيث تحتفظ كل جماعة أو أقلية قومية بقدر من الحكم الذاتي (وخصوصاً في الأمور الثقافية والدينية) وتشارك في صنع القرار السياسي من خلال مؤسسات الدولة الواحدة والتمثيل السياسي. وكانت هذه الفكرة مطروحة في كل من الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية النمساوية المجرية كنموذج سياسي يمكن أن يضمن للإمبراطوريات الاستمرار دون أن يكون هذا الاستمرار، بالضرورة، علي حساب الشعوب والقوميات التي تعيش داخل حدودها، وهو نموذج يختلف عن نموذج الدولة القومية المركزية الذي شاع في إنجلترا وفرنسا وهولندا وفي أوربا الغربية بشكلٍّ عام.
وقد لاقت دولة الأقليات صدي في نفس دبنوف لأنها تستند إلي معطيات تاريخية متعينة (شعوب قومية قائمة بالفعل ودولة حديثة) وهو ما يجعله، وهو المفكر العلمي المستنير، قادراً علي قبولها. فهي، مع علميتها، تقبل قدراً من الخصوصية دون أي استدعاء للغيبيات. وقد كانت هذه الازدواجية ضرورية لدبنوف، فقد لاحظ أن خصوصية يهود اليديشية لا تكمن في يهوديتهم "العالمية" التي تستند إلي عناصر ثابتة ومطلقة وإنما في يديشيتهم الخاصة والنابعة من وضعهم كأقلية داخل التشكيل السياسي والحضاري الشرق أوربي. ولذا، فإن كل الحلول التي يطرحها نابعة من تَصوُّره أن يهود شرق أوربا يشكلون ظاهرة اجتماعية تشترك في الخصائص مع الظواهر المماثلة دون أن تفقد بالضرورة خصوصيتها.
стр. 7467
ينطلق دبنوف، علي عادة كثير من مفكري أوربا في القرن التاسع عشر، من طرح رؤية للتاريخ الإنساني تُقسِّمه إلي مراحل، فتَطوُّر الإنسانية هو أساساً تَطوُّر من المادية إلي الروحية ومن البساطة الخارجية إلي التعقيد الداخلي. وهو يُقسِّم النماذج القومية إلي ثلاثة نماذج: النموذج القَبَلي، والنموذج السياسي الإقليمي أو النموذج المستقل، والنموذج الحضاري التاريخي أو النموذج الروحي. وهذه النماذج مترابطة بشكل عضوي، بمعني أن كل أمة لابد أن تمر من خلال المراحل أو النماذج الثلاثة. والنموذج القَبَلي، حسب تصوُّر دبنوف، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة، في حين أن النموذج السياسي أقل ارتباطاً بها. أما النموذج الروحي فهو مستقل عنها إلي حدٍّ بعيد. وهذا الابتعاد التدريجي عن الطبيعية يتضح أكثر ما يتضح في علاقة كل نموذج قومي بالأرض. فالأرض، بالنسبة إلي النموذج الأول، تمثل جزءاً جوهرياً من كيانه وبيئته، أما بالنسبة إلي النموذج الثالث فهي لا تعني شيئاً علي الإطلاق، لأن كيانه ووجوده يستندان أساساً إلي الوعي بالذات التاريخية. ويؤمن دبنوف بأن الشعب اليهودي «شعب روحي» ينتمي إلي النموذج الثالث من القوميات، ولذا فهو في غني عن الأرض والدولة (علي عكس الصهاينة الذين يصرون علي عودة اليهود إلي الطبيعة وإلي الأرض، كما يصرون علي تأسيس الدولة اليهودية (
стр. 7468
والتاريخ اليهودي حسب تصوُّر دبنوف قد مرّ بالمراحل الثلاث. فالقبائل العبرانية تجمعت في كيان قومي في فلسطين علي رقعة واحدة من الأرض وتحت حكم دولة موحدة. وقد فقد اليهود أولاً الدولة ثم بعد ذلك الأرض. ورغم ذلك، فقد حافظوا علي كيانهم الحضاري الروحي المستقل، وعلي وعيهم بذاتهم كجماعة مستقلة. ولكن لماذا يحتفظ اليهود باستقلالهم؟ يقول دبنوف: إن هذا ليس معجزة تاريخية، فأوضاع اليهود الفريدة هي التي خلقت كيانهم الفريد، فهم يشكلون أمةً لا دولة ولا أرض لها، ولذا، فقد أُعفوا من مسئولية الحكم والاضطرار إلي اللجوء للعنف والقسر، إذ أن الدولة الحاكمة هي وحدها التي تجد نفسها مضطرة إلي ذلك. بل علي العكس من هذا، وجد اليهود أنفسهم مرغمين علي تطوير العناصر الروحية في حضارتهم وتراثهم لتُحرِّرهم من عبء السلطة السياسية، فهم أمة الروح (علي حد قول آحاد هعام)
ويُفرِّق دبنوف بين الأنانية القومية والفردية القومية، ويري أن القومية اليهودية يجب عليها أن تعرف حدودها وألا تطمع في الاستيلاء علي أرض الآخرين، ولكن يجب عليها في الوقت نفسه أن تتخطي الاندماجية بأن تحاول تمجيد ذاتها دون أنانية وبأن تحاول تطوير الذات اليهودية وملامحها المستقلة. ولكن مستقبل الأمة اليهودية لا يتوقف علي أية رسالة سرمدية تنقلها للعالم، بل يعتمد أساساً علي مدي نجاحها في تطوير شخصيتها الحضارية المستقلة. وهذه الشخصية ليست شخصية ثابتة متقولبة تعبِّر عن فكرة جوهرية أزلية، وإنما هي شخصية كانت ولا تزال في حالة تَطوُّر وتَغيُّر دائمين، أي أن دبنوف يقف علي الطرف النقيض من الصهاينة الذين يخلعون صفة الأزلية علي الشخصية اليهودية ويرون أنها تجسيد لرسالة اليهود السرمدية التي تتخطي حدود التطورات التاريخية وتعلو عليها.
стр. 7469
والمُلاحَظ أن مقدمات دبنوف التحليلية رغم ديباجتها الإنسانية والتاريخية الواضحة، صهيونية حتي النخاع، ولا تختلف كثيراً عن مقدمات فيلسوف الصهيونية الثقافية آحاد هعام. فكلٌّ منهما، شأنه شأن كل صهيوني، يفترض وجود أمة يهودية لها شخصية متميِّزة ووضع فريد بين الأمم، وأن ثمة تاريخاً يهودياً عالمياً، وأن ثمة وحدة عالمية بين جميع الجماعات اليهودية في العالم تفصلها عن التشكيلات التاريخية التي توجد فيها هذه الجماعات (وهذه المقدمات هي نفسها مقدمات الفكر الصهيوني، وبالتالي لم يكن مفر من أن يصل إلي نتائج صهيونية) . ولكن دبنوف لا يتحدث في واقع الأمر عن القومية اليهودية وإنما عن القومية اليديشية أو عن السمات القومية الخاصة بيهود شرق أوربا الذين كانوا يُشكِّلون ما يقرب من ٨٠% من يهود العالم، لكن تجربتهم التاريخية لم تكن سوي تجربة تاريخية واحدة ضمن عشرات التجارب التاريخية الأخري لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم. والخطأ الذي يرتكبه دبنوف لا يكمن في تزييف الحقائق وإنما يكمن في مستوي التعميم، فهو يتحدث عن الجزء (يهود اليديشية) باعتباره الكل (يهود العالم) . ولعل هذا يعود إلي أن كل أوربا، عبر تاريخها، تتحدث دائماً عن اليهود بشكل مطلق، وعن اليهود "ككل"، وعن اليهود "في كل زمان ومكان"، وعن "التاريخ اليهودي". ولذا، فإنه لم يستطع الإفلات من الخطاب الغربي ـ اليهودي وغير اليهودي. كما أن أوربا (في القرن التاسع عشر) كانت تظن نفسها مركز العالم وكان يُشار إلي ما هو غربي بوصفه عالمياً (وحتي الآن نتحدث نحن أنفسنا عن الرأي العام العالمي ونحن نعني في واقع الأمر " الرأي العام الغربي") . ويمكننا أن نضيف إلي كل هذا ضخامة الجزء اليديشي مقابل ضآلة ما تبقَّي من الكل اليهودي.
стр. 7470
ولكن الدارس المدقق سيجد أن ثمة عناصر أساسية في رؤيته جعلته يُعدِّل مستوي تحليله ويتخلي عن مستوي التعميم الخاطئ. فهو يختلف عن الصهاينة في أنه يري أن تراث يهود الدياسبورا، أي يهود العالم خارج فلسطين، لا يُشكل انحرافاً عما يُسمَّي "التاريخ اليهودي الواحد الحقيقي"، أي تاريخ اليهود في فلسطين. وعلي هذا، فإنه لا يذهب إلي أن كل اليهود مرتبطون بمركز واحد هو فلسطين، بل إنه يري أن التاريخ اليهودي إن هو إلا تاريخ الدياسبورا. ولهذا، فإن النسق الدبنوفي نسق متعدد المراكز لا يتسم بالعضوية الصارمة والتجانس والواحدية. فهو يؤكد وجود وحدة بين الجماعات اليهودية المتناثرة في العالم، لكن هذه الوحدة لا تعني عدم التنوع، فالحضارات اليهودية تختلف باختلاف الظروف التاريخية والجغرافية التي تنشأ فيها. وهو لهذا، يري أن مركز هذه الحضارة أو الحضارات كان وسيظل متغيِّراً ينتقل من بلد إلي آخر. فهو مرة يكون في بابل، ومرة أخري يكون في الأندلس، وفي المرة الثالثة في روسيا، فالبلد الذي تزدهر فيه الحضارة اليهودية أكثر من البلدان الأخري تنتقل إليه القيادة الفكرية. ومن هنا، فإنه لا يفترض وجود مركز واحد وحيد (أزلي ثابت) في فلسطين، بل يفترض وجود مراكز متغيِّرة متنوعة متساوية في الأهمية، وهو يتحدث في واقع الأمر عن أقليات يهودية مركز ديناميتها الحضارية هو البلد الذي توجد فيه، ولذا فيهود أوربا في رأيه أوربيون أولاً وأخيراً ولا وجود لهم خارج تراثهم الأوربي. وإذا أصرَّ دبنوف بعد كل هذا علي أن هذا البلد هو مركز كل الأقليات اليهودية، فإن هذا من قبيل اختلاط الخطاب. كما أن دراسته التاريخية ليهود روسيا وبولندا لم تركز قط علي تبعيتهم في مرحلة من المراحل ليهود الأندلس أو فرنسا، ولم تُبيِّن كيف تولوا قيادة كل الأقليات اليهودية في العالم، ذلك لأنها دراسة في أوضاعهم ومؤسساتهم الثقافية والإدارية التي لا يمكن فهمها إلا في إطارها
стр. 7471
السلافي الشرق أوربي. كما أن الحلول التي يطرحها لمسألة يهود شرق أوربا اليديشية لا تنبع من فكرة القومية اليهودية العامة، وإنما من فكرة القومية اليديشية الشرق أوربية. ولذا، فهو حينما يرفض اندماج اليهود، فإنه لا يفعل ذلك باسم جوهر يهودي عالمي أزلي وإنما باسم هوية يديشية متعينة توجد في الزمان والمكان. ومن هنا، فإنه يرفض فكرة الدولة اليهودية المستقلة، كما يرفض إحياء اللغة العبرية (لغة الهوية اليهودية العالمية المزعومة) ويطالب بدلاً من ذلك بإحياء اليديشية (لغة يهود شرق أوربا) لأنها اللغة التي عرفوها، وبأن يحقق يهود اليديشية هويتهم الخاصة من خلال إطار الدولة متعددة القوميات.
وتتجلَّي دقة مستوي التحليل لدي دبنوف، وتخليه عن فكرة اليهودية العالمية، في تحليله وضع اليهود في عصره. لقد لاحظ تفكك الجماعات اليهودية في أوربا وروسيا بالذات، ولاحظ الهجرة اليهودية المتجهة إلي الولايات المتحدة وإلي غيرها من الدول، كما لاحظ أخيراً معدلات الاندماج المرتفعة. ولكل هذا فإنه تنبأ بأن يهود اليديشية سيتحولون إلي يهود روس، ومعظم يهود العالم سينتقلون إلي الولايات المتحدة، حيث سيكون بوسعهم تطوير شخصيتهم اليهودية الأمريكية في الدياسبورا الجديدة، لأن مجتمع الولايات المتحدة مجتمع أقليات مهاجرة لكل منها تراثها الحضاري الخاص بها والمستقل عن التراث الحضاري المشترك للأمة الجديدة.
стр. 7472
ورغم الدينامية الهستيرية التي تتصف بها الصهيونية وتنظيماتها العديدة، فإن التطور التاريخي أثبت زيف الأطروحات الصهيونية وصدق تحليلات دبنوف. وقد كان دبنوف واعياً تماماً بهذا، ولذا فقد وصف الصهيونية بأنها "مجرد صيغة مُجدَّدة لعقيدة انتظار الماشيَّح نُقلت من عقول القبَّاليين المنتشية إلي عقول الزعماء الصهاينة الساسيين". وقد تَبنَّي البلاشفة في روسيا (في نهاية الأمر وبعد تخبُّط لعدة سنوات) الصيغة الدبنوفية الداعية إلي البعث اليديشي فتم تأسيس مقاطعة بيروبيجان، ثم تصاعدت عملية دمج وترويس يهود اليديشية حتي تحوَّلوا إلي يهود روس. كما اتجه أكثر من ٨٥% من المهاجرين الروس، ثم السوفييت، إلي الولايات المتحدة. ولا يزال هذا هو الاتجاه الأساسي لحركة هجرة اليهود السوفييت. وبعد استقرارهم في الولايات المتحدة، نجح يهود اليديشية (لبعض الوقت) في الاندماج في مجتمعهم الجديد دون أن يفقدوا هويتهم.
ولكن حركيات المجتمعين الأمريكي والسوفيتي (والمجتمع الغربي ككل) تؤدي إلي تَصاعُد معدلات الدمج والزواج المُختلَط وانصهار واختفاء أعضاء الجماعات اليهودية. لكن دبنوف لم يتنبأ بهذا التطور الأخير، وكان من الصعب عليه أن يفعل ذلك في نهاية القرن التاسع عشر. وعلي كلٍّ، فإن إحدي السمات الأساسية في المجتمعات العلمانية الحديثة، مجتمعات ما بعد الصناعة والأيديولوجيا، هي تَصاعُد معدلات الترشيد والعلمنة التي تؤدي إلي تَساقُط الخصوصيات الدينية (بل الإنسانية) بحيث يندمج الجميع في حركة المجتمع المحكومة الآلية.
стр. 7473
وقد اشترك دبنوف بشكل نشيط في عدد من النشاطات الخاصة بالجماعة اليهودية في روسيا، فأيَّد جهود العناصر اليهودية في جمعية تنمية الثقافة في روسيا لفَتْح مدارس يهودية، وطالب بتشكيل نظام يهودي للدفاع عن الذات بعد مذابح كيشينيف التي وقعت عام ١٩٥٠، كما أيَّد المشاركة اليهودية في انتخابات عام ١٩٥٠ واشترك في العام نفسه في نشاط الجمعية من أجل الحقوق الكاملة والمتساوية للشعب اليهودي، وفي عام ١٩٠٦ أسس «حزب الشعب اليهودي» ذا التوجه القومي العضوي الذي استمر حتي عام ١٩١٨. وظل دبنوف معارضاً لحزب البوند بسبب سياسته الاشتراكية والماركسية، وذلك برغم وجود اتفاق بنيوي في الرأي. وقد وُجِّهت إليه الدعوة في بداية الثورة البلشفية للاشتراك في اللجان المختلفة لإعداد بعض المطبوعات حول المسألة اليهودية. وقد غادر دبنوف روسيا عام ١٩٢٢ واستقر في برلين. وباعتلاء هتلر السلطة، رحل دبنوف إلي ريجا (عاصمة ليتوانيا) حيث قتل علي يد شرطي ليتواني.
أهارون ليبرمان (١٨٤٩-١٨٨٠ (Aharon Lieberman
стр. 7474
كاتب روسي يهودي وُلد في ليتوانيا، تلقَّي تعليمه في إحدي المدارس التلمودية العليا (يشيفا) ، وكان من دعاة حركة الاستنارة اليهودية، كما كان عضواً في الحركات الثورية السرية في فلنا. وقد مثَّل ليبرمان (داخل حركة الاستنارة اليهودية) التيار المطالب بالجمع بين التحول الاجتماعي والاقتصادي والاحتفاظ بالانتماء القومي اليهودي متأثراً بالفكر الشعبوي الروسي، فرفض المفهوم القائل بأن التحديث ينطوي علي نفي ما هو قومي. وبرغم هجومه علي المدارس اليهودية التقليدية ومدرسيها، إلا أنه رفض محاولات القيصر نيقولا الأول الرامية إلي فَرْض نظام تعليمي روسي حديث علي الأطفال اليهود وطالب بأن ينظم أعضاء الجماعة اليهودية مدارسهم الحديثة الخاصة بهم حيث يتم تدريس اللغتين الروسية والعبرية. وقد اعتبر ليبرمان أن العبرية هي لغة اليهود القومية الحقة، أما اليديشية فما هي إلا رطانة ألمانية. وقد هاجم ليبرمان بشدة فكرة أن يتولَّي أثرياء اليهود قيادة عملية التغيير وهي الفكرة التي دعا إليها كثير من دعاة التنوير اليهود ووجَّه هجومه اللاذع للبورجوازية اليهودية.
стр. 7475
وفي عام ١٨٧٥، اضطر ليبرمان، بسبب نشاطه الثوري، إلي الفرار إلي لندن حيث انضم إلي دائرة الثوريين الروس، والتحق بواحدة من أهم المجلات الروسية الثورية في ذلك الحين (فيبريد) ، ونشر بها مقالات عديدة في الفترة بين عامي ١٨٧٥ و١٨٧٦. ورغم أن نبرته الثورية والأممية أصبحت أكثر وضوحاً وقوة، إلا أن ليبرمان ظل يؤكد الجانب الإثني (الذي يُقال له «قومي» في مصطلحه) ، وطالب بتضامن الجماهير اليهودية واعتبر أن "التاريخ اليهودي" والتعاليم اليهودية قد مهَّدت الطريق أمام اليهود ليكونوا الممثلين الطبيعيين للاشتراكية الثورية. وهذا اللجوء إلي الرموز الدينية أو التاريخية كان في الواقع من سمات الحركة الشعبوية الروسية، وكان يهدف إلي تعبئة الجماهير وكسب تأييدها للقضايا الثورية. كما طالب بضرورة إيجاد إطار تنظيمي مستقل لأعضاء الجماعة اليهودية يعمل داخل الإطار الأوسع للحركة الثورية الروسية.
стр. 7476
وقد هاجم ليبرمان المثقفين اليهود المتروِّسين بشدة، واعتبرهم نخبة منفصلة عن الجماهير اليهودية وبعيدة عن حقيقة أوضاعهم. كما اعتبر أن أكثر العناصر قدرة علي تأسيس حركة ثورية بين الجماهير اليهودية هي العناصر القريبة من هذه الجماهير والمرتبطة بعالمها، ورأي أن طلبة المدارس التلمودية العليا (اليشيفا) هم أكثر العناصر المؤهلة لهذا الدور. وهذا أيضاً أحد الأسباب التي دفعته للاهتمام باللغة العبرية باعتبارها أفضل أداة للعمل بين طلبة المعاهد التلمودية وتجنيدهم للعمل الثوري وتدريبهم لكي يصبحوا من القيادات الثورية اليهودية. وفي عام ١٨٧٦، أصدر بياناً بالروسية والعبرية مُوجَّهاً للشباب اليهودي في روسيا بشكل عام ولطلبة المدارس التلمودية العليا بشكل خاص هاجم فيه البورجوازية اليهودية وحمَّلها مسئولية الشقاء والاضطهاد اللذين تعاني منهما الجماهير اليهودية، كما ناشد المثقفين من الشباب اليهودي الانضمام للجماهير الكادحة. وبالتالي، يُعَدُّ ليبرمان من أوائل من نادوا بالعمل الدعائي الثوري بين الجماهير اليهودية الكادحة علي غرار حركة "الذهاب إلي الشعب" التي أطلقتها الحركة الشعبوية الروسية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن التاسع عشر والتي كانت مُوجَّهة لجماهير الفلاحين الروسية. وقد اتخذ ليبرمان خطوات عملية في هذا الاتجاه حينما شارك عام ١٨٧٦ في تأسيس الاتحاد الاشتراكي العبري في لندن علي أن يقوم هذا الاتحاد بتنظيم نقابة عمالية تضم العمال من المهاجرين اليهود القادمين من روسيا وشرق أوربا. إلا أن هذا المشروع لم ينجح بعد أن تَسبَّب هجوم ليبرمان علي المؤسسة الدينية اليهودية وقيادات الجماعة اليهودية في لندن في ابتعاد كثير من الجماهير العمالية عن الاتحاد. وقد أدَّي ذلك، بالإضافة للخلافات الداخلية، إلي انهيار الاتحاد في العام نفسه.
стр. 7477
وفي عام ١٨٧٧، أصدر ليبرمان جريدة باللغة العبرية لاقت قبولاً كبيراً لدي دعاة التنوير الراديكاليين، ولكنه تَعرَّض أيضاً لانتقادات حادة من جهات عدة حيث رأي البعض (داخل الدوائر الراديكالية) أن هجومه الشرس علي المؤسسة الدينية وتأييده فكرة الأممية سيؤدي إلي تباعد الجماهير اليهودية، بينما أكدت بعض الآراء الأخري أن جريدته بعيدة عن الاشتراكية وذات تَوجُّه قومي (أي صهيوني) بدليل أن ليبرمان اختار لإصدارها اللغة العبرية (لغة الأرستقراطية الدينية) بدلاً من اللغة اليديشية (لغة الجماهير الكادحة) . كما أن اقتباساته الكثيرة من التراث الديني اليهودي في كتابة مقالاته دليل آخر علي هذه النزعة المتعالية. وقد أغلقت الجريدة، قبل صدور العدد الرابع، نتيجة المشاكل المالية وتزايد الانتقادات لها من جميع الجهات.
وفي عام ١٨٧٨، أُلقي القبض علي ليبرمان في فيينا بتهمة الإقامة في البلاد تحت اسم مستعار ورُحِّل إلي خارج البلد. ثم أُلقي القبض عليه مرة أخري في ألمانيا (عام ١٨٧٩ حيث حُوكم بتهمة المشاركة في تأسيس منظمة سرية وسُجن لمدة تسعة أشهر. وفي عام ١٨٨٠، انتقل إلي لندن مرة أخري. وقد راودته في هذه الفترة فكرة الانضمام إلي منظمة إرادة الشعب الإرهابية ولكنه لم يُقدم علي ذلك نظراً لشكوكه حول مدي التزامها بمبدأ الثورة الاشتراكية التي ستتخطي المرحلة البورجوازية.
وفي تلك الآونة، ارتبط ليبرمان عاطفياً بسيدة متزوجة لم تبادله المشاعر نفسها، وسافر وراءها إلي الولايات المتحدة حيث مات منتحراً عام ١٨٨٠ بعد أن أطلق الرصاص علي نفسه أثناء زيارته لها في منزلها.
стр. 7478
ورغم تأكيد ليبرمان أهمية اللغة العبرية قياساً إلي اللغة اليديشية، إلا أن كثيراً مما طرحه مهَّد الطريق أمام بلورة الأساس الفكري لحزب البوند فيما بعد. ومع هذا، يمكن القول بأن تأرجحه بين اللغة العبرية من جهة والتوجه إلي الجماهير اليديشية من جهة أخري هو تعبير عن أحد التناقضات الأساسية الكامنة في حركة الاستنارة (بين النزعة الاندماجية الثورية والنزعة القومية الانعزالية، أي الصهيونية) وربما لو عاش ليبرمان مدة أطول لحسم التناقض لصالح أحد الطرفين.
حاييم جيتلوسكي (١٨٦٥-١٩٤٣ (Hayyim Zhitlowsky
стр. 7479
كاتب يهودي كان يكتب باليديشية والروسية، وهو من كبار مفكري ما يُسمَّي «قومية الدياسبورا» . وُلد في روسيا، وتلقي تعليماً علمانياً، ثم انخرط في سن مبكرة في الحركات الاشتراكية والثورية الروسية. وقد ظل جيتلوسكي بعيداً عن أي اهتمام خاص بأوضاع الجماعات اليهودية في روسيا إلي أن تدهورت أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية بشكل حاد في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، مع تعثُّر التحديث في روسيا وتزايد الاضطهاد الموجَّه ضدهم (وضد غيرهم من الأقليات) فيما أصبح يُعرَف باسم «المسألة اليهودية» . وقد دفعه ذلك إلي البحث عن حلول لهذه المسألة وإلي إيجاد صيغة تجمع بين الاشتراكية والخصوصية القومية. وبعد أن كان جيتلوسكي يري في الاندماج حلاًّ لمشاكل يهود روسيا، أصبح رافضاً له. وقد احتك بحركة أحباء صهيون وتأثر بها، ولكنه لم يقبل الحل الصهيوني، وأصدر عام ١٨٨٧ دراسة بالروسية عنوانها أفكار حول المصير التاريخي لليهودية تضمنت نقداً كاملاً للرؤية الصهيونية للتاريخ. وقد ذهب جيتلوسكي في هذه الدراسة إلي أن اليهود تحولوا، بعد سقوط الهيكل عام ٧٠م، من أمة تناضل من أجل العدل الاجتماعي والقيم الإنسانية العليا إلي أمة من الوسطاء والطفيليين تستغل عمل الآخرين. وفي حين أن جيتلوسكي كان يري أن الاندماج حل طبيعي بالنسبة إلي يهود الغرب (غرب أوربا ووسطها) ، فإنه كان يري أن الأمر مختلف بالنسبة إلي أعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا (روسيا وبولندا بالأساس) فهم يشكلون قومية شرق أوربية لغتها اليديشية (قومية يديشية) ، وتتحدد هويتها علي هذا الأساس الإثني المحلي الروسي، أي أنها أقلية قومية ضمن الشعوب والأقليات القومية في روسيا القيصرية. ومن هنا، كان جيتلوسكي مؤمناً بأن البعث القومي اليهودي ممكن في «الدياسبورا» أو «الشتات» داخل إطار اشتراكي.
стр. 7480
وقد قوبلت دراسة جيتلوسكي بالهجوم الشديد من قبَل دبنوف رغم اتفاقهما في المنطلقات. كما اتهمته الصحافة، وخصوصاً المكتوبة بالعبرية، بمعاداة اليهود.
وفي عام ١٨٨٨، انتقل جيتلوسكي إلي برلين ثم إلي زيوريخ وبرن حيث حصل علي درجة الدكتوراه عام ١٨٩٢، وأصدر في العام نفسه كتابه من يهودي إلي اليهود يناشد فيه المفكرين والقادة اليهود أن يتحالفوا مع الجماهير ليحلوا مشاكلهم الاقتصادية علي أساس ثوري. ودعا إلي إعادة توطين اليهود في الأرض وإلي اشتغالهم بالزراعة، فهذا الإجراء "سيضع نهاية لانحطاطهم الأخلاقي الناتج عن اشتغالهم بالتجارة" علي حد قوله. كما طالب بأن يسعي أعضاء الجماعة اليهودية لا إلي تحقيق المساواة في مجال الحقوق المدنية وحسب ولكن أيضاً إلي تحقيق المساواة في مجال ما سماه "حقوقهم القومية"، أي حقوقهم كأقلية قومية.
وقد ساهم جيتلوسكي في تأسيس الحزب الاشتراكي الثوري الروسي في المنفي عام ١٨٩٣، وشارك في تحرير جريدته، كما أسَّس اتحاداً يهودياً اشتراكياً يُصدر مطبوعاته باليديشية.
وكتب دراسة عام ١٨٩٧ بعنوان لماذا اليديشية؟ نشرت عام ١٩٠٠ أكد فيها ضرورة أن تكون اليديشية اللغة القومية لأعضاء الجماعات اليهودية. وقد أكد هذا الرأي أثناء حضوره المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) . وقد رفض جيتلوسكي الصهيونية باعتبارها حركة برجوازية رجعية ذات ارتباط وثيق بالتيارات الدينية الأرثوذكسية وبأثرياء اليهود. وبعد انضمامه لحزب البوند عام ١٨٩٨، كتب مقالاً في صحيفة تحت عنوان "الصهيونية أم الاشتراكية؟ " أكد فيه أن الاشتراكية هي الإطار الأمثل الذي تستطيع الجماعة اليهودية من خلاله تحقيق ذاتيتها واستقلالها الثقافي والحضاري كأقلية قومية في ظل دولة متعددة القوميات. وبعد مذابح كيشينيف في روسيا (عام ١٩٠٣) ، نادي جيتلوسكي بضرورة وجود مركز إقليمي.
стр. 7481
وفي زيارته الأولي للولايات المتحدة (عام ١٩٠٤) ، شارك في تحرير جريدة داس فولك الإقليمية. وفي سلسلة من المحاضرات، هاجم جيتلوسكي فكرة بوتقة الانصهار (أي أن ينصهر كل المهاجرين إلي الولايات المتحدة في بوتقة قومية واحدة) ، ودعا إلي ضرورة أن يحتفظ المهاجرون اليهود وغيرهم من الأقليات المهاجرة إلي الولايات المتحدة بتراثهم الحضاري الخاص في إطار مجتمع متعدد القوميات. وأكد أن اللغة أساس الحياة الثقافية لأي شعب، وبالتالي فإن الحفاظ علي اللغة والثقافة اليديشية سيحمي اليهود من الاندماج، ولن يهدد تخليهم عن العقيدة الدينية بقاءهم واستمرارهم القومي.
وعاد جيتلوسكي إلي أوربا عام ١٩٠٦ ورشح نفسه للانتخابات في روسيا وانتُخب بالفعل، لكن الحكومة ألغت انتخابه بسبب نشاطه الثوري. وفي عام ١٩٠٨، ترأس جيتلوسكي مؤتمر تشيرنوفتس اليديشي. وفي العام نفسه، عاد مرة أخري إلي الولايات المتحدة حيث استقر بشكل دائم في نيويورك، وقام بتحرير مجلة شهرية عبَّر فيها عن آرائه. كما انضم إلي دائرة العمال بهدف نشر تعليم اللغة اليديشية بين العمال اليهود.
وفي عام ١٩١٤، ذهب إلي فلسطين، لكنه تركها بعد شهرين بعد أن وجد هناك معارضة شديدة لليديشية. غير أنه تأثر بحركة عمال صهيون وانضم إليها عام ١٩١٧، كما شارك في الحملة الرامية لإقامة الفيلق اليهودي خلال الحرب العالمية الأولي وفي تجنيد المتطوعين له. ولكنه عاد ليرفض الصهيونية تماماً في أعقاب الانتفاضة العربية عام ١٩٢٩.
وبرغم انتقاده للماركسية والبلشفية، اتجه جيتلوسكي إلي التقارب مع الدولة السوفيتية في أعقاب صعود النازية في ألمانيا، ودافع عن محاكمات موسكو عام ١٩٣٦.
وقد أيَّد جيتلوسكي تأسيس إقليم بيروبيجان في الاتحاد السوفيتي كتجسيد لفكرة الإقليم اليهودي الذي يتيح للجماهير اليهودية التعبير عن ثقافتهم وتقاليدهم الخاصة في إطار قومي ومحتوي اشتراكي.
جيكوب نيوزنر (١٩٣٢-)
Jcob Neusner
стр. 7482
عالم ومؤرخ أمريكي يهودي تلقَّي تعليمه في كلية اللاهوت اليهودية (المحافظة) ، ودرس في جامعة كولومبيا وجامعة براون. من أهم مؤلفاته كتاب تاريخ اليهود في بابل (خمسة أجزاء، ١٩٦٥ ـ ١٩٧٠) والتقاليد الحاخامية عند الفريسيين (١٩٧١) ، واليهودية في عصر علماني (١٩٧٠) . وله دراسات مهمة في التلمود. ويُعَدُّ من أهم علماء التلمود في العصر الحديث.
ويُعَدُّ نيوزنر من أهم المفكرين الأمريكيين اليهود الذين يدافعون عن الوجود اليهودي خارج فلسطين (فيما يُسمَّي «قومية الدياسبورا» ) ، ولذا فهو يرفض المفهوم الصهيوني لإسرائيل باعتبارها المركز الروحي ليهود العالم. وينطلق نيوزنر من تعريفين للشعب اليهودي أحدهما ديني وثقافي والآخر سياسي وقومي. وهو يري أن الدولة اليهودية قد يكون لها مركزية في حياة اليهود (الزمنية التاريخية) ، ولكنها لا مركزية لها في حياة اليهود المتعينة كأناس "يعيشون ويعانون، يولدون ويموتون، يفكرون ويشكون، يربون أطفالهم ويقلقون عليهم، يحيون ويعملون. فما دام اليهود بشراً يعيشون في ظل ظروف إنسانية مستقلة، فلا الصهيونية ولا دولة إسرائيل يمكنها أن تكون محور حياتهم". كما أكد الحاخام نيوزنر أن الصهيونية ليس لديها ما تقوله بالنسبة لقضايا الحياة الثابتة الخالدة، لأنها (أي الصهيونية) لم تثر قط مشكلة الوجود اليهودي كما عبَّرت عنها اليهودية.
стр. 7483
ورفض الحاخام نيوزنر الصهيونية في كتابه المعنون اليهودية الأمريكية (١٩٧٢) عميق للغاية إذ يري أن الصهيونية أخذت تصبح تدريجياً بديلاً زائفاً عن الدين اليهودي، فاستولت علي الخطاب الديني اليهودي وعلي رموز اليهودية الدينية، ولذا يعتقد الكثيرون أن الصهيونية واليهودية هما شيء واحد. ونتيجة هذا، يفشل كثير من يهود أمريكا في ممارسة أي نوع من أنواع التسامي الديني والتجاوز الروحي للعالم المادي، ذلك لأنهم يركزون كل اهتمامهم علي قطعة أرض لا يعيشون فيها.... وثمة فارق شاسع بين أن يحلم المرء بأرض توجد في السماء في نهاية الزمان وأن يحلم ببلد بعيدة كل ما فيها خير "ولكن، مع هذا، بإمكان الإنسان أن يذهب إليها إن أراد"، أي أن صهيون بالنسبة ليهود أمريكا لم تَعُد حلماً دينياً وإنما أصبحت تذكرة ذهاب وعودة إلي إسرائيل لمدة أسبوعين.
ويبدو أن حدة رفض نيوزنر للفكرة الصهيونية عن مركزية إسرائيل آخذة في التزايد كما يتضح في مقاله الغاضب المنشور في الواشنطن بوست في١٠/٣/١٩٨٧ بعد وقوع فضيحة بولارد، فقد أكد بلا مواربة أن الوقت قد حان للقول "إن أمريكا أفضل من القدس بالنسبة لليهود، وإن كانت هناك أرض ميعاد فإن اليهود الأمريكيين يعيشون فيها ويشعرون بالسلام والأمن علي نحو لا يمكن أن يُتاح لهم في إسرائيل.
فاليهود في الولايات المتحدة طائفة مقبولة تجري مع التيار الرئيسي للحياة الأمريكية، وينتمي سبعة أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي، أي ٧% من أعضاء المجلس لطائفة تشكل ٢% من مجموع السكان". لكل ذلك، دعا نيوزنر الجميع لطي المسألة وتساءل: "أين يفضل أن يعيش اليهودي؟ " والسؤال خطابي استنكاري. فالمقال يقرِّر بما لا يدع مجالاً للشك أن اليهودي الأمريكي يعيش حياة يهودية كاملة في الولايات المتحدة، وأن الدولة اليهودية لا تشكل مركزاً روحياً بالنسبة له.
стр. 7484
ورغم هذا الموقف الحاد، فإن نيوزنر يُسمِّي نفسه صهيونياً، ولا ندري بأي معني من المعاني يمكن أن يهاجم مفكر المفاهيم الصهيونية الأساسية بهذه الحدة ويستمر في تسمية نفسه صهيونياً. ولكن رؤية قومية الدياسبورا أو ما نسميه نحن «الصهيونية التوطينية» ، مثلها مثل الرؤية الاندماجية، قد تم استيعابها هي الأخري داخل إطار صهيونية الدياسبورا، وهذا ما كان يعنيه الحاخام نيوزنر نفسه حينما تحدَّث عن مركزية الدولة الصهيونية في الحياة السياسية لليهود وحسب، وهامشيتها في حياتهم الروحية أو الحقيقية، فهو بذلك قد قسَّم حياة اليهود والشتات إلي قسمين: قسم سطحي «صهيوني» يعبِّر عن نفسه من خلال دفع التبرعات والضغط السياسي. والقسم الآخر، وهو الكيان اليهودي الحقيقي، ويقع خارج نطاق الرؤية الصهيونية ويشمل حياة اليهودي في معظم أبعادها.
ويمكننا أن نقول إن الرؤية السائدة في وجدان معظم يهود العالم هي هذه الصهيونية التوطينية التي تأخذ شكل سلوك سياسي سطحي صهيوني، وسلوك حياتي عميق لا علاقة له بالصهيونية، وبالتالي بإمكان يهودي من نيويورك أن يذهب للاجتماعات الصهيونية المختلفة وأن يرفع علم إسرائيل علي سيارته ويرسل شيكه إلي الجباية اليهودية الموحَّدة وأن يضع نجمة داود في سترته ويرسل خطاباً لممثله في الكونجرس الأمريكي يطلب منه أن يتخذ موقفاً ممالئاً لإسرائيل (وهذا هو الجانب السياسي من حياته) ، ولكنه في الوقت نفسه يندمج في مجتمعه الأمريكي اندماجاً كاملاً ويتبنَّي المُثُل الأمريكية ويركب السيارة الفارهة ويعيش في الضواحي، كما يمكنه أن يُطوِّر هويته (الأمريكية) اليهودية داخل إطار الحضارة الأمريكية نفسها فيدرس العبرية أو اليديشية. وإن كان كاتباً، فإنه يكتب قصة أو قصيدة أمريكية ذات ملامح يهودية أمريكية محددة دون أن تكون للصهيونية أية مرجعية في حياته.
أ. ف. ستون (١٩٠٧-١٩٨٩ (I. F. Stone
стр. 7485
كاتب وصحفي أمريكي يهودي، عمل صحفياً ومراسلاً لعدد من المجلات والصحف الأمريكية منذ عام ١٩٢٢ ودرس الفلسفة في جامعة بنسلفانيا.
ويُعَدُّ ستون من المؤمنين بأن الجماعات اليهودية خارج فلسطين لها تراثها وهويتها وإسهاماتها الحضارية وبوجوب الحفاظ علي هذا الوضع وتدعيمه. وهو ينظر نظرة قاتمة إلي ما يسميه قومية ليليبوت (بلاد الأقزام في رواية مغامرات جلفر) ويعني بها إسرائيل (أو الصهيونية) ، وهي قومية ضيقة الأفق إذا ما قورنت بما يسميه «قومية الشتات» بنظرتها العالمية (و «قومية الشتات» في مصطلحنا هي عبارة عن الانتماءات الثقافية والإثنية المختلفة لأعضاء الجماعات اليهودية والتي تختلف باختلاف الزمان والمكان) . ويؤكد ستون أن القومية الأولي ثمرة الاهتمام الضيق بالمصلحة القَبَلية، أما الثانية فتنبع من رؤية إنسانية. وقد ألقَي ستون نظرة شاملة علي منجزات الشتات (أي أعضاء الجماعات اليهودية في العالم) ، فوجد أن الفترات التي ازدهرت فيها حياة اليهود مرتبطة بحضارات ذات رؤية تعددية، سواء في الفترة الهيلينية (في الإسكندرية) ، أو الفترة التي سادت فيها الحضارة العربية في الأندلس (وشمال أفريقيا) ، أو في العصر الحديث في غرب أوربا والولايات المتحدة. وهو يري أن ازدهار حياة اليهود في الشتات وإسهاماتهم الحضارية ظاهرة إيجابية جديرة بالحفاظ عليها وتدعيمها. ولذلك، فبدلاً من المطالبة بتصفية الوجود اليهودي في الاتحاد السوفيتي أو تهجير اليهود إلي أرض الميعاد، وبدلاً من التهييج ضد الاتحاد السوفيتي، يقترح حث الاتحاد السوفيتي علي القضاء علي معاداة اليهود وعلي مَنْح اليهود السوفييت الحقوق الخاصة بالاستقلال وحرية التعبير التي يمنحها لغيرهم من الأقليات المختلفة. ويؤكد ستون أن الصهاينة لم يتفقوا معه في المنهج لأن الصهيونية تزدهر مع الكوارث اليهودية، فبدون هذه الكوارث لن تقوم لها قائمة. ثم يهاجم ستون الدولة الصهيونية لاضطهادها
الفلسطينيين وإنكارها حقوقهم. ومن أهم مؤلفات ستون كتاب محاكمة سقراط.
стр. 7486
الباب الثالث: الرفض اليهودي للصهيونية
الرفض اليهودي للصهيونية والتوحد الكامل معها
Jewish Rejection of Zionism and Total Identification with It
«الرفض اليهودي للصهيونية» هو المقابل العربي للمصطلح الإنجليزي «جويش أنتي زايونيزم Jewish Anti-Zionism» ، وهو مصطلح أساسي، فعن طريقه يمكننا أن نُصنِّف هؤلاء اليهود الذين يرفضون الصهيونية قلباً وقالباً بشكل جوهري ومبدئي. ولكن ثمة نقطة قصور أساسية في المصطلح وهو أنه يفترض أن اليهود ينقسمون إما إلى صهاينة أو رافضين لها، أي أنه يقودنا إلى ضرب من الثنائيات المتعارضة البسيطة، والتي تفصلنا ببساطتها عن الواقع. ولذا قد يكون من الأفضل أن نتجاوز هذه الثنائيات فندرك الواقع من خلال مقولات ومصطلحات تحليلية وتصنيفية أكثر دقة وتركيبية.
ويمكننا إنجاز هذا لو نظرنا إلى الرفض اليهودي للصهيونية باعتباره يُشكِّل أحد أطراف مُتصَل مستمر طرفه الآخر هو القبول اليهودي غير المتحفظ للصهيونية والتعاطف بل التوحد الكامل بها وتوجد بين الطرفين المتعارضين ظلال كثيرة. وإذا كان رافضو الصهيونية أقلية والمدافعون عنها أقلية، فأغلبية يهود العالم الساحقة توجد بينهما. فهناك «عدم الاكتراث اليهودي بالصهيونية» وهناك «التملص» منها وهناك «الصهيونية النفعية» وهكذا.
و «الرفض اليهودي للصهيونية» هو عكس «التعاطف اليهودي مع الصهيونية» . أما «التملص اليهودي» من الصهيونية أو «عدم الاكتراث اليهودي» بها، فهما أشكال إما مخففة أو كامنة من الرفض اليهودي. وهذا الرفض يستند إلى أساسين: أساس علماني (ليبرالي أو اشتراكي أو إثني) أو أساس ديني.
стр. 7487
وتاريخ الرفض اليهودي للصهيونية يبدأ مع تاريخ الصهيونية نفسها. وقد جاء في موسوعة الصهيونية وإسرائيل أن المنظمات اليهودية الرئيسية "كافة" قد اتخذت من الصهيونية موقفاً معارضاً أو موقفاً غير صهيوني (أي غير مكترث) . وقد دفعت المعارضة اليهودية القيادة الصهيونية لنقل مقر انعقاد المؤتمر الأول (١٨٩٧) من ميونخ إلى بازل. وأعلنت اللجنة التنفيذية لمجلس الحاخامات في ألمانيا، عشية انعقاد المؤتمر، اعتراضها على الصهيونية على أساس أن فكرة الدولة اليهودية تتعارض مع عقيدة الخلاص اليهودية. كما اتخذت المنظمتان اليهوديتان الرئيسيتان في إنجلترا (مجلس مندوبي اليهود البريطانيين، والهيئة اليهودية الإنجليزية) مواقف مماثلة. وأعرب مؤتمر الحاخامات الأمريكيين المركزي عن معارضته التفسير الصهيوني لليهودية باعتبار أن الصهيونية تؤكد الانتماء القومي. وعارض حاخام فيينا (مسقط رأس هرتزل) فكرة إنشاء دولة يهودية لأنها فكرة معادية لليهود وتُرجع كل شيء إلى العرْق والقومية. وقد تبنت اللجنة اليهودية الأمريكية موقفاً مناهضاً للصهيونية عام ١٩٠٦، ثم انتهجت نهجاً غير صهيوني استمر حتى أواخر عام ١٩٤٠. وعندما صدر وعد بلفور أعلن ٢٩٩ يهودياً أمريكياً رفضهم في الحال، في عريضة موجهة إلى الحكومة الأمريكية، وقعوا عليها، على أساس أن ذلك يروج لمفهوم الولاء المزدوج. وفي ٤ مارس سنة ١٩١٩، بعث جوليوس كان، عضو الكونجرس الأمريكي عن كاليفورنيا، ومعه ٣٠ يهودياً أمريكياً بارزاً، رسالة إلى الرئيس وودرو ويلسون يحتجون فيها على فكرة الدولة اليهودية. وأعرب أكثر الموقعين على هذا الاحتجاج عن أنهم يعبِّرون عن رأي أغلبية اليهود الأمريكيين، وكتبوا يقولون: إن إعلان فلسطين وطناً قومياً لليهود سيكون جريمة في حق الرؤى العالمية لأنبياء اليهود وقادتهم العظماء. واستطرد البيان يقول: إن دولة يهودية لابد أن تضع قيوداً أساسية (على غير اليهود) فيما يتعلق بالجنس،
стр. 7488
وأكد أن توحيد الكنيسة والدولة في أية صورة سيكون بمنزلة قفزة إلى الوراء تعود إلى ألفي عام. وأعرب جوليوس كان وغيره (ممن وقعوا على الاحتجاج) عن أملهم في أن ما كان يُعرَف في الماضي بالأرض الموعودة يجب أن يصبح أرض الوعد لكل الأجناس والعقائد.
وكما أن مصطلح «صهيونية» مصطلح مختلط الدلالة، فإن مصطلح «رفض الصهيونية» أو العداء لها يتسم بالصفة نفسها:
١ ـ ففي بعض الأحيان، يُطلَق على اليهودي الذي يقف ضد التوسعية الصهيونية أو ضد قمع الدولة الصهيونية للفلسطينيين مصطلح «معاد للصهيونية» .
٢ ـ ويُستخدَم المصطلح نفسه للإشارة لنعوم تشومسكي الذي قرر أن السياسات الإسرائيلية والصهيونية ليستا بالضرورة مترادفتين، ومن ثم يستطيع أي يهودي أن يشجب السياسات الإسرائيلية والتصدي لها دون أن يتخذ موقفاً معادياً للصهيونية بالضرورة، ومع هذا صُنِّف تشومسكي معادياً للصهيونية رافضاً لها.
٣ ـ أما ألان سولومونوف، وهو شخصية أمريكية يهودية شهيرة، فيطالب إسرائيل بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وأن تنشئ دولتين، واحدة فلسطينية والأخرى إسرائيلية، ولكنه رفض أن يتم تطبيق اصطلاح «صهيوني» أو «معاد للصهيونية» عليه. بينما نجد أن إدموند هاناور (مؤسس جماعة سيرش) يطالب بالمطالب نفسها، ويُسمِّي نفسه مع هذا «معادياً للصهيونية» .
٤ ـ يرى الصهاينة أن العداء اليهودي للصهيونية إنما هو شكل من أشكال كُره اليهودي لنفسه.
ونحن نذهب إلى أن اليهودي الذي يرفض الصهيونية هو اليهودي الذي يرفض الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
والرفض اليهودي للصهيونية ينقسم إلى قسمين أساسيين: ديني وعلماني:
١ ـ الرفض الديني:
стр. 7489
أ) الرفض الأرثوذكسي: يرى بعض اليهود الأرثوذكس ورثة اليهودية الحاخامية (انطلاقاً من رؤيتهم الدينية) أن العودة إلى أرض الميعاد لا يمكن أن تتم إلا بعد ظهور الماشيَّح المخلِّص في آخر الأيام على أن يقوم هو بقيادة شعبه اليهودي. وبناءً على ذلك، تكون الحركة الصهيونية، بمحاولتها اتخاذ خطوات عملية (مادية علمانية) لإقامة وطن قومي يهودي، إنما تدخل في أخص خصوصيات الإرادة الإلهية، أي أنها نوع من التجديف والهرطقة، وتأسيس أية دولة علمانية في فلسطين على يد اليهود هو خرق للتعاليم التوراتية. إن الشعب اليهودي ليس شعباً مثل كل الشعوب وإنما هو أمة من الكهنة، كما أن العهد المبرم بينهم وبين الرب عهد ديني من نوع خاص وليس عهداً قومياً كما يتخيل الصهاينة. ويرى هؤلاء الأرثوذكس ضرورة الإبقاء على اليديشية لغةً للتعامل اليومي، فالعبرية هي اللسان المقدَّس. وقد قامت جماعة أجودات إسرائيل بالوقوف في وجه الصهيونية. ومن أهم الشخصيات الأرثوذكسية المعارضة، جيكوب دي هان وناثان بيرنباوم. لكن التيار الصهيوني، اكتسح جماعة أجودات إسرائيل، شأنها شأن كثير من الجماعات الدينية اليهودية، ولم يبق الآن من ممثلي هذا التيار سوى نواطير المدينة وجماعات أخرى متفرقة في أنحاء العالم.
ب) الرفض الإصلاحي:
تَصدُر اليهودية الإصلاحية عن شكل جديد من أشكال الحلولية، وهو ما نسميه «حلولية شحوب الإله» إذ يرون أن الإله قد حل لا في الأمة اليهودية ولا في الأرض اليهودية ولا حتى في التاريخ اليهودي وإنما في روح التقدم والعصر، ولذا فهم يرون أن اليهود ليسوا شعباً وإنما أقليات دينية، وأن الماشيَّح ليس شخصاً وإنما عصر مشيحاني تتحقق فيه كل قيم التقدم والعدالة وهو ليس مقصوراً على اليهود وحدهم. ولذا، فإن اليهودية الإصلاحية تقف ضد الصهيونية بشراسة لأن الصهيونية تصر على أن موضع الحلول هو الشعب اليهودي والأرض.
стр. 7490
ومن أهم الشخصيات اليهودية المعادية للصهيونية على أساس إصلاحي، كلود مونتفيوري، والحاخام إلمر برجر. وقد حدث تغيُّر جوهري على اليهودية الإصلاحية، إذ اكتسحها التيار الصهيوني، وتمت صهينتها من الداخل، وأصبحت مُمثَّلة في المنظمة الصهيونية العالمية. كما تم تعديل كتاب الصلوات الإصلاحي بحيث أصبح يضم إشارات وعبارات صهيونية.
وكان دعاة اليهودية المحافظة في بداية الأمر من رافضي الصهيونية. وبسبب تَماثُل بنيتها وبنية الصهيونية (الشعب مركز الحلول) ، تمت صهينة اليهودية المحافظة تماماً وبسرعة، وتشبهها في ذلك اليهودية التجديدية.
٢ ـ الرفض العلماني.
أ) الرفض الليبرالي: يؤمن الليبراليون بمُثُل عصر الاستنارة، ووجوب فصل الدين عن الدولة، وأن اليهود ليسوا شعباً وإنما أقلية دينية، وأنهم ليسوا أمة من الكهنة وإنما مواطنون عاديون يتجه ولاؤهم إلى الدولة التي يعيشون فيها، وأن اليهود ليس لهم تاريخ مستقل وإنما يشاركون الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها تجاربهم التاريخية. فتاريخهم فرنسي في فرنسا، وإنجليزي في إنجلترا، واللغة التي يجب أن يتحدثوا بها هي لغة الوطن الذي يعيشون فيه. وعلى هذا، فإن حل المسألة اليهودية لن يتأتى إلا عن طريق مزيد من الاندماج. بل إنهم يعتبرون الحركة الصهيونية عقبة كأداء تقف في طريق الاندماج السوي. ومعظم الذين يشكِّلون هذا التيار هم من أعضاء الطبقات الوسطى في أوربا الغربية والولايات المتحدة والذين لم يجدوا صعوبة اقتصادية أو حضارية في الاندماج. ومن أهم الرافضين للصهيونية على أساس ليبرالي إدوين مونتاجو وهانز كون وموريس كوهين.
стр. 7491
وقد تسبَّب إعلان دولة إسرائيل وصداقتها للعالم الغربي الرأسمالي في تَساقُط الجمعيات التي تعبِّر عن هذا الاتجاه، ولم يبق منها سوى جمعيات متفرقة مثل المجلس الأمريكي لليهودية، الذي يخضع الآن بعض الشيء للنفوذ الصهيوني، وهو ما اضطر الحاخام برجر للاستقالة منه وتكوين جمعية صغيرة مستقلة تحت اسم «بديل يهودي للصهيونية» .
ب) الرفض الاشتراكي: يَصدُر الرفض الاشتراكي اليهودي للصهيونية عن تَصوُّر أن اليهود أقلية دينية وأن ما يسري على كل الأقليات يسري عليهم، وأن حل المسألة اليهودية يكون عن طريق حل المشاكل الاجتماعية والطبقية للمجتمع ككل. وقد كان هذا هو الحل الأكثر شيوعاً بين صفوف الشباب اليهودي في روسيا وبولندا وبين صفوف العمال اليهود، الأمر الذي جعل الوجود اليهودي في صفوف الحركات الثورية في شرق أوربا وروسيا أمراً ملحوظاً (وقد أفزع هذا أثرياء اليهود في الغرب أمثال روتشيلد، فساهموا في تمويل الحركة الصهيونية ليحولوا الشباب والعمال عن طريق الثورة) . وقد هُزم هذا التيار في الأربعينيات والخمسينيات بعد ظهور دولة إسرائيل، لكنه بدأ في الظهور مرة أخرى في الغرب خصوصاً بعد أن ظهرت بوضوح الطبيعة الاستعمارية للدولة الصهيونية. ويُلاحَظ أن قطاعات كثيرة من اليسار الجديد في الغرب تعادي إسرائيل رغم (أو بسبب) وجود كثير من الشباب اليهودي الساخط على قيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي الذي تمثله الدولة الصهيونية في العالم الثالث.
وقد ضم تيار الرفض الاشتراكي اليهودي للصهيونية عبر السنين عدداً كبيراً من المفكرين اليهود البارزين، مثل: روزا لوكسمبرج وليون تروتسكي وإليا إهرنبورج وكارل كاوتسكي. وفي السنوات الأخيرة، ضمت القائمة ماكسيم رودنسون وإسحق دويتشر وبرونو كرايسكي. ولا يزال عدد كبير من المنظمات اليسارية في أوربا والولايات المتحدة، التي تضم في صفوفها أعداداً كبيرة من اليهود، تنتهج موقفاً مناهضاً للصهيونية والاستعمار.
стр. 7492
جـ) الرفض من منظور قومية الدياسبورا: يرفض دعاة قومية الدياسبورا الصهيونية لأنهم يرون أن اليهود يُكوِّنون أقليات قومية لها هويات مستقلة خارج فلسطين. وحين يتحدث دعاة قومية الدياسبورا عن اليهود، فهم يشيرون لا إلى أقلية قومية أو حتى إلى أمة قومية، ولكنهم في واقع الأمر يشيرون إلى أقلية إثنية. وحيث إن معظم دعاة هذا الاتجاه كانوا يتحدثون باسم غالبية يهود العالم، وهم يهود اليديشية، فإنهم يتحدثون في العادة عن القومية اليديشية التي تكونت هوية أعضائها تحت ظروف خاصة.
ولكن، إلى جانب هذا التيار، بدأ يظهر تيار مماثل بين يهود أمريكا يرى أن هويتهم الحقيقية هي هوية أمريكية يهودية تستحق الحفاظ عليها، ومن ثم ينبغي عدم تصفيتها أو إخضاعها للدولة الصهيونية.
د) وهناك أخيراً حبيب شيفر الذي يرفض الصهيونية باعتبارها مؤامرة شيوعية وعلى أساس أن الدولة الصهيونية هي أداة في يد الاتحاد السوفيتي لتخريب العالم الحر. وغني عن القول أن مثل هذه الدعاوى قد تهاوت تماماً في الوقت الحاضر.
هذه هي التيارات الأساسية في الرفض اليهودي للصهيونية. ويمكن القول من ناحية التطور التاريخي بأن العداء اليهودي للصهيونية كان قوياً للغاية حتى إعلان وعد بلفور، حين تم توقيع عقد بين الحضارة الغربية والصهاينة الذين ادعوا تمثيل الشعب اليهودي، وقد أُزيل بالتالي احتمال ازدواج الولاء. ومع إعلان الدولة الصهيونية دولة وظيفية في خدمة الاستعمار الغربي، أصبح من العبث معارضتها بل أصبح من المنطقي تبنِّي العقيدة الصهيونية باعتبارها العقيدة التي تُدخل اليهود في نطاق الحضارة الغربية وتُوظِّفهم لصالحها، وهذا ما حدث لمعظم يهود العالم الغربي ومنظماتهم. لكن المقاومة اليهودية للصهيونية، مع هذا، لم تنته تماماً، فقد بدأت تظهر شخصيات وتنظيمات جديدة معارضة للصهيونية أو متملصة منها، من أهمها بريرا والأجندة اليهودية الجديدة.
стр. 7493
الاتحاد المركزي للمواطنين الألمان من أتباع العقيدة اليهودية
Central-Verein Deutscher Staats-Burger Judischen Glaubens
منظمة يهودية ألمانية أُسِّست في برلين عام ١٨٩٣ بهدف كفالة المساواة المدنية والاجتماعية بين اليهود وغيرهم من الرعايا الألمان. وقد عملت المنظمة على توحيد اليهود الألمان كافة في إطار تنظيمي واحد بغض النظر عن تباين انتماءاتهم السياسية أو تصوراتهم الدينية، كما سعت إلى تعزيز الانتماء الألماني في أوساط اليهود.
وقد اعتبرت المنظمة أن يهود ألمانيا يشكلون جماعة دينية لا جماعة قومية وأنهم جزء لا يتجزأ من الأمة الألمانية، كما كانت ترى أن حل مشاكل اليهود الألمان يجب أن يتم في إطار الدولة الألمانية وليس بالانفصال عنها. ومن هذا المنطلق، عارضت المنظمة النزعات الانعزالية في أوساط اليهود، واتخذت موقفاً مضاداً من المشروع الصهيوني، وخطط تهجير اليهود إلى فلسطين وتوطينهم هناك. إلا أن هذا الموقف كان يفتقر إلى التماسك والصلابة حيث شاركت المنظمة في أعمال الوكالة اليهودية، كما ساهمت في تمويل مشاريع الاستيطان اليهودي في فلسطين من خلال منظمة التأهيل والتدريب (أورت) واللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة للتوزيع وجمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) . ولكن يُلاحَظ أن نشاط بعض هذه الجمعيات كان نشاطاً يهودياً توطينياً يهدف إلى تحويل هجرة يهود اليديشية من أوربا إلى أماكن متفرقة من العالم، وليس إلى فلسطين بالضرورة، لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يهددون مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. ولذا، فالنشاط التوطيني هنا ليس ذا مضمون صهيوني، وخصوصاً أن هذه الجمعيات كانت تحاول أيضاً المساهمة في عملية دمج المهاجرين اليهود في مجتمعاتهم.
стр. 7494
وقد كرست المنظمة جل طاقتها لمواجهة حملات العداء لليهود، ونشر الكتابات الرامية إلى التعريف باليهودية، كما كانت تقوم بتمويل ومؤازرة الدعاوى القانونية ضد التشهير باليهود أو باليهودية. وبعد وصول هتلر إلى السلطة عام ١٩٣٣، اتجهت المنظمة إلى تقديم الاستشارات القانونية والاستثمارية لليهود الألمان.
وقد تغيَّر اسم المنظمة في عام ١٩٣٥ ليصبح «الاتحاد المركزي لليهود في ألمانيا» ، ثم تغيَّر ثانيةً عام ١٩٣٦ ليصبح «الاتحاد المركزي اليهودي» ، ثم تم حلها في عام ١٩٣٨ وجرى دمجها في منظمة المجلس الموحَّد لليهود الألمان.
ويُلاحَظ أن النازيين كانوا لا يفضلون التعامل مع الاتحاد المركزي للمواطنين الألمان بسبب اتجاهاته الاندماجية إذ أن النازيين يؤمنون بالشعب العضوي الذي لا يمكن أن يندمج فيه أعضاء الشعوب. ولذا، ومن وجهة نظرهم، كان دعاة الاندماج بين الألمان اليهود هم الأعداء الحقيقيون الذين يزيفون الواقع ويودون التسلل في صفوف الألمان بهدف تخريبهم من الداخل، هذا على عكس الصهاينة الذين يؤمنون مثلهم بفكرة الشعب العضوي اليهودي، ومن ثم يقفون ضد الاندماج. ولكل هذا، كان النازيون يؤثرون التعامل معهم.
حاخامات الاحتجاج
Protest Rabbis
استخدم هرتزل مصطلح «حاخامات الاحتجاج» عام ١٨٩٧ ليصف به مجموعة من الحاخامات الألمان الذين احتجوا على انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول وحذروا قيادات الطائفة اليهودية والحاخامات من الاشتراك. وقد نجم عن الاحتجاج الأول تغيير مكان انعقاد المؤتمر الذي كان قد خُطِّط له أساساً أن ينعقد في ميونخ. وبعد أن فشل حاخامات الاحتجاج في منع انعقاد المؤتمر الأول، نشروا مقالاً مؤداه أن الصهيونية تناقض آمال اليهود.
стр. 7495
ونظراً لانفصال هرتزل (وبقية أعضاء القيادة الصهيونية) عن الدين اليهودي، وعدم إدراكهم كثيراً من مفاهيمه، فإن هذا الهجوم كان يمثل مفاجأة كاملة بالنسبة إليهم. فكتب نوردو يتحدث عن خيانة الحاخامات وكيف أنهم "يجب أن يحافظوا على حب اليهود لشعبهم ولإرتس يسرائيل". وقد كان نوردو يجهل أن الحب التقليدي لصهيون هو حب ديني لا يترجم نفسه إلى عودة جسدية حرفية بل يحرِّم مثل هذه العودة، وأنه يختلف تماماً عن الحب القومي العلماني لأرض الأجداد الذي يُترجم نفسه إلى استيطان.
اليهودية الاستيطانية
Settler Judaism
«اليهودية الاستيطانية» مصطلح يعني أن اليهودية قد تم علمنتها تماماً واستيعابها في المنظومة الصهيونية حتى أصبح أعضاء الجماعات اليهودية يظنون أن اليهودية هي الصهيونية وأن أهم عمل ديني يهودي هو الاستيطان، وبخاصة في الضفة الغربية. وقد نحت المصطلح بعض أعضاء الجماعات اليهودية من المعارضين لعملية دمج اليهودية بالصهيونية والتوحيد بينهما.
المقاومة العربية اليهودية للصهيونية
The Resistance of Jewish Arabs to Zionism
تباينت مواقف يهود الأقطار العربية تجاه الصهيونية، ووصل الأمر ببعضها حد مقاومة هذه الحركة. وإذا كان طبيعياً أن تجد الصهيونية من يؤيدها وسط هؤلاء؛ فإن من الطبيعي، أيضاً، أن يعارضها آخرون منهم، وأن يناصبوها العداء؛ بعضهم بسبب فكره الماركسي، المعادي للصهيونية، أصلاً؛ والبعض الآخر لوعيه بأن الصهيونية ستجلب على اليهود عداء العرب، وتضرب مصالح اليهود في الأقطار العربية، التي طالما ظلَّلهم التسامح الذي سادها.
لعل أهم المنظمات التي أسسها بهود من الأقطار العربية، وعملت على محاربة الصهيونية، "عصبة مكافحة الصهيونية" في العراق؛ و"الرابطة الإسرائيلية لمكافحة الصهيونية" في مصر.
следующие страницы →