← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

والنداء الإسرائيلي الموحَّد مُسجَّل في الولايات المتحدة كمنظمة معفاة من الضرائب. ومنذ إعادة تنظيم الوكالة اليهودية عام ١٩٧١، أصبح النداء الإسرائيلي ممثَّلاً في أجهزتها القيادية بنسبة ٣٠% ويقوم بالمشاركة في وضع وتحليل ميزانية وبرامج الوكالة ومراقبة عملية إنفاق وتخصيص الموارد المالية. وحتى عام ١٩٨٦، كانت البنية الأساسية للنداء الإسرائيلي الموحَّد تضع المنظمة تحت سيطرة المؤسسة الصهيونية الأمريكية. ولكن، مع تزايد الانتقادات الموجهة للوكالة اليهودية بشأن أدائها وكفاءتها، وكذلك الصعوبات المتزايدة في جباية الأموال نتيجة التحولات الديموجرافية في الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة وتزايد احتياجاتها المحلية، أصبحت هناك ضغوط لكي يكون لأعضاء الجماعة والاتحادات اليهودية (وهي أكبر مصدر للأموال للنداء اليهودي الموحَّد ومن ثم النداء الإسرائيلي) دور أكبر في الرقابة على الوكالة اليهودية. ومن ثم، تقرَّر عام ١٩٨٦ توسيع مجلس مديري النداء الإسرائيلي الموحَّد وتخصيص المقاعد الإضافية لممثلي الاتحادات اليهودية ولقيادات الجماعة اليهودية غير الصهاينة بحيث أصبح لهم الأغلبية داخل المجلس. وسيزيد هذا بلا شك قبضة رقابة النداء الإسرائيلي على الوكالة اليهودية. ويجب التمييز بين النداء الإسرائيلي/كيرين هايسود (الصندوق التأسيسي) والنداء الإسرائيلي الموحَّد ش. م. وهو الاسم الجديد للوكالة اليهودية في إسرائيل. النداء اليهودي الموحد United Jewish Appeal (Keren Hayesod)

стр. 7422

ويُطلَق على هذه المنظمة أيضاً اسم «الجباية اليهودية الموحَّدة» . والنداء اليهودي الموحَّد منظمة يهودية أمريكية تأسست عام ١٩٣٩ لتكون الأداة الرئيسية لجباية الأموال لكل من النداء الفلسطيني الموحَّد (الذي أصبح عام ١٩٤٨ النداء الإسرائيلي الموحَّد) واللجنة اليهودية الأمريكية المشتركة للتوزيع، وذلك لصالح الكيان الصهيوني والنشاط الاستيطاني اليهودي، ولمساعدة الجماعات اليهودية في العالم ـ لكن جُل نشاطها ينصب على القسم الأول فحسب.

стр. 7423

وتعود بدايات هذه المنظمة إلى عام ١٩٣٠، عندما قام كلٌّ من لجنة التوزيع المشتركة والصندوق التأسيسي اليهودي بتوحيد جهودهما لجباية الأموال والقيام بحملة موحَّدة تحت اسم النداء اليهودي المتحالف، ولم يستمر هذا الجهد المشترك سوى عام واحد بسبب قلة ما تم جمعه. وتكررت المحاولة عامي ١٩٣٤ و١٩٣٥ تحت اسم النداء اليهودي الموحَّد ولكنها توقفت أيضاً بسبب قلة التبرعات وفشل محاولة تجميع كل التنظيمات اليهودية في تنظيم واحد. وفي عام ١٩٣٨، وصل عدد الهيئات اليهودية التي تجمع التبرعات في الولايات المتحدة ٩٩٢ هيئة تعمل لحساب النداء الفلسطيني الموحَّد ولجنة التوزيع المشتركة إلى جانب ١٥٦ صندوق إنعاش يهودي تخصَّص مواردها لتنظيمات أخرى. وبحلول عام ١٩٣٩، واستجابة لتصاعد الأزمة في أوربا، انضمت لجنة التوزيع المشتركة والنداء الفلسطيني الموحد وهيئة خدمة اللاجئين القوميين (التي كانت تُسمَّى آنذاك صندوق لجنة التنسيق القومية) لتأسيس النداء اليهودي الموحَّد. وهكذا تشكلت أكبر هيئة لجباية التبرعات في الولايات المتحدة. وفي عام ١٩٤٨، جمع النداء اليهودي الموحَّد ما يقرب من ٢٠٠ مليون دولار. وبعد تأسيس إسرائيل، أصبح النداء اليهودي الموحَّد يضم كلاًّ من النداء الإسرائيلي الموحَّد/الصندوق التأسيسي (الكيرين هايسود) ولجنة التوزيع المشتركة. ويتلقى النداء اليهودي الموحد ما بين ٥٠% و٦٠% من مجموع التبرعات المحصلة عبر الحملة المركزية الموحدة مع الاتحادات اليهودية وصناديق الإنعاش التي تُخصِّص النسبة المتبقية للاحتياجات والخدمات المحلية للجماعة اليهودية. وتُقسَّم حصيلة التبرعات على النحو التالي: يخصِّص النداء اليهودي ٨٠% من حصيلة التبرعات للنداء الإسرائيلي الموحَّد/الصندوق التأسيسي، ويخصص من المبلغ المتبقي ١٠% أو ١٢% للجنة التوزيع المشتركة و٣% لرابطة نيويورك للأمريكيين الجدد وخدمة هياس المتحدة.

стр. 7424

ويقوم النداء الإسرائيلي الموحَّد بتسليم حصته للوكالة اليهودية التي تخصِّصه لإسرائيل كما تنفق لجنة التوزيع المشتركة ٣٢% من حصتها في إسرائيل والجزء الآخر يخصص للجماعات اليهودية في العالم. وقد تأسَّست عام ١٩٦٧ جمعية تابعة باسم صندوق الطوارئ الإسرائيلي تذهب كل حصيلته إلى إسرائيل. وقد بلغ مجموع التبرعات التي جمعها النداء اليهودي الموحَّد حتى عام ١٩٨٠ نحو ٥.١ مليار دولار أرسل معظمها إلى إسرائيل إما مباشرة أو عن طريق غير مباشر. وتحصل الأحزاب على حصص بشرط ألا يكون لها جبايتها الخاصة. وقد بلغ نشاط النداء اليهودي ذروته في جباية المال في أعقاب حرب ١٩٧٣ حيث تم جَمْع ٦٦٠ مليون دولار. وبحلول عام ١٩٧٩، انخفضت جبايات الحملة المركزية بمقدار ٢٧%، وهي تبلغ الآن حوالي نصف مليار دولار سنوياً. فصغار المساهمين من الجماهير اليهودية لا يتبرعون للدولة الصهيونية تقريباً. وقد لوحظ أن كبار المتبرعين هم عدة أفراد تم استئناسهم واستيعابهم في المنظومة الصهيونية لأسباب غير عقائدية، فمعظم كبار المتبرعين من كبار السن أي أن خلفيتهم أوربية وعندهم حينئذ "البلد القديم" والهوية القديمة. كما أن كثيراً منهم يظن أن تبرعاته من قبيل الإحسان (الصدقة) . ولكن ما يهمنا هنا أن كون المتبرعين مسنين يعني أن رحيلهم سيؤدي إلى تسارع نضوب المصادر المالية الحالية. ويُلاحَظ أن من أهم مصادر التمويل في الوقت الحالي التركات التي يوصي بها كبار المتبرعين للمنظمة الصهيونية. ورغم أن هذه التركات تحل كثيراً من المشاكل إلا أنها في نهاية الأمر "تبرع أخير" لن تليه تبرعات أخرى.

стр. 7425

والنداء اليهودي الموحَّد هيئة خيرية معفاة من الضرائب وفقاً للقانون الأمريكي، وذلك رغم أنها تُعتبَر بالفعل ذراع الحكومة الإسرائيلية لجباية الأموال. وهذا دليل على العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، قاعدتها في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن أموال النداء تستخدم كأداة للضغط على إسرائيل إن أرادت أن تتخذ موقفاً مستقلاًّ عن الخط الإمبريالي. ويدير النداء اليهودي الموحَّد مجلس أمناء من ٤٣ عضواً يختار أغلَبهم لجنةُ التوزيع المشتركة والنداء الإسرئيلي الموحَّد ومجلس الاتحادات اليهودية. ولتعزيز قدرته على جباية الأموال من قطاعات متخصِّصة من أعضاء الجماعة، أنشأ النداء اليهودي الموحَّد عدة عناصر تنظيمية أساسية هي قسم النساء الذي أُسِّس سنة ١٩٤٦ (ويُقال إن ٢٠٠ ألف امرأة تشارك في نشاطه لجباية التبرعات) ، ومجلس قيادة الشباب الذي أُسِّس عام ١٩٧٧ ويعمل على تنمية الانتماء الديني الثقافي اليهودي لدى الشباب من خلال المؤتمرات والحوارات والبعثات إلى إسرائيل، ومجلس الحاخاميين الذي تأسس عام ١٩٧٢ لتعزيز دعم القيادة الحاخامية لحملات النداء اليهودي (المحلية والقومية) الحاخامية من خلال التربية والالتزام الشخصي ولاستغلال الموارد الحاخامية لمصلحة النداء اليهودي وإسرائيل، ثم مجلس الهيئة التعليمية الذي أُسِّس عام ١٩٧٥ ودائرة البرامج الجامعية التي أُسِّست سنة ١٩٧٠ وكلاهما يهدف إلى بلورة التزام يهودي داخل الجامعة الأمريكية. الشركة الاقتصادية الإسرائيلية Israel Economic Corporation

стр. 7426

شركة أمريكية تأسَّست عام ١٩٢٦ باسم الشركة الاقتصادية الفلسطينية على يد مجموعة من أثرياء اليهود الأمريكيين، على رأسهم لويس برانديز وهربرت ليمان ولويس مارشال وفليكس واربورج، بغرض تنمية البنية الاقتصادية للتجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين وتشجيع أثرياء اليهود الأمريكيين وغيرهم على استثمار أموالهم في مشاريع تجارية وصناعية وزراعية في فلسطين. وكان لويس برانديز قد انسحب من المنظمة الصهيونية الأمريكية عام ١٩٢١ احتجاجاً على فكرة تكوين الصندوق التأسيسي اليهودي لتمويل المشاريع الاقتصادية في فلسطين بدلاً من تشجيع الاستثمار الخاص بها (ولهذا، فقد كان برانديز من أوائل المؤيدين لتأسيس هذه الشركة التي تهدف إلى جني الأرباح) . وقد ضمت الشركة الأصول التي كانت مملوكة للشركة التعاونية الفلسطينية واللجنة اليهودية الأمريكية للتوزيع المشترك في فلسطين. وقد ساهمت الشركة في تأسيس أكثر من ٩٠ مشروعاً في فلسطين، ثم في إسرائيل فيما بعد، من بينها صناعات الكيماويات والورق والبلاستيك ومنتجات الموالح. كذلك ساهمت الشركة في تمويل خط أنابيب إيلات ـ حيفا وتمويل عمليات التصدير والاستيراد. وقد وصل دَخْل هذه الشركة عام ١٩٨٢ إلى ١٤.٤ مليون دولار، وتشمل موجوداتها مشاريع مالية ومصرفية وصناعية وسياحية وتكنولوجية متقدمة، بالإضافة إلى مشاريع هندسية وإنمائية ومشاريع شحن وتسويق. منظمة سندات دولة إسرائيل State of Israel Bonds Organization

стр. 7427

منظمة يهودية تهدف إلى "توفير الأموال على نطاق واسع من أجل تنمية دولة إسرائيل اقتصادياً ببيع سندات دولة إسرائيل في الولايات المتحدة وكندا وأوربا الغربية وغيرها من دول العالم". وقد كان الغرض المباشر من تأسيسها عام ١٩٥١ تدبير الموارد المالية للحكومة الإسرائيلية لمواجهة تدفُّق مئات الآلاف من المهاجرين الجدد على الكيان الصهيوني. وقد عقد بن جوريون اجتماعاً عام ١٩٥٠ مع تسعة وخمسين زعيماً يهودياً أمريكياً لبحث وضع إسرائيل الاقتصادي وضرورة إيجاد قناة أخرى للتمويل غير التبرعات "التي لم تَعُد كافية لمواجهة حاجات إسرائيل الاقتصادية بعيدة المدى". وقد تقرَّر أن تقوم إسرائيل بإطلاق حملة لقرض شعبي في الولايات المتحدة كوسيلة للحصول على المبالغ اللازمة. ولإنجاز ذلك، تم تأسيس الشركة المساهمة الأمريكية المالية والإنمائية لإسرائيل التي أصبحت تُعرَف باسم «منظمة سندات دولة إسرائيل» . ومن بين الشخصيات اليهودية الأمريكية التي كانت بمنزلة القوة المحركة وراء تأسيس هذه المنظمة، هنري مورجنتاو (الابن) وزير الخزانة الأمريكية الأسبق ورئيس النداء اليهودي الموحَّد آنذاك والذي نجح في الحصول على موافقة الحكومة الأمريكية على فكرة إنشاء المنظمة. ومنظمة سندات إسرائيل هي شركة استثمار تدار كمصلحة تجارية، ولذلك فهي غير معفاة من الضرائب. وهي تبيع سندات إسرائيل بفائدة تتراوح بين ٤% و٧% ويُستحق تسديدها خلال خمسة عشر عاماً. ويتم تحويل حصيلة بيع هذه السندات إلى وزارة المالية الإسرائيلية حيث تصبح جزءاً من ميزانية إسرائيل للتنمية. وتعمل المنظمة عن كثب مع الحكومة الإسرائيلية التي تقوم بإبلاغ المنظمة بحجم احتياجاتها، وخصوصاً في حالات الطوارئ، كما تتعهد المنظمة بجباية المبلغ.

стр. 7428

وقد تم حتى الآن بيع سندات بما قيمته ستة بلايين دولار وتسديد ما قيمته ثلاثة بلايين دولار. وقد ذهبت هذه المبالغ نحو تنمية القطاعين الزراعي والصناعي في إسرائيل واستغلال الموارد الطبيعية وتطوير ميناءي إيلات وحيفا وبناء ميناء أشدود وخط أنابيب البترول وإقامة محطات الكهرباء والمرافق السياحية ومجمع للبترو كيماويات وغير ذلك من المشاريع الإنمائية. وقد بيعت سندات إسرائيل في أكثر من ٣٥ دولة، ولكن ٨٥% منها (منذ تأسيس المنظمة) بيعت في الولايات المتحدة وحدها. والمنظمة تستهدف السوق الأمريكية كلها ولا تقتصر فقط على أعضاء الجماعة اليهودية، وهي تعرض السندات على المستثمرين اليهود بوصفها أقوى وأقصر وسيلة للارتباط بإسرائيل وسكانها ومستقبلها. أما لغير اليهود، فهي تؤكد أنها "توسِّع مشتريات إسرائيل من المنتجات الأمريكية"، وبالتالي فإنها تؤمِّن الأعمال وفرص المبادلة التجارية للأمريكيين، وذلك بالإضافة إلى أنها تدعم اقتصاد إسرائيل. وتعتمد المنظمة في بيع سنداتها على نفس أساليب منظمات جباية الأموال، أي الحفلات الاجتماعية والبعثات إلى إسرائيل والاجتماعات والندوات. كما أنشأت المنظمة نادي رئيس الوزراء الذي يضم كبار مشتري السندات حيث يتم تكريمهم بتقليدهم الأوسمة. كذلك حرصت المنظمة على التوجه إلى عالم الشركات، فأنشأت في أوائل السبعينيات برنامج سندات إسرائيل للشركات واشترت عدة شركات أمريكية عام ١٩٨٢ بما قيمته ١٦٠ مليون دولار من سندات المنظمة. والمقر الرئيسي للمنظمة في مدينة نيويورك، ولها مكاتب في مدن أخرى. الصندوق الإسرائيلي الجديد New Israel Fund

стр. 7429

تم تأسيس هذا الصندوق عام ١٩٧٩. وهو معفي من الضرائب. ويُشكِّل هذا الصندوق محاولة من جانب العناصر الساخطة والمعتدلة داخل الحركة الصهيونية لإنشاء شبكة تبرعات خاصة بها تقوم بتمويل الجماعات ذات الاتجاهات السياسية المماثلة داخل إسرائيل، ولا يموِّل الصندوق أية نشاطات صهيونية خارج الخط الأخضر، ويرسل اعتمادات إلى منظمات مثل هيئة الحقوق المدنية في إسرائيل. ويؤيد الصندوق جماعة السلام الآن. ويمكن النظر إليه على أنه الجباية اليهودية الموحَّدة الخاصة بالجمعيات التي تحاول التملص من الصهيونية مثل الأجندة اليهودية الجديدة. يهودية دفتر الشيكات Checkbook Judaism «يهودية دفتر الشيكات» مصطلح شائع في الأوساط اليهودية الدينية وغير الدينية في الولايات المتحدة، وهو يشير إلى أن كثيراً من يهود الولايات المتحدة قد فَقَدوا انتماءهم الديني الحق، ولم يعودوا يؤمنون بالعقيدة الدينية وإنما يتمسكون ببعض الرموز الإثنية تعبيراً عن هويتهم الدينية، ويتصورون أن إسرائيل هي كنيسهم وأن رئيس وزرائها هو حاخامهم الأكبر. وبالتالي، يأخذ الإيمان بالنسبة لهم شكل الانتماء إلى المنظمات الصهيونية، ويصبح الطقس الأكبر في هذه العبادة هو دفع المعونات والتبرعات للدولة الصهيونية، أي أن هذا النوع من الانتماء اليهودي يعبِّر عن نفسه من خلال دفتر الشيكات، وهو أمر لا يختلف كثيراً عن التحول عن عبادة الإله الواحد إلى عبادة العجل الذهبي (وهذا هو رأي كثير من الحاخامات الذين يرفضون هذا الاتجاه) . يهود النفقة Alimony Jews

стр. 7430

«يهود النفقة» مصطلح وضعه أحد الحاخامات ليصف به يهود الولايات المتحدة الذين ابتعدوا عن يهوديتهم تماماً واندمجوا في مجتمعهم، ولكنهم مع هذا يحاولون الإصرار على هويتهم اليهودية، أو على بقايا منها، ويخافون أن يُشهَّر بهم أو أن يُشار إليهم على أنهم مندمجون منعدمو الهوية، كما يرون أن الطريقة المُثلى العملية لتحقيق هذه الأهداف هي دَفْع تبرعات للدولة الصهيونية التي تطاردهم للحصول على أموالهم. ولكنهم، في واقع الأمر، مضطرون إلى دفع التبرعات حتى لا يُشهَّر بهم، فالدافع إلى الدفع ليس الحب وإنما خشية الفضيحة. وبالتالي، فإن يهود الولايات المتحدة مثلهم مثل من طلَّق زوجته (أي يهوديته) ويود أن يكسب سكوتها بدفع النفقة المفروضة عليه حتى يمكنه أن يستمر في حياته الجديدة. وقد استخدم آرثر هرتزبرج صورة عكسية تماماً، إذ قارن علاقة يهود الولايات المتحدة بإسرائيل بعلاقة الرجل بعشيقته، يغدق عليها الأموال ويشتري لها أحلى الثياب ويضاجعها، ولكنه لا يسكن معها ويعود إلى زوجته أم أولاده، أي الولايات المتحدة. وسواء أكان ما يدفعه اليهودي هو النفقة للزوجة المطلقة أو النقود للعشيقة، فإن العلاقة ليست كاملة بأية حال ويدخل فيها عنصر نفعي، الأمر الذي يستبعد الولاء الكلي. وقد لاحَظ بن جوريون نفسه أن صهيونية يهود الولايات المتحدة ليست إلا غطاء لمعدلات الاندماج المرتفعة بينهم.

стр. 7431

الجزء الرابع: الصهيونية والجماعات اليهودية الباب الأول: موقف الصهيونية وإسرائيل من الجماعات اليهودية في العالم العداء الصهيوني لليهود Zionist Anti-Semitism الصهيونية، شأنها شأن العداء لليهودية، هي إحدى تجليات الرؤية المعرفية العلمانية الشاملة، وقد تبلورت الأفكار الصهيونية والمعادية لليهود في أوربا في القرن التاسع عشر، وهي الحقبة التاريخية التي تبلورت فيها النظرية العرْقية الغربية الخاصة بالتفاوت بين الناس بسبب الاختلاف بينهم في خصائصهم التشريحية والعرْقية والإثنية ومن ثم نجد أن الرؤية الكامنة في كل من الصهيونية ومعاداة اليهود واحدة. وأن كثيراً من مقولات الصهيونية هي مقولات عرْقية معادية لليهود.

стр. 7432

ويرى الصهاينة أن معاداة اليهود ظاهرة طبيعية ورد فعل طبيعي وحتمي لوجود اليهود كجسم غريب في المجتمعات المضيفة. وقد نشأت صداقة عميقة بين حاييم وايزمان وريتشارد كروسمان (الزعيم العمالي البريطاني) حين اعترف هذا الأخير بأنه "معاد لليهود بالطبع". وقد كان تعليق وايزمان على ذلك: لو قال كروسمان غير ذلك فإنه يكون إما كاذباً على نفسه أو كاذباً على الآخرين. وقد وصف المفكر الصهيوني جيكوب كلاتزكين العداء لليهود بأنه دفاع مشروع عن الذات. وقد ميَّز هرتزل بين العداء الحديث لليهود وبين التعصب الديني القديم، ووصف هذا العداء الحديث بأنه "حركة بين الشعوب المتحضرة" تحاول من خلالها التخلص من شبح يطاردها من ماضيها. بل يرى الصهاينة أن هذه المعاداة هي أحد ثوابت النفس البشرية، فهي تشبه المطلق الأفلاطوني أو المرض المستعصي. وقد عبَّر شامير عن معاداة البولنديين لليهود، فأشار إلى أنهم يرضعونها مع لبن أمهاتهم. ويعادل شامير بذلك بين الفعل الأخلاقي والفعل الغريزي البيولوجي، وهو ما يبين أنه يدور في إطار الحلولية بدون إله، وهذا ما يفعله أيضاً نوردو ووايزمان وهتلر. فقد وصف وايزمان معاداة اليهود بأنها مثل البكتيريا التي قد تكون ساكنة أحياناً، ولكنها حينما تسنح لها الفرصة فإنها تعود إليها الحياة، وهكذا لا يميِّز الصهاينة بين الأشكال المختلفة لمعادة اليهود وإنما يرونها كلاًّ عضوياً واحداً يتكرر في كل زمان ومكان، كما يرون عدم جدوى الحرب ضد هذه الظاهرة باعتبارها أحد الثوابت وإحدى الحتميات. والموقف الصهيوني من اليهود، كما أسلفنا، لا يختلف في أساسياته عن موقف المعادين لليهود:

стр. 7433

١ ـ فكلا الموقفين يَصدُر عن الإيمان بأن اليهود شعب عضوي له عبقريته الخاصة وأن ثمة جوهراً يهودياً هو الذي يميز اليهودي عن غيره من البشر، وأن هذا الجوهر لا يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان، فاليهود دائماً يهود. ومن هنا، فإن تَصرُّف اليهودي كالأغيار هو تَصرُّف مصطنع لا يعبِّر عن اندماجه في مجتمعه وتمثُّله قيمه وإنما يعبِّر عن ازدواجية في الذات. ومهما يكن ما يبديه اليهودي من ولاء لوطنه، فهو ولاء مشكوك فيه. ومن هنا يحارب الصهاينة وأعداء اليهود ضد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم. وقد نادى الصهاينة بضرورة رفض "سم الاندماج" أو "الهولوكوست الصامت". وكذلك، فإن المعادين لليهود يرون أن اليهودي المندمج يقلد الأغيار كالببغاء، فهو شخصية خطرة غير أصيلة تهدد نسيج المجتمع، وهو خطر حتى دون أن يدري. ولهذا كان النازيون يتعاملون مع الصهاينة فقط لإصرارهم على هويتهم اليهودية. ٢ ـ يرى الفريقان أن اليهود شعب عضوي لا يمكن أن يهدأ له بال إلا بأن يستقر في الأرض التي يرتبط بها برباط أزلي عضوي. ومن هنا، يرفض المعادون لليهود، وكذلك الصهاينة، الكفاح من أجل إعطاء اليهود حقوقهم السياسية والمدنية الكاملة في أوطانهم، وبالتالي فلابد من "هجرة" اليهود إلى فلسطين أو "طردهم" إليها. ومهما كان المصطلح أو المسوغ، فإن الحركة المثلى المقترحة واحدة، وهي نقل اليهود من أوطانهم الفعلية إلى وطنهم القومي العضوي الوهمي. والواقع أن فكرة «الشعب العضوي» تحوي أيضاً فكرة «الشعب العضوي المنبوذ» ، وهي أساس تحالف الصهاينة والمعادين لليهود فكلاهما يهدف إلى إخلاء أوربا منهم.

стр. 7434

٣ ـ إذا كان اليهود يشكلون في رأي الصهاينة، كلاًّ عضوياً يعبَّر عنه في الإنجليزية بكلمة «جوري Jewry» ، فإنهم مترابطون ترابطاً عضوياً لا فرق فيه بين الكل والجزء. ولذا، يتحدث الصهاينة عن «العبقرية اليهودية» باعتبارها تعبير الجزء عن الكل. وهم أيضاً يرون أن الهجوم على أية جماعة يهودية هو هجوم على الشعب اليهودي بأسره، بغض النظر عن الظروف التاريخية. ويتبنى أعداء اليهود النظرة نفسها، فهم يرون تماثل الجزء والكل، وحينما يرتكب مجموعة من اليهود جرماً معيناً أو ينتشر بينهم الفساد، فإن هذا يَصلُح أساساً للتعميم على كل اليهود. وفي الواقع، فإن الحديث عن جرائم اليهود يشبه تماماً الحديث عن عبقريتهم.

стр. 7435

٤ ـ تبنَّى الصهاينة كثيراً من مقولات المعادين لليهود في الغرب، وكثيراً من صورهم الإدراكية النمطية، وتزخر الكتابات الصهيونية بالحديث عن الشخصية اليهودية المريضة غير الطبيعية والهامشية وغير المنتجة التي لا تجيد إلا العمل في التجارة. بل إن ماكس نوردو، ومن بعده هتلر، طبَّق الصورة المجازية العضوية لا على معاداة اليهود بل على اليهود أنفسهم، فقد شبههم بالكائنات العضوية الدقيقة التي تظل غير مؤذية على الإطلاق طالما أنها في الهواء الطلق، لكنها تُسبِّب أفظع الأمراض إذا حُرمت من الأكسجين، ثم يستطرد هذا العالم العنصري ليحذر الحكومات والشعوب من أن اليهود يمكن أن يصبحوا مصدراً لمثل هذا الخطر. وقد ذكر يهودا جوردون أن تفوُّق اليهودي المستنير يكمن في أنه يعترف بالحقيقة، أي يَقْبل اتهامات المعادين لليهود. وقد قال برنر: " إن مهمتنا الآن هي أن نعترف بوضاعتنا منذ بدء التاريخ حتى يومنا هذا " فاليهود شعب نصف ميت يعيش بقيم السوق، لا يمانع في حياة كحياة النمل أو الكلاب، مصاب بطاعون التجول " ـ ويمكن أن نجد عبارات مماثلة أو أكثر قسوة في الأدبيات الصهيونية. ومن هنا، يؤمن الصهاينة بضرورة تطبيع الشخصية اليهودية حتى تتفق مع نمط الشخصية غير اليهودية الطبيعية السوية. ٥ ـ لا يقل عداء الصهاينة لليهودية عن عدائهم لليهود، فقد رفضوا العقيدة اليهودية وحاولوا علمنتها من الداخل (انظر: «الرفض الصهيوني لليهودية» )

стр. 7436

ومع هذا، يرى بعض الصهاينة أن معاداة اليهود بين الأغيار هي وحدها التي أدَّت إلى بقاء الشعب اليهودي، أي أن عضوية الشعب أو مصدر تماسكه العضوي ليس شيئاً جوانياً (الهوية اليهودية ـ التراث اليهودي) وإنما شيء براني: عداء اليهود. ولكل هذا، فإن الصهاينة يعتبرون أعداء اليهود حلفاء طبيعيين لهم وقوة إيجابية في نضالهم «القومي» لتهجير اليهود من أوطانهم. ولذا، كان تيودور هرتزل على استعداد للتعاون مع فون بليفيه وزير الداخلية الروسي، كما تحالف فلاديمير جابوتنسكي مع الزعيم الأوكراني بتليورا الذي ذبحت قواته آلاف اليهود بين عامي ١٩١٨ و١٩٢١، وتعاون الصهاينة مع النازيين داخل ألمانيا وخارجها. ويتحالف الصهاينة في الوقت الحالي مع الجماعات الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة والمعروفة بعدائها العميق لليهود. بل إن المؤسسة الصهيونية تستخدم أحياناً وسائل المعادين لليهود لحَمْل اليهود على الهجرة، كما حدث في العراق عام ١٩٥١ حين ألقى العملاء الصهاينة بالقنابل على المعبد اليهودي في بغداد. وعلى كلٍّ، فقد صرح كلاتزكين بقوله: "إنه بدلاً من إقامة جمعيات لمناهضة المعادين لليهود الذين يريدون الانتقاص من حقوقنا، يجدر بنا أن نقيم جمعيات لمناهضة أصدقائنا الراغبين في الدفاع عن حقوقنا". وقد استمرت ظاهرة معاداة الصهيونية لليهود بعد تأسيس الدولة الصهيونية، بل يُلاحَظ أنها ازدادت حدةً وتبلوراً بين أعضاء جيل الصابرا (أي أبناء المستوطنين الصهاينة المولودين في فلسطين) . فهؤلاء ينظرون إلى «يهود المنفى» (أي يهود العالم) من خلال مقولات معاداة اليهودية وصورها النمطية. ويزخر الأدب الإسرائيلي بأعمال أدبية تَصدُر عن رفض ثقافي وأخلاقي بل وعرْقي عميق ليهود الخارج.

стр. 7437

ومع هذا، يمكن القول بأن الصهاينة، بجميع اتجاهاتهم، قد أساءوا تقدير مقدار قوة معاداة اليهود ومدى استمرارها. إذ تصوُّروا أن عداء اليهود سيستمر في التفاقم حتى يضطر كل يهود العالم أو معظمهم للهجرة إلى فلسطين. وغني عن القول أن هذه النبوءة لم تتحقق، ولا يوجد احتمال لتحقُّقها في المستقبل القريب. فالأغلبية العظمى من يهود العالم هاجرت إلى الولايات المتحدة ولا تزال متجهة إلى هناك. ولم يتجه اليهود إلى فلسطين إلا في الفترة بين عامي ١٩٣٠ و١٩٤٠ حينما كانت كل الأبواب الأخرى موصدة دونهم. أما في الفترة من عام ١٩٥٠ إلى عام ١٩٦٠، فقد هاجر يهود البلاد العربية في ظل ظروف خاصة لا علاقة لها بعداء اليهود ولكنها ناجمة بالدرجة الأولى عن التوتر مع الدولة الصهيونية. كما أن هجرتهم إلى الدولة الصهيونية لم تكن بالضرورة نتيجة حركة طرد من المجتمعات العربية بقدر ما كانت حركة جذب من مجتمع آخر يتاح لهم فيه تحقيق قدر أكبر من الحراك الاجتماعي. والواقع أن عداء اليهود ظاهرة آخذة في الاختفاء برغم ادعاءات الصهاينة، وبرغم أوهام بعض أعضاء الجماعات اليهودية. وقد لاحظ أحد المراقبين أنه على الرغم من أن المناصب المهمة كافة متاحة أمام يهود الولايات المتحدة، فإن ما يُقدَّر بنحو ثلث عددهم يجهل هذه الحقيقة وينكرها. وقد علق برنارد أفيشاي على هذا الوضع فذكر أن سارتر قال إنه حينما لا يكون هناك يهود فإن أعداء اليهود يخترعونهم كضرورة ملحة. أما بالنسبة ليهود أمريكا، فقد انقلبت الآية، فحينما لا يوجد أعداء لليهود، فإن اليهود يخترعونهم كضرورة ملحة أيضاً. ولعل أكبر دليل على ضمور ظاهرة معاداة اليهود، ارتفاع معدلات الزواج المُختلَط والاندماج بين أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة وروسيا السوفيتية وأمريكا اللاتينية وكندا وجنوب أفريقيا وإنجلترا وفرنسا، أي في أية بقعة من العالم يوجد فيها يهود.

стр. 7438

أما بوروخوف، مؤسس الصهيونية العمالية، فقد تنبأ بأن المهاجرين اليهود إلى الولايات المتحدة سيمرون بالتجربة نفسها التي مروا بها في المجتمعات الأوربية إذ سيتركزون على قمة الهرم الإنتاجي، وبالتالي سيصبحون مرة أخرى محط كراهية الجماهير وقد يتم طردهم. ورغم أن اليهود تركزوا في الولايات المتحدة، في قمة الهرم الإنتاجي، فلم ينجم عن ذلك أية معاداة لليهود وذلك بسبب الطبيعة الطبقية والسياسية للمجتمع الأمريكي الذي يَتقبَّل بناؤه أية عناصر بشرية جديدة طالما ثبت نفعها وقدرتها على الإسهام في الإنتاج. وقد تغيَّرت طبيعة الهرم الإنتاجي نفسه في الولايات المتحدة بحيث لا توجد سوى نسبة ضئيلة من العمالة في الزراعة، كما أن الصناعة نفسها قد تحولت بحيث أصبحت تتطلب مهارات هندسية عالية وتجعل العاملين فيها مختلفين تماماً عن أعضاء الطبقة العاملة التي تتركز في قاعدة الهرم التقليدي. ويُلاحَظ كذلك أن حجم الخدمات الاقتصادية أصبح ضخماً، الأمر الذي يعني أن قاعدة الهرم ليست بالضرورة أكثر أهمية من قمته أو أكثر ضخامة منها.

стр. 7439

أما آحاد هعام، مؤسس الصهيونية الثقافية، فقد تنبأ بأن الدولة الصهيونية ستشكل مركزاً يساعد اليهود على الاحتفاظ بهويتهم أمام هجمات أعداء اليهود وإغراء الاندماج. ولكن ها هو ذا المركز قد تأسَّس وليست له علاقة كبيرة بيهود العالم. فيهود الولايات المتحدة يصوغون هويتهم ويتمتعون بحياتهم الاستهلاكية العلمانية دون الرجوع إلى الدولة الصهيونية العبرية. وقد ادعت الصهيونية ككل أنها ستؤسس دولة تحمي أعضاء الجماعات اليهودية ضد هجمات أعداء اليهود، ولكن ثبت أنها عاجزة عن ذلك تماماً. وحينما اقتربت قوات روميل من الإسكندرية، لم يفكر أعضاء المُستوطَن الصهيوني آنذاك في كيفية حماية يهود الإسكندرية، وإنما فكروا في الانتحار. والدولة الصهيونية لا يمكنها في الوقت الحاضر حماية يهود كومنولث الدول المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) . وفي ٨ سبتمبر ١٩٨٨، صرح شامير بأن إسرائيل لا يمكنها أن تحارب العالم بأسره، وقارن بين الشيوعية العالمية والصهيونية العالمية قائلاً: إن الاتحاد السوفيتي ركز جل قواه على بناء الدولة الاشتراكية، ولم يهتم ببناء الاشتراكية في العالم بالدرجة نفسها، وقد كان يفضل دائماً مصلحة الدولة السوفيتية على مستقبل الحركة الشيوعية في العالم. وهو يرى أن الدولة الصهيونية ستحارب ضد معاداة اليهود، ولكنها لن تصبح القوة العظمى في تلك الحرب التي ستقوم بها المنظمات اليهودية "فنحن بلد صغير" على حد قوله. ومع ذلك، فإن من الضروري أن نضيف أن الدولة الصهيونية تزيد من حدة ظاهرة عداء اليهود بسبب لجوئها إلى العنف والإرهاب في تصفية حساباتها. ولا شك في أن مشاعر الاستياء نحو اليهود ستتزايد بعد الانتفاضة، وبعد عمليات القمع الرهيبة التي تقوم بها الدولة التي تُسمِّي نفسها «يهودية» ، وخصوصاً أن أعداداً كبيرة منهم قد قرنوا أنفسهم بهذه الدولة وتوحدوا بها منذ عام ١٩٦٧. مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا

стр. 7440

Centrality of Israel in the Life of the Diaspora «مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا» عبارة تعني أن مركز الحياة اليهودية في العالم بأسره هو إسرائيل (فلسطين) . وتضفي الرؤية اليهودية الدينية على إرتس يسرائيل صفة محورية في حياة اليهود، فكان على اليهودي أن يحج ثلاث مرات في العام لتقديم القرابين للإله في الهيكل القائم في القدس. وقد قام الصهاينة بعلمنة هذه العقيدة فنادوا بضرورة أن تصبح الدولة الصهيونية مركز حركية الجماعات اليهودية في العالم، وأن تكون الدولة الصهيونية الملجأ الوحيد لليهود، وبأن تقوم وحدها بالدفاع عنهم، وقالوا إن الحروب التي يخوضها المستوطنون الصهاينة إنما تهدف إلى الدفاع عن كل يهود العالم. ويرى الصهاينة أن الدولة الصهيونية هي التي تساعد يهود العالم في الحرب ضد خطر الاندماج وفي الحفاظ على الهوية اليهودية، وأنها هي التي تضمن استمرار التراث اليهودي وتطوُّره، وتحسن صورة اليهود أمام الأغيار، فبدلاً من صورة اليهودي التاجر والمرابي والجبان تأكدت صورة اليهودي باعتباره المقاتل الشرس وبذا يستعيد اليهودي احترامه لنفسه بعد أن فقده بسبب آلاف السنين من النفي. وتقوم المنظمة الصهيونية بإشاعة هذه الرؤية فتبيِّن مدى مشاركة الجماعات اليهودية في بناء إسرائيل ودعمها والالتفاف حولها، ومدى تَحمُّسهم أثناء الحروب الإسرائيلية المتتالية، وذلك حتى يشعروا بأنهم جزء من إسرائيل وحتى يتعمق لديهم الإحساس بازدواج الولاء.

стр. 7441

وفكرة مركزية إسرائيل عند بعض الصهاينة الأوائل من دعاة الصهيونية السياسية كانت تعني ضرورة تَساقُط الأطراف تماماً (أي تصفية الدياسبورا) . ولكن دعاة الصهيونية الإثنية، الدينية والعلمانية، يذهبون إلى أن مركزية إسرائيل هي مركزية ثقافية بالدرجة الأولى. ولكن دبنوف، وبعده دعاة ما يُسمَّى «قومية الدياسبورا» (أو القومية اليديشية) ، عارض هذه الفكرة طارحاً بدلاً منها فكرة المركز الثقافي المتنقل من عاصمة إلى أخرى بحسب مدى ازدهار الجماعات اليهودية حضارياً وثقافياً، فالمكان الأكثر حضارة وثقافة هو الذي يشكل المركز. ولكن هذا المكان ليس بالضرورة فلسطين أو إرتس يسرائيل (فقد يكون الأندلس أو بابل أو روسيا أو الولايات المتحدة) ، غير أن الصهيونية تحارب مثل هذه التعددية. وقد ازداد مفهوم مركزية إسرائيل أهميةً بعد ظهور الصهيونية التوطينية التي تُسمَّى «صهيونية الدياسبورا» . وبعد إحجام الجماهير اليهودية عن الهجرة إلى أرض الميعاد، يصبح الإيمان بمركزية إسرائيل بديلاً للاستيطان الفعلي، فهو يُشبع الحنين اليهودي إلى صهيون دون أن تُترجَم هذه العاطفة إلى سلوك أو فعل. وقد أصبح تأكيد مركزية إسرائيل حجر الأساس الآن في البرنامج الصهيوني في الولايات المتحدة.

стр. 7442

وتفترض مركزية إسرائيل هامشية أعضاء الجماعات، وضرورة تصفيتها، أو على الأقل تحويلهم إلى أداة تُستخدَم. ولكن واقع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم يُثبت زيف هذا المفهوم، كما يثبت أن هذا المفهوم ينتمي إلى عالم الأحلام والأماني وربما الأوهام، إذ أن الدولة الصهيونية لا تؤثر كثيراً في الحياة الثقافية أو حتى الدينية للأمريكيين اليهود. والواقع أن أعضاء الجماعات اليهودية قد يتحدثون قولاً عن مركزية إسرائيل، ولكنهم يسلكون حسبما تمليه مصلحتهم ورؤيتهم علىهم. وغني عن القول أن الدولة الصهيونية لا يمكنها أن تدافع عن أعضاء الجماعات اليهودية ولا أن تُحسِّن صورتهم العامة، إذ أن ما يحدد هذه الصورة هو أداؤهم داخل مجتمعاتهم. بل إن الدولة الصهيونية، بسبب مركزيتها التي تزعمها لنفسها ومرجعيتها اليهودية التي تدعيها لنفسها، تُلحق الأذى والضرر باليهود كما حدث أثناء حادثة الجاسوس جوناثان بولارد وكما يَحدُث حالياً في مواجهة الانتفاضة حيث يظهر جنود الدولة اليهودية وهم يكسرون أذرع الأطفال. ولو كان القول الصهيوني بشأن مركزية هذه الدولة في حياة أعضاء الجماعات اليهودية حقيقة يمكن أن يقبلها المرء، لكان من حقه أن يرى سلوكها الشرس تعبيراً عن السلوك اليهودي بشكل عام، ولكان من حقه أيضاً أن يرى أن غزوات الصهيونية وصولاتها وجولاتها إنما تعبِّر عن طموحات اليهود أينما كانوا. ومن هنا، يحرص كثير من أعضاء الجماعات الآن على الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الدولة الصهيونية، بل على تأكيد مركزية الدياسبورا. أسبقية (أو أولوية) إسرائيل في حياة الدياسبورا Primacy of Israel in the Life of the Diaspora

стр. 7443

«أسبقية (أو أولوية) إسرائيل في حياة الدياسبورا» مصطلح صهيوني جديد تم سكه مؤخراً ليحل محل مصطلح «مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا» ، وهو مصطلح أقل جذرية من سابقه، وهذا ما يدل على أن الصهيونية الاستيطانية في فلسطين قد بدأت تشعر بضعفها في مواجهتها مع الجماعات اليهودية (في الولايات المتحدة) ومع الصهيونية التوطينية بشكل عام. ولذا، بدلاً من الإصرار على مركزية إسرائيل (وهو ما يعني تبعية الأطراف للمركز) ، يكتفي الفكر الصهيوني بتأكيد أسبقيتها أو أولويتها. وهذه العبارة مثل جيد على الخطاب الصهيوني المراوغ وعلى محاولة إخفاء طبيعة الخطاب وأهدافه. فالأسبقية أو الأولوية تعني مرة أخرى مركزاً وأطرافاً. ومهما يكن الأمر، فإن ظهور المصطلح هو في حد ذاته دليل على التغيُّرات العميقة التي طرأت على علاقة إسرائيل بالجماعات اليهودية في العالم، وعلى تغيُّر موازين القوى لصالح الأخيرة. نفي الدياسبورا Negation of the Diaspora «نفي الدياسبورا» ترجمة عربية حرفية وشائعة للمصطلح الصهيوني «نجيشن أوف ذي دياسبورا negation of the diaspora» (وهو بدوره ترجمة للمصطلح العبري «شليلات هجولاه» ) ، ونفضل التعبير عنه باصطلاح «تصفية الدياسبورا واستغلالها» . تصفية الدياسبورا واستغلالها Liquidation of the Diaspora

стр. 7444

«تصفية الدياسبورا واستغلالها» عبارة تعني أن وجود الجماعات اليهودية في العالم هو وجود مؤقت، هامشي ومرضي، يجب تصفيته، وأنه إن لم يتسن تصفيته يمكن على الأقل توظيفه في خدمة الدولة الصهيونية انطلاقاً من الإيمان بمركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا. والصهيونية تفترض أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يحيون حياة يهودية كاملة لأنهم يعيشون خارج وطنهم القومي، كما أنهم يعانون من شذوذ الشخصية وهامشية الحياة إذ لا جذور لهم في الحضارات المختلفة لأنهم شعب عضوي لا تستطيع حضارة الآخر أن تعبِّر عن جوهره المتميِّز. والسبيل الوحيد إلى التعبير عن هذا الجوهر هو الوطن القومي والتربية القومية. فالصهيونية، بحسب تصوُّر كلاتزكين، هي «رفض الدياسبورا» لأنها "لا تستحق البقاء". وهذه النغمة الصهيونية من أكثر النغمات تكراراً؛ فالحاخام موردخاي بيرون، كبير حاخامات الجيش الإسرائيلي، وصف الشتات بأنه «لعنة إلى الأبد.. لعنة دائمة» ، ولم يستثن من ذلك حتى العصور الذهبية المختلفة ليهود الشتات. كما أشار بن جوريون إلى الشتات على أنه «غبار إنساني متناثر» ، ووصفه كلاتزكين بأنه «دمار وانحلال وضعف أبدي» . وانطلاقاً من ذلك ينظر الصهاينة إلى موروثات أعضاء الجماعات على أنها بلا قيمة ولا تستحق الحفاظ علىها، بل تجب تصفيتها لأنها تجسِّد هامشية اليهود وشذوذهم وقيمهم غير القومية (غير العضوية) التي يجب التخلص منها. ومن ثم، فإننا نجد إشارات إلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم من عَبَدة الإله الكنعاني بعل. يعيشون في بابل عبيداً لشهواتهم المادية الرخيصة (قدور اللحم) ، ومن هنا الحديث عن ضرورة غزو الجماعات.

стр. 7445

ولكن المشكلة الأساسية هي أن التراث اليهودي هو أساساً مجموعة من موروثات الجماعات اليهودية المختلفة، وبدونها لا توجد هويات يهودية من أي نوع. بل إن هذه الموروثات قد وجدت طريقها إلى الوطن القومي، والإسرائيليون لا يزالون يجدون هويتهم من خلالها. وبعد أربعين عاماً من إعلان الدولة، بدأ كثير من جيل الصابرا يبحث عن جذوره في تراث يهود اليديشية أو في تراث إسبانيا وليس في التراث اليهودي الخالص الذي لا وجود له إلا في كتابات الصهاينة. وثمة صيغ صهيونية أقل حدة ترى أن الموروث الثقافي لأعضاء الجماعات قد تكون له أهمية، ولكنها أهمية ثانوية بالقياس إلى إنجازات اليهود الحضارية في فلسطين تحت حكم دولة مستقلة. وانطلاقاً من هذا، يمكن استغلال أعضاء الجماعات اليهودية بدلاً من تصفيتهم، ويمكن توظيفهم في خدمة الدولة الصهيونية بدلاً من نفيهم. بل إن المفكر الصهيوني العمالي أهاردن ديفيد جوردون اقترح أن تكون علاقة يهود العالم بالدولة الصهيونية مثل علاقة الدول الاستعمارية بالمستعمرات، أي علاقة يستفيد منها طرف واحد ويدفع الآخر الثمن. فالجماعات اليهودية، من هذا المنظور، هي مجرد وسيلة تستخدم للوصول إلى الغاية الصهيونية، أو جسر يُستخدَم للعبور إلى أرض الميعاد، أو لبنة تُستخدَم في بناء الدولة الصهيونية.

стр. 7446

وقد كانت الصيغة الأولى الجذرية (أي التصفية الكاملة) هي السائدة حتى عهد قريب. وفي إطار ذلك، كانت الدعوة إلى اللغة العبرية ورفض اليديشية، وفي نهاية الأمر القضاء علىها. كما تم التعاون مع النازيين وإبرام معاهدة الهعفراه معهم، ووُجِّهت الدعوة إلى يهود العالم للهجرة بأعداد كبيرة إلى المركز اليهودي. وقد تم بالفعل تصفية (نفي) كل الجماعات اليهودية في العالمين العربي والإسلامي، ولم يبق سوي جماعات يهودية صغيرة في أوربا وجماعة واحدة كبيرة في الولايات المتحدة. ورغم المحاولات الدائبة من قبَل الصهاينة لتصفية الجماعات اليهودية في الغرب، إلا أن إنجاز هذه العملية لم يكن ثمرة جهود الصهاينة وإنما كان في واقع الأمر نتيجة ظاهرة تاريخية عالمية واسعة هي الاستعمار الاستيطاني الغربي، إذ كانت كل العناصر اليهودية المهاجرة تتجه إلى الدول الاستيطانية الجديدة، وخصوصاً الولايات المتحدة، واتجهت قلة منهم إلى فلسطين التي تم الاستيطان فيها من خلال آليات الاستعمار الاستيطاني الغربي، ولم تكن الصهيونية أو اليهودية سوى الديباجة.

стр. 7447

وقد ظلت الدعوة إلى نفي الدياسبورا واستغلالها قائمة حتى عام ١٩٤٨. ولكن بعد إنشاء الدولة وتزايد اعتمادها على الولايات المتحدة وعلى يهود العالم تخلَّى الصهاينة عن الصيغة المتطرفة وتم تبنِّي صيغة معدَّلة مقلَّصة، ومن ثم أصبحت الدولة الصهيونية لا تهدف إلى نفي الجماعات وتصفيتها وإنما تنظر إلىها باعتبارها مصدر دعم مادي وسياسي ومعنوي، أي قبلت ما نسميه «الصهيونية التوطينية» . ولذا، فإن الآلة الصهيونية تركز كل همها على جمع التبرعات. وقد زوَّد أعضاء الجماعات اليهودية الدولة الصهيونية بنحو ٢٥% من كل مواردها المالية في السنين الأولى. ولكن، مع زيادة حجم الميزانية الإسرائيلية، ومع التضخم، نجد أن أعضاء الجماعات لا يزودونها إلا بـ ٣% من مواردها. كما أن جمع الأموال أصبح يسبب نوعاً من الجفاء تجاه الصهيونية ونوعاً من الضيق بالكيان الصهيوني. بل إن المنظمات الصهيونية في الخارج تحتفظ بقدر كبير من الأموال التي تجمعها لتمويل نشاطاتها هي. كما أن أعضاء الجماعات بدأوا يثيرون قضايا مثل كيفية إنفاق هذه التبرعات، فيصر كثير منهم على إنفاقها في الرفاه الاجتماعي وليس في الحرب، على حين أن فريقاً منهم يرفض أن تُنفَق أية تبرعات على المُستوطَنات في الضفة الغربية. وقد طُرحَت مؤخراً صيغة جديدة للتعاون بين الصهيونية وأعضاء الجماعات اليهودية، تشكل تراجعاً صهيونياً. فهذا المشروع يركز على القدرات المهنية والفكرية لأعضاء الجماعات انطلاقاً من القول بأن العقول هي رأسمال عصر العلم، تماماً كما كانت النقود رأسمال عصر الصناعة. ولذا، فإن هذا المشروع يهدف إلى أن تكون إسرائيل أول المجتمعات في عصر الفضاء وأكثرها تركيباً من الناحية التكنولوجية والعلمية والثقافية، وتتحول بذلك إلى قوة عظمى صغيرة تُنتج التكنولوجيا وتُصدِّرها، فتحل مشكلة ميزان المدفوعات وترفع مستوى مواطنيها، وتسد الهوة الاجتماعية الإثنية داخل المجتمع الصهيوني، ثم

стр. 7448

تضمن في النهاية استمرار وجود الهوة الكيفية بينها وبين جيرانها. ولذا، لن يُطلَب من أعضاء الجماعات اليهودية أن يهاجروا وإنما سيُطلَب منهم إقامة مشاريع ذات طابع كيفي متميِّز في إسرائيل. وسيكون بوسع المساهمين في هذه المشاريع قضاء أوقات أطول في إسرائيل والمساهمة بكفاءتهم العلمية والتكنولوجية دون أن يهاجروا بالفعل. كما يمكنهم أيضاً المساهمة في استيراد وتسويق السلع الإسرائيلية. بل يمكن أن يتحولوا إلى وكلاء يتقاضون عمولة كبيرة تستخدم لتمويل المشاريع المختلفة. وغني عن القول أن هذه مهمة يمكن أن يقوم بها أيضاً أي إنسان يطمع في تحقيق الربح، فهي لا تتصل بالضرورة بالهوية اليهودية أو بوحدة الشعب اليهودي كما لا تتصل بالعلاقة الخاصة بين دياسبورا يهودية في المنفى ومركز يهودي في فلسطين! غزو الدياسبورا Conquest of the Communities (Diaspora)

стр. 7449

«غزو الدياسبورا» مصطلح صهيوني يعني ضرورة الهيمنة الصهيونية على كل الجماعات اليهودية في العالم شاءت أم أبت، وذلك باعتبار أن الدولة الصهيونية هي المركز والجماعات اليهودية هي الأطراف، وهذا ما يُطلَق علىه «مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا» . وبناءً على نصيحة ماكس نوردو، أعلن هرتزل في المؤتمر الصهيوني الثاني (١٨٩٨) ضرورة غزو الحركة الصهيونية للجماعات اليهودية. والواقع أن الحركة الصهيونية لا تهدف إلى تهجير العرب من فلسطين إلى المنفى وحسب، وإنما تهدف أيضاً إلى تهجير اليهود من المنفى إلى فلسطين. ولكن حينما أعلنت الحركة الصهيونية برنامجها بشأن الوطن القومي وتجميع اليهود، أي تهجيرهم، قوبلت الدعوة بالرفض من جانب جميع المنظمات اليهودية في العالم. ووجد الصهاينة أنفسهم معزولين في جزيرة صغيرة، وذلك على حد قول وايزمان أثناء محادثاته مع الحكومة الإنجليزية لإصدار وعد بلفور، أي أنهم وجدوا أنفسهم مفتقرين إلى قاعدة جماهيرية. ولحل هذا الوضع، تبنَّى الصهاينة إستراتيجية حل المشكلة من أعلى (أي من ناحية المصالح الإمبريالية) وليس من أسفل (من ناحية الجماهير اليهودية) . ومعنى هذا أنهم قرَّروا غزو الجماعات من خلال القوى الاستعمارية العظمى. فقدموا أنفسهم منذ البداية باعتبار أن بإمكانهم لعب دور الوسيط بين القوى الاستعمارية من جهة واليهود من جهة أخرى، وذلك لتجنيدهم وتوطينهم في الموقع الجغرافي الذي يهم تلك القوى. وقد أخبر هرتزل القس هشلر (الذي كان يساعده في جهوده الصهيونية) بأنه لا يمكنه فرض شروطه على اليهود إلا إذا نال قسطاً من الشرعية من إحدى الدول العظمى حتى يَقبَله اليهود. وبالفعل، فحالما وافقت إنجلترا على المشروع الصهيوني (١٩١٧) اكتسبت الصهيونية شرعية هائلة أمام الجماهير اليهودية في الغرب فاضطرت إلى الاعتراف بها. وهذا ما حدث أيضاً في الولايات المتحدة حيث اتجه النظام الأمريكي اتجاهاً ممالئاً للصهيونية

стр. 7450

برغم معارضة اليهود، فاكتسبت المنظمة الصهيونية الشرعية التي تحتاج إليها وفرضت هيمنتها في نهاية الأمر على الجماعة اليهودية. ومن ثم، يصر الصهاينة على أن يُنظَر إلى المشروع الصهيوني في ضوء المصالح الإمبريالية، وكان القاضي الأمريكي اليهودي برانديز يؤكد لليهود أن صهيونية اليهودي الأمريكي لا تتعارض البتة مع أمريكيته. وبذا حقَّقت الصهيونية أولى خطوات عملية غزو الجماعات. ويُلاحَظ أن ثمة تماثلاً بين الطريقة التي إتبعتها الحركة الصهيونية في غزو الجماعات اليهودية وبين طريقتها في غزو فلسطين، أي الاعتماد على القوى الاستعمارية الخارجية. وقد قال الزعيم الصهيوني أهارون جوردون: إن الأقليات في الخارج يجب أن تكون بمنزلة مستعمرات للوطن الأم. وقد أخذت محاولات فرض مركزية إسرائيل أشكالاً مختلفة أكثر دهاء أو أكثر إرهابية (حسبما تمليه الظروف) . فبعد عام ١٩٤٨، أعلنت الدولة الصهيونية نفسها دولة للشعب اليهودي بأسره، داخل حدودها وخارجها، بكل ما يُفهَم من هذا من مركزية. ويصدر المسئولون الصهيونيون والإسرائيليون من التصريحات ما يفترض مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا وارتباطهما العضوي. فيصرح مندوب إسرائيل في هيئة الأمم بأن مستقبل يهود إسرائيل ويهود أمريكا لا ينفصلان. وكتب بن جوريون عن "وجود رابطة لا تنفصم عراها بين دولة إسرائيل والشعب اليهودي ... رابطة الحياة والموت ... ووحدة المصير والغاية". بل إن بن جوريون يدَّعي أنه عندما يقول يهودي ليهودي آخر "حكومتنا" فإن ذلك يعني حكومة إسرائيل وأن "عامة اليهود في مختلف الدول ينظرون إلى الشعب الإسرائيلي باعتبار أنه يقوم بتمثيلهم".

стр. 7451

وتأخذ محاولات فرض مركزية إسرائيل شكلاً عنيفاً صريحاً كما حدث في العراق حينما زرع عملاء صهاينة متفجرات في المعبد اليهودي في بغداد حتى يفر يهود العراق إلى المركز الإسرائيلي. وقد حدث شيء مماثل عام ١٩٩٠ حينما نجح الصهاينة في إقناع الولايات المتحدة بأن توصد أبوابها دون المهاجرين اليهود السوفييت حتى يضطروا إلى الهجرة للمركز الإسرائيلي الذي اتضح انصرافهم عنه، وعدم إقبالهم عليه (انظر: «التهجير [الترانسفير] الصهيوني لأعضاء الجماعات اليهودية» ) ولا تتوقف عملية غزو الجماعات على الهيمنة على الجماعات اليهودية نفسها، إذ أخذت الصهيونية (وهي عقيدة سياسية لا دينية) تَقرن نفسها باليهودية (وهي عقيدة سماوية) وتتوحد بها، كما تمت صهينة العقيدة اليهودية بشكل تام (هي في جوهرها عملية علمنة) . وقد تم إنجاز هذه العملية بكفاءة عالية جداً حتى أن معظم أعضاء الجماعات، وخصوصاً من الأجيال الجديدة، يتصوَّرون الآن أن الصهيونية هي اليهودية ولا فرق بينهما. ويهيمن الآن الجهاز الصهيوني على معظم المؤسسات اليهودية في العالم، إذ تغلغلت في النشاط الخيري والتربوي وفي أوجه الحياة كافة. وتحاول الصهيونية قصارى جهدها أن تُوظِّف إمكانات أعضاء الجماعات لصالحها، مالية كانت أو علمية أو سياسية لتحوِّلهم إلى أداة لها.

стр. 7452

وقد اختفي المصطلح تقريباً في الأدبيات الصهيونية مع أنه مفهوم كامن فيها، ويرجع هذا إلى عدة أسباب من بينها إذعان أعضاء الجماعات اليهودية واستبطانهم المصطلح الصهيوني بشكل شبه تام. كما ظهر عقد صامت بين الدولة الصهيونية ويهود العالم تم بمقتضاه تقسيم العمل بين الصهيونية التوطينية أو صهيونية الخارج (صهيونية الدعم والضغط السياسي) والصهيونية الاستيطانية أو صهيونية الداخل (صهيونية الاستيطان والقتال) . ولكن الأهم من هذا أن الاعتراف الغربي بالصهيونية دعم مركز الصهيونية بين يهود الغرب المندمجين، وبدأت المعارضة الصريحة للصهيونية تبدو وكأنها معارضة لسياسات الحرب العالمية الأولى التي اتبعتها الحكومات الغربية. والواقع أن الشرعية الاستعمارية التي اكتسبتها الصهيونية أدَّت إلى حسم قضية ازدواج الولاء بالنسبة لليهودي الغربي، وحينما يؤيد المواطن الأمريكي اليهودي الصهيونية، فهو إنما يساند المصالح الإستراتيجية لبلاده، ومن ثم فلا يوجد فرق كبير بينه وبين المواطن الأمريكي غير اليهودي الذي يؤيد المشروع الصهيوني إلا في الدرجة والشكل. ومع هذا، نجد أن أعضاء الجماعات اليهودية يقاومون هذا الغزو إما بالرفض الصريح وهذه هي الأقلية، وإما بالتملص عن طريق إعلان الولاء للدولة الصهيونية ودفع التبرعات لها ورفض الهجرة إليها. والرد الصهيوني على ذلك يأخذ أشكالاً حادة، كأن يُتَّهم اليهود والرافضون للصهيونية بأنهم معادون لليهود كارهون لأنفسهم، أو أن يُفرَض عليهم الخلاص الجبري. ولا يمكن إدراك المعنى الكامل لمفهوم غزو الجماعات إلا في إطار مفاهيم صهيونية أخرى مثل نفي الدياسبورا وهامشيتها. هذا ويُلاحَظ، بعد الانتفاضة واهتزاز الشرعية الصهيونية، وكذلك قيام إسرائيل بدور الخفير في المنطقة، أن الجماعات اليهودية بدأت تفصح عن معارضتها لإسرائيل والصهيونية، وزاد الحديث عن مركزية الدياسبورا بدلاً من مركزية إسرائيل.

стр. 7453

الباب الثانى: موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية Attitude of the Diaspora to Zionism تروِّج الدعاية الصهيونية لصورة مفادها أن الأغلبية العظمي من يهود العالم تؤمن بالعقيدة الصهيونية، وتؤازر الدولة الصهيونية وتقف وراءها صفاً واحداً. وقد يكون هناك شيء من الحقيقة السطحية والمباشرة في هذا القول، فرغم أن يهود إسرائيل لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة من يهود العالم لا تتجاوز الثُلث بأية حال فإن الحركة الصهيونية قد هيمنت علي معظم المؤسسات اليهودية في العالم، ومنها كثير من الجمعيات اليهودية الأرثوذكسية والإصلاحية التي يوجد بينها وبين الصهيونية تَناقُض من ناحية العقيدة. فاليهودية الأرثوذكسية تري أن اليهود شعب بالمعني الديني وحسب وليس بالمعني العرْقي كما يتصوَّر الصهاينة. أما اليهودية الإصلاحية فتري أن اليهود ليسوا شعباً أساساً وإنما جماعة دينية يؤمن أفرادها بالعقيدة نفسها. وقد أصبح منْ يرفضون الصهيونية بشكل علني وعقائدي أقليةً هامشيةً لا يُعتد بها ولا يُسمَع لها صوت.

стр. 7454

ولكن، رغم ذلك، ليست العلاقة بين الجماعات اليهودية والحركة الصهيونية علاقة طيبة دائماً. والمعروف أن الحركة الصهيونية لاقت مقاومة شديدة عند ظهورها من أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم واضطرت إلي «غزو الدياسبورا» ، أي لجأت إلي أنواع من العنف لقهرها والسيطرة عليها، وهذا ما تم بالفعل مع منتصف الخمسينيات. ولكن حتي بعد أن حققت الحركة الصهيونية ذلك، رفض أعضاء الجماعات اليهودية ـ في الممارسة العملية ـ الخضوع للأوامر والنواهي الصهيونية. فهم، علي سبيل المثال، يرفضون الهجرة إلي إسرائيل «وطنهم القومي» الوهمي، وهم قد يقبلون الصهيونية اسماً وشكلاً لكنهم يرفضونها فعلاً وعملاً. وهذا ما نسميه «التملص اليهودي من الصهيونية» . كما أن اهتمام أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ينصب علي موروثهم الثقافي من المجتمع الذي يعيشون في كنفه، فيهود الولايات المتحدة علي سبيل المثال يهتمون بموروثهم الأمريكي اليهودي ويتعلمون اللغة الإنجليزية ويضعون مؤلفاتهم الدينية والدنيوية بها، كما أنهم لا يدرسون العبرية إلا في مراكز خاصة لدراسة اليهودية يعاني خريجوها من البطالة لعدم وجود اهتمام كاف بهذه الدرسات. وهذا الوضع هو تعبير عن رفض ضمني كامن للمفاهيم الصهيونية الخاصة بنفي الدياسبورا وبمركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا، وهي مفاهيم تؤكد أن يهود العالم مجرد أداة لتحقيق الهدف الصهيوني، وأنهم يمثلون هامشاً يدور حول المركز «القومي» الصهيوني أي الدولة الصهيونية.

стр. 7455

وحتي في إطار الخضوع الظاهري الكامل لإسرائيل، تنشأ مشاكل عدة بين يهود العالم من الصهاينة واليهود غير الصهاينة من جهة وإسرائيل من جهة أخري. ولعل أهم هذه القضايا هي تلك التي أُثيرت منذ عام ١٩٤٨ عن مدي حق أعضاء الجماعات، علي مستوي العالم، في توجيه النقد إلي إسرائيل. فالدولة الصهيونية تحاول أن تكون علاقتها بيهود العالم علاقة هيمنة، فتتلقي منهم العون والمساعدات والتأييد دون أن يكون لهم حق التدخل في شئونها. ولكنهم، في نهاية الأمر، رفضوا الهجرة إليها وآثروا البقاء في «المنفي» ، وما يقدمونه هو تكفير عن عدم مساهمتهم في تحقيق رؤية الخلاص والمثل الأعلي الصهيوني. أما يهود العالم، فيرون المسألة بشكل مختلف، إذ كيف يُطلَب منهم قبول قرارات سياسية إسرائيلية لم يشتركوا في صياغتها، أو تأييد هذه القرارات دون اعتراض؟ وإذا كان لدي الدولة الصهيونية استعداد لأن تتلقي نقودهم بصدر رحب وحماس زائد، فيجب أيضاً أن يتسع صدرها لانتقاداتهم التي تَنصبُّ في الغالب علي مسائل محدَّدة. وأولي المسائل المهمة التي يثيرها يهود العالم أن الصهيونية وعدتهم بأن تؤسِّس دولة يهودية تسمح لليهود بالتحكم في مصائرهم مستقلين عن مجتمع الأغيار. ولكن هؤلاء، حين ينظرون، يرون دولة مصابة بأزمة اقتصادية مزمنة وصل فيها التضخم في وقت من الأوقات إلي معدلات قياسية. ورغم أن التضخم تمت السيطرة عليه، فإن حجم مديونية هذه الدولة يجعل المواطن فيها من أكثر المواطنين مديونية في العالم، حيث تصل إلي ٦.٢٠٠ دولار بالنسبة إلي الشخص الواحد. ويُلاحَظ كذلك تَناقُص معدل النمو الاقتصادي. وقد أدَّي كل ذلك إلي الاعتماد المتزايد والمذلّ علي الولايات المتحدة.

стр. 7456

وقد ادعت الصهيونية أن اليهود مصابون بشتي أمراض المنفي، مثل الهامشية والطفيلية وانقلاب الهرم الإنتاجي، وأنها ستقوم بتحويلهم إلي شعب منتج يعمل بيديه. ولكن هذه النبوءة لم تتحقق إذ أن عدد اليهود في الدولة الصهيونية الذين يشتغلون بأعمال إنتاجية في الوقت الحالي يبلغ ٢٣%، وكانت النسبة ٢٤% قبل عام ١٩٤٨. وقد تزايد قطاع الخدمات وتَضخَّم في المجتمع الإسرائيلي وفي الجيش نفسه. ومن القضايا التي يثيرها يهود العالم من المؤمنين باليهودية، مشكلة معدلات العلمنة المتزايدة في الدولة اليهودية التي لا تسودها القيم اليهودية، فكثيراً ما يجدون أن بعض مبعوثي الدولة اليهودية لم يقرأوا التوراة في حياتهم قط، ولم يذهبوا إلي معبد يهودي. وتضطر الدولة التي يقال لها «يهودية» إلي أن تعطي دورات مكثفة في الدين اليهودي لبعض مبعوثيها إلي الخارج حتي لا ينكشف السر، فهم لا يعرفون كيف تُقام الصلوات اليهودية ولا يدرون شيئاً عن السلوك الواجب اتباعه في المعبد اليهودي. ويشير هؤلاء المتدينون أيضاً إلي أن الدولة اليهودية، التي كان من المفترض أن تكون مثلاً أعلي يُحتذَي، أصبحت ذات توجُّه استهلاكي حاد يُقبل سكانها علي استهلاك السلع الغربية بشغف شديد. وهي، علاوة علي هذا، دولة تنتشر فيها الجرائم والمخدرات والدعارة، كما أصبحت ترتع فيها الجريمة المنظمة، وأصبح الجهاز الحكومي لا يتمتع بسمعة طيبة بسبب فضائحه المالية المتتالية.

стр. 7457

وحينما تتهم الدولة الصهيونية أعضاء الجماعات اليهودية بأنهم آخذون في الاندماج، بل في الانصهار والتلاشي، يشيرون هم بدورهم إلي حياة إسرائيل العلمانية، ويؤكدون أن الإسرائيليين هم الذين يفقدون هويتهم اليهودية بالتدريج، وأنهم هم الذين سيندمجون تماماً في حضارة الأغيار. بل إن بعضهم يري أن ما يحدث في إسرائيل هو ظهور قومية جديدة إسرائيلية لا علاقة لها باليهودية، وبالتالي لا علاقة لها بهم. ويثير يهود العالم قضية أساسية أخري يبدو أنها دون حل في الوقت الحاضر، وهي أن المؤسسة الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل ترفض الاعتراف باليهود الإصلاحيين والمحافظين كيهود، وهم يشكلون مع اليهود اللا أدريين والملحدين ما يزيد علي ٨٠% من يهود العالم الغربي، في حين لا يشكل الأرثوذكس إلا أقلية صغيرة. وتأخذ القضية شكلاً حاداً، كلما أثارت المؤسسة الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل قضية تغيير قانون العودة حتي يصبح تعريف اليهودي هو من تهوَّد حسب الشريعة، أي علي يد حاخام أرثوذكسي وحسب. ويري بعض المفكرين الدينيين اليهود أن ظهور الدولة الصهيونية قد أدَّي إلي انهيار اليهودية وتآكُلها من الداخل، فأصبحت الدولة هي دين يهود العالم، ومصدر القيمة المطلقة لهم، كما أصبح جمع التبرعات من أهم الشعائر «الدينية» . وهم يرون أن اليهودي العادي قد أصبح يُفرغ أية شحنة دينية داخله عن طريق النشاط الصهيوني، وهو نشاط دنيوي بالدرجة الأولي.

стр. 7458

ويثير يهود العالم قضية أساسية أخري، وهي: هل الدولة اليهودية مجرد دولة تخدم مصالحها بغض النظر عن مصالح اليهود، أو هي دولة يهودية تضع مصالح يهود العالم في الاعتبار؟ وقد أثيرت القضية مؤخراً بكل حدة بسبب التعاون الوثيق بين الحكومة الصهيونية وحكومة الأرجنتين العسكرية. وقد قام شامير، باعتباره وزيراً لخارجية إسرائيل، بزيارة الأرجنتين في الأيام الأخيرة للنظام العسكري، وقد ثبت أن هذا النظام، المشهور بميوله النازية المعادية لليهود، كان يقوم بتعذيب معارضيه، واليهود منهم علي وجه الخصوص. ومع هذا، فقد استمر النظام الصهيوني في الحفاظ علي علاقاته بالنظام العسكري في الأرجنتين. وكانت السفارة الإسرائيلية ترفض التدخل لصالح المعتقلين السياسيين اليهود. وثمة حقيقة مهمة تدعو إلي التساؤل: إن أحد أهداف الدولة اليهودية هو توفير الأمن والحماية لليهود، ومع ذلك فإن أعضاء الجماعات اليهودية يشعرون بأن أمنهم قد تزعزع بسبب الأحداث في الشرق الأوسط وأن الجو الذي يعيش فيه اليهود في عدة بلاد قد تحوَّل من جو آمن إلي جو قلق مشحون. وفي الواقع، فإن كثيراً من المؤسسات اليهودية تحتاج الآن إلي حراسة مسلحة. وقد صرح شامير مؤخراً بأن الدولة الصهيونية لا يمكنها أن تضطلع بمسئولية حماية أعضاء الجماعات اليهودية إذ أنها مشغولة بحماية وبناء نفسها.

стр. 7459

ويشير اليساريون اليهود في العالم إلي علاقات إسرائيل بالنظم العسكرية في أمريكا اللاتينية، فهي من أكبر موردي السلاح إليها، كما أن علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية مع نظام جنوب أفريقيا محل انتقادهم، إذ كيف يتأتي لدولة يهودية متمسكة بالقيم اليهودية أن تتحول إلي حليف لكل قوي القمع والإرهاب في العالم؟ ويضطر الليبراليون أيضاً إلي الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الكيان الصهيوني حينما يقوم بعمليات وحشية تفوح رائحتها مثل صابرا وشاتيلا. وقد حاولت الصهيونية أن تحل مشكلة سلوكها العنصري والإرهابي بأن قلَّصت مجال هذه العنصرية وجعلتها مقصورة علي مكان واحد فقط هو فلسطين، فهي ليست عنصرية كونية علي الطريقة النازية بل عنصرية مقصورة علي بؤرة واحدة (فلسطين) ، وعلي شعب واحد. ولذا، تستطيع العقيدة الصهيونية أن تتخذ ديباجات اشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وديباجات رأسمالية ليبرالية في العالم الغربي، وديباجات فاشية في أمريكا اللاتينية، ويمكنها في النهاية أن تمارس وحشيتها كاملة في فلسطين دون أن تسبب حرجاً كبيراً لمناصريها في الخارج. ومع هذا، نجد أن اندلاع الانتفاضة قد غيَّر هذه الصورة، فقد أصبح الاحتفاظ بالازدواجية صعباً واضطر يهود العالم إلي شجب الأعمال الوحشية التي تمارسها إسرائيل. ومن القضايا التي تثير بعض التوتر بين أعضاء الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية، هجرة عدد كبير من مواطني الكيان الصهيوني إلي الولايات المتحدة واستيطانهم فيها. ويبلغ عدد المهاجرين ٦٠٠ ألف، أكثر من نصفهم من مواليد إسرائيل (فلسطين) ، أي من جيل الصابرا، ومن هنا يتم طرح السؤال التالي: هل من الواجب أن تقوم المؤسسات اليهودية بتقديم المساعدة لهؤلاء المهاجرين باعتبارهم يهوداً أم تجب مقاطعتهم باعتبارهم خونةً مرتدين؟

стр. 7460

ويمكن القول بأن واحداً من أكبر أشكال فشل الدولة الصهيونية في الهيمنة الفعلية علي أعضاء الجماعات اليهودية في العالم أنه بعد مرور ما يزيد علي مائة عام علي الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وبعد مرور نحو أربعة عقود علي إنشاء الدولة الصهيونية، وبعد الحملات المكثفة، بل الهستيرية، التي تهدف إلي إقناع أعضاء الجماعات بالهجرة إلي فلسطين انطلاقاً من إيمانهم الديني القوي، والتي تؤكد لهم أن هذه الهجرة هي السبيل الوحيد إلي الحفاظ علي وطنهم القومي، أي إسرائيل، بعد كل هذا لم تقابل المنظمة الصهيونية والدولة الصهيونية كثيراً من النجاح، الأمر الذي فرض عليهما أن تطرحا جانباً في الآونة الأخيرة تلك المنطلقات العقائدية الصهيونية وتطرحا بدلاً منها شعارات مادية استهلاكية. فإسرائيل، حسب الحملات الدعائية الجديدة، ليست أرض الميعاد ولا مسرح الخلاص، وإنما هي بلد تتوافر فيه أسباب الراحة المادية للمهاجر حيث يمكنه أن يمتلك بيتاً واسعاً كبيراً بشروط ائتمانية سهلة، وبالتقسيط المريح، أو يمكنه أن يجد فرصاً أحسن للعمل أو الاستثمار. بل تم تعديل الأسطورة الصهيونية نفسها، فبدلاً من الإصرار علي اليهودي الخالص، اليهودي مائة في المائة، تم الاعتراف بالأمريكي اليهودي، أي اليهودي الذي ينتمي إلي وطنه الأمريكي انتماءً كاملاً، ويعتز بتراثه الإثني ما دام هذا الاعتزاز لا يتناقض مع انتمائه الأمريكي. ولا يختلف الأمريكي اليهودي في هذا عن الأمريكي الإيطالي أو الأمريكي البولندي. وداخل هذا الإطار، تصبح إسرائيل مثل إيطاليا وبولندا أي «مسقط الرأس» الذي أتي منه المهاجر. ولكن المفارقة تكمن في أن هذه الأسطورة تقف علي النقيض من الأسطورة الصهيونية، لأن «مسقط الرأس» هي البلد الذي يهاجر منه اليهودي، علي عكس «صهيون» أو «أرض الميعاد» فهي البلد الذي يعود إليه. وهكذا تحوَّلت الأسطورة الصهيونية إلي نقيضها من خلال محاولتها التكيف مع الوضع
следующие страницы →