Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.
стр. 7911
وأثناء الحرب العالمية الأولى، والحملة البريطانية على فلسطين، انضم قسم من أعضاء منظمة الحارس إلى الفيلق اليهودي وقاتل في صفوف الجيش البريطاني، بينما انضم قسم آخر إلى جانب الأتراك. وكانت تلك بداية الصراعات الداخلية التي تطورت لتصل إلى ذروتها خلال المؤتمر العام للمنظمة في مايو ١٩٢٠، حيث تباينت الآراء بين الحفاظ على استقلال المنظمة، وبين تحويلها إلى منظمة موسعة للدفاع تخضع لإشراف المؤسسات السياسية العامة لليشوف الاستيطاني. وقد تقرَّر في النهاية حل المنظمة والانضمام للهاجاناه، إلا أن عدداً محدوداً من الأعضاء ظل متمسكاً بفكرة استمرار المنظمة، وحقها في تولِّي الأعمال العسكرية بلا منافس. وقد احتفظ هؤلاء بمخزن خاص للسلاح، ولم يسلموه إلى الهاجاناه إلا عام ١٩٢٩ مع اندلاع انتفاضة العرب الفلسطينيين.
البيتار (منظمة (
Betar
» البيتار «اختصار للعبارة العبرية «بريت يوسف ترومبلدور» ، أي «عهد ترومبلدور» أو «حلف ترومبلدور» . وهو تنظيم شبابي صهيوني تصحيحي أسسه في بولندا عام ١٩٢٣ يوسف ترومبلدور، وكان هدفه إعداد أعضائه للحياة في فلسطين بتدريبهم على العمل الزراعي وتعليمهم مع التركيز على العبرية بالإضافة إلى التدريب العسكري. وكان أعضاؤها يتلقون أيديولوجيا واضحة التأثر بالأيديولوجيات الفاشية التي سادت أوربا آنذاك، فكانوا يتعلمون مثلاً أن أمام الإنسان اختيارين لا ثالث لهما: "الغزو، أو الموت"، وأن كل الدول التي لها رسالة قامت على السيف وعليه وحده. وبشكل عام، يمثل التنظيم أفكار جابوتنسكي زعيم الصهيونية التنقيحية.
стр. 7912
ولم يقتصر نشاط بيتار على بولندا بل امتد إلى العديد من الدول، فأسست عام ١٩٣٤ قاعدة للتدريب البحري في إيطاليا وأخرى للتدريب على الطيران في باريس، كما أسست فروعاً في اللد (١٩٣٨) وجنوب أفريقيا (١٩٣٩) ونيويورك (١٩٤١) . وقد ظلت القاعدة الأساسية للتنظيم وهيئته العليا حتى الحرب العالمية الثانية خارج فلسطين، ثم انتقلت بعد ذلك إليها، حيث كان بعض أتباع بيتار قد أسسوا عدة مستوطنات زراعية.
وقد انشق تنظيم بيتار عن المنظمة الصهيونية إثر النزاعات بين جابوتنسكي وزعمائها، وهي النزاعات التي انتهت بانفصاله، وتشكيل المنظمة الصهيونية الجديدة في ١٩٣٤ نتيجة معارضة سياسة الهستدروت. وداخل بيتار، تشكلت الكوادر الأساسية لمنظمة الإرجون الإرهابية ولحركة حيروت. وكان مائير كاهانا مؤسس جماعة كاخ عضواً في تنظيم بيتار.
الفيلق اليهودي
Jewish Legion
стр. 7913
«الفيلق اليهودي» هو تشكيلات عسكرية من المتطوعين اليهود الذين حاربوا في صفوف القوات البريطانية والحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى مثل الكتيبة اليهودية رقم ٣٨ التي جُنِّدت في إنجلترا عام ١٩١٥ ـ ١٩١٧، والكتيبة ٣٩ التي نظمها بن جوريون وبن تسفي في الولايات المتحدة بين عامي ١٩١٧ ـ ١٩١٨، والكتيبة ٤٠ التي تم تشكيلها في فلسطين، وكذلك كتائب حملة البنادق الملكية وفرقة البغالة الصهيونية التي نظمها جابوتنسكي وترومبلدور في مصر عام ١٩١٥. وقد بلغ عدد أفراد كل هذه المنظمات ٦٤٠٠ رجل وكان يُشار إليها جميعاً باسم «الفيلق اليهودي» . وترجع فكرة هذه التشكيلات إلى تصوُّر الصهاينة أنه يتعيَّن عليهم مساعدة بريطانيا، القوة الاستعمارية الصاعدة، حتى تساعدهم هي على تأسيس وطن قومي لليهود. وقد واجه الصهاينة صعوبات جمة في بادئ الأمر حيث تجاهلتهم وزارة الدفاع البريطانية وهاجمهم اليهود الاندماجيون، وكذلك اليساريون في أوساط الشباب اليهودي، إلا أن الجو في بريطانيا آنذاك كان ملبداً بمعاداة اليهود «الأجانب» الذين يفدون من روسيا ويستقرون ويكسبون رزقهم في بريطانيا دون أن يتحملوا مشقة الدفاع عنها. ولذلك، سارعت الحكومة البريطانية بتجنيد هؤلاء "الأجانب" لتهدئة مشاعر الغضب من جراء وضعهم الفريد، وكان هذا الإجراء هو العنصر الرئيسي الذي أدَّى إلى إضعاف المعارضة اليهودية لفكرة الفرقة العسكرية الصهيونية.
стр. 7914
وقد أعلنت الحكومة البريطانية في أغسطس ١٩١٦ موافقتها على اقتراح جابوتنسكي بتشكيل كتيبة يهودية، وذلك بينما كانت الجهود الرامية لإصدار وعد بلفور تجري على قدم وساق. وكانت النية تتجه إلى جعل الفرقة يهودية خالصة، ولكن الجناح المعادي للصهيونية نجح في منع هذه الخطوة، ولذلك أُطلق على الكتيبة اسم «الكتيبة ٣٨، حملة البنادق الملكية» وتولَّى قيادتها الضابط البريطاني جون باترسون. وقد تلقت هذه الكتيبة تدريباتها في بريطانيا ومصر، ثم توجهت إلى فلسطين. ورغم اشتراك هذه الكتيبة في الهجوم على شرق الأردن واحتلال مدينة السلط في سبتمبر ١٩١٨، فإن أداءها لم يكن مرضياً حيث انتشرت الملاريا في صفوف الجنود الأمر الذي أدَّى إلى فرار الكثيرين (ومنهم بن جوريون) وتَشتُّت الكتيبة.
ولدى دخول الولايات المتحدة الأمريكية طرفاً في الحرب، وافقت الحكومة الأمريكية في يناير ١٩١٨ على تشكيل كتيبة أخرى من اليهود الأمريكيين والمتطوعين من كندا والأرجنتين، وأُطلق عليها اسم «الكتيبة ٣٩» . وقد نُقل قسم منها إلى مصر وشرق الأردن في منتصف عام ١٩١٨، بينما وصل القسم الأعظم إلى فلسطين بعد أن وضعت الحرب أوزارها.
وفي يونيه ١٩١٨، تم تشكيل كتيبة أخرى هي «الكتيبة ٤٠» بناءً على اقتراح قائد الفرقة الأسكتلندية في فلسطين الذي دعا إلى تجنيد اليهود في المناطق التي احتلتها القوات البريطانية. وقد تلقت هذه الكتيبة تدريباتها في التل الكبير ولم تشارك في الهجوم على شمال فلسطين عام ١٩١٨، ولكنها نُقلت إلى فلسطين في نهاية ذلك العام.
стр. 7915
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت تتمركز على أرض فلسطين ثلاث كتائب يهودية تضم حوالي خمسة آلاف فرد يمثلون سدس جيش الانتداب البريطاني، وقد أصبح اسمهم هو «الكتيبة العبرية» وشعارها المينوراه (وهو شعار القبَّالاه ثم الدولة الصهيونية فيما بعد) . وبعد أن ترسخت دعائم الاحتلال البريطاني في فلسطين، بدأت الحكومة البريطانية في تسريح تلك الكتائب ولم تعبأ بنداءات المنظمة الصهيونية العالمية من أجل زيادة عدد أفراد الكتائب والإبقاء عليها ضمن القوات البريطانية. وفي عام ١٩٢١، تم حل هذه الكتائب نهائياً وانضم كثير من أعضائها إلى الهاجاناه.
فرقة البغالة الصهيونية
Zion Mule Corps
وحدة عسكرية صهيونية مساعدة للجيش البريطاني شُكِّلت عام ١٩١٥ إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى. وكان جابوتنسكي أول من فكر في تكوين هذه الوحدة لاقتناعه بأهمية التحالف مع بريطانيا للتخلص من الإدارة العثمانية لفلسطين وضرورة القوة المسلحة اليهودية لبناء الدولة الصهيونية. وقد اتصل جابوتنسكي بترومبلدور ليقوما بتجنيد المتطوعين من بين المستوطنين اليهود الذين أبعدتهم السلطات العثمانية عن فلسطين إلى مصر لأنهم لم يكونوا رعايا عثمانيين. وكان الهدف من ذلك وضعهم تحت تصرف القوات البريطانية أثناء غزوها فلسطين. ولكن الجنرال ماكسويل، قائد القوات البريطانية في مصر آنذاك، رفض الفكرة لأنه كان ضد تجنيد الأجانب، واقترح أن يقتصر دور المتطوعين على مساعدة الجيش في حمل المؤن والذخائر للقوات المحاربة في أي مكان غير فلسطين. ورغم اعتراض جابوتنسكي، وافق ترومبلدور وشُكِّلت الفرقة من بعض اليهود المصريين وبعض اليهود الذين رُحِّلوا إلى الإسكندرية. وقد ضمت الفرقة ٦٥٠ ضابطاً وجندياً و٢٠ حصاناً للضباط والمساعدين و٧٥٠ بغلاً (ومن هنا جاءت التسمية) ، وقد اتخذت الفرقة نجمة داود شعاراً لها وكانت معظم تدريباتها تجري بالعبرية.
стр. 7916
وفي أبريل ١٩١٥، أبحرت الفرقة إلى جاليبولي بقيادة الضابط البريطاني جون باترسون، وقامت بخدمات حيوية في مجال نقل المؤن، وكانت الفرقة تشارك في القتال أحياناً. وفي نوفمبر ١٩١٥، تخلَّى باترسون عن قيادة الفرقة لمرضه وخلفه ترومبلدور الذي اصطدم بمشاكل تنظيمية عديدة لعدم انضباط أفرادها ولوجود صراعات عرْقية بينه (وهو إشكنازي) وبين بعض الأفراد من السفارد. وبعد انسحاب قوات الحلفاء من جاليبولي في نهاية العام، سُرحت الفرقة وأُعيدت إلى مصر بعد أن قُتل ثمانية من أفرادها وجُرح خمسة وخمسون. وقد حاول ترومبلدور والقادة الصهاينة الحيلولة دون حل الفرقة لكي يحارب أفرادها في فلسطين، ولكنها حُلَّت رسمياً عام ١٩١٦. وفيما بعد، قُبل ١٥٠ متطوعاً من أفرادها السابقين في الجيش البريطاني وكوَّنوا نواة الفيلق اليهودي. ورغم عمرها القصير، مثلت هذه الفرقة علامة بارزة ورائدة ضمن محاولات الحركة الصهيونية تشكيل قوة عسكرية ووضع مشروعهم في السياق الاستعماري والقيام بدور الأداة لإحدى القوى الاستعمارية.
النوطريم
Notrim
«النوطريم» كلمة عبرية تعني «الحرس أو الخفراء» ، وهي الشرطة اليهودية الإضافية التي شكلتها سلطات الانتداب البريطاني بالتعاون مع الهاجاناه للمساعدة في قمع الانتفاضات العربية في فلسطين في الفترة ١٩٣٦ ـ ١٩٣٩. وتم، في هذا الإطار، تجنيد مئات الخفراء من مختلف المدن والمستوطنات، وأُرسلوا لحماية المستوطنات الواقعة على الحدود وفي غور الأردن. وشملت قوات الخفراء في البداية ٧٥٠ خفيراً على نفقة سلطات الانتداب و١٨٠٠ خفير على نفقة قيادة المستوطنين الصهاينة. وفي يونيه ١٩٣٦، ونظراً لتصاعد المظاهرات العربية، تم تجنيد ١٢٤٠ خفيراً آخر أُطلق عليهم اسم «خفراء إضافيون» .
стр. 7917
وفي يوليه ١٩٣٨ أعادت قيادة المستوطنين تنظيم قوات الخفراء لتصبح وحدة شرطة منظمة، أُطلق عليها اسم «شرطة المستوطنات العبرية» ، وتم تقسيمها إلى عشرات الكتائب لتتناسب إلى حدٍّ ما مع توزيع قوات الهاجاناه، وقامت هذه القوات بحماية القطارات والسكك الحديدية والمرافق العامة، كما شاركت في نقل المهاجرين اليهود غير الشرعيين.
الهاجاناه
Haganah
«الهاجاناه» كلمة عبرية تعني «الدفاع» ، وهي منظمة عسكرية صهيونية استيطانية، أُسِّست في القدس عام ١٩٢٠ لتحل محل منظمة الحارس. وجاء تشكيلها ثمرة نقاشات طويلة بين قيادة التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، فكان جابوتنسكي صاحب فكرة تأسيس مجموعات عسكرية يهودية علنية تتعاون مع سلطات الانتداب البريطاني، بينما كان قادة اتحاد العمل والماباي يفضلون خلق قوة مسلحة غير رسمية مستقلة تماماً عن السلطات البريطانية وسرية بطبيعة الحال. وقد قُبل في النهاية اقتراح إلياهو جولمب بإنشاء منظمة عسكرية سرية تحت اسم «هاجاناه وعفودا» أي «الدفاع والعمل» ثم حُذفت كلمة العمل فيما بعد. وقد ارتبطت الهاجاناه في البداية باتحاد العمل ثم بحزب الماباي والهستدروت، رغم أن ميثاقها كان يصفها بأنها فوق الحزبية، وأنها عصبة للتجمع الاستيطاني الصهيوني. وعَكَس نشاط الهاجاناه الارتباط الوثيق والعضوي بين المؤسسات الصهيونية الاستيطانية والمؤسسات العسكرية والزراعية التي تهدف إلى اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج، وإن كان اهتمامها الأساسي قد انصب على العمل العسكري. وفي عام ١٩٢٩، شاركت الهاجاناه في قمع انتفاضة العرب الفلسطينيين، وقامت بالهجوم على المساكن والممتلكات العربية ونظَّمت المسيرات لاستفزاز المواطنين العرب وإرهابهم. كما ساهمت في عمليات الاستيطان، وخصوصاً بابتداع أسلوب «السور والبرج» لبناء المستوطنات الصهيونية في يوم واحد. وبالإضافة إلى ذلك، قامت الهاجاناه منذ تأسيسها بحماية المستعمرات
стр. 7918
الصهيونية وحراستها.
وقد تعرَّضت الهاجاناه لعدة انشقاقات كان أبرزها عام ١٩٣١ عندما انشق جناح من غير أعضاء الهستدروت بقيادة أبراهام تيهومي وكوَّن تنظيماً مستقلاً سُمِّي «هاجاناه ب.» ، وهو الذي اندمج مع منظمة بيتار في العام نفسه لتشكيل منظمة إتسل. ولم تتوقف عمليات الصراع والمصالحة بين الهاجاناه والجماعات المنشقة عنها، واستمر الخلاف بشكل مستتر حتى بعد قيام الدولة.
وقد شَهدت سنوات الانتفاضة العربية في فلسطين (١٩٣٦ ـ ١٩٣٩) تعاوناً كبيراً بين الهاجاناه وقوات الاحتلال البريطاني، وبرز التعاون بخاصة مع تعيين تشارلز وينجيت ضابطاً للمخابرات البريطانية في فلسطين عام ١٩٣٦، حيث أشرف على تكوين الفرق الليلية الخاصة والسرايا المتحركة التابعة وتنسيق الأنشطة بين المخابرات البريطانية وقسم المخابرات بالهاجاناه والمعروف باسم «الشاي» . وفي الوقت نفسه، تعاونت القوات البريطانية والهاجاناه في تشكيل شرطة حراسة المستوطنات اليهودية والنوطريم، وكان معظم أفرادها من أعضاء الهاجاناه. وقد مرت العلاقة بين الطرفين بفترة توتر قصيرة في أعقاب صدور الكتاب الأبيض عام ١٩٣٩ حيث واجهته الهاجاناه بتشجيع الهجرة غير الشرعية لليهود، إلا أن نشوب الحرب العالمية الثانية أدَّى إلى استعادة علاقات التحالف القديمة، إذ اعتبرها الصهاينة بمنزلة فرصة لاستغلال التناقضات بين الأطراف المتصارعة وتحقيق مشروعهم المتمثل في إقامة الدولة الصهيونية. وهكذا وقفت الهاجاناه إلى جانب بريطانيا والحلفاء وانضم كثير من أعضائها إلى اللواء اليهودي للقتال في صفوف القوات البريطانية، وتصدت بشدة للجماعات الصهيونية الأخرى التي طالبت آنذاك بالانضمام إلى النازي وفي مقدمتها منظمة ليحي، بل أمدت السلطات البريطانية بما تحتاجه من معلومات لتَعقُّب عناصر تلك المنظمة واعتقالها. وفي المقابل، ساعدت بريطانيا في إنشاء وتدريب القوة الضاربة للهاجاناه المسماة «البالماخ» ، كما
стр. 7919
نظمت فرقة مظليين من بين أعضاء الهاجاناه للعمل في المناطق الأوربية التي احتلتها قوات النازي. ومع انتهاء الحرب، تَفجَّر الصراع من جديد فشاركت الهاجاناه مع ليحي وإتسل في عمليات تخريب المنشآت البريطانية ونسف الكباري وخطوط السكك الحديدية وهو ما أُطلق عليه «حركة المقاومة العبرية» كما نشطت من جديد جهود الهاجاناه في مجال الهجرة غير الشرعية.
وقبيل إعلان قيام دولة إسرائيل، كان عدد أعضاء الهاجاناه يبلغ نحو ٣٦.٠٠٠ بالإضافة إلى ٣٠٠٠ من البالماخ، كما اكتمل بناؤها التنظيمي، الأمر الذي سهَّل عملية تحويلها إلى جيش موحد ومحترف للدولة الصهيونية، حيث أصدر بن جوريون في ٣١ مايو ١٩٤٨ قراراً بحل الإطار التنظيمي القديم للهاجاناه وتحويلها إلى جيش الدفاع الإسرائيلي. ولا شك في أن حجم الهاجاناه واتساع دورها بهذا الشكل يبين أهمية المؤسسة العسكرية لا في بناء إسرائيل فحسب بل في اتخاذ القرارات المتعلقة بمختلف المجالات فيها أيضاً.
البالماخ
Palmach
» البالماخ «اختصار للعبارة العبرية «بلوجوت ماحاتس» ، أي «سرايا الصاعقة» ، وهي القوات الضاربة للهاجاناه التي شُكِّلت عام ١٩٤١ لتعمل كوحدات متقدمة وقادرة على القيام بالمهام الخاصة أثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك بالإضافة إلى إمداد الهاجاناه باحتياطي دائم من المقاتلين المدربين جيداً. ويُعَدُّ يتسحاق ساريه مؤسسها الفعلي وأول من تولى قيادتها.
стр. 7920
وقد ارتبطت البالماخ منذ البداية بحركة الكيبوتس وحزب المابام. وقد تميَّز أفراد هذه القوات بدرجة عالية من التثقيف السياسي الذي يركز على مبادئ الصهيونية العمالية. كما تلقوا تدريباً مناسباً في مجالات الطيران والبحرية واستخدام الرادار وأعمال المخابرات. وقد شكَّلت البالماخ عدة وحدات لتقسيم العمل داخلها، ومن أبرز تلك الوحدات: «دائرة الجوالين» التي تولت بالتعاون مع مصلحة المعلومات إعداد ملفات تتضمن معلومات تفصيلية عن القرى الفلسطينية، و «الدائرة العربية» التي شاركت في الحملة البريطانية ضمن قوات حكومة فيشي في سوريا ولبنان، و «الدائرة البلقانية» التي تكونت من بعض اليهود المهاجرين من دول البلقان والدانوب، للقيام بأعمال التجسس داخل هذه البلدان، و «الدائرة الألمانية» التي ضمت عدداً من اليهود الذين تم تدريبهم ليكتسبوا النمط الألماني في السلوك بالإضافة إلى إجادة اللغة الألمانية وذلك للتسلل إلى معسكرات الأسرى الألمان والحصول منهم على معلومات. ومن أهم وحدات البالماخ، «وحدة المستعربين» (بالعبرية: المستعرفيم) التي ضمت عناصر تجيد اللغة العربية ولديها إلمام بالعادات والتقاليد العربية، وذلك للتغلغل في أوساط الفلسطينيين والحصول على معلومات تتصل بأوضاعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيام بعمليات اغتيال للعرب. وقد عملت البالماخ خلال عامي ١٩٤١ و١٩٤٢ بتنسيق تام مع القوات البريطانية في فلسطين، وتلقى أفرادها تدريباً مكثفاً على أيدي خبراء الجيش البريطاني للقيام بعمليات خلف الخطوط الألمانية في حالة نجاح قوات النازي في احتلال فلسطين.
стр. 7921
وعند نهاية الحرب، كانت البالماخ تضم نحو ٢٠٠٠ فرد موزعين على ١١ سرية، وكان ثلث القوات تقريباً من الفتيات. ومنذ خريف ١٩٤٥ وحتى صيف ١٩٤٦، شاركت البالماخ ـ بالتعاون مع إتسل وليحي ـ في أعمال عسكرية ضد القوات البريطانية في فلسطين شملت نسف خطوط السكك الحديدية والكباري ومحطات الرادار، وإغراق السفن البريطانية وغير ذلك من أعمال التخريب فيما عُرف باسم حركة المقاومة العبرية. ومع تصاعُد الصدام بين الطرفين، واكتشاف القوات البريطانية عدداً من مخازن السلاح الرئيسية للهاجاناه، صدرت الأوامر للبالماخ بتوجيه جهودها نحو تشجيع الهجرة الشرعية إلى فلسطين وتأمينها.
وفي عام ١٩٤٨، كانت البالماخ القوة الرئيسية التي تصدت للجيوش العربية في الجليل الأعلى والنقب وسيناء والقدس، وخسرت في تلك المعارك أكثر من سدس أفرادها البالغ عددهم آنذاك نحو ٥٠٠٠.
وعقب قيام إسرائيل مباشرةً، وكانعكاس للصراع السياسي بين الماباي والمابام، ظهر إصرار بن جوريون على حل البالماخ التي كانت في نظره تمثل اتجاهاً يسارياً، وذلك من أجل تأسيس الجيش المحترف المستقل عن الأحزاب. وقد أدَّى ذلك إلى خلافات شديدة، إلا أن قيادة البالماخ قَبلت في النهاية، وعلى مضض، مسألة الحل هذه. شكّلت البالماخ القوام الأساسي لقوات الصاعقة في جيش الدفاع الإسرائيلي، ومن بين صفوفها ظهر أبرز قادة إسرائيل العسكريين من أمثال آلون ورابين وبارليف وإليعازر وهور.
إتسل
Etzel
стр. 7922
«إتسل» اختصار للعبارة العبرية «إرجون تسفاي ليومي بإرتس إسرائيل» أي «المنظمة العسكرية القومية في أرض إسرائيل» وتُعرف أيضاً باسم «الإرجون» . وهي منظمة عسكرية صهيونية تأسَّست في فلسطين عام ١٩٣١ من اتحاد أعضاء الهاجاناه الذين انشقوا على المنظمة الأم وجماعة مسلحة من بيتار، وكان من أبرز مؤسسيها: روبرت بيتكر ـ الذي كان أول رئيس للمنظمة ـ وأبراهام يتهومي (سيلبر) وموشي روزنبرج ودافيد رازئيل ويعقوب ميردور. وقد بُنيت المنظمة على أفكار فلاديمير جابوتنسكي عن ضرورة القوة اليهودية المسلحة لإقامة الدولة، وعن حق كل يهودي في دخول فلسطين. وكان شعار المنظمة عبارة عن يد تمسك بندقية وقد كُتب تحتها "هكذا فقط".
وفي عام ١٩٧٣، توصَّل رئيس إتسل آنذاك أبراهام يتهومي إلى اتفاق مع الهاجاناه لتوحيد المنظمتين، وأدَّى ذلك إلى انشقاق في إتسل حيث لم يوافق على اقتراح يتهومي سوى أقل من نصف الأعضاء البالغ عددهم ٣٠٠٠، بينما رأت الأغلبية ضرورة الحفاظ على استقلال المنظمة. وفي عام ١٩٤٠، حدث الانشقاق الثاني بخروج جماعة أبراهام شتيرن التي شكلت فيما بعد منظمة ليحي نظراً لاختلافهم بشأن الموقف الواجب اتخاذه من القوى المتصارعة في الحرب العالمية الثانية، حيث رأى أعضاء شتيرن ضرورة تدعيم ألمانيا النازية لتُلحق الهزيمة ببريطانيا ومن ثم يتم التخلص من الانتداب البريطاني على فلسطين ويصبح بالإمكان تأسيس دولة صهيونية، في حين اتجهت المنظمة الأم إلى التعاون مع القوات البريطانية وبخاصة في مجال المخابرات.
стр. 7923
وحتى عام ١٩٣٩، كانت أنشطة إتسل موجهة بالأساس ضد الفلسطينيين. وبعد صدور الكتاب الأبيض، أصبحت قوات بريطانيا في فلسطين هدفاً لعمليات تخريبية من جانب المنظمة فضلاً عن قيامها بتشجيع الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية توقفت أنشطة إتسل ضد القوات البريطانية، وبدأ التعاون بينهما للتصدي للنازي. إلا أن الصدام سرعان ما تكرر من جديد عقب انتهاء الحرب، حيث تزايد التنسيق بين إتسل وليحي والهاجاناه لضرب المنشآت البريطانية في فلسطين ضمن ما أُطلق عليه «حركة المقاومة العبرية» . وخلال تلك الفترة، أخذ دور مناحم بيجين ـ زعيم إتسل الجديد ـ في البروز بشكل واضح.
وكان للعمليات الإرهابية التي قامت بها إتسل ضد المزارعين الفلسطينيين دور كبير في إرغام بعض هؤلاء المزارعين على مغادرة البلاد. كما لجأت المنظمة إلى الهجوم على السيارات العربية المدنية، ونفذت بالتعاون مع ليحي وبمباركة الهاجاناه مذبحة دير ياسين الشهيرة في ٩ أبريل ١٩٤٨.
وبعد قيام إسرائيل، أُدمجت المنظمة في جيش الدفاع الإسرائيلي، بعد مقاومة من جانبها لهذا الدمج، ويُعَد حزب حيروت امتداداً لأيديولوجيا المنظمة الإرهابية. وقد كرَّم الرئيس الإسرائيلي قيادات إتسل في نوفمبر ١٩٦٨ تقديراً لدورهم القيادي في تأسيس دولة إسرائيل.
الإرجون
Irgun
انظر: «إتسل» .
ليحي
Lehi
стр. 7924
«ليحي» اختصار العبارة العبرية «لوحمي حيروت يسرائيل» أي «المحاربون من أجل حرية إسرائيل» ، وهي منظمة عسكرية صهيونية سرية أسسها أبراهام شتيرن عام ١٩٤٠ بعد انشقاقه هو وعدد من أنصاره عن إتسل. وقد أطلق المنشقون على أنفسهم في البداية اسم «إرجون تسفاي ليومي بإسرائيل» أي «المنظمة العسكرية القومية في إسرائيل» ، تمييزاً عن اسم المنظمة الأم، ثم تغيَّر فيما بعد إلى «ليحي» . ومنذ عام ١٩٤٢، أصبحت المنظمة تُعرَف أيضاً باسم مؤسسها شتيرن بعد مقتله على أيدي سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين. وقد تركزت الخلافات التي أدَّت إلى الانشقاق حول الموقف الواجب اتخاذه من القوى المتصارعة في الحرب العالمية الثانية، حيث اتجهت إتسل إلى التعاون مع بريطانيا، بينما طرحت جماعة شتيرن الوقوف إلى جانب ألمانيا النازية للتخلص من الاحتلال البريطاني لفلسطين ومن ثم إقامة الدولة الصهيونية.
ورغم أن ليحي لم تر هتلر إلا بوصفه قاتل اليهود، إلا أنها بررت لنفسها ـ حسب قول شتيرن ـ "الاستعانة بالجزار الذي شاءت الظروف أن يكون عدواً لعدونا"! واعتبرت ليحي أن الانضمام لجيش «العدو» البريطاني يُعَدُّ جريمة، وسعت في المقابل للاتفاق مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وإن كان سعيها قد باء بالفشل. ونفذت المنظمة بعض العمليات التخريبية ضد المنشآت البريطانية بالإضافة إلى عمليات السلب كما حدث في السطو على البنك البريطاني الفلسطيني في سبتمبر ١٩٤٠. ووصل هذا النشاط إلى ذروته باغتيال اللورد موين ـ المفوض البريطاني بالقاهرة ـ في نوفمبر ١٩٤٤. وقد أدَّى كل هذا إلى صدامات بين ليحي وإتسل من ناحية، وبينها وبين الهاجاناه من ناحية أخرى، حيث تعاونت الهاجاناه مع السلطات البريطانية في مطاردة أعضاء ليحي واعتقالهم.
стр. 7925
ولإبراز أهدافها وترويج مبادئها، أصدرت المنظمة دوريتين هما: «هافريت» أي «الجبهة» ، و «هاماس» أي «العقل» ، درجت على توزيعهما في أوساط التجمع الاستيطاني الصهيوني وأعضاء إتسل والبالماخ. كما أصدرت مجلة داخلية سُمِّيت «بمحتريت» أي «في العمل السري» ، واعتمدت أيضاً على الدعاية الإذاعية، وكانت قد استولت عند انشقاقها على جهاز البث التابع لإتسل. والواقع أن مبادئ ليحي كانت أقرب إلى الشعارات الإنشائية منها إلى البرنامج السياسي، "فشعب إسرائيل" ـ كما تُعرِّفه ـ هو "شعب مختار، خالق دين الوحدانية، ومُشرِّع أخلاقيات الأنبياء، وحامل حضارات العالم، عظيم في التقاليد والبذل، وفي إرادة الحياة"، أما "الوطن" فهو "أرض يسرائيل في حدودها المفصلة في التوراة (من نهر مصر وحتى النهر الكبير ـ نهر الفرات) هي أرض الحياة يسكنها بأمان الشعب العبري كله". وتمثلت أهداف المنظمة في "إنقاذ البلاد، وقيام الملكوت (مملكة إسرائيل الثالثة) ، وبعث الأمة"، وذلك عن طريق جَمْع شتات اليهود بأسرهم وذلك بعد أن يتم حل مشكلة السكان الأجانب (أي العرب) بواسطة تَبادُل السكان.
стр. 7926
وقد تعرضت ليحي لعدة صراعات وهزات داخلية بدأت بعد أشهر من تشكيلها بانسحاب اثنين من أبرز المؤسسين هما هانوخ قلعي وبنيامين زرعوني، وقد انضما إلى إتسل ثم انسحبا فيما بعد وسلّما نفسيهما للسلطات البريطانية. وجاءت الأزمة الثانية بعد مقتل شتيرن، إذ ألقت السلطات البريطانية القبض على عشرات من أعضاء المنظمة وحصلت منهم على اعترافات مهمة تتضمن أسماء زملائهم ومخابئ السلاح. وكادت هذه الأزمات أن تؤدي إلى تصفية المنظمة تماماً، إلا أنها استعادت قوتها بانضمام مجموعة من بيتار بزعامة يسرائيل شيف عقب هجرتهم من بولندا إلى فلسطين عام ١٩٤٢، وكذلك بعد نجاح اثنين من قادتها هما يتسحاق شامير وإلياهو جلعادي في الهرب من السجن عام ١٩٤٢، ثم نجاح نيثان فرديمان ـ يلين (مور) ومعه ١٩ من قادة ليحي في الهرب من السجن أيضاً عام ١٩٤٣. إلا أن صراعاً نشب من جديد بين شامير وجلعادي بسبب اختلاف الآراء حول توجهات المنظمة، وقد حُسم الصراع لصالح شامير إذ تمكَّن من تدبير مؤامرة لاغتيال منافسه في رمال حولون.
стр. 7927
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، شاركت ليحي مع كلٍّ من الهاجاناه وإتسل في العمليات المضادة للسلطات البريطانية ضمن ما سُمِّي «حركة المقاومة العبرية» . واستمر نشاط ليحي حتى بعد تَوقُّف الحركة عام ١٩٤٦. كما شاركت في الهجوم على القرى والممتلكات العربية ونفذت مع إتسل ـ وبمباركة الهاجاناه ـ مذبحة دير ياسين الشهيرة في ٩ أبريل ١٩٤٨. وبعد إعلان قيام إسرائيل، حُلَّت ليحي مع غيرها من المنظمات العسكرية وأُدمجت في جيش الدفاع الإسرائيلي. ومع هذا، ثارت شكوك قوية حول مسئوليتها عن اغتيال برنادوت. ومع حل المنظمة، فشلت مساعي تحويلها إلى حزب سياسي. وتقديراً للدور الإرهابي للمنظمة، قررت الحكومة الإسرائيلية احتساب سنوات الخدمة فيها عند تقدير مكافآت الخدمة والمعاشات للموظفين، كما حصلت أرملة شتيرن على وشاح التكريم الذي أهداه رئيس إسرائيل زلمان شازار إلى كل المنظمات والمجموعات التي شاركت في جهود تأسيس الدولة.
ورغم تباين الآراء حول دور ليحي، وما تخلعه بعض الكتابات الصهيونية عليها من أوصاف «الخيانة» نظراً لموقفها من النازي، فإن الوقائع التاريخية تؤكد أن المنظمة لم تَحد عن الطريق الصهيوني المعتاد في القيام بدور الأداة لهذه القوة الإمبريالية أو تلك. ولم يكن الأسلوب الانتهازي في التحالف مع الجزار وقفاً على ليحي وحدها، والحقيقة أن موقفها في ذلك لا يزيد عن تعاون هرتزل مع الوزير القيصري بليفيه (المسئول عن المجازر ضد اليهود في روسيا القيصرية) ، أو اتفاق جابوتنسكي مع بتليورا الأوكراني المعروف بعدائه لليهود إبان الثورة البلشفية، أو عرض حاييم وايزمان التعاون مع إيطاليا الفاشية في مجال الصناعات الكيماوية مقابل تسهيل مرور اللاجئين اليهود عبر الموانئ الإيطالية، أو اتفاق الهعفراه بين الوكالة اليهودية وألمانيا النازية.
شتيرن (منظمة (
Stern
стр. 7928
منظمة عسكرية صهيونية أسسها أبراهام شتيرن، وكانت تُسمَّى «ليحي» ثم سُمِّيت باسم مؤسسها بعد مقتله.
المستعربون (المستعرفيم (
Mustarivim
«المستعرفيم» كلمة عبرية تعني «المستعربون» وهي وحدات عسكرية سرية صهيونية كانت تعمل في فلسطين والبلاد العربية المجاورة منذ عام ١٩٤٢، وكان هدف هذه الوحدات، التي كانت آنئذ جزءاً من البالماخ، الحصول على معلومات وأخبار، والقيام بعمليات اغتيال للعرب من خلال تَسلُّل أفرادها إلى المدن والقرى العربية متخفين كعرب محليين. وكانت وحدات «المستعرفيم» تجنِّد في المقام الأول، من أجل عملياتها السرية، اليهود الذين كانوا في الأصل من البلاد العربية. واعترف شيمون سوميخ، الذي كان قائداً في المستعرفيم خلال السنوات ١٩٤٢ ـ ١٩٤٩، بأن الاغتيال كان جزءاً من عمل الوحدات السرية المبكرة.
стр. 7929
وقد تم بعث فرق المستعرفيم عام ١٩٨٨ لمواجهة الانتفاضة وكانت تنقسم إلى قسمين: «الدُّفْدُفان» (الكراز) وقد أسسها إيهود باراك (رئيس حزب العمل ورئيس الأركان السابق) ، والأخرى تعمل في غزة واسمها السري «شمشون» . وهدف فرق المستعرفيم هو التسلل إلى الأوساط الفلسطينية النشيطة في الضفة والقطاع، والعمل على إبطال نشاطها أو تصفيتها. وعادةً ما يستقل أعضاء هذه الفرق سيارات غير عسكرية تحمل اللوحات الخاصة بالضفة الغربية أو قطاع غزة ويرتدون ملابس مدنية صنعت محلياً أو ألبسة عربية تقليدية. وقد يرتدي الجنود الشعر الاصطناعي والعكازات المزيفة والثياب الفضفاضة لإخفاء الأسلحة (كانت الأزياء التنكرية في بداية الأمر تشمل التنكر كصحافيين أجانب إلى أن قدَّمت جمعية الصحافة الأجنبية احتجاجاً رسمياً) . وعادةً ما يجيد أحد أعضاء الوحدة الخاصة اللغة العربية. وتقوم وحدات المستعرفيم بالتنسيق والتخطيط مع وحدات أخرى من الجيش ومع جهاز الشين بيت الذي يوفر المعلومات والخلفيات في شأن الضحية المقصودة. ويتم دعم هذه الوحدة من أعلى درجات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
اللواء اليهودي
Jewish Brigade
«اللواء اليهودي» وحدة عسكرية يهودية تُسمَّى بالعبرية «هاهايل» . شُكِّلت بقرار من الحكومة البريطانية عام ١٩٤٤ لتقاتل أثناء الحرب العالمية الثانية في صفوف قوات الحلفاء، إلا أن جذورها تعود إلى عام ١٩٣٩ حينما رأى قادة التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين أن هناك إمكانية لتحقيق الحلم الصهيوني المتمثل في إقامة الدولة عن طريق مساعدة الحلفاء أثناء الحرب. وقد تطوع في العام نفسه نحو ١٣٠.٠٠٠من المستوطنين اليهود في فلسطين للقتال ضد دول المحور.
стр. 7930
وكان لجهود حاييم وايزمان في لندن، وموشى شرتوك (شاريت) في القدس، دور مهم في إقناع بريطانيا بفكرة تكوين قوة مسلحة يهودية، فسمحت الحكومة البريطانية ليهود فلسطين عام ١٩٤٠ بالانضمام إلى كتيبة كنت الشرقية، ومن ثم ظهرت ١٥ سرية يهودية خاصة نُظِّمت بين عامي ١٩٤٢ و١٩٤٣ في شكل ثلاث كتائب مشاة ليشكلوا «الوحدة الفلسطينية» التي تولت أعمال الحراسة في برقة ومصر. وقد استمرت عملية الضغط على الحكومة البريطانية لتكوين القوة اليهودية المسلحة. وفي الولايات المتحدة، تبنت المنظمة الحاخامية قرارات تدعو الرئيس روزفلت لإقناع بريطانيا بتحقيق هذا المطلب. ورداً على الحجة البريطانية بعدم كفاية الأسلحة، اقترح مجلس الطوارئ الصهيوني الأمريكي تسليح القوة اليهودية بأسلحة أمريكية طبقاً لقواعد الإعارة والتأجير.
وبعد تأسيسه، أمضى اللواء اليهودي فترة تدريب في برج العرب القريبة من الإسكندرية في أكتوبر ١٩٤٤، ثم انضم بعدها إلى الجيش الثامن البريطاني في إيطاليا حيث قاتل ضد قوات المحور. وقد أسهم اللواء اليهودي في تنظيم هجرة يهود أوربا إلى فلسطين. ومع انتهاء الحرب وتصاعُد الصدام بين بريطانيا من ناحية والمنظمات العسكرية الصهيونية من ناحية أخرى، وتشكيل هذه المنظمات لما عُرف باسم «حركة المقاومة العبرية» ، بدأ اللواء اليهودي في إصدار نشرة نصف أسبوعية ثم أصدر نشرة أخرى يومية. وقد انتقدت هذه النشرات سياسة الانتداب البريطاني في فلسطين، وهو ما حدا ببريطانيا إلى اتخاذ قرار بحل اللواء اليهودي في صيف عام ١٩٤٦ وإعادة رجاله إلى فلسطين حيث انضموا إلى التنظيمات العسكرية الصهيونية القائمة آنذاك. وقد ظهر من بين صفوف اللواء اليهودي عدد من القادة العسكريين في إسرائيل مثل مردخاي ماكليف وحاييم لاسكوف.
стр. 7931
الباب الثالث: الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي منذ عام ١٩٤٨
الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي حتى عام ١٩٦٧: تاريخ
Israeli-Zionist Terrorism till ١٩٦٧: History
بعد الإعلان عن قيام إسرائيل في مايو ١٩٤٨، أسرعت القيادة الصهيونية إلى إطلاق تسمية «جيش الدفاع الإسرائيلي» على جماعة الهاجاناه في ٢٦ مايو وإلى إدماج الجماعات العسكرية الأخرى في الجيش، مثلما جرى مع منظمة إتسل في أول يونيه من العام نفسه. وإذا كانت جماعات الإرهاب قبل عام ١٩٤٨ ظلت تحتفظ باستقلالية تنظيمية عن الجيش لحوالي عام في مدينة القدس فقط فإن سياسة النخبة الإسرائيلية الحاكمة كانت تهدف بالأساس إلى ما يمكن تسميته بمركزية الإشراف والتخطيط للعمل العسكري الإرهابي الصهيوني، وذلك بصرف النظر عما حاولت أن تروجه بأن عصراً جديداً قد بدأ وأن سلطة الدولة قد وضعت حداً للممارسات السابقة. ولذا فإن القانون الذي يُسمَّى «قانون منع الإرهاب» الصادر في ٢٠ سبتمبر ١٩٤٨ لا يعني وضع حد فاصل في تاريخ الإرهاب الصهيوني وإنما وضع حد لحرية الحركة التي يتمتع بها تنظيم شتيرن.
стр. 7932
ولقد انقطعت عن الذكر أسماء إتسل وشتيرن وربما باستثناء الهاجاناه التي احتفظ الجيش الإسرائيلي نفسه بتسميتها، وسواء أكان ذلك بهدف ضبط وسيطرة هيكل سياسي عسكري موحد أطلق عليه الصهاينة اسم "الدولة" على النشاط الإرهابي باتفاق وتراضي أجنحة الحركة الصهيونية، أم كان ذلك حلقة في صراع السيطرة بين أجنحة الحركة الصهيونية ومنظماتها العسكرية الإرهابية جاءت نتائجه لصالح العماليين وزعامة بن جوريون (حيث قام أيضاً بحل البالماخ التابعة للمابام في نوفمبر ١٩٤٨) الذي لم يتورَّع عن اللجوء إلى العنف للضغط على إتسل وشتيرن لتصفية استقلالهما، أم كان الأمر مزيجاً من الاعتبارين السابقين. إلا أن هذا لا يعني، بأية حال، أن الإرهاب الصهيوني قد اختفى. فما حدث هو تحوُّله من إرهاب ميليشيات غير منظمة إلى إرهاب مؤسسي منظم من خلال الجيش الإسرائيلي، إذ أن الحقيقة البنيوية التي تسببت في الإرهاب ظلت قائمة، وهي أن الأرض التي تصور الصهاينة أنها بلا شعب، أثبتت أنها ذات شعب يعي تاريخه وحضارته، ولذا استمر الإرهاب واستمر تصاعد عنفوانه حتى بعد ١٩٤٨ لإفراغ الأرض التي لا شعب فيها من الشعب الذي "تصادف" وجوده فيها (حسب التصور الصهيوني للقضية) .
وقد احتل أبطال العمليات العسكرية الإرهابية الصهيونية قبل عام ١٩٤٨ أعلى مراكز الجهاز السياسي والعسكري في البلاد، الذي استمر في ممارسة نشاطه الإرهابي والعنصري متكامل الأبعاد (عسكرياً ـ اقتصادياً ـ سياسياً ـ أيديولوجياً ـ دعائياً ... إلخ) على جبهتين أساسيتين: الأولى ضد الشعب الفلسطيني بالداخل بهدف طرده خارج أرضه ودفعه بعيداً عن الوطن استمراراً لمهام الاستعمار الاستيطاني الإحلالي. والثانية العمل على بناء هيبة القوة ضد البلدان العربية بل إلى ما يتجاوز المنطقة العربية بالتعاون مع الإمبريالية الأمريكية.
стр. 7933
وفي سياق استمرار الإرهاب الصهيوني وتطوُّره في أعقاب ١٩٤٨، عملت، وتعمل، المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في الداخل والخارج. وإن لم يمنع ذلك من استحداث فروع خاصة لأغراض إرهابية محددة. مثل إنشاء الوحدة ١٠١ عام ١٩٥٣ التي عُيِّن أرييل شارون قائداً لها. وقد ظل أمر إنشائها إلى فترة ما من الأمور السرية (فهي تتبع الجيش الإسرائيلي) ، وقد أوكل إليها العديد من المذابح ضد اللاجئين الفلسطينيين في مناطق الهدنة مثل مذبحة قبية. وهكذا قد يجري من آن لآخر إنشاء وحدات إرهابية خاصة من رحم الأجهزة الرئيسية التي يدخل ضمن وظائفها ونشاطها العمل الإرهابي مثل الجيش والموساد التي تختص بأعمال الإرهاب خارج إسرائيل والتي من بين أشهر فضائحها قضية لافون عام ١٩٥٤، حيث قامت شبكة تخريب وتجسس إسرائيلية بتفجير بعض المرافق الأمريكية والبريطانية والمصرية في القاهرة والإسكندرية. وهناك كذلك جهاز الشين بيت الذي يُعَدُّ المخابرات الداخلية في فلسطين المحتلة والمعروف بجرائمه العديدة ضد الشعب الفلسطيني تحت الإحتلال. كما تم إعادة تشكيل فرقة المستعربين الخاصة بالاغتيالات.
وإذا تتبعنا تاريخ النشاط الإرهابي الصهيوني بعد عام ١٩٤٨ فلن نجد صعوبة في استنتاج أن وقائع هذا النشاط كانت تقع في نطاق المسئولية المباشرة للأجهزة الرسمية الإسرائيلية وما زالت. علاوة على ظاهرة المنظمات الإرهابية التي بدأ ظهورها خلال السبعينيات والثمانينيات. وإن كان ذلك لا ينفي الصلة غير المباشرة والمستترة بين هذه المنظمات والأجهزة الرسمية.
ولمحاولة تتبع أبرز وقائع وسمات الإرهاب الصهيوني بعد عام ١٩٤٨، يمكننا أن نقسِّم المرحلة إلى ثلاث فترات: الأولى حتى حرب ١٩٦٧، والثانية حتى منتصف السبعينيات، أما الثالثة فقد شهدت إلى جانب استمرار إرهاب الدولة بروز تنظيمات المستوطنين اليهود.
стр. 7934
وتُعَدُّ مذبحة قبية وكفر قاسم نموذجاً جيداً للإرهاب الصهيوني شبه المؤسسي في الفترة التي تلت عام ١٩٤٨ وحتى ١٩٦٧. وإذا كان هذا العنوان المكون من مجزرتين فقط ضمن عشرات لا تقل وحشية لا يمكنه أن يفي بالإشارة إلى مجالات الأنشطة الإرهابية الصهيونية الأكثر اتساعاً وتنوعاً، فإنه يضع أيدينا على المجالين الأساسيين والأكثر شيوعاً في تاريخ الإرهاب الصهيوني بعد عام ١٩٤٨.
وحصر الجرائم الإرهابية الذي نُفِّذت بأيدي القوات الرسمية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة تبدو عملاً جديراً بالجهد رغم صعوبته. وما يستحق التأكيد أن معركة التغيير الديموجرافي لفلسطين المحتلة لجعلها أرضاً بلا شعب لم تتوقف حسب ما يُعتقد بانتهاء حرب ١٩٤٨ وما نتج عنها من تشريد مليون لاجئ. فقد استمرت إسرائيل في سياسة الاقتلاع الاستعمارية الاستيطانية بوتيرة لم تقل مطلقاً عن عامي ١٩٤٧ و١٩٤٨ وعلى الأقل حتى نهاية الستينيات، وإن لم تتوقف هذه السياسة مطلقاً فيما بعد. وفي إطار ذلك جنَّدت إسرائيل إمكاناتها وسلطة قمعها ضد الشعب الفلسطيني بالداخل، وضمن سياسات قانونية واقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية إرهابية عنصرية. وإذا كانت الصورة التاريخية السائدة لضحية الإرهاب الصهيوني في تلك الفترة هي "اللاجئ المشرد"، فإن القتلى والجرحى كانوا كذلك من بين ضحايا هذه السياسة الإرهابية فضلاً عن المعتقلين والمنفيين قسراً. كما يلفت النظر أن منطقة الجليل كانت هدفاً أساسياً للنشاط الإرهابي الصهيوني خلال الخمسينيات والستينيات نظراً لشعور الصهاينة بخطورة استمرار التركز البشري الفلسطيني فيها.
стр. 7935
وقد قامت القوات الإسرائيلية بانتهاك الهدنة مع البلدان العربية المجاورة ونفَّذت العديد من الجرائم الإرهابية ضد المدنيين وبينهم لاجئون فلسطينيون آثرت تعقُّبهم لتمارس مرحلة ثانية من الطرد. وإذا كانت الأمم المتحدة قد أحصت اعتداءات إسرائيل المتكررة والتي أسمتها «حوادث الحدود» بين عامي ١٩٤٨ و١٩٦٧ بـ ٢١ ألف اعتداء، فإن القائمة الدموية تشمل العديد من المذابح (انظر: «المذابح الصهيونية بعد عام ١٩٤٨» ) التي اشترك في تنفيذها القوات الأساسية في جيش إسرائيل إلى جانب الوحدات العسكرية التي أنشئت خصيصاً لهذه الأغراض (مثل الوحدة ١٠١ وفرق المظليين) ، التي نفَّذت عملياتها بناء على قرارات اتخذت على أعلى مستوىات القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
وقد يكون من الضروري إعادة التذكير بأن إسرائيل كانت صاحبة السبق في ممارسة ما سُمِّي فيما بعد «أعمال الإرهاب الدولي» ، حيث بادرت في ديسمبر عام ١٩٥٤ إلى اختطاف طائرة مدنية سورية، وأجبرتها على الهبوط في الأراضي المحتلة، وحاولت أن تتخذ من ركابها المدنيين رهينة للمساومة على جنود إسرائيليين وقعوا قيد الأسر لدى سوريا حين تسللوا إلى الأراضي السورية. وقد اعترف موشي شاريت بنفسه أن وزارة الخارجية الإسرائيلية قد أكدت بنفسها أن هذا العمل غير مسبوق في مجال السلوك والأعراف الدولية. وهو نمط من السلوك لم تتورع إسرائيل عن تكراره فيما بعد متضمناً انتهاكاً لسيادة دول قد لا تكون في حالة حرب معها (مثل أوغندا وحادث عنتبي) . وليس اللافت للنظر هو إدخال إسرائيل مثل هذه الأساليب والسلوكيات في المنطقة وفي التاريخ العالمي فحسب، بل الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بهذه الجرائم الإرهابية الدولية.
стр. 7936
وكما قلنا من قبل فإن عنوان كفر قاسم وقبية لا يستوعب جميع مجالات أنشطة الإرهاب الصهيوني بعد عام ١٩٤٨ وحتى عام ١٩٦٧. ففي المقابل كان يلزم لتنفيذ الشق الثاني من إستراتيجية الاستعمار الاستيطاني الإحلالي تنشيط حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة وإلى الدولة الجديدة ولو بالإرهاب. ومن الطبيعي أن يسجل لنا التاريخ وقائع عدة وباعترافات القادة الإسرائيليين كان اليهود خلالها هدفاً للإرهاب الصهيوني ولإرهاب الدولة التي تزعم تمثيلهم أو بالأصح تغتصب هذا التمثيل. حيث خطط جهاز الموساد لعديد من عمليات إلقاء القنابل على أماكن التجمع اليهودي والمقدَّسات اليهودية في العراق عامي ١٩٥٠ و١٩٥١، بل كوَّن شبكة إرهابية لهذا الغرض أشرف عليها موردخاي بن بورات بهدف دفع يهود العراق إلى الهجرة إلى فلسطين المحتلة بعد أن أقلقت استجابتهم الضعيفة وغير المرضية القادة الصهاينة إزاء نداءاتها بالهجرة إلى إسرائيل وحتى بعد أن فتحت السلطات العراقية باب الهجرة واسعاً أمام من يشاء منهم.
وجريمة قتل الكونت برنادوت، الوسيط الدولي للأمم المتحدة، في فلسطين بتاريخ ١٧ أغسطس ١٩٤٨ تقف مثالاً لنشاط الإرهاب الصهيوني ضد "الأغيار" من غير الفلسطينيين والعرب. فقد تم اغتياله رغم جهوده المعروفة في إنقاذ آلاف اليهود من معسكرات الاعتقال النازية عندما كان رئيساً لمنظمة الصليب الأحمر الدولي خلال الحرب العالمية الثانية. كما تشهد بالمسئولية الجماعية للقادة الإسرائيليين على اختلاف انتماءاتهم الحزبية. وفي هذا الصدد اعترف بن جوريون نفسه فيما بعد بأنه كان على علم تام بهوية الجناة وأنه آثر تسهيل فرارهم دون أي عقاب.
إلا أن تاريخ الاستيطان الصهيوني حافل بصفحات طواها النسيان لممارسة الإرهاب ضد الأغيار من غير العرب والفلسطينيين من بينها ممارسة الإرهاب المتكرر ضد سفارات ومصالح الدول الاشتراكية.
стр. 7937
وفي الوقت نفسه تقريباً نُظِّمت سلسلة من الأعمال الإرهابية لم يجر حتى الآن الكشف عن الجهة الصهيونية المسئولة مباشرةً عن تدبيرها. وجرت هذه الأعمال تحت حملة دعائية صهيونية تروج لفكرة الانتقام من المواطنين الألمان الأبرياء. وفي وقت لاحق نظَّمت جماعة صهيونية معارضة لمفاوضات التعويض مع ألمانيا الغربية بعض العمليات الإرهابية من بينها إرسال طرود ناسفة إلى المستشار الألماني أديناور وإلى أعضاء بعثة التعويضات الألمانية في هولندا، وتفجير سيارة مفخخة بجوار مجلس النواب الألماني (البوند ستاج) .
стр. 7938
وإذا كان من الضروري إعادة تأكيد طابع الإرهاب الرسمي الغالب في أعقاب ١٩٤٨، والموجه تحديداً نحو الفلسطينيين والعرب، فإن من الواجب أيضاً رصد مجموعة من الوقائع التي تبدو هامشية إلا أنها تكتسب دلالة بالنسبة لطبيعة التجمُّع الصهيوني في فلسطين. فقد شهدت بدايات العقد الخامس عدة جماعات محدودة العضوية مارست العنف واعتمدته كلغة بين جماعات هذا التجمُّع الصهيوني. وتعود هذه الجماعات، التي لم تحظ باستمرارية أو نفوذ واضحين، إلى مصدرين رئيسيين: الأول بعض أعضاء جماعتي إتسل وشتيرن الذين لم يتقبلوا قسمة السلطة التي أسفر عنها عام ١٩٤٨ فوجهوا نشاطهم ضد قادتهم حين أقدم بعض أعضاء شتيرن على تعقب قادتهم الذين انصاعوا لأوامر سلطة بن جوريون فقاموا بحرق منازلهم. والثاني بعض الجماعات اليهودية الأرثوذكسية التي رفضت مظاهر العلمنة في التجمُّع الصهيوني. وكان أبرزها عصابة "الغيورين" أو "المعسكر" التي تأسَّست عام ١٩٥٠ في القدس. وفي إطار سعيها لفرض ما تراه التعاليم الصحيحة لليهودية أحرقت سيارات من أقدموا على انتهاك حُرمة يوم السبت ومحلات اللحوم التي لا تلتزم الشريعة اليهودية في إجراءات الذبح. إلا أن أشهر أعمالها كان التخطيط لإلقاء قنبلة على الكنيست أثناء مناقشة قرار تجنيد الفتيات المتدينات في الجيش. ومقابل ذلك وقعت عملية ضد المتدينين حين دمرت عبوة ناسفة منزل ديفيد تسفي بنكيس وزير المواصلات احتجاجاً على عزمه تقييد الحركة يوم السبت وذلك في يونيه ١٩٥٢.
وعلى أية حال فإن السلطات الإسرائيلية كان يسهل عليها تدارك الموقف، ففضلاً عن تصعيد التوتر بين المستوطن الصهيوني من جهة والشعب الفلسطيني والشعوب العربية عامة من جهة أخرى وحشد متناقضات تجمُّعها الصهيوني في مواجهة ذلك، كان من السهل عليها بث عملائها داخل هذه الحركات وتفريغها وضربها في الوقت المناسب.
стр. 7939
وإذا كان هناك ثمة مفارقة في أن دوف شيلانسكي، الذي دبَّر عام ١٩٥٢ محاولة نسف وزارة الخارجية الإسرائيلية وحُكم عليه بالسجن ٢١ شهراً لمحاولته، قد شغل مقعداً عن الليكود في الكنيست فيما بعد، فإن تلك المفارقة مشحونة بدلائل مهمة تكشف أن التناقضات بين مكونات التجمُّع الصهيوني، مهما بلغت ضراوتها وعنفها، لا تحول مطلقاً دون عملية الاندماج المستمر في إطار نظام لا تشكل لديه مثل هذه السوابق أو السلوكيات أمراً يستلزم استبعاد مرتكبها من بين صفوف نخبته.
المذابح الصهيونية/الإسرائيلية حتى عام ١٩٦٧
Israeli-Zionist Massacres till ١٩٦٧
من أهم المذابح التي ارتكبها المستوطنون الصهاينة بين عامي ١٩٤٨ و١٩٦٧ ما يلي:
مذبحة الدوايمة (٢٩ أكتوبر ١٩٤٨) : هاجمت الكتيبة ٨٩ التابعة لمنظمة ليحي وبقيادة موشيه ديان قرية الدوايمة الواقعة غرب مدينة الخليل. ففي منتصف الليل حاصرت المصفحات الصهيونية القرية من الجهات كافة عدا الجانب الشرقي لدفع سكانها إلى مغادرة القرية إذ تشبثوا بالبقاء فيها رغم خطورة الأوضاع في أعقاب تداعي الموقف الدفاعي للعرب في المنطقة.
وقام المستوطنون الصهاينة بتفتيش المنازل واحداً واحداً وقتلوا كل من وجدوه بها رجلاً أو امرأة أو طفلاً، كما نسفوا منزل مختار القرية. إلا أن أكثر الوقائع فظاعة كان قتل ٧٥ شيخاً مسناً لجأوا إلى مسجد القرية في صباح اليوم التالي وإبادة ٣٥ عائلة فلسطينية كانت في إحدى المغارات تم حصدهم بنيران المدافع الرشاشة. وبينما تسلل بعض الأهالي لمنازلهم ثانية للنزول بالطعام والملابس جرى اصطيادهم وإبادتهم ونسف عدد من البيوت بمن فيها.
وقد حرص الصهاينة على جمع الجثث وإلقائها في بئر القرية لإخفاء بشاعة المجزرة التي لم يتم الكشف عن تفاصيل وقائعها إلا عندما نشرت صحيفة حداشوت الإسرائيلية تحقيقاً عنها. ويُلاحَظ أن الصهاينة أقاموا على أرض القرية المنكوبة مستعمرة أماتزياه.
стр. 7940
مذبحة يازور (ديسمبر ١٩٤٨) : كثَّف الصهاينة اعتداءاتهم المتكررة على قرية يازور الواقعة بمدخل مدينة يافا. إذ تكرر إطلاق حراس القوافل الإسرائيلية على طريق القدس/تل أبيب للنيران وإلقائهم القنابل على القرية وسكانها. وعندما اصطدمت سيارة حراسة تقل سبعة من الصهاينة بلغم قرب يازور لقي ركابها مصرعهم وجَّه ضابط عمليات منظمة الهاجاناه ييجال يادين أمراً لقائد البالماخ ييجال آلون بالقيام بعملية عسكرية ضد القرية وبأسرع وقت وفي صورة إزعاج مستمر للقرية تتضمن نسف وإحراق المنازل واغتيال سكانها. وبناءً عليه نظمت وحدات البالماخ ولواء جبعاتي مجموعة عمليات إرهابية ضد منازل وحافلات يستقلها فلسطينيون عُزَّل. وتوجت العصابات الصهيونية نشاطها الإرهابي في ٢٢ يناير ١٩٤٩، أي بعد ٣٠ يوماً من انفجار اللغم في الدورية الإسرائيلية، فتولى إسحق رابين (وكان آنذاك ضابط عمليات البالماخ) قيادة هجوم مفاجئ وشامل على القرية عند الفجر، ونسفت القوات المهاجمة العديد من المنازل والمباني في القرية وبينها مصنع للثلج. وأسفر هذا الاعتداء عن مقتل ١٥ فلسطينياً من سكان القرية لقي معظمهم حتفه وهم في فراش النوم.
وتكمن أهمية ذكر مذبحة يازور في أن العديد من الشخصيات "المعتدلة" بين أعضاء النخبة الحاكمة في إسرائيل اشتركوا في هذه الجريمة. كما أن توقيت تنفيذ المذبحة يأتي عقب قيام الدولة. ولم يُكشف عن تفاصيل هذه المذبحة إلا عام ١٩٨١.
مذبحة شرفات (٧ فبراير ١٩٥١) : في الثالثة من صبيحة يوم ٧ فبراير عام ١٩٥١ وصلت ثلاث سيارات من القدس المحتلة إلى نقطة تبعد ثلاثة كيلو مترات ونصف عن خط السكة الحديدية جنوب غرب المدينة وتوقفت حيث ترجل منها نحو ثلاثين جندياً واجتازوا خط الهدنة وتسلقوا المرتفع باتجاه قرية شرفات الواقعة في الضفة الغربية والمطلة على القدس بمسافة تبعد نحو خمسة كيلو مترات.
стр. 7941
وقطع هؤلاء الجنود الأسلاك الشائكة المحيطة بالمدينة وأحاطوا ببيت مختار القرية، ووضعوا عبوات ناسفة في جدرانه وجدران البيت المحاذي له، ونسفوهما على من فيهما، وانسحبوا تحت حماية نيران زملائهم التي انصبت بغزارة على القرية وأهلها. وأسفرت هذه المذبحة عن سقوط عشرة من القتلى: شيخين وثلاث نساء وخمسة أطفال، كما أسفرت عن وقوع ثمانية جرحى جميعهم من النساء والأطفال.
مذبحة بيت لحم (٢٦ يناير ١٩٥٢) : في ليلة ذكرى ميلاد السيد المسيح ﵇ لدى الطوائف المسيحية الشرقية، ٢٦ يناير ١٩٥٢، قامت دورية إسرائيلية بنسف منزل قريب من قرية بيت جالا على بُعد كيلو مترين من مدينة بيت لحم وأدى ذلك إلى استشهاد رب المنزل وزوجته.
وفي الوقت نفسه اقتربت دورية أخرى من منزل آخر، على بُعد كيلو متر واحد شمالي بيت لحم قريباً من دير الروم الأرثوذكسي في مار إلياس، وأطلقت هذه الدورية النار على المنزل وقذفته بالقنابل اليدوية فقُتل صاحبه وزوجته وطفلان من أطفالهما وجُرح طفلان آخران.
ودخلت دورية ثالثة في الليلة نفسها الأرض المنزوعة من السلاح في قطاع اللطرون، واجتازت ثلاثة كيلو مترات إلى أن أصبحت على بُعد خمسمائة متر من قرية عمواس فأمطرتها بنيران غريرة.
مذبحة قرية فلمة (٢٩ يناير ١٩٥٣) : هاجمت سرية معززة قوتها بين ١٢٠ إلى ١٣٠ جندياً قرية فلمة العربية الواقعة في الضفة الغربية، ودكت القرية بمدافع الهاون حيث هدمت بعض بيوتها وخلفت تسعة شهداء بين العرب فضلاً عن أكثر من عشرين جريحاً.
مذبحة مخيم البريج (٢٨ أغسطس ١٩٥٣) : هاجمت قوات الجيش الإسرائيلي مخيم البريج الفلسطيني في قطاع غزة حيث قتلت ٢٠ شهيداً وجُرح ٦٢ آخرون.
مذبحة قلقيلية (١٠ أكتوبر١٩٥٣ (انظر: «مذبحة قلقيلية «
مذبحة قبية (١٥ أكتوبر ١٩٥٣) انظر» : مذبحة قبية «
стр. 7942
مذبحة مخالين (٢٩ مارس ١٩٥٤) : قامت قوة من الجيش الإسرائيلي مؤلفة من ٣٠٠ جندي باجتياز خط الهدنة وتوغلت في أراضي الضفة الغربية مسافة أربعة كيلو مترات حتى وصلت إلى قرية مخالين بالقرب من بيت لحم، حيث ألقت كمية من القنابل على تجمعات السكان وبثت الألغام في بيوت القرية وفي المسجد الجامع. وأسفرت هذه المذبحة عن استشهاد أحد عشر عربياً وجُرح أربعة عشر آخرون.
مذبحة دير أيوب (٢ نوفمبر ١٩٥٤) : في الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم خرج ثلاثة أطفال من قرية يالو الغربية لجمع الحطب، تراوحت أعمارهم بين الثامنة والثانية عشرة، وعند وصولهم إلى نقطة قريبة من دير أيوب على بُعد نحو أربعمائة متر من خط الهدنة فاجأهم بعض الجنود الإسرائيليين فولت طفلة منهم هاربة فأطلق الجنود النار عليها وأصابوها في فخذها، لكنها ظلت تجري إلى أن وصلت إلى قريتها وأخبرت أهلها.
أسرع أهل الطفلين المتبقين إلى المكان المذكور فشاهدوا نحو اثنى عشر جندياً إسرائيلياً يسوقون أمامهم الطفلين باتجاه بطن الوادي في الجنوب حيث أوقفوهما وأطلقوا عليهما النار ثم اختفوا وراء خط الهدنة. وقد توفي أحد الطفلين لتوه، بينما ماتت الطفلة الأخرى صبيحة اليوم التالي في المستشفى الذي نُقلت إليه.
مذبحة غزة الأولى (٢ فبراير١٩٥٥) انظر: «مذبحة غزة «.
مذبحة غزة الثانية (٤ و٥ أبريل١٩٥٦) قصفت مدافع الجيش الإسرائيلي مدينة غزة، حيث استشهد ٥٦ عربياً وجُرح ١٠٣ آخرون.
стр. 7943
مذبحة خان يونس الأولى (٣٠ مايو ١٩٥٥) والثانية (١ سبتمبر ١٩٥٥) : وقعت بهذه المدينة مذبحتان في عام واحد، حيث شن الصهاينة عليها غارتين وقعت أولاهما في فجر يوم ٣٠ من شهر مايو، وثانيتهما في الثانية من بعد منتصف ليلة الفاتح من سبتمبر في عام ١٩٥٥. وراح ضحية العدوان الأول عشرون شهيداً وجرح عشرون آخرون. أما العدوان الثاني فشاركت فيه توليفة من الأسلحة شملت سلاح المدفعية والدبابات والمجنزرات المصفحة ووحدات مشاة وهندسة. وكانت حصيلة هذه المذبحة الثانية استشهاد ستة وأربعين عربياً وجرح خمسين آخرين.
مذبحة الرهوة (١١ـ١٢ سبتمبر ١٩٥٦) : قامت قوات الاحتلال الصهيوني في اليومين بمهاجمة مركز شرطة ومدرسة في قرية الرهوة حيث تم قتل خمسة عشر شهيداً عربياً ونُسفت المدرسة.
مذبحة كفر قاسم (٢٩ أكتوبر ١٩٥٦) انظر: «مذبحة كفر قاسم «
مذبحة خان يونس الثالثة (٣ نوفمبر١٩٥٦) وقعت المذبحة أثناء احتلال الجيش الصهيوني بلدة خان يونس حيث تم فتح النار على سكان البلد، ومخيم اللاجئين المجاور لها حيث كان عدد الشهداء المدنيين من القرية والمخيم معاً ٢٧٥ شهيداً.
مذبحة السموع (١٣ نوفمبر ١٩٦٦) : شنت قوات المظليين الإسرائيلية هجوماً على قرية السموع في منطقة جبال الخليل. وقد خطط للعملية روفائيل إيتان واشترك في تنفيذها لواء دبابات ولواء مشاة تعززهما المدفعية وسلاح الجو الإسرائيلي.
بعد قصف القرية التي كانت خاضعة للإدارة الأردنية تسللت القوات الإسرائيلية إليها ونسفت ١٢٥ منزلاً وبناية بينها المدرسة والعيادة الطبية والمسجد، وذلك رغم المقاومة الباسلة التي أبداها سكان القرية والحامية الأردنية صغيرة العدد.
وقد أدان مجلس الأمن الدولي بقرار رقم ٢٨٨ في ديسمبر من نفس العام المذبحة الإسرائيلية، ورفض تذرُّع إسرائيل الواهي بانفجار لغمين في أكتوبر ١٩٦٦ جنوبي الخليل كمبرر للعدوان.
стр. 7944
أدَّت المذبحة إلى قتل ١٨ وجرح ١٣٠ جميعهم من المدنيين بينهم نساء وأطفال وشيوخ. وتُعَد المذبحة نموذجاً للإرهاب المؤسسي المنظم الذي تمارسه الدولة الصيهونية.
مذبحة قلقيلية (١٠ أكتوبر ١٩٥٣ (
Qalqilya Massacre
حرص أهل قلقيلية على جمع المال وشراء أسلحة وذخيرة للجهاد ضد الصهاينة، ولم تنقطع الاشتباكات بينهم وبين عدوهم. ولم يكتم الإسرائيليون غضبهم من فشلهم في كسر شوكة سكان القرية، حتى أن موشيه ديان قال في اجتماع له على الحدود إثر اشتباك في يونيه ١٩٥٣: "سأحرث قلقيلية حرثاً".
وفي الساعة التاسعة من مساء العاشر من أكتوبر عام ١٩٥٣ تسللت إلى قلقيلية مفرزة من الجيش الإسرائيلي تقدَّر بكتيبة مشاه وكتيبة مدرعات تساندهما كتيبتا مدفعية ميدان ونحو عشر طائرات مقاتلة، فقطعت أسلاك الهاتف ولغمت بعض الطرق في الوقت الذي احتشدت فيه قوة كبيرة في المستعمرات القريبة تحركت في الساعة العاشرة من مساء اليوم نفسه وهاجمت قلقيلية من ثلاثة اتجاهات مع تركيز الجهد الأساسي بقوة كتيبة المدرعات على مركز الشرطة فيها. لكن الحرس الوطني تصدى بالتعاون مع سكان القرية لهذا الهجوم وصمدوا بقوة وهو ما أدَّى إلى إحباطه وتراجُع المدرعات. وبعد ساعة عاود المعتدون الهجوم بكتيبة المشاه تحت حماية المدرعات بعد أن مهدوا للهجوم بنيران المدفعية الميدانية، وفشل هذا الهجوم أيضاً وتراجع العدو بعد أن تكبد بعض الخسائر.
стр. 7945
شعر سكان القرية أن هدف العدوان هو مركز الشرطة فزادوا قوتهم فيه وحشدوا عدداً كبيراً من الأهالي المدافعين هناك. ولكنهم تكبدوا خسائر كبيرة عندما عاودت المدفعية القصف واشتركت الطائرات في قصف القرية ومركز الشرطة بالقنابل. وفي الوقت نفسه هاجم العدو الإسرائيلي مرة ثالثة بقوة وتمكَّن من احتلال مركز الشرطة ثم تابع تقدُّمه عبر الشوارع مطلقاً النار على المنازل وعلى كل من يصادفه. وقد استُشهد قرابة سبعين من السكان ومن أهل القرى المجاورة الذين هبوا للنجدة، هذا فضلاً عن الخسائر المادية الكبيرة.
وكانت وحدة من الجيش الأردني متمركزة في منطقة قريبة من قلقيلية فتحركت للمساعدة في التصدي للعدوان غير أنها اصطدمت بالألغام التي زرعها الصهاينة فتكبدت بعض الخسائر، وقد قصفت المدفعية الأردنية العدو وكبدته بعض الخسائر، ثم انسحب الإسرائيليون بعد أن عاثوا بالقرية فساداً وتدميراً.
مذبحة قبية (١٥ أكتوبر ١٩٥٣ (
Kibya Massacre
في منتصف شهر أكتوبر عام ١٩٥٣ أغار جنود الفرقة ١٠١ التابعة للجيش الإسرائيلي بقيادة أرييل شارون على القرية التي تقع شمال مدينة القدس في المنطقة الحدودية تحت إدارة الأردن. وطوَّق ٦٠٠ جندي إسرائيلي القرية تماماً وقصفوها بصورة مركَّزة ودون تمييز، ثم دخلت قوة منهم إليها وهي تطلق النار عشوائياً بعد أن تمكنت من التخلص من المقاومة التي أبدتها قوة الحرس الوطني المحدودة في القرية. وبينما كان يجري حصد المدنيين العُزَّل بالرصاص قامت عناصر أخرى بتلغيم العديد من منازل الفلسطينيين وتدميرها على من فيها.
стр. 7946
وقد تذرعت إسرائيل في البداية بأن الهجوم يأتي انتقاماً لمقتل امرأة يهودية وطفلها. كما مارست الخداع بادعائها أن مرتكبي المذبحة هم من المستوطنين الصهاينة وليسوا قوات نظامية. إلا أن مجلس الأمن الذي أدان الجرم الصهيوني قد اعتبره عملاً تم تدبيره منذ زمن طويل، وهو الأمر الذي أيدته اعترافات بعض القيادات الصهيونية/الإسرائيلية فيما بعد.
وأسفرت المذبحة عن سقوط ٦٩ قتيلاً بينهم نساء وأطفال وشيوخ، ونسف ٤١ منزلاً ومسجد وخزان مياه القرية في حين أُبيدت أُسر بكاملها مثل عائلة عبد المنعم قادوس المكونة من ١٢ فرداً.
وتُعَد مذبحة قبية علامة شهيرة في انتهاك إسرائيل للقانون والأعراف الدولية فضلاً عن حقوق الإنسان، ونموذجاً سافراً لسياستها الهادفة إلى مطاردة الشعب الفلسطيني واقتلاعه بتفريغ مناطق الهدنة عام ١٩٤٨. وقد قام فدائيان عربيان يوم ٢٥ نوفمبر ١٩٨٧ (في الذكرى الحادية والثلاثين لمذبحة قبية) بعملية فدائية سمياها «عملية قبية» . وقد استُشهد الفدائيان بعد أن قتل أحدهما ستة إسرائيلين.
مذبحة غزة الأولى (٢٨ فبراير ١٩٥٥)
First Gaza Massacre
بسبب طبيعة إسرائيل كدولة وظيفية حرص الاستعمار على استغلال وجودها لتصفية العداء المصري لسلسلة الأحلاف الاستعمارية ومنها حلف بغداد الذي كان يتزعم الدعوة إليه وتنفيذه نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي آنذاك. ومع وضوح الموقف المصري صعَّدت إسرائيل موقفها العدواني تجاه مصر وعمدت إلى تنفيذ مذبحة في قطاع غزة الذي كانت الإدارة المصرية تشرف عليه.
стр. 7947
وبدايةً حاولت إدارة الصهاينة توجيه تهديد صريح لمصر بإمكان استعمالها سياسة القوة لتأديب الثورة المصرية وردعها. ومن ثم، ففي الوقت الذي كان فيه صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة المصري يجتمع مع نوري السعيد رئيس وزراء العراق في ١٤ من أغسطس ١٩٥٤ لإقناعه بالعدول عن ربط العراق بالأحلاف الاستعمارية ودعوته إلى توقيع معاهدة دفاع مشترك مع مصر، كانت قوة من الجيش الإسرائيلي تتسلل عبر خط الهدنة وتتوغل نحو ثلاثة كيلو مترات داخل حدود قطاع غزة حتى وصلت إلى محطة المياه التي تزود سكان غزة بالماء، فقتلت الفني المشرف على المحطة وبثت الألغام في مبنى المحطة وآلات الضخ.
ومع رفض الإدارة المصرية هذه التهديدات ومع استمرارها في الاتجاه الذي اختارته لنفسها، قامت قوات الصهاينة بتنفيذ مذبحة حقيقية في القطاع.
ففي الساعة الثامنة والنصف من مساء ٢٨ فبراير عام ١٩٥٥ اجتازت عدة فصائل من القوات الإسرائيلية خط الهدنة، وتقدمت داخل قطاع غزة إلى مسافة تزيد عن ثلاثة كيلو مترات، ثم بدأ كل فصيل من هذه القوات يُنفذ المهمة الموكولة إليه. فاتجه فصيل لمداهمة محطة المياه ونسفها، ثم توجَّه إلى بيت مدير محطة سكة حديد غزة، واستعد فصيل آخر لمهاجمة المواقع المصرية بالرشاشات ومدافع الهاون والقنابل اليدوية، ورابط فصيل ثالث في الطريق لبث الألغام فيه ومنع وصول النجدة. ونجح المخطط إلى حدٍّ كبير.
وانفجرت محطة المياه، ورافق ذلك الانفجار انهمار الرصاص الإسرائيلي على معسكر الجيش المصري القريب من المحطة. وطلب قائد المعسكر النجدة من أقرب موقع عسكري فأسرعت السيارات الناقلة للجنود لتلبية النداء لكنها وقعت في الكمين الذي أعده الإسرائيليون في الطريق وارتفع إجمالي عدد ضحايا هذه المذبحة ٣٩ قتيلاً و٣٣ جريحاً.
مذبحة كفر قاسم (٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ (
Kafr Kassem Massacre
стр. 7948
في ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ وعشية العدوان الثلاثي على مصر تولت قوة حرس حدود تابعة للجيش الإسرائيلي تنفيذ حظر التجول على المنطقة التي تقع بها قرية كفر قاسم في المثلث على الحدود مع الأردن. وقد تلقَّى قائد القوة، ويُدعى الرائد شموئيل ملنيكي، الأوامر بتقديم موعد حظر التجول في المنطقة إلى الساعة الخامسة مساءً وهو الأمر الذي كان يستحيل أن يعلم به مواطنو القرية، وبخاصة أولئك الذين يعملون خارجها، وهو ما نبه إليه مختار القرية قائد القوة الإسرائيلية. كما تلقَّى ملنيكي توجيهات واضحة من العقيد شدمي بقتل العائدين إلى القرية دون علم بتقديم ساعة حظر التجول. "من الأفضل أن يكون هناك قتلى.. لا نريد اعتقالات.. دعنا من العواطف..".
وكان أول الضحايا أربعة عمال حيوا الجنود الإسرائيليين بكلمة "شالوم" فردوا إليهم التحية بحصد ثلاثة منهم بينما نجا الفلسطيني الرابع حين توهموا أنه لقى مصرعه هو الآخر. كما قتلوا ١٢ امرأة كن عائدات من جمع الزيتون وذلك بعد أن استشار الملازم جبرائيل دهان القيادة باللاسلكي. وعلى مدى ساعة ونصف سقط ٤٩ قتيلاً و١٣ جريحاً هم ضحايا مذبحة كفر قاسم. ويُلاحَظ أن الجنود الإسرائيليين سلبوا الضحايا نقودهم وساعات اليد.
وقد التزمت السلطات الإسرائيلية الصمت إزاء المذبحة لمدة أسبوعين كاملين إلى أن اضطرت إلى إصدار بيان من مكتب رئيس الوزراء عقب تسرُّب أنبائها إلى الصحف ووسائل الإعلام. وللتغطية على الجريمة أجرت محاكمة لثلاثة عشر متهماً على رأسهم العقيد شدمي. وأسفرت المحاكمة عن تبرئة شدمي حيث شهد لصالحه موشي ديان وحاييم هيرتزوج، بينما عوقب ملنيكي بالسجن ١٧ عاماً وعوقب دهان وشالوم عوفر بالسجن ١٥ عاماً في حين حُكم على خمسة آخرين بأحكام تصل إلى سبع سنوات. وحظي الباقون بالبراءة.
стр. 7949
وإذا كانت محاكمة المتهمين الصهاينة قد بدأت بعد عامين كاملين من المذبحة، فإنه قبل عام ١٩٦٠ كانوا جميعاً خارج السجن يتمتعون بالحرية، حيث أصدر إسحق بن تسفي رئيس الدولة عفواً عنهم. والطريف أن الملازم دهان قد سارع بالرحيل إلى فرنسا معلناً سخطه على التمييز بين اليهود السفارد والإشكناز في الأحكام القضائية التي صدرت على مرتكبي مذبحة كفر قاسم.
وتُعَد مذبحة كفر قاسم مثالاً على إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل تجاه الفلسطينيين وبتدبير وتواطؤ مختلف سلطاتها. كما يُعَد كل من بن جوريون رئيس الوزراء ووزير الدفاع وموشيه ديان رئيس أركان الجيش وشيمون بيريس نائب وزير الدفاع المسئولين الأساسيين عن المذبحة ورغم ذلك لم يحاكمهم القضاء الصهيوني.
الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي منذ عام ١٩٦٧حتى الثمانينيات: تاريخ
Israeli-Zionist Terrorism from ١٩٦٧ till the Eighties: History
كان من الطبيعي أن تنشط آلة الإرهاب الصهيوني مع عدوان ١٩٦٧ وبعده، الذي أسفر عن ضم المزيد من الأراضي المحتلة (الضفة الغربية وغزة والقطاع الشرقي من القدس) وهي ذات تركيب سكاني عربي خالص.
стр. 7950
ولتمهيد الطريق أمام الاستيطان الإحلالي في الضفة الغربية وقطاع غزة اختار المخطط الإسرائيلي بعناية نمط القتل الجماعي/ المذبحة بوصفه أكثر أنواع الإرهاب دموية وأوضحها فجاجة. ولذا فإن الأيام والأسابيع القليلة التي تلت دخول القوات الإسرائيلية إلى الضفة وغزة في ٥ يونيه ١٩٦٧ شهدت سلسلة من عمليات القتل الجماعي للمدنيين دون تمييز. كما لابد وأن يذكر مئات الأسرى والجرحى المصريين الذين تم قتلهم ودفنهم فى مقابر جماعية. وسجل مراقبو الأمم المتحدة وهيئة غوث اللاجئين التابعة لها في تقارير عديدة جانباً من هذا السلوك الإرهابي الفج الذي لم يَسلْم منه حتى اللاجئون الفلسطينيون الذين أخذوا في الفرار عَبْر معبر اللنبي/الملك حسين على نهر الأردن. وفيما بعد جرى اكتشاف العديد من القبور الجماعية في قطاع غزة والضفة الغربية.
واقترنت ممارسات القتل الجماعي/المذابح بإزالة قرى وأحياء بكاملها وطَرْد سكانها الفلسطينيين وتشريدهم بدعوى شق الطرق الأمنية للقوات الغازية. وعلى ذلك فإن المذبحة والطَرْد الجماعي وهَدْم الديار هو أول ما واجه به جيش الاحتلال الصهيوني الفلسطينيين في الضفة وغزة في إطار السعي لتحطيم معنويات شعب بأسره ودفعه لتقبُّل الهزيمة والإعداد لاقتلاعه من الوطن.
وخلال السنوات العشرين الفاصلة بين يونيه ١٩٦٧ والانتفاضة في ١٩٨٧ طوَّرت سلطات الاحتلال آليات ممارسة إرهاب الدولة المنظم منتهكة كل بنود الاتفاقات الدولية الخارجية بمعاملة السكان المدنيين تحت الاحتلال. ولذا فإن المقارنة ظلت حاضرة وبقوة بين ممارسات الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي والممارسات المنسوبة للاحتلال النازي الألماني.
следующие страницы →