Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.
стр. 7946
وقد تذرعت إسرائيل في البداية بأن الهجوم يأتي انتقاماً لمقتل امرأة يهودية وطفلها. كما مارست الخداع بادعائها أن مرتكبي المذبحة هم من المستوطنين الصهاينة وليسوا قوات نظامية. إلا أن مجلس الأمن الذي أدان الجرم الصهيوني قد اعتبره عملاً تم تدبيره منذ زمن طويل، وهو الأمر الذي أيدته اعترافات بعض القيادات الصهيونية/الإسرائيلية فيما بعد.
وأسفرت المذبحة عن سقوط ٦٩ قتيلاً بينهم نساء وأطفال وشيوخ، ونسف ٤١ منزلاً ومسجد وخزان مياه القرية في حين أُبيدت أُسر بكاملها مثل عائلة عبد المنعم قادوس المكونة من ١٢ فرداً.
وتُعَد مذبحة قبية علامة شهيرة في انتهاك إسرائيل للقانون والأعراف الدولية فضلاً عن حقوق الإنسان، ونموذجاً سافراً لسياستها الهادفة إلى مطاردة الشعب الفلسطيني واقتلاعه بتفريغ مناطق الهدنة عام ١٩٤٨. وقد قام فدائيان عربيان يوم ٢٥ نوفمبر ١٩٨٧ (في الذكرى الحادية والثلاثين لمذبحة قبية) بعملية فدائية سمياها «عملية قبية» . وقد استُشهد الفدائيان بعد أن قتل أحدهما ستة إسرائيلين.
مذبحة غزة الأولى (٢٨ فبراير ١٩٥٥)
First Gaza Massacre
بسبب طبيعة إسرائيل كدولة وظيفية حرص الاستعمار على استغلال وجودها لتصفية العداء المصري لسلسلة الأحلاف الاستعمارية ومنها حلف بغداد الذي كان يتزعم الدعوة إليه وتنفيذه نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي آنذاك. ومع وضوح الموقف المصري صعَّدت إسرائيل موقفها العدواني تجاه مصر وعمدت إلى تنفيذ مذبحة في قطاع غزة الذي كانت الإدارة المصرية تشرف عليه.
стр. 7947
وبدايةً حاولت إدارة الصهاينة توجيه تهديد صريح لمصر بإمكان استعمالها سياسة القوة لتأديب الثورة المصرية وردعها. ومن ثم، ففي الوقت الذي كان فيه صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة المصري يجتمع مع نوري السعيد رئيس وزراء العراق في ١٤ من أغسطس ١٩٥٤ لإقناعه بالعدول عن ربط العراق بالأحلاف الاستعمارية ودعوته إلى توقيع معاهدة دفاع مشترك مع مصر، كانت قوة من الجيش الإسرائيلي تتسلل عبر خط الهدنة وتتوغل نحو ثلاثة كيلو مترات داخل حدود قطاع غزة حتى وصلت إلى محطة المياه التي تزود سكان غزة بالماء، فقتلت الفني المشرف على المحطة وبثت الألغام في مبنى المحطة وآلات الضخ.
ومع رفض الإدارة المصرية هذه التهديدات ومع استمرارها في الاتجاه الذي اختارته لنفسها، قامت قوات الصهاينة بتنفيذ مذبحة حقيقية في القطاع.
ففي الساعة الثامنة والنصف من مساء ٢٨ فبراير عام ١٩٥٥ اجتازت عدة فصائل من القوات الإسرائيلية خط الهدنة، وتقدمت داخل قطاع غزة إلى مسافة تزيد عن ثلاثة كيلو مترات، ثم بدأ كل فصيل من هذه القوات يُنفذ المهمة الموكولة إليه. فاتجه فصيل لمداهمة محطة المياه ونسفها، ثم توجَّه إلى بيت مدير محطة سكة حديد غزة، واستعد فصيل آخر لمهاجمة المواقع المصرية بالرشاشات ومدافع الهاون والقنابل اليدوية، ورابط فصيل ثالث في الطريق لبث الألغام فيه ومنع وصول النجدة. ونجح المخطط إلى حدٍّ كبير.
وانفجرت محطة المياه، ورافق ذلك الانفجار انهمار الرصاص الإسرائيلي على معسكر الجيش المصري القريب من المحطة. وطلب قائد المعسكر النجدة من أقرب موقع عسكري فأسرعت السيارات الناقلة للجنود لتلبية النداء لكنها وقعت في الكمين الذي أعده الإسرائيليون في الطريق وارتفع إجمالي عدد ضحايا هذه المذبحة ٣٩ قتيلاً و٣٣ جريحاً.
مذبحة كفر قاسم (٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ (
Kafr Kassem Massacre
стр. 7948
في ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ وعشية العدوان الثلاثي على مصر تولت قوة حرس حدود تابعة للجيش الإسرائيلي تنفيذ حظر التجول على المنطقة التي تقع بها قرية كفر قاسم في المثلث على الحدود مع الأردن. وقد تلقَّى قائد القوة، ويُدعى الرائد شموئيل ملنيكي، الأوامر بتقديم موعد حظر التجول في المنطقة إلى الساعة الخامسة مساءً وهو الأمر الذي كان يستحيل أن يعلم به مواطنو القرية، وبخاصة أولئك الذين يعملون خارجها، وهو ما نبه إليه مختار القرية قائد القوة الإسرائيلية. كما تلقَّى ملنيكي توجيهات واضحة من العقيد شدمي بقتل العائدين إلى القرية دون علم بتقديم ساعة حظر التجول. "من الأفضل أن يكون هناك قتلى.. لا نريد اعتقالات.. دعنا من العواطف..".
وكان أول الضحايا أربعة عمال حيوا الجنود الإسرائيليين بكلمة "شالوم" فردوا إليهم التحية بحصد ثلاثة منهم بينما نجا الفلسطيني الرابع حين توهموا أنه لقى مصرعه هو الآخر. كما قتلوا ١٢ امرأة كن عائدات من جمع الزيتون وذلك بعد أن استشار الملازم جبرائيل دهان القيادة باللاسلكي. وعلى مدى ساعة ونصف سقط ٤٩ قتيلاً و١٣ جريحاً هم ضحايا مذبحة كفر قاسم. ويُلاحَظ أن الجنود الإسرائيليين سلبوا الضحايا نقودهم وساعات اليد.
وقد التزمت السلطات الإسرائيلية الصمت إزاء المذبحة لمدة أسبوعين كاملين إلى أن اضطرت إلى إصدار بيان من مكتب رئيس الوزراء عقب تسرُّب أنبائها إلى الصحف ووسائل الإعلام. وللتغطية على الجريمة أجرت محاكمة لثلاثة عشر متهماً على رأسهم العقيد شدمي. وأسفرت المحاكمة عن تبرئة شدمي حيث شهد لصالحه موشي ديان وحاييم هيرتزوج، بينما عوقب ملنيكي بالسجن ١٧ عاماً وعوقب دهان وشالوم عوفر بالسجن ١٥ عاماً في حين حُكم على خمسة آخرين بأحكام تصل إلى سبع سنوات. وحظي الباقون بالبراءة.
стр. 7949
وإذا كانت محاكمة المتهمين الصهاينة قد بدأت بعد عامين كاملين من المذبحة، فإنه قبل عام ١٩٦٠ كانوا جميعاً خارج السجن يتمتعون بالحرية، حيث أصدر إسحق بن تسفي رئيس الدولة عفواً عنهم. والطريف أن الملازم دهان قد سارع بالرحيل إلى فرنسا معلناً سخطه على التمييز بين اليهود السفارد والإشكناز في الأحكام القضائية التي صدرت على مرتكبي مذبحة كفر قاسم.
وتُعَد مذبحة كفر قاسم مثالاً على إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل تجاه الفلسطينيين وبتدبير وتواطؤ مختلف سلطاتها. كما يُعَد كل من بن جوريون رئيس الوزراء ووزير الدفاع وموشيه ديان رئيس أركان الجيش وشيمون بيريس نائب وزير الدفاع المسئولين الأساسيين عن المذبحة ورغم ذلك لم يحاكمهم القضاء الصهيوني.
الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي منذ عام ١٩٦٧حتى الثمانينيات: تاريخ
Israeli-Zionist Terrorism from ١٩٦٧ till the Eighties: History
كان من الطبيعي أن تنشط آلة الإرهاب الصهيوني مع عدوان ١٩٦٧ وبعده، الذي أسفر عن ضم المزيد من الأراضي المحتلة (الضفة الغربية وغزة والقطاع الشرقي من القدس) وهي ذات تركيب سكاني عربي خالص.
стр. 7950
ولتمهيد الطريق أمام الاستيطان الإحلالي في الضفة الغربية وقطاع غزة اختار المخطط الإسرائيلي بعناية نمط القتل الجماعي/ المذبحة بوصفه أكثر أنواع الإرهاب دموية وأوضحها فجاجة. ولذا فإن الأيام والأسابيع القليلة التي تلت دخول القوات الإسرائيلية إلى الضفة وغزة في ٥ يونيه ١٩٦٧ شهدت سلسلة من عمليات القتل الجماعي للمدنيين دون تمييز. كما لابد وأن يذكر مئات الأسرى والجرحى المصريين الذين تم قتلهم ودفنهم فى مقابر جماعية. وسجل مراقبو الأمم المتحدة وهيئة غوث اللاجئين التابعة لها في تقارير عديدة جانباً من هذا السلوك الإرهابي الفج الذي لم يَسلْم منه حتى اللاجئون الفلسطينيون الذين أخذوا في الفرار عَبْر معبر اللنبي/الملك حسين على نهر الأردن. وفيما بعد جرى اكتشاف العديد من القبور الجماعية في قطاع غزة والضفة الغربية.
واقترنت ممارسات القتل الجماعي/المذابح بإزالة قرى وأحياء بكاملها وطَرْد سكانها الفلسطينيين وتشريدهم بدعوى شق الطرق الأمنية للقوات الغازية. وعلى ذلك فإن المذبحة والطَرْد الجماعي وهَدْم الديار هو أول ما واجه به جيش الاحتلال الصهيوني الفلسطينيين في الضفة وغزة في إطار السعي لتحطيم معنويات شعب بأسره ودفعه لتقبُّل الهزيمة والإعداد لاقتلاعه من الوطن.
وخلال السنوات العشرين الفاصلة بين يونيه ١٩٦٧ والانتفاضة في ١٩٨٧ طوَّرت سلطات الاحتلال آليات ممارسة إرهاب الدولة المنظم منتهكة كل بنود الاتفاقات الدولية الخارجية بمعاملة السكان المدنيين تحت الاحتلال. ولذا فإن المقارنة ظلت حاضرة وبقوة بين ممارسات الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي والممارسات المنسوبة للاحتلال النازي الألماني.
стр. 7951
ويبرز بين هذه الآليات الإرهابية الاستخدام الواسع والمكثَّف لأساليب العقاب الجماعي من حظر للتجوال وفرض الحصار الأمني (الإغلاق) وهدم البيوت وغيرها. وعلى سبيل المثال فإن الفترة بين يونيه ١٩٦٧ ويونيه ١٩٨٠ شهدت قيام قوات الاحتلال بهدم ١٢٥٩ بيتاً فلسطينياً. ولقد خص مدينة القدس العربية اهتمام خاص في سياسة هدم المنازل (٥٢٥ بيتاً فلسطينياً خلال الفترة المشار إليها) ، وهو الأمر الذي يمكن تفسيره بمركزية القدس في المشروع الاستيطاني الإحلالي الصهيوني.
وتاريخ الأراضي المحتلة عقب ١٩٦٧ هو سجل يومي لشتى ممارسات الإرهاب التي تعتبر ثمرة تراث سلطة احتلال استيطاني، بدءاً من إطلاق النار على المتظاهرين وسقوط القتلى والجرحى وضمنهم الأطفال والنساء، والاعتداء على السياسيين والمثقفين وترحيلهم خارج البلاد. وفرض أوامر الإقامة الجبرية والاعتقال والتعذيب بمختلف أنواعه.
стр. 7952
ولقد لجأت سلطة الاحتلال الإسرائيلي إلى قوانين الطوارئ البريطانية الصادرة عام ١٩٤٥ وكذلك إلى قانون الأحكام العرفية المشدد (العسكرية) الذي فرضه الاستعمار البريطاني لقمع الثورة الفلسطينية (عام ١٩٣٦) . ويجيز هذا القانون العسكري سيء السمعة الاعتقال التعسفي بكل أشكاله. وبعد نحو ثلاث سنوات من احتلال الضفة وغزة لجأت إسرائيل إلى إصدار الأمر العسكري رقم (٣٧٨) الذي يمنح سلطات الاحتلال صلاحيات أوسع في ممارسة الاعتقالات، وأصبح أي مواطن فلسطيني معرَّضاً للاعتقال في أي مكان وأي وقت بدون أسباب وبدون إذن قضائي. كما بات مسكن أي فلسطيني بالضفة وغزة عرضة للتفتيش دون سبب ودون إذن مسبق. ومما يلفت النظر أن سلطات الاحتلال عادت وأدخلت ٤٦ تعديلاً على هذا الأمر لسد الثغرة تلو الأخرى التي تتيح حماية ضحايا الاعتقال. وتذهب بعض التقديرات إلى أن واحداً من بين خمسة فلسطينيين قد تعرَّض للاعتقال أو السجن في الفترة الواقعة بين عامي ١٩٦٧ ـ ١٩٨٧. وهو الأمر الذي يعكس ضراوة الصراع بين سلطة الاحتلال الاستيطاني ومقاومة الفلسطينيين له.
стр. 7953
ويقترن الاعتقال بممارسة التعذيب على نطاق واسع في المعتقلات والسجون الإسرائيلية. ولما كانت منظمات حقوق الإنسان الدولية قد بدأت مع الثمانينيات تنتبه إلى أن تعذيب الفلسطينيين يشكل ركناً لا يتجزأ من سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وضمنه نظامه القانوني العنصري التمييزي، فقد كلفت الحكومة الإسرائيلية في عام ١٩٨٧ مائير شامجر رئيس المحكمة العليا بتعيين لجنة قضائية للتحقيق في ممارسات التعذيب التي يقوم بها جهاز الأمن الداخلي المسمى «شين بيت» . وكان من الواضح أن قرار الحكومة الإسرائيلية يحصر نطاق التحقيق في جهاز واحد (الشين بيت) ، متجاهلاً عن عمد الممارسات اليومية الواسعة لجنود جيش الاحتلال بصفة عامة. وجاءت أبلغ المفارقات دلالة في أن شامجر نفسه كان أحد الإرهابيين الذين طردتهم سلطات الانتداب البريطاني خارج فلسطين عام ١٩٤٤ لتورطه في أنشطة إرهابية كما عمل فيما بعد مستشاراً قانونياً لوزارة الدفاع الإسرائيلية في غضون حوادث ١٩٦٧. ومن جانبه فإن شامجر قام بتعيين الماجور جنرال إسحق هوفي بين أعضاء اللجنة الثلاثية المكلفة بالتحقيق. وهوفي هو الآخر كان من بين إرهابيي البالماخ وكان قائد وحدة بالجيش الإسرائيلي جرى تكليفها بأعمال انتقامية إرهابية في سيناء خلال حرب ١٩٥٦ وفيما بعد تولَّى رئاسة جهاز الموساد بين عامي ١٩٧٤ و١٩٨٢.
стр. 7954
وبالطبع فإن اللجنة الإسرائيلية انتهت إلى محاولة إضفاء الشرعية على انتزاع الاعترافات من المعتقلين الفلسطينيين تحت وطأة التعذيب بدعوى "اعتبارات أمن إسرائيل". ونتائج لجنة التحقيق الإسرائيلي وتُدعَى «لجنة لاندو» تعترف ضمناً بأن التعذيب ركن أساسي في النظام القانوني العنصري الإسرائيلي، لكن فلسفة ممارسة التعذيب استناداً إلى آلاف الوقائع الواردة في تقارير المنظمات الدولية تتجاوز هدف انتزاع الاعترافات بالإكراه إلى غلبة إشاعة "أجواء الرعب" بين أبناء الشعب الفلسطيني بأسره. واستخدام التعذيب كأداة انتقامية ضد كل أشكال المقاومة وإثبات رموز الوجود الوطني.
وعلى مستوى نشاط آلة الإرهاب الصهيوني ضد العرب في البلدان المجاورة، شهدت مرحلة ما بعد ١٩٦٧ طفرة جديدة تتناسب مع ما استشعرته النخبة الصهيونية من تفوُّق عسكري وبخاصة في مجال الجو. فاتسع حيز ممارستها جغرافياً، وانتقل تركيز نشاطها الإرهابي من الأردن إلى لبنان. فقد صعَّدت حجم اعتداءاتها على المحيط العربي المجاور لفلسطين، حتى لو بدا في حالة استسلام تام لواقع وجودها وسيطرتها. ولقد سقط مئات الضحايا من المدنيين العُزَّل نتيجة الاعتداءات الإرهابية الصهيونية. ويكفي التذكير بضحايا مدرسة بحر البقر للأطفال في دلتا النيل بمصر، وعمال مصانع أبي زعبل بجوار القاهرة وذلك خلال عام ١٩٧٠، وضرب ١٥ قرية ومخيماً للاجئين على امتداد نهر الأردن بقنابل النابالم في فبراير ١٩٦٨. أما لبنان فيصعب على المرء انتقاء حادث دون آخر من سلسلة حافلة من الأعمال الإرهابية بلغت ذروتها بغزو البلاد عام ١٩٨٢، واستخدام الأسلحة المحرَّمة دولياً ضد مواطنيه ومواطني الشعب الفلسطيني، ومن بينها القنابل الانشطارية والأسلحة الكيماوية.
стр. 7955
وقبلها كان عام ١٩٧٢ ذروة لنشاط الموساد في الاغتيال على الساحة اللبنانية حيث اغتيل الأديب الفلسطيني غسان كنفاني وابنة شقيقه في ٨ يوليه ١٩٧٢، وأصيب د. أنيس صايغ فضلاً عن د. باسل القبيسي الأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت. كما اغتيل ثلاثة من كبار القيادات الفلسطينية في بيروت: محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال نصر. وهو نفس العام الذي شهد تركيزاً في أعمال الاغتيال الإسرائيلي خارج المنطقة حيث اغتيل وليد زعيتر ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في روما ومحمود الهمشري ممثلها في باريس.
ولقد شهدت مرحلة ما بعد ١٩٦٧ كذلك مزيداً من جرائم إسرائيل ضد الطائرات المدنية وكان أشهرها نسف طائرة الركاب الليبية المدنية في الجو عام ١٩٧٣ وقتل ١٠٦ شخص على متنها، وهو نفس العام الذي أُجبرت فيه طائرة لبنانية على الهبوط في إسرائيل.
والأمر الذي يحتاج إلى الالتفات هو ذلك الطابع التفاخري الإعلاني والفوري الذي يقترن بهذا النشاط، حيث تسعى إسرائيل لتأكيد بطشها وقدرتها على مجافاة المنطق وانتهاك الأخلاقيات والأعراف الدولية. ومن اللافت أيضاً ذلك الميل الاستعراضي الفج لهذه الأعمال الإرهابية الدولية وما تلقاه من اهتمام وإعجاب داخل التجمُّع الصهيوني بصفة عامة.
ولا تزال العمليات الإرهابية الإسرائيلية يجرى الإعلان عنها رسمياً حتى الآن، وقد أصبحت نشاطاً ذا صفة كونية إذ وسَّع دائرة حركته إقليمياً (بغداد ـ تونس ـ عنتيبي.. إلخ) . كما يوجد تعاون عسكري إسرائيلي أمريكي على مستوى النشاط الإرهابي المُعلن والنشاط الاستخباري بين الموساد والـ سي. آي. آيه. وقد أُعلن في الثمانينيات عن دور إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة في تدريب خبراء الإرهاب والقمع وتوفير معداته للأنظمة الدكتاتورية والعدوانية في أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص.
المنظمات الإرهابية الصهيونية/الإسرائيلية في الثمانينيات
стр. 7956
Israeli-Zionist Terrorist Organizations in the Eighties
من السمات الأساسية للإرهاب الصهيوني في الثمانينيات، عودة المنظمات الإرهابية الصهيونية التي تتخذ طابعاً تنظيمياً مستقلاً عن جهاز الدولة وبخاصة التي تعمل في المناطق المحتلة بالضفة وغزة والجليل كذلك. وحوادث الإرهاب التي تُنسب إلى هذه الجماعات تتسم بالوفرة والتتابع: الإضرار بممتلكات المواطنين العرب ـ محاولات الاعتداء على المقدَّسات الدينية الإسلامية والمسيحية ـ قتل الأشخاص بصورة منتقاه أو بأساليب عشوائية مثل الهجوم على الحافلات الفلسطينية إلى تسميم الطالبات الفلسطينيات وتدبير مخططات لإفقادهن القدرة على الإنجاب مستقبلاً ـ أعمال الاختطاف.
وإذا كان الهدف الأساسي المُعلن لهذه الجماعات هو طرد السكان الفلسطينيين بالقوة، فإن جماعة السلام الآن الإسرائيلية لم تَسلْم في إحدى المرات من إرهاب هذه المنظمات حين أُلقيت قنبلة على مظاهرة لها في فبراير ١٩٨٤ فأودت بحياة أحد أعضائها. إلا أن سلسلة الانفجارات التي استهدفت حياة مجموعة من رؤساء بلديات الضفة الفلسطينيين في عام ١٩٨٠ هي التي ركَّزت الانتباه على أهمية تلك الظاهرة.
وإذا نظرنا إلى قائمة أسماء هذه المنظمات التي تقف وراء عمليات الإرهاب في الضفة الغربية بوجه خاص، وجدنا أن من بينها من أعلن مسئوليته عن حوادث بعينها، في حين آثر بعضها أن يلتزم سرية شملت حتى الحرص على إخفاء اسمه أو أهدافه ولو إلى حين. وتضم القائمة أسماء باتت شهيرة مثل: لفتا ورابطة سيوري تسيون والحشمونيون وأمانا، فضلاً عن مجموعة مسميات أخرى تتضمن هدف بناء الهيكل الثالث على حساب الحرم الأقصى مثل: منظمة التاج الكهنوتي والمخلصون لجبل البيت. إلا أن أشهر الجماعات الإرهابية منهما جماعات الإرهاب ضد الإرهاب (ت. ن. ت) ومنظمة كاخ التي كان يتزعمها الحاخام مائير كاهانا.
стр. 7957
وقد تكون هناك بعض الاختلافات حول تحديد توقيت بداية بروز هذه الجماعات الإرهابية الصهيونية الجديدة، من مطلع السبعينيات حتى نهايتها. إلا أن العديد من المصادر تقدِّم عدة أحداث باعتبارها نقاط انطلاق لتكوين هذه الجماعات مثل حرب أكتوبر ١٩٧٣ وما صاحبها من إحباط وعدم ثقة في قدرة آلة الإرهاب الرسمية على الوفاء بمتطلبات المشروع الصهيوني بمفردها أو بالانسحاب الإسرائيلي من سيناء وبخاصة مستعمرة ياميت في مطلع الثمانينيات. وإذا كان من العبث تحديد حالة واحدة أو يوم أو شهر أو سنة للقول بأنها نقطة بدء موجة جديدة من نشاط الإرهاب الصهيوني المتواصل. فإن حَصْر الجهود بين هذين التاريخيين ليس بمنأى عن الدوافع والتبريرات الصهيونية التي تحاول أن تدَّعي وجود "قطيعة" فاصلة بين ممارسات الدولة الصهيونية من جانب وهذه الجماعات من جانب آخر.
وإذا أخذنا في اعتبارنا كل المعطيات التي تصب لصالح القول بأن تبلور المنظمات الصهيونية الإرهابية بين منتصف السبعينيات ومطلع الثمانينيات جاء ليلبي حاجات في جوهر المشروع الاستيطاني اليهودي فإن "الدولة" بدت ـ في نظر قطاع من الإسرائيليين ـ عاجزة عن الوفاء بها على النحو الأمثل والكافي. فإن الأساس الذي تستند إليه هذه المنظمات يظل هو "المستوطن اليهودي" القادم بقوة ودَعْم الدولة العبرية إلى الضفة وغزة ليحل محل سكانها "الفلسطينيين".
ولقد قامت هذه المنظمات على "المستوطن المسلح" بالأسلحة النارية الذي تلقَّى قدراً من التدريب في جيش إسرائيل النظامي. ومثلما منحته الدولة العبرية امتياز حمل السلاح في مواجهة الفلسطيني الأعزل فإنها في الوقت نفسه منحته حصانة قانونية لممارساته الإرهابية بينما يتعقب القانون العنصري التمييزي كل أنشطة الفلسطينيين وضمنها الأنشطة السلمية.
стр. 7958
ولذا فإن تقرير لجنة التحقيق الإسرائيلية برئاسة السيدة يهوديت كارب قد انتهى في مايو ١٩٨٢ إلى اتهام السلطات الإسرائيلية (جيشاً وشرطة) بالتواطؤ وتجاهُل جرائم المستوطنين. كما أشار التقرير نفسه إلى ازدواج نظام الضبط والمحاكمة في مواجهة الفلسطينيين من جانب والمستوطنين اليهود من جانب آخر. ولما كان ما ورد بهذا التقرير من تشخيص وتوصيات لم يلق استجابة الحكومة الإسرائيلية ـ وكل الحكومات اللاحقة وإلى حينه ـ فإن السيدة كارب اضطرت للاستقالة من منصبها (نائب المدعي العام الإسرائيلي) .
وبصرف النظر عن تشكيل جماعات إرهابية صهيونية أو غياب هذه الجماعات فإن سلطات الاحتلال تحافظ على ما يمكن وصفه "الاتفاق الضمني المقدَّس" الذي يتحمل المستوطنون المسلحون بمقتضاه جانباً من مسئولية الأمن في الضفة وغزة. ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة نفسها تذهب إلى الإقرار بأن "المستوطنين يشكلون الجناح العسكري الخفي لسلطات الاحتلال الإسرائيلي".
وقد تكون مصادر تمويل هذه الجماعات من الأمور التي لم يتم الكشف عنها نهائياً، إلا أن العديد من الدلائل والاعترافات تذهب إلى أن السلطات الإسرائيلية نفسها تسهم في عملية التمويل هذه بصورة مباشرة أو غير مباشرة حين تغدق الأموال على منظمات الاستيطان التي تُعَد المظلة الأساسية التي تنمو أسفلها العديد من هذه الجماعات الإرهابية، وحين تغدق الرواتب الحكومية على المستوطنين في الضفة. ويُعَد التمويل الخارجي عنصراً لا يجب تغافله في سياق طبيعة الكيان الصهيوني العامة. فكاهانا يقول بنفسه إن حركة كاخ تعتمد على تبرعات تصل من مؤيديه بالولايات المتحدة. بينما يذهب الاعتقاد بأن المخابرات المركزية الأمريكية تقوم بدور في تمويل هذه الجماعة امتداداً لتبنيها لرابطة الدفاع اليهودي من قبل. كما أن لبعض المنظمات ارتباطات واضحة مع كبار الرأسماليين الصهاينة في الولايات المتحدة.
стр. 7959
ولم يُلحَظ حتى الآن طابع تنافسي أو عدائي في علاقة هذه المنظمات بعضها ببعض مثلما كان عليه الأمر في تاريخ إتسل وليحي والهاجاناه قبل ١٩٤٨. ويمكن تصوُّر علاقة تعاون بين هذه المنظمات، مع الأخذ في الاعتبار أن العديد من تسميات هذه المنظمات وطبيعتها لا زالت محل غموض. فمن دلائل علاقات التعاون بين هذه المنظمات أن أكثر من تسمية قد تندرج تحت جماعة أم مثل حركة الاستيلاء على الحرم الإبراهيمي التي يندرج تحت مظلتها كل من رابطة «سيوري تسيون» و «حركة إعادة التاج لما كان عليه» و «جمعية صندوق جبل البيت» . كما أن العديد من المنظمات قد تمارس الدعاية وتعلن استحسانها أفعال منظمات أخرى. كما يمكننا أن نلحظ شخصاً واحداً يندرج في عضوية أكثر من منظمة. هذا فضلاً عن المنابع والتأثيرات الأيديولوجية المشتركة.
أما عضوية هذه الجماعات فقد شهدت قدراً من التحول الذي تجب مراقبته مستقبلاً. فمن قبل جاء الاعتقاد بأن السفارد أكثر فئات التجمُّع الصهيوني استعداداً لممارسة الأعمال الإرهابية ضد العرب والفلسطينيين حيث يجري حثهم على ذلك لتفريغ ما يتولد لديهم من سخط ضد ظلم النظام الاجتماعي المتحيز ضدهم لصالح الإشكناز. إلا أن استقراء تركيب جماعات الإرهاب الجديدة يدعو إلى إعادة النظر إلى ما يبدو أنه حلف جديد بدأ يتشكل من المهاجر الأمريكي الذي جاء مؤخراً إلى الضفة الغربية والقدس يحمل معه أوهام "الوستيرن" و"الكاوبوي" وأخلاقياته وبين السفارد المضطهدين أو المغبونين. فضلاً عن أن جيل ما بعد ١٩٦٧ من الصابرا يبرز استعداداً أكبر لممارسة التطرف العنصري والسلوك الإرهابي الدموي إزاء العرب والفلسطينيين.
стр. 7960
والواقع أن هذه المنظمات قد أثارت العديد من التساؤلات المهمة داخل التجمُّع الصهيوني وخارجه. فمما يلفت النظر أن الكتابات الإسرائيلية تتهم هذه المنظمات بالخروج على شرعية الدولة. والشرعية هنا ذات معنى زائف، لأن ممارسات هذه الجماعات تصب في مجرى الشرعية العام للكيان الصهيوني الذي يقوم على الإرهاب.
ومحاولة فهم جماعات الإرهاب الصهيوني الجديدة بصورة صحيحة لا يمكن أن تتم دون وضع هذه الجماعات في سياق تراث الإرهاب الصهيوني السابق، وهو تراث تمتلك هذه الجماعات حساً عالياً تجاهه. وقد حملت أكثر من عملية إرهابية تسميات ذات دلالة تاريخية بالنسبة لتراث الإرهاب الصهيوني قبل عام ١٩٤٨، مثل تسمية إحدى عمليات منظمة ت. ن. ت. بلقب شلومو بن يوسف (الإرهابي الصهيوني عضو إتسل الذي أعدمه البريطانيون لارتكاب حادث مماثل في الثلاثينيات) . وقد قام كثير من إرهابيي الجماعات الجديدة، ممن جرى التحقيق معهم، بالتأكيد على أن ما يقومون به متصل تمام الاتصال مع تراث الإرهاب الصهيوني السابق. حيث كانت الإجابات تأتي على النحو التالي: "لقد عملنا كما عمل سابقاً في إتسل والهاجاناه وليحي كل من بن جوريون وبيجين وشامير".
ولقد تساءل الإرهابي الصهيوني أندي جرين، عضو منظمة ت. ن. ت.، في مقابلة منشورة بالصحف الإسرائيلية قائلاً: "لا أستطيع أن أحصي عدد الشوارع التي تحمل اسم «ديفيد رازل» الذي زرع قنبلة في سوق عربي عام ١٩٣٩ فقتل ٢٠ شخصاً. وإذا كان ما فعله هو الصواب، فكيف يصبح ما أفعله أنا من قبيل الخطأ؟! ".
стр. 7961
ولا يمكن القول بأن هذه الجماعات "ظاهرة هامشية" أو "دخيلة" على الكيان الصهيوني، ولا جدوى من ادعاء الانزعاج أو الاندهاش أو حتى الجهل، أو عن التفتيش عن تبريرات نفسية خاصة أو أسباب اجتماعية شاذة لهؤلاء الإرهابيين. فهذه الجماعات مرتبطة تماماً بالاستيطان، ولذا تصاعَد نشاطها مع تصاعُد النشاط الاستيطاني. ولذا فليس غريباً أن نجد أن المستوطنات هي الأرضية الديموجرافية لمنظمات الإرهاب الجديدة ولعضويتها. ومما يجدر ذكره أن حركات الاستيطان النشيطة مثل جوش أيمونيم والأحزاب الأعلى صوتاً في الدعوة السياسية للاستيطان مثل هتحيا وتسوميت توفر الإطار السياسي لهذه المنظمات.
وتفسر طبيعة الوحدة الجدلية في علاقة إرهاب الدول بالجماعات الإرهابية الصهيونية في السبعينيات والثمانينيات ذلك الاختفاء الهادئ لغالبية هذه الجماعات. وهو اختفاء أقرب إلى "الذوبان" في إطار استمرار السمات العامة للإرهاب الصهيوني الإسرائيلي.
ويمكن أن نعزو هذا الاختفاء الهادئ أو "الذوبان" الذي يحدث لهذه الجماعات إلى أنها تلعب دور الحلقات الوسيطة المشتعلة بين إرهاب الدولة وبين إرهاب المستوطنين المسلحين.
ولا شك في أن "التعين العضوي" لقدرات الإرهاب الصهيوني في مواجهة الانتفاضة قد أسهم في "ذوبان" الحلقات الوسيطة والجماعات الإرهابية في السبعينيات والثمانينيات إذ باتت العلاقة بين دولة الإرهاب والمستوطنين المسلحين لا تحتمل وجود واستمرار منظمات وسيطة مستقرة تبدو في شبهة تنازع مع الحكومات الإسرائيلية.
جوش إيمونيم
Gush Emunim
стр. 7962
«جوش إيمونيم» عبارة عبرية تعني «كتلة المؤمنين» . وهي حركة صهيونية استيطانية ذات ديباجات دينية (حلولية عضوية) تطالب بصهيونية الحد الأقصى. والحركة ليست حزباً وإنما حركة شعبية غير ملتزمة إلا بالحفاظ على أرض إسرائيل. ولكن رغم توجهها الديني الواضح، فإنه توجُّه ديني في إطار حلولي، ومن ثم يتداخل الديني والقومي. وقد تأسست الحركة رسمياً في نهاية شتاء ١٩٤٧ بعد أن تمردت مجموعة من أعضاء حزب المفدال على قيادة الحزب بعد أن وافقت على الانضمام إلى حكومة رابين الائتلافية. ولكن تأسيس الحركة الفعلي كان بعد يونيه ١٩٦٧. ومن وجهة نظر جوش إيمونيم، يُعَدُّ احتفاظ إسرائيل بالأراضي المحتلة بعد عام ١٩٦٧ أمراً ربانياً لا يمكن للاعتبارات الإنسانية أو العملية أن تجُبه. ورغم أن هذه المنظمة تتحدث عن بعث الحياة اليهودية في كل المجالات فإنها ركزت جل نشاطها على عملية الاستيطان وتصعيده حتى لا يمكن عودة الضفة الغربية للعرب، أي أنها تحاول أن تترجم سياسة الوضع القائم الصهيونية إلى وجود مادي صلب من خلال إقامة المستوطنات.
стр. 7963
وبعد أن وصل حزب الليكود إلى الحكم عام ١٩٧٧ قدَّمت الجماعة مشروعاً للحكومة لإنشاء ١٢ مستوطنة في الضفة الغربية (كانت حكومة العمال السابقة قد رفضت إنشاءها) ، فوافقت الحكومة الجديدة وتم إنشاء المستوطنات خلال عام ونصف. ثم قدَّمت الجماعة مشروعاً آخر عام ١٩٧٨عبارة عن خطة شاملة للاستيطان من خلال إقامة شبكة من المستوطنات الحضرية والريفية لتأكيد السيادة الإسرائيلية على المنطقة. ورغم أن الحكومة لم توافق على الخطة رسمياً فإنه تم تدبير الاعتمادات اللازمة لتنفيذها تدريجياً. ويشرف الجناح الاستيطاني للجماعة (أمانا) على تنفيذ هذه المخططات ويتبعها في الوقت الحاضر حوالي ٥٠ مستوطنة. ولكن معظم هذه المستوطنات من النوع الذي يُسمَّى «مستوطنات الجماعة» (بالعبرية: يشوف قهيلاتي) وهي «المستوطنات المنامة» التي يعيش فيها مستوطنون يعملون في المدن الكبرى مثل تل أبيب والقدس ويقضون سحابة ليلتهم في المستوطنة. ويتراوح حجم سكان المستوطنة من ١٥ عائلة إلى ٥٠٠ عائلة. وكانت منظمة جوش إيمونيم تتمتع بتأييد قطاعات كبيرة من الرأي العام الإسرائيلي والأحزاب الإسرائيلية التي تطالب بصهيونية الحد الأقصى. وقد أصبح كثير من أعضاء الجماعة هم مديرو مجالس المناطق التي تقدم الخدمات البلدية للمستوطنين، وتحصل هذه المجالس على ميزانيتها من وزارة الداخلية.
стр. 7964
وكان موشيه ليفنجر هو الرئيس الروحي للجماعة (وقد دخل مصحة نفسية في شبابه) وقد هُمِّش قليلاً بعد تعيين دانييلا فايس سكرتيرة عمومية للجمعية. وتعبِّر الجمعية عن أفكارها في مجلة نيكوداه (العبرية) ومجلة كاونتر بوينت (الإنجليزية) . وقد انتهت الجماعة تقريباً عام ١٩٩٢ حينما رشح ليفنجر وفايس أنفسهما في الانتخابات ولم يحصلا على الأصوات الكافية ليصبحا أعضاء في الكنيست، كما أدَّى ترشيحهما لأنفسهما إلى فشل حزب هتحيا ـ الذي كان يدعم الجماعة ـ هو الآخر في الحصول على أية أصوات. وقد ظهرت جماعات أخرى صغيرة تضم المستوطنين الذين يطالبون بصهيونية الحد الأقصى.
منظمة كاخ الصهيونية/الإسرائيلية
(Kach (An Israeli-Zionist Organization
стр. 7965
» كاخ «كلمة عبرية تعني «هكذا» وهو اسم جماعة صهيونية سياسية إرهابية صاغت شعارها على النحو التالي: يد تمسك بالتوراة وأخرى بالسيف وكتب تحتها كلمة «كاخ» العبرية، بمعنى أن السبيل الوحيد لتحقيق الآمال الصهيونية هي التوراة والسيف (أي العنف المسلح والديباجات التوراتية) وهذه أصداء لبعض أقوال جابوتنسكي. وتضم حركة كاخ مجموعة من الإرهابيين ذوي التاريخ الحافل من بينهم إيلي هزئيف، وهو صهيوني غير يهودي كان يعمل جندياً في فيتنام ثم تهود واستقر في إسرائيل. ويبدو أنه ارتكب جريمة قتل وقُدِّم للمحاكمة بتهمة قتل جاره، وحيازة سلاح بشكل غير قانوني، وكان يُسمَّى «الذئب» أو «القاتل» . وقد قُتل أثناء إحدى الهجمات الفدائية. ومن بين مؤسسي رابطة الدفاع، يوئيل ليرنر الذي قبض عليه عام ١٩٧٥ بتهمة محاولة اغتيال كيسنجر، ثم قبض عليه مرة أخرى عام ١٩٨٢ بتهمة تنظيم فريق من الفتيان والفتيات للاعتداء على المسجد الأقصى. وهناك أيضاً يوسي ديان الذي اعتقل عام ١٩٨٠ بتهمة محاولة اغتيال سائق تاكسي عربي. وكان قد انسحب من كاخ بسبب صراعه مع كاهانا على السلطة. وتضم الجماعة أيضاً يهودا ريختر الذي حققت معه الشرطة للاشتباه بضلوعه في مقتل أحد أعضاء حركة السلام الآن. ومع هذا يظل مائير كاهانا أهم شخصيات الحركة، التي كانت تدور حول شخصيته، وهو "مفكرها" الأساسي (إن كان من الممكن إطلاق كلمة «فكر» أو حتى «أفكار» على تصريحاته المختلفة (.
стр. 7966
ورغم أن البعض يشيرون إلى كاهانا باعتباره حاخاماً فإنه لم يتلق أي تعليم ديني، بل ادعى اللقب لنفسه. عمل كاهانا بعض الوقت عميلاً للمخابرات المركزية الأمريكية ولمكتب المخابرات الفيدرالية الأمريكية وأسس رابطة الدفاع اليهودي في الولايات المتحدة عام ١٩٦٨ التي قُسِّمت إلى مجموعات من فئتين أُطلق على الأولى لقب «حيا» وهي كلمة عبرية تعني «وحش» أو «حيوان» وعلى الثانية لقب «أهل العلم والفكر» . ثم نقل نشاطها إلى إسرائيل عام ١٩٧١ وتخلى عن التقسيم الثنائي، وتحولت إلى منظمة سياسية باسم كاخ قبيل انتخابات ١٩٧٣.
وقد رشَّحَ كاهانا نفسه لانتخابات الكنيست في سنوات ١٩٧٢ و١٩٧٧ و١٩٨١ وفشل في الحصول على عدد كاف من الأصوات لانتخابه. ولكن مع تغيُّر المناخ السياسي ونمو الديباجات الدينية اليهودية المتطرفة واليمين العلماني المتطرف وازدياد مشاعر العداء ضد العرب بدأت كاخ تتحرك من الهامش إلى المركز. ولذا عندما رشَّحَ كاهانا نفسه في انتخابات عام ١٩٨٤ حصل على نحو ٢٦ ألف صوت وفاز بمقعد في الكنيست. وقد تصاعدت شعبيته حتى أن استطلاعات الرأي تنبأت بفوز حزبه بخمسة مقاعد برلمانية. ولكن المؤسسة الحاكمة أدركت خطورته على صورة الدولة الصهيونية فقامت بتعديل قانون الانتخابات بحيث تم حظر الأحزاب الداعية إلى التمييز العنصري وإثارة مشاعر الكراهية والعداء ضد العرب.
ويمكن القول بأن صهيونية كاخ هي الصيغة الشعبوية للصهيونية العضوية الحلولية. فالشعب اليهودي في تصوُّره هو شعب مختار فريد ومتميِّز، بل شعب مقدَّس، حقوقه مقدَّسة، ولذا فهو مكتف بذاته ومرجعية ذاته يستمد معاييره من ذاته، ولا يكترث بمعايير الشعوب الأخرى.
стр. 7967
وكما هو الحال دائماً في المنظومات الحلولية العضوية لا تقل الأرض قداسة عن قداسة الشعب، فالإله يحل في كل من الشعب والأرض بنفس الدرجة ويربط بينهما برباط عضوي لا تنفصم عراه. ومن ثم فليس بإمكان الشعب اليهودي المقدَّس أن يُفرط في حقوقه المقدَّسة في الأرض المقدَّسة ويتنازل عن أجزاء منها للشعوب الأخرى (غير المقدَّسة (.
والتوجُّه السياسي لجماعة كاخ هو توجُّه مشيحاني قوي، فخلاص الشعب اليهودي المقدَّس بات قريباً ولكنه لن يتحقق إلا بعد ضم المناطق المحتلة وإزالة كل عبادة غريبة من جبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف والمسجد الأقصى) وإجلاء جميع أعداء اليهود من أرض فلسطين.
стр. 7968
في هذا الإطار يتناول كاهانا قضية علاقة اليهودية بالصهيونية (وبالحضارة الغربية) . يتحرك كاهانا في إطار حلولي عضوي أحادي مصمت فيرفض الديباجات الصهيونية المتأثرة بالحضارة الغربية أو بقيم الديموقراطية أو الاشتراكية، ويؤكد أن اليهودية دين بطش وقوة. ولذا، فقد صرح بأنه لا يعرف يهودياً متديناً ليس على استعداد للقول بأن ما فعله العبرانيون بالكنعانيين أيام يشوع بن نون (أي أيام إبادتهم حسب الادعاء التوراتي) لم يكن عادلاً. وقد فقدت الصهيونية حسب تصوُّره قوتها وطاقتها حينما انفصلت عن هذه اليهودية الباطشة، ولا سبيل لبعثها إلا عن طريق ربطها بها مرة أخرى (أي بتخطِّي الازدواجية أو الانشطارية التي أشار إليها كوك وفيش) . ولذا، يطالب كاهانا بتغيير التعليم في إسرائيل تغييراً شاملاً ودمجه باليهودية دمجاً كاملاً. وأما بالنسبة إلى أعضاء الجماعات اليهودية، فإن عليهم الهجرة إلى إسرائيل إذ لا مستقبل لهم إلا هناك. وهو يرى أن يهود العالم (الشعب العضوي المنبوذ) يتعرضون لعملية إبادة جديدة، وأن المؤسسة اليهودية في العالم بأسره متعفنة وخائنة لأنها لا تنبه اليهود إلى الخطر المحدق بهم. ويقف الشعب اليهودي الآن على عتبات الخلاص النهائي، وسيأتي الماشيَّح لا محالة، وسيسود الشعب المختار كل الشعوب الأخرى.
وتترجم هذه الأفكار نفسها بشأن اليهود واليهودية إلى فكر محدد بشأن الدولة الصهيونية. فإسرائيل، حسب رؤية كاهانا، هي وطن الأمة اليهودية، ومن ثم فإن اعتناق اليهودية يكون هو الأساس الوحيد لاكتساب الجنسية الإسرائيلية. فالدولة الصهيونية تخضع لشريعة التوراة وحسب، ولذا فهي إما أن تكون دولة يهودية تستند إلى التوراة أو دولة ديموقراطية.
стр. 7969
والدولة الصهيونية التي سيعبِّر اليهودي من خلالها عن هويته الفريدة المتميِّزة دولة عضوية تقوم على وحدة السلالة ونقاء الدم، كما تقوم على أساس إعلان السيادة اليهودية المطلقة على فلسطين من خلال حياة مستقلة في إطار من الثقافة اليهودية المهيمنة على جميع مناحي الحياة في إسرائيل.
لكل هذا يظل من لا يعتنق اليهودية غريباً لا يتمتع بأية حقوق سياسية أو ثقافية. ولن تسمح الدولة اليهودية العضوية بتكاثر هؤلاء الغرباء "كالبراغيث" (على حد قول كاهانا) حتى لا يهددوا أمنها، ولن يُمنحوا سوى إقامة مؤقتة لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد، وذلك بعد خضوعهم لتحقيق دقيق في نهاية كل عام. وعلى العرب الذين يبقون داخل الدولة اليهودية أن يقبلوا العبودية، ويبقوا كعبيد ودافعي ضرائب. وسيُمنَع غير اليهود (أي العرب) من الإقامة في القدس ومن شغل الوظائف المهمة، ومن التصويت في انتخابات الكنيست. كما سيمنع اختلاطهم باليهود في كثير من الأماكن العامة كحمامات السباحة والمدارس، وسيُحظَر بطبيعة الحال الزواج المختلط. وكما هو ملاحَظ، فإن ثمة تشابهاً كبيراً بين قوانين كاهانا (الصهيونية العضوية) وقوانين نورمبرج (النازية العضوية) كما بيَّن مايكل إيتان عضو الكنيست الإسرائيلي. وتطالب كاخ بإزالة الآثار الإسلامية كافة.
стр. 7970
ويوزع كاهانا خريطة لإسرائيل تمتد من النيل إلى الفرات، إذ لا مجال للشك، حسب رأيه، فيما ورد في التوراة من أن "أرضنا تمتد من النيل إلى الفرات". والعنصر الجغرافي مهم جداً في فكره، كما هو الحال في الفكر الصهيوني بشكل عام. فالأرض ـ كما يقول ـ هي الوعاء الذي يضم جماعة من البشر عليهم أن يحيوا فيها حياة متميِّزة عن حياة غيرهم من الجماعات الإنسانية وأن يحققوا رسالتهم القومية والتراثية. والدولة هي الأداة لتحقيق ذلك الغرض ولتمكين الشعب من بلوغ غاياته، فالأمة هي صاحبة الأرض وسيدتها، والناس هم الذي يحددون هوية الأرض وليس العكس، والشخص لا يصبح إسرائيلياً لأنه يعيش في أرض إسرائيل ولكنه يصبح إسرائيلياً عندما ينتمي إلى شعب إسرائيل ويغدو جزءاً من الأمة الإسرائيلية.
ولا يمكن تفسير تَطرُّف كاهانا إلا بالعودة إلى النسق الصهيوني. فهو نسق يحتوي على بذور معظم هذه الأفكار والممارسات. وإذا كان هرتزل قد تحدَّث عن طرد السكان الأصليين بشكل ليبرالي عام، فذلك لأنه لم يكن (في أوربا) مضطراً إلى الدخول في التفاصيل المحددة في تلك المرحلة. لقد كان مشغولاً بالبحث عن إحدى القوى العظمى لتقف وراءه وتشد أزره وتعضده وتقبله عميلاً لها، ولذا كانت الصياغات العامة بالنسبة إلى السكان الأصليين مناسبة تماماً في تلك المرحلة. وإذا كانت الدولة الصهيونية قد احتفظت بعد عام ١٩٤٨ بالديباجة الاشتراكية، فذلك لأنها كانت قد "نظفت" الأرض من معظم العرب، وكان بوسعها أن تكبل الأقلية المتبقية بمجموعة من القوانين وأن تتحدث عن الاشتراكية وعن الإخاء الإنساني. وأما الآن، فلقد زادت التفاصيل واحتدمت الأزمة وتصاعدت المقاومة. وهكذا، فإن الديباجات تسقط، وما كان جنينياً كامناً أسفر عن وجهه وبات صريحاً كاملاً.
стр. 7971
وعلى مستوى الممارسة قامت كاخ بتنظيم مسيرات في النصف الأول من الثمانينيات للتحرش بالسكان العرب في فلسطين التي احتلت عام ١٩٤٨ "وإقناعهم" بأنهم ليس أمامهم مفر من الرحيل عن "أرض إسرائيل". كما قامت بأنشطة إرهابية سرية شملت الاعتداء على الأشخاص والإضرار بالممتلكات وتخريب الأشجار والمزروعات وأحياناً القتل. ولا يوجد بين أعضاء كاخ البارزين من لم يُعتقَل أكثر من مرة أو منْ ليس له ملف إجرامي في سجلات الشرطة.
وقد نقلت كاخ نشاطها منذ أواخر الثمانينيات إلى الضفة الغربية حيث قاعدتها البشرية الأساسية ومقر قيادتها الموجودة في مستوطنة كريات أربع (بالقرب من الخليل) .
وقد أسس كاهانا معهدين لتدريس تعاليم اليهودية وتعاليمه: "معهد جبل الهيكل" (يشيفات هارهبيت) ، و"معهد الفكرة اليهودية" (يشيفات هرعيون هيهودي) . كما أسس تنظيمين سريين مسلحين الأول هو "لجنة الأمن على الطرق" الذي يُقدَّر عدد أعضائه بالمئات. وقد قام هذا التنظيم بتوفير مواكبة مسلحة للمواصلات العامة الإسرائيلية وسيارات المستوطنين المسافرين على طرق الضفة الغربية. ثم انتقل التنظيم إلى العمل السري حيث كان ينظم حملات انتقامية ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في المدن والقرى وعلى الطرق، قُتل وجُرح بسببها عدد كبير من الأشخاص. وفي جميع الحالات، كان الجيش يصل إلى أماكن الحوادث بعد أن يكون أعضاء التنظيم قد غادروا المكان.
أما المنظمة الثانية فهي "دولة يهودا المستقلة" التي أعلنت أنها موالية لدولة إسرائيل طالما أنها متمسكة بكامل أرض إسرائيل. وهذا يعني أن المنظمة لا تدين بالولاء للدولة الصهيونية إن تخلت عن أي جزء من أرض إسرائيل، ويصبح من حق المنظمة أن تقوم بالاستيلاء بالقوة عليها وتعلن قيام دولة يهودا التي ستقوم بالدفاع عن هذه الأراضي! وقد اقترن اسم كاخ أيضاً بتنظيمين سريين هما: ت. ن. ت (الإرهاب ضد الإرهاب) والسيكارييم (حملة الخناجر) .
стр. 7972
وقد انشقت الحركة بعد مقتل كاهانا (في نيويورك عام ١٩٩٠ على يد مواطن أمريكي من أصل مصري) إلى قسمين: احتفظ الأول باسم كاخ وهو التنظيم الأكبر والأخطر، يبلغ عدد أعضائه المسجلين عدة مئات أما أنصاره فهم عدة آلاف تنتمي لشرائح اجتماعية فقيرة، قليلة التعلم، متذمرة وناقمة على المؤسسة الحاكمة، وتتسم بعداء وكراهية شديدين للعرب. وتشكل العناصر المهاجرة من الولايات المتحدة (ذات التوجُّه الحلولي العضوي الواضح) النواة الصلبة لهذا التنظيم وقيادته.
أما القسم الثاني فهو تنظيم كاهاناحي الذي يرأسه ابن مائير كاهانا، وهذا أقل شأناً من تنظيم كاخ وإن كان يقوم بنفس النشاطات الإرهابية العلنية والسرية.
وفي إثر مذبحة الخليل حظرت الحكومة الإسرائيلية نشاط كل من كاخ وكاهانا حي. ولكن هذا لا يعني نهاية العنف في الكيان الصهيوني. فالعنف جزء من بنيته، كما أن كثيراً من أفكار كاخ (وكاهاناحي) ترسخت في الوجدان الاستيطاني الصهيوني وتسللت للخطاب الصهيوني نفسه، رغم كل محاولات الصقل والمراوغة.
الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي والانتفاضة
Israeli-Zionist Terrorism and the Intifada
مع اندلاع انتفاضة الشعب الفلسطيني في ديسمبر ١٩٨٧ أصبحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة يومية مع حركة عصيان مدني تمتد جغرافياً بمسافة الضفة الغربية وقطاع غزة وتتخذ من الحجارة والعَلَم الفلسطيني رموزاً لمقاومة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الذي استهدف محو الوجود العربي الفلسطيني. وبحكم طبيعته الاستيطانية الإحلالية لجأ الاستعمار الصهيوني إلى المزيد من الإرهاب، فدخل حلقة مفرغة إذ جاء الرد على المزيد من الإرهاب بالمزيد من الانتفاضة.
стр. 7973
وبعد اندلاع الانتفاضة بأيام معدودة (في ٢٢ ديسمبر ١٩٨٧) أصدر القضاء العسكري حكماً على حسين أبو خاطر (٢٩ عاماً) من مخيم النعيرات بالسجن لمدة عام بتمهة الاشتراك في مظاهرة (وكانت أقصى عقوبة من قبل شهرين فقط) . ولكن المظاهرات تحولت إلى سلوك يومي لمئات الآلاف من الفلسطينيين.
ولقد لجأت سلطات الاحتلال إلى تكثيف آليات العقاب الجماعي من حظر تجوُّل وحصار أمني للبيوت فضلاً عن التوسع في الاعتقالات وأحكام السجن والتعذيب والطَرْد والإبعاد. لكن الجهود الإسرائيلية لتطوير آلة الإرهاب اتجهت أساساً إلى كيفية قمع حركة الاحتجاج اليومي الجماهيري في شوارع المدن والقرى ومخيمات اللاجئين. ومن هنا يمكن أن نلحظ مأزق فشل معالجة الإرهاب بالمزيد من الإرهاب عندما تلجأ سلطات الاحتلال للرصاص الحي والرصاص البلاستيكي والرصاص المطاطي. وقد بدأت في أغسطس عام ١٩٨٨ في استخدام ذخيرة جديدة تمزج بين المطاط (الغلاف الخارجي للطلقة) والمعدن وهو ما أسفر عن استشهاد ٤٧ فلسطينياً في الخمسة شهور الأولى من استخدام هذه الذخيرة. وفي العام نفسه (١٩٨٨) لجأت السلطات الإسرائيلية إلى طائرات الهليكوبتر بتوسُّع لمطاردة المتظاهرين وإطلاق النار علىهم.
ثم توسع جيش الاحتلال في استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع على نحو غير مسبوق وهو ما أسفر عن حالات اختناق بين النساء والصبية والأطفال على نحو خاص. ثم استخدمت سلطات الاحتلال قنابل غازية تدخل في نطاق أدوات الحرب الكيماوية تحتوي على مكونات كيماوية تفضي إلى الاختناق والموت. وخلال عام ١٩٨٨ بدأت في استخدام هذه القنابل (الأمريكية الصنع) في بلدة حلحول واستشهد خمسة فلسطينيين من جرائها في قباطية خلال العام نفسه.
стр. 7974
ولكن تكنولوجيا الإرهاب المدعومة أمريكياً أخفقت في قمع الانتفاضة وصبية الحجارة، فحاول إسحق رابين وزير الدفاع أن يعيد استخدام بربرية القمع البدائي فأصدر أوامره لقواته "بتكسير عظام الفلسطينيين" وكأنه كان يبحث عن لغة يفهمها من لا يعبأون بآخر منجزات تكنولوجيا قمع المتظاهرين. ولمعاونة الجنود الإسرائيليين في مهمة القمع البدائي البربري تم إنتاج هراوة من ألياف زجاجية ومعدنية لتحل محل الهراوات الخشبية.
وقد حاول الإسرائيليون اكتشاف سر الحجارة فقامت ورش الجيش بتطوير مقلاع لقذف الأحجار لاستخدامه ضد المظاهرات الفلسطينية، وبدأ أولى تجاربه في مخيم بلاطة قرب نابلس.
وقد تعمقت أزمة الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي، فالمواجهات اليومية مكشوفة أمام أعين العالم. فوجهت آلة الإرهاب جانباً من نشاطها ضد رجال الإعلام وضمن ذلك وسائل الإعلام الأمريكية والغربية الحليفة للمشروع الاستيطاني. وتلقى العديد من الصحفيين والمصورين الضرب على أيدي جنود جيش يزعم قادته أنهم يمثلون الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة. وقد بيَّن أن الجيش الإسرائيلي قد استورد تكتيكات عصابات الموت في أمريكا اللاتينية، إذ قام جنوده (من فرقة المستعربين) والمتخفون في ملابس عربية بقتل الفلسطينيين.
وقد قامت الدولة الصهيونية برفع عدد جنود جيشها في الضفة وغزة بما يزيد عن خمس مرات مقارنةً بالفترة السابقة على الانتفاضة. وبالمقابل فإن ظاهرة محاكمة الجنود والضباط الذين يرفضون أو يتهربون من الخدمة هناك قد طرحت نفسها بقوة على التجمُّع الصهيوني.
стр. 7975
وقد أصدرت وزارة الدفاع الإسرائيلية أوامر ترخص للمستوطنين إطلاق النار فوراً على من يُشتبه في شروعه في إلقاء الزجاجات الحارقة، وشاع أن إطلاق النار يجرب حتى إزاء من يحمل زجاجات مياه غازية. ويمكن القول بأن المستوطنين المسلحين تحولوا إلى احتياطي لجيش الاحتلال يعاونه في تنفيذ سياسته الإرهابية ويقوم بأعمال البلطجة الفجة التي لا تلائم الزي العسكري الرسمي الذي تطارده عدسات الإعلام العالمي. ولذا فإن الشكل التنظيمي لإرهاب المستوطنين الصهاينة انتقل من الجماعة شبه السرية التي تخطط لعمليات مدروسة من اغتيالات ونسف لأهداف مختارة بعناية إلى عصابات يَغلب على حركتها المظهر التلقائي. وتندفع هذه العصابات في موجات عنف عشوائي المظهر لتحرق السيارات والمتاجر الفلسطينية في الشوارع وتختطف الأطفال الفلسطينيين وتعتدي عليهم بالضرب المفضي إلى الموت أحياناً.
وتقدر حصيلة الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي أثناء الانتفاضة (من ١٩٨٧ ـ ١٩٩١) بحوالي ألف شهيد ونحو ٩٠ ألف جريح ومصاب و١٥ ألف معتقل فضلاً عن تدمير ونسف ١٢٢٨ منزلاً واقتلاع ١٤٠ ألف شجرة من الحقول والمزارع الفلسطينية.
ولقد ظلت السياسة الأمريكية تمارس دور الراعي والحامي للإرهاب الصهيوني الإسرائيلي رغم ذلك. ويعكس اتجاه تصويت الولايات المتحدة في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة الإصرار على الوقوف إلى جانب إسرائيل. وإن كان صمود الانتفاضة في وجه الإرهاب قد عمَّق انقساماً بين الإدارة الأمريكية وبين قطاعات من الرأي العام الأمريكي.
стр. 7976
ولكن يتعين تأكيد أن أبرز نتائج سنوات الانتفاضة هي تعميق أزمة الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي بسبب فشله في تحقيق أهدافه الإستراتيجية، إذ جاء الرد بليغاً من أبناء الشعب الفلسطيني الذين وُلدوا بعد الاحتلال (١٩٦٧) وكأنهم ـ رغم كثافة الإرهاب الذي ظل يطاردهم في مدارسهم وبيوتهم ـ استجابوا لنبوءة القاص الفلسطيني (يحيى يخلف) عن "تفاح الجنون" الذي أكله "الحمار الوديع" في غزة فعلَّم أطفالها فضيلة التمرد والثورة خروجاً عن حسابات العقل البليد وموازين القوى بين المستوطن المحتل المدجج بالسلاح وصاحب الأرض والوطن الأعزل.
المذابح الصهيونية/الإسرائيلية بعد عام ١٩٦٧
Israeli-Zionist Massacres after ١٩٦٧
من أهم المذابح التي ارتكبتها الدولة الصهيونية بعد عام ١٩٦٧ ما يلي:
مذبحة مصنع أبي زعبل (١٢ فبراير ١٩٧٠) : بينما كانت حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل محصورة في حدود المواقع العسكرية في جبهة القتال وحسب، أغارت الطائرات الإسرائيلية القاذفة على مصنع أبي زعبل، وهو مصنع تملكه الشركة الأهلية للصناعات المعدنية وذلك صبيحة يوم ١٢ من فبراير عام ١٩٧٠، حيث كان المصنع يعمل بطاقة ١٣٠٠ عامل صباحاً. وقد أسفرت هذه الغارة عن استشهاد سبعين عاملاً وإصابة ٦٩ آخرين، إضافة إلى حرق المصنع.
مذبحة بحر البقر (٨ أبريل ١٩٧٠) : وقعت هذه المذبحة أيضاً بتأثير وجع حرب الاستنزاف من قلب إسرائيل حيث قامت الطائرات الإسرائيلية القاذفة في الثامن من أبريل عام ١٩٧٠ بالهجوم على مدرسة صغيرة لأطفال الفلاحين في قرية بحر البقر، إحدى القرى التي تقع على أطراف محافظة الشرقية، ودكتها بالقذائف لمدة زادت عن عشر دقائق متواصلة وراح ضحيتها من الأطفال الأبرياء تسعة عشر طفلاً وجُرح أكثر من ستين آخرين. وجدير بالذكر أن القرية كانت خاوية من أية أهداف عسكرية.
стр. 7977
مذبحة صيدا (١٦ يونيه ١٩٨٢) : وقعت إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان حين أجرت قوات الاحتلال الإسرائيلي في لبنان عملية قتل جماعي لما لا يقل عن ٨٠ مدنياً ممن كانوا مختبئين في بعض ملاجئ المدينة.
مذبحة صبرا وشاتيلا (١٦ ـ ١٨ سبتمبر ١٩٨٢) انظر: «مذبحة صبرا وشاتيلا»
مذبحة عين الحلوة (١٦ مايو ١٩٨٤) : عشية الانسحاب الإسرائيلي المنتظر من مدينة صيدا في جنوب لبنان، أوعزت إسرائيل إلى أحد عملائها ويُدعى حسين عكر بالتسلل إلى داخل مخيم عين الحلوة الفلسطيني المجاور لصيدا، واندفعت قوات الجيش الإسرائيلي وراءه بقوة ١٥٠٠ جندي و١٥٠ آلية. وراح المهاجمون ينشرون الخراب والقتل في المخيم دون تمييز تحت الأضواء التي وفرتها القنابل المضيئة في سماء المخيم. واستمر القتل والتدمير من منتصف الليل حتى اليوم التالي حيث تصدت القوات الإسرائيلية لمظاهرة احتجاج نظمها أهالي المخيم في الصباح. كما فرضوا حصاراً على المخيم ومنعوا الدخول إليه أو الخروج منه حتى بالنسبة لسيارات الإسعاف وذلك إلى ساعة متأخرة من نهار ذلك اليوم.
وأسفرت المذبحة عن سقوط ١٥ فلسطينياً بين قتيل وجريح بينهم شباب وكهول وأطفال ونساء فضلاً عن تدمير ١٤٠ منزلاً واعتقال ١٥٠ بينهم نساء وأطفال وشيوخ.
مذبحة سحمر (٢٠ سبتمبر ١٩٨٤) : داهمت قوات الجيش الإسرائيلي وعميلها أنطون لحد (جيش لبنان الجنوبي) قرية سحمر الواقعة بجنوب لبنان. وقامت القوات بتجميع سكان القرية في الساحة الرئيسية لاستجوابهم بشأن مصرع أربعة من عناصر العميل لحد على أيدي المقاومة الوطنية اللبنانية بالقرب من القرية. وأطلق الجنود الإسرائيليون وأتباع "لحد" النار من رشاشاتهم على سكان القرية العزل وفق أوامر الضابط الإسرائيلي ولحد شخصياً. فسقط من ساحة القرية على الفور ١٣ قتيلاً وأربعون جريحاً.
стр. 7978
وقد حاولت إسرائيل التهرب من تبعة جرمها بالادعاء أن قوات لحد هي وحدها المسئولة عن المذبحة، وذلك على غرار محاولتها في صابرا وشاتيلا. إلا أن العديد من الناجين من المذبحة أكدوا أن عدداً كبيراً ممن نفذوها كانوا يتحدثون العبرية فيما بينهم، بينما يتحدثون العربية بصعوبة. كما أن ما حدث في سحمر يمثل نموذجاً لوقائع يومية شهدها لبنان وجنوبه أثناء غزو القوات الإسرائيلية في يونيه ١٩٨٢ واحتلاله.
مذبحة حمامات الشط (١١ أكتوبر ١٩٨٥) : بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بنحو ثلاثة سنوات تعقبت الطائرات الإسرائيلية مكاتبها وقيادتها التي انتقلت إلى تونس. وشنت هذه الطائرات في ١١ أكتوبر ١٩٨٥ غارة على ضاحية حمامات الشط جنوبي العاصمة التونسية، وأسفرت عن سقوط ٥٠ شهيداً ومائة جريح حيث انهمرت القنابل والصواريخ على هذه الضاحية المكتظة بالسكان المدنيين التي اختلطت فيها العائلات الفلسطينية بالعائلات التونسية.
واستمراراً في نهج الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي لم تتورَّع تل أبيب عن إعلان مسئوليتها عن هذه الغارة رسمياً متفاخرة بقدرة سلاحها الجوي على ضرب أهداف في المغرب العربي.
مذبحة الحرم الإبراهيمي (٢٥ فبراير ١٩٩٤ ـ الجمعة الأخيرة في رمضان) انظر: «مذبحة الحرم الإبراهيمي»
مذبحة قانا (١٨ أبريل ١٩٩٦ (انظر: «مذبحة قانا»
مذبحة صابرا وشاتيلا (١٦-١٨ سبتمبر ١٩٨٢ (
Sabra and Shatila Massacre
وقعت هذه المذبحة بمخيم صابرا وشاتيلا الفلسطيني بعد دخول القوات الإسرائيلية الغازية إلى العاصمة اللبنانية بيروت وإحكام سيطرتها على القطاع الغربي منها. وكان دخول القوات الإسرائيلية إلى بيروت في حد ذاته بمنزلة انتهاك للاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية والذي خرجت بمقتضاه المقاومة الفلسطينية من المدينة.
стр. 7979
وقد هيأت القوات الإسرائيلية الأجواء بعناية لارتكاب مذبحة مروعة نفَّذها مقاتلو الكتائب اللبنانية اليمينية انتقاماً من الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين. وقامت المدفعية والطائرات الإسرائيلية بقصف صابرا وشاتيلا ـ رغم خلو المخيم من السلاح والمسلحين ـ وأحكمت حصار مداخل المخيم الذي كان خالياً من الأسلحة تماماً ولا يشغله سوى اللاجئين الفلسطينيين والمدنيين اللبنانيين العزل. وأدخلت هذه القوات مقاتلي الكتائب المتعطشين لسفك الدماء بعد اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل. واستمر تنفيذ المذبحة على مدى أكثر من يوم كامل تحت سمع وبصر القادة والجنود الإسرائيليين وكانت القوات الإسرائيلية التي تحيط بالمخيم تعمل على توفير إمدادات الذخيرة والغذاء لمقاتلي الكتائب الذين نفَّذوا المذبحة.
وبينما استمرت المذبحة طوال يوم الجمعة وصباح يوم السبت أيقظ المحرر العسكري الإسرائيلي رون بن يشاي إرييل شارون وزير الدفاع في حكومة مناحم بيجين ليبلغه بوقوع المذبحة في صابرا وشاتيلا فأجابه شارون ببرود "عام سعيد". وفيما بعد وقف بيجين أمام الكنيست ليعلن باستهانة "جوييم قتلوا جوييم ... فماذا نفعل؟ " أي "غرباء قتلوا غرباء ... فماذا نفعل؟ ".
ولقد اعترف تقرير لجنة كاهان الإسرائيلية بمسئولية بيجين وأعضاء حكومته وقادة جيشه عن هذه المذبحة استناداً إلى اتخاذهم قرار دخول قوات الكتائب إلى صابرا وشاتيلا ومساعدتهم هذه القوات على دخول المخيم. إلا أن اللجنة اكتفت بتحميل النخبة الصهيونية الإسرائيلية المسئولية غير المباشرة. واكتفت بطلب إقالة شارون وعدم التمديد لروفائيل إيتان رئيس الأركان بعد انتهاء مدة خدمته في أبريل ١٩٨٣.
стр. 7980
ولكن مسئولاً بالأسطول الأمريكي الذي كان راسياً قبالة بيروت أكد (في تقرير مرفق إلى البنتاجون تسرب إلى خارجها) المسئولية المباشرة للنخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية وتساءل: "إذا لم تكن هذه هي جرائم الحرب، فما الذي يكون؟ ". وللأسف فإن هذا التقرير لم يحظ باهتمام مماثل لتقرير لجنة كاهان، رغم أن الضابط الأمريكي ويُدعَى وستون بيرنيت قد سجل بدقة وساعة بساعة ملابسات وتفاصيل المذبحة والاجتماعات المكثفة التي دارت بين قادة الكتائب المنفذين المباشرين لها (إيلي حبيقة على نحو خاص) وكبار القادة والسياسيين الإسرائيليين للإعداد لها.
ولقد راح ضحية مذبحة صابرا وشاتيلا ١٥٠٠ شهيداً من الفلسطينيين واللبنانيين العزل بينهم الأطفال والنساء. كما تركت قوات الكتائب وراءها مئات من أشباه الأحياء. كما تعرَّضت بعض النساء للاغتصاب المتكرر. وتمت المذبحة في غيبة السلاح والمقاتلين عن المخيم وفي ظل الالتزامات الأمريكية المشددة بحماية الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين من المدنيين العزل بعد خروج المقاومة من لبنان.
وكانت مذبحة صابرا وشاتيلا تهدف إلى تحقيق هدفين: الأول الإجهاز على معنويات الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين، والثاني المساهمة في تأجيج نيران العداوات الطائفية بين اللبنانيين أنفسهم.
مذبحة الحرم الإبراهيمي (٢٥ فبراير ١٩٩٤-الجمعة الأخيرة في رمضان)
Ibrahimi Mosque Massacre
بعد اتفاقات أوسلو أصبحت مدينة الخليل بالضفة الغربية موضع اهتمام خاص على ضوء أجواء التوتر التي أحاطت بالمستوطنين الإسرائيليين بعد طرح السؤال: هل يجري إخلاء المستوطنات وترحيل المستوطنين فيها في إطار مفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وتكمن هذه الأهمية الخاصة في أن مدينة الخليل تُعَد مركزاً لبعض المتطرفين من المستوطنين نظراً لأهميتها الدينية. وإن جاز القول فالخليل ثاني مدينة مقدَّسة في أرض فلسطين بعد القدس الشريف.
стр. 7981
وفجر يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان الموافق ٢٥ فبراير عام ١٩٩٤ سمحت القوات الإسرائيلية التي تقوم على حراسة الحرم الإبراهيمي بدخول المستوطن اليهودي المعروف بتطرفه باروخ جولدشتاين إلى الحرم الشريف وهو يحمل بندقيته الآلية وعدداً من خزائن الذخيرة المجهزة. وعلى الفور شرع جولدشتاين في حصد المصلين داخل المسجد. وأسفرت المذبحة عن استشهاد ٦٠ فلسطينياً فضلاً عن إصابة عشرات آخرين بجراح، وذلك قبل أن يتمكن من تبقَّى على قيد الحياة من السيطرة عليه وقتله.
ولقد تردد أن أكثر من مسلح إسرائيلي شارك في المذبحة إلا أن الرواية التي سادت تذهب إلى انفراد جولدشتاين بإطلاق النار داخل الحرم الإبراهيمي. ومع ذلك فإن تعامل الجنود الإسرائيليين والمستوطنين المسلحين مع ردود الفعل التلقائية الفورية إزاء المذبحة التي تمثلت في المظاهرات الفلسطينية اتسمت باستخدام الرصاص الحي بشكل مكثَّف، وفي غضون أقل من ٢٤ ساعة على المذبحة سقط ٥٣ شهيداً فلسطينياً أيضاً في مناطق متفرقة ومنها الخليل نفسها.
وسارعت الحكومة الإسرائيلية إلى إدانة المذبحة معلنةً تمسكها بعملية السلام مع الفلسطينيين. كما سعت إلى حصر مسئوليتها في شخص واحد هو جولد شتاين واكتفت باعتقال عدد محدود من رموز جماعتي كاخ وكاهانا ممن أعلنوا استحسانهم جريمة جولد شتاين، وأصدرت قراراً بحظر نشاط المنظمتين الفج. ولكن من الواضح أن كل هذه الإجراءات إجراءات شكلية ليس لها مضمون حقيقي. فالنخبة الإسرائيلية، وضمنها حكومة ائتلاف العمل، تجاهلت عن عمد المساس بأوضاع المستوطنين ومن ذلك نزع سلاحهم.
стр. 7982
ولا شك في أن مستوطنة كريات أربع في قلب الخليل (وهي المستوطنة التي جاء منها جولد شتاين) تمثل حالة نماذجية سافرة لخطورة إرهاب المستوطنين الذين ظلوا يحتفظون بأسلحتهم، بل حرصت حكومة العمل، ومن بعدها حكومة الليكود على الاستمرار في تغذية أحلامهم الاستيطانية بالبقاء في الخليل ودغدغة هواجسهم الأمنية بالاستمرار في تسليحهم في مواجهة الفلسطينيين العزل. بل تعمدت حكومتا العمل والليكود كلتاهما تأجيل إعادة الانتشار المقرر بمقتضى الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية كي تضمن لحوالي أربعة آلاف مستوطن يهودي بالخليل أسباب البقاء على أسس عنصرية متميِّزة (أمنية ومعيشية) في مواجهة مائة ألف فلسطيني لا زالوا معرَّضين لخطر مذابح أخرى على طراز جولد شتاين.
وتكمن أهمية جولد شتاين في أنه يمثل نموذجاً للإرهابي الصهيوني الذي لا يزال من الوارد أن تفرز أمثاله مرحلة ما بعد أوسلو. ورغم أن مهنة جولد شتاين هي الطب فقد دفعه النظام الاجتماعي التعليمي الذي نشأ فيه كمستوطن إلى ممارسات عنصرية اشتهر بها ومنها الامتناع عن علاج الفلسطينيين، وجولد شتاين يطنطن بعبارات عن استباحة دم غير اليهود ويحتفظ بذكريات جيدة من جيش إسرائيل الذي تعلَّم أثناء خدمته به ممارسة الاستعلاء المسلح على الفلسطينيين. وهو في كل الأحوال كمستوطن لا يفارقه سلاحه أينما ذهب.
ومما يبرهن على قابلية تكرار نموذج جولد شتاين مستقبلاً قيام مستوطن آخر بإطلاق النار في سوق الخليل على الفلسطينيين العزل بعد ثلاثة أعوام من مذبحة الحرم الإبراهيمي. وقد تحوَّل قبر جولد شتاين إلى مزار مقدَّس للمستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية!
مذبحة قانا (١٨ أبريل ١٩٩٦ (
Qana Massacre
стр. 7983
وقعت مذبحة قانا في يوم ١٨ أبريل ١٩٩٦، وهي جزء من عملية كبيرة سُميَّت «عملية عناقيد الغضب» بدأت في يوم ١١ من الشهر نفسه واستمرت حتى ٢٧ منه حين تم وقف إطلاق النار. وتُعَد هذه العملية الرابعة من نوعها للجيش الإسرائيلي تجاه لبنان بعد اجتياح ١٩٧٨ وغزو ١٩٨٢، واجتياح ١٩٩٣، واستهدفت ١٥٩ بلدة وقرية في الجنوب والبقاع الغربي.
كانت هذه العملية تستهدف ثلاثة أهداف أساسية غير تلك التي أعلنها القادة والزعماء الرسميون والإعلاميون في إسرائيل: الحد من عملية تآكل هيبة الجيش الإسرائيلي، ومحاولة نزع سلاح حزب الله أو على الأقل تحجيمه وتقييد نشاطه من خلال الضغط إلى الدرجة القصوى على القيادتين اللبنانية والسورية لتحقيق هذا الهدف، ورفع معنويات عملاء إسرائيل في جيش لبنان الجنوبي الموالي للكيان الصهيوني الذي يعيش جنده وقادته حالة رعب وقلق وارتباك وخوف على المصير المتوقع بعد الوصول لتسوية نهائية للوضع في لبنان. وكانت الزعامات الصهيونية في إسرائيل قد أعلنت أن الهدف من وراء هذه العملية هو أمن مستعمرات الشمال وأمن الجنود الإسرائيليين في الحزام المحتل في جنوب لبنان، إلا أن المراقبين رصدوا تصريحات لوزراء الدفاع والخارجية، بل شيمون بيريز نفسه (رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت) تشير للأهداف الثلاثة التي ذكرناها سلفاً.
ولا يمكن تجاهل اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية ورغبة رئيس الوزراء (شيمون بيريز) آنذاك في استعراض سطوته وجبروته أمام الناخب الإسرائيلي حتى يواجه الانتقادات التي وجهها له المتشددون داخل إسرائيل بعد الخطوات التي قطعها في سبيل تحقيق هذا قدر يسير من التفاهم مع العرب.
стр. 7984
فمنذ تفاهم يوليه ١٩٩٣ الذي تم التوصل إليه في أعقاب اجتياح ١٩٩٣ المعروف بعملية «تصفية الحسابات» ، التزم الطرفان اللبناني والصهيوني بعدم التعرض للمدنيين. والتزم الجانب اللبناني بهذا التفاهم وانصرف عن مهاجمة شمال إسرائيل إلى محاولة تطهير جنوب لبنان من القوات التي احتلته في غزو ١٩٨٢ المعروف بعملية «تأمين الجليل» . ومع تزايد قوة وجرأة حزب الله في مقاومة القوات المحتلة لجنوب لبنان فزعت إسرائيل وشرعت في خرق التفاهم ومهاجمة المدنيين قبل العسكريين في عمليات محدودة إلى أن فَقَدت أعصابها، الأمر الذي ترجمه شيمون بيريز إلى عملية عسكرية يحاول بها أن يسترد بها هيبة جيش إسرائيل الذي تحطَّم على صخرة المقاومتين اللبنانية والفلسطينية ويستعيد بها الوجه العسكري لحزب العمل بعد أن فَقَد الجنرال السابق رابين باغتياله.
ومما يُعَد ذا دلالة في وصف سلوك الإسرائيليين بالهلع هو حجم الذخيرة المُستخدَمة مقارنةً بضآلة القطاع المُستهدَف. فرغم صغر حجم القطاع المُستهدَف عسكرياً وهو جنوب لبنان والبقاع الغربي إلا أن طائرات الجيش الإسرائيلي قامت بحوالي ١٥٠٠ طلعة جوية وتم إطلاق أكثر من ٣٢ ألف قذيفة، أي أن المعدل اليومي لاستخدام القوات الإسرائيلية كان ٨٩ طلعة جوية، و١٨٨٢ قذيفة مدفعية.
وقد تدفَّق المهاجرون اللبنانيون على مقار قوات الأمم المتحدة المتواجدة بالجنوب ومنها مقر الكتيبة الفيجية في بلدة قانا. فقامت القوات الإسرائيلية بقذف الموقع الذي كان يضم ٨٠٠ لبنانياً (إلى جانب قيامها بمجارز أخرى في الوقت نفسه في بلدة النبطية ومجدل زون وسحمر وجبل لبنان وعاث في اللبنانيين المدنيين العزل تقتيلاً) .
стр. 7985
وأسفرت هذه العملية عن مقتل ٢٥٠ لبنانياً منهم ١١٠ لبنانيين في قانا وحدها، بالإضافة للعسكريين اللبنانيين والسوريين وعدد من شهداء حزب الله. كما بلغ عدد الجرحى الإجمالي ٣٦٨ جريحاً، بينهم ٣٥٩ مدنياً، وتيتَّم في هذه المجزرة أكثر من ٦٠ طفلاً قاصراً.
وبعد قصف قانا سرعان ما تحوَّل هذا إلى فضيحة كبرى لإسرائيل أمام العالم فسارعت بالإعلان أن قصف الموقع تم عن طريق الخطأ. ولكن الأدلة على كذب القوات الإسرائيلية بدأت تظهر وتمثَّل الدليل الأول في فيلم فيديو تم تصويره للموقع والمنطقة المحيطة به أثناء القصف وظهرت فيه لقطة توضح طائرة استطلاع إسرائيلية بدون طيار تُستخدَم في توجيه المدفعية وهي تُحلق فوق الموقع أثناء القصف المدفعي. بالإضافة لما أعلنه شهود العيان من العاملين في الأمم المتحدة من أنهم شاهدوا طائرتين مروحيتين بالقرب من الموقع المنكوب. ومن جانبه علَّق رئيس الوزراء الإسرائيلي (شيمون بيريز) بقوله: "إنها فضيحة أن يكون هناك ٨٠٠ مدني يقبعون أسفل سقف من الصاج ولا تبلغنا الأمم المتحدة بذلك". وجاء الرد سريعاً واضحاً، إذ أعلن مسئولو الأمم المتحدة أنهم أخبروا إسرائيل مراراً بوجود تسعة آلاف لاجئ مدني يحتمون بمواقع تابعة للأمم المتحدة. كما أعلنوا للعالم أجمع أن إسرائيل وجهت نيرانها للقوات الدولية ولمنشآت الأمم المتحدة ٢٤٢ مرة في تلك الفترة، وأنهم نبَّهوا القوات الإسرائيلية إلى اعتدائها على موقع القوات الدولية في قانا أثناء القصف.
ولقد أكد تقرير الأمم المتحدة مسئولية حكومة شيمون بيريز وجيشه عن هذه المذبحة المتعمدة. ورغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية التي مورست على الدكتور بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة آنذاك لإجباره على التستر على مضمون هذا التقرير فإن دكتور غالي كشف عن جوانب فيه، وهو الأمر الذي قيل إنه كان من بين أسباب إصرار واشنطن على حرمانه من الاستمرار في موقعه الدولي لفترة ثانية.
следующие страницы →