← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

ولكن يبدو أن "نجاح" عملية قبية الباهر لم يؤت أُكله إذ أننا نجد أن الجنرال يشترك في حروب "ناجحة" الواحدة تلو الأخرى دون توقف، وكأنه آلة حرب دقيقة الصنع تحرز نجاحات "عديدة متتالية". (ولكن ألا يثير تكرار "الحروب الناجحة" بعض الشك عن مدى نجاحها لأن الحرب "الناجحة" حقاً هي الحرب التي تحقق السلام والطمأنينة والأمن الدائم للمحارب وأهله وشعبه؟ (. عُيِّن شارون قائد لواء مدرع في العدوان الثلاثي على جبهة سيناء، واحتل ممر متلا مخالفاً بذلك الخطة العامة التي كانت تهدف إلى ترك حامية الممر تسقط من تلقاء نفسها حينما يتم تجاوزها وتصبح قوات العدو خلفها (فمن عادة شارون مخالفة الأوامر) . ثم تلقى تعليماً عسكرياً في فرنسا بعد حرب ١٩٥٦، ثم تم تعيينه قائد لواء مدرع (١٩٦٢ ـ ١٩٦٤) ، ورئيس هيئة أركان المنطقة الشمالية (١٩٦٤ ـ ١٩٦٩) ، وقائد المنطقة الجنوبية (١٩٦٨ ـ ١٩٧٣) . وكان قائد القوات الإسرائيلية التي عبرت في حرب أكتوبر ١٩٧٣ قناة السويس من سيناء إلى الضفة الغربية للقناة وفتحت ثغرة الدفرسوار وهو ما أكسبه سمعة عالية. وقد وصفه زملاؤه بأنه «شيء هادئ الأعصاب ... لا يمكنك أن تعرف إن كنت تحبه أو تكرهه، وإن كنت تُعجب به أم تخاف منه» . وبعد "نجاح" ١٩٦٧ (حين "انتصرت" القوات الإسرائيلية على القوات العربية) نجد أن شارون "ينجح" في طرد ٦٠٠ بدوي من ديارهم في رفح ليحقق بعض الأمن في غزة (فقد كان قائد المنطقة الجنوبية) وتم دمج هذه الوحدة بقوات المظليين.

стр. 8227

ولم يكد شارون يُحال إلى الاحتياط عقب الحرب حتى سارع إلى استثمار السمعة العسكرية التي جناها من الحرب لدخول الساحة السياسية، شأنه شأن كثير من الجنرالات الإسرائيليين. فشرع يشكل حركة سياسية بزعامته يتقدم بها إلى انتخابات عام ١٩٧٧، مع ملاحظة أنه كان في شبابه عضواً غير نشيط في حزب الماباي ثم الحزب الليبرالي. وفي ظل صعوبة حصوله على أصوات كثيرة عمد إلى إجراء اتصالات مع جميع القوى السياسية حتى تلك التي تتبنى أفكاراً سياسية مختلفة تماماً مثل يوسي ساريد، وأشار لهم بأنه مستعد لممارسة مرونة كفيلة بأن تدهشهم إذا هم قبلوا الانضواء تحت لواء قائمته. وتشير تجربة الغزو اللبناني إلى أن وزير الدفاع شارون لم يتغير عن قائد الوحدة ١٠١، وأن سفاح صابرا وشاتيلا هو بعينه سفاح قبية، وعليه فإن تلويحه بالمرونة والاعتدال يجب أن يُفهم في سياق المناورة السياسية. وجاءت نتيجة انتخابات ١٩٧٧ لتفوز قائمة شارون بمقعدين، ثم انضم إلى تكتل الليكود شاغلاً مقعد وزير الزراعة ثم وزير الدفاع. وقد كان هو المحرك الرئيسي وراء غزو لبنان عام ١٩٨٢. وقد اضطر شارون إلى الاستقالة من منصبه كوزير للدفاع عام ١٩٨٣ إثر تقرير لجنة تحقيق رسمية حملته المسئولية غير المباشرة عن مذبحة صابرا وشاتيلا. وقد استمر شارون في الوزارات التي شارك فيها الليكود بعد ذلك، حيث شغل منصب وزير بلا حقيبة (١٩٨٢ - ١٩٨٤) ، ثم وزير الصناعة والتجارة (١٩٨٤ - ١٩٨٨) ووزير البناء والإسكان (١٩٨٨ - ١٩٩٢) .

стр. 8228

ويكشف صعود شارون إلى مراكز السلطة بهذه السرعة، ومكوثه في الوزارة بعد أن تحمل خسائر حرب لبنان، ونجاحه في تثبيت مواقعه داخل الليكود، بل منافسة شامير نفسه على زعامة الحزب، يكشف ذلك عن الشعبية التي يتمتع بها العسكريون المتشددون في الكيان الصهيوني. تولَّى شارون منصب وزير البنية التحتية في حكومة الليكود برئاسة نتنياهو التي تم تشكيلها إثر انتخابات عام ١٩٩٦، واستمر في السعي من أجل لعب دور أساسي في القضايا الإستراتيجية، حيث ضغط من أجل ضمه إلى المجلس الوزاري المصغر إلى جانب نتنياهو ووزيري الخارجية والدفاع (ديفيد ليفي وإسحق مردخاي) ، واعترض الأخيران على ذلك. التقى شارون بمحمود عباس (أبو مازن) في يوليه ١٩٩٧ ليرد على منتقديه الذين رأوا أن دخوله مجلس الوزراء المصغر سوف يعقد المفاوضات مع الفلسطينيين مشيراً إلى أنه الوحيد الذي يعرف كيف يتعامل مع الفلسطينيين. وقد تنازل عن ذلك الذي ظل ينادي به لسنين طويلة، وهو حرمان الدولة الفلسطينية المستقبلية من أي استمرارية جغرافية (يعتقد شارون أن المحافظة على الاستمرارية والاتصال الدائم بين المستوطنات اليهودية داخل الأراضي الفلسطينية يمكن أن تتم خلال بناء الأنفاق تحت الأرض والجسور والطرق الالتفافية بدلاً من البقاء على الاتصال الجغرافي المباشر بين تلك المستوطنات) . وقد عرض شارون خريطة على أبو مازن في ١٦ يوليه ١٩٩٧ لأنه أراد كما قال "أن يعرف الفلسطينيون ولآخر مرة ما هو موقف إسرائيل من اتفاقية الوضعية النهائية، وما الذي يمكنها أن تفعله، وما الذي لا يمكنها أن تفعله أبداً، ولماذا". ومضى شارون ليقول: "هذه أمور لابد للفلسطينيين أن يفهموها لأنني أعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي يسمعونها منا".

стр. 8229

ويُعدُّ شارون من أهم أنصار نظرية الضم التدريجي للضفة الغربية. وفي مقال له بجريدة معاريف في نهاية عام ١٩٨١ تحت عنوان "المشكلات الإستراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات" يتطلع شارون إلى وجوب أن تتخطى فكرة المصلحة الإستراتيجية لإسرائيل المجال المتمثل تقليدياً بالدائرة المحيطة بإسرائيل إلى مجالين جغرافيين آخرين لهما تأثيرهما الأمني: ١ - الدولة العربية البعيدة التي يضيف تعاظم قدراتها العسكرية بُعداً بالغ الخطورة للخطر المباشر الذي يتهدد إسرائيل، سواء عن طريق إرسال قوات خاصة إلى منطقة المواجهة، أو عن طريق القيام بعمليات جوية وبحرية مباشرة ضد خطوط المواصلات الجوية والبحرية الإسرائيلية. ٢ - تلك الدول التي يؤثر التوجه السياسي الإستراتيجي فيها على الأمن القومي الإسرائيلي مثل إيران وتركيا وباكستان ومناطق الخليج الفارسي وأفريقيا، ولا سيما دول أفريقيا الشمالية والوسطى. وهذه الإستراتيجية لا ترى في الضفة وغزة إلا خطاً خلفياً يقع في قلب إسرائيل، الأمر الذي يتطلب المزيد من مصادرة الأراضي وتفريغها من السكان العرب. ومن الواضح أن شارون سيكون له دور حاسم هذه الأيام. فهو مصمم على تقرير الضرورات الأمنية والجغرافية في قطاع غزة والضفة الغربية من خلال المحادثات مع الفلسطينيين. وقد أصبح شارون أهم دعاة المشاركة الإستراتيجية بين إسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية ملغياً بذلك الخيار الذي طالما نادى به كثيرون في إسرائيل وهو إقامة دولة فلسطينية في الأردن. كذلك قَبل شارون مبدأ السيادة الفلسطينية على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة (من دون القدس بالطبع) . والتحدي الذي يراه شارون في التعامل مع الفلسطينيين هو إيجاد إطار سياسي ودبلوماسي ناجح يساعد على تحديد واحتواء صلاحيات الدولة الجديدة ومساحتها الجغرافية.

стр. 8230

وتنقل مصادر عن شارون قوله: "يجب على إسرائيل أن تحتفظ في أي تسوية نهائية بمنطقة أمنية في الشرق لا يقل عرضها عن عشرين كيلو متراً وحزام أمني في الأجزاء الغربية من الضفة الغربية يتراوح عرضه بين ٧ و١٠ كيلو مترات". وفوق ذلك يجب أن تبقى القوات الإسرائيلية بصورة دائمة في غور الأردن، وأن تهيمن على جميع الطرق والممرات الجوية والبحرية في الأراضي الفلسطينية. ومن الواضح أن شارون يسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية هي: أولاً: يريد شارون من الجميع أن يفهموا «الخطوط الإسرائيل الحمراء» مع إبداء رغبة في فهم المطالب الفلسطينية. ثانياً: إعادة المصداقية والثقة إلى المواقف التفاوضية الإسرائيلية. ثالثاً: تحقيق تنسيق ناجح بين الموقف الإسرائيلي والموقف الأمريكي. وقد تم الاتفاق بين نتنياهو وشارون على تسوية مؤقتة يحق بموجبها لنتنياهو التشاور مع شارون في الشئون السياسية والأمنية دون أن يدخل مجلس الوزراء المصغر فعلاً. ورغم هجوم شارون على نتنياهو إلا أنه لم يصعِّد من خلافاته معه، مقابل تزايد دور شارون في الحكومة. ديفيد ليفي (١٩٣٧ -) David Levy وزير الخارجية السابق، ورئيس حزب جيشر، من أعضاء جيل الحرس الجديد من الناحية التاريخية، ولكنه من الناحية الفعلية تم استبعاده من صنع القرار، ولعل هذا هو الذي أدى به إلى الاستقالة.

стр. 8231

وديفيد ليفي زعيم يهودي سفاردي، وهو من أصل مغربي. وُلد لأبوين محدودي الدخل، هاجر إلى إسرائيل عام ١٩٥٧ مع من هاجر من السفارد (أي في سن العشرين) وعمل كعامل زراعي أجير في الكيبوتسات القريبة من بيت شان وبعد ذلك عمل في مجالات البناء. وهو ينتمي إلى هذا الجيل الذي يتحدى هيمنة الإشكناز على تأكيد الأمور. ويُقال إن أصوله الطبقية المتواضعة والسفاردية تحد من رغبته في تبوء زعامة حزب الليكود. انتُخب لمجلس بلدية بيت شان (١٩٦٧) ثم رئيساً للمجلس. وكان رئيساً لحركة حيروت في الهستدروت في نفس الفترة. دخل الكنيست عام ١٩٦٩ ثم أصبح وزيراً في حكومة الليكود عام ١٩٧٧ (وزير الهجرة ثم وزير البناء والإسكان) وتطلع لرئاسة الحزب ولكنه فشل في مساعيه وانتهى به الأمر بالانشقاق عن الليكود وتأليف حزب جيشر. ولكن نظراً لظروف انتخابات عام ١٩٩٦، فقد خاض حزب جيشر الانتخابات في قائمة واحدة مع الليكود، حيث حصل تكتل (الليكود - جيشر - تسومت) على ٣٢ مقعداً منها خمسة مقاعد لحزب جيشر، وتولَّى على أثرها ليفي وزارة الخارجية حتى استقالته منها في يناير ١٩٩٨. وكان ليفي متردداً في الخروج من الحكومة رغم تهميشه الواضح وذلك لحسابات انتخابية تتمثل في خشيته - مثل باقي أعضاء الائتلاف الحكومي - من إجراء انتخابات برلمانية جديدة غير مستعد لها في الوقت الراهن، مما زاد من ازدراء نتنياهو له وتجاهل مطالبه فيما يتعلق بالموازنة لصالح حركة شاس. ولكنه استقال في نهاية الأمر. بعد أن صرح بأن الحكومة توزع ملايين الشيقلات على القطاعات الحزبية المختلفة وتترك الطبقات الفقيرة دون أموال.

стр. 8232

وفي موضوع الميزانية حدث تنافس حاد بين حركة ليفي وحزب شاس، فالأخير رسخ قواعد انتخابية وسط اليهود الشرقيين في إطار التشديد على هوية يهودية شرقية تقليدية ذات ملامح دينية أرثوذكسية، وإرسال حزب إلى الكنيست يتصرف كأنه مجموعة مصالح تمثل قطاعاً سكانياً معيناً، وتستمد لدخول أي ائتلاف بشروطها طالما كان ذلك في مصلحة المجموعة السكانية التي تمثلها، وفي المقابل لم تنجح حركة جيشر في تأسيس هذا النوع من القواعد الجماهيرية، فتجاهل نتنياهو مطالب ليفي لصالح شاس، وتبين لليفي أن وجوده في حكومة نتنياهو لن يساعده على تثبيت وضعه جماهيرياً بل قد يعوقه. النخبة الجديدة The New Elite «النخبة الجديدة» مصطلح في الخطاب السياسي الإسرائيلي (ويمكن أيضاً تسميته «جيل القوة» ) يشير إلى جيل السياسيين الذي ظهر بعد الحرس القديم والحرس الجديد، وذلك بعد أن تفاقمت التناقضات في المجتمع الإسرائيلي في مختلف المجالات والمستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وظهرت التناقضات واضحة في علاقة الفرد بالمجتمع والدولة، ويحاول جيل النخبة الجديدة نقل المجتمع إلى مرحلة جديدة تتميَّز بالتحرر من الأيديولوجيا الصهيونية والسياسة المتصلة بالأعباء الجماعية. وهذا الجيل تطغي عليه الهوية الإسرائيلية، فهو عندما يعمل سواء في المجالين المدني أو العسكري فإنه لا يعمل بناء على دوافع أيديولوجية واضحة، كما كان الجيل السابق (الحرس القديم والحرس الجديد) ، ولكن بناء على ضرورات الحياة وضرورة التعامل مع الواقع السياسي، فإذا كانت الأجيال السابقة تحكمها عقدة الضياع أو الخوف على الدولة، فإن ذلك الجيل قام ونشأ في ظل وجود الدولة وعاش فيها.

стр. 8233

وأعضاء هذا الجيل، شأنهم شأن أعضاء الحرس الجديد، واجهتهم مشكلة التمسك بالاستعمار الاستيطاني الإحلالي من جهة، وصعوبة استمرار الكيان الصهيوني في حالة حرب وعداء دائم مع جيرانه في ظل حقيقة وجود الشعب الفلسطيني واستحالة نفيه أو تغييبه من جهة أخرى. وقد عاش أعضاء هذا الجيل في الفترة التي أعقبت انتصار ١٩٦٧ الذي لم يدم طويلاً مع حرب ١٩٧٣، كما عاش ما مرت به إسرائيل من تطورات دعَّمت التناقضات داخل المجتمع مثل غزو لبنان والانتفاضة الفلسطينية. وقد شاهد أعضاء هذا الجيل تفاقم التناقضات داخل التجمُّع الصهيوني وأزمة الصهيونية. ولذلك ينقسم أعضاء ذلك الجيل الجديد إلى فريقين رئيسيين في الموقف من عملية التسوية وإنهاء حالة الحرب وحلم إسرائيل الكبرى، فريق مندفع مع هذه العملية دون خوف بحافز من الثقة بالنفس ورسوخ الدولة من ناحية والرغبة في التمتع بمزايا السلام والأمن ومغريات الحياة من ناحية أخرى (ممثلو الصهيونية العمالية) ، وفريق يرفض هذه العملية رفضا مطلقاً ويعتبرها تهديداً للدولة التي ثبتت أركانها، وتنازُلاً عن حلم أرض إسرائيل الكاملة، وهو تنازل عن حق ينبغي عدم التفريط فيه (ممثلو الصهيونية التصحيحية والصهيونية ذات الديباجات الدينية) . ويرتبط بذلك الفريق الأخير تصاعد ونمو الروح القومية الصهيونية والدينية ممثلة في كل من اليمين العلماني واليمين الديني. وهناك تمايزات داخل كل فريق وخصوصاً الفريق الأول.

стр. 8234

وكانت بداية التحول إلى الجيل الجديد في الليكود حيث انتصر السياسي الجديد بنيامين نتنياهو عام ١٩٩٣ على خصومه واستطاع أن يحصل على لقب زعيم المعارضة ثم رئيس الوزراء بعد انتخابات الكنيست عام ١٩٩٦. وقد تأخر الأمر بعض الشيء في حزب العمل، فرغم صعود الجيل الجديد ممثلاً في إيهود باراك وحاييم رامون ويوسي بيلين، إلا أن قيادات الحرس الجديد ممثلة في رابين وبيريز استطاعت الهيمنة على مقاليد الأمور رغم تمرُّد حاييم رامون وانسحابه من الحزب عام ١٩٩٤ وتشكيله قائمة مستقلة في انتخابات الهستدروت. ولكن اغتيال رابين (نوفمبر ١٩٩٥) وهزيمة الحزب في انتخابات ١٩٩٦ عجلت بإنهاء سيطرة الحرس الجديد، ليفوز إيهود باراك برئاسة الحزب في يونيه ١٩٩٦ مطيحاً بشيمون بيريز. وأهم أعضاء هذا الجيل دون منازع هما باراك ونتنياهو. ويمكن أن نضم لهما إسحق مردخاي. إسحق مردخاي (١٩٤٤ (– Isaac Mordechai رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق. من أصل عراقي كردي، وهو مطلق وأب لاثنين من الأولاد، كان أبوه يعمل حاخاماً. هاجر إلى الدولة الصهيونية عام ١٩٥٠ (أي وهو بعد في السادسة) فأقام هو ووالدته في أحد المعابر لمدة عشر سنوات (وهو أمر طبيعي بالنسبة ليهود العالم الإسلامي وحدهم) ثم انتقل إلى طبرية (التي يسكنها عدد كبير من يهود كردستان العراق) . درس التاريخ في جامعة تل أبيب وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة حيفا وتخرج من كلية القيادة والتوظيف بإسرائيل.

стр. 8235

انخرط مردخاي عند تقاعده في سلك السياسة (شأنه شأن كثير من الجنرالات الإسرائيليين مثل إيهود باراك وأريئيل شارون) . وقد عُرف بطموحه وعناده واستقلاليته. كان مردخاي وليفي (قبل استقالة هذا الأخير) يكوِّنان جناحاً داخل الائتلاف الحاكم من أجل الالتزام باتفاق أوسلو، وتنفيذ مراحل إعادة الانتشار كما نصت عليها الاتفاقات. وإثر استقالة ليفي أشار مردخاي إلى أنه سيستقيل من الحكومة إذا لم يتم إعادة الانتشار. ويرى مردخاي تحريك المسار اللبناني وفصله عن المسار السوري، حيث أعلن التزام إسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان انسجاماً مع القرار ٤٢٥، وفي محاولة من طرف مردخاي وشارون لبلورة خريطة مشتركة للتسوية الدائمة في الضفة الغربية. والبُعد الأساسي الذي انطلق منه شارون ومردخاي بخصوص الانسحاب يعتمد على فكرة عدم اقتلاع أي مستوطنة يهودية تقع تحت سيادة السلطة الفلسطينية. وكان حزب العمل قد قرر إزالة ١٢ مستوطنة يسري عليها هذا الشرط، لذلك حرص شارون في خريطته على إيجاد تواصل جغرافي وديموجرافي بين المستوطنات، إضافة إلى خلق كتل استيطانية محاذية للخط الأخضر. ونتيجة لما وصفه شارون بـ «خريطة المصالح القومية» ستكون جميع المستوطنات تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، الأمر الذي يسمح له بالهيمنة على ٦٢% من مناطق الضفة الغربية. ويبدو من مراجعة تفاصيل الخريطتين أن شارون ومردخاي يتفقان على الأهمية الإستراتيجية لغور الأردن وصحراء النقب، ويعتبران السيطرة عليها مصلحة أمنية عليا. وهما يتحدثان عن هذه المنطقة كعازل أو فاصل بين الأردن والكيان الفلسطيني بحيث تبقى فلسطين الصغيرة (أو «ميني - فلسطين» كما يسمونها) معتمدة اعتماداً كلياً على إسرائيل، كما يريان أن الدفاع الإسرائيلي بحاجة دائمة لقطاع بعرض عشرين كيلو متراً يُستخدم كمنطقة تدريب ومناورة.

стр. 8236

ولعل أهم ما يميِّز خريطة مردخاي هو خلق تواصل بين الكانتونات الفلسطينية، وطرق تحقيق لإمكانية نقل مناطق صحراوية للسلطة الفلسطينية وهو ما رفضه شامير. وعلى صعيد الوزن السياسي تشير استطلاعات الرأي العام طوال عام ١٩٩٧ إلى أن مردخاي هو المرشح الأوفر حظاً للفوز برئاسة الحكومة الإسرائيلية إذا أُجريت انتخابات عامة جديدة، وبإمكانه التغلب على كل من نتنياهو وباراك ذوي الأصل الإشكنازي. إيهود باراك (١٩٤٢ (– Ihud Barak «باراك» بالعبرية تعني «البرق» وهو من زعماء النخبة الجديدة. وُلد عام ١٩٤٢ (أي قبيل قيام دولة إسرائيل ببضع سنوات وحسب) وهو من خريجي الكيبوتسات (وُلد في كيبوتس هيشمار هاشارون، القريب من منتجع نتانيا، وهي مكان لتركز الصفوة الإشكنازية) . ولا يختلف باراك كثيراً عن نتنياهو في التوجهات السياسية والاقتصادية ولذا يُسمَّى «توأم بيبي» .

стр. 8237

قضى باراك أهم سنوات حياته (تلك السنوات التي تتشكل فيها الشخصية) في الجيش بادئاً من أسفل السلم، لكنه ارتقى درجات الرتب سريعاً. وعندما تقاعد بعد ٣٥ سنة من الخدمة العسكرية كان قد حصل على أوسمة شجاعة أكثر من أي إسرائيلي آخر. كانت شهرته داخل إسرائيل هائلة، فقد كان بطلاً باعتباره قائداً لفرقة «ساييريت ماتكال» المختارة. وقد شارك عام ١٩٧٢ في عملية إنقاذ الرهائن من الطائرة البلجيكية التي اختُطفت إلى تل أبيب. وفي العام التالي وضع على رأسه شعراً مستعاراً وارتدى ثياب النساء ليتسلل إلى بيروت. وكان جزءاً من فريق أطلق النار وقتل محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر من قادة منظمة فتح الفلسطينية وهم نيام. وفي الأشهر الأولى للانتفاضة في الضفة الغربية وقطاع غزة، كان باراك قائداً لجيش إسرائيل في الوقت الذي كان إسحق رابين وزيراً للدفاع، وقد أشرف باراك على الخطط التكتيكية التي كانت تُستخدم لمحاولة القضاء على الانتفاضة الفلسطينية حيث قام عام ١٩٨٨ بإعادة بعث فرق المستعرفيم «أي المستعربين» التي تهدف إلى التسلل متنكرة في أزياء عربية إلى الأوساط الفلسطينية النشيطة في الضفة والقطاع واغتيال قياداتها. وكان أعضاء هذه الفرق يستقلون سيارات غير عسكرية تحمل لوحات خاصة بالضفة والقطاع ويرتدون ملابس مدنية أو ألبسة عربية عريقة، وبعد الانتهاء من عملياتهم كانت عربات الأمن الإسرائيلي تصل متأخرة. وكان باراك هو القائد الرئيسي والموجه لعملية اغتيال القيادي الفلسطيني البارز أبو جهاد عام ١٩٨٨ (لدوره في قيادة الانتفاضة (.

стр. 8238

عمل باراك نائباً لقائد الجيش في منطقة البقاع في لبنان (أثناء غزو لبنان) ونال درجة الدكتوراه في الفيزياء والرياضيات من الجامعة العبرية (١٩٨٦) ، وعُيِّن رئيساً لقسم الاستخبارات في الجيش عام ١٩٩٣ وعمل رئيساً لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي في أبريل ١٩٩٠ إلى حين تقاعده في يناير ١٩٩٥. وبصفته قائداً للجيش شارك في مفاوضات السلام سواء مع الفلسطينيين أم السوريين أم الأردنيين. كان باراك يلقى الاحترام الشديد خلال عمله في الجيش من الضباط الأقل مرتبة، وقد اشتهر بأنه يتمتع بأسلوب التفوق وبقدر كبير من الغطرسة مما أكسبه لقب «نابليون الصغير» . دخل ساحة العمل السياسي في يوليه ١٩٩٥، عندما عُيِّن وزيراً للداخلية (في وزارة رابين) . وبعد اغتيال رابين في ٤ نوفمبر ١٩٩٥ وبعد تسلُّم بيريز زعامة حزب العمل ورئاسة الحكومة، عُيِّن باراك وزيراً للخارجية، وبعد عامين من تركه البزة العسكرية، تم انتخابه زعيماً لحزب العمل في ٣ يونيه ١٩٩٦ منهياً بذلك ثلاثة وعشرين عاماً من احتكار الحرس الجديد (إسحق رابين وشيمون بيريز) هذا المنصب. ويعبِّر انتخاب باراك عن تعطُّش حزب العمل إلى زعيم يملك شباب بنيامين نتنياهو وخبرة إسحق رابين العسكرية ليعيد الحزب إلى قيادة إسرائيل على طريقة رابين قبل اغتياله، فباراك هو الشخص القادر على إعادة حزب العمل إلى الحكم. وقد فاز برئاسة الحزب (٥٠.٣٣% من الأصوات) ضد يوسي بلين (الذي يُسمَّى «مهندس عملية السلام» وأحد المقربين من بيريز الذي حصل على ٢٨.٥١%) والذي يقف وراء اتفاق أوسلو.

стр. 8239

ومن المعارضين لقيادة باراك والذين رشحوا أنفسهم ضده هناك حاييم رامون زعيم الهستدروت، وشلومو بن عامي (السفاردي الذي ينتمي لحزب العمل والذي يربط بين السلام والرفاه الاجتماعي والازدهار الاقتصادي والذي حصل على على ١٤.١١% من أصوات الناخبين) . وكانت رسالة الناخبين واضحة: نريد زعيماً جديداً، ولكن ليس ممن كانوا يدورون في فلك إسحق رابين، ونريده سياسياً قوياً له سجل عسكري مشهود، أكثر منه منظراً ليبرالياً (أي نريده شخصاً اكتسب «الشرعية السياسية» التي يفتقدها بيريز) . وقد انتخب باراك مجموعة غير متماسكة أو متماثلة (من النواحي السياسية والأيديولوجية) . فعوزي برعام، الرجل الثاني في الكتلة التي انتخبت باراك، يعتبر من حمائم الحزب وأقرب في وجهة نظره إلى معارضي باراك، كما أن نواف مصالحه وصالح طريف (نائبان عن الكنيست عن الوسط العربي) دعما باراك في معركته الانتخابية مثل كثيرين من حزب العمل لاعتبار واحد، وهو أنهم يعتقدون أنه الأكثر قدرة على هزيمة نتنياهو في أية انتخابات مباشرة على رئاسة الوزراء. (أعلن باراك أن الفرصة الوحيدة لعودة حزب العمل تكمن في كسب ناخبي الوسط في الخريطة السياسية (.

стр. 8240

إن كل هذا يُعدُّ دليلاً على أن الرأي العام الإسرائيلي لا يزال يؤمن بما يُسمَّى «السلام الإسرائيلي» القائم على التفوق العسكري والتوازن الإستراتيجي الذي يميل لصالح إسرائيل. ومما تجدر ملاحظته أن باراك لم يكن ذا صبغة حزبية محددة أثناء عمله في الجيش الإسرائيلي، فقد كانت فرص انضمامه إلى أيٍّ منها متساوية إلى حدٍّ كبير، وقد راهن على الغموض في تحديد التزامه الحزبي ومواقفه السياسية. ورغبةً منه في أن يصبح الزعيم الأوحد للحزب وقف باراك بشدة ضد مشروع قرار بانتخاب بيريز رئيساً فخرياً للحزب، وقد حظى موقفه هذا بموافقة الأغلبية داخل مؤسسات الحزب. ولكن رغم انتصاره هذا فليس هناك ما يشير إلى احتمال أن يفرض باراك برنامجه السياسي بسهولة داخل الحزب، فما زال شيمون بيريز يصر على القيام بدور ما داخل الحزب. ومن جهة أخرى فإن جيل القيادات الشابة الذي صار مسيطراً على الحزب لا يقف موحداً خلف باراك. وقد وقَّع باراك اتفاق «بيلين - إيتان» مع حزب الليكود لإيجاد حد أدنى من الاتفاق بين الحزبين (انظر: «الإجماع الصهيوني القومي» (.

стр. 8241

وبالنسبة لآرائه السياسية يشدِّد باراك على موضوع الأمن وله تحفظات على اتفاق أوسلو، وأثناء زيارته لإحدى المستعمرات/ المستوطنات الصهيونية (في رام الله) رفض فكرة الانسحاب إلى حدود ١٩٦٧. ويتبنَّى باراك مشروع آلون وإن كان يرفض الخطة التي طرحها نتنياهو للحل النهائي على الفلسطينيين والمسماة آلون بلس Allon Plus، وذلك لأن الفلسطينيين يرفضونها مما قد يؤدي إلى انهيار عملية السلام (في تصوُّره) ، الأمر الذي سيؤدي (بدوره) إلى زيادة أعمال العنف والإرهاب ضد إسرائيل، وزيادة موازنة الجيش، وزيادة التقلص في السياحة، وإلى هروب الاستثمارات الأجنبية، وإلى تعميق الركود الاقتصادي. وقد أدلى بصوته في الكنيست ضد آخر اتفاق رئيسي توصل إليه إسحق رابين مع الفلسطينيين في سبتمبر ١٩٩٥. وأعرب عن تأييده لانتقادات أريئيل شارون أحد صقور الليكود ضد الاتفاق في يناير عام ١٩٩٧ بسحب القوات الإسرائيلية من معظم أنحاء مدينة الخليل في الضفة الغربية. وقد تحاشى، متعمداً، أي اتصال مع ياسر عرفات، ورفض أن يُجر إلى الإعلان عن الأراضي التي يفضل إعادتها إلى الفلسطينيين.

стр. 8242

يستخف باراك ببنيامين نتنياهو لأنه يرى إسرائيل حملاً وسط ذئاب بينما يرغب هو في أن يرى إسرائيل حيواناً مفترساً (أو ذئباً بين الجيران، إن صح التعبير) . وهو يرى أن الحل الدائم للمشكلة الفلسطينية يتلخص في إنشاء دولة للفلسطينيين. ولكن بينما دعا بيلين (منافس باراك على رئاسة الحزب) إلى إقرار صيغة تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم لم يوافق باراك على ذكر كلمة «دولة فلسطينية» . ولكنه لم يعارض في إقرار صيغة تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم (وقد وافق مؤتمر الحزب على "صيغة وسط"، وضعها شلومو بن عامي، تنص على أن يعترف حزب العمل بحق تقرير المصير للفلسطينيين، ولا يعارض إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة محدودة. كما يرى باراك ضرورة أن يشمل الحل النهائي القدس الموسعة والموحدة تحت السيادة الإسرائيلية، وكذلك معظم المستوطنات في الضفة الغربية، فضلاً عن وجود استيطاني وأمني في غور الأردن، وضرورة عدم مرابطة جيش أجنبي غرب نهر الأردن، وبقاء معظم المستوطنين تحت السيطرة الإسرائيلية، وأن تكون هناك سيطرة على المياه، وألا يكون هناك تطبيق لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين. ويقدر باراك المناطق الواقعة خارج مجال السيطرة الإسرائيلية بـ ٣٠% من مساحة الضفة الغربية وهو بذلك يكاد يقترب تماماً من خطط نتنياهو للحكم الذاتي في الضفة التي طرحها أيضاً تحت اسم مشروع آلون الموسَّع.

стр. 8243

ويرفض باراك قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، ولكنه قد يوافق على دولة ناقصة السيادة منزوعة السلاح ترتبط كونفيدرالياً مع الأردن (وهذه هي نقطة الاختلاف الأساسية وربما الوحيدة بين المتطرفين والمعتدلين) ، ويعتبر باراك أن إسرائيل الدولة الديموقراطية الوحيدة في غابة مملوءة بالأحراش. كما يؤمن بالارتباط الحميم بين القوة والدبلوماسية ولا يخفي نفوره من أساليب السياسيين التقليديين. وهو يعارض الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل يربط هذا الانسحاب الجزئي بمدى نجاح ياسر عرفات في قمع المقاومة الفلسطينية، كما يعترض باراك على الانسحاب من الجولان ("نحن نرغب في السلام، لكن ليس بأي ثمن، ويجب تحقيق السلام مع الدول المجاورة دون تعريض مصالحنا الأمنية للخطر. فسياسة التخويف التي يتبعها اليمين المتطرف، وسياسة العجز والانهزامية التي يتبعها أقصى اليسار لا يعبران عن واقع إسرائيل ووضعيتها الراهنة" حسب قوله) . ولا يؤمن باراك بإسرائيل الكبرى جغرافياً (من النيل إلى الفرات) ولكنه يؤمن بإسرائيل العظمى اقتصادياً (من المحيط إلى الخليج) التي يمكنها تحقيق الهيمنة دونما حاجة إلى الدبابة والمدفع، فالبقاء لسلاح الاقتصاد وحده.

стр. 8244

وفي تقييمه للمشروع الصهيوني من أجل الاستيلاء على فلسطين يؤكد باراك أنه متحرر من "الإحساس بالذنب إزاء الفلسطينيين". "فأنا على يقين من أن كل ما حدث كان ضرورياً، أؤمن من أعماق قلبي بأن العمل الصهيوني كان عملاً مهماً جداً وصحيحاً، وأنا أدرك أن تَمسُّكنا بالأرض هنا هو في أساسه حفاظ على الوجود، وينتج عنه نوع من الظلم، لكن على المستوى التاريخي، يبقى هذا الظلم الذي حل بهم [أي بالفلسطينيين] أقل من العدل الذي حصلنا عليه، أو لنقل أقل من الظلم الذي كان سيلحق بنا لو حُرمنا من هذا العدل". (العدل هنا الاستيلاء على فلسطين) . وبذلك يبدو أن انتخاب باراك يعبِّر عن تَمسُّك إسرائيل بالمشروع الصهيوني ومبادئه القائمة على الاستيلاء على الأرض، ويثبت أن التجمُّع الاستيطاني في فلسطين يتجه بصفة عامة نحو اليمين. قدَّم باراك وحزب العمل «اعتذارهما» الرسمي لليهود السفارد ويهود العالم الإسلامي ("أطلب باسمي وباسم حزب العمال الصفح عن هؤلاء الذين سببوا لهم هذه المعاناة") . وقد علق بيريز على ذلك بقوله: "نعم ارتكبت أيضاً أخطاء، ولكنني أشعر بفخر حقيقي للجهود التي بذلتها إسرائيل في تلك السنوات الأولى لاستيعاب موجة المهاجرين". وقد وصف بعض الإشكناز هذا الاعتذار بأنه اعتذار ضمني عن جرم لم يرتكبوه، والاعتذار محاولة من جانب باراك للتقرب من اليهود السفارد ويهود العالم الإسلامي (من أكبر الكتل الانتخابية في الدولة الصهيونية) لا ندري مدى نجاحها أو فشلها، وإن كانت قد أدت إلى غضب بعض الإشكناز منه. بنيامين نتنياهو (١٩٤٩ (– Benjamin Netenyahu

стр. 8245

زعيم صهيوني من أبرز زعماء النخبة الجديدة إن لم يكن أبرزهم جميعاً. وُلد في تل أبيب، وحصل على شهادة في المعمار وماجستير في إدارة الأعمال من الـ M. I.T. (معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة) ، وهو يتباهى دائماً بالشهادات الجامعية التي حصل عليها من الولايات المتحدة. تزوج ثلاث مرات، الأخيرة منهن من سارة، وهي مضيفة قابلها في إحدى سفرياته (وقد اعترف بخياناته الزوجية المتكررة) وسلوك سارة نفسها أصبح موضوعاً متداولاً في الصحف الإسرائيلية. عيَّنه موشيه أرينز، حينما كان وزيراً للخارجية، الرجل الثاني في الوزارة، ثم سفيراً لإسرائيل في الولايات المتحدة، حيث أصبح شخصية تليفزيونية معروفة للإعلام الأمريكي وليهود الولايات المتحدة وأثريائها مثل رونالد لاودر، صاحب بيزنيس أدوات التجميل، وإرفنج موسكوفيتش، بليونير البنجو الذي يبني الآن المستوطنات "المحظورة" حول القدس (يعارض ٨٥% من يهود أمريكا نتنياهو حسب بعض الإحصاءات) . فكر نتنياهو أن ينخرط في سلك رجال الأعمال، ولكنه بدلاً من ذلك (وعند موت أخيه) هاجر إلى إسرائيل وخدم في إحدى وحدات الكوماندوز العسكرية تحت إمرة إيهود باراك. ثم أصبح نائباً لوزير الإعلام في مكتب رئيس الحكومة عام ١٩٩٣ ومنها أصبح رئيساً لحزب الليكود ورئيساً للوزراء!

стр. 8246

وعادةً ما تثار قضية أسرة نتنياهو، لذا يجدر بنا أن نذكر أولاً موت أخيه يوناثان في الغارة على مطار عنتيبي (يُقال إنه كان قائد الحملة) . وكان يوناثان هذا هو كبير الأسرة وحامل لوائها، أما أبوه بنزيون نتنياهو (الذي بلغ السابعة والثمانين ولا يزال نشيطاً ثقافياً) فكان شخصية محافظة متسلطة، من أتباع الزعيم التصحيحي الفاشي فلاديمير جابوتنسكي. ولكنه اختلف مع بيجين وجماعته وقضى بقية حياته شبه منفي (بشكل طوعي) في الولايات المتحدة حيث عاش بالقرب من فيلادلفيا وقضى حياته يكتب دراسته عن محاكم التفتيش الإسبانية (عنوان كتابه هو: أصول التفتيش الإسباني في القرن الخامس عشر) . وجوهر أطروحة دراساته هو أن اليهودي الذي يحاول الاندماج يُقابل دائماً بكراهية عميقة نحو شخصه ونحو الجنس اليهودي ككل. فاليهودي هو الهدف الأزلي لكره الأغيار، ولأنه لا يملك الهروب من هذا الوضع، لذا يجب عليه أن يحيط نفسه "بحائط فولاذي" (كما قال جابوتنسكي) وألا يعهد بأمنه للآخرين. كل هذه الحقائق الذاتية في سيرة نتنياهو هي أيضاً حقائق موضوعية، ويمكن إثارة قضية خلفيته العائلية ومدى تأثيرها على تركيزه الزائد على الإرهاب. (بعد موت يوناثان نظم نتنياهو مؤتمراً عن الإرهاب وكتب عدة كتب عن الموضوع) . ألا يوحي هذا بأن أباه، التصحيحي الكاره للأغيار، قد شكل رؤيته. وكما يقول أحد أعداء نتنياهو (يوري درومي، المتحدث الرسمي باسم الحكومة أيام رابين) "كيف يمكن أن تتكيف مع عملية السلام، إن كنت قد نشأت وترعرعت مع أفكار الصراع؟ إن اختفى الصراع، ماذا يبقى إذن؟ ". رغم كل هذا يحاول نتنياهو أن يتملص من ماضيه دائماً، وأن ينكر أن هذا الماضي قد ساهم في تشكيل آرائه بشكل جذري.

стр. 8247

ونتنياهو هدف لنكت الكثير من أعضاء اليسار الإسرائيلي والمؤسسة الليبرالية، فقد قارنه شاليف (الكاتب بجريدة معاريف) بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، في مراوغته، ومقدرته على الاحتيال والهروب في الوقت نفسه. أما يوئيل ماركوس (من هآرتس) فهو يرى أن نتنياهو قد بدأ يتجه بإسرائيل نحو الكارثة، يساعده في ذلك معاونوه (استغنى نتنياهو عن خبراء الليكود وكوَّن مجموعة صغيرة من المستشارين) . وهناك من يتحدث عن "رئيس الوزراء التيفلون" (أي الذي لا يلصق بعقله شيء. وهي نكتة أُطلقت أول ما أُطلقت على الرئيس الأمريكي رونالد ريجان) ، وهناك من يُسميه virtual prime minister. وكلمة «فرتشوال» أخذت من عالم الكمبيوتر، وتُستخدم للإشارة إلى virtual reality أي «ما يشبه الحقيقة» ، فهو ليس برئيس وزراء حقيقي، وإنما «يشبه رئيس الوزراء» أو «يكاد يكون رئيس الوزراء» أو «رئيس الوزراء بالكاد» . ولعل أسوأ الأوصاف هو الوصف الذي أُطلق عليه بعد فشل عملية عمان، أي محاولة اغتيال خالد مشعل إذ أطلق عليه أحدهم عبارة سيريال بلاندرر serial blunderer وهي تنويع على عبارة سيريال كيلر serial killer أي المجرم الذي يقتل حسب خطة مسبقة وتتبع جرائمه نمطاً محدداً. ونتنياهو بهذا المعنى ليس مجرماً وإنما "مخطئاً" يرتكب الأخطاء/الجرائم الواحدة تلو الأخرى، تماماً مثل المجرمين، وإن كان تصور أن هناك خطة محكمة للأخطاء أمر مشكوك فيه. (ولا ندري أي أسماء جديدة حصل عليها رئيس الوزراء المنكود بعد فشل عملية سويسرا؟) . ما هذه الأخطاء من وجهة نظر اليسار الليبرالي الإشكنازي؟ أهم هذه الأخطاء هي إيقاف عملية أوسلو، الأمل الوحيد في سلام دائم بالنسبة لهم. واستمراراً لصورة serial blunderer يسأل هؤلاء المعلقون: هل فعل نتنياهو ذلك عمداً، أم من خلال الخطأ المستمر؟ هل هو ثعبان أم غبي؟ (على حد قول يوري أفنيري) .

стр. 8248

ولكن من نتنياهو هذا؟ ينطلق نتنياهو في كتابه مكان تحت الشمس وغيره من الدراسات من الرؤية الصهيونية القائمة على أحقية اليهود المطلقة فيما يُسمَّى «أرض إسرائيل التاريخية» ويساندها رؤية صهيونية داروينية تؤكد أن إسرائيل انتصرت في كل الحروب ضد العرب (الذين فقدوا التخلف الدولي القديم) . ثم يأتي نتنياهو بالشواهد التاريخية والجيوسياسية والتلمودية التي تساند وجهة نظره. ثم وعلى عادة الصهاينة لا يكتفي نتنياهو بذلك بل يذكِّر الجميع بمأساة الشعب اليهودي والهولوكوست، ثم يؤكد، في الوقت نفسه، قدرة هذا الشعب على النهوض. ويعلن نتنياهو بلا مواربة أن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، وعقد سلام مع العرب مثل وضع سمك في صندوق من الزجاج، ثم تنتظر أن يتعلم هذا السمك ألا ترتطم رأسه بحائط الصندوق الزجاجي. واستخدام الصور المجازية المستمدة من الطبيعة للحديث عن العرب هو مسألة مألوفة في الخطاب الصهيوني بكل ما تحمل هذه الصور من حتمية وكل ما تنطوي عليه من تغييب للعرب. ويرى نتنياهو ضرورة إجبار العرب على الإذعان للاعتراف بوجود إسرائيل عبر استخدام سلاح الردع، فالسلام الوحيد الذي يمكن أن يُقام مع العرب هو «سلام الردع» مقابل «سلام الديموقراطيات» الذي لا يصلح مع العرب، فإسرائيل دولة ديموقراطية غربية في بيئة إقليمية معادية بدائية (وهذا يماثل كلام إيهود باراك عن ديموقراطية إسرائيلية وسط غابة من الأحراش) ، ومستقبل إسرائيل يكون بالتحصن داخل «الستار الفولاذي» (عبارة جابوتنسكي التي اقتبسها بنزيون نتنياهو) وإعادة الأولوية لفكرة العمق الإستراتيجي الجغرافي وعدم الانفتاح على هذه البيئة، مع ضَبْط التفاعلات في المحيط الإقليمي على النحو الذي يحقق مصالح إسرائيل الحيوية. أعراض نتنياهو: الأسباب The Netenyahu Syndrome: Causes

стр. 8249

ما الذي أتى بنتنياهو إلى سدة الحكم في الدولة الصهيونية عام ١٩٩٦؟ للإجابة على هذا السؤال لابد أن نحيط بالقضية إحاطة كاملة وأن نأتي بمركب من الأسباب، لأن الإجابة أحادية البُعد لن تفي بالغرض، رغم أنها قد تكون مريحة للغاية. ١ - لا يمكن في البداية تجاهل الأسباب الإجرائية، أي تغيير طريقة الانتخاب ذاتها، فنتنياهو هو أول رئيس وزراء إسرائيلي يُنتخب بالاقتراع المباشر، وحسب طريقة الانتخاب المباشر هذه لا يمكن تنحية رئيس الوزراء إلا إذا وافق ٨١ عضواً في الكنيست (من مجموع ١٢٠ عضواً) على قرار عزله، على أن تُجرى انتخابات جديدة لرئيس الحكومة فقط خلال ٦٠ يوماً. ويمكن سحب الثقة من رئيس الحكومة ومجلس الوزراء بأغلبية ٦١ عضواً في الكنيست على أن تُجرى انتخابات برلمانية جديدة خلال ٦٠ يوماً (وهذا الإجراء الأخير لا يتطلب بالضرورة استقالة رئيس الوزراء) . ولذا يرى البعض أن النظام السياسي الإسرائيلي أصبح نظاماً شبه ديكتاتوري، قزَّم الأحزاب والكنيست. وكان الهدف الذي ترمي إليه الأحزاب الكبيرة (العمل والليكود) التي مررت القانون الخاص بالانتخاب المباشر هو تحييد الأحزاب الصغيرة وتقوية رئيس الوزراء (في ظل التراجع المتزايد في قوة الحزبين الكبيرين) . كان هذا هو الظن، ولكن الذي حدث هو العكس تماماً. فالأحزاب الصغيرة ازدادت قوة، وخصوصاً أن رئيس الوزراء أصبح غير مسئول أمام هيئة حزبه أو البرلمان، الأمر الذي جعله «حراً» من حزبه. ولكن في الوقت نفسه «أكثر اعتماداً» على الأحزاب الصغيرة، التي تشكل القوة الجديدة في المجتمع (من ٦٨ مقعد في الكنيست، يستند إليها نتنياهو، هناك ٣٦ مقعد للأحزاب الصغيرة: ١٠ منها لشاس، و٩ للحزب الديني القومي، أي أن أكثر من النصف في حزبين اثنين، وهما حزبان دينيان) . وهذه الأحزاب الصغيرة سعيدة جداً بهذا الوضع ولا تريد عقد انتخابات أخرى بعد أن حققت هذا النصر، وبعد أن وقع رئيس الوزراء في قبضتها.

стр. 8250

فشارانسكي، على سبيل المثال، يُسمَّى الآن "الأستاذ ١٠%" لأنه قال إنه لو ثبت أن ١٠% مما يدور من إشاعات حول نتنياهو وحول فضيحة بار أون (بخصوص طريقة تغييبه كبار الموظفين) صحيحة فإنه سيقدم استقالته على الفور. ولكنه اكتشف أن ناخبيه، الذين صوتوا لصالحه، لا يهتمون بمثل هذه الأمور. وغني عن القول أن الأحزاب الدينية هي الأخرى لا تود إعادة الانتخابات فهي قد حصلت على المقاعد الوزارية التي تطمح إليها ولا يكف نتنياهو عن رشوتها. وكما يقول جدعون سامت (المعلق السياسي الإسرائيلي) إن جوهر المسألة ليس الأخطاء التي يرتكبها نتنياهو، وإنما شركاؤه في التحالف الذين يحاولون الحفاظ عليه بأى ثمن، ودون الخوض في أية مشاكل اجتماعية. (أما الوحيدون الذين لا يخشون سقوط نتنياهو فهي الأحزاب العربية) . وقد طرد نتنياهو بالفعل «أمراء» أو «نبلاء» حزب الليكود (أبناء مؤسسي الحزب صانعو الملوك «كينج ميكرز king makers» في الاصطلاح الأمريكي) أمثال داني زئيف بيجين (ابن مناحم بيجين) ودان ميريدور (ابن يعقوب ميريدور) طردهم دون أن يتزعزع أو يردعه أحد إزاء هذا الوضع، هناك مبادرة مطروحة لتعديل قانون الانتخابات بحيث يمكن عزل رئيس الوزراء من منصبه بأغلبية ٦١ صوتاً مع عدم التسبب في حل الكنيست (وحل الكنيست يستلزم إجراء انتخابات برلمانية مبتكرة، لا ترغب الأحزاب - كما أسلفنا - في دخولها حالياً) وعقد تحالفاته الخاصة مع شارون. ثم تجاوز شارون نفسه وعيَّن يعقوب نئمان وزيراً للمالية وعضواً في مجلس الوزراء المصغر. إزاء هذا الوضع، هناك مبادرة مطروحة لتعديل قانون الانتخابات بحيث يمكن عزل رئيس الوزراء من منصبه بأغلبية ٦١ صوتاً مع عدم التسبب في حل الكنيست (وحل الكنيست يستلزم إجراء انتخابات برلمانية مبكرة لا ترغب الأحزاب - كما أسلفنا - في دخولها حالياً) .

стр. 8251

٢ - لابد من الإشارة إلى ما سماه يهوشفاط هركابي «أعراض بركوخبا» وهي الحالة العقلية للإسرائيليين في مواجهة الأزمات. وقد توجَّه كثير من المفكرين الإسرائيليين إلى قضية الشخصية الإسرائيلية إبَّان الانتفاضة المباركة. وقد بعث بعض هؤلاء قضية عجز اليهود وافتقارهم للسلطة وذهبوا إلى أن الإسرائيليين، بل الشعب اليهودي بأكمله، يفتقرون إلى تقاليد الدولة، أي ممارسة الحكم (وهذا يعني افتقارهم إلى الحس التاريخي) ، ويتسمون برفض معطيات الواقع دون أن يدركوا أن العدو له إرادة لابد أن تؤخذ في الحسبان، ويضعون سياستهم بشكل مجرد، حسب الاحتياجات الصهيونية وكأنهم يعيشون في فراغ [الأسطورة المعادية للتاريخ] ويتجاهلون النظام العالمي والأمن ومتطلباتهما من الآخرين. وكل هذا نابع من ضيق أفق يتعارض مع التاريخ. ٣ - إسرائيل لم تعرف نفسها كمجتمع حرب ولا تعرف نفسها كمجتمع سلام ولا تريد أن تدفع مقابلاً للسلام وتدور في إطار الأسطورة التوراتية (كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل في الجزء الثالث من كتابه المحادثات السرية) . وكما يقول نتنياهو نفسه: "لقد انتخبني أغلبية الناخبين الإسرائيليين"، هل جنوا فجأة إذن؟ لو كانوا سعداء بأوسلو لما فعلوا ذلك. فأوسلو تحوي داخلها جرثومة هلاكها، فهي لا تمنح الإسرائيليين لا السلام ولا الأمن.

стр. 8252

٤ - ولكن من المفارقات التي تستحق التسجيل والملاحظة، أن هذا الجيل الجديد الذي يفر من الخدمة العسكرية ولا يكترث بها، هو جيل "أكثر عسكرية" كما يقول أفنيري شاليط (أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العسكرية) . ففي الأيام الأولى للاستيطان، كما يقول شاليط، كان الشعار السائد هو "فلتطلق النار ثم تذرف الدمع"، فالحرب كانت مفروضة على أبناء الجيل القديم (هكذا كان المستوطنون يظنون) ، ولم تكن الحروب حروب اختبار. والحرب، كما كان الجميع يعرف، شيء رهيب. أما أعضاء الجيل الجديد، فقد خاضوا «حروب اختيار» كثيرة (غزو لبنان - قمع الانتفاضة) ، أي حروب تمت بملء اختيار الإسرائيليين. وقد وُلد أعضاء هذا الجيل فيما يُسمَّى «أرض إسرائيل» ولذا فهم يعتقدون تمام الاعتقاد أن الاحتلال بالقوة «مسألة طبيعية» وأن الضفة الغربية ليست أوكيوبايد occupied «أرضاً محتلة» وإنما هى أرض قومية توراتية ومن ثم هي أرض «متنازع عليها» disputed ديسبيوتيد (كما يقول المصطلح الأمريكي) وعلى اليهود الاحتفاظ بها ولا يحق لهم التنازل عنها أو التفاوض بشأنها. والعرب هنا هم «عرب يهودا والسامرة» ، وبالتالي «خرق حقوقهم» لا يشكل مشكلة أخلاقية بالنسبة لهم.

стр. 8253

وأعضاء هذا الجيل لا يختلفون كثيراً عن نتنياهو الذي صرح قائلاً: "ليس هناك أي نهر أو بحر يفصل الضفة الغربية عن باقي الأراضي الإسرائيلية. إنها جزء من دولة إسرائيل نفسها. إن الضفة الغربية هي مركز البلاد ... إنها فناؤنا الخلفي وليست أرضاً غريبة عنا". بل أضاف قائلاً: "إن المناطق غير المأهولة أو ذات الكثافة السكانية القليلة ستشكل في إطار التسوية الدائمة مناطق أمنية ذات تواصل جغرافي وقرر ضرورة الحفاظ على ممرات أمنية وطرق تربط المستوطنات بعضها ببعض". واستخدام الصور المجازية المكانية يدل على ضمور الإحساس بالزمان والتاريخ عند نتنياهو (وهو في هذا لا يختلف عن أبناء جيله) الذين لا يرون إلا الأرض وأمن إسرائيل ولا يدركون الماضي أو المستقبل أو العرب من حولهم. ٥ - من خصائص هذا الجيل أن أعضاءه لم يشعروا قط بالعداء للسامية، أي بالعداء لليهود (ومع هذا فهم جيل أكثر ميلاً لليمين) . وقد نُشر مقارنة بين الشباب الألمان والشباب الإسرائيلي، وتبين أن الشباب الإسرائيلي أكثر عنصرية تجاه الأجانب من الألمان، وهم لا يهتمون بما يُسمَّى «عقلية المنفى» بل لا يفهمون يهود المنفى (أي يهود العالم) ولا يفهمون لغتهم أو خطابهم أو شكواهم. والمفارقة الناجمة عن هذا أن كثيراً من القضايا التي تهم يهود المنفى لا تهم أعضاء هذا الجيل من قريب أو بعيد. فهم لا يكترثون باليهودية أو هيمنة الأرثوذكس على أمور الدفن والطلاق والزواج والتهويد (فهم علمانيون شاملون عالميون، لا يهتمون بالقضايا المحلية ولا يكترثون بمثل هذه الأمور) .

стр. 8254

٦ - اتهم نتنياهو اليساريين بأنهم نسوا "معنى أن يكون المرء يهودياً" (عبارة همس بها رئيس الوزراء في أُذن أحد الحاخامات) . ولكن هل يعرف جيل نتنياهو معنى اليهودية؟ هل تعني اليهودية شيئاً له؟ إن تصور أن التجمُّع الصهيوني أصبح «أكثر يهودية» و «أكثر تقليدية» بظهور نتنياهو، هو - في رأينا - تصور خاطئ. فهو في واقع الأمر قد أصبح «أكثر انغلاقاً» دون أن يصبح أكثر تقليدية أو تديناً، والربط بين الواحد والآخر ليس بالضرورة له قيمة تفسيرية كبيرة. فما يحدث في التجمع الصهيوني، ليس محاولة للعودة للتقاليد بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي محاولة أعضاء هذا التجمُّع أن يجدوا جذوراً لهم «روتس roots» تبرر لهم وجودهم، وأرضية صلبة يمكنهم الوقوف عليها (وهو أمر شائع في كل المجتمعات الاستيطانية) . ولذا قال كثير من المعلقين إن انتخابات ١٩٩٦ لم تكن انتخابات خاصة بـ «المصالح السياسية» (الاجتماعية والاقتصادية) وإنما كانت انتخابات خاصة بالهوية (وهو قول قد لا نتفق معه، ولكننا نقتبسه بسبب دلالته) . وقد وُصف أعضاء التحالف الجديد المؤيد لنتنياهو بأنهم «غرباء في بلادهم» ، فهم قد يشكلون الأغلبية العددية إلا أنهم يعاملون معاملة الأقلية من قبل اليسار الإشكنازي، الذي يعتبر المستوطن الصهيوني وطناً له، وأرض أجداده. اليمين الرخو Soft Right

стр. 8255

«اليمين الرخو» تعبير سكه إيهود سبرنزاك (أستاذ السياسة بالجامعة العبرية) ليصف القوى التي تتحكم في الدولة الصهيونية. ونحن (وبعض المعلقين السياسيين الإسرائيليين بشكل مباشر أو غير مباشر) نطلق عليه اصطلاح «السياسة الإثنية» (أي السياسة التي تستند إلى المصالح الإثنية الضيقة وليس إلى المصالح القومية أو اليهودية العريضة) . ويسميها شلومو هاسون «القبلية الثقافية» . وأعتقد أن «القبلية الثقافية» هذه هي صياغة علمية، مهذبة مصقولة، لمفهوم آخر هو مفهوم «روش قطان» ، أي الرأس الصغيرة المركبة على معدة كبيرة، وهذا وصف جيد للمواطن الإسرائيلي بعد عام ١٩٦٧، بعد أن تحول إلى حيوان استهلاكي محض. ويتحدث نفس الأستاذ (أي شلومو هاسون) وهو أستاذ للجغرافيا في الجامعة العبرية عن الأرخبيل الإسرائيلي للهويات المنفصلة Israeli archipelago، أي أنه يرى أن الخاصية الجيولوجية التراكمية (التي نرى أنها إحدى سمات العقيدة والهوية اليهودية) هي سمة أساسية للحياة السياسية في الكيان الصهيوني. ويمكن تلخيص صفات «اليمين الرخو» فيما يلي: ١ - اليمين الرخو الجديد يختلف عن اليمين الصلب القديم في أنه لا يلتزم بالقيم السياسية ولا يعاني من المشيحانية الصهيونية التي تطالب بإيقاف تاريخ المنفى ليبدأ التاريخ الحقيقي: تاريخ المستوطنين في الجيب الصهيوني.

стр. 8256

٢ - اليمين الرخو قد يحتاج للسلام وقد يطلبه (لتحقيق المكاسب الاقتصادية) ، ولكنه غير قادر على تحقيقه لأسباب عديدة من بينها أن اليمين المتطرف قادر (حتى وهو في المعارضة) على قطع الطريق عن أية اتفاقات تشمل أية انسحابات جوهرية، ولا يوجد أية كتلة في الداخل قادرة على فرض شعار "الأرض مقابل السلام" (رغم وجود قطاع هام في الرأي العام الإسرائيلي يقبل بقدر من سلام وتنازلات) . كل هذا يعود إلى أنه لم يحدث تغيير جوهري في الثقافة والتقاليد السياسية المنبثقة عن الصهيونية فيما يخص دولة إسرائيل وعلاقتها بالعرب (وبالفلسطينيين على وجه التحديد) . ٣ - يمارس أعضاء اليمين الرخو إحساساً عاماً بالسخط على ما يُسمَّى «اليسار الإشكنازي» وهو مصطلح يضم كل من يؤيدون اتفاقية أوسلو والعلمانيين من خريجي الكيبوتسات. ٤ - لا يتوحد أعضاء هذا اليمين من خلال عقيدة محددة وإنما من خلال هوية سلبية جوهرها الخوف من العرب ومن اليسار الإشكنازي (الذي أيد أوسلو) . ٥ - لكل هذا نجد أن اليمين الرخو يتكون من قوى اجتماعية وإثنية ودينية لا يربطها رابط ولكنها مع ذلك متماسكة تؤيد نتنياهو، ويبدو أنها قادرة على التماسك وأنها قد تظل تتحكم في الحياة السياسية الإسرائيلية حتى القرن القادم. ولذا فرغم أخطاء هذه الحكومة المتعددة إلا أنها أثبتت مقدرة على الاستمرار. ويتكون هذا اليمين الرخو من عدة قوى وأحزاب أهمها ما يلي: ١ - اليهود السفارد الذين يضمهم حزب شاس (مؤيدو حزب ديفيد ليفي أعضاء حزب جيشر) ٢ - المستوطنون الصهاينة في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان. ٣ - غلاة المتدينين من الأحزاب الأرثوذكسية. ٤ - القوميون المتدينون (الحزب الديني القومي) .

стр. 8257

ويتهم المتدينون "اليساريين" بأنهم خرقوا كل الشعائر أثناء هيمنتهم على المجتمع الإسرائيلي، ويرى اليساريون (ومعهم الليبراليون) أن المتدينين يودون نزع الشرعية عن النظام السياسي الإسرائيلي، وما قوانين التهود سوى بداية هذه العملية. ٥ - القوميون العلمانيون في الليكود الذين رفضوا أمراء الليكود بالوراثة: داني بيجين (ابن مناحم بيجين) ودان ميريدور (انضم إليهم شامير وقدامى الليكود ليكونوا تحالفاً ضد نتنياهو) ولم يصوتوا لصالح إيهود أولميرت عمدة القدس الذي اختطف منه نتنياهو رئاسة الليكود عام ١٩٩٤. ٦ - المهاجرون الروس من الصهاينة المرتزقة البالغ عددهم ٧٠٠ ألف مهاجر، أي حوالي خُمس سكان إسرائيل. ويتهمهم اليسار الإشكنازي بأنهم أتوا بالجريمة المنظمة والبغاء إلى الدولة الصهيونية (وهي اتهامات في معظمها حقيقية) فمن المعروف أن الجريمة المنظمة جعلت من إسرائيل محطة انتقالية ومركزاً لغسيل الأموال. ومن المفارقات الأخرى أن المؤسسة الدينية لا تعترف بهم يهوداً حسب الشريعة اليهودية. ويعاني كثير منهم من البطالة، إذ يعمل في وظائف هو غير مؤهل لها. الباب الرابع: نظرية الأمن الإستراتيجية والأمن القومي: مشكلة التعريف Strategy and National Security: Problem of Definition ثمة عائلة من المصطلحات التي يصعب تحديد مدلولها بدقة نظراً لتداخلها وتشابكها. وتُشكِّل هذه المصطلحات طيفاً أو متصلاً بين نقطتين أقصى أحد طرفيه "السياسة العليا للدولة" والطرف الآخر "الإستراتيجية العسكرية". وإذا كانت السياسة العليا تمثل أعلى درجات السياسي والقومي وأكثرها تجريداً، فإن الإستراتيجية العسكرية تمثل العسكري والإجرائي.

стр. 8258

وإذا حاولنا تصوُّر نقط الطيف المختلفة لقلنا إن «السياسة العليا» للدولة هي السياسة التي تعبِّر عن العقد الاجتماعي السائد في المجتمع وعن ثوابته وأيديولوجيته وأهدافه الكبرى ورؤية النخبة الحاكمة (التي تقبلها غالبية أعضاء المجتمع) للأرض والشعب والحدود وهوية العدو وهوية الصديق. تأتي بعد ذلك «الإستراتيجية العليا» وهي الخطط العامة المدروسة التي تعالج الوضع الكلي للدولة من خلال الاستخدام الأمثل لجميع مصادر القوة المتاحة حتى يتسنى تحقيق الأهداف الكبرى لهذه الدولة، وتنسيق جميع إمكاناتها الاقتصادية والبشرية (أي القوة القومية) لتلبية أهداف الأمن القومي، كما حددته السياسة العليا، ضمن كل الظروف الممكن تصوُّرها، سواء في حالة الحرب أو السلم. ففي حالة السلم يكون هدف الإستراتيجية العليا دعم القوى المعنوية، وتنظيم توزيع الأدوار بين مختلف المرافق، والحفاظ على تماسك المجتمع ضد الظواهر الداخلية التي قد تهدد هذا التماسك (ظاهرة المخدرات في الولايات المتحدة ـ الهجرة غير الشرعية في كثير من المجتمعات الأوربية) . أما «الأمن القومي» لأية دولة فهو دفاع ووقاية ضد الأخطار الخارجية مثل وقوع الدولة تحت سيطرة دولة أخرى أو معسكر أجنبي أو اقتطاع جزء من حدودها أو التدخل في شئونها الداخلية لتحقق دولة خارجية صالحها. وفي حالة الحرب هو الذي يحدد أعضاء التحالف المشترك في الحرب بقصد تحقيق الهدف السياسي للحرب وهو الذي يخطط للسلم الذي يعقب الحرب. وبهذا المعنى فمفهوم الأمن القومي مفهوم متعدِّد الأبعاد يمثل نواحي عسكرية واقتصادية واجتماعية.

стр. 8259

ويتفرع من كل هذا ما يُسمَّى «العقيدة العسكرية» وهي تعبر عن تصورات القيادة السياسية/العسكرية العليا لطبيعة الحرب التي تتوقع خوضها في المستقبل سواء من ناحية النتائج السياسية أو الإجراءات العسكرية. ومن ثم فالعقيدة العسكرية تشمل تصوُّر الدولة المعنية لأسلوب الاستعداد للحرب اقتصادياً ومعنوياً، وكذلك كيفية إنشاء وتجهيز القوات المسلحة وطرق إدارة الحرب. وهي تعتمد بصورة مباشرة على البنية الاجتماعية للدولة وعلى حالتها السياسية. وفي إسرائيل يذهب كثير من العسكريين إلى الإشارة إلى «العقيدة العسكرية» باعتبارها «نظرية الأمن» . وتتفرع عن العقيدة العسكرية ما يُسمَّى «الإستراتيجية العسكرية» (أو سياسة الحرب) وهي الإستراتيجية أو السياسة التي توجِّه الحرب (مقابل الإستراتيجية العليا التي تحكم هدف الحرب) وتضع المخططات اللازمة لتحقيق النصر العسكري مهتدية في ذلك بمبادئ العقيدة العسكرية. وبدلاً من أن نتوه في فوضى المصطلحات فإننا سنتصور أنها كلها تكوِّن متصلاً أو كلاً غير عضوي، أي مليئاً بالثغرات، أقصى أطرافه السياسة العليا للدولة (والعقد الاجتماعي للمجتمع) ومن الناحية الأخرى الإستراتيجية العسكرية. ونحن سنستبعد السياسة العليا للدولة الصهيونية باعتبار أن هذا المجلد في معظمه يتناول الثوابت الأيديولوجية الصهيونية. وسنفترض وجود نقطتين أساسيتين: الإستراتيجية والأمن القومي. والإستراتيجية في تصوُّرنا ستقترب من السياسي والأيديولوجي، أما الأمن القومي فسيقترب من العسكري والإجرائي. ورغم الفصل بين المصطلحين فإنهما متداخلان، فنحن سنتعامل هنا مع السياسي في علاقته بالعسكري، وكذلك مع العسكري في علاقته بالسياسي. إستراتيجية إسرائيل المستقبلية Israel's Future Strategy

стр. 8260

إن إستراتيجية إسرائيل المستقبلية تدور حول منطقين كلاهما يكمل الآخر: الأول شل المخاطر التي تواجهها، والثاني العمل على تحقيق أهدافها الصهيونية لابالمعنى الذي وضعه آباء الصهيونية الأوائل، ولكن بالمعنى الذي يفرضه الواقع المعاصر. من هذا المنطلق علينا أن نفصل ونميز في الأهداف القومية لإسرائيل بين ستة مداخل أساسية: ١ ـ تجزئة الدول العربية وبلقنة الوطن العربي. ٢ ـ تمكين الدولة اليهودية النقية من التكامل. ٣ ـ تحويل إسرائيل إلى قلعة صناعية ودولة خدمات سياحية. ٤ ـ ربط الاقتصاد العربي بالاقتصاد الإسرائيلي من منطلق السيطرة ومبدأ التبعية. ٥ ـ تجزئة دول المنطقة غير العربية. ٦ ـ تحويل القدس إلى عاصمة عالمية: مصرفية وصناعية. إن إسرائيل تواجه مجموعة من المخاطر التي لا يجوز الاستهانة بها وهي لن تقف صامتة إزاء تلك المخاطر.

стр. 8261

وأول أهداف السياسة الإسرائيلية في الأعوام القادمة هو بلقنة المنطقة العربية. فالقناعة الإسرائيلية هي أنها لن يحميها في الأيام القادمة إلا تجزئة الدول العربية، أي ضمان أمني أو اتفاقية مع الدول العظمى لتكون لها قيمة. فهي تعلم أنه في الأمد البعيد إذا ظل الوضع على ما هو عليه، فإن الولايات المتحدة سوف تنتهي بأن تجد مصالحها مهددة في المنطقة. وهي كدولة عظمى لا تستطيع أن تضحي بمصالحها كليةً لحساب دولة أياً كانت أهميتها العاطفية، كذلك فإن الجانب العربي في طريقه لأن يضع حداً للتخلف الذي يفصله عن إسرائيل. وقد أثبتت مصر قدرتها على ذلك. ومصر في الأمد البعيد سوف تعود إلى الصف العربي لأنها تعلم أن هذا هو انتماءها. ومن ثم ولضمان أمنها ليس أمامها سوى تفجير العالم العربي وتحويله إلى العديد من الكيانات ذات الطابع الطائفي أو الديني. مثل هذا التفجير سوف يسمح لإسرائيل بتحقيق هدفين في آن واحد: من جانب سوف تجد تبريراً لها في عالم يسوده مفهوم الدولة الطائفية، فإسرائيل نفسها ليست دولة علمانية وهي من ثم سوف تخلق التجانس بين منطق وجودها والمنطق السياسي الذي سوف يسود المنطقة في تلك اللحظة، وهي من جانب آخر سوف تلهي القيادات لمدة خمسين عاماً في خلافات محلية حول الحدود والأطماع المتعلقة بالممرات المائية والثروات البترولية وما عداها. وفي خلال ذلك تستطيع أن تؤمن لنفسها التطور الذي سوف يسمح لها بأن تحقق أهدافها البعيدة المدى والمتعلقة بالسيطرة الكاملة والتحكم في المنطقة الممتدة من المحيط الهندي حتى المحبط الأطلسي.

стр. 8262

ولا يستثني هذا التصور مصر، رغم أنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي ظلت ستة آلاف عام تمثل تماسكاً قومياً ثابتاً. فإسرائيل تعلم أن المخاطر التي يتعرض لها الكيان الصهيوني إن ظلت مصر في تماسكها أولاً، وفي تَضخُّمها الديموجرافي ثانياً، وفي تَقدُّمها التكنولوجي ثالثاً هي مخاطر قاتلة. فمصر وحدها تستطيع، إذا قدرت لها القيادة الصالحة على تعبئة القدرات والاستخدام الأمثل للإمكانيات، أن تقضي على إسرائيل. وهي لذلك أكثر إلحاحاً في تطبيق مفهومها للتجزئة على مصر. إن الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي بهذا الخصوص واضح ولا يعرف أي غموض، ولكن التساؤل المطروح هوترتيب تعامله مع المنطقة من هذا المنطلق، كما أنه يحاول أن يطوع الإدراك الأمريكي ليجعل السياسة الأمريكية إن لم تقف موقف المساندة لمثل هذه الإستراتيجية فعلى الأقل أن تتجنب الرفض. ومما لا شك فيه أن السياسة الإسرائيلية تسير بوعي حقيقي أساسه ألا تتسرع في خطواتها وألا تلهث وراء تحقيق أهدافها وأن تنتظر اللحظة المناسبة عندما يصير الموقف ناضجاً لتدفع عجلة التطور، وهي تعلم أن اقتطاف ثمرة سياستها في حاجة بدوره إلى حنكة معينة. والواقع أن المتتبع للدبلوماسية الصهيونية ـ وليس السياسة الإسرائيلية ـ يلحظ أنها أعدت لدبلوماسية الدولة اليهودية بهذا الخصوص بكثير من بُعد النظر عندما عملت على تحويل النظام القومي العربي إلى نظم داخلية متعددة ولو في النطاق الاقتصادي.

стр. 8263

إن مفهوم إسرائيل للسلم هو أنه وسيلة لأن تستوعب في النظام الإقليمي بحيث يصير الوجود الصهيوني بجانب الوجود العربي في كل ما له صلة بإدارة المرافق الإقليمية حقيقة قائمة وثابتة ودائمة، بحيث يتعود العالم العربي على التعامل المباشر مع العنصر الإسرائيلي. هذه هي المقدمة الأولى لإمكانية التغلغل في الاقتصاد الإقليمي وتوجيه خيرات المنطقة نحو المصالح الصهيونية. ولعل هذه الناحية هي التي تفسر كيف تسير السياسة الإسرائيلية بهذا الخصوص بتدرج متتابع من مبدأ خطوتين إلى الأمام وخطوةإلى الخلف. والواقع أن إسرائيل تعلم بأن مستقبلها من حيث التقدم الاقتصادي يتوقف على فتح أبواب التعامل المباشر مع المنطقة العربية. فهي لذلك تسعى لخلق سوق مشتركة إقليمية تقوم على مبدأ التعاون المباشر بين التكنولوجيا الإسرائيلية والعمالة المصرية ورأس المال العربي. هذه السياسة ستحقق ثلاثة أهداف في آن واحد: ١ ـ هي مقدمة لاستيعاب النظام الإقليمي العربي، ومن ثم فبدلاً من أن يبتلع الجسد العربي الكيان الصهيوني تستوعب إسرائيل الجسد العربي من خلال التحكم في شرايينه الحيوية. ٢ ـ كذلك فإن هذه السياسة منطلق أساسي للسيطرة. فعقب السيطرة الوظيفية من خلال التحكم في الشرايين والمفاصل تأتي السيطرة الاقتصادية بفضل الاستجابة لمتطلبات الحياة اليومية من حيث الاستهلاك وتقديم الخدمات، وجميع هذه المداخل لابد أن تفرض التبعية السياسية. ٣ ـ هذه السياسة لن تحدث نتائجها في التعامل مع الجسد العربي فقط بل كذلك مع كل من يريد التعامل مع ذلك الجسد. ومن ثم تصير هذه السياسة، وقد أضحت قوة ضاغطة، لا في مواجهة أوربا الغربية فقط بل كذلك في مواجهة الولايات المتحدة، وهو ما سوف يخلق وضعاً يفرض على أية قوة كبرى تريد أن تتعامل مع المنطقة أن تتعامل أولاً وأساساً من خلال الإرادة الإسرائيلية. الإستراتيجية الصهيونية/الإسرائيلية Zionist-Israeli Strategy

стр. 8264

تنبع الإستراتيجية الإسرائيلية من الصيغة الصهيونية الشاملة (شعب عضوي منبوذ لا نفع له، يتم نقله خارج أوربا ليتحوَّل إلى عنصر نافع يقوم على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية، نظير أن تقوم الدول الغربية بدعمه وضمان بقائه واستمراره) . ويتطلب تطبيق هذه الصيغة عمليتي نَقْل سكاني: نَقْل بعض أعضاء الجماعات اليهودية من المنفى إلى فلسطين، ونَقْل العرب من فلسطين إلى أي منفى. وتترجم هذه الصيغة نفسها على مستوى الإستراتيجية إلى رؤية للذات (الوافد المستوطن) ورؤية للآخر (السكان الأصليين) وطبيعة العلاقة بينهما وكيفية حسم الصراع. فعلى مستوى الذات تنبع الرؤية الإستراتيجية الصهيونية/الإسرائيلية من الإيمان بأن اليهود شعب واحد، وأن المستوطنين الصهاينة هم طليعة هذا الشعب، وأن مركزه هو الدولة الصهيونية في فلسطين المحتلة. هذه الدولة ستُنصِّب نفسها الحامية والراعية للشعب اليهودي بأسره أينما كان، وهي ملجأ لهذا الشعب حينما يضيق عليه الخناق. ولكن الشعب اليهودي في المنفى هو مجرد هامش وجزء، فالكل والمركز هو المستوطن الصهيوني والمستوطنون الصهاينة فهم الذين سيقومون بتخليص "الأرض القومية" من السكان الأصليين، ولابد أن تتم تنشئة أبنائهم تنشئة قومية صارمة تستند إلى وعي عميق بالمشروع الصهيوني، وبذلك تتبلور شخصيتهم القومية، ويتخلَّصون من أدران المنفى ومن طفيلية الشخصية اليهودية الجيتوية، ويحققون قدراً كبيراً من التماسك الحضاري والعرْقي، ويحافظون على سيادتهم كشعب يهودي مستقل.

стр. 8265

ورغم أن أعضاء هذا الشعب اليهودي منتشرون في أنحاء الأرض وسيأتي كل واحد منهم حاملاً هوية حضارية مختلفة، فإنهم سيتم صهرهم في بوتقة واحدة ليصبحوا شعباً واحداً بحق (وهذا الجانب من الإستراتيجية الصهيونية هو مجرد ادعاءات أيديولوجية براقة تُستخدَم في الدعاية. وقد تم إسقاطها تماماً من الخطاب الصهيوني في السبعينيات ولم يَعُد لها من صدى إلا في كتابات بعض المتزمتين الهامشيين) . وبما أن المستوطنين الصهاينة سيعيشون في بيئة معادية لهم، فإنهم كجماعة بشرية لابد أن يحققوا تفوقاً اقتصادياً (صناعياً وزراعياً) وأن يؤسسوا قاعدة تكنولوجية عصرية لتحقيق الاكتفاء الذاتي. ولابد أن يتمتع المستوطنون بمستوى معيشي مرتفع لضمان بقائهم حسب الشروط الصهيونية ولضمان بقاء الدولة الصهيونية (داخل حدودها التي لم يتم تحديدها) وحتى يمكن إغراء المزيد من المهاجرين للقدوم إليها. ويتطلب المشروع الصهيوني توثيق العلاقة مع يهود العالم باعتبارهم مصدراً أساسياً من مصادر الدعم السياسي والمالي والمادة البشرية الاستيطانية. هذه هي رؤية الذات، أما بالنسبة لرؤية الآخر، فالعالم بالنسبة للصهاينة يشكِّل دائرتين حضاريتين أساسيتين متعارضتين وإن تداخلتا جغرافياً. أما الدائرة الأولى فهي العالم الغربي الذي يضم غالبية يهود العالم. ورغم أن هذا العالم الغربي هو الذي اضطهد اليهود عبر تاريخهم، ونكَّل بهم وبآبائهم، فإن الصهاينة يتناسون هذا تماماً (إلا في مجال زيادة ما يُسمَّى «الوعي اليهودي» ومحاولة تعميق الإحساس بالذنب في الوجدان الغربي حتى يتسنى توظيفه في خدمة الصهاينة) ويحصرون عداءهم للغرب في ألمانيا النازية.
следующие страницы →