← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

ورغم عسكرة المجتمع الإسرائيلي على المستويين السياسي والاقتصادي إلا أن مكانة المؤسسة العسكرية قد اهتزت قليلاً في الآونة الأخيرة. فرغم أن هذه المؤسسة تشكل وحدة متماسكة فإن العنصر الإشكنازي هو العنصر المهيمن فيها، هيمنته على الدولة الصهيونية ككل. أما السفارد واليهود الشرقيون فوضعهم مترد. فرغم أن بعض اليهود الشرقيين قد تم تصعيدهم واحتلوا مناصب قيادية مهمة فإن معظم هذه المناصب القيادية تظل في يد الإشكناز بالدرجة الأولى. كما أن ثمة أبواباً خاصة تُفتَح لليهود الإشكناز والغربيين وحدهم في أسلحة بعينها مثل المخابرات والطيران وغيرها من الأجهزة الحساسة التي تفضي إلى وضع اجتماعي بارز بعد التسريح. كما أن الترقيات لا تُمنَح بيسر لغير الإشكناز والغربيين وهو ما يُعتبَر نوعاً من إغلاق أبواب الحراك الاجتماعي أمام السفارد، وهو ما يعني ترجمة التمييز العنصري لواقع طبقي، وتحوُّل المؤسسة العسكرية من بوتقة للصهر وآلية كبرى من آليات الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وقمع أهلها إلى حلبة أخرى للصراع بين السفارد والإشكناز. وإذا كان مناخ الحرب يساعد على استمرار ومركزية المؤسسة العسكرية في حياة الإسرائيليين، فإن ظهور مؤسسات أخرى تحمل صور الريادة (جماعات المثقفين ـ الشركات ـ معامل الأبحاث ـ الجامعات) خفَّف من انفراد المؤسسة العسكرية بهذه الصورة الريادية. وأدَّت هزيمة الجيش الإسرائيلي العسكرية في أكتوبر ١٩٧٣ وفي جنوب لبنان وعجزه أمام الانتفاضة، إلى اهتزاز مكانة المؤسسة العسكرية والكثير من رموزها، وضرب نظرية الأمن الإسرائيلي. وساهمت عملية التسوية الجارية للصراع العربي الإسرائيلي إلى إضعاف مكانة الجيش الإسرائيلي في الأوساط الإسرائيلية. كما أن تَصاعُد معدلات التوجُّه نحو اللذة والاستهلاك جعل كثيراً من الشباب ينصرف عن الخدمة العسكرية ويهرب منها.

стр. 8192

وفي الآونة الأخيرة لوحظ تدهور وتأزم العلاقات بين المؤسسة العسكرية ورئيس الوزراء الإسرائيلي المنتخب بشكل مباشر بنيامين نتنياهو، ويعود هذا إلى سعيه لوضع إطار جديد لطبيعة الدور الذي تمارسه المؤسسة العسكرية في النظام السياسي الإسرائيلي لتصبح إحدى أدوات القوة الشاملة للدولة، وليس الفاعل الأساسي فيها، بمعنى أن يصبح الجيش الإسرائيلي "قوة احتراف" وليس "قوة ضغط سياسي". وهذا الموقف يتناقض مع إعلاء نتنياهو شعار "الأمن قبل السلام" الذي يفترض زيادة دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية. ولكن نتنياهو يتحرك لإحداث تغيير في جوهر النظام السياسي الإسرائيلي ليكون أقرب إلى النظام الرئاسي (إنشاء بيت أبيض إسرائيلي) ، فيقوم بالتشاور مع مجموعة موالية له شخصياً، ثم يتخذ القرارات كافة دون أن يكون للمؤسسات المعنية أي دور وضمن ذلك المؤسسة العسكرية. وقد أدَّت أحداث نفق الأقصى واتفاق الخليل إلى اهتزاز ثقة الجيش في قدرة القيادة السياسية على إدارة الأمور. وعندما جاء نتنياهو إلى الحكم كان الجيش الإسرائيلي قد تكيف مع مقتضيات عملية التسوية وفق مبدأ مدريد، حيث أعاد رسم مواقع تمركزه وخطوط الاتصال في الضفة وغزة على نحو يتوافق مع عمليات إعادة الانتشار، ويعود ذلك إلى التوافق بين حزب العمل والجيش بشأن خطوات الاتفاق الأمني في الضفة وغزة والجولان. ورغم سعي نتنياهو لمصالحة المؤسسة العسكرية بالموافقة على زيادة الإنفاق العسكري وتأكيده ضرورة الاهتمام ببناء وتطوير جيش الدفاع، إلا أنه سيستمر في سعيه لجعل الجيش الإسرائيلي يتجه نحو الاحتراف، وتهميش دوره السياسي.

стр. 8193

لكن عسكرة المجتمع الإسرائيلي لا تعني هيمنة المؤسسة العسكرية عليه وتغلغل عناصرها في الهيكل السياسي والاقتصادي للدولة الصهيونية وإنما هو أمر أكثر عمقاً. ومن يدرس الظواهر الإسرائيلية ابتداءً من النظام التعليمي وانتهاءً بأكثر الأمور تفاهة، سيُلاحظ الأبعاد العسكرية خلفها. فالبُعد الاستيطاني مرتبط تماماً بالبُعد العسكري، والهاجس الأمني (أي محاولة قمع السكان الأصليين) يسيطر على السياسة العامة في كل القطاعات، وعلى سلوك الإسرائيليين، بل على أحلامهم وأمراضهم النفسية، فالمجتمع/القلعة لابد أن يكون مجتمعاً عسكرياً يحاول أن يحتفظ بالمادة البشرية في حالة تأهب عسكري دائم، إذ يُحتِّم البقاء حسب الشروط الصهيونية قَهْر العرب. اليهود الشرقيون (السفارد) والنظام السياسي الإسرائيلي Oriental Jews (Sephard) and the Israeli Political System أسس صهاينة شرق أوربا الإشكناز الجيب الصهيوني فهم الذين قاموا بالاستيلاء على أرض فلسطين وطرد سكانها وهم الذين أعلنوا قيام الدولة الصهيونية. ولكن الدولة شيء والمجتمع الاستيطاني شيء آخر. وحتى يتم تأسيس مجتمع متكامل، كان ضرورياً ضم مادة بشرية من العمال والفلاحين الذين يقومون بالأعمال الإنتاجية لشغل قاعدة الهرم الإنتاجي. وبما أنه كان هناك أعمال استنكف الإشكناز عن القيام بها قامت الحركة الصهيونية بتهجير اليهود العرب بالوعد أحياناً وبالوعيد أحياناً أخرى ليضطلعوا بهذه المهمة. وقد نجح الصهاينة في إنجاز هذا الجزء من مخططهم، إلى حدٍّ بعيد، بسبب عمالة بعض الحكومات العربية وجهل بعضها الآخر، وبسبب الوضع المبهم للجماعات اليهودية في العالم العربي بعد تأسيس الدولة الصهيونية التي ادعت أنها دولة يهودية تتحدث باسم كل يهود العالم وتمثلهم وتدافع عن مصالحهم!

стр. 8194

وكان اليهود الشرقيون يشكلون في أواسط القرن التاسع عشر الأغلبية الساحقة من يهود فلسطين، لكن بعد تدفُّق الهجرة اليهودية الصهيونية من دول أوربا تقلصت نسبتهم فأصبحوا أقلية (أقل من ١٠%) من بين مجموع السكان اليهود قبل سنة ١٩٤٨. ولكن التحول في الاتجاه الآخر تم بعد قيام إسرائيل حيث هاجر عدد كبير من اليهود الشرقيين (السفارد) في موجات شعبية واسعة، فازداد عددهم بصورة سريعة، وشكلوا في أوائل السبعينيات نحو نصف سكان إسرائيل اليهود. وأكبر الطوائف الشرقية في إسرائيل هم اليهود المغاربة يليهم بالترتيب: العراقيون واليمنيون والإيرانيون. ولا يزال أبناء هذه الجماعات يحافظون، بصفة عامة، على كثير من عادات وتقاليد الأقطار التي جاءوا منها فهم يفهمون لغاتها إضافة إلى تَكلُّمهم العبرية. وتصنف الإحصاءات الإسرائيلية السكان اليهود وفقاً لبلد الأصل (أي وفقاً لمكان ولادة الشخص ومكان ولادة أبيه) إلى ثلاث جماعات إثنية رئيسية: ١ ـ الإشكناز: وهم المولودون في أوربا وأمريكا والمولودون في إسرائيل لآباء من مواليد أوربا وأمريكا. ٢ ـ السفارد: وهم المولودون في آسيا وأفريقيا والمولودون في إسرائيل لآباء من مواليد آسيا وأفريقيا. ٣ ـ يهود أبناء البلد: وهم يهود وُلدوا هم وآباؤهم في البلد (فلسطين المحتلة) . وقد استمر الإشكناز أغلبية حتى أوائل الستينيات بنسبة ٥٢.١% عام ١٩٦١، ولكن في مطلع السبعينيات تفوقت عليها نسبة السفارد فصارت النسبة ٤٤.٢% من الإشكناز مقابل ٤٧.٤% من السفارد عام ١٩٧٢. وبقي الأمر على ذلك حتى تدفُّق هجرة اليهود السوفييت حيث رجحت كفة الإشكناز قليلاً، كما أن اليهود المولودين في البلد (فلسطين ثم إسرائيل) ارتفعت نسبتهم حتى أصبحوا أغلبية السكان بنسبة ٦٠.٩% عام ١٩٩٣. (ويعود التناقض فى الأرقام إلى الاختلاف فى طريقة التصنيف والاحصاء) .

стр. 8195

وقد ظهرت أزمة التفرقة بين الإشكناز والسفارد فيما يتعلق بالتقسيم الطبقي أو التوزيع المهني، وبناء على ذلك المعيار يمكن التمييز بين خمس شرائح أو خمس جماعات تحتل درجات مختلفة في السلم الطبقي، ويمكن ترتيب هذه الشرائح من أعلى إلى أسفل كما يلي: ١ ـ مواليد البلد الغربيون (مواليد البلد لآباء من مواليد أوربا وأمريكا) . ٢ ـ يليهم المهاجرون الغربيون (مواليد أوربا وأمريكا) ، وتمثل هاتان الفئتان الطائفة الإشكنازية. ٣ ـ أبناء البلد (مواليد البلد لآباء من مواليد البلد) . ٤ ـ مواليد البلد الشرقيون (مواليد البلد لآباء من مواليد آسيا وأفريقيا) . ٥ ـ مهاجرون شرقيون (مواليد آسيا وأفريقيا) . وهاتان الفئتان الأخيرتان تمثلان السفارد. وبذلك فإن السفارد يحتلون مؤخرة السلم الطبقي بينما يحتل الإشكناز قمته. فالتقسيم الطبقي يتأثر ببلد الأصل أكثر من تأثره بالأقدمية في البلد، وذلك لأن اليهود الغربيين سواء كانوا من مواليد البلد أو من مواليد الخارج هم أعلى طبقياً من اليهود الشرقيين سواء كانوا من مواليد البلد أو من مواليد الخارج، أما المواطنون العرب فهم يشكلون الشريحة السادسة. ومن المؤشرات التي تبرز التفاوت الاقتصادي والاجتماعي أن المدن والأحياء الفقيرة ما زال سكانها من السفارد وهي تعاني من البطالة أكثر من المعدل العام في إسرائيل. فنسبة البطالة في مدينة يوروحام في النقب (سفارد) حوالي ١٢.٥% أي حوالي أربعة أضعاف نظيرتها في تل أبيب (إشكناز) وهي ٣.٥%. كما أن راتب اليهودي السفاردي يعادل ٦٨% من راتب اليهودي الإشكنازي. ويبلغ عدد الطلاب في الجامعات من السفارد ٢٥% فقط من المجموع العام، ونسبة من يحمل شهادة الدكتوراه من السفارد هي ١٨% مقابل ٨٢% للإشكناز.

стр. 8196

ومن جوانب التفرقة على الصعيد الثقافي أن من النادر أن تُمنَح جائزة إسرائيل في فروع المعرفة لأي سفاردي، ففي عام ١٩٩٧ مُنحت الجوائز لـ ١٥ شخصاً ليس بينهم سفاردي واحد. فمنذ البداية رفض الإشكناز ثقافة السفارد الشرقية، وألصقوا بهم أحكاماً مسبقة سلبية، وتحفظوا على الارتباط بهم. لذلك يحتج السفارد بأن تاريخهم الذي يمتد لقرون طويلة في البلاد الشرقية لا يُدرَّس وإن دُرِّس فهو لا شيء بالنسبة إلى تاريخ الإشكناز في الكتب المقررة في المدارس التي تركز خصوصاً على تاريخ اليهود الحديث. واليهود الإشكناز كانوا يريدون تأسيس الدولة والمجتمع على النمط الأوربي العلماني ليس للدين والتقاليد مكان فيها، ولذلك عندما أُدين زعيم حزب شاس الديني إرييه درعي في فضيحة بارعون دون غيره من السياسيين الإشكناز في مايو ١٩٩٧ هاجم الحركة الصهيونية (فالهجوم عليها هو هجوم على الإشكناز) قائلاً: "إن الصهيونية حركة هرطقة، تهدف إلى خلق يهودية جديدة، وهي مصممة على تدمير التوراة وتدمير ديننا وتدمير تراث اليهود السفارد". وقال عوفادياه يوسف الزعيم الروحي للحزب مخاطباً الإشكناز: "متى تحررون أنفسكم من كره الدين وكره السفارد؟ وإلى متى تستمر معاناة السفارد؟ ". وتم تشبيه درعي بدريفوس، أي أن الإشكناز ـ حسب هذه الصورة المجازية ـ هم الأغيار، بل أطلق أحد الحاخامات صفة "نازي" على المدعي العام، وتم تنظيم المؤتمرات والمظاهرات احتجاجاً على القرار. ويشير كثير من السفارد إلى «الإشكي نازي» ليبينوا طبيعتهم العنصرية.

стр. 8197

وقد ظهر السفارد في الحياة السياسية الإسرائيلية في الخمسينيات حين قاموا بالمظاهرات والاحتجاجات ذات الطابع السلمي، ولكنها في السبعينيات اتسمت بشيء من العنف. وكان انتخاب السفارد لحزب الليكود (رغم وجود الإشكناز على قمته) وإيصاله إلى السلطة لأول مرة أحد أشكال الاحتجاج المهمة، لأن حزب العمل هو حزب الإشكناز بامتياز. وقد وصل الاحتجاج ذروته في الثمانينيات وهي الفترة التي تأسَّس فيها حزب شاس، حيث تصاعدت قوته الانتخابية وحصل على ١٠ مقاعد في انتخابات عام ١٩٩٦. الحرس القديم Old Guard «الحرس القديم» مصطلح في الخطاب السياسي الإسرائيلي يشير إلى أعضاء النخبة الحاكمة الإسرائيلية من بين أعضاء الجيل المؤسس. ويمكن النظر إلى التجمُّع الصهيوني في فلسطين من منظور جيلي، فقد تعاقب على قيادة ذلك التجمُّع ثلاثة أجيال بينها كثير من الاختلافات والتشابهات في الفكر أو السلوك، وهو ما يفرز قيادات ذات رؤى مختلفة. وقد برز الصراع على السلطة بشكل واضح على أكثر من مستوى إثر قيام الدولة الصهيونية، وكان أحد هذه المستويات، ولا يزال، هو الصراع بين أعضاء الجيل المؤسس (أو «الآباء المؤسسين» أو «الرواد» ) ممن يُطلَق عليهم اسم «الحرس القديم» ، من جهة، ومن جهة أخرى، أعضاء الجيل الذي يليه، (أو «جيل بناء الدولة» ) ممن يُطلَق عليهم اصطلاح «الحرس الجديد» . ثم جاء أخيراً أعضاء «النخبة الجديدة» (ويُطلَق عليهم أحياناً اسم «جيل القوة» ) .

стр. 8198

تصدَّر الحرس القديم الحياة السياسية في المستوطن الصهيوني قبل إعلان الدولة الصهيونية وفي العقدين الأولين التاليين لتأسيسها. ويتسم أفراد الحرس القديم - الذين أتى معظمهم مع موجتي الهجرة الاستيطانية الثانية والثالثة - بصفات معينة وسمات بعينها. فهم جميعاً يعودون إلى أوربا الشرقية، من حيث الأصل الجغرافي، كما أن معظمهم حصل على تعليم متوسط فقط. وقد لعبت هذه الشخصيات الدور الحاسم في صياغة واتخاذ كل القرارات الإستراتيجية على امتداد ربع القرن الماضي. فقد قام كل من ديفيد بن جوريون وموشي شاريت بدور حكومة الاثنين (من ١٩٤٨ - ١٩٥٦) ، بينما انفرد كل من إسحق سابير وليفي إشكول بمجال الاقتصاد، أما جولدا مائير فظلت تتولى مسئولية السياسة الخارجية لعقد كامل (١٩٥٦ - ١٩٦٦) إلى أن خلفها أبا إيبان. وإلى جانب انتماء كل أفراد الحرس القديم الأول إلى موجة هجرة واحدة، فإن الملاحظ أنه ليست هناك حدود فاصلة بينهم وأن تبادل الأدوار ظل مستمراً. لكن لوحظ في منتصف السبعينيات أيضاً أنه قد ظهر تحالف يضم العسكريين والسياسيين المحترفين حل محل الحرس القديم، وهكذا قيل إثر استقالة جولدا مائير وتولِّي إسحق رابين رئاسة الوزارة عام ١٩٧٤ إن أهمية هذا التطور تكمن في أنه يُعَد نهاية عصر بأكمله هو عصر الآباء المؤسسين، حيث تواجدوا على سطح الحياة السياسية الإسرائيلية. كما يُلاحَظ أنه تم استبعاد ممثلي الصهيونية التصحيحية تماماً، ولم تُتح الفرص أمام ممثلي اليهود الشرقيين للانضمام للنخبة الحاكمة. وتم تهميش العناصر الدينية.

стр. 8199

ويمكن القول بأن النقطة الأساسية في رؤية وسلوك ذلك الجيل المؤسس هي حلم الدولة وضمان وجودها، فالدولة التي أسسوها ليست بالضرورة كياناً مضموناً مهما بلغت من قوة، ولذلك كانت تسيطر على أعضاء هذا الجيل هاجسيان أساسييان: الهاجس الأمني وهاجس التماسك الداخلي، فأيَّ خلل في تصوُّرهم كان من الممكن أن يؤدي إلى زوال الدولة والعودة إلى الدياسبورا من جديد. بل إن حالة الاستقرار يمكن أن تؤدي إلى تفكك المجتمع الصهيوني. وقد عبَّرت تلك الهواجس عن نفسها لدى ذلك الجيل المؤسس في سلوكيات سياسية معينة كالإصرار على التوسع والإبقاء على حالة الحرب الدائمة، وخلق عدو مشترك على الصعيد الخارجي. ديفيد بن جوريون (١٨٨٦ - ١٩٧٣) David Ben Gurion زعيم صهيوني عمالي، وسياسي إسرائيلي من الحرس القديم، كان اسمه «ديفيد جرين» ثم غيَّره فيما بعد إلى «بن جوريون» أي «ابن الشبل» . وُلد في بلدة بلونسك ببولندا التي تقع في منطقة الاستيطان اليهودي في روسيا. نشأ نشأة يهودية تقليدية، وقضى سني حياته الأولى يدرس التوراة والتلمود وكُتُب الصلوات المختلفة في المدارس الحاخامية. وفي طفولته هذه، سمع عن ظهور الماشيَّح المخلِّص في شخصية صحفي نمسوي يُسمَّى تيودور هرتزل سيعود بشعبه إلى أرض الميعاد، وكان أول كتاب عبري يقرؤه هو كتاب حب صهيون لمابو.

стр. 8200

وقد بدأ بن جوريون نشاطه الصهيوني وهو بعد صبي في سن الرابعة عشرة، إذ كان أبوه عضواً في جماعة أحباء صهيون، وقد تأثر بن جوريون بأفكار بوروخوف، فانضم إلى جماعة عمال صهيون عام ١٩٠٤، وكان من بين معارضي مشروع شرق أفريقيا في مؤتمر الحزب. وقد حاول بن جوريون أن يُغيِّر اتجاه الحزب من التركيز على الجماعات اليهودية في العالم (خارج فلسطين) (مركز الدياسبورا) إلى التركيز على المستوطنين الصهاينة في فلسطين (مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا) . وبعد عامين، انضم إلى إحدى جماعات الدفاع اليهودية التي نُظِّمت في روسيا بعد حادثة كيشينيف. وقد هاجر إلى فلسطين عام ١٩٠٦ حيث بدأت أفكاره الصهيونية في التبلور، فطالب بتأكيد مركزية المستوطنين اليهود في حياة الجماعات اليهودية. وقد كان بن جوريون من دعاة بعث اللغة العبرية وإهمال اليديشية. وفي عام ١٩١٢، التحق بن جوريون بجامعة إستنبول لدراسة القانون على أمل أن يُمكِّنه هذا من المساهمة في تحويل فلسطين إلى وطن يهودي داخل الإمبراطورية العثمانية، وبعد تخرُّجه عاد إلى فلسطين حيث بدأ حياته عاملاً زراعياً وحارساً ليلياً.

стр. 8201

تَجنَّس بن جوريون بالجنسية العثمانية مع نشوب الحرب العالمية الأولى لكيلا يُطرَد لأنه رعية روسية ومعاد للعثمانيين. وحينما نفته السلطات التركية بسبب نشاطه الصهيوني الاستيطاني، رحل إلى مصر وقابل جابوتنسكي في الإسكندرية، وعارض في البداية فكرة الفيلق اليهودي على أساس أن هذا يُعرِّض اليهود الاستيطانيين في فلسطين لغضب العثمانيين وانتقامهم. وذهب إلى الولايات المتحدة حيث أسَّس جماعة الرائد وساهم في تكوين الفيلق اليهودي التابع للجيش البريطاني وعاد معه إلى فلسطين عام ١٩١٨ (ومعه مجموعة كبيرة من الاشتراكيين الصهاينة) . وقد اشترك مع كاتزنلسون في تأسيس الهستدروت، واقترح ألا يكون الهستدروت نقابة عمال وحسب بل وسيلة استيطان كذلك. وقد تولَّى بن جوريون رئاسة الهستدروت من عام ١٩٢١ حتى ١٩٣٢. وفي عام ١٩٣٠، ساهم في إنشاء الماباي، كما انتُخب عضواً في اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية عام ١٩٣٧. وفي عام ١٩٤٢، تبنَّت المنظمة الصهيونية، بمبادرة من بن جوريون، برنامج بلتيمور الذي كان هدفه المعلن إنشاء دولة إسرائيل. وفي عام ١٩٤٨، أشرف على تكوين رئاسة الحكومة المؤقتة قبل إعلان نهاية الانتداب، وقام بنفسه بإعلان بيان قيام إسرائيل. وقد كان بن جوريون أحد الذين نصحوا بعدم الإشارة إلى حدود الدولة وعدم إعلان الدستور حتى لا يضع حداً لمطامع إسرائيل التوسعية (فالجيش الإسرائيلي وحده ـ حسب تصوره ـ هو الذي سيعين الحدود) حتى يمكن إرضاء العناصر الدينية التي تَحالَف معها الماباي لتشكيل الوزارة، وطالب بجعل القدس عاصمة الدولة الجديدة. وفي عام ١٩٥٣، استقال وأعلن عزمه الاعتزال في النقب في مستعمرة سدي بوكر. ولكن بن جوريون تولَّى منصب رئيس الوزارة عدة مرات بعد ذلك كان آخرها عام ١٩٦٣، وقد كانت فضيحة لافون مسئولة عن عودته عام ١٩٥٥، بل اضطرته إلى دخول معارك سياسية مختلفة.

стр. 8202

وقد استقال بن جوريون من الماباي وكوَّن حزب رافي هو وأعوانه عام ١٩٦٥، وحينما انضم رافي للحكومة دخل بن جوريون هو وجماعة من أتباعه الانتخابات تحت اسم القائمة الرسمية، وقد فاز الحزب بأربعة مقاعد في الكنيست شغل بن جوريون أحدها، ولكنه استقال بعد سنة واحدة واعتزل السياسة. ورغم ما عُرف عن بن جوريون في الغرب من ليبرالية واشتراكية، فإنه يرفض الصيغة الاندماجية ويصفها بأنها حل مضلل ويائس يشبه «الوباء» . وتتسم كل أفكار بن جوريون بالتبسيط المتطرف والوضوح الشديد، فهو مثلاً يرى تاريخ اليهود على أنه عبارة عن صراع بين قوتين: الاستقلاليين الذين يقاومون خطر المؤثرات الأجنبية، والاندماجيون الذين يرضخون لها. أما الاندماجيون فكان نصيبهم النسيان والذوبان في الأمم الأخرى، ولم يبق سوى كتابات وتنبؤات أولئك الذين حافظوا على إيمانهم بإسرائيل، ورفضوا الاستسلام للقدر الذي أنزله بهم التاريخ (هذا تبسيط مخل، فلم "ينس" أحد أينشتاين أو فرويد وكافكا أو حتى فيلون) . ورفض «الجالوت» أو المنفى هو نقطة بدء عند بن جوريون، ففي رؤيته الميلودرامية الأسطورية للواقع والتاريخ، والتي لا يوجد فيها سوى خير خالص يتصارع مع شر خالص، نجد أن المنفى والتشتت هما الجحيم، وأن أرض الميعاد هي بالطبع الفردوس المفقود أو الدائرة التي يجب أن يعود إليها اليهودي) .

стр. 8203

ومرض المنفى أو الجالوت الخبيث (الذي وقع بعد ثورة بركوخبا وبعد "طرد" اليهود من فلسطين [تدل الوقائع التاريخية والإحصاءات السكانية أن عدد اليهود في حوض البحر الأبيض المتوسط يفوق عدد اليهود في فلسطين، "قبل" ثورة بركوخبا، أي أن الخروج من فلسطين تم بملء رغبتهم وإرادتهم] ) لا يصيب اليهود في أجسادهم فحسب (ومن الذي يقرر أنهم "مرضى"؟ لقد صدر كتاب هاوارد ساخار، المؤرخ الأمريكي اليهودي الصهيوني، بعنوان الدياسبورا، أي المنفى ولا يوجد فيه فصل عن أمريكا الشمالية، أم أنها ليست المنفى) ، بل يصيبهم في أرواحهم ونفوسهم أيضاً. ولذا فقد ظن يهود الولايات المتحدة الحاصلون على حقوقهم السياسية والمدنية كاملة أنهم مواطنون أسوياء، ولكنهم في الواقع مرضى منفيون في داخل دولتهم. بل إن بعض الإسرائيليين الذين يعيشون داخل حدود الدولة اليهودية هم أيضاً منفيو الروح. ويصف بن جوريون بشيء من التفصيل «مرض المنفى» (في إحدى محاوراته مع موشي بيرلمان الكاتب الإسرائيلي) ، وأولى سمات الحياة في الدياسبورا ـ حسب تصوُّر بن جوريون ـ هو أن اليهود يعيشون كأقلية تعتمد بشكل أو بآخر على إرادة الأغلبية، عاجزين عن اتخاذ أي قرارا يتعذبون في أوربا وغير أوربا، شقاؤهم لم يبدأ بالنازيين ولم ينته بسقوطهم (إشكالية العجز وانعدام السيادة والمشاركة في السلطة التي تزعمها الأدبيات الصهيونية) . وهم يعيشون حياة اقتصادية هامشية، إذ لا تجد بينهم عمالاً ولا فلاحين، بل يشتغل معظمهم في المدن بعيداً عن مراكز الحيوية في أي حضارة، وأنهم أمة من البقالين والموظفين الذين يعملون بالأعمال الفكرية. وأخيراً يقع يهود المنفى الراغبون في الحفاظ على يهوديتهم في صراع بين ولائهم لحضارة الأغلبية السائدة، وولائهم لحضارتهم اليهودية التي تمتد جذورها إلى الماضي، ولذا يعيش يهود المنفى في ازدواج دائم.

стр. 8204

ويشير بن جوريون إلى التلمود الذي جاء فيه أن أي يهودي قادر على العودة لأرض الميعاد ويستمر في الحياة خارجها يُعَد كافراً ويكون كمن هجره الله، كما أنه يشير لحكماء اليهود القدامى الذين قالوا إن المكوث خارج أرض إسرائيل طواعية يُعدّ خطيئة دينية. ويخلص بن جوريون من كل هذا إلى أن حياة اليهود في الدياسبورا مستحيلة وأن "الحياة اليهودية الكاملة لن تتحقق إلا في دولة يهودية مستقلة، حيث يمكن للشعب اليهودي أن يصوغ حياته حسب حاجاته وقيمه، مخلصاً لشخصيته وقيمها، ولتراثها الماضي ولرؤيتها للمستقبل". ويهاجم بن جوريون في برنامجه «الثوري» حالة الاتكال والسلبية التي تتسم بها حياة اليهود في الدياسبورا. فاليهودي في الدياسبورا، كما هو حال معظم اليهود، بطل، ولكن بطولته مع هذا بطولة سلبية تأخذ شكل الاستسلام للقدر، كما أنه يتملكه إحساس بالعجز الإنساني، وإيمان بأن الخلاص لن يأتي إلا عن طريق الخالق. إن المنفى بالنسبة لبن جوريون يعني الاتكال، الاتكال السياسي والمادي والروحي والثقافي والفكري "ذلك لأننا غرباء وأقلية محرومة من الوطن ومقتلعة ومبعثرة عن الأرض وعن العمل والصناعة الأساسية، واجبنا هو أن ننفصل كليةً عن هذا الاتكال وأن نصبح أسياد قدرنا، علينا أن نستقل". ويُلخص بن جوريون برنامجه الثوري في أنه لا يرفض الاستسلام للمنفى فحسب، بل يحاول أيضاً إنهاءه على التو، وهو يعتقد أن هذا هو حجر الزاوية: "القضية الحقيقية هي الآن كما كانت في الماضي تتركز فيما إذا كان علينا أن نعتمد على قوة الآخرين أم على قوتنا". على اليهودي من الآن فصاعداً ألا ينتظر التدخل الإلهي لتحديد مصيره، بل عليه أن يلجأ للوسائل الطبيعية العادية (مثل الفانتوم والنابالم مثلاً) .

стр. 8205

ولكن ماذا لو رفض يهود المنفى أرض الميعاد، وقرروا البقاء في منفاهم كما فعل هاورد ساخار ويهود الولايات المتحدة والغالبية الساحقة من يهود العالم؟ هنا يتحرك الزعيم الصهيوني ويقرر أنه لو كان الأمر بيده لأرسل بعض الشباب اليهودي متنكرين ليرسموا الصلبان المعقوفة على المعابد اليهودية، حتى يلقوا الرعب في نفوس اليهود الذين يتمتعون بالحياة في المنفى ليهاجروا إلى أرض الميعاد. وحينما كان بن جوريون وزيراً للخارجية وعضواً في المنظمة الصهيونية قام عملاء المنظمة بإطلاق النار على يهود العراق حتى يهاجروا منها إلى إسرائيل. ولكن متى تمت عودة اليهود للفردوس، لإسرائيل، سيكون كل شيء يهودياً: الكتب يهودية، والعمل يهودي، والأبحاث العلمية التي تدرس طبيعة الأرض يهودية. وقد خلق الصهاينة بالفعل في الفردوس الصهيوني الحقل اليهودي، والطريق اليهودي، والمصنع اليهودي، والمنجم اليهودي، والجيش اليهودي. بل إن كل القيم يهودية وكل الأفراد يهود في كل عضو في جسمهم، وكل خلجة في قلوبهم. (عرَّف نحمان بياليك، الشاعر الصهيوني، بأن تطبيع الشخصية اليهودية يعني ظهور البغيّ اليهودية والشرطي اليهودي!) .

стр. 8206

والانعتاق الذاتي من المنفى الداخلي والخارجي يكون عن طريق العودة للطبيعة وللأرض: "إن أية أمة مستقلة لابد أن تضرب جذورها في أرض الآباء، تزرعها بأصابعها وتشارك في كل عمل يتطلبه وجودها" (وهذا هو الفكر القومي العضوي) . وفي الطبيعة وحدها يمكن لليهودي أن يستعيد إنسانيته المهرقة، كما أنه يمكنه أن يسترجع قواه الخلاقة. ولن يقضي على شخصية اليهودي الهامشية التجارية، شخصية السمسار، سوى العمل العبري في الزراعة، ولذا يتخيل بن جوريون أن العودة لأرض الميعاد هي عودة للطبيعة تنم عن الرغبة في الاتحاد بالوجود يقول: "نهيق الحمير في الحظائر، نقيق الضفادع في البرك، رائحة الزهور المتبرعمة، همس البحر البعيد، ظلال البيارات الآخذة في الإظلام، سحر النجوم في السماء العميقة الزرقة، السماوات البعيدة والمتألقة في نعاس ... كل شيء أصابني بالنشوة. آه إنني في أرض إسرائيل. طوال الليل جلست وناجيت السماء". وكل يهودي يبتعد عن تلك الأرض وعن هذه الطبيعة يحمل في قلبه ذكرى هذه الأرض. بل إن بن جوريون يعتقد أن هذه العودة للطبيعة وللبراءة هي المعنى الأساسي للصهيونية. ولكن هل هذه الطبيعة حقاً بدائية؟ وهل هي حقاً أرض فراغ تنتظر الفيلسوف الصهيوني الرومانسي ليذهب إليها، لتشحذ قواه الخلاقة وليفرض إرادته عليها وليرغمها أن تمنحه ثمارها؟ وهل هي ـ في حقيقة الأمر ـ أرض بلا شعب؛ طبيعة عذراء تمكنه من التأمل في هدوء وتساعده على التركيز، وتدفعه إلى أن يفكر بشكل بسيط وواضح؟ كل هذه الأسئلة يجيب عليها بن جوريون بالإيجاب نظرياً، ولكن عملياً يعرف بن جوريون، كما يعرف غيره من الصهاينة، أن أرض الميعاد تمور بالعرب وأن على كل حجر توجد بصمة عربية ولذا كان لابد من التأمل ولكن لابد أيضاً من الزراعة المسلحة لابد من الحالوتسيم: الرواد.

стр. 8207

الهجرة الشعبية (أي الاستيطانية) في تصوُّر بن جوريون لا تعمل حساباً للتاريخ بل تتجاهل الزمان تماماً وتنساب إلى المكان الذي خلقت فيه ظروف مواتية لاستيعابهم (أي مكان الاستيطان) وهكذا تحل صهيون الاستيطانية محل صهيون القلب. إن عدم أخذ التاريخ أو الظروف القائمة في الحسبان مسألة جوهرية بالنسبة لبن جوريون فهو يتحدث بإسهاب عن الإرادة ودورها ويصف الحالوتسيم بأنهم محاربون بناؤون يكرسون كل قواهم لتحقيق أهدافهم. وتكتسب هذه العبارات الرومانتيكية معنى واضحاً للغاية، حين يقارن بن جوريون الرواد الصهاينة (أي المستوطنين الصهاينة الأول) بالمستعمرين الأول في أمريكا الذين ذهبوا إلى العالم الجديد مسلحين برؤية ظنوها إلهية، تماماً مثل الصهاينة. ثم يتحدث بن جوريون عن أحزانهم ومتاعبهم التي تحملوها، ثم عن المعارك الضارية التي خاضوها ضد الطبيعة الوحشية والهنود الأكثر وحشية، وعن التضحيات التي قدموها قبل أن يفتحوا القارة "للهجرة الشعبية" والاستيطان. والطريقة التي تحدث بها بن جوريون عن العالم الجديد تبيِّن أنه يعتبر أن الهنود إن هم إلا جمادات أو جزء من الخلفية الطبيعية التي يجب على الرواد هزيمتها وتعديلها لتلائم احتياجات المهاجرين من أنصاف الأنبياء.

стр. 8208

ويعترف بن جوريون نفسه أنه منذ بدأ الاستيطان في أرض الميعاد، الخاوية الطبيعية البدائية، وهو مرتبط تمام الارتباط بالدفاع. ويكتب بن جوريون واصفاً حياة الرواد في هذه الكلمات: "كنا ننتظر مجيء الأسلحة ليلاً ونهاراً، ولم يكن لنا حديث إلا الأسلحة، وعندما جاءتنا الأسلحة، لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا، كنا نلعب بالأسلحة كالأطفال ولم نعد نتركها أبداً ... كنا نقرأ ونتكلم والبنادق في أيدينا أو على أكتافنا". ويبيِّن بن جوريون أنه حتى الآن في إسرائيل يتخذ التعليم الزراعي طابعاً عسكرياً إذ أن له هدفين: واحد زراعي والآخر عسكري، كما أنه يعلن الدور الذي يلعبه الجيش الإسرائيلي في عملية الريادة والاستيطان: "لقد أثبت الجيش كفاءته في عملية الريادة، فقد درب آلاف الشبان والشابات على الحياة في المزارع كما شيَّد الكيبوتسات على الحدود مع قطاع غزة وفي النقب والخليل". والعنف عند بن جوريون يكتسب بُعداً خاصاً ويصبح غاية في حد ذاته، بل وسيلة بعث حضاري إذ يقول: "بالدم والنار سقطت يهودا وبالدم والنار ستقوم ثانية". وعبارة بن جوريون مبنية على تصور جديد للشخصية اليهودية على أنها شخصية محاربة منذ قديم الأزل: "إن موسى أعظم أنبيائنا هو أول قائد عسكري في تاريخ أمتنا"، ومن هنا يكون الربط بين موسى النبي وموشي ديان مسألة منطقية بل حتمية، كما أنه لا يكون من الهرطقة الدينية في شيء أن يؤكد بن جوريون أن خير مفسر ومعلق على التوراة هو الجيش، فهو الذي يساعد الشعب على الاستيطان على ضفاف نهر الأردن مفسراً بذلك ومحققاً لكلمات أنبياء العهد القديم. وكتابات بن جوريون تزخر بإشارات إلى بركوخبا (البطل اليهودي) والمكابيين والغزو اليهودي لأرض كنعان وبطولات اليهود عبر العصور. بل إن خطابات بن جوريون الخاصة تعبِّر عن أحلامه العسكرية فهو يذكر في رسالة إلى ابنه أن الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها في فلسطين سيكون فيها أحسن جيش.

стр. 8209

وكمحاولة لتحقيق هذه الأحلام حينما جاءت الساعة، بذل بن جوريون قصارى وسعه لإنشاء القوة العسكرية الصهيونية، فقد كان من المنادين بفكرة اقتحام الحراسة (والعمل والزراعة والإنتاج) وأسس لذلك جماعة الحارس ثم الهاجاناه، وكان من بين المنادين بتسليح المواطنين اليهود. ولكنه كان يحاول دائماً ألا يصطدم بالقوة الإمبريالية الحاكمة الراعية، أي إنجلترا. وحينما اضطر إلى أن يفعل ذلك، حاول أن يُبقي الاصطدام عند حده الأدنى لتيقُّنه من أن العرب هم العدو الأساسي. وحينما أُنشئت الدولة، قام بحل المنظمات العسكرية الصهيونية كافة، مثل الإرجون والبالماخ، وضمها إلى الهاجاناه وحوَّلها جميعاً إلى جيش الدفاع الإسرائيلي. وقد شغل بن جوريون منصب وزير الدفاع في جميع الوزارات التي رأسها، كما ساهم في صياغة سياسة إسرائيل الخارجية وتأكيد دورها كحارس للمصالح الإمبريالية نظير الحماية الإمبريالية التي تحصل عليها. وفي إطار هذا، عقد تحالفاً مع فرنسا عام ١٩٥٥ وجهَّز لحرب عام ١٩٥٦ ليضرب الحكومة المصرية التي كانت آنئذ تمدُّ الثوار في الجزائر بالمساعدة. وقد استمر هذا خط أساسياً للسياسة الخارجية الإسرائيلية حتى وقتنا الحاضر. وقد لعب بن جوريون دوراً مهماً في مسألة المطالبة بالتعويضات الألمانية مثل الدور الذي لعبه إلى جانب غيره من العماليين في إفشال المعارضة اليهودية لاتفاقية الهعفراه المبرمة بين المنظمة الصهيونية العالمية والحكومة النازية، وقضى أيام حياته الأخيرة في كيبوتس سدى بوكر يكتب تاريخاً لليهود في العصر الحديث، وشرحاً للتوراة.

стр. 8210

والمُلاحَظ أن بن جوريون كان متأرجحاً في أفكاره السياسية إذ كان يصرح أحياناً بضرورة التنازل عن كل الأراضي المحتلة نظير السلام مع العرب، ولكنه في أحيان أخرى، بعد رؤية الانتصارات العسكرية الإسرائيلية، كان يصرح بوجوب الاحتفاظ بكل الأراضي. وتفسير ذلك أنه كان يستمد رؤيته للواقع والتاريخ والتوراة والتلمود من انتصارات الجيش الإسرائيلي. وينسى الكثيرون أن بن جوريون كان من أكبر الاشتراكيين الصهاينة وأن فكره "الاشتراكي" الصهيوني ملأ عدة مجلدات، ولكن اشتراكيته تنبع في الواقع من إيمان عميق بتفوق الشعب اليهودي ومن أحلامه المشيحانية، وهي أحلام عنصرية تستبعد غير اليهود وتجعل الاشتراكية وسيلة طيعة للاستيطان، لا مصدراً للقيم الإنسانية أو وسيلة للتعامل مع الواقع بكل أبعاده الطبيعية والتاريخية. ولبن جوريون عدة مؤلفات، من أهمها بعث إسرائيل ومصيرها (١٩٥٢) ، وإسرائيل: سنوات التحدي (١٩٦٣) . مناحم بيجين (١٩١٣-١٩٩٢ ( Menahem Begin زعيم صهيوني تصحيحي، تلميذ هرتزل وجابوتنسكي، وزعيم حزب حيروت وتحالف ليكود، وسياسي إسرائيلي من الحرس القديم، وهو عضو الكنيست وزعيم منظمة الإرجون السابق. وُلد في بولندا، وتَخرَّج في كلية الحقوق بوارسو ثم انضم إلى منظمة بيتار، وقد اعتقلته السلطات السوفيتية عام ١٩٤٠ ثم أطلقت سراحه وانضم إلى الجيش البولندي. وعند وصوله إلى فلسطين عام ١٩٤٢، تولَّى قيادة فرع منظمة بيتار هناك. وفي أواخر عام ١٩٤٣ تولَّى قيادة الإرجون التي اشتهرت بمذابحها ضد المدنيين الفلسطينيين.

стр. 8211

وقد شكل بيجين منظمة الإرجون التي تميزت عملياتها بالسعي المتعمد لإرهاب العرب وإخراجهم قسراً من فلسطين، أما عملياتها ضد بريطانيا فكانت محدودة، ولكن بيجين، مع هذا، يضخمها ويجعل منها أساطير وملاحم. وقد سببت تصرفات الإرجون بقيادة بيجين ضد حكومة الانتداب بعض الحرج للوكالة اليهودية (ورجال الهاجاناه) فهؤلاء كانوا على اتصال بحكومة الانتداب البريطاني يتلقون مساعداتها وينسقون معها للاستيلاء على فلسطين. فالوكالة اليهودية كانت لا تمانع في ممارسة ضغوط ضد حكومة الانتداب ولكن بأساليب أخف مما كان بيجين يريد، وبشكل أكثر مراوغة وصقلاً. ولكن التناقض الحقيقي بين الهاجاناه والإرجون لم يبدأ إلا حينما حاول بيجين إنشاء سلطة موازية لسلطة بن جوريون، فاستخدم بن جوريون القوة العسكرية المباشرة ضد الإرجون، ثم قام بضم مقاتليه إلى القوات النظامية للجيش الإسرائيلي.

стр. 8212

وفي عام ١٩٤٩، قام بيجين بتشكيل حزب حيروت الذي ورث شعارات بيتار والإرجون وليحي وفحواها أن الحد الأدنى لأرض إسرائيل هو ضفتا نهر الأردن، وأن القوة العسكرية هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الحد الأدنى، فهذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب. ودعا الحزب إلى الاقتصاد الحر وعدم تدخل الدولة في الانشاط الاقتصادي. وقد اعتمد الحزب على شخصية زعيمه مناحم بيجين وقدراته الخطابية الذي قاد المعارضة في إسرائيل وحصل منذ انتخابات الكنيست الثالثة على المرتبة الثانية من حيث القوة العددية، وأتيح له دخول الوزارة الائتلافية برئاسة ليفي إشكول عشية حرب ١٩٦٧. ثم انضم بيجين ثانيةً إلى حكومة جولدا مائير الائتلافية عام ١٩٦٩ ليشغل منصب وزير الدولة، ولكنه انسحب منها حين قبلت مبادرة روجرز في أغسطس عام ١٩٧٠، وعاد من ثم إلى قيادة المعارضة مسجلاً تقدماً مطرداً. ثم صعد تكتل الليكود، الذي أسسه عام ١٩٧٣، إلى المرتبة الأولى عام ١٩٧٧ (بسبب تداعيات حرب ١٩٧٣ وأصوات اليهود الشرقيين) . وقد استمر في معارضته انسحاب إسرائيل من أيٍّ من الأراضي العربية التي احتلتها في حرب عام ١٩٦٧.

стр. 8213

وقد ظهر بجلاء رفض العالم لتاريخه الدموي أثناء زيارته لإنجلترا في يناير عام ١٩٧٢، إذ أدانته الدوائر الإعلامية فيها نظراً للدور الذي لعبه في مذبحة دير ياسين. ومع هذا، تَعلَّم العالم الغربي الحديث المرن كيف يتعامل مع بيجين، فقد استقبلته كل الدول بعد أن فاز حزبه بالانتخابات عام ١٩٧٧ (على عكس ما حدث مع فالدهايم) . وأثناء رئاسته، قام بتغييرات اقتصادية نتج عنها تصاعُد المعدلات الاستهلاكية في إسرائيل. وقد تبادل هو والرئيس السادات الزيارات، وتم توقيع اتفاق كامب ديفيد وصار بيجين بطلاً للسلام وتقاسم مع السادات جائزة نوبل للسلام بعد عامين من بلوغه سدة الزعامة في إسرائيل (في نكتة شهيرة لجولدا مائير قالت: إن السادات وبيجين يستحقان جائزة أوسكار للتمثيل لا جائزة نوبل للسلام) . لقد التزم بيجين الفكرة الرئيسية التي التزمها القادة الصهاينة من قبل، وهي أن الصلح مع الدول العربية وفقاً للشروط الإسرائيلية مطلب إسرائيلي دائماً، وأن أساس هذا الصلح اعتراف العرب بالأمر الواقع ضمن ميزان القوة العسكرية القائم، ومضمون التعامل مع إسرائيل ككيان أصيل في المنطقة. فوافق بيجين على الانسحاب من سيناء مقابل انسحاب مصر من المواجهة مع إسرائيل والاعتراف بها اعترافاً كاملاً وتطبيع العلاقات. وأثناء حكومة بيجين تم ضرب المُفاعل النووي العراقي أثناء توليه رئاسة الوزارة.

стр. 8214

وقد أصيب بيجين بالاكتئاب ثم استقال من الوزارة بسب تورُّطه في حرب لبنان ( «المستنقع اللبناني» على حد قول الصحف الإسرائيلية) ، إذ يبدو أن شارون قد أقنعه أن القوات المسلحة الإسرائيلية ستقوم بعملية عسكرية صغيرة من النوع الجراحي الإجهاضي الذي تجيده! ولكن، كما هو معروف، لم تتمكن القوات المسلحة الإسرائيلية من إنجاز هدفها (تحطيم البنية التحتية لكل أعمال المقاومة الفلسطينية واللبنانية) ووجدت نفسها متورطة في حرب طويلة، وبدأت حركات الاحتجاج في إسرائيل. وقد خَلَفه شامير في الوزارة. واستقالة بيجين تذكِّر باستقالة بن جوريون وجولدا مائير اللذين استقالا مفجوعين بواقعهما وبالصراعات التي دارت حول خلافتهما، فتفاعلات حرب لبنان أدت في النهاية إلى استقالة بيجين متأثراً بموجة الهياج العام ضده، إضافة إلى استمرار الصراعات حول خلافته بين كل من إسحق شامير رجل الاغتيالات القديم، وأريئيل شارون، سفاح قبية وصبرا وشاتيلا، وديفيد ليفي اليهودي المغربي الذي يشكل عامل الاستقطاب الرئيسي لأصوات اليهود المغاربة، وموشيه أرينز الذي خلف شارون في وزارة الدفاع. ومن أبرز مؤلفات بيجين التمرد (١٩٥١) الذي تناول فيه قصة الإرجون وصرح فيه بفلسفته الداروينية النيتشوية، العلمانية الشاملة. الحرس الجديد New Guards

стр. 8215

«الحرس الجديد» تعبير يُطلَق على مجموعة تتميَّز بأن أغلبها من الصابرا من جانب، أي أنهم نشأوا في المستوطن الصهيوني في فلسطين قبل عام ١٩٤٨ (ولذلك يُطلَق عليهم أحياناً اصطلاح «صابرا ما قبل الدولة» ) ، كما أنهم من جانب آخر يتميزون بأنهم تولوا صياغة مفهوم الأمن القومي للكيان الصهيوني (الجنرالات يجال يادين وإسحق رابين وموشي ديان ويجال آلون وكذلك شيمون بيريز) . ولذلك فإن معظمهم أسسوا مكانتهم السياسية استناداً إلى جهودهم وإنجازاتهم في هذا المجال، كما كان لهم تأثيرهم - من خلاله - على السياسة الخارجية (فشيمون بيريز مثلاً يوصف بأنه «مهندس» العلاقات الإسرائيلية الفرنسية والإسرائيلية الألمانية من خلال دوره في صفقات السلاح التي أبرمت لتلبية احتياجات المؤسسة العسكرية) . والتصور السائد هو أن الحرس الجديد كان أكثر برجماتية ومرونة من الحرس القديم، وأن ثمة صراعاً فعلياً قد نشب بينه وبين الحرس القديم، ولكن من المعروف أن كلا المجموعتين تنتميان لنفس العقلية أو الذهنية، أي عقلية الهجرة الصهيونية الاستيطانية الثانية. ورغم أن أعضاء الحرس الجديد يعترفون بالوجود العربي نظرياً على عكس أسلافهم، فإنهم يتبنون نفس أسلوبهم في الإصرار على التعامل مع العرب من مركز القوة. ولم يرتبط الذبول التدريجي للحرس القديم بتغير ملموس أو ملحوظ في تصورات النخبة السياسية، وما مواقف إسحق رابين ويجال آلون وشيمون بيريز وياريف إلا إعادة إنتاج لمواقف جولدا مائير وأبا إيبان وإسحق سابير في ظروف جديدة. وكل هذا يؤكد أن الحرس القديم قد صنع الإطار العقيدي للدولة الصهيونية وأن تأثيره يتجاوز مجرد الإمساك بمقاليد السلطة ويمتد إلى القيم والتقاليد والممارسات المستمرة، ويرتبط بالطبيعة الاستيطانية لذات الكيان الصهيوني.

стр. 8216

هذا ويميِّز بعض الباحثين بين جيلين أو فريقين في الحرس الجديد، الجيل الوسط (موشي ديان - يجال آلون - شيمون بيريز) الذي نبتت صهيونيته واستيطانيته تحت ظلال الإمبريالية الأوربية، مقابل «جيل الأمريكيين» الذي كان يتزعمه إسحق رابين رئيس الوزراء السابق الذي كان ينادي بالاعتماد الكامل على الإمبريالية الأمريكية. وهو تمييز ليس له مقدرة تفسيرية عالية، كما بيَّنت الأحداث اللاحقة، فقد عمل شيمون بيريز بكفاءة عالية تحت المظلة الأمريكية. وقد عاش أعضاء الحرس الجديد منذ البداية في الدولة وساهموا في بنائها سواء اقتصادياً أو حربياً ولكنهم لم يساهموا في صناعة الأيديولوجية الصهيونية، وإنما تشرَّبوها ورضعوها، فمحددات فكرهم وسلوكهم هما الصهيونية والحفاظ على الدولة. وقد شهد هذا الجيل ظهور الصهيونية التصحيحية مرة أخرى من خلال انقلاب عام ١٩٧٧ وانتخاب مناحم بيجين. وقد صاحب هذا تصاعد صوت ممثلي اليهود الشرقيين ودعاة الصهيونية الإثنية ذات الديباجات الدينية. وهذا الجيل هو الذي دخل مفاوضات السلام مع العرب، حيث وجد نفسه بين خيارين، إما التمسك بالمبادئ العامة والأساسية للصهيونية القائمة على التوسع وأرض إسرائيل الكاملة أو الدخول في عملية سلام مع الدول العربية والشعب الفلسطيني، ولكن قيادات ذلك الجيل حاولت المزاوجة بين الخيارين بمعنى عدم التخلي الكامل عن فكرة أرض إسرائيل مع الاستفادة من الاعتراف العربي ونيل الشرعية والقبول. وحدث انقسام بين اليمين ودعاة الصهيونية العمالية، أو بين من يتمسك بالصهيونية القائمة على نفي الشعب الفلسطيني والتمسك بأرض إسرائيل الكاملة من جهة (صهيونية الأراضي) ، ومن جهة أخرى الصهيونية العملية التي ترى استحالة استمرار الكيان الإسرائيلي في حالة حرب مستمرة ضد جيرانه ومن ثم وجوب التوصل إلى حل وسط إقليمي (الصهيونية الديموجرافية أو السكانية) . وأهم أعضاء الحرس الجديد هم رابين وبيريز وشارون.

стр. 8217

يتسحاق رابين (١٩٢٢-١٩٩٥ ( Isaac Rabin زعيم سياسي وعسكري بارز ورئيس وزراء سابق، من الحرس الجديد. اسمه الأصلي إسحق رابينوفيتش، وهو من مواليد القدس. درس في مدرسة زراعية، وتلقى دورات تأهيل عسكرية في إطار البالماخ الذي التحق به عام ١٩٤٠، ودرس لاحقاً مدة عام في الكلية الحربية للقيادة والأركان في بريطانيا. شارك في حرب ١٩٤٨ كضابط عمليات، ثم قائد لواء عسكري، ثم ضابطاً للعمليات على الجبهة الجنوبية. وفي عام ١٩٤٩ شارك في وفد إسرائيل في محادثات الهدنة مع مصر في رودس. شغل خلال الأعوام العشرين التالية مناصب رفيعة في الجيش الإسرائيلي: قائد المنظمة الشمالية (١٩٥٦ ـ ١٩٥٩) ، رئيس شعبة العمليات ونائب رئيس الأركان (١٩٥٩ـ ١٩٦٤) ، رئيس الأركان (١٩٦٤ ـ ١٩٦٨) حيث قاد الجيش الإسرائيلي خلال حرب ١٩٦٧. لكنه تقاعد من الجيش في مطلع عام ١٩٦٨، وعُين في إثر ذلك سفيراً لإسرائيل لدى الولايات المتحدة، وشهدت فترة خدمته سفيراً في واشنطن تحولاً بالغ الأثر في العلاقات الإستراتيجية بين البلدين. عاد إلى إسرائيل عام ١٩٧٣، ونشط في صفوف حزب العمل. وفي ديسمبر ١٩٧٣ انتُخب وزيراً للعمل في حكومة جولدا مائير. وعقب سقوط حكومة مائير، بسبب نتائج حرب ١٩٧٣، انتخبه حزب العمل لرئاسة الحكومة. وفي يونيه ١٩٧٤ نالت حكومته ثقة الكنيست. واختار إسحق رابين شيمون بيريز وزيراً للدفاع خشية انسحاب كتلة رافي من حزب العمل. واشتد الخلاف بين الرجلين واستفاد بيريز من حالة التوتر والإرهاق العصبي التي أصابت رابين، وصارت السياسة صراع مزايدات بينهما. وفي ظل هذه الحكومة تم التوصل بوساطة أمريكية إلى اتفاقات فصل القوات مع مصر وسوريا (١٩٧٤) ، وإلى الاتفاق المرحلي مع مصر (١٩٧٥) . كما تم، خلال عام ١٩٧٥، توقيع أول مذكرة تفاهم بين إسرائيل والولايات المتحدة.

стр. 8218

وقد انتهت حكومة رابين نهاية غير طبيعية عبر طرح الثقة في الحكومة وسقوطها، إثر قيام رابين باستقبال طائرات حربية جديدة من طراز إف - ١٥ قادمة من الولايات المتحدة في يوم السبت، وهو ما اعتبره حزب أجودات يسرائيل خرقاً لحرمته. كما تمكن بيريز من كشف فضيحة مالية لزوجة رابين (تدور حول احتفاظها بحساب بالدولار في الولايات المتحدة خلافاً للقوانين التي تحظر ذلك) الأمر الذي سد الباب أمام عودة رابين إلى رئاسة الحزب في تلك الفترة. وتدل سيرة الخدمة العسكرية لرابين وشخصيته في ظاهرهما على الثقة والتماسك بل الصلابة، ولذلك فإن انهياره العصبي عشية حرب ١٩٦٧ وإصابته بهستيريا الذعر وهو في قمة المناصب العسكرية، تدل على هشاشة التركيب المعنوي حتى للنخبة الإرهابية التي رُبيت في البالماخ، وتبيِّن الأساس الموضوعي لما يُسمَّى «الهاجس الأمني» . وقد ظل رابين في حزب العمل في مقدمة الصف الأول، وظل محور استقطاب كبير في أوساط الحزب، وإن استسلم أمام بيريز قانعاً بأن يصطف وراءه حتى حانت له الفرصة عام ١٩٩٢ ليحتل منصب رئيس الحزب ورئيس الوزراء مرة أخرى. وقد بقي رابين بعد هزيمة حزب العمل في انتخابات عام ١٩٧٧ عضو كنيست في المعارضة وشارك في عضوية لجنة الشئون الخارجية والأمن. وخلال غزو لبنان عام ١٩٨٢ قدم دعمه العلني لوزير الدفاع آنذاك أريئيل شارون. وفي ظل حكومة الوحدة الوطنية (١٩٨٤ ـ ١٩٩٠) تولَّى رابين منصب وزير الدفاع، وقدم عام ١٩٨٥ اقتراح انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، وإنشاء الحزام الأمني في الجنوب اللبناني. ولدى نشوب الانتفاضة عام ١٩٨٧ انتهج رابين ضدها سياسة قمعية بالغة العنف، متبعاً سياسة تكسير العظام التي قوبلت باستنكار دولي واسع.

стр. 8219

وحانت الفرصة لرابين ليقود الحكومة الإسرائيلية في ظل أجواء عملية التسوية المنبثقة عن مؤتمر مدريد في أكتوبر ١٩٩١ ويُقال إثر احتدام الخلاف بين حكومة الليكود بقيادة إسحق شامير والإدارة الأمريكية بقيادة بوش حول موضوع الاستيطان. وفي الانتخابات الحزبية التي جرت قبيل انتخابات الكنيست عام ١٩٩٢ فاز رابين على منافسه شيمون بيريز، وقاد حزب العمل إلى الفوز في انتخابات الكنيست، وألَّف حكومة عمالية احتل فيها منصبي رئيس الحكومة ووزير الدفاع. وخلال هذه الفترة أبرم اتفاق إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو) ومن ثم الاتفاق المرحلي (اتفاق طابا) ، كما أبرم خلال عام ١٩٩٤ معاهدة السلام مع الأردن. وقد اغتيل رابين في تل أبيب يوم ٤ نوفمبر ١٩٩٥ على يد أحد أعضاء اليمين الديني، المعارض لاتفاقات التسوية. ويبدو أن موافقة رابين على توقيع اتفاقات تسوية الفلسطينيين بمنزلة تطوير في رؤيته للوجود العربي وإدراك منه لعمق الأزمة التي تواجه المشروع الصهيوني. ومع هذا يمكن القول بأن الانتفاضة والمقاومة التي أظهرها الشعب الفلسطيني جعلته يدرك أزمة الصهيونية وعدم قدرتها على الاستمرار في الاحتلال بنفس الأساليب القديمة، فكانت فكرة الحكم الذاتي التي تقوم على سيطرة إسرائيل على الأرض دون الشعب. فرابين - شأنه شأن معظم الزعماء الصهاينة من اليمين واليسار - كان يتمنى أن يستيقظ ليرى قطاع غزة وقد غرق في البحر من شدة أعمال المقاومة ضد الجيش الإسرائيلي فيه. وقد مكنته اتفاقات التسوية من الحصول على جائزة نوبل للسلام بالمشاركة مع كل من بيريز وعرفات. شيمون بيريز (١٩٢٣ (– Shimon Peres

стр. 8220

رئيس وزراء عمالي سابق، ومن أبرز الشخصيات التي تتلمذت على يد بن جوريون، وهو من الحرس الجديد. وُلد في بولندا ثم هاجر إلى فلسطين عام ١٩٣٤ (وهو بعد في العاشرة من عمره) ، ودرس في إحدى المدارس الزراعية، ودرس لاحقاً في جامعة نيويورك ثم في كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد. عيَّنه بن جوريون، خلال فترة ١٩٤٧ ـ ١٩٤٨، مسئولاً عن مشتريات الأسلحة والتجنيد في هيئة أركان الهاجاناه، ثم مسئولاً عن سلاح البحرية عام ١٩٤٨، ورئيساً لبعثة وزارة الدفاع في الولايات المتحدة عام ١٩٤٩. وقد شغل خلال فترة ١٩٥٢ ـ ١٩٥٣، منصب نائب المدير العام لوزارة الدفاع، ثم مديراً عاماً لها لمدة سبعة أعوام (١٩٥٣ ـ ١٩٥٩) . وخلال هذه الفترة أعاد تنظيم وزارة الدفاع، وبادر إلى إنشاء الصناعات الجوية والمشروع النووي الإسرائيلي، وكان مسئولاً عن تطوير العلاقات الخاصة مع فرنسا. وفي عام ١٩٥٩ انتُخب عضواً في الكنيست ثم عمل نائباً لبن جوريون في وزارة الدفاع من ١٩٥٩ - ١٩٦٥، حيث وضع الأساس للبنية التحتية العلمية للأسلحة النووية في إسرائيل. وقد قام، كذلك، بتطوير العلاقة بين الدولة الصهيونية وألمانيا الغربية لتزويد إسرائيل بأسلحة ألمانية.

стр. 8221

ويُلاحَظ أن بيريز ظهر دائماً ضمن ثنائي يقف من ورائه بن جوريون، والأول في هذا الثنائي كان موشى ديان. وكان تعيين بيريز في منصب المدير العام لوزارة الدفاع راجعاً إلى أن بن جوريون كان يستهدف أن يضمن الولاء الشخصي لقيادته، فبيريز ليس من العسكريين أساساً، ولا من الأسماء اللامعة في المنظمة الصهيونية أو الوكالة اليهودية، ولكنه استمد خبراته من الحقل النقابي الطلابي ومن العمل الحزبي في نطاق حركة العمل. وقد تغلغل نفوذ بيريز في كل من المجتمع العسكري والمؤسسة العسكرية وصارت كلمته نافذة في الجيش، كما صارت له مكانة خاصة لدى بن جوريون وحزب الماباي أيضاً، الأمر الذي أثار تخوف القادة المخضرمين مثل ليفي إشكول وإسحق سابير وجولدا مائير. وإثر انسحاب بن جوريون من حزب الماباي عام ١٩٦٥، بسبب تداعيات فضيحة لافون، شارك بيريز مع بن جوريون وموشي ديان في تأسيس حزب رافي، وعُيِّن سكرتيراً عاماً للحزب. ولكن الحزب فشل في الحصول على أغلبية نسبية تمكنه من تشكيل الحكومة (١٠ مقاعد في انتخابات عام ١٩٦٥) . ولكن شخصية وطموحات كل من بيريز وديان جعلتهما يرفضان الانتظار في صفوف المعارضة. ومع تصاعد نذر حرب عام ١٩٦٧ تم تشكيل حكومة وحدة وطنية عُيِّن ديان فيها وزيراً للدفاع. وفي أواخر عام ١٩٦٧ قرر كل من ديان وبيريز أن يعودا إلى حزب العمل بعد أن أعلنا حل رافي تاركين بن جوريون في الفراغ. وعكف بيريز على العمل الدؤوب داخل الآلة الحزبية من أجل الاندماج من جديد في الحزب والتعبير عن ولائه بجهد يعوض اهتزاز ذلك الولاء سابقاً.

стр. 8222

شغل بيريز مناصب وزارية مختلفة في فترة ١٩٦٩ - ١٩٧٧ منها وزير استيعاب وهجرة، ثم وزير المواصلات والاتصالات ١٩٧٠ - ١٩٧٤، ثم وزير الإعلام في مارس ١٩٧٤، ثم وزير الدفاع في حكومة رابين في فترة ١٩٧٤ - ١٩٧٧ التي شهدت توقيع الاتفاق المرحلي مع مصر عام ١٩٧٥، وقد شارك بيريز في المفاوضات المؤدية إليه. ثم شهدت هذه الفترة بداية الصراع بين بيريز ورابين منذ انتخاب رابين زعيماً خلفاً لجولدا مائير، وهو المنصب الذي كان بيريز يطمح إليه بعد تضعضع سلطة موشي ديان. وفي عام ١٩٧٧ انتُخب بيريز رئيساً لتجمع المعراخ. ولدى تأليف حكومة الوحدة الوطنية عام ١٩٨٤، تولى بيريز فيها منصب رئيس الحكومة مدة عامين ١٩٨٤ - ١٩٨٦ ثم منصبي نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية (١٩٨٦ - ١٩٨٨) . وخلال فترة ولايته كرئيس للحكومة انسحبت إسرائيل من جزء من الجنوب اللبناني (١٩٨٥) ، وطبقت خطة لتثبيت الاقتصاد الإسرائيلي. وفي حكومة الوحدة الوطنية الثانية (١٩٨٨ - ١٩٩٠) تولَّى بيريز منصبي نائب رئيس الحكومة ووزير المالية. وبعد انسحاب حزب العمل من الحكومة قاد المعارضة في الكنيست حتى عام ١٩٩٢.

стр. 8223

وقبيل انتخابات الكنيست عام ١٩٩٢ نافس إسحق رابين شيمون بيريز على رئاسة حزب العمل في الانتخابات الداخلية في فبراير عام ١٩٩٢، ولكن الفوز كان من نصيب رابين. وشهدت الفترة التالية هدوءاً داخلياً أسهم في فوز حزب العمل في انتخابات الكنيست، وتم تعيين بيريز وزيراً للخارجية في حكومة رابين التي ألفها في يونيه ١٩٩٢، وأدَّى دوراً أساسياً في إبرام اتفاقي أوسلو وطابا مع منظمة التحرير الفلسطينية وفي توقيع معاهدة السلام مع الأردن. وإثر اغتيال رابين في نوفمبر ١٩٩٥، شكَّل بيريز حكومة جديدة برئاسته واحتفظ فيها بمنصبي رئيس الحكومة ووزير الدفاع. ورغم هزيمة حزب العمل في انتخابات الكنيست عام ١٩٩٦ استمرت طموحات بيريز في التمسك بالسلطة وذلك عبر مقترحات تشكيل حكومة وحدة وطنية بين العمل والليكود. ومع إجراء الانتخابات الداخلية للحزب في يونيه ١٩٩٦ تمكن إيهودا باراك من الفوز برئاسة الحزب منتصراً على يوسي بيلين الذي يدعمه بيريز. وما يزال بيريز مصراً على الاستمرار في الساحة السياسية وعدم اعتزال العمل السياسي، ولتحقيق هذا الهدف أسس معهد بيريز للسلام ضم في مجلس أمنائه كلاً من كارتر وجورباتشوف. ويُعدُّ بيريز المُنظر الأساسي للسوق الشرق أوسطية وفكرة إدماج إسرائيل في المنطقة عبر إنشاء نظام إقليمي للتعاون الأمني والاقتصادي. وقد طرح تلك الآراء في كتابه الشرق الأوسط الجديد، معتبراً فيه أن السلام والتعاون الاقتصادي كفيلان بحل بنية تحتية ومشاريع اقتصادية مشتركة تكفل الأمن لإسرائيل، بحيث تتم تحالفات بين إسرائيل والنظم العربية لمواجهة خطر الإرهاب وصعود الحركات الإسلامية. ولكن التناقضات الداخلية لتلك الرؤية أسفرت في النهاية عن فشل بيريز في الفوز في انتخابات الكنيست عام ١٩٩٦، رغم ارتدائه بزة الحرب وتنفيذ عملية عناقيد الغضب ومذبحة قانا في مارس ١٩٩٦، ورغم الدعم الخارجي من قبَل الولايات المتحدة له ولحزب العمل.

стр. 8224

أرييل شارون (١٩٣٣ (– Ariel Sharon زعيم صهيوني من الحرس الجديد من مواليد كفار ملال. درس التاريخ وعلوم الاستشراق في الجامعة العبرية في القدس، وأكمل تحصيله الجامعي في كلية الحقوق في تل أبيب، ثم حصل على شهادة جامعية عام ١٩٩٦. اسمه الأصلي أريئيل صموئيل مردخاي شرايبر، وهو من يهود بولندا أصلاً، وقد عاش أبوه بعض الوقت في القوقاز أيضاً، ثم هاجر إلى فلسطين وعمل مزارعاً في مزارع الموشاف، وأرسله والده إلى الكلية الزراعية ولكنه لم يكن راغباً في الدراسة. وقد اشترك في الحرب الصهيونية ضد العرب عام ١٩٤٨ وأصيب في بطنه (بينما كان يحرق أحد الحقول) وكاد يُقتل لولا أن قام جندي شاب بنقله إلى مكان آمن (وقد أصبح ولاؤه أثناء القتال لا يتجه إلى الوطن ككل وإنما إلى المقاتلين معه وحسب. وقد صارت هذه إحدى العقائد الأساسية في الجيش الإسرائيلي (.

стр. 8225

لم يبرز شارون إلا بعد عام ١٩٤٨ كضابط في الوحدات الخاصة التي تعمل بإمرة الاستخبارات العسكرية للقيام بالأعمال الانتقامية ضد مخيمات اللاجئين والقرى الفلسطينية الحدودية حيث عهد بهذه الغارات إلى وحدة خاصة أُنشئت في أغسطس ١٩٥٢ وأطلق عليها اسم «الوحدة ١٠١» . وقد اختار شارون أفراد الوحدة ( «شياطينها» كما كانوا يُدعون) بنفسه من مجرمين وأصحاب سوابق ولصوص وقتلة، فاتجه إلى قرية قبية العربية الفلسطينية التي تقع شمال القدس على بُعد كيلو مترين من حدود ١٩٦٧، ثم طوقت قواته القرية وغمرتها بوابل من نيران المدفعية فدكت القرية دكاً على من فيها، ثم تقدم المشاة وأجهزوا على الباقين على قيد الحياة. وقد دلت مواضع الإصابات في أجسام الضحايا الذين سقطوا قرب أبواب بيوتهم من الداخل على أنهم لم يُعطوا فرصة مغادرتها (كما يقول تقرير قائد مراقبي هيئة الأمم مما يجعل قبية قريبة من قانا) . وقد استعمل في هذا الهجوم جميع أسلحة المشاة من بنادق ورشاشات برن وستن وقنابل يدوية وقنابل حارقة ومتفجرات. ويتلخص «نجاح» شارون في هذه المذبحة فيما يلي: ١ - نسف ٤١ داراً للسكنى. ٢ - قتل ٦٩ شخصاً نصفهم من النساء والأطفال. ٣ - قتل ٢٠ رأساً من الماشية بينها بقر وخراف وماعز. وقد أنكر بن جوريون - رئيس الوزراء الإسرائيلي آنئذ - علمه بالعملية وأكد أنه قام بتحقيق دقيق أسفر بما لا يقبل الشك عن أن جميع وحدات الجيش الإسرائيلي كانت في ثكناتها! وقد تنصل بن جوريون من هذا "النجاح" العسكري نظراً لدمويته، ولكن كتاب المظليين الإسرائيلي الصادر عام ١٩٦٩ لم يتردد في التباهي بهذه العملية «الناجحة» التي غسلت عار الهزائم التي لحقت بجيش إسرائيل في غاراته الانتقامية السابقة.

стр. 8226

ولكن يبدو أن "نجاح" عملية قبية الباهر لم يؤت أُكله إذ أننا نجد أن الجنرال يشترك في حروب "ناجحة" الواحدة تلو الأخرى دون توقف، وكأنه آلة حرب دقيقة الصنع تحرز نجاحات "عديدة متتالية". (ولكن ألا يثير تكرار "الحروب الناجحة" بعض الشك عن مدى نجاحها لأن الحرب "الناجحة" حقاً هي الحرب التي تحقق السلام والطمأنينة والأمن الدائم للمحارب وأهله وشعبه؟ (. عُيِّن شارون قائد لواء مدرع في العدوان الثلاثي على جبهة سيناء، واحتل ممر متلا مخالفاً بذلك الخطة العامة التي كانت تهدف إلى ترك حامية الممر تسقط من تلقاء نفسها حينما يتم تجاوزها وتصبح قوات العدو خلفها (فمن عادة شارون مخالفة الأوامر) . ثم تلقى تعليماً عسكرياً في فرنسا بعد حرب ١٩٥٦، ثم تم تعيينه قائد لواء مدرع (١٩٦٢ ـ ١٩٦٤) ، ورئيس هيئة أركان المنطقة الشمالية (١٩٦٤ ـ ١٩٦٩) ، وقائد المنطقة الجنوبية (١٩٦٨ ـ ١٩٧٣) . وكان قائد القوات الإسرائيلية التي عبرت في حرب أكتوبر ١٩٧٣ قناة السويس من سيناء إلى الضفة الغربية للقناة وفتحت ثغرة الدفرسوار وهو ما أكسبه سمعة عالية. وقد وصفه زملاؤه بأنه «شيء هادئ الأعصاب ... لا يمكنك أن تعرف إن كنت تحبه أو تكرهه، وإن كنت تُعجب به أم تخاف منه» . وبعد "نجاح" ١٩٦٧ (حين "انتصرت" القوات الإسرائيلية على القوات العربية) نجد أن شارون "ينجح" في طرد ٦٠٠ بدوي من ديارهم في رفح ليحقق بعض الأمن في غزة (فقد كان قائد المنطقة الجنوبية) وتم دمج هذه الوحدة بقوات المظليين.

стр. 8227

ولم يكد شارون يُحال إلى الاحتياط عقب الحرب حتى سارع إلى استثمار السمعة العسكرية التي جناها من الحرب لدخول الساحة السياسية، شأنه شأن كثير من الجنرالات الإسرائيليين. فشرع يشكل حركة سياسية بزعامته يتقدم بها إلى انتخابات عام ١٩٧٧، مع ملاحظة أنه كان في شبابه عضواً غير نشيط في حزب الماباي ثم الحزب الليبرالي. وفي ظل صعوبة حصوله على أصوات كثيرة عمد إلى إجراء اتصالات مع جميع القوى السياسية حتى تلك التي تتبنى أفكاراً سياسية مختلفة تماماً مثل يوسي ساريد، وأشار لهم بأنه مستعد لممارسة مرونة كفيلة بأن تدهشهم إذا هم قبلوا الانضواء تحت لواء قائمته. وتشير تجربة الغزو اللبناني إلى أن وزير الدفاع شارون لم يتغير عن قائد الوحدة ١٠١، وأن سفاح صابرا وشاتيلا هو بعينه سفاح قبية، وعليه فإن تلويحه بالمرونة والاعتدال يجب أن يُفهم في سياق المناورة السياسية. وجاءت نتيجة انتخابات ١٩٧٧ لتفوز قائمة شارون بمقعدين، ثم انضم إلى تكتل الليكود شاغلاً مقعد وزير الزراعة ثم وزير الدفاع. وقد كان هو المحرك الرئيسي وراء غزو لبنان عام ١٩٨٢. وقد اضطر شارون إلى الاستقالة من منصبه كوزير للدفاع عام ١٩٨٣ إثر تقرير لجنة تحقيق رسمية حملته المسئولية غير المباشرة عن مذبحة صابرا وشاتيلا. وقد استمر شارون في الوزارات التي شارك فيها الليكود بعد ذلك، حيث شغل منصب وزير بلا حقيبة (١٩٨٢ - ١٩٨٤) ، ثم وزير الصناعة والتجارة (١٩٨٤ - ١٩٨٨) ووزير البناء والإسكان (١٩٨٨ - ١٩٩٢) .

стр. 8228

ويكشف صعود شارون إلى مراكز السلطة بهذه السرعة، ومكوثه في الوزارة بعد أن تحمل خسائر حرب لبنان، ونجاحه في تثبيت مواقعه داخل الليكود، بل منافسة شامير نفسه على زعامة الحزب، يكشف ذلك عن الشعبية التي يتمتع بها العسكريون المتشددون في الكيان الصهيوني. تولَّى شارون منصب وزير البنية التحتية في حكومة الليكود برئاسة نتنياهو التي تم تشكيلها إثر انتخابات عام ١٩٩٦، واستمر في السعي من أجل لعب دور أساسي في القضايا الإستراتيجية، حيث ضغط من أجل ضمه إلى المجلس الوزاري المصغر إلى جانب نتنياهو ووزيري الخارجية والدفاع (ديفيد ليفي وإسحق مردخاي) ، واعترض الأخيران على ذلك. التقى شارون بمحمود عباس (أبو مازن) في يوليه ١٩٩٧ ليرد على منتقديه الذين رأوا أن دخوله مجلس الوزراء المصغر سوف يعقد المفاوضات مع الفلسطينيين مشيراً إلى أنه الوحيد الذي يعرف كيف يتعامل مع الفلسطينيين. وقد تنازل عن ذلك الذي ظل ينادي به لسنين طويلة، وهو حرمان الدولة الفلسطينية المستقبلية من أي استمرارية جغرافية (يعتقد شارون أن المحافظة على الاستمرارية والاتصال الدائم بين المستوطنات اليهودية داخل الأراضي الفلسطينية يمكن أن تتم خلال بناء الأنفاق تحت الأرض والجسور والطرق الالتفافية بدلاً من البقاء على الاتصال الجغرافي المباشر بين تلك المستوطنات) . وقد عرض شارون خريطة على أبو مازن في ١٦ يوليه ١٩٩٧ لأنه أراد كما قال "أن يعرف الفلسطينيون ولآخر مرة ما هو موقف إسرائيل من اتفاقية الوضعية النهائية، وما الذي يمكنها أن تفعله، وما الذي لا يمكنها أن تفعله أبداً، ولماذا". ومضى شارون ليقول: "هذه أمور لابد للفلسطينيين أن يفهموها لأنني أعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي يسمعونها منا".

стр. 8229

ويُعدُّ شارون من أهم أنصار نظرية الضم التدريجي للضفة الغربية. وفي مقال له بجريدة معاريف في نهاية عام ١٩٨١ تحت عنوان "المشكلات الإستراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات" يتطلع شارون إلى وجوب أن تتخطى فكرة المصلحة الإستراتيجية لإسرائيل المجال المتمثل تقليدياً بالدائرة المحيطة بإسرائيل إلى مجالين جغرافيين آخرين لهما تأثيرهما الأمني: ١ - الدولة العربية البعيدة التي يضيف تعاظم قدراتها العسكرية بُعداً بالغ الخطورة للخطر المباشر الذي يتهدد إسرائيل، سواء عن طريق إرسال قوات خاصة إلى منطقة المواجهة، أو عن طريق القيام بعمليات جوية وبحرية مباشرة ضد خطوط المواصلات الجوية والبحرية الإسرائيلية. ٢ - تلك الدول التي يؤثر التوجه السياسي الإستراتيجي فيها على الأمن القومي الإسرائيلي مثل إيران وتركيا وباكستان ومناطق الخليج الفارسي وأفريقيا، ولا سيما دول أفريقيا الشمالية والوسطى. وهذه الإستراتيجية لا ترى في الضفة وغزة إلا خطاً خلفياً يقع في قلب إسرائيل، الأمر الذي يتطلب المزيد من مصادرة الأراضي وتفريغها من السكان العرب. ومن الواضح أن شارون سيكون له دور حاسم هذه الأيام. فهو مصمم على تقرير الضرورات الأمنية والجغرافية في قطاع غزة والضفة الغربية من خلال المحادثات مع الفلسطينيين. وقد أصبح شارون أهم دعاة المشاركة الإستراتيجية بين إسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية ملغياً بذلك الخيار الذي طالما نادى به كثيرون في إسرائيل وهو إقامة دولة فلسطينية في الأردن. كذلك قَبل شارون مبدأ السيادة الفلسطينية على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة (من دون القدس بالطبع) . والتحدي الذي يراه شارون في التعامل مع الفلسطينيين هو إيجاد إطار سياسي ودبلوماسي ناجح يساعد على تحديد واحتواء صلاحيات الدولة الجديدة ومساحتها الجغرافية.

стр. 8230

وتنقل مصادر عن شارون قوله: "يجب على إسرائيل أن تحتفظ في أي تسوية نهائية بمنطقة أمنية في الشرق لا يقل عرضها عن عشرين كيلو متراً وحزام أمني في الأجزاء الغربية من الضفة الغربية يتراوح عرضه بين ٧ و١٠ كيلو مترات". وفوق ذلك يجب أن تبقى القوات الإسرائيلية بصورة دائمة في غور الأردن، وأن تهيمن على جميع الطرق والممرات الجوية والبحرية في الأراضي الفلسطينية. ومن الواضح أن شارون يسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية هي: أولاً: يريد شارون من الجميع أن يفهموا «الخطوط الإسرائيل الحمراء» مع إبداء رغبة في فهم المطالب الفلسطينية. ثانياً: إعادة المصداقية والثقة إلى المواقف التفاوضية الإسرائيلية. ثالثاً: تحقيق تنسيق ناجح بين الموقف الإسرائيلي والموقف الأمريكي. وقد تم الاتفاق بين نتنياهو وشارون على تسوية مؤقتة يحق بموجبها لنتنياهو التشاور مع شارون في الشئون السياسية والأمنية دون أن يدخل مجلس الوزراء المصغر فعلاً. ورغم هجوم شارون على نتنياهو إلا أنه لم يصعِّد من خلافاته معه، مقابل تزايد دور شارون في الحكومة. ديفيد ليفي (١٩٣٧ -) David Levy وزير الخارجية السابق، ورئيس حزب جيشر، من أعضاء جيل الحرس الجديد من الناحية التاريخية، ولكنه من الناحية الفعلية تم استبعاده من صنع القرار، ولعل هذا هو الذي أدى به إلى الاستقالة.
следующие страницы →