← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

وقد ترجم هذا التآكل نفسه إلى عدم اكتراث بالمشروع الصهيوني الذي ترجم نفسه بدوره إلى عدم الإيمان بالقيم الصهيونية «الريادية» المبنية على التقشف وتأجيل الإشباع. وبدلاً من ذلك، ظهر السعار الاستهلاكي والنزوع نحو الأمركة والعولمة والخصخصة، وهي حالة لا تصيب الصهاينة وحدهم وإنما تصيب أيَّ مجتمع يفتقر إلى الاتجاه ولا يحل مشكلة المعنى. ولكن رغم كل هذا التآكل يظل هناك إجماع صهيوني لم يتآكل وهو رفض الاعتراف بالفلسطينيين وحقهم في هذه الأرض التي تم اغتصابها. ولكن قبل أن نعرض لعناصر الأزمة الصهيونية المختلفة يجب أن نشير إلى أن بوسع المجتمعات الإنسانية أن تعيش في حالة أزمة مستمرة لعشرات السنين دون أن "تنهار من الداخل"، إن لم تُوجَّه لها ضربة من الخارج. والتجمع الصهيوني ليس استثناءً من هذه القاعدة، وخصوصاً أن كميات المساعدات التي تصب فيه من الولايات المتحدة تزيد عن ثمانية بلايين دولار لمجموع عدد السكان الذي يبلغ عددهم حوالي أربعة ملايين، الأمر الذي يجعل التجمُّع الإسرائيلي (الاستيطاني الوظيفي) من أكثر المجتمعات تلقياً للمساعدات الخارجية بالنسبة لعدد السكان. فالتجمُّع الصهيوني لا يحوي مكونات بقائه واستمراره داخله، فهو يستمدها من دولة عظمى تكفله وترعاه. ومن الواضح أن إسرائيل مدركة تماماً لأبعاد أزمتها وأنه لا حل لها داخل إطار ما هو قائم. وقد أدَّى هذا إلى استقطاب شديد، فطرح حلاّن: الأول، الصهيونية الحلولية العضوية، ويتسم بالصلابة، والثاني، صهيونية عصر ما بعد الحداثة، ويتسم بالسيولة. الأزمة البنيوية للصهيونية Structural Crisis of Zionism «الأزمة البنيوية للصهيونية» عبارة نستخدمها للإشارة إلى طبيعة الأزمة الصهيونية وهي أزمة لصيقة ببنية الصهيونية نفسها. فالمواجهة مع السكان الأصليين ليست كما يظن البعض مسألة عرضية، وإنما هي نتيجة حتمية وملازمة لتحقق المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية.

стр. 8297

وأزمة الصهيونية، رغم بنيويتها، تزداد حدة وانفراجاً حسب الظروف التاريخية. ونحن نذهب إلى أن الأزمة تفاقمت بعد "انتصار" ١٩٦٧ وهو ما حوَّله إلى عملية انتشار. ولأن طبيعة الأزمة بنيوية فلا يمكن حلها إلا عن طريق تغيير البنية نفسها، أي العلاقات التي تأسَّست في الواقع. ونحن نذهب إلى أن صهيونية الدولة (أو يهوديتها المزعومة) هي أساس عنصريتها وبنية التفاوت والظلم التي تأسَّست في فلسطين، ومن ثم فلا سبيل لحل الأزمة إلا عن طريق نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية. الأزمة الصهيونية وبنية الأيديولوجية الصهيونية Crisis of Zionism and the Structure of Zionist Ideology تعود الأزمة الصهيونية إلى عدة أسباب بنيوية تنصرف إلى صميم المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي. ولكن ثمة سمات تتسم بها بنية الأيديولوجية الصهيونية نفسها ساعدت على تفاقم الأزمة نذكر منها ما يلي: ١ ـ ثمة مسافة بين أقوال أي إنسان وأفعاله، فالقول الإنساني بطبيعته لا يتفق تماماً ولا يتطابق مع الفعل الإنساني. ولكن في حالة القول الصهيوني نجد أن المسافة التي تفصله عن الواقع شاسعة حتى يصبح القول كله (أحياناً) ديباجة لا علاقة لها بأي واقع، فهي تهدف أولاً وأخيراً إلى التبرير والتسويغ. ويعود هذا إلى أن الصهيونية لم تنبع من واقع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم وإنما هي صيغة أساسية توصلت لها الحضارة الغربية في عصر نهضتها وبداية تجربتها الاستعمارية الاستيطانية للتعامل مع الجماعات اليهودية ففرضتها عليها ثم تبنتها هذه الجماعات، أي أن حالة التبعية أو الذيلية الصهيونية للعالم الغربي ليست مسألة تنصرف إلى أمور السياسة والاقتصاد وإنما إلى بنية الأيديولوجية نفسها وأصولها الحضارية والفكرية.

стр. 8298

٢ ـ قامت الحضارة الغربية بنقل بعض أعضاء هذه الجماعات ككتلة بشرية مستقلة تُوطَّن في وسط العالم العربي عن طريق القوة العسكرية، فهي صيغة لا علاقة لها بالواقع العربي الذي زُرعت فيه. ٣ ـ لكل هذا نجد أن الفكر الصهيوني فكر اختزالي يتجاهل معطيات الواقع سواء أكان الأمر يتعلق بواقع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم أم واقع الفلسطينيين العرب. وتتضح هذه الاختزالية في إنكار التاريخ والتفكير في وضع نهاية له: تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية والتاريخ العربي في فلسطين. كما يتضح في إنكار الجغرافيا. ففلسطين تصبح إسرائيل، وهي بلد لا حدود لها، إذ أن حدودها توجد داخل مفهوم إرتس يسرائيل الديني. ٤ ـ لكل هذا نجد أن العقيدة الصهيونية أيديولوجية فاشية، نسق عضوي مغلق يخلع القداسة على الأرض (أرض الميعاد) والشعب (الشعب المختار) وينكر الآخر (الصراع مع الأغيار والعقلية الجيتوية) . ومثل هذه الأيديولوجيات تُكْسب حاملها قوة ومناعة وصلابة، ولكنها في الوقت نفسه تتسم بالجمود والانغلاق. ومن ثم فكثير من التناقضات الكامنة داخل الأيديولوجية أو في واقعها حينما تتبدى في الواقع، تظهر بشكل عنيف إن لم يكن فجائياً. وقد حدثت داخل الدولة الصهيونية وخارجها تطورات عميقة من أهمها ظهور النظام العالمي الجديد وتصاعُد معدلات العلمنة بين يهود العالم وتبنِّي المعسكر العربي خطاباً برجماتياً بل انكماش المطالب العربية. ويستمر التجمُّع الصهيوني ونخبته الحاكمة في استخدام نفس الخطاب الصهيوني القديم ويدركون العالم من خلال المقولات القديمة للثقافة السياسية الصهيونية. وهو وضع يهدد بتصعيد الأزمة. ٥ ـ تستند الأيديولوجية الصهيونية إلى فكرة الهوية وإلى تعريف عضوي ضيق لهما، ولذا فإن أية تحديات لهذه الفكرة تسبب شرخاً عميقاً في المجتمع.

стр. 8299

٦ ـ ثمة تناقضات عديدة داخل القول الصهيوني نفسه، فالتناقض ليس بين القول والفعل وحسب وإنما بين قول صهيوني وآخر، فدعاة القول الصهيوني لم يتفقوا فيما بينهم على الحد الأدنى فيما يتصل بكثير من القضايا النظرية الأساسية (حدود الدولة ـ الهوية اليهودية ـ موقفهم من يهود العالم) وإنما اتفقوا على الحد الأدنى من الفعل وحسب (نقل بعض يهود العالم إلى فلسطين وتوظيفهم داخل إطار الدولة الوظيفية) . كل هذه السمات البنيوية في الأيديولوجية ساهمت في تفاقم الأزمة، إلا أن السبب الأساسي لها يظل أنه حين وُضعت هذه العقيدة الصهيونية موضع التنفيذ أفرزت الكثير من المشاكل بعضها خاص بالمستوطن الصهيوني ويهود العالم، والبعض الآخر خاص بالفلسطينيين (فيما نسميه «المسألة الفلسطينية» ) . وحسب تصوُّرنا لا يوجد حل داخل إطار الأمر الواقع الصهيوني لأيِّ من هذه المشاكل. وقد تفرز الصهيونية حلولاً يمينية صلبة (الصهيونية الحلولية العضوية) أو يسارية سائلة (صهيونية عصر ما بعد الحداثة) ، ولكنها حلول لا تتوجَّه إلى جذور المشكلة. وأزمة الصهيونية متشابكة تتداخل فيها أسباب مع الأخرى وكذلك الأسباب والنتائج والأيديولوجية والواقع. ومع هذا لضرورات تحليلية سنقسِّم أوجه هذه الأزمة (في إطار الشرعية الصهيونية) إلى أربعة أقسام نتناول كل قسم في مدخل مستقل أو في عدة مداخل: ١ ـ إشكالية الديني والعلماني. ٢ ـ أزمة الهوية. ٣ ـ الأزمة السكانية والاستيطانية. ٤ ـ تفكُّك الأيديولوجية الصهيونية من خلال تصاعُد النزعات الاستهلاكية (والعلمنة والأمركة والعولمة والخصخصة) . العلمانية الشاملة والدولة الصهيونية Comprehensive Secularism and the Zionist State

стр. 8300

تَصدُر الحركة الصهيونية عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، ولكنها تم تهويدها، أي إدخال ديباجات يهودية عليها، واتفق الجميع على أن تكون الدولة الصهيونية «دولة يهودية» . ولكن مضمون كلمة «يهودية» كان يختلف من تيار صهيوني لآخر، فهرتزل كان يتحدث عن دولة علمانية لليهود، بينما تحدث الحاخام إسحق كوك عن دولة يهودية تعبِّر عن حلول الإله في الشعب وامتلائه بالقداسة. ورغم اختلاف الديباجات إلا أن العلمانية الشاملة، سيطرت على الدولة الصهيونية، شأنها في هذا شأن معظم البلاد الصناعية المتقدمة. ويُلاحَظ أنه توجد ثلاثة مصطلحات في إسرائيل لوصف الانتماء الديني أو غيابه. أما المصطلح الأول، فهو «داتي» وهو مصطلح يُستخدَم عادةً للإشارة إلى المتدينين الأرثوذكس ورثة اليهودية الحاخامية. ولكن هناك مصطلحين يصفان اليهود الذين انسلخوا عن اليهودية الحاخامية: «حيلونى» و «ماسوراتى» . أما مصطلح «حيلوني» فيعنى «علماني» (من فعل «حل» بمعنى «حدث» أو «جرى» أو «صادف» أو «حال» الشيء أي «تحوَّل من حال إلى حال» ) . ومصطلح «حيلوني» شأنه شأن مصطلح «علماني» في اللغة العربية ومصطلح «سكيولار secular» في اللغة الإنجليزية ومصطلح «لائيك laique» في اللغة الفرنسية مختلط الدلالة. فالشخص الذي يوصف بأنه «حيلوني» يمكن أن يؤمن أو لا يؤمن بالإله. ولكن المصطلح في المعجم الحضاري الإسرائيلي يزداد اختلاطاً واضطراباً بسبب وجود مصطلحات أخرى مثل «ماسوراتي» أي «تقليدي» أو «محافظ» . والكلمة تشير إلى اليهودي الانتقائي في ممارساته الدينية، والذي يؤدي بعض الشعائر دون البعض. ونصف سكان إسرائيل يصفون أنفسهم بأنهم «حيلوني» (زادت النسبة إلى ٦٠% عام ١٩٩٧) ، وتبلغ نسبة الماسوراتي ٣٠%. ويصف ١٧% منهم أنفسهم بأنهم «متدينون» والباقي من أعضاء العبادات الجديدة (الآخذة في الانتشارفي إسرائيل) .

стр. 8301

وكثيرون يترددون في تسمية أنفسهم «حيلوني» (أي «علمانيين» ) بسبب ما قد يوحي به المصطلح من الإلحاد ويفضلون صفة «تقليديين» أو «محافظين» ( «ماسوراتي» ) . ولكن، مع هذا، تجب الإشارة إلى أن «التقليدي» في إطار يهودي قد تعني أيضاً شيئاً قريباً من الإلحاد، إذ يمكن أن يُقيم اليهودي التقليدي الشعائر ويعطيها مضموناً وثنياً قومياً دون إيمان بالإله، كما هو الحال مع الصهاينة، واتباع اليهودية المحافظة وإن كان الاستخدام الأكثر شيوعاً هو «اليهودي المحافظ» ، أي من يقيم بعض الشعائر وحسب. وبطبيعة الحال مما يزيد الأمر اضطراباً أن مصطلح «يهودي» يكاد يكون دالاً دون مدلول، في الدولة العلمانية التي يُقال لها يهودية.

стр. 8302

ويُلاحَظ، في إسرائيل، أن من السهل على اليهودي تأدية شعائر دينه إذ أن إيقاع الحياة وقوانين الدولة تساعده على ذلك. ومع هذا، ففي استطلاع للرأي أُجري عام ١٩٧٥، وصف ٥٥% أنفسهم بأنهم «متدينون جداً» أو «متدينون» فحسب، ووصف ٤٥% أنفسهم بأنهم ليسوا متدينين على الإطلاق. ولكن حين طُبِّق على المتدينين ستة معايير للتدين، مثل عدم قيادة السيارة يوم السبت والذهاب إلى المعبد، ظهر أن ١٥% منهم فقط هم المتدينون حسب المعايير الستة وتم تصنيف ١٥% من هؤلاء على أنهم يقيمون الشعائر بشكل عام، مع ملاحظة أن هذه هي رؤيتهم لأنفسهم حيث لم يُختبر قولهم. ووصف ٤٠% أنفسهم بأنهم تقليديون أو محافظون، في حين صرح ٣٠% بأنهم ليسوا متدينين على الإطلاق. ولتوضيح مضمون صفة «تقليدي» ، تنبغي الإشارة إلى أن الأغلبية العظمى من الإسرائيليين صرحوا بأنهم لا مانع لديهم من الذهاب إلى السينما وركوب المواصلات يوم السبت، الأمر الذي يتنافى مع الشريعة. ومع هذا، قال ٧٠% إنهم يوقدون الشموع في منازلهم في ذلك اليوم، وهو ما يعني أنهم اختاروا من الشعائر ما يتناسب مع الحياة العلمانية. إذ أن إيقاد الشموع عمل رومانسي لطيف لا يكلِّف كثيراً ولا يشكل قيداً على الحرية أو على الذات ولا يتطلب أية تضحية، وإلى جانب ذلك فهو ذو قيمة رمزية ترفع معنويات الشخص الذي يؤدي هذا الطقس. ومن الممكن بطبيعة الحال افتراض أن عدداً كبيراً من هؤلاء يوقد الشموع لأسباب إثنية لا علاقة لها بالدين.

стр. 8303

وفيما يتصل بالطعام الشرعي، صرح ٧٠% عام ١٩٧٥ بأن تناول الطعام الشرعي أمر مهم ولكنه ليس أمراً ضرورياً أو مفروضاً. وقد انخفضت هذه النسبة إلى ٥٦% في عام ١٩٨٨. ويُقال إن نصف اللحم المُستهلَك في إسرائيل لحم خنزير. ومع هذا تشير إحدى الإحصاءات إلى أن ٢٧% فقط يأكلون لحم خنزير. ولعل الباقين يستهلكونه ولكنهم لا يصرحون بذلك. وقد بيَّنت إحدى الدراسات أن عدد من يقيم شعائر الطعام في منزله وحسب ٦٦%، وتنخفض النسبة إلى ٥٥% في البيت وخارجه! وفيما يتعلق بالذهاب إلى المعبد، نجد أنه أصبح عادة سنوية لا أسبوعية أو يومية، تماماً كما هو الحال بين يهود الولايات المتحدة. وقد صرح ٦٣% بأنهم يذهبون إلى المعبد و٢٣% يذهبون كل عيد. وتنخفض النسبة إلى أقل من ١٠% حينما يكون السؤال عن الذهاب للمعبد كل سبت! ومن الضروري تأكيد أن الذهاب إلى المعبد في العيد لا يكون بالضرورة تعبيراً عن توجُّه ديني بل قد يكون على العكس تعبيراً عن تزايد العلمنة إذ أن المعبد يصبح تعبيراً عن التمسك بالهوية الإثنية. وقد أدَّى تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الإسرائيلي إلى انتشار الإباحية. ولم تَعُد تل أبيب وحدها مركزاً للإباحية، بل وصلت الإباحية إلى القدس أيضاً حيث توجد محلات لبيع الأشياء الإباحية على بعد خطوات من حائط المبكى، كما يتزايد بشكل ملحوظ خرق شعائر الدين اليهودي. ويُقال إن المجتمع الإسرائيلي أصبح من أهم مصادر البغايا في العالم، وأن لغة القوادين في أمستردام هي العبرية.

стр. 8304

وقد أدَّى كل هذا إلى الاصطدام بين العناصر الدينية والعناصر اللادينية. وهذا يعني أن العقيدة اليهودية أصبحت من أهم مصادر الشقاق والتوتر بين اليهود، سواء بين أعضاء التجمُّع الصهيوني في إسرائيل أو بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وتتزايد التناقضات حدة مع تزايد معدلات العلمنة بينهم (للمزيد عن النقد اليهودي الديني للدولة الصهيونية باعتبارها دولة علمانية، انظر: «موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية» ) . الديني والعلماني في الدولة الصهيونية The Religious and the Secular in the Zionist State رؤية الصراع في إسرائيل على أنه صراع بين المتدينين والعلمانيين هو شكل من أشكال التطبيع المعرفي. فالكيان الصهيوني كيان له خصوصيته وقوانينه، فمعظم المتدينين فيه ليسوا متدينين بالمعنى المألوف، ومعظم العلمانيين ليسوا "علمانيين" أيضاً بالمعنى المألوف للكلمة (فهم ليسوا علمانيين جزئيين وإنما هم علمانيون شاملون بدرجة متطرفة) . وإذا حاولنا إعادة تقسيم أعضاء المجتمع الصهيوني من منظور الاقتراب أو الابتعاد عن كل من الدين اليهودي والأيديولوجية الصهيونية، فيمكننا تقسيمهم إلى أربعة أقسام وليس إلى قسمين اثنين: ١ ـ المتدينون: وهؤلاء يؤمنون باليهودية ديناً توحيدياً ويرون أن اليهود هم شعب بالمعنى الديني للكلمة أساساً، وأن العناصر القومية الإثنية في الدين اليهودي (مثل العودة والارتباط بالأرض) هي في جوهرها مفاهيم دينية لا يتم تحقيقها إلا بمشيئة الإله. وهذا الفريق معاد للصهيونية رافض للدولة الصهيونية، بل يرى فيها فعلاً من أفعال الشيطان. ولا تزال جماعة الناطوري كارتا (نواطير المدينة) من أهم الجماعات التي تمثل هذا التيار وتطالب بالانضمام لحكومة فلسطينية في المنفى، وهي تكافح ضد الصهيونية ولها نشاط داخل وخارج الكيان الصهيوني. ٢ ـ الصهاينة المتدينون (أو الإثنيون الدينيون) ، أي الصهاينة من أصحاب الديباجات الدينية:

стр. 8305

إذا كان المتدينون يرون أن على اليهودي الانتظار، ويرون العودة إلى صهيون فعلاً من أفعال الهرطقة (دحيكات هاكتس، أي التعجيل بالنهاية) فإن مسار التاريخ المقدَّس بالنسبة لهم يأخذ الشكل التالي: نفي ـ انتظار ـ عودة بمشيئة الإله. ومع هذا تغلغلت الصهيونية في صفوف المتدينين ونجحت في "صهينة" قطاعات كبيرة منهم (في الواقع الغالبية العظمى) بحيث تم طرح تصوُّر مفاده أنه يجب العودة قبل ظهور الماشيَّح دون انتظار لمشيئة الإله للإعداد لعودته وبهذا يأخذ التاريخ الشكل التالي: نفي ـ عودة للإعداد لمقدم الماشيَّح ـ انتظار ـ مقدم الماشيَّح. ومن الواضح أن الشكل الجديد يسقط العنصر الديني إلى حدٍّ كبير بحيث تصبح العودة فعلاً من أفعال البشر يتم تحت مظلة المنظمة الصهيونية، وبالتالي استطاع هذا الفريق المساهمة في مشروع الاستيطان الصهيوني والمشاركة في كل النشاطات الصهيونية ـ الاستيطانية والعنصرية والإرهابية. ولابد من إدراك أن المعسكر الصهيوني الديني (أي صاحب الديباجات الدينية) ليس معسكراً واحداً. فالانقسام السفاردي الإشكنازي يجد أصداءه داخله، فحزب شاس حزب ديني سفاردي. بل يمكن القول بأنه سفاردي أكثر من كونه دينياً، إذ ينضم له المهاجرون من البلاد الإسلامية بغض النظر عن مدى تديُّنهم. وهناك أيضاً الانقسام بين ممثلي حركة حبد الحسيدية من أتباع شنيرسون (ديجيل هاتوراه) وممثلي الجناح الديني الليتواني (المتنجديم) من أتباع الحاخام شاخ (أجودات إسرائيل) . وهناك الحزب الديني القومي أقدم الأحزاب الدينية وقد تعاون مع المؤسسة الصهيونية منذ البداية. وهناك المتدينون العاديون والحريديم الذي يوصفون عادة بالتطرف الصهيونى. ٣ ـ العلمانيون الشاملون (من الصهاينة (

стр. 8306

كانت اليهودية كنسق ديني في أوائل القرن التاسع عشر مع ظهور المجتمع الحديث في أوربا في حالة أزمة عميقة، إذ يبدو أنها تجمدت وتحجرت بحيث أصبح من العسير عليها أن تتطور. وقد ظهرت الصهيونية وطرحت نفسها على أنها ستحل محل اليهودية كمصدر للهوية، بحيث تصبح اليهودية انتماءً إثنياً بالدرجة الأولى (على طريقة المشروع القومي في الغرب) ، ولكن هذه الإثنية اليهودية لا تستند إلى تراث تاريخي طويل كما هو الحال مع الهويات الغربية كالفرنسية والإنجليزية، وإنما تستند إلى التراث الديني اليهودي، كما تستند إلى اعتذاريات، هي في جوهرها مطلقة مستمدة من المنطق الديني مثل حق اليهود الأزلي في أرض الميعاد. ولذا من الممكن أن نجد شخصاً ملحداً موغلاً في الإلحاد مثل بن جوريون يقتبس التوراة بل يقوم بتفسيرها. وقد استولى الصهاينة على الخطاب الديني اليهودي بكل ما فيه من إطلاق ديني، فهم علمانيون شاملون وليسوا جزئيين، باعتبار أن العلمانية الجزئية تفترض التعددية والنسبية. وهذا الفريق العلماني الشامل هو الذي أسَّس المنظمة الصهيونية العالمية، وهو الذي شيَّد المستوطن الصهيوني. وأهم ممثل له المؤسسة العمالية في إسرائيل بأحزابها ومستوطناتها وتنظيماتها. ٤ ـ العلمانيون الجزئيون (أو الإنسانيون) وهذا فريق صغير من اليهود الذين يرفضون الدين اليهودي، ولا يقبلون الصهيونية، أو يقبلون صيغة صهيونية يمكن تصنيفها على أنها صيغة علمانية جزئية، بمعنى أنها لا تبحث عن مسوغات لنفسها في الدين اليهودي ولا تخلع على نفسها أيَّ إطلاق ومن ثم فهي تقبل بقدر من المشاركة من العرب. وأهم من يمثل هؤلاء في إسرائيل جماعات صغيرة وشخصيات هامشية مثل حركة حقوق المواطن وأوري أفنيري وآربيه إلياف وشالويت ألوني.

стр. 8307

والأيديولوجية الصهيونية تستبعد الفريق الأول تماماً وتستبعد الأخير بدرجات متفاوتة وتتوجَّه للفريق الثاني والثالث، وقد نشأ بينهم تحالف أو تفاهم منذ المؤتمر الصهيوني الأول، يستند أساسا إلى ما يسمى «الوضع الراهن» . اهتزاز الوضع الراهن Destabilization of the Status Quo «الوضع الراهن» عبارة تُستخدَم للإشارة للأمر الواقع الديني بين المستوطنين الصهاينة إبَّان حكم الانتداب. فعلى سبيل المثال، تتوقف المواصلات العامة يوم السبت، ولكن يمكن استخدام السيارات الخاصة أو التاكسيات، وتُغلَق الشوارع في الأحياء التي تقطنها أغلبية متدينة وتُترَك مفتوحة في الأحياء الأخرى. أما في مجال الزواج والطلاق فقد وضعت الصلاحيات المطلقة في يد مؤسسة القضاء الحاخامي التي يسيطر عليها المتدينون (وهو استمرار لنظام الملة العثماني والذي أبقت عليه سلطات الانتداب) . وقد تم الاعتراف بالتعليم الديني المستقل، وهو ما يعني أن الدولة عليها أن تموِّله (وقد أصبح فيما بعد هو العمود الفقرى لتطور التطرف الصهيونى، ذى الديباحات الدينية) . ولا تُعرَض أفلام سينمائية ابتداءً من يوم الجمعة مساءً، وإن كان يُصرَّح بلعب كرة القدم يوم السبت (على أن تباع التذاكر في اليوم السابق) . وقد أرسل بن جوريون عام ١٩٤٧ (باعتباره رئيس الوكالة اليهودية) خطاباً إلى زعماء أجودات إسرائيل وعد فيه بالحفاظ على الوضع الراهن. وقد تم أيضا اعفاء طلبه المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.

стр. 8308

والعقد الاجتماعي الصهيوني يستند إلى قبول «الوضع الراهن» باعتباره الإطار المرجعي لكل العناصر التي تقبل المشروع الصهيوني (ولذا تُرفق اتفاقية الوضع الراهن بكل اتفاق ائتلافي منذ عام ١٩٥٥) . والتفاهم العملي يمكن أن ينصرف إلى التفاصيل والفروع ولكنه غير قادر على حل المشاكل المبدئية، ولذا فالعقد الاجتماعي الذي يستند إليه المجتمع الصهيوني عقد واه جداً مهدد بالتمزق دائماً وفي أية لحظة. وقد أشرنا إلى أن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة تفترض أن اليهود شعب عضوي منبوذ ونافع يمكن توظيفه خارج أوربا لصالحها داخل إطار الدولة الوظيفية. وقد وُلدت الصهيونية على يد صهاينة غير يهود لا يكترثون باليهود وينظرون إليهم من الخارج باعتبارهم مادة استيطانية. ثم انضم إليهم صهاينة يهود غير يهود يشاركونهم عدم الاكتراث هذا. ثم ظهر دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية الذين هوَّدوا الصيغة عن طريق إدخال مصطلحات الحلولية اليهودية العضوية على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، ونادوا بالقومية اليهودية. لكن القومية، بالنسبة إليهم، تستند في نهاية الأمر إلى قراءة صهيونية لما يسمونه «التاريخ اليهودي» تثبت وجود شعب يهودي متميِّز مستقل. ولا تُعدُّ كُتب اليهود المقدَّسة من هذا المنظور سوى جزء من فلكلور هذا الشعب وتاريخه. ولذا، فإن القومية اليهودية قومية مقدَّسة، ولكنها مختلفة عن الدين اليهودي ومستقلة عنه، بل معادية له أحياناً. ثم كان هناك الجيب الصغير من الصهاينة الإثنيين الدينيين، وقد افترض هؤلاء منذ البداية أن الدين هو القومية وأن القومية هي الدين. وهكذا، فبدلاً من القومية بلا دين على طريقة هرتزل (والغرب عامة بعد عصر الإعتاق والاستنارة) ، أو القومية بدلاً من الدين على طريقة آحاد هعام (والقومية العضوية الألمانية السلافية) ، نصل إلى القومية كدين والدين كقومية على طريقة الشرق الأدنى القديم (الحلولية الوثنية) . ولعل أهم مفكري

стр. 8309

هذا التيار هو الحاخام كوك صاحب الفكر الصهيوني الحلولي الذي هاجم من سماهم «الانشطاريين» ، أي الذين يفصلون الدين عن القومية. وقد حاولت اليهودية الحاخامية محاصرة النزعة المشيحانية الحلولية بأن جعلت العودة منوطة بالأمر الإلهي، فكأنها استعادت شيئاً من الثنائية التوحيدية بدلاً من الواحدية الحلولية. ولكن الصهيونية الإثنية الدينية حطمت السدود الحاخامية الأرثوذكسية وبعثت النزعة الحلولية. ورغم أن مارتن بوبر يُعَد من أتباع الصهيونية الإثنية العلمانية، إلا أن مصطلحه الصهيوني ديني صوفي حلولي عضوي إلى أقصى درجة، إذ يلغي الازدواجيات والحدود ويؤكد أن إسرائيل شعب وأن القومي والمقدَّس يتداخلان في حالته تداخلاً تاماً. ولقد تلقَّى إسرائيل الشعب وحياً دينياً في سيناء، ولكن روح هذا الدين هي روح قوميته. ولا يختلف الوحي الذي تلقاه موسى من الرب عن الروح القومية للشعب. وهكذا يذوب الشعب في الإله ليكوِّنا كلاًّ واحداً غير متمايز، فلقد حل المطلق في النسبي حلولاً كاملاً، كما ابتلع النسبي المطلق ابتلاعاً كاملاً، ولذلك فإن في وسع اليهودي أن يعي الإله بأن يعي نفسه، أو كما قال الحاخام كوك: "إن روح إسرائيل وروح الإله هما شيء واحد". وكما أسلفنا تعايش التياران جنباً إلى جنب: التيار الحلولي الديني (القومية كدين والدين كقومية) ، والتيار الحلولي العلماني (القومية كدين) ، وتقبلا سياسة الوضع الراهن، وكان من الممكن أن يستمر التياران في التعايش إلى ما لا نهاية، فالخطاب الصهيوني المراوغ كان كفيلاً بذلك. ولكن قبول الوضع الراهن كان مجرد تفاهم عملي، ولم يكن مبدئياً بأيِّ شكل من الأشكال تتحكم فيه توازنات القوى بين الفريقين الديني والعلماني واللاديني.

стр. 8310

وقد ظل الوضع الراهن قائماً لمدة سنوات طويلة، ودخلت الأحزاب الدينية كل الائتلافات الوزارية التي حكمت إسرائيل، وقنعت بدور التابع الذي يقنع بقطعة من الكعكة. ولكن مع تزايد علمنة المجتمع الصهيوني وعلمنة يهود العالم وتصاعد الخطاب الديني وزيادة عدد الصهاينة من دعاة الديباجات الدينية وظهور مشكلة اجراءات اليهود زادت حدة الاستقطاب في المجتمع الصهيوني بين الدينيين والعلمانيين. ومن الأمثلة على ذلك الموقف من طلبه المعاهد الدينية، فعند إعلان الدولة، وحين تم اعفاءهم من الخدمة العسكرية، كان عددهم لا يتجاوز ٤٠٠، ولكن عام ١٩٩٧ كان عددهم يزيد عن٢٩.٠٠٠. وهذه الألوف لا تعمل، فهم طلبه وحسب، أى أن نسبة كبيرة من المستوطنين أصحاب الديباجات الدينية يعيشون على نفقة دافع الضرائب الإسرائيلي. ولذا أشار لهم أحد كبار العلمانيين في إسرائيل بأنهم «طفيليين» ، وهي كلمة لها مدلول خاص في المعجم الإسرائيلي، فكان يستخدمها أعداء اليهود للإشارة لهم. وقد قال شيمون بيريز حين هُزم في الانتخابات: «لقد هزم اليهود الإسرائيليين» ، كما لو كان هناك فريقان يتصارعان في إسرائيل: «يهود متيدينون» ضد «إسرائيليين علمانيين» ، والفريق الأخير ليس «يهوديا» . واحتكار المؤسسة الدينية لعمليات الزواج والدفن يثير حفيظة العلمانيين. فالمهاجرون اليهود السوفييت (وعدد كبير منهم «غير يهودى» حسب التعريف الأرثوذكس) ، لا يمكنه أن يتزوج فى إسرائيل أو يدفن حسب الشريعة اليهودية فيها وقد أُخرج جثمان أحدهم بعد خمس أعوام من دفنه حين شكّت المؤسسة الحاخامية فى يهوديته. كما أن أحد المستوطنين من أصل سوفييتى لقي حتفه بعد إحدي الهجمات الاستشهادية الفلسطينية، ومع هذا لم يتم دفنه في مقبرة يهودية.

стр. 8311

كل هذا أدي إلي أن حوالي نصف الإسرائيليين يري أن الموقف المتأزم من العلمانيين والمتدينين سيؤدى إلي نشوب حرب أهلية. وقد قال الحاخام حاييم ميلر إن الحل هو الفصل بين الفريقين منها للاشتباك بينهما. الأصولية اليهودية Jewish Fudmentalism كلمة «أصولية» هي ترجمة حرفية لكلمة فاندا منتاليزم Fundamentalism، وهي مأخوذة من كلمة فاندمنت Fundament التي تعني «الأساس» أو «الأصل» (من اللغة اللاتينية، كلمة «فاندا منتم» Fundamentum تعني «أساس» ) . وكلمة «أصولية» الإنجليزية استُخدمت أول ما استخدمت في سياق مسيحي وتعني «حركة بروتستانتية أمريكية» تهدف إلى إعادة تأكيد بعض ما يتصور أنه عقائد ثابتة وأصلية مسيحية مثل قدسية الكتاب المقدَّس وأنه صائب تماماً (بل قد ارتبطت كلمة «أصولية» بالتفسير الحرفي والمباشر لنصوص الكتاب المقدس) ، والإيمان بالمعجزات (وخصوصاً الحمل بلا دنس) والبعث الجسدي للمسيح. ثم طبقت هذه الكلمة على الاتجاهات التجديدية في الإسلام ثم الحركات الدينية المتطرفة في اليهودية. و «الأصوليات» الثلاث مختلفة تمام الاختلاف في مضمونها واتجاهها. وعبارة «الأصولية اليهودية» تُستخدم في الخطاب السياسي العربي والغربي للإشارة إلى شكل من أشكال التطرف الديني عادةً «الأرثوذكسي» (وتترجم كلمة «أصولي» أحياناً إلى كلمة «متزمت» أو «متشدد» أو «متطرف» مما يعني ترادف كل هذه المصطلحات مع لفظ «أرثوذكسي» . وهذا خلل ناجم عن تطبيق مصطلح ديني، ثم اقتراضه من نسق ديني ما ثم تطبيقه على نسق ديني آخر) .

стр. 8312

ويرى مستخدمو هذا المصطلح أن هذه الأصولية تعود إلى الحاخام أبراهام كوك (الذي كان يشغل منصب الحاخام الإشكنازي في فلسطين) وأنها مستمرة حتى هذه الأيام (على يد ابنه الحاخام تسفي كوك وغيره) ، بل إنها آخذة في التنامي. فقد بلغ عدد أعضاء الكنيست «الأصوليين» ، أي ممثلي الأحزاب الدينية (المفدال وديجيل هاتوراه وشاس) ٢٣ عضواً (مقابل ١٦ عضواً في الكنيست السابق) من مجموع ١٢٠ عضواً. وتُعد هذه أكبر نسبة في تاريخ إسرائيل السياسي. وهذا التيار الديني أصبح بمقدوره التحكم في رئاسة الحكومة وإسقاط الحكومات. ولا يمكن تشكيل أية حكومة دون مشاركته (رغم أن أعضاء هذا التيار غير معنيين بالسياسة بالمعنى الضيق للكلمة فهم يهتمون بميزانيتهم بالدرجة الأولى) وهم يستأثرون بوزرارات المستقبل (التعليم ـ الإسكان ـ الأراضي ـ المهاجرون ـ الأديان) ويتحكمون في وزارة حيوية مثل وزارة التعليم، ويُقال إنهم أصبح لهم نفوذ كبير داخل الجيش. فهناك حاخامية عسكرية تتولَّى مهمة التوجيه الفكري والديني داخل القوات المسلحة، وهي تباشر كل شئون الأحوال الشخصية المتعلقة بالعسكريين، وتشرف على المدارس العسكرية الدينية، وتخرِّج أجيالاً مسكونة بالكراهية المطلقة للعرب، كما تتولى الحاخامية إصدار الفتاوى التي تضفي القداسة على الممارسات والجرائم التي يرتكبها الجنود ضد العرب. وقد أوصل هذا التغلغل داخل الجيش عدداً غير قليل من الضباط الأرثوذكس إلى مراتب عليا.

стр. 8313

وفي استطلاع أجرته صحيفة يديعوت أحرونوت قال ٤٧% من الإسرائيليين أنهم يتوقعون حدوث حرب أهلية بين المتدينين والعلمانيين اليهود (وقد تكون هذه مبالغة، ولكنها «مبالغة دالة» إن صح التعبير) . ودعاة الأصولية اليهودية يقفون الآن بمنتهى الحزم والشراسة ضد أي انسحاب من الضفة والجولان ومع الاستيطان وطرد العرب، وهم مستعدون للذهاب في سبيل الدفاع عن موقفهم هذا إلى أبعد مدى. ولا تنس أنهم يعتبرون باروخ جولدشتاين منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي قديساً ومثلاً أعلى يجب الاحتذاء به. والأطروحات الأساسية لهذه «الأصولية» ـ حسب تصوُّر من يستخدمون هذا المصطلح ـ كما يلي: ١ ـ إنشاء دولة إسرائيل هو تجسيد للحلم التوراتي اليهودي القديم، رغم أن الحركة الصهيونية نفسها، المؤسسة للكيان الصهيوني، لم تكن حركة دينية، وإنما كانت أيديولوجية سياسية علمانية، ورغم أن الآباء المؤسسين (الحرس القديم) مثل بن جوريون وإيجال آلون، كانوا ملحدين في حياتهم، علمانيين في طرق تفكيرهم. ويسمي كوك هذه الظاهرة (وعد ديني يتحقق على يد علمانيين) «الانشطارية» . ولذا بينما يرفض الأصوليون هذا الطابع العلماني للدولة، فإنهم يقبلون بفكرة الدولة اليهودية نفسها (على عكس ناطوري كارتا التي ترفض فكرة الدولة من أساسها) . ٢ ـ لا يمكن الثقة في الأغيار، بأي شكل، وأرض إسرائيل الكبرى هي أرض يهودية، ولابد للدولة اليهودية أن تعتمد على نفسها وحسب (رغم كل المساعدات الخارجية التي تصب فيها) . ولذا لا يفهم أعضاء هذا اليمين الديني الموازنات الدولية حق الفهم. وهم يتصورن أنه لا يمكن عقد سلام مع العرب، بل يجب طردهم أو تهجيرهم. ولذا نجد أن الأغلبية الساحقة لهؤلاء المستوطنين من أصحاب الديباجات الدينية يقضون ضد أى تنازل عن الأرض اليهودية.

стр. 8314

وهذه المقولات ليست بالضرورة مقولات دينية ويمكن لأي حزب علماني أن يتبناها. وبالفعل نجد أن اليمين (المؤيد لنتنياهو) يضم في صفوفه متدينين قوميين وعلمانيين. فهو يضم (كما أسلفنا) أحزاب دينية مثل حزب المفدال وشاس وديجيل هاتوراه، ولكنه يضم أيضاً أحزاب موليديت وإسرائيل بعالياه وتسوميت. وحزب إسرائيل بعالياه هو حزب الصهاينة المرتزقة، أي المهاجرين السوفييت الراغبين في تحسين مستواهم المعيشي، أما حزب تسوميت، فهو حزب صهيوني لا ديني. ولا يمكن الحديث عن نتنياهو أو عن جيله بأسره، باعتباره متديناً. ولكل هذا نجد صعوبة بالغة في استخدام هذا المصطلح، نظراً لعدم دلالته وتفسيريته. ولابد من القول بأن الخاصية الجيولوجية التراكمية لليهودية تبرر الشيء وعكسه، فهي على سبيل المثال تبرر الاستيلاء على الأرض وعلى إعادتها للعرب (في سبيل الحفاظ على النفس اليهودية "بيكوح نيفيش") . كما يمكن القول بأن اليهودية الحاخامية حاولت، بشكل عام، محاصرة النزعة المشيحانية ولذا جعلتها منوطة بمشيئة الإله، والعودة الشخصية الفعلية (دون انتظار أوامر الإله وتعاليمه) يُعد ارتكاباً لخطيئة «دحيكات هاكتس» ، أي «التعجيل بالنهاية» ولذا فالأرثوذكسية تبرر «العودة» وتحرمها في آن واحد. ورغم التأييد الأرثوذكسي للاستيلاء على الأرض فقد أحجم الحاخام شنيرسون عن إتمام رحلته إلى فلسطين قائلاً: "في السماء شهودي، لو كان الأمر بيدي لحثثت الخطى إلى هناك [إلى فلسطين] كالسهم حينما يخرج من قوسه" ولكنه لم يفعل، خشية أن يفسر الصهاينة رحلته هذه على أنها قبول لرؤيتهم، كما أن الحاخام هيرش، زعيم الناطوري كارتا، امتنع عن زيارة حائط المبكى، رغم أنه كان يعيش على بُعد خطوات منه. التطرف اليهودي Jewish Extremism

стр. 8315

«التطرف اليهودي» مصطلح يُستخدم، خطأ، في الخطاب السياسي العربي والغربي للإشارة إلى «الأصولية اليهودية» أو إلى «اليهودية الأرثوذكسية» . ويتحدث الإعلام أحياناً عن «المتطرفين اليهود» بمعنى «اليهود الأرثوذكس» . اليهودية المتزمتة Rigid Judaism «اليهودية المتزمتة» مصطلح يُستخدم، خطأ، في الخطاب السياسي العربي والغربي للإشارة إلى «الأصولية اليهودية» أو إلى «الأرثوذكسية اليهودية» . ويتحدث الإعلام أحياناً عن «المتزمتين اليهود» بمعنى «اليهود الأرثوذكس» . اليهودية المتشددة Rigid Judaism «اليهودية المتشددة» مصطلح يُستخدم، خطأ، في الخطاب السياسي العربي والغربي للإشارة إلى «الأصولية اليهودية» أو إلى «الأرثوذكسية اليهودية» . ويتحدث الإعلام أحياناً عن «المتزمتين اليهود» بمعنى «اليهود الأرثوذكس» . أزمة الصهيونية الإثنية العلمانية وتصاعد الديباجات الدينية Crisis of Ethnic Secular Zionism and the Escalation of Religious Apologetics رغم تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الإسرائيلي ورغم اهتزاز الوضع الراهن إلا أنه لوحظ تَصاعُد الديباجات الدينية في إسرائيل. ولتفسير هذه الظاهرة يمكن أن نشير إلى ما قاله هارولد فيش أستاذ الأدب الإنجليزي، أحد أهم منظري الصهيوني الإثنية الدينية الجديدة الذي هاجر إلى إسرائيل عام ١٩٥٨، حيث درس في جامعة بار إيلان وأسَّس معهد اليهودية والفكر الحديث.

стр. 8316

١ ـ يرى هارولد فيش أن من أهم التحولات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي تآكل المؤسسات المختلفة التي يُقال لها «اشتراكية» والتي كانت تهيمن على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في إسرائيل. فالكيبوتسات نفسها انكمش حجمها بالنسبة إلى الاقتصاد القومي وتحولت عن الزراعة إلى الصناعة واستخدمت العمالة العربية، وتحوَّل أعضاء الكيبوتس أنفسهم إلى ما يشبه المديرين ورجال الأعمال. كما أن الطبيعة الاستعمارية للدولة الصهيونية، وتحالفها مع الإمبريالية الغربية وجنوب أفريقيا، زادا وضوحاً وذيوعاً. وقد أدَّى هذا إلى تآكل الديباجة الاشتراكية، إذ أصبحت فارغة من المعنى يتمسك بها الإشكناز وأولادهم وهم يتمتعون بمستويات معيشية عالية داخل الكيبوتسات الاشتراكية التي يتم تمويلها من الولايات المتحدة والتي كانت تصدِّر منتجاتها إلى جنوب أفريقيا! ٢ ـ مما زاد عملية التآكل، وصول يهود البلاد العربية الذين لم تحقق لهم الصهيونية العمالية مستوى معيشياً مرتفعاً بقدر ما سلبتهم هويتهم الحضارية ودفعت بهم إلى أدنى درجات السلم الاجتماعي (فوق العرب مباشرةً!) . ٣ ـ ثم جاء اليهود السوفييت الهاربون من النظام الاشتراكي، الباحثون عن النعيم الاستهلاكي، الذين لم يكونوا على أدنى استعداد لأن يمضوا في اللعبة الصهيونية الاشتراكية.

стр. 8317

٤ ـ كان المعسكر العمالي اللاديني هو المعسكر المهيمن على المشروع الصهيوني منذ العشرينيات، إذ كانت مؤسساته القوية الضخمة (الهستدروت والكيبوتس) هي المهيمنة. ولكن هزيمة ١٩٧٣ أفقدته كثيراً من شرعيته، وأصبح بإمكان معسكر الليكود (الصهيونية ذات الديباجة اليمينية) أن يطرح نفسه كبديل. ثم نجح بالفعل في الوصول إلى الحكم عام ١٩٧٧. ورغم أن زعماء الليكود هم أنفسهم لا دينيون، إلا أنهم زادوا جرعة الاعتذاريات الدينية الصهيونية حتى يمكنهم اجتذاب اليهود السفارد واليهود العرب الذين لا يزال الدين يلعب دوراً كبيراً في حياتهم. ٥ ـ أصبح المجتمع الصهيوني مجتمعاً متسيباً من الناحية الأخلاقية ويعود هذا بغير شك إلى أنه مجتمع مستوطنين مهاجرين. ومثل هذه المجتمعات تتسم بالتفكك والتسيب الخلقي لأسباب كثيرة ليس هنا مجال حصرها. ولعل اعتماد المجتمع الإسرائيلي على السياحة (وفي تصوري أن السائح باعتباره شخصاً مُقتلَعاً باحثاً عن المتعة العابرة لقاء أجر، عنصر مدمر من الناحية الأخلاقية والاجتماعية) ساهم هو الآخر في زيادة التفكك والتسيب. ثم كان للسياسات الاقتصادية التي تبناها الليكود في أوائل الثمانينيات (كجزء من حملته الانتخابية) والتي تشبه من بعض الوجوه سياسات الانفتاح في مصر ـ بتشجيعه الاستيراد الاستهلاكي ـ أعمق الأثر في زيادة حدة السعار الاستهلاكي وما يصاحبه من توجهات اجتماعية ضارة. مهما كان السبب فالمحصلة النهائية هي أن المجتمع الإسرائيلي ـ كما يقول أمنون روبنشتاين في كتابه العودة للحلم الصهيوني ـ أصبح من أكثر المجتمعات انحلالاً في العالم، ولا يوجد أيُّ نوع من أنواع الانحرافات الجنسية إلا ويُمارَس فيه.

стр. 8318

٦ ـ لا يمكن فصل الصهيونية عن التوسع وضم الأراضي، وبعد عام ١٩٦٧ تم ضم أراض شاسعة كان على الصهاينة استعمارها. وقد تمت حركة الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية تحت رايات الديباجة الدينية. فمعظم المستوطنين في الضفة الغربية من المتدينيين لأن العلمانيين فقدوا الرغبة في الدفاع عن المُثُل الصهيونية العلمانية، وقد اسبغ هذا الكثير من الشرعية على المؤسسة الدينية. ٧ ـ استخدام الاعتذاريات الصهيونية العلمانية (الصهيونية كحركة تحرُّر وطني للشعب اليهودي ـ الصهيونية كحركة بَعْث اشتراكي) أصبح أمراً صعباً جداً مع تزايد قمع الشعب الفلسطيني، ولذا لم يكن هناك مفر من استخدام اعتذاريات دينية مغلقة. ٨ ـ وأخيراً هناك أزمة الأيديولوجية الصهيونية العامة، فيجب ألا نسقط من اعتبارنا الأزمة العامة التي تعيشها المجتمعات العلمانية في الغرب، فهي مجتمعات اكتشفت إفلاس مبدأ اللذة والمنفعة (التي تستند لها فلسفة الحكم في هذه الدول) وظهر ما يُطلَق عليه أزمة المعنى، فالفرد في مجابهة العزلة والشيخوخة والمشاكل الشخصية والموت لا يقنع بالتفسير النفعي أو ما شابه من تفسيرات مادية أخرى. ويبحث عن إجابات أكثر عمقاً وإنسانية للأسئلة التي تطرحها عليه تجربته الشخصية والحياتية في هذا الكون.

стр. 8319

كل هذا أدَّى إلى إفلاس الصهيونية الإثنية العلمانية وحسب تصوُّر هارولد فيش، فإن الموقف يتلخص في هذه الكلمات: "ثمة أزمة روحية مركبة تؤثر في المجتمع الإسرائيلي العلماني، فكثيرون من أتباع جوردون يبحثون عن الوظائف ... كما أن هناك بين أبناء الرواد الاشتراكيين قدر متزايد من التقليد الرخيص لحضارة الغرب، والعدمية في الأدب والفنون، والتلاعب بالمال العام من أجل الربح الخاص. وبين أبناء اليهود الأتقياء، الذين أتوا من الأحياء اليهودية في الدار البيضاء ومراكش، قدر متزايد من جرائم العنف وإدمان المخدرات. فعندما وصلوا (وهم أطفال) في بداية الخمسينيات، حرمهم المجتمع العلماني من حقهم الطبيعي الروحي وأعطاهم بضائع رخيصة في المقابل". لكل هذا، بدأت المؤسسة الدينية الصهيونية تطرح نفسها كبديل وتبدي استعدادها للإمساك بزمام القيادة، ولم تَعُد تقنع بدور الشريك الضعيف، وعلى كلٍّ، إذا كانت إسرائيل دولة يهودية حقاً كما تدَّعي، فمَن أحق بالحديث باسمها وإدارتها من المتدينين الصهاينة الذين يرفعون لواء الدين القومي والقومية الدينية ويُعرِّفون اليهودي تعريفاً يحل مشكلة المعنى بالنسبة له ويسوِّغ وجوده في فلسطين في خط النار داخل الحروب المتكررة. فالشعب المختار ـ حسب تفسيرهم ـ شعب كُتبت عليه مجابهة الأغيار، ولا يمكن أن يقنع بالحياة الرخوة اللينة (التي يبشر بها اللادينيون (. صهينة العناصر الدينية الأرثوذكسية بعد عام ١٩٦٧ Zionization of the Orthodox Elements after ١٩٦٧

стр. 8320

بعد احتلال ما تبقى من فلسطين في حرب يونيه ١٩٦٧، طرأ تحوُّل على مواقف معظم الأحزاب الدينية الصهيونية وغير الصهيونية من اعتبار هذه الحرب معجزة وإشارة ربانية إلى اعتبارها بداية الخلاص، وفي الأوساط الدينية غير الصهيونيةانطلق الصوت الجديد من الولايات المتحدة، موطن زعيم حركة حبد، الحاخام شنيرسون. ويتلخص الموقف الجديد بالقول بأنه صحيح أن دولة إسرائيل بوصفها كياناً صهيونياً تعبير عن الكفر والتمرد على إرادة الله، ولذلك فهي بالتأكيد ليست تعبيراً عن الخلاص، لكن، ومن ناحية أخرى، فإن أرض إسرائيل بسيادة يهودية تنطوي على مغاز ذات أهمية. ولذلك تدعو هذه الحركة إلى عدم التنازل عن أيٍّ من الأراضي التي احتُلت عام ١٩٦٧، وذلك من منطلق أحكام الشريعة الدينية. لقد تأثر هذا الموقف منذ البداية بما سمي «المعجزات والإشارات السماوية» التي تجلت بالانتصارات في الحروب المختلفة، وخصوصاً حرب ١٩٤٨ وحرب ١٩٦٧. وقد اعتمد قسم من هذا التيار، في تأكيده عدم قدسية إسرائيل، على الفارق بين دولة إسرائيل وأرض إسرائيل، وعلى ذلك الجزء بالذات الذي لا يمثل مكاناً مهماً في التقاليد الدينية اليهودية. لكن، بعد احتلال عام ١٩٦٧، زال الفارق عملياً، وأصبح هناك تطابق بين أرض إسرائيل وهي مفهوم ديني وبين دولة إسرائيل وهي مفهوم سياسي علماني، وزاد اقتراب اتباع هذا التيار تدريجياً من الأوساط اليمينية في إسرائيل، أو لوبي أرض إسرائيل كما تُسمِّي هذه الأوساط نفسها. ومع أن هذا التيار ما زال غير صهيوني بالمعنى التقليدي، إلا أن تحوُّل أرض إسرائيل إلى قيمة دينية في نظره، جعله يقترب كثيراً من مواقف جوش إيمونيم.

стр. 8321

أما التيار الثاني القديم الجديد، فهو التيار الذي تمثله المدارس الدينية الليتوانية بزعامة الحاخام إليعازر مناحم شاخ، وهو الآن شخصية متميزة في عالم المتدينين اليهود. وقد ساهم الحاخام شاخ بعد انشقاقه عن مجلس كبار التوراة، السلطة الروحية لأجودات إسرائيل، في إقامة حزبين هما: حركة شاس التي قاسمه زعامتها الروحية الحاخام الشرقي عوفاديا يوسف، وحركة ديجل هتوراه (علم التوراة) التي لا ينافسه أحد في زعامتها حتى اليوم. ينظر الحاخام شاخ إلى دولة إسرائيل نظرة برجماتية مغالية في برجماتيتها، لأنه ينزع عنها أية قيمة مقدسة؛ فلا هي بداية الخلاص كما تعتقد جوش إيمونيم، ولا هي مقدمة لبداية الخلاص إذا أحسن استخدامها، كما تدَّعي أوساط من أجودات إسرائيل، وليست أرض إسرائيل مقدسة بحد ذاتها. ويعتقد الحاخام شاخ بقدوم الماشيَّح، أي أن هناك جانباً مشيحانياً في تدينه. إلا أنه لا يرى أي عنصر مشيحاني في الواقع، فالواقع التاريخي يتطور بموجب منطقه الداخلي. والتوراة حافظت على الشعب اليهودي آلاف السنين، فهل نستبد بها شيئاً آخر، وبماذا؟ التوراة هي التي تحافظ على شعب إسرائيل، لا الدولة.

стр. 8322

ينقسم العالم، في نظر الحاخام شاخ، إلى يهود وغير يهود (الأمم) . والمقولة التلمودية والتوراتية: "عليك ألا تعجل النهاية وألا تتمرد ضد الأمم" تحمل، لدى هذا التيار، معاني محددة. فالتمرد ضد الأمم لا يعني أن على اليهود البقاء في منفاهم الجغرافي وألا يقيموا دولة يهودية، بل يعني أن تتعامل إسرائيل بحذر مع الدول العظمى ومع العرب، وعليها أن تكون مستعدة لتقديم تنازلات من أجل السلام، وهذا موقف يتبناه بشكل أكثر حدة الحاخام عوفاديا يوسف الذي يدعو إلى تفضيل "سلامة اليهود على سلامة أرض إسرائيل". لكن، ومن ناحية أخرى، فإن الحاخام شاخ يطرح أمام الصهيونية تحدياً جديداً هو وطنية يهودية تنظر إلى غير اليهود بريبة وحذر. فالصهيونية تحاول تحويل اليهود إلى أمة كباقي الأمم، لكنهم ليسو كذلك، فالأمم تترقب الفرصة للانقضاض على اليهود: "من البديهي أن يكره عيسو يعقوب" (مقولة من المدراش) . وعلى اليهود أن يفوتوا الفرصة على غير اليهود؛ عليهم إذن أن يتصرفوا بحكمة وحذر وأن يتقنوا إجراء الحلول الوسط. أزمة الصهيونية الإثنية الدينية Crisis of Ethnic Religious Zionism يرى دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية أن أزمة المجتمع الصهيوني ليست كامنة فيه وإنما في وجود هذه الكتلة البشرية اليهودية المتمسكة بالعقائد الدينية الجامدة والآخذة في التكاثر. وهم يرون أن عصر النظام العالمي الجديد (وما بعد الحداثة) يتيح فرصة ذهبية أمام الدولة الصهيونية لتعقد تحالفات مع أعضاء النخب الحاكمة ضد الأصوليات الدينية، إسلامية كانت أم يهودية.

стр. 8323

وهذا المنطق ينطوي على خلل أساسي، فالدعوة لإسرائيل الكبرى ـ على سبيل المثال ـ ليست مقصورة على المتدينين الجامدين، وإنما تضم عدداً كبيراً من الملاحدة، أو اليهود الإثنيين كما يسمون أنفسهم. وإيريل شارون ونتنياهو قد يرتدون غطاء الرأس اليهودي ولكنهم لا يؤمنون بالإله ولا يقيمون أبسط الشعائر اليهودية. وحينما يفعلون ذلك فإنهم يفعلونه من قبيل التمسك بالفلكلور. وحروب إسرائيل ومشروعها الاستيطاني تمت تحت ألوية الصهيونية الإثنية العلمانية، المتطرفة في علمانيتها. دار الحاخامية الرئيسية في إسرائيل Chief Rabbinate in Israel أبرز المؤسسات الدينية في إسرائيل إلى جانب وزارة الشئون الدينية. أنشأتها حكومة الانتداب البريطاني عام ١٩٢١، لتحل محل مؤسسة الحاخام باشي العثمانية، وعهدت إليها بتصريف أمور الأحوال الشخصية لليهود المقيمين في فلسطين. وهي تتمتع بصلاحيات واسعة في الأمور المتعلقة بالزواج والطلاق والإرث والطعام والختان والدفن وإقامة شعائر السبت وكان أول رئيس للحاخامية الحاخام الصهيوني إسحق كوك. وقد أُعيد تعريف سلطات وصلاحيات الحاخامية عام ١٩٢٨. إذ قُسِّمت السلطة بين حاخام إشكنازي وآخر سفاردي يحمل لقب ريشون لتسيون: أي الأول في صهيون، باعتبار أن وجوده في فلسطين يسبق وجود الإشكناز. وكانت العضوية في مجلس الحاخامية مقسَّمة بين الإشكناز والسفارد بالتساوي. وقد عارض تأسيس الحاخامية كل من اليهود الأرثوذكس واليهود العلمانيون. فالأرثوذكس كانوا يرون أن الحاخامية تتلقى الأوامر من الزعامات الصهيونية العلمانية ومن ثم فهي تشكل خضوعاً للأيديولوجية العلمانية. أما العلمانيون فكانوا يخشون من تعاظم نفوذ الحاخامية ومن أنها قد تتدخل في الحياة العامة وتفرض عليها طابعاً دينياً.

стр. 8324

وقد استمرت الحاخامية في ممارسة صلاحياتها بعد تأسيس الدولة. وقد أصبح الحاخامان الأكبران هما أيضاً رئيسا المحكمة الحاخامية العليا. وترفض الحاخامية الخضوع للسلطات القضائية في الدولة كالمحكمة العليا (ومما يساعدها على مزيد من الهيمنة أن إسرائيل ليس لها دستور مكتوب) . وتُسيطر على دار الحاخامية العناصر الأرثوذكسية التي قَبلت التعاون مع المؤسسة الصهيونية. أما اليهود المحافظون والإصلاحيون فهم غير مُمثَّلين فيها. وتُعَدُّ الأحزاب الدينية في إسرائيل بمنزلة الذراع السياسية لدار الحاخامية، وتدور دار الحاخامية (وكل المؤسسات الدينية) داخل إطار ما يُسمَّى «سياسة الوضع الراهن» ، أي العرف السائد في فلسطين إبَّان حكم الانتداب البريطاني فيما يتصل بما يجب مراعاته من الشعائر الدينية اليهودية في رقعة الحياة العامة، وما يمكن تجاهله.

стр. 8325

وتفجر دار الحاخامية من آونة لأخرى بعض التناقضات الكامنة في الأطروحات التي تستند إليها الدولة الصهيونية. فالصهاينة يفترضون وحدة اليهود. ولذا، فحينما تشكِّك الحاخامية في يهودية بني إسرائيل من الهند والفلاشاه من أثيوبيا فإنها تهز هذه الوحدة من جذورها. وحين ترفض الاعتراف بالحاخامات الإصلاحيين والمحافظين، وبعمليات التهود التي يشرف عليها هؤلاء الحاخامات، وحينما تُصر على التحقق من الأصول اليهودية للمهاجرين السوفييت فإنها تخلق توترا بين الدولة الصهيونية والأغلبية الساحقة من يهود العالم، وتُعيد طرح السؤال الذي لا يريد أن يتوارى، أي من هو اليهودي؟ كما أنها تعمق الانقسامات داخل إسرائيل نفسها بين أصحاب التعريف العلماني لليهودي وأصحاب التعريف الديني القومي، فهي تُصر على التمسك بسياسة الوضع الراهن وعلى إقامة بعض الشعائر وتُحارب الإباحية المتزايدة في المجتمع الصهيوني، الأمر الذي يثير حنق العلمانيين، وخصوصاً أن الإباحية والانفتاح مرتبطان تماماً بالقطاع السياحي وهو من أهم القطاعات في المجتمع الصهيوني. ويحاول العلمانيون داخل إسرائيل، واليهود الإصلاحيون والمحافظون ـ داخلها وخارجها ـ تكوين تحالف مشترك ضد الحاخامية الأساسية والمؤسسة الدينية الأرثوذكسية. أزمة الهوية اليهودية Crisis of Jewish Identity ١ ـ من هو اليهودي؟:

стр. 8326

لعل أولى الخطوات التي تتخذها أية حركة بعث قومي أو حركة تحرُّر وطني هي تحديد الـ «نحن» ومنْ «هم» ، ومنْ يقع داخل نطاق الهوية ومنْ يقع خارجها. وهذه الخطوة ليست أكاديمية أو حماسية أو مجرد ديباجة تبريرية وإنما هي من صميم الفعل السياسي، إذ أنها خطوة ضرورية لصياغة المشروع، بجميع جوانبه الحضارية والسياسية والاقتصادية، وللتعريف بمن سيتم تجنيده ومن سيتم استبعاده، وتحديد الصديق والعدو، وحدود الدولة، وهويتها، وسكانها، ومن يحق له الهجرة إليها وهكذا. وقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها حركة تحرير الشعب اليهودي ومرادفة للقومية اليهودية وبدأت من القول بأن اليهود شعب واحد يندرج داخله كل أعضاء الجماعات اليهودية وأن ثمة تاريخاً يهودياً واحداً يدورون جميعهم في إطاره. وانطلاقاً من هذا تقرَّر أن تؤسَّس الدولة اليهودية.

стр. 8327

وقد نشب الصراع حول هذه الهوية اليهودية القومية الوهمية منذ البداية بين دعاة الإثنية الدينية (الصهيونية الدينية) ودعاة الإثنية العلمانية (الصهيونية الثقافية) وكان مركز الصراع مصدر يهودية اليهودي (الخالص المقدَّس) هل هو التطور التاريخي والتراث اليهودي والانتماء العرْقي، أم الاختيار الإلهي والتاريخ اليهودي المقدَّس؟ كما نشب صراع بين يهود الشرق والغرب وطُرح سؤال: هل اليهودي هو اليهودي الإشكنازي الأبيض وحده، أم أن مقولة اليهودي تشمل يهود العالم كافة متضمنة بذلك السفارد والفلاشاه؟ وأرجئ حسم الخلاف، واتفق الجميع على الإشارة مؤقتاً لكل الجماعات اليهودية بكل تنوُّعها الحضاري وانعدام تجانسها العرْقي على أنهم "اليهود" أو "الشعب اليهودي" بشكل عام مطلق مع التزام الصمت تجاه رقعة الخلاف. وقد ظلت حالة اللاحرب واللاسلم الهلامية سائدة حتى إقامة الدولة حين أُصدر قانون العودة الذي يعطي لأيِّ يهودي الحق في الاستيطان في فلسطين استناداً إلى "يهوديته" التي لم يتم تعريفها! وبذا تم وضع قضية الهوية (بل قضايا أخرى مثل "الشخصية اليهودية" و"وحدة الشعب اليهودي") على المحك. وقد يقول قائل إن هذه الإشكالية هي من "مخلفات الماضي"، وأنها من الأمور الشكلية غير العملية التي لا تمس الجوهر، ولن تؤثر في سلوك المستوطن الصهيوني من قريب أو بعيد. ولكن مثل هذا القول سيكون من قبيل تطبيع النسق السياسي الصهيوني، أي النظر إليه كما لو كان نسقاً سياسياً طبيعياً وليس كياناً استيطانياً إحلالياً له ظروفه الخاصة التي تحدد طبيعته الخاصة. فتعريف اليهودي مسألة أساسية للعقد الاجتماعي الصهيوني للأسباب التالية:

стр. 8328

أ) إذا كان تعريف المسيحي في الولايات المتحدة مسألة شكلية، فإن هذا يعود إلى أن حكومة الولايات المتحدة لا تبحث عن شرعية مسيحية. ذلك أن مصادر شرعيتها تقع خارج نطاق الديانة المسيحية، بل ربما خارج التراث المسيحي ككل. أما الدولة الصهيونية فهي تدَّعي أنها يهودية وأنها تجسد قيماً (إثنية دينية أو علمانية) يهودية، وأنها استمرار للدولة اليهودية القديمة (ولذا يطلق الصهاينة على إسرائيل اصطلاح «الهيكل الثالث» ) . وانطلاقاً من هذا، تطلب الصهيونية من اليهود الالتفاف حولها ودعمها، وباسم هذه الهوية اليهودية المزعومة تقوم أيضاً بضم الأراضي. لكن الفشل في تعريف اليهودي يضعف مقدراتها التعبوية ويضرب أسطورة الشرعية في الصميم. ب) تدَّعي الدولة الصهيونية أنها دولة كل اليهود في أنحاء العالم. ومن المعروف أن المؤسسة الدينية في إسرائيل تصر على أن التهويد يجب أن يتم على يد حاخام أرثوذكسي، وهذا يعني في واقع الأمر استبعاد أكثر من ٨٠% من يهود العالم الذين يعرِّفون اليهودي على أسس لادينية أو لا يقبلون اليهودية الأرثوذكسية. فأغلبية يهود الاتحاد السوفيتي قد تحولوا إلى يهود إثنيين، أو يهود غير يهود، والمهاجرون منهم حينما يصلون إلى إسرائيل يواجهون الكثير من المتاعب بسبب إصرار المؤسسة الأرثوذكسية على تعريفها. كما أن كثيراً منهم طرف في زيجات مُختلَطة (أي من غير اليهود) ، وبالتالي لا تعترف المؤسسة الأرثوذكسية بأولادهم يهوداً. أما يهود الولايات المتحدة، فإن أعداداً كبيرة منهم من الإصلاحيين والمحافظين الذين لا يعترف الأرثوذكس بيهوديتهم.

стр. 8329

جـ) في أيامها الأولى، عرَّفت الصهيونية اليهودي على أنه اليهودي الأبيض (أي الإشكناز) . وهي في هذا كانت متسقة تماماً مع نفسها، فقد كانت تقدِّم نفسها على أنها تجربة تتم داخل إطار التشكيل الاستعماري الغربي. ولكن، نظراً لملابسات الاستيطان نفسها ونظراً لطبيعة التكوين الإثني للمهاجرين، تم إخفاء هذا التعريف، الذي يعادل بين اليهودي والإشكنازي، عن الأنظار. ولكن إخفاءه عن الأنظار (أي اللجوء إلى الحل المراوغ) لا يحل المشكلة إذ أن القضية تثار بدرجات متفاوتة في الحدة. فالرؤية الكامنة التي توجِّه الدولة الصهيونية لا تزال أولاً وأخيراً رؤية إشكنازية تحاول القضاء على الأشكال الحضارية الشرقية التي أحضرها اليهود الشرقيون معهم (من السفارد واليهود العرب ويهود البلاد الإسلامية) . وقد أدَّى وصول الفلاشاه إلى طرح القضية مرة أخرى، إذ لم تعترف دار الحاخامية بيهوديتهم وطلبت منهم أن يتهودوا، كما أن لونهم الأسود قد أثار العنصرية البيضاء القديمة بين الإشكناز. د) ومما يزيد مسألة الهوية تعقيداً، ظهور هوية إسرائيلية جديدة بين جيل الصابرا من الإشكناز تتسم بسمات عديدة من بينها احتقار عميق ليهود العالم (وعقلية المنفى) وعدم الاكتراث بالقيم التي يُقال لها «يهودية» في القول الصهيوني. ومن هنا، كان وصف عالم الاجتماع الفرنسي جورج فريدمان للصابرا بأنهم "أغيار يتحدثون العبرية"، ويجد البعض صعوبة بالغة في تصنيف هوية هؤلاء على أنها "يهودية". هذا وتشهد الدولة الصهيونية تصاعداً حاداً في مستويات التهويد والعلمنة الأمر الذي يعمق من حدة التناقضات.

стр. 8330

كل هذه العناصر والتوترات والتناقضات، تجعل من العسير على اليهود أنفسهم تصديق مقولة الشعب اليهودي الذي يتجاوز الأزمنة والأمكنة ويتسم بجوهر عضوي يهودي أزلي، تلك المقولة التي تنطلق منها الأيديولوجيا الصهيونية. فالفعل أثبت أنه لا يوجد جوهر واحد أو وحدة عضوية وإنما سمات عديدة متنوعة بتنوع التشكيلات الحضارية والتاريخية التي عاش فيها اليهود. إن قضية تعريف اليهودي، إذن، ليست قضية دينية أو سياسية، وإنما هي قضية مصيرية تنصرف إلى رؤية العالم والذات والأساس الذي يستند إليه تضامُن المجتمع ومصدر الشرعية فيه. ٢ ـ اليهود الشرقيون: أسس الإشكناز الجيب الصهيوني من خلال خلايا زراعية عسكرية متناثرة على أرض فلسطين، ثم قامت بالاستيلاء عليها وطَرْد سكانها حينما سنحت الفرصة وأعلنت قيام الدولة الصهيونية ـ ولكن الدولة شيء والمجتمع شيء آخر. وحتى يتم تأسيس مجتمع متكامل، كان لابد أن يضم مادة بشرية جديدة لشغل قاعدة الهرم الإنتاجي، ليصبحوا عمالاً وفلاحين يقومون بالأعمال الإنتاجية ـ ومن هنا كان تهجير اليهود العرب بالوعد أحياناً (اليمن) وبالوعيد أحياناً أخرى (العراق) . وقد نجح الصهاينة في إنجاز هذا الجزء من مخططهم، إلى حدٍّ بعيد، بسبب عمالة بعض الحكومات العربية وجهل بعضها الآخر.

стр. 8331

وقد كانت الأمور مستقرة وهادئة داخل الكيان الصهيوني حتى عام ١٩٦٧. وكان الهرم المقلوب قد وقف على قاعدته من خلال يهود البلاد العربية، وتربَّع على قمته يهود البلاد الغربية الذين كانوا يديرون الأمور ويستخدمون اليهود السفارد والشرقيين كعمالة رخيصة وأداة لضمان دوران دولاب العمل، وجعل هؤلاء يهللون بأن الهرم اليهودي تم تطبيعه مع أن قاعدته كانت سفاردية وشرقية وقمته إشكنازية غربية. ولكن، مع دخول العمالة العربية بعد عام ١٩٦٧، ومع تزايد الثروات التي صبت في التجمع الصهيوني، حقق اليهود الشرقيون شيئاً من الحراك الاجتماعي، وتركوا قاعدة الهرم الإنتاجي والأعمال الوضيعة للعمال العرب، بل تحولوا إلى مقاولي أنفار (فهم يجيدون التعامل مع المادة البشرية العربية بسبب خلفيتهم الثقافية المشتركة، وبالتالي فقد تحولوا إلى جماعة وظيفية وسيطة) . وقد زادت بسبب هذا طفيلية وهامشية القطاع اليهودي في الاقتصاد الإسرائيلي. وقد بدأ الشرقيون يطالبون بالمساواة مع الإشكناز. ولكن المفارقة الكبرى تكمن في أنه كلما ازدادت مساواة الشرقيين بالغربيين ازدادت أزمة المجتمع الصهيوني تفاقماً، إذ أن العنصر اليهودي (بشقيه الغربي والشرقي) سيزداد صعوداً إلى قمة الهرم وانعزالاً عن قاعدته الإنتاجية الأمر الذي يزيد تواجد العرب فيها.

стр. 8332

ويحاول الإشكناز تحاشي هذا الموقف عن طريق استيعاب الشرقيين دون دمجهم في المجتمع. فالاستيعاب لا ينطوي على صهر الجماعات المختلفة بل يعني إمكانية السيطرة والتحكم لدرجة قد تصل إلى الهيمنة. وهذا يعني أن الشرقيين سيصبحون يهوداً بالمعنى العام للكلمة دون أن يصبحوا إشكنازاً، أي أنهم سيحلون الأزمة السكانية للتجمع الصهيوني (كيهود) دون أن يهددوا مواقع الإشكناز المتميِّزة. ويتم إنجاز ذلك عن طريق طرح إطار مرجعي ثقافي غربي يشعرالشرقيون داخله بدونيتهم بشكل دائم، فالشرقي حينما يحكم على نفسه بمقاييس حضارية إشكنازية سيجد نفسه ناقصاً (وهذا تكتيك استعماري معروف يشكل جوهر التبعية) . كما أن الإحساس بالدونية تجاه الإشكناز يترجم نفسه إلى إحساس بالفوقية تجاه العرب وإلى كره عميق نحوهم يجعل الشرقيين حريصين على خلق مسافة واسعة بينهم وبين العرب (وهذه إحدى السمات الأساسية لسلوك الطبقات التي توجد في الوسط) . وقد أدَّى ذلك إلى تهميش الشرقيين سياسياً وقطع جسورهم مع العرب. فالشرقيون ليؤكدوا ولاءهم للدولة، وحتى لا تنصرف إليهم شبهة الخيانة، يأخذون موقفاً متشدداً من العرب (وهم بذلك حمائم تحاول أن تكون صقوراً) . ولكن، بسبب موقفهم المتشدد هذا، يؤكد أعضاء المؤسسة الإشكنازية أن الشرقيين غير صالحين للتفاوض مع العرب (أي أنهم صقور لا تَصلُح أن تكون حمائماً) .

стр. 8333

إن عملية التهميش السياسي والثقافي للشرقيين تشبه من بعض الوجوه عملية تغييب العربي وتهميشه في علاقته بالأرض. وفي الواقع فإن هذه العملية ساندتها بنية القوة المتحيزة للإشكناز الذين احتفظوا بكل مؤسسات صنع القرار في أيديهم (الوزارة والكنيست والوظائف الإدارية والسياسية العليا. وبالدرجة الأولى المناصب القيادية في الجيش) . ويُلاحَظ أثر هذا الوضع في حدود الحراك الاجتماعي الذي يحققه الشرقيون، فقد زادت نسبتهم في جميع مراحل التعليم ما عدا مرحلة التعليم العالي، ونجدهم في الجيش في جميع مستوياته. ولكن نسبتهم تقل عند قمة الهرم العسكري، فلا يوجد سوى ٣% من الشرقيين بين القيادات. وقد يشغل أحدهم منصب رئيس الدولة، أما منصب رئيس الوزراء صاحب القوة الفعلية فهو من نصيب الإشكناز. وهم قد يوجدون في الموشافيم ولكن لا يُسمَح لهم بدخول الكيبوتسات، أي المؤسسة التي تفرخ القيادات السياسية والعسكرية، إلا بنسبة صغيرة. والفجوة بين الإشكناز والشرقيين ليست فجوة طبقية اجتماعية بالمعنى المألوف، وإنما هي أيضاً تعبير عن الطبيعة الإحلالية للمجتمع الصهيوني الاستيطاني باعتباره مجتمعاً مبنياً على اغتصاب الأرض وطرد سكانها واستيراد عنصر بشري يهودي شرقي فقير، عليه أن يبقى كذلك حتى يظل عند قاعدة الهرم الإنتاجي.

стр. 8334

ولذا، يمكن القول بأن أزمة اليهود الشرقيين هي، عن حق، بؤرة أزمات المجتمع الصهيوني، فهي تعبِّر عن أزمة الهوية والأزمة السكانية الاستيطانية وأزمة الإنتاجية والتطبيع، أي أزمة الأيديولوجيا الصهيونية (الاستيطانية) . فإن قنع الشرقيون بموقعهم عند قاعدة الهرم، وتقبلوا الصيغة المراوغة التي تجعلهم يهوداً وطليعة قتالية للشعب اليهودي دون أن يكونوا إشكنازاً ودون أن يشاركوا في صنع القرار بما يتناسب مع عددهم، وزادوا معدلات استهلاكهم دون أن يتحركوا إلى قمة الهرم، فإن أزمة الصهيونية كانت قابلة للحل، وكان من الممكن أن يُقال حينذاك إن هذا شعب يهودي واحد، منتج بطبيعته، له مؤسساته الديموقراطية مثل كل الأمم، ولأمكن الاستمرار في القتل والقتال والاستيطان بالمادة البشرية اليهودية الشرقية تُوجِّهها المادة البشرية اليهودية الغربية، وبذا تستمر الإمبريالية في الدعم والتمويل. ولكن إذا صاح الشرقيون، وبددوا الصمت وملأوا الفراغات، وطالبوا بأن يتحول القول إلى فعل وقالوا: إن كنا شعباً واحداً حقاً، فلمَ لا نشارك في صنع القرار بما يتفق مع نسبتنا العددية، ولمَ لا نصعد نحن أيضاً إلى قمة الهرم، إن صاحوا بذلك فيكون في صياحهم هذا تهديد حقيقي للأوهام الصهيونية. ٣ ـ هوية الدولة اليهودية:

стр. 8335

تفجرت قضية الهوية اليهودية على مستوى الدولة التي يُقال لها يهودية. فنشبت معركة بين الدينيين واللادينيين، فاللادينيون يودون أن يروا إسرائيل دولة علمانية بمعنى الكلمة لا تلتزم بأية قيم دينية أو أخلاقية، يمارس فيها كل فرد حريته كاملة بحيث تتحوَّل شعائر الدين اليهودي إلى مجرد شكل لطيف من أشكال الفلكلور والموروث القومي وبالتالي فهي ليست ملزمة. أما الصهاينة الدينيون فيذهبون إلى أن الدولة اليهودية لابد أن تتبع القيم الإثنية الدينية فتقيم شعائر الدين اليهودي وتمنع الإباحية وتغلغل الممارسات العلمانية (مثل البغاء والصور الفاضحة وأكل لحم الخنزير الذي يستهلكه الإسرائيليون بشراهة) . ولهذا السبب احتدم الصراع. ويتساءل اليهود المتدينون داخل وخارج إسرائيل كيف يمكن أن تُسمَّى الدولة الصهيونية، التي تُعَد من أكثر الدول إباحية في العالم، دولة يهودية؟ وقام العلمانيون من جانبهم بمحاولة تأكيد أن الدولة الصهيونية دولة علمانية ويهودية في آن واحد، وقاموا بحرق أحد المعابد اليهودية وإلقاء رأس خنزير في معبد آخر (وهذه وقائع مرتبطة في وجدان أعضاء الجماعات اليهودية بالنازية ومعاداة اليهود) . ولكن إلى جانب هذا الانقسام الأساسي حول الدولة اليهودية هناك انقسامات أخرى فرعية. فاليهود الإثنيون المتمسكون بإثنيتهم، وبخاصة المقيمون في الخارج، يقولون كيف يمكن أن نسمِّي الدولة الصهيونية، التي تتزايد فيها معدلات الأمركة والعولمة، دولة يهودية. أما اليهود ذوي الاتجاهات الثورية واليسارية فيقولون: هل يمكن أن نسمي دولة تقوم بالتجسس لحساب الولايات المتحدة وتزويد النظم الفاشية في أمريكا اللاتينية بالأسلحة، وكانت تتعاون مع نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، دولة يهودية؟
следующие страницы →