Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.
стр. 8331
وقد كانت الأمور مستقرة وهادئة داخل الكيان الصهيوني حتى عام ١٩٦٧. وكان الهرم المقلوب قد وقف على قاعدته من خلال يهود البلاد العربية، وتربَّع على قمته يهود البلاد الغربية الذين كانوا يديرون الأمور ويستخدمون اليهود السفارد والشرقيين كعمالة رخيصة وأداة لضمان دوران دولاب العمل، وجعل هؤلاء يهللون بأن الهرم اليهودي تم تطبيعه مع أن قاعدته كانت سفاردية وشرقية وقمته إشكنازية غربية. ولكن، مع دخول العمالة العربية بعد عام ١٩٦٧، ومع تزايد الثروات التي صبت في التجمع الصهيوني، حقق اليهود الشرقيون شيئاً من الحراك الاجتماعي، وتركوا قاعدة الهرم الإنتاجي والأعمال الوضيعة للعمال العرب، بل تحولوا إلى مقاولي أنفار (فهم يجيدون التعامل مع المادة البشرية العربية بسبب خلفيتهم الثقافية المشتركة، وبالتالي فقد تحولوا إلى جماعة وظيفية وسيطة) . وقد زادت بسبب هذا طفيلية وهامشية القطاع اليهودي في الاقتصاد الإسرائيلي. وقد بدأ الشرقيون يطالبون بالمساواة مع الإشكناز. ولكن المفارقة الكبرى تكمن في أنه كلما ازدادت مساواة الشرقيين بالغربيين ازدادت أزمة المجتمع الصهيوني تفاقماً، إذ أن العنصر اليهودي (بشقيه الغربي والشرقي) سيزداد صعوداً إلى قمة الهرم وانعزالاً عن قاعدته الإنتاجية الأمر الذي يزيد تواجد العرب فيها.
стр. 8332
ويحاول الإشكناز تحاشي هذا الموقف عن طريق استيعاب الشرقيين دون دمجهم في المجتمع. فالاستيعاب لا ينطوي على صهر الجماعات المختلفة بل يعني إمكانية السيطرة والتحكم لدرجة قد تصل إلى الهيمنة. وهذا يعني أن الشرقيين سيصبحون يهوداً بالمعنى العام للكلمة دون أن يصبحوا إشكنازاً، أي أنهم سيحلون الأزمة السكانية للتجمع الصهيوني (كيهود) دون أن يهددوا مواقع الإشكناز المتميِّزة. ويتم إنجاز ذلك عن طريق طرح إطار مرجعي ثقافي غربي يشعرالشرقيون داخله بدونيتهم بشكل دائم، فالشرقي حينما يحكم على نفسه بمقاييس حضارية إشكنازية سيجد نفسه ناقصاً (وهذا تكتيك استعماري معروف يشكل جوهر التبعية) . كما أن الإحساس بالدونية تجاه الإشكناز يترجم نفسه إلى إحساس بالفوقية تجاه العرب وإلى كره عميق نحوهم يجعل الشرقيين حريصين على خلق مسافة واسعة بينهم وبين العرب (وهذه إحدى السمات الأساسية لسلوك الطبقات التي توجد في الوسط) . وقد أدَّى ذلك إلى تهميش الشرقيين سياسياً وقطع جسورهم مع العرب. فالشرقيون ليؤكدوا ولاءهم للدولة، وحتى لا تنصرف إليهم شبهة الخيانة، يأخذون موقفاً متشدداً من العرب (وهم بذلك حمائم تحاول أن تكون صقوراً) . ولكن، بسبب موقفهم المتشدد هذا، يؤكد أعضاء المؤسسة الإشكنازية أن الشرقيين غير صالحين للتفاوض مع العرب (أي أنهم صقور لا تَصلُح أن تكون حمائماً) .
стр. 8333
إن عملية التهميش السياسي والثقافي للشرقيين تشبه من بعض الوجوه عملية تغييب العربي وتهميشه في علاقته بالأرض. وفي الواقع فإن هذه العملية ساندتها بنية القوة المتحيزة للإشكناز الذين احتفظوا بكل مؤسسات صنع القرار في أيديهم (الوزارة والكنيست والوظائف الإدارية والسياسية العليا. وبالدرجة الأولى المناصب القيادية في الجيش) . ويُلاحَظ أثر هذا الوضع في حدود الحراك الاجتماعي الذي يحققه الشرقيون، فقد زادت نسبتهم في جميع مراحل التعليم ما عدا مرحلة التعليم العالي، ونجدهم في الجيش في جميع مستوياته. ولكن نسبتهم تقل عند قمة الهرم العسكري، فلا يوجد سوى ٣% من الشرقيين بين القيادات. وقد يشغل أحدهم منصب رئيس الدولة، أما منصب رئيس الوزراء صاحب القوة الفعلية فهو من نصيب الإشكناز. وهم قد يوجدون في الموشافيم ولكن لا يُسمَح لهم بدخول الكيبوتسات، أي المؤسسة التي تفرخ القيادات السياسية والعسكرية، إلا بنسبة صغيرة. والفجوة بين الإشكناز والشرقيين ليست فجوة طبقية اجتماعية بالمعنى المألوف، وإنما هي أيضاً تعبير عن الطبيعة الإحلالية للمجتمع الصهيوني الاستيطاني باعتباره مجتمعاً مبنياً على اغتصاب الأرض وطرد سكانها واستيراد عنصر بشري يهودي شرقي فقير، عليه أن يبقى كذلك حتى يظل عند قاعدة الهرم الإنتاجي.
стр. 8334
ولذا، يمكن القول بأن أزمة اليهود الشرقيين هي، عن حق، بؤرة أزمات المجتمع الصهيوني، فهي تعبِّر عن أزمة الهوية والأزمة السكانية الاستيطانية وأزمة الإنتاجية والتطبيع، أي أزمة الأيديولوجيا الصهيونية (الاستيطانية) . فإن قنع الشرقيون بموقعهم عند قاعدة الهرم، وتقبلوا الصيغة المراوغة التي تجعلهم يهوداً وطليعة قتالية للشعب اليهودي دون أن يكونوا إشكنازاً ودون أن يشاركوا في صنع القرار بما يتناسب مع عددهم، وزادوا معدلات استهلاكهم دون أن يتحركوا إلى قمة الهرم، فإن أزمة الصهيونية كانت قابلة للحل، وكان من الممكن أن يُقال حينذاك إن هذا شعب يهودي واحد، منتج بطبيعته، له مؤسساته الديموقراطية مثل كل الأمم، ولأمكن الاستمرار في القتل والقتال والاستيطان بالمادة البشرية اليهودية الشرقية تُوجِّهها المادة البشرية اليهودية الغربية، وبذا تستمر الإمبريالية في الدعم والتمويل. ولكن إذا صاح الشرقيون، وبددوا الصمت وملأوا الفراغات، وطالبوا بأن يتحول القول إلى فعل وقالوا: إن كنا شعباً واحداً حقاً، فلمَ لا نشارك في صنع القرار بما يتفق مع نسبتنا العددية، ولمَ لا نصعد نحن أيضاً إلى قمة الهرم، إن صاحوا بذلك فيكون في صياحهم هذا تهديد حقيقي للأوهام الصهيونية.
٣ ـ هوية الدولة اليهودية:
стр. 8335
تفجرت قضية الهوية اليهودية على مستوى الدولة التي يُقال لها يهودية. فنشبت معركة بين الدينيين واللادينيين، فاللادينيون يودون أن يروا إسرائيل دولة علمانية بمعنى الكلمة لا تلتزم بأية قيم دينية أو أخلاقية، يمارس فيها كل فرد حريته كاملة بحيث تتحوَّل شعائر الدين اليهودي إلى مجرد شكل لطيف من أشكال الفلكلور والموروث القومي وبالتالي فهي ليست ملزمة. أما الصهاينة الدينيون فيذهبون إلى أن الدولة اليهودية لابد أن تتبع القيم الإثنية الدينية فتقيم شعائر الدين اليهودي وتمنع الإباحية وتغلغل الممارسات العلمانية (مثل البغاء والصور الفاضحة وأكل لحم الخنزير الذي يستهلكه الإسرائيليون بشراهة) . ولهذا السبب احتدم الصراع. ويتساءل اليهود المتدينون داخل وخارج إسرائيل كيف يمكن أن تُسمَّى الدولة الصهيونية، التي تُعَد من أكثر الدول إباحية في العالم، دولة يهودية؟ وقام العلمانيون من جانبهم بمحاولة تأكيد أن الدولة الصهيونية دولة علمانية ويهودية في آن واحد، وقاموا بحرق أحد المعابد اليهودية وإلقاء رأس خنزير في معبد آخر (وهذه وقائع مرتبطة في وجدان أعضاء الجماعات اليهودية بالنازية ومعاداة اليهود) .
ولكن إلى جانب هذا الانقسام الأساسي حول الدولة اليهودية هناك انقسامات أخرى فرعية. فاليهود الإثنيون المتمسكون بإثنيتهم، وبخاصة المقيمون في الخارج، يقولون كيف يمكن أن نسمِّي الدولة الصهيونية، التي تتزايد فيها معدلات الأمركة والعولمة، دولة يهودية. أما اليهود ذوي الاتجاهات الثورية واليسارية فيقولون: هل يمكن أن نسمي دولة تقوم بالتجسس لحساب الولايات المتحدة وتزويد النظم الفاشية في أمريكا اللاتينية بالأسلحة، وكانت تتعاون مع نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، دولة يهودية؟
стр. 8336
قد شهدت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عودة السياسة الإثنية (التى تعبر عن نفس الأزمنة) إذ ظهرت عدة أحزاب ذات أساس إثني وليس عقائدياً (شاس ـ جيشر) ـ إسرائيل بعالياه وهي ظاهرة اتسمت بها الحياة السياسية في إسرائيل في السنين الأولى بعد إعلان الدولة. وعودتها بهذه الحدة مرة أخرى بعد حوالي نصف قرن يدل على عمق التناقضات وبنيويتها وعلى الفشل في تعريف اليهودي.
٤ ـ الشعب اليهودي في الخارج:
كانت الصهيونية ترى أنها ستؤسس دولة يهودية تكون بمنزلة المركز ليهود العالم وكان من المفروض أن تهاجر أغلبيتهم إليها، أما من تبقَّى منهم فواجبه دعم الدولة الصهيونية مادياً وسياسياً نظير أن تحافظ له على هويته اليهودية وتحفظها من الانصهار والذوبان. ولكن ما حدث كان أبعد ما يكون عما هو مُتوقع، إذ لم يهرع الشعب اليهودي إلى وطنه الجديد، وآثر البقاء خارج حدود أرضه ووطنه المزعوم دون أن يحرك ساكناً، منفياً بإرادته متمتعاً بمنفاه. أو لعل أعضاء هذا الشعب، إذا ما نفضنا غبار القول الصهيوني، ليسوا أعضاء فيه وإنما هم بشر عاديون يعيشون في أوطانهم الفعلية ينتمون إليها ولا يفكرون في الهجرة لأنه ليس هناك ما يدعو إلى ذلك. وحتى حينما يفكرون في ترك أوطانهم، فإنهم (كبشر) يدرسون البدائل والفرص، وتتجه أغلبيتهم نحو الولايات المتحدة، وهو ما يدل على أنهم أبناء عصرهم وأن حساباتهم دقيقة وسليمة، فمن ذا الذي يطيب له أن يترك الأمن والمستوى المعيشي المرتفع في الولايات المتحدة ليستوطن حيث الحرب والهجمات الانتحارية وشظف العيش؟
стр. 8337
بل لقد ثبت أن الدولة الصهيونية ساعدت على تسارُع معدلات الاندماج بينهم، إذ أن يهودية هؤلاء "الإثنية" عبَّرت عن نفسها لا من خلال أسلوب حياة يهودية متكامل وإنما من خلال دعم إسرائيل وحسب. كما ظهر أن الدولة الصهيونية تسبب لهم الكثير من الحرج حينما تتصرف في إطار المقولات الصهيونية الجامدة وتفصح عن وجهها الإرهابي، وبخاصة على شاشات التليفزيون وأمام جيرانهم الليبراليين العلمانيين. هذا فضلاً عن أن الدولة اليهودية لم تنجح في أن تنتج فكراً دينياً يهودياً، فمعظم المفكرين الدينيين اليهود لا يزالوا نتاج الدياسبورا. لكل هذا يحاول أعضاء الجماعات اليهودية في العالم حل مشاكلهم (ومن ذلك مشكلة المعنى) داخل إطار مجتمعاتهم (انظر: «موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية» ) .
إن مقولة "اليهودي" التي تشكل حجر الأساس في المشروع الصهيوني تفككت أثناء الممارسة الصهيونية في أرض فلسطين المحتلة.
من هو اليهودي عام ١٩٩٧؟
Who is a Jew ١٩٩٧ ?
مما يزيد مشكلة الهوية اليهودية تفاقماً أن اليهودية الإصلاحية والمحافظة بدأت تصل إلى إسرائيل وقد تزايد عدد التابعين لها، هذا في الوقت الذي وصل فيه عدد الإصلاحيين والمحافظين المتدينين في الولايات المتحدة حوالي ٨٥% من عدد يهود الولايات المتحدة المتدينين. ويجب أن نذكر أن اليهود الملحدين (وكثير من المتدينين) في الولايات المتحدة يصرون على فصل الدين عن الدولة (متبعين في ذلك مجتمعهم منادين بذلك باعتبارهم أعضاء أقلية يرون أن ذلك في مصلحتهم) ، أما اليهود الملحدون في إسرائيل فهم لا يكترثون أساساً بالدين (وهم أعضاء أغلبية) ولذا فهم لا يمانعون في أن يسيطر الأرثوذكس على جميع مناحي الحياة (وخصوصاً أن مثل هذا الاستعراض الديني يزيد من شرعية الدولة وشرعية الاستيلاء على الأراضي) .
стр. 8338
وقد أدَّى هذا الوضع إلى فقدان الاتزان على مستوى يهود العالم. فبينما ترى أغلبية الدياسبورا (التي تهيمن على المنظمة الصهيونية) ضرورة فصل الدين عن الدولة، تحاول المؤسسة الأرثوذكسية في إسرائيل أن يلعب الدين دوراً أساسياً في حياة الفرد الخاصة والعامة بل أن يتحكم الدين في الحياة الخاصة للمواطنين، وأن تقوم هي بتعريف من هو اليهودي والقوانين الخاصة بالعلاقة الدينية بين الفرد والمجتمع.
وقد جرى تمرير قانون في الكنيست يلغي الاعتراف بعقود الزواج التي يجريها الحاخامات التابعون للتيار الإصلاحي والمحافظ. ومع أن القانون مر في المرحلة الأولى (من أربع مراحل) ، فقد غضب اليهود الإصلاحيون والمحافظون بشدة وهددوا علانية بقطع المساعدات والتبرعات عن إسرائيل. فاتصل نتنياهو شخصياً برؤسائهم ودعاهم للقائه في مكتبه (في القدس) . وأخبرهم أن تمرير القانون في القراءة التمهيدية لا يعني أنه سينجح. وقال إنه قرر إقامة لجنة تضم المسئولين من كل التيارات الدينية في إسرائيل لتبحث الموضوع وتتوصل إلى قرارات وحلول ترضي كل الأطراف.
وبالفعل تم تشكيل لجنة يرأسها وزير المالية يعقوب نئمان لإنشاء محكمة تفصل في حالات اعتناق الديانة اليهودية داخل إسرائيل. وقد وعد زعماء الإصلاح والمحافظة بالتوقف عن الهجوم على الحكومة الصهيونية أو القيام بأية إجراءات قبل أن تنهي اللجنة عملها، وكان نئمان قد اقترح إنشاء محكمة مشتركة تضم ممثلين عن اليهود المحافظين والإصلاحيين على أن يرأسها حاخام من اليهود الأرثوذكس. ولكن الأرثوذكس (في الحاخامية الرئيسية) رفضوا هذه المقترحات تماماً. ووصف قادة الإصلاحيين والمحافظين قرار الحاخامات الأرثوذكس بأنه سيؤدي إلى انقسام خطير في صفوف اليهود، ويهدد مستقبل حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
стр. 8339
وفي المقابل، أعرب اليهود الإصلاحيون والمحافظون عن شعورهم بالصدمة، وقال الحاخام إيهود باندل، رئيس الحركة المحافظة في إسرائيل، إن رفض المتشددين للتسوية بمنزلة إعلان حرب ضد الشعب اليهودي. وأكد الحاخام يوري ريجيف رئيس الحركة الإصلاحية أن الحاخامية الكبرى قد أغلقت الباب في وجه التسوية.
ثم وقعت مشكلة جديدة، إذ تم انتخاب امرأة، من التيار الديني الإصلاحي، عضواً في المجلس الديني لمدينة نتانيا. وهو مجلس مؤلف من تركيبة حزبية (لكل حزب ممثلون حسب نسبته في الانتخابات البلدية) وشعبية (ممثلي الشعب) ودينية (مندوبين يعينهم مجلس الرئاسة الروحية الرسمية) وجاء تعيين "الحاخامة" جويس برنر (وهي بروفسير في اللاهوت) عن حزب ميرتس اليساري الصهيوني.
هذا الانتخاب أثار جنون الأرثوذكس (فاليهودية الأرثوذكسية لا تقبل باشتراك النساء في صلاة الجماعة في المعبد ولا بحاخامات إناث) فرفضوه، فتوجهت الحاخامة الجديدة إلى المحكمة العليا واستصدرت أمراً يجيز التعيين ويؤكد أنه قانوني وبأمر وزير الأديان بالمصادقة عليه. ولكيلا يعتبر موقفه إهانة للمحكمة وقرارها، وهو أمر مخالف للقانون، اتفق نتنياهو، مع قيادة شاس، أن يقيل وزير الأديان (إيلي سويسا من حزب شاس) ويأخذ صلاحياته لمدة ساعة، يوقع خلالها بنفسه على كتاب التعيين، ثم يعيد الوزارة إليه. لكن هذا الحل لم يرض الأرثوذكس ولا حتى الحاخامين الأكبرين، فراحوا يهاجمون نتنياهو وقرروا مقاطعة كل مجلس ديني يضم امرأة أو يضم حاخاماً إصلاحياً أو محافظاً (يرى الأرثوذكس أن هذين "المذهبين" يجب ألا يُمثَّلا أساساً في المجالس الدينية) .
стр. 8340
ولعل تزايد النسبية الأخلاقية في الولايات المتحدة، وهو أمر يترك أثره بشكل واضح على يهود الولايات المتحدة، وانتماءاتهم الدينية وشبه الدينية واللا دينية المختلفة سيزيد من تصعيد الصراع بين الأرثوذكس وغيرهم. فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء تخيل استجابة الحاخامات الأرثوذكس لقيام بعض النساء من الولايات المتحدة بلبس الطاليت وحمل التوراة ومحاولة الصلاة بجوار حائط المبكى والإصرار على أن يرسمن حاخامات. ويمكن للمرء كذلك تخيل موقف المؤسسة الأرثوذكسية من قيام أحد الحاخامات الإصلاحيين بعقد أول قران "ديني" بين زوجين، كلاهما من الذكور، في إسرائيل!
الأزمة السكانية الاستيطانية
Demographic and Settlement Crisis
كان من الممكن أن يتجاوز الكيان الصهيوني كل مظاهر أزمة الهوية ويستوعبها، أو على الأقل كان يمكنه أن يتجاهلها، كما كان يفعل في الماضي، ما دامت المادة البشرية الاستيطانية متوفرة: ففيم تهم قضية الهوية أو التطبيع لو أن الوقود البشري لا يكف عن التدفق نحو آلة الحرب والاستيطان الصهيوني لخلق حقائق جديدة، وأمر واقع جديد؟ ولكن الأمر ليس كذلك، فثمة أزمة سكانية عميقة تجعل من المشروع الصهيوني أكذوبة عقيمة دخلت طريقاً مسدوداً.
ولفهم هذا الجانب من أزمة الصهيونية الاستيطانية، علينا أن نغيِّر المنظور قليلاً ونتحدث لا عن المُستوطَن الصهيوني وحسب، وإنما عن الجماعات اليهودية في الغرب، وخصوصاً في الولايات المتحدة. فالحركة الصهيونية، منذ ظهورها في أواخر القرن الماضي، تعاني أزمة سكانية تتهددها في الصميم. ذلك أن المشروع الصهيوني مشروع استعماري وعد بتقديم المادة البشرية المطلوبة للاستيطان والقتال، ولكن هناك تطورات قد حدثت منذ عام ١٨٨٢ حتى الوقت الحالي هي:
стр. 8341
١ ـ استُؤنف التحديث المتعثر المتوقف في شرق أوربا بعد عام ١٩١٧ (عام توقيع وعد بلفور) ، الأمر الذي فصل الكتلة البشرية اليهودية في روسيا عن المشروع الصهيوني إذ أن المجتمع السوفيتي الجديد الذي حرَّم معاداة اليهود أتاح أمامهم فرص الحراك الاجتماعي. وقد كان هناك مفكرون يهود كثيرون تنبأوا بذلك وراهنوا عليه، وانخرطت أعداد كبيرة من الجماهير اليهودية (اليديشية) في صفوف الأحزاب الثورية الاشتراكية في روسيا وغيرها.
٢ ـ اختفت أعداد كبيرة من الكتلة البشرية اليهودية في بولندا وغيرها من دول أوربا من خلال الإبادة النازية ليهود أوربا وغيرهم من الجماعات الإثنية والدينية، أو من خلال عناصر أخرى (مثل التنصير والتخفي) .
٣ ـ ظهر أن الولايات المتحدة تشكل نقطة جذب بالنسبة للمهاجرين اليهود من أوربا ومن كل أنحاء العالم. وقد بدأ هذا الاتجاه في التبلور مع تعثُّر التحديث وتوقُّفه في شرق أوربا. ومن المعروف أن الآلاف القليلة التي اتجهت إلى فلسطين للاستيطان فعلت ذلك لأن أبواب الولايات المتحدة كانت موصدة دونها. ولكن، بعد أن فُتحت الأبواب منذ الستينيات، تتجه الهجرة اليهودية قدماً نحو المنفى البابلي الجديد اللذيذ.
٤ ـ يُلاحَظ التناقص المستمر في أعداد أعضاء الجماعات اليهودية في العالم (خارج إسرائيل) فيما يُسمَّى ظاهرة «موت الشعب اليهودي» بسبب الاندماج والزواج المُختلَط والعزوف عن الزواج والإنجاب وانخفاض الخصوبة.
٥ ـ لم يهاجر أعضاء الجماعات اليهودية إلى الدولة الصهيونية بأعداد غفيرة كما كان متوقعاً، فهم صهاينة توطينيون، يتحدثون عن الصهيونية بحماس ولكنهم لا يهاجرون.
٦ ـ أفرغت الهجرة اليهودية السوفيتية الأخيرة المصادر المتبقية للمادة البشرية الاستيطانية في شرق أوربا (المصدر الأساسي للمستوطنين) .
стр. 8342
٧ ـ ومما يزيد المشكلة السكانية حدة، بالنسبة للكيان الصهيوني، ظاهرة النزوح. إذ يُلاحَظ أن أعداد النازحين آخذة في التزايد في الآونة الأخيرة. وقد بلغ عددهم ما يزيد على ٧٠٠ ألف (أو أكثر حسب الإحصاءات غير الرسمية) . وقد أصبح قرار النزوح مقبولاً اجتماعياً، ويظهر على شاشات التليفزيون الإسرائيلي بعض النازحين ليتحدثوا عن قصص نجاحهم في الولايات المتحدة، كما تظهر في الصحف الإسرائيلية إعلانات عن إسرائيليين يودون بيع شققهم استعداداً للهجرة، وهذه أمور كانت في الماضي تتم سراً. كما يُلاحَظ أن نوعية النازحين نفسها قد تغيرت، فمعدل النازحين من بين أبناء الكيبوتسات التابعين لأكبر حركتين (الحركة الكيبوتسية الموحَّدة والكيبوتس القُطري) في فئة العمر ٢٥ ـ ٤٥ هو ٦% في المتوسط. وهذا المعدل يساوي معدل نزوح هذه الأجيال في المجتمع الإسرائيلي. وقد نزحت العناصر العسكرية عن المُستوطَن الصهيوني بأعداد كبيرة آخذة في التزايد.
والأزمة السكانية تثير قضية الهوية اليهودية ولكنها في الوقت نفسه تثير بشكل مباشر قضية الاستيطان. فالصهاينة يصرحون كل يوم بعزمهم على إنشاء المستوطنات، ولكن المستوطنات في الضفة الغربية قائمة وتزداد عدداً وحجماً ولكن عدد المستوطنين فيها لم يزد بعد مرور ما يزيد عن ثلاثين عاماً عن ١٢٠ ـ ١٤٠ ألف (وهو عدد أقل من الزيادة الطبيعية السنوية للفلسطينيين العرب في تلك المنطقة) . وكان الجيب الاستيطاني الصهيوني حتى عام ١٩٦٧ إحلالياً، ولكنه تحوَّل إلى جيب استيطاني من النوع الذي يستند إلى التفرقة اللونية على طريقة جنوب أفريقيا حيث يتم الاحتفاظ بالأرض ومن عليها من سكان ويتم تحويلهم إلى مصدر للعمالة الرخيصة.
стр. 8343
وقد أتاح النظام العالمي الجديد فرصاً جديدة للنظام الاستيطاني الصهيوني بحيث أصبح بوسعه أن يتجاوز نطاق فلسطين المحتلة ليتغلغل في البلاد العربية وليُحوِّل السوق العربية إلى سوق شرق أوسطية يلعب هو فيها دور الوسيط الأساسي بين العرب والغرب، بل بين كل دولة عربية وأخرى.
وتكمن المفارقة في أن توسُّع الجيب الاستيطاني يتطلب المزيد من المستوطنين، أي المادة البشرية، للاستيطان والقتال وللأعمال التجارية، ولكن المادة البشرية اليهودية غير متوافرة وإن تم استيراد مادة بشرية عربية فإن هذا يشكل تهديداً لهوية الدولة. وقد ظهر في إسرائيل صراع بين ما سمي «الصهيونية الديموجرافية» أو «السكانية» و «صهيونية الأراضي» .
تجميع المنفيين عام ١٩٩٧
Ingathering of the Exiles ١٩٩٧
من الادعاءات الصهيونية الأساسية أن اليهود شعب واحد وأن إسرائيل هي دولتهم. ولكن بعد مرور ما يقرب من مائة عام على الاستيطان الصهيوني وخمسين عاماً على تأسيس الدولة لا تزال الدولة الصهيونية هي دولة أقلية. فيهود العالم لم يهاجروا إليها ولم تنجح في تجميع المنفيين، إذ يبدو أن المنفيين في حالة سعادة غامرة بمنفاهم. ولذا اضطرت الدولة الصهيونية الاستيطانية لحل أزمتها السكانية بأن تلجأ لتهجير الفلاشاه (ويهوديتهم - إن صح تسميتها كذلك - مختلفة عن اليهودية الحاخامية) ثم سمحت بهجرة مئات الآلاف من المهاجرين اليهود السوفييت الذي تعلم مسبقاً أنهم ليسوا يهود أصلاً. والجدول التالي يبيِّن عدد اليهود في إسرائيل والعام منذ تأسيس الدولة حتى عام ١٩٩٧ (بالملايين)
السنة / عدد يهود العالم / إسرائيل / النسبة إلى يهود العالم
١٩٤٩ / ١١ / ٠.٦٥٠ / ٦%
١٩٥٥ / ١٢ / ١.٥٩٠ / ١٣%
١٩٧٠ / ١٣ / ٢.٥٨٢ / ٢٠%
١٩٧٥ / ١٣ / ٢.٩٥٩ / ٢٣%
١٩٨٠ / ١٣ / ٣.٢٨٣ / ٢٥%
١٩٨٥ / ١٣ / ٣.٥١٧ / ٢٧%
١٩٩٠ / ١٣ / ٣.٩٤٧ / ٣٠%
١٩٩٥ / ١٣ / ٤.٥٥٠ / ٣٥%
١٩٩٦ / ١٣ / ٤.٦٣٧ / ٣٦%
стр. 8344
المصدر: كتاب الإحصاء السنوي الإسرائيلي لعام ١٩٩٧.
ملاحظات:
١ - عدد اليهود في العالم ثابت منذ ١٩٧٠، وهذا يعود إلى الظاهرة المسماة «موت الشعب اليهودي» .
٢ - هناك زيادة في أعداد اليهود في إسرائيل، ترجع إلى الهجرة بالأساس.
٣ - كل زيادة في يهود إسرائيل تعني نقصاً في يهود المناطق الأخرى.
٤ - منذ عام ١٩٧٠ وحتى عام ١٩٩٠ كانت نسبة التزايد في نسبة يهود إسرائيل إلى يهود العالم تتراوح بين ٢ - ٣% كل خمس سنوات وهي كالتالي على الترتيب: ٧٠ - ٧٥: ٣% - ٧٥ - ٨٠: ٢% - ٨٠ - ٨٥: ٢% - ٨٥ - ٩٠: ٣%. أما الفترة من ٩٠ - ٩٥ فقد كانت نسبة الزيادة ٥% بسبب هجرة اليهود السوفييت، أي بمعدل ١% كل عام.
ورغم كل هذه الزيادة تظل إسرائيل عام ١٩٩٧ دولة أقلية، يرفض المنفيون الهجرة إليها.
جيل ما بعد ١٩٦٧ (أزمة الخدمة العسكرية (
Post ١٩٦٧ ceneration (Crisis of Military Service)
مما هو معروف أن الوجود الصهيوني يستند إلى العنف والإرهاب، إذ أنه يهدف إلى التخلص من أصحاب الأرض وإحلال آخرين محلهم. وهي عملية لا يمكن أن تتم بالوسائل السلمية. كما أن الوجود الصهيوني كيان غُرس في المنطقة بسبب دوره القتالي ضد المنطقة العربية. وعلى مستوى من المستويات، يمكن القول بأن المشروع الصهيوني كان يهدف إلى نقل الشنورير أو المتسولين اليهود (وكل الفائض البشري اليهودي) إلى فلسطين وتحويلهم إلى مادة قتالية تخدم المصالح الغربية. وهذا هو أحد أهداف الجيوب الاستيطانية التي أسسها العالم الغربي في آسيا وأفريقيا. ولذا، فإن وجود كل جيب استيطاني يستند إلى قوة عسكرية ضخمة لتطرد السكان الأصليين أو لتقمعهم، ولتنفذ المخطط العسكري الغربي وتحقق الحد الأدنى من الطمأنينة لجماهير المغتصبين من المستوطنين. والقوة العسكرية الصهيونية تنتمي لهذا النمط، وقد أحرزت قدراً لا بأس به من النجاح والشرعية أمام جماهير المستوطنين.
стр. 8345
وكانت العسكرية الصهيونية قد نجحت في أن ترسخ في وجدان الإسرائيليين فكرة أن إسرائيل دولة صغيرة تدافع عن نفسها ضد هجمات جيرانها العرب، الأمر الذي أعطى الحروب الصهيونية ضد العرب حتى عام ١٩٦٧ عقلانيتها ومشروعيتها. ولذا، كان يتم تجنيد الشباب الإسرائيلي بنجاح شديد، عن طريق التوجه إلى حسِّهم الأخلاقي والقومي والديني ورغبتهم في البقاء باعتبار أن الدفاع عن الذات رغبة إنسانية أخلاقية مشروعة.
بل إن الأيديولوجية الصهيونية التي تجعل اليهود شعباً مختاراً بالمعنى الحلولي (الديني والعلماني) وتخلع القداسة على كل ممتلكات الدولة، وبخاصة حدودها، خلعت القداسة على الجيش حتى أنه وُصف بأنه القداسة بعينها. وقد وصف بن جوريون الجيش بأنه خير مفسر للتوراة، فمفسر التوراة هو وحده القادر على تعريف حدود إسرائيل. ومن ثم اكتسبت الخدمة العسكرية قداسة خاصة. إلى جانب هذا كانت الخدمة العسكرية السبيل لدخول النخبة الحاكمة. ففي المجتمع الاستيطاني، لابد أن يدفع الفرد ضريبة الدم فيصبح جديراً بالحكم وصنع القرار. ولذا كان يتم تجنيد الشباب الإسرائيلي بنجاح شديد، عن طريق التوجه إلى حسِّهم الأخلاقي والقومي والديني، ورغبتهم في البقاء، باعتبار أن الدفاع عن الذات رغبة إنسانية أخلاقية مشروعة، وباعتبار أن العرب يهددون البقاء الإسرائيلي نفسه (ولذا قيل، عن صدق، إن كل شعب له جيش إلا في إسرائيل فهو جيش له شعب) . ومما دعَّم كل هذه الادعاءات انتصارات إسرائيل المتتالية الحاسمة التي ضمنت للمستوطنين البقاء وتدفق المعونات من الخارج.
стр. 8346
وقد ظل هذا هو الوضع السائد حتى عام ١٩٦٧ حين بدأت المشاكل، وبدأ إيمان المستوطنين الصهاينة بنظرية الأمن الإسرائيلية ومشروعيتها في الاهتزاز. وكان أولها حرب الاستنزاف التي أحس الإسرائيليون خلالها أن عمليات النصر السريعة ليست أمراً متيسراً وسهلاً. ثم جاءت حرب ١٩٧٣ حين اكتسحت القوات العربية المصرية والسورية خط بارليف والتحصينات العسكرية وألحقت خسائر بالعدو الصهيوني. ثم كان هناك أخيراً حرب لبنان ( «المستنقع اللبناني» ، في المصطلح الإسرائيلي) التي انتهت بهزيمة ساحقة. وبفشل ملحوظ في تحقيق الهدف الذي كانت تطمح إليه الحملة (القضاء بشكل نهائي على المقاومة الفلسطينية واللبنانية) .
ثم شهدت هذه الفترة عمليات فدائية مستمرة لم تتوقف البتة كان آخرها وأهمها وتاجها عملية قبية التي قا بها مواطنان عربيان (أحدهما سوري والآخر تونسي) في ٢٥ نوفمبر ١٩٨٧ بمناسبة مرور ٣١ عاماً على مذبحة قبية. فقد استقلا طائرتين شراعيتين فاستُشهد أحدهما في الطريق ولكن نجح الآخر في الهبوط في إحدى المستوطنات الصهيونية فقتل ستة إسرائيليين ثم استُشهد (ولذا كان أحد شعارات الانتفاضة: ستة مقابل واحد) . وقد بينت هذه العملية للمستوطنين الصهاينة أن ذاكرة العرب حية وأن ذراع الدولة الصهيونية الاستيطانية العسكرية القوية لا يمكن أن تضعهم في برج حصين ولا أن تقدم لهم الحماية طول الوقت. ثم جاءت انتفاضة الحجارة لتبين مدى عجز العدو عن القيام بالعمليات الجراحية والضربات الإجهاضية التي تسكت الآلام مرة واحدة.
هذا الوضع ولَّد لدى الإسرائيليين إحساساً عميقاً بما يُسمَّى «عقم الانتصار» لأن الحروب المستمرة (التي كان من المفروض في كل واحدة منها أن تنهي كل الحروب) لم تأت لا بالسلام ولا بالنصر. وقد تبين الإسرائيليون أنهم وصلوا إلى ما يمكن تسميته «نقطة الذروة» ، أي أنهم وصلوا لأعلى نقط استخدام العنف والقوة دون جدوى.
стр. 8347
إضافة إلى هذا أدرك كثير من الشباب الإسرائيلي أن الدولة الصهيونية ليست في حالة دفاع عن النفس كما يقولون وإنما هي دولة عدوانية. ففي حرب لبنان على سبيل المثال أعلنت المؤسسة العسكرية أن الهدف من عملية سلام الجليل هو هدف دفاعي حتمي لوقف ما يسمونه الهجمات الفدائية وتطهير مساحة ٦٧ كيلو متراً مربعاً من لبنان. ثم ظهر أن الهدف الحقيقي كان هو فرض حكومة وظيفية عميلة في لبنان تحت حماية إسرائيل، أي أنها لم تكن حرب خيار فُرضت على المستوطنين وإنما حرب دخلوها بملء إرادتهم. وقد أدَّى هذا إلى تداعي الإجماع القومي الإسرائيلي. كما أن استمرار الاحتلال في الضفة الغربية لما يزيد على عشرين عاماً كان من الصعب الدفاع عنه باعتباره دفاعاً عن النفس.
ومع تراجُع احتمالات الحرب بين العرب والمستوطنين الصهاينة (بعد توقيع شتى معاهدات السلام) أصبح الحديث عن العمليات العسكرية الإسرائيلية باعتبارها دفاعاً عن النفس أمراً مستحيلاً. ولا شك في أن زيادة معدلات العلمنة والعولمة والسعار الاستهلاكي لا تساعد كثيراً على تصعيد روح القتال. كما أن جو الخصخصة العام السائد في إسرائيل يزيد تمركز الفرد حول نفسه ويجعله يضع نفسه قبل المجتمع.
ويمكن هنا أن نورد هذه الواقعة مثالاً لما يحدث للشباب في إسرائيل. يمثل إسرائيل في مهرجان اليوروفيزيون ممثلة تُسمَّى «دانا» ولكن دانا هذه ليست امرأة حقيقية أصلاً، ولكنها كانت في الأصل رجلاً شاذاً من أصل يمني يُسمَّى بارون كوهين ثم أجرى عملية جراحية في لندن تحول بعدها إلى امرأة. وهو/هي شخصية تحظى بشعبية كبيرة غير عادية. وتحول امرأة إلى رجل (والعكس) مسألة تحدث الآن في مجتمعات كثيرة، ولكن حين يتحول الفعل الفردي إلى رمز قومي هنا يجب أن ندرس المسألة باعتبارها قضية اجتماعية وليس سلوكاً فردياً.
стр. 8348
وكل هذه الأحداث مرتبطة تمام الارتباط بأهم الظواهر الاحتجاجية، أي انصراف الشباب من المستوطنين الصهاينة عن الخدمة العسكرية بل الفرار منها. وقد صرح وزير الدفاع (السابق) إسحق مردخاي بأن انخفاضاً حاداً طرأ على مستوى الاندفاع والرغبة القتالية في صفوف الشباب الإسرائيلي. ويتحدث الإسرائيليون بقلق عن طبقة من الشبان تُدعى «جيل إم. تي. في.» نسبة إلى قناة تقوم ببث الغناء بشكل متواصل في إسرائيل. وأعضاء هذا الجيل لا يبدون اكتراثاً بالأوضاع العامة للدولة، ويميلون إلى الدعة والراحة. وهذا على كل تعبير عن التوجه الاستهلاكي العام في المجتمعات الصناعية التي يُقال لها «متقدمة» . وكما يقول مردخاي: "يعتقد البعض أننا وصلنا مرحلة الراحة، والبعض الآخر يرى أننا يجب ألا نساهم بكل جهودنا في الدفاع عن إسرائيل".
ومما يجدر ذكره أن أعضاء النخبة الجديدة (معظم الإسرائيليين في سن الشباب فمتوسط العمر هو ٢٦.٦، وهي بذلك لا تختلف كثيراً عن الدول العربية) وُلدوا بعد إنشاء الدولة ونشأوا بعد عام ١٩٦٧، أي بعد أن دخلت الدولة الصهيونية المرحلة الفردوسية الاستهلاكية التي لم يَعد مواطنيها مهتمين فيها بالتراكم. ولذا، شهدت القوات العسكرية الإسرائيلية، لأول مرة في تاريخها، ظواهر احتجاجية مختلفة، جديدة عليها كل الجدة، مثل زيادة نزوح أبناء الكيبوتسات، العمود الفقري للمؤسسة العسكرية واحتياطيها الحقيقي. وقد زادت كذلك نسبة النازحين من الضباط والخبراء العسكريين والمهندسين والعاملين في الصناعات الحربية (وبعد توقُّف العمل في مشروع الطائرة لافي) .
стр. 8349
وكذلك، زادت نسبة تعاطي المخدرات وانتشار الجرائم الجنسية بين أفراد القوات الإسرائيلية والشباب (يُقال إن ثُلث الشباب في إسرائيل يتعاطون المخدرات) ، وضعف مستوى الأداء بشكل ملحوظ حتى أنه ورد في أحد تقارير البنتاجون أن ١٠% من جملة الخسائر أثناء حرب لبنان كان مصدرها الإسرائيليون أنفسهم، وتُعَد هذه نسبة عالية جداً.
وقد لوحظ تخثُّر المادة العسكرية الإسرائيلية فتزايد الفساد والرشوة في صفوف القيادات ووزعت منشورات حول رواتب الضباط تسيء إلى هيبة الجيش. وقد اكتُشفت شبكة كاملة من كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي ممن تلقوا رشاوي ضخمة من جنود الجيش، العاملين في الجنوب اللبناني والاحتياط، مقابل إعفاء هؤلاء الجنود من الخدمة العسكرية. (أشارت صحيفة معاريف إلى أن ١٥ ضابطاً ومسئولاً، منهم طبيب نفسي كبير في وزارة الدفاع الإسرائيلية، اشتركوا معاً في إصدار تقارير الإنهاء لأسباب مزيفة لجنود لديهم المال لكنهم يخشون الالتحاق بالخدمة العسكرية) . كما يُحقق الآن مع الجنرال مي ميخارام، قائد سلاح البحرية السابق، لاتهامه بالفساد أثناء الخدمة العسكرية في شرائه معدات بحرية. أضف إلى هذا الضباط الذين يسرحون لخفض النفقات وأولئك الذين يمارسون التمييز العنصري ضد الإثيوبيين، والإثيوبيين المجندون الذين ينتحرون.
стр. 8350
وفي فترة قريبة كان التطوع في صفوف قوات النخبة (وحدة المظلمين) يعتبر من الأعمال المرموقة. وقد اضطرت هذه القوات في السابق إلى الاعتذارات لعدد من الراغبين بالتطوع لوجود ما يكفيها من العناصر. غير أن الوضع الآن تغيَّر كما يبدو، فكثيرون يستخدمون حيلاً دنيئة للتخلص من الخدمة العسكرية مثل الزعم بمرورهم بأحوال نفسية مضطربة. بلغ عدد الهاربين من الخدمة العسكرية ١٣ ألفاً، كما أن ١٨% من الشباب الذين بلغوا سن التجنيد يُستبعدون من الخدمة بسبب أمراض عضوية ونفسية، و١٥% يُستبعدون لأسباب متنوعة، ويبلغ عدد المعافين لأسباب دينية ما يزيد عن ٦%.
وفي إحدى استطلاعات الرأي صرَّح ثلث الشباب الإسرائيلي أنهم إن أتيحت لهم فرصة تحاشي الخدمة العسكرية الإجباربة (التي تستغرق ثلاث سنوات) لفعلوا ذلك. وقد لوحظ تصاعد معدلات الهروب من الشريط المحتل في لبنان. ويعتمد الجيش الإسرائيلي على نظام الاحتياط فيقوم باستدعاء جنود الاحتياط (الذين بلغ عددهم عام ١٩٩٦ حوالي ٤٢٩.٠٠٠) مرة كل عام لمدة شهر حتى سن الخمسين لإعادة تدريبهم (ولذا كان يُقال إن الشعب الإسرائيلي هو جيش في إجازة لمدة إحدى عشر شهر) . وقد لوحظ أن حوالي الثُلث يتغيبون. وأثناء الصدام الذي وقع بين الجيش الإسرائيلي وسكان نابلس في سبتمبر ١٩٩٦ استدعت إحدى فرق الاحتياط الجنود التابعين لها والبالغ عددهم ٣٤٠، فلم يحضر سوى ٦٠، ولم يبق منهم سوى ثلاثين. وقد رفض أحدهم الذهاب للضفة الغربية (عدد المجندين الذين يرغبون في الخدمة في الأحداث القتالية يتراجع ليصل إلى ٥% من عدد المجندين) . والأهم من هذا كله أن هناك قبولاً اجتماعياً لهذا الموقف، وهو أمر جديد كل الجدة في التجمع الصهيوني الذي كانت الخدمة العسكرية فيه (حتى نهاية الستينيات) تُعدُّ الشرف الأكبر الذي يمكن أن يحصل عليه المواطن/المستوطن.
стр. 8351
أمام هذا الوضع يفضل الجيش الإسرائيلي أن يستبعد مثيري المشاكل ويتركهم وشأنهم حتى لا تُثار القضية وحتى لا يناقشها الرأي العام (من أبطال التهرب من الخدمة العسكرية أفيف جيفين، ابن شقيقة موشي ديان، وهو من أشهر المغنين الشباب في إسرائيل ويُقال إنه يشبه في ملامحه وحركاته مايكل جاكسون. وقد ظهر قبل سنوات في التليفزيون وهو يتحدث عن كيفية حصوله على الإعفاء من الخدمة لأسباب نفسية. وقد انتهى به الأمر إلى الهجرة إلى بريطانيا بعد أن تقدم بطلب مسبب للهجرة ذكر فيه أنه يهاجر بسبب «سرطان الاحتلال» ) .
إن كل هذه الظواهر تدل على مدى عمق الأزمة الصهيونية، فجيش الدفاع الإسرائيلي هذا، وصورته التي يذيعها عن نفسه، لبنة أساسية في العقد الاجتماعي الصهيوني، وسند أساسي لشرعية الصهيونية سواء في علاقة المجتمع الصهيوني مع نفسه أو علاقته مع العالم الخارجي. واهتزاز الصورة هو اهتزاز الأُسس المهمة للشرعية.
ولكن من المفارقات التي تستحق التسجيل والملاحظة، أن هذا الجيل الجديد الذي يفر من الخدمة العسكرية ولا يكترث بها، هو جيل "أكثر عسكرية" كما يقول أفنيري شاليط (أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العسكرية) . ففي الأيام الأولى للاستيطان، كما يقول شاليط، كان الشعار السائد هو "فلتطلق النار ثم تذرف الدمع"، فالحرب كانت مفروضة على أبناء الجيل القديم (هكذا كان المستوطنون يظنون) ، ولم تكن الحروب حروب اختبار. والحرب، كما كان الجميع يعرف، شيء رهيب. أما أعضاء الجيل الجديد، فقد خاضوا «حروب اختيار» كثيرة (غزو لبنان - قمع الانتفاضة) ، أي حروب تمت بملء اختيار الإسرائيليين.
стр. 8352
وقد وُلد أعضاء هذا الجيل فيما يُسمَّى «أرض إسرائيل» ولذا فهم يعتقدون تمام الاعتقاد أن الاحتلال بالقوة «مسألة طبيعية» وأن الضفة الغربية ليست أوكيوبايد occupied «أرضاً محتلة» وإنما أرض قومية توراتية ومن ثم هي أرض «متنازع عليها» disputed ديسبيوتيد (كما يقول المصطلح الأمريكي) وعلى اليهود الاحتفاظ بها ولا يحق لهم التنازل عنها أو التفاوض بشأنها. والعرب هنا هم «عرب يهودا والسامرة» ، وبالتالي «خرق حقوقهم» لا يشكل مشكلة أخلاقية بالنسبة لهم.
وأعضاء هذا الجيل لا يختلفون كثيراً عن نتنياهو الذي صرح قائلاً: "ليس هناك أي نهر أو بحر يفصل الضفة الغربية عن باقي الأراضي الإسرائيلية. إنها جزء من دولة إسرائيل نفسها. إن الضفة الغربية هي مركز البلاد ... إنها فناؤنا الخلفي وليست أرضاً غريبة عنا". بل أضاف قائلاً: "إن المناطق غير المأهولة أو ذات الكثافة السكانية القليلة ستشكل في إطار التسوية الدائمة مناطق أمنية ذات تواصل جغرافي وقرر ضرورة الحفاظ على ممرات أمنية وطرق تربط المستوطنات بعضها ببعض". واستخدام الصور المجازية المكانية يدل على ضمور الإحساس بالزمان والتاريخ عند نتنياهو (وهو في هذا لا يختلف عن أبناء جيله) الذين لا يرون إلا الأرض وأمن إسرائيل ولا يدركون الماضي أو المستقبل أو العرب من حولهم.
стр. 8353
ومن خصائص هذا الجيل أن أعضاءه لم يشعروا قط بالعداء للسامية، أي بالعداء لليهود (ومع هذا فهم جيل أكثر ميلاً لليمين) . وقد نُشر مقارنة بين الشباب الألمان والشباب الإسرائيلي، وتبين أن الشباب الإسرائيلي أكثر عنصرية تجاه الأجانب من الألمان، وهم لا يهتمون بما يُسمَّى «عقلية المنفى» بل لا يفهمون يهود المنفى (أي يهود العالم) ولا يفهمون لغتهم أو خطابهم أو شكواهم. والمفارقة الناجمة عن هذا أن كثيراً من القضايا التي تهم يهود المنفى لا تهم أعضاء هذا الجيل من قريب أو بعيد. فهم لا يكترثون باليهودية أو هيمنة الأرثوذكس على أمور الدفن والطلاق والزواج والتهويد (فهم علمانيون شاملون عالميون، لا يهتمون بالقضايا المحلية ولا يكترثون بمثل هذه الأمور)
وقد اتهم نتنياهو اليساريين بأنهم نسوا "معنى أن يكون المرء يهودياً" (عبارة همس بها رئيس الوزراء في أُذن أحد الحاخامات) . ولكن هل يعرف جيل نتنياهو معنى اليهودية؟ هل تعني اليهودية شيئاً له؟ إن تصور أن التجمُّع الصهيوني أصبح «أكثر يهودية» و «أكثر تقليدية» بظهور نتنياهو، هو - في رأينا - تصور خاطئ. فهو في واقع الأمر قد أصبح «أكثر انغلاقاً» دون أن يصبح أكثر تقليدية أو تديناً، والربط بين الواحد والآخر ليس بالضرورة له قيمة تفسيرية كبيرة. فما يحدث في التجمع الصهيوني، ليس محاولة للعودة للتقاليد بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي محاولة أعضاء هذا التجمُّع أن يجدوا جذوراً لهم «روتس roots» تبرر لهم وجودهم، وأرضية صلبة يمكنهم الوقوف عليها (وهو أمر شائع في كل المجتمعات الاستيطانية) . ولذا قال كثير من المعلقين إن انتخابات ١٩٩٦ لم تكن انتخابات خاصة بـ «المصالح السياسية» (الاجتماعية والاقتصادية) وإنما كانت انتخابات خاصة بالهوية (وهو قول قد لا نتفق معه، ولكننا نقتبسه بسبب دلالته) .
تقويض الأيديولوجية الصهيونية من خلال الاستهلاكية (والأمركة والعولمة والخصخصة والعلمنة)
стр. 8354
Erosion of Zionist Ideology through Consumerism (and Americanization, Globalization, Privatization, and Secularization)
تسبَّبت الأزمة الصهيونية في ظهور أزمة أيديولوجية عميقة، فعبد أن طرح الصهاينة فكرة اليهودي الخالص، كما أسلفنا، وجدوا أن يهود المنفى شخصيات مريضة شاذة غير سوية. وهذا الشذوذ، ومن وجهة نظرهم، له مظهران أساسيان: أحدهما اقتصادي والآخر سياسي. أما المظهر الاقتصادي فيتضح في عدم إنتاجية اليهود واشتغالهم بأعمال السمسرة والمضاربات والأعمال الهامشية غير المنتجة مثل التهريب والأعمال المالية والعقارات وتجارة الرقيق الأبيض. أما المظهر السياسي، فيتلخص فيما يُطلَق عليه إشكالية العجز بسبب افتقاد السلطة أو السيادة. فالصهاينة يرون أنه بعد تحطيم الهيكل الثاني عام ٧٠ ميلادية، أصبح اليهود جماعات مشتتة تشتغل بالتجارة والربا وتُوجَد خارج نطاق مؤسسات صنع القرار دون أن تساهم في صياغته، وتفتقر إلى أية سيادة سياسية مستقلة، الأمر الذي كان يعني ـ من وجهة نظر الصهاينة ـ توقُّف مسار التاريخ اليهودي.
стр. 8355
وقد طرح الصهاينة رؤيتهم للمجتمع اليهودي المثالي (أي التجمُّع الصهيوني) كجزء من مشروع حضاري متكامل يهدف إلى تطبيع الشخصية اليهودية (وهذا في واقع الأمر أول استخدام للمصطلح في الأدبيات الصهيونية) . والتطبيع هنا يعني الشفاء من عقلية الاستجداء الاقتصادي من الغير أو الأغيار ومن الاعتماد السياسي عليهم، كما يعني عدم الانغماس في أعمال اسمسرة والمضاربات والأعمال الهامشية غير المنتجة والتحول إلى شعب يهودي منتج بمعنى الكلمة يسيطر على كل مراحل العملية الإنتاجية، وبالتالي على مصيره الاقتصادي والسياسي. وقد عبَّر بوروخوف عن القضية نفسها بقوله إن الحل الصهيوني هو أن يقف الهرم الإنتاجي على قاعدته فيتركز اليهود في العمليات الإنتاجية (في قاعدة الهرم) ، ويعملون بأيديهم، وتصبح أغلبيتهم من العمال والفلاحين. أما المهنيون والعاملون في القطاعين التجاري والمالي، فإنهم يصبحون قلة على قمة الهرم، شأنهم في هذا شأن أي مجتمع آخر. وهذا ما يُطلَق عليه اصطلاحًا «العمل العبري» و «غزو الأرض والعمل والحراسة والإنتاج» ، أي أن يستولي الصهيوني على الأرض ويعمل فيها بيده ويسيطر على مراحل الإنتاج كافة، وهو إن فعل هذا يكن قد أنجز الثورة الصهيونية الحقة، فاستولى على الأرض وزرعها، وعلى الهيكل الاقتصادي وعمل فيه، وعلى الهيكل السياسي وتَحكَّم فيه، وتحوَّل هو نفسه من شخصية هامشية إلى شخصية منتجة، أي أنه يكون قد تم تطبيعه تمامًا. ومن هنا، يكون الاستيطان الإحلالي (الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها والعمل فيها) لا فعلاً خارجيًا يحمل مدلولاً محدودًا وإنما هو فعل شامل ذو أبعاد سياسية وقومية، وفي نهاية الأمر نفسية، وهو أيضًا يحل مشكلة المعنى بالنسبة للصهاينة ويعقلن وجودهم في فلسطين التي تلفظهم ويقاتل أهلها ضددهم.
стр. 8356
لكن، وبعد مرور ما يقرب من خمسين عامًا على تأسيس الدولة الصهيونية، يمكن القول بأنها أبعد ما تكون عن قصة النجاح الموعود. أما على مستوى السيادة السياسية، فالمستوطن الصهيوني يضطر دائمًا نتيجة وضعه للاعتماد على قوة خارجية تضمن له البقاء والاستمرار من خلال الدعم العسكري والسياسي المستمرين، وهو ما يفرغ مفهوم السيادة من مضمونه تمامًا.
والدعم الاقتصادي للدولة الصهيونية يحل مشاكلها الاقتصادية ولكنه تذكير يومي للمواطن الإسرائيلي بأن الصهيونية لم تنجح في تطبيع اليهود وفي شفائهم من أمراض المنفى. فالمُستوطن الصهيوني أصبح شخصية استهلاكية، ولم يتحول إلى شخصية منتجة يعمل بيديه ويتواجد في مختلف المراحل الإنتاجية. فإنتاجية العامل الإسرائيلي تعادل نصف إنتاجية العامل الأمريكي، وهو أقل إنتاجية من عمال الدول الصناعية كلها (باستثناء إيطاليا) . ويتبدَّى تقلُّص الإنتاجية الإسرائيلية في تقلص القطاع الإنتاجي وتضخُّم قطاع الخدمات. وقد لاحَظ أمنون روبنشتاين، أنه في عام ١٩٤٥، أي قبل إعلان الدولة، كان عدد اليهود المشتغلين بأعمال إنتاجية هو ٢٤%. وبعد إعلان الدولة، وقف الهرم الإنتاجي على قاعدته، وبلغ عدد اليهود المشتغلين بوظائف إنتاجية ٦٩%. ولكن بعد مرور مائة عام على الاستيطان الصهيوني والممارسة الصهيونية، هبطت النسبة مرة أخرى إلى ٢٣%.
وقد ساهمت الانتفاضة المجيدة في فضح العدو أمام نفسه، إذ ثبت أن العمالة العربية المنتجة لا تزال قائمة على أرض فلسطين قبل بعد عام ١٩٤٨. ولم يحاول المجتمع الصهيوني أن يحل مشكلة العمالة من الداخل، أو حتى بالتوجه إلى الضمير اليهودي العالمي، وإنما حاول حلها عن طريق استيراد العمالة، وكأن الحديث عن زيادة الإنتاجية والعمل العبري قد تبخَّر جميعًا حتى على مستوى الديباجات اللفظية.
стр. 8357
وتعبِّر أزمة الإنتاجية عن نفسها في تفشي المضاربات في صفوف الإسرائيليين. وقد ظهر أن المصارف الأساسية في إسرائيل، وكذلك قطاع كبير من المواطنين العاديين، متورطون في عمليات مضاربة تضمن لهم أرباحًا ثابتة بضمان الحكومة دون بذل أيِّ جهد ودون مخاطرة كبيرة، وهذه هي عقلية الوسيط الطفيلي. وقد كُشف النقاب عن أن بعض الكيبوتسات متورطة هي الأخرى في أعمال السمسرة والمضاربات. وقد تزايدت معدلات الجريمة في إسرائيل بشكل مذهل. ويُلاحَظ انتشار المخدرات والأمراض النفسية والبغاء.
والفشل الأيديولوجيوتآكل الأيديولوجية يُولِّد ما يُسمَّى «أزمة المعنى» . وعادةً ما تؤدي أزمة المعنى إلى إحساس بالعدمية يحاول الإنسان التغلب عليه من خلال الاستغراق في عنصر مادي بشكل كامل (شرب المخدرات ـ الإباحية ـ الاستهلاك) يبحث الإنسان فهي عن قدر من اليقين. لكن ما يحدث هو العكس إذ أن تصاعُد الاستهلاك وإغراق الحواس فيه يزيد أزمة المعنى بدلاً من تهدئتها، ويزداد بذلك تآكُل الأيديولوجية وتقويضها.
وتوجد عناصر أخرى في بنية المجتمع الاستيطاني الصهيوني) الاستهلاكية) تصعد هذا الاتجاه.
١ ـ لوحظ أن المجتمعات العلمانية تمر بمرحلتين: مرحلة تقشفية تراكمية (صلبة) ، وأخرى استلهاكية فردوسية (سائلة) . وتنتمي المجتمعات الاستيطانية إلى نفس النمط، بل إن تحقق النمط في حالتها يتسم بقدر أعلى من الحدة والتطرف. فالمجتمعات الاستيطانية تبدأ هي الأخرى بمرحلة تقشفية حادة تتطلب التنظيم الصارم وضبط النفس وإنكارها بل التضحية والقتال المستمر (ضد الطبيعة المعادية والسكان المعادين) ، وهي مرحلة تتسم بالأشكال الاقتصادية الجماعية والملكية الجماعية أو شبه الجماعية للأشياء وتضخُّم القطاع العسكري وتغلغله في كل القطاعات الأخرى. وهذه المرحلة هي المرحلة التقشفية التراكمية التي يتم فيها الاستيلاء على الأرض وكذلك طرد السكان الأصليين وإبادتهم ومراكمة رأس المال.
стр. 8358
ولكن كل هذا يتم، منذ البداية، باسم الهدف النهائي والقيمة المرجعية النهائية والمطلق العلماني الأوحد، أي تحقيق الذات وتعظيم اللذة، وكل ما يتم من إرجاء لإشباع الغرائز إنما يتم باسم الاستهلاك الآجل. وإذا كانت مرحلة التقشف حادةً في تقشفها، فالمرحلة الاستهلاكية في المجتمعات الاستيطانية لا تقل عنها حدة. ويعود هذا إلى أن المُستوطن إنسان تَرَك وطنه واقتُلع من جذوره ليحقق حراكًا احتماعياً ومزيدًا من الاستهلاك، وانتقل إلى مجتمع استيطاني يظن أنه الفردوس الأرضي الموعود. والمهاجر المستوطن يرفض تقاليد وطنه أو يتركها وراءه أو يجمدها، وهو يقوم عادةً بعملية الاستيطان في غياب أية مؤسسات دينية، وإن وجُدت فهو عادةً يسيطر عليها ويوظفها لتقوم بعملية تسويغ عمليات الإبادة والطرد التي يقوم بها. وهو، إلى جانب كل هذا، لا يتبنَّى التقاليد الدينية والثقافية والاجتماعية للسكان المحليين وإنما يقوم بتحطيمها، ولذا فإنه يصبح كيانًا عاريًا تمامًا أمام المادة (والتجربة الاستيطانية الغربية هي بهذا المعنى تجربة علمانية مكثفة) . ويعني كل هذا، في نهاية الأمر، أن قيم المنفعة واللذة تكون في مثل هذه المجتمعات في حالة تَرقُّب وانتظار لتتحقق وتكتسح المطلقات كافة في طريقها مع تزايد معدلات العلمنة.
стр. 8359
والمُستوطَن الصهيوني لا يشكل استثناء من القاعدة، فقد بدأ بمرحلة ريادة مسلحة تقشفية وانتهى إلى مرحلة استهلاكية فردوسية. ولكن عملية الانتقال إلى المرحلة الثانية تمت بسرعة أكثر من المتوقع لأن المستوطنين الصهاينة كانوا منذ البداية مموَّلين من الخارج من قبَل اللورد روتشيلد، ثم زاد الدعم والتمويل بعد عام ١٩١٧ من قبَل المنظمة الصهيونية العالمية. ولكن فترة الريادة المسلحة لم تكن تقشفية بالقدر الكافي ولم تكن تراكمية على الإطلاق، وكانت تحوي داخلها قدرًا عاليًا من اللذة الآنية والسعار الاستهلاكي والرغبة الجامحة في تحقيق الذات. وبعد إنشاء الدولة، زاد الدعم من الخارج بدرجة لم يشهدها التاريخ الإنساني من قَبْل، وهو ما أدَّى إلى زيادة حدة التوقعات الاستهلاكية، وإلى إضعاف المقدرة على التقشف وعلى إرجاء المتعة.
ولذا، فحينما حققت إسرائيل انتصارًا في عام ١٩٦٧، أي بعد نحو ٢٠ عامًا وحسب من تأسيس الدولة، تفجرت الرغبات الاستهلاكية وزاد النزوع نحو اللذة وارتفعت التوقعات وانخفضت المقدرة على التحمل إذ شعر المستوطنون الصهاينة أن المرحلة التقشفية قد انتهت وأن الوقت قد حان لدخول مرحلة الاستهلاك والسلع المستوردة، وهذا يعني أن ارتفاع معدلات العلمنة في المجتمع أدَّى إلى اكتساح القيم، والمطلقات كافة، ومعها المطلق الصهيوني نفسه وسائر آليات ضبط النفس التي تتم في إطاره، وذلك قبل أن يضرب المجتمع بجذوره وقبل أن يؤسِّس بنيته التحتية. ولذا، تزايدت معدلات الأمركة في المجتمع، وضَعُفت مقدرة المستوطنين على تحمُّل المشاق. ومع تَفجُّر الانتفاضة تصاعدت حدة أزمة المجتمع الصهيوني.
لكل هذا تغيَّرت الأنماط الإدراكية في المجتمع فتراجع نموذج الكيبوتسنيك (عضو الكيبوتس) وظهر نموذج روش قطان، أي المواطن ذو الرأس الصغير والمعدة الكبيرة.
стр. 8360
ونظرًا للتوجُّه نحو اللذة في التجمُّع الصهيوني نجد أن المفهوم القديم للمستوطن الصهيوني باعتباره رائدًا يمسك المحراث بيد والبندقية بالأخرى قد تآكل، وظهر نوع جديد من المستوطنين الذين يبحثون عن الحراك الاجتماعي وعن رفع مستوى معيشتهم. ولذا يُلاحَظ أن المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية مختلفة عن المستوطنات القديمة، فلا توجد فيها أي مظهر من مظاهر التقشف وإنما توجد فيها منازل فاخرة وحمامات سباحة وكل أشكال الرفاهية. والدعوة إلى الاستيطان فيها لا تأخذ شكل شعارات دينية أو حتى شبه دينية ولا أيديولوجية (أو حتى شبه أيديولوجية) وإنما هي دعوة سافرة للاستهلاك، فإحدى الإعلانات تتحدث عن فيلا واسعة، في موقع جميل، بنصف ثمن الفيلات المماثلة داخل حدود ٦٧ ولكنها مع هذا تقع على بُعد ثلاثين دقيقة من وسط القدس ونتانيا وتل أبيب.
وهذه البيوت الاستيطانية الفارهة لا يقوم المستوطنون بحراستها إذ يتولَّى الجيس الإسرائيلي هذه المهمة بالنيابة عنهم. ولذا بدلاً من أن تكون المستوطنات هي المواقع العسكرية الأمامية للقوات الصهيونية أصبحت تشكل عبئًا عسكريًا عليه. ولذا فقد أطلقنا على هذا النوع من الاستيطان «الاستيطان مكيف الهواء» ، وهو يعكس واقع الحياة في إسرائيل أكثر من الشعارات الصهيونية الكاذبة التى تطلقها أبواق الدعاية الصهيونية.
٢ ـ لا شك فى أن كون المجتمع الصهيوني مجتمع مهاجرين يعني أن هناك دائمًا جماعات بشرية جديدة تفد على المجتمع وتصعِّد من سعاره الاستهلاكي، كما حدث مع وصول المهاجرين السوفييت.
٣ ـ مما يساعد على تفشي النزعة الاستهلاكية ظاهرة الأمركة، والأمركة هي أسلوب حياة جوهره اتخاذ موقف برجماتي ينصرف عن الكليات والمبادئ ليركز على التفاصيل وحل المشاكل المباشرة، ويعتمد العنف آلية أساسية من آليات حل الصراع، ويركز على الفرد بالدرجة الأولى وتأكيد ضرورة الإشباع الفوري.
стр. 8361
وعلاقة إسرائيل بالولايات المتحدة علاقة خاصة وعميقة. فكلاهما مجتمع استيطاني مبني على محو تاريخ الآخر وإبادته وطرده. وكلاهما يستند إلى أسطورة الاستيطان الغربية (صهيون الجديدة) . وإلى جانب هذه العلاقة الحضارية شبه الدينية، توجد العلاقة السياسية العملية وهي أن الولايات المتحدة هي الراعي الإمبريالي للدولة الصهيونية الوظيفية التي تدعمه وتموله وتضمن بقاءه واستمراره، وهي تضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم (يفوق في حجمه التجمُّع الصهيوني نفسه) . وهي بغير شك علاقة تخلق تبادلاً اختياريًا وتربة خصبة للأمركة. هذا بطبيعة الحال إلى جانب الاتحاه العام في كل مجتمعات العالم نحو الأمركة مع تصاعُد معدلات العلمنة وتفشي النسبية الأخلاقية. والأمركة تعني تآكل الجذور وتساقط الحدود الأمر الذي يصعِّد السعار الاستهلاكي.
٤ ـ والأمركة مرتبطة تمام الارتباط بالعولمة التي لها نفس الأثر في التجمُّع الصهيوني، فالإنسان الذي يفقد جذوره الإثنية والدينية يميل بشكل أكبر نحو الاستهلاك، لأن استهلاك السلع يصبح السبيل إلى تحقيق الفردوس الأرضي. وفي إطار العولمة تصبح السلع العالمية (أي الأمريكية) هي رمز هذه الجنة الجديدة.
وهذه الظواهر موجودة في كل المجتمعات ولكن أثرها السلبي أعمق في التجمُّع الصهيوني لأنه مجتمع يستند عقده الاجتماعي إلى أيديولوجية تشكل الهوية عصبها وعمودها الفقري.
٥ ـ ويرتبط بكل هذا الاتجاه نحو الخصخصة، فالخصخصة تعني أن نقطة البدء هي الفرد وليس المجتمع، وأن المشروع الفردي يسبق المشروع القومي. ومثل هذا الموقف يزيد بغير شك حدة السعار الاستهلاكي. وللخصخصة أعمق الأثر في التجمُّع الصهيوني باعتباره تجمُّعًا استيطانيًا لابد أن ينظم نفسه تنظيمًا جماعيًا ليضمن لنفسه البقاء والاستمرار أمام مقاومة أصحاب الأرض.
стр. 8362
الباب الثانى: الاستجابة الصهيونية/ الإسرائيلية للأزمة
التكاثر المفرط للمصطلحات الصهيونية....
Excessive Proliferation of Zionist Terminology
«التكاثر المفرط للمصطلحات الصهيونية» هو سمة أساسية للفكر الصهيوني منذ ظهوره. فهناك «الصهيونية الدبلوماسية» و «الصهيونية السياسية» و «الصهيونية العامة» و «الصهيونية العمالية» و «الصهيونية الاشتراكية» و «الصهيونية الدينية» و «الصهيونية العلمانية» و «الصهيونية الثقافية» و «الصهيونية الروحية» و «الصهيونية التصحيحية» و «الصهيونية التوفيقية» و «الصهيونية الإقليمية» و «صهيونية بدون صهيون» و «صهيونية صهيون» و «الصهيونية المسيحية» و «صهيونية الأغيار» و «صهيونية الدياسبورا» وغيرها من المصطلحات.
وقد استمرت الظاهرة بعد إنشاء الدولة وإن كان إسهال المصطلحات قد عبَّر عن نفسه من خلال أسماء الأحزاب التي تتغيَّر بمعدل جنوني عند كل انتخابات وما بينها.
وإذا كان التكاثر المفرط للمصطلحات سمة أساسية للخطاب الصهيوني قبل عام ١٩٦٧، فإن الأمور ازدادت سوءاً بسبب تصاعُد الأزمة، فهناك الأزمة البنيوية للصهيونية وتوتر العلاقة بين المُستوطَن الصهيوني ويهود العالم. ولأن الأزمة لا حل لها والتوتر يتصاعد فإن الحلول المطروحة هي الأخرى تتزايد بشكل مفرط، ومن ثم تتكاثر المصطلحات وتتداخل فتضطرب.....
стр. 8363
وبعض التيارات الصهيونية الجديدة توصف بأنه «معتدلة» (صهيونية الخط الأخضر ـ صهيونية الحد الأدنى ـ الصهيونية الديموجرافية) ، ويوصف البعض الآخر بأنه «متطرف» (صهيونية الأراضي ـ صهيونية الحد الأقصى ـ الصهيونية المتوحشة) . وحقيقة الأمر أنه لا يوجد فارق جوهري بينهما، فكلاهما يَصدُر عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ولا يختلفان إلا فيما يتصل بطريقة التطبيق ونطاق التوسع. (ومع هذا ترى الولايات المتحدة [رائدة النظام العالمي الجديد] أن تيار المعتدلين الصهاينة وصهيونية عصر ما بعد الحداثة هما الأقرب لأهدافها، فالنظام العالمي الجديد يُفضل عدم المواجهة المباشرة مع الشعوب المستغَلة. وصهيونية الأراضي تؤدي إلى مثل هذه المواجهة) .
ويظهر التداخل بين المصطلحات وعدم جدواها من الناحية التصنيفية في حالة هرتزل. فهو قد أظهر صيغة صهيونية معتدلة (وُصفت بأنها «صهيونية ليبرالية إنسانية» ) وأبطن صيغة الحد الأقصى المتوحشة. وقد حل التناقض بطريقة عملية ذكية إذ ربط التوسع (صهيونية الأراضي) بالهجرة (الصهيونية السوسيولوجية) ، وجعل الثاني مشروطاً بالأول، فكأنه كان ليبرالياً قبل وصول المستوطنين، متوحشاً بعده. (ومع هذا، نجد من أتباع هرتزل الليبراليين من يشجبون صهيونية الحد الأقصى وينعتونها بالوحشية، وهي الصهيونية التي لم يرفضها المنظِّر الأول والزعيم الروحي، وإنما أخفاها وحسب لاعتبارات عملية!) .
стр. 8364
ويظهر الخلط في المصطلح أيضاً في إدراك الحركة الصهيونية أن «الشعب اليهودي» يؤثر المنفى على «الوطن القومي» وأنه يحجم عن الهجرة إليه. ولكنها مع هذا ترفض الاعتراف بالأمر الواقع. ومما يزيد الأمور اختلاطاً أن هؤلاء الذين يرفضون الهجرة يسمون أنفسهم «صهاينة» لأسباب نفسية محضة لا علاقة لها بواقعهم أو سلوكهم. وقد طالب بن جوريون بعدم تسميتهم «صهاينة» ، فالصهيونية ـ كما قال ـ هي الهجرة والاستيطان (ومن وجهة نظرنا، الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها والقتال من أجلها) . وطالب بتسميتهم «أصدقاء صهيون» وحسب. ولكن مثل هذه الراديكالية قد تفضح المشروع الصهيوني ومن هنا مصطلحات مثل «الصهيونية النقدية» و «الصهيونية التقنية» ، وهي سليلة مصطلح بورخوف «صهيونية الصالونات» . وهي مصطلحات تشير إلى ظاهرة رفض أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الهجرة دون تسميتها بشكل صريح.
وفي محاولتنا وصف الظاهرة الصهيونية وتسمية بعض جوانبها الجديدة الناجمة عن التغيُّرات التي طرأت عليها، نحتنا مجموعة من المصطلحات من بينها «صهيونية المرتزقة» و «الصهيونية الحلولية العضوية» و «صهيونية عصر ما بعد الحداثة» . وفي بقية مداخل هذا الباب ستتناول هذه المصطلحات. وسنختمه بمدخلين يتناولان ما نتصور أنهما الاتجاهان الصهيونيان الأساسيان. وفي المدخل الأخير سنتناول الرؤية الإسرائيلية المباشرة للأزمة الصهيونية خارج الاعتذاريات والديباجات.
الصهيونية الجديدة
Neo-Zionism
«الصهيونية الجديدة» مصطلح له معنيان مختلفان:
١ ـ يُستخدَم المصطلح للإشارة إلى التيارات التوسعية المتشددة داخل إسرائيل التي تطالب بالاحتفاظ بكل الأراضي التي تم ضمها بعد عام ١٩٦٧. والمصطلح، بذلك، يكون مرادفاً لمصطلح «صهيونية الأراضي» و «صهيونية الحد الأقصى» .
стр. 8365
٢ ـ يُطلَق المصطلح أيضاً على صهاينة الولايات المتحدة الذين يؤيدون إسرائيل بحماس شديد ويقبلون برنامج القدس، ولكنهم مع هذا يرفضون الانضمام إلى المنظمة الصهيونية. وقد ظهر المصطلح بعد عام ١٩٦٧. وهذه كلها تنويعات على المصطلح الذي نحتناه «الصهيوينة التوطينية» . واستخدام نفس الكلمة للإشارة إلى مدلولين مختلفين يبين مدى اختلاط المصطلح الصهيوني.
صهيونية الخط الأخضر
Green Line Zionism
«صهيونية الخط الأخضر» هي الصهيونية التي تدعو إلى الانسحاب إلى فلسطين المحتلة قبل عام ١٩٦٧. وقد ذاع المصطلح بعض الوقت بعد عام ١٩٦٧. ودعاة صهيونية الخط الأخضر ليسوا كثيرين، كما أنه حين يتم التدقيق في خطابهم يكتشف الباحث أنهم يدعون إلى الاحتفاظ ببعض الأراضي أو المواقع في الضفة الغربية لأسباب يُقال لها "أمنية".
الصهيونية الديموجرافية (السكانية (
Demographic Zionism
«الصهيونية الديموجرافية (السكانية) » مصطلح سكه عالم السياسة الإسرائيلي شلومو أفنيري، وهي الصهيونية التي تود الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة الصهيونية والتي ترى أن الحفاظ على الأراضي التي تم ضمها عام ١٩٦٧، وهي مناطق مأهولة بالسكان، يهدد هذا الطابع. ويرى هؤلاء أن تَزايُد عدد العرب يهدد الديموقراطية الإسرائيلية نفسها، إذ من الصعب على دولة ديموقراطية أن تضم أقلية كبيرة (قد تصبح أغلبية) وتنكر عليها حق الاشتراك في صنع القرار. ولذا يطالب دعاة هذا الاتجاه بتسليم المناطق المأهولة للعرب (كما حدث مع قطاع غزة) والاحتفاظ بالنقط الإستراتيجية لضمان الأمن الإسرائيلي الأمر الذي سيوفر لإسرائيل الجو الملائم لتطور اقتصادها بطريقة تسمح لها بقيادة منطقة الشرق الأوسط. ومصطلح «الصهيونية الديموجرافية» مرادف لمصطلح «الصهيونية السوسيولوجية» .
الصهيونية السوسيولوجية
Sociological Zionism
انظر: «الصهيونية الديموجرافية) السكانية) » .
الصهيونية الإنسانية (الهيومانية (
стр. 8366
Humanistic Zionism
«الصهيونية الإنسانية» مصطلح قريب من مصطلح «صهيونية الحد الأدنى» ، وهو يعني أن الصهيونية لا تستند إلى الغزو والقمع والإرهاب وإنما إلى مجموعة من القيم الإنسانية (الهيومانية) . والمصطلح ليس له ما يسانده في الواقع، فالفلسفة الإنسانية (الهيومانية) تجعل من الإنسان مركز الكون ولا تُفرِّق بين إنسان وآخر. ومن ثم فإن تطبيق هذا على التجمُّع الصهيوني سيؤدي إلى إلغاء قانون العودة العنصري وفتح أبواب الهجرة أمام الفلسطينيين ليعودوا لوطنهم ويستعيدوا أرضهم وديارهم، كما سيُعطي الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بعد عام ١٩٦٧ الاستقلال الكامل وحق تقرير المصير. وغني عن القول أن كل هذا يعني نهاية التاريخ الصهيوني!
صهيونية الحد الأقصى
Maximal Zionism
«صهيونية الحد الأقصى» مصطلح شاع في إسرائيل في الآونة الأخيرة، وهو عادةً يشير إلى عقيدة أولئك الصهاينة الذين يرفضون التنازل عن أيِّ شبر مما يسمونه «أرض إسرائيل الكبرى» . فالأراضي المحتلة في تصوُّرهم جزء من أرض الميعاد المقدَّسة ويمكن الاحتفاظ بها وبمن عليها من السكان دون التخلي بالضرورة عن الطابع اليهودي للدولة، فقمع العرب المستمر سيضمن هدوءهم وهدوء المناطق (ومن ثم فالمصطلح مرادف لمصطلح «صهيونية الأراضي» و «الصهيونية التوسعية» ) . ومن ثم، فهم يرفضون تقديم أية تنازلات إقليمية أو أي انسحاب للقوات الإسرائيلية أو أية تصفية ولو جزئية للمستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية والجولان أو غيرهما.
ومما يجدر ذكره أن دعاة صهيونية الحد الأقصى ليسوا من أعضاء الأحزاب الدينية وحسب، وإنما يضمون في صفوفهم كثيراً من اللادينيين. كما أن هناك من الدينيين من لا يمانع في التنازل عن الأراضي، للحفاظ على أرواح اليهود (بكواح نفيش) .
стр. 8367
وصهيونية الحد الأقصى كامنة في صهيونية الحد الأدنى (التي تبدي مرونة واستعداداً للتفاهم مع العرب) . ويتأرجح الصهاينة بين الحدين الأقصى والأدنى بتغير الموازين الدولية والقوة الذاتية العسكرية الإسرائيلية. ونظراً لذيلية إسرائيل وتبعيتها شبه الكاملة للولايات المتحدة، يمكن فهم أنماط هذا التأرجح بالرجوع إلى سياسات الولايات المتحدة. ونحن نذهب إلى أنه مع ظهور النظام العالمي الجديد، ورغبة الولايات المتحدة في تحويل العالم بأسره إلى مصنع وسوق (بغير قيم أو خصوصيات) ، سيتم الضغط على إسرائيل حتى تظهر مرونة أكبر ومقدرة على التعاون مع بعض النظم والنخب العربية الحاكمة.
الصهيونية المتوحشة
Brutal Zionism
«الصهيونية المتوحشة» مصطلح يستخدمه دعاة «صهيونية الحد الأدنى» والصهاينة الإثنيون واللادينيون للإشارة إلى «صهيونية الحد الأقصى» ، الدينية واللادينية وصهيونية جوش إيمونيم وكاخ.
الصهيونية المشيحانية
Messianic Zionism
«الصهيونية المشيحانية» هي «صهيونية الحد الأقصى» وإن كان المصطلح يؤكد الجوانب الأيديولوجية والديباجات اليهودية الأخروية. فالصهيونية المشيحانية هي الصهيونية التي تؤمن بأنها أيديولوجية مرتبطة تمام الارتباط بعقيدة الماشيَّح، ملك اليهود الذي سيقودهم في آخر الأيام ليؤسس مملكة صهيون الأزلية. ورغم أن كثيراً من الصهاينة العلمانيين قد يرفضون العقائد المشيحانية (باعتبارها متخلفة وغيبية) إلا أن المصطلح الصهيوني بأسره إن هو إلا صيغة معلمنة للعقائد المشيحانية. فالحديث عن «العودة» و «الهيكل الثالث» وغيرها من المصطلحات ينبع من العقيدة المشيحانية.
صهيونية الأراضي
Territorial Zionism
انظر: «صهيونية الحد الأقصى» .
الصهيونية التوسعية
Expansionist Zionism
انظر: «صهيونية الحد الأقصى» .
الصهيونية الفورية
Immediate Zionism
стр. 8368
«الصهيونية الفورية» مصطلح استُخدم في بعض المؤتمرات الصهيونية في الثمانينيات. وكان الهدف من المصطلح هو شخذ همة الصهاينة التوطينيين حتى ينفضوا عنهم غبار المنفى ويهاجروا "على الفور" إلى فلسطين المحتلة ويستوطنون فيها. وغني عن القول أن المصطلح لم يحدث الهدف المطلوب منه.
الصهيونية الجسمانية (أو التجسيدية (
Bodily Zionism
«الصهيونية الجسمانية أو التجسيدية» ترجمة لمصطلح «تسيونيت بجشيم» وهو مصطلح استُخدم في بعض المؤتمرات الصهيونية في الثمانينيات ولا يختلف كثيراً عن «الصهيونية الفورية» . ولعله محاولة لعلمنة مفهوم «عفوداه بجاشيموت» الحسيدي (أي «الخلاص بالجسد» (.
الصهيونية الاقتصادية
Economic Zionism
«الصهيونية الاقتصادية» مصطلح يعبِّر عن تقبل الفكر الصهيوني لحالة الدياسبورا النهائية وإحجام صهاينة العالم الغربي (الصهاينة التوطينيين) عن الهجرة إلى فلسطين، وهو يعني أن العلاقة بين يهود العالم والدولة الصهيونية ستكون علاقة "اقتصادية" مجردة، فلن يُطلَب من يهود العالم الهجرة وسيُكتفي بمطالبتهم بالاستثمار في إسرائيل، ولذا بدلاً من الحديث عن مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا ككل يمكن الحديث عن «مركزية إسرائيل في الحياة الاقتصادية للدياسبورا» ، وهو ما يعني المزيد من انحسار الرؤية الصهيونية وحصرها في الوجود الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية.
الصهيونية النقدية
Monetary Zionism
«الصهيونية النقدية» مصطلح لا يختلف كثيراً عن مصطلح «الصهيونية الاقتصادية» وإن كان يُشكِّل مزيداً من الانحسار والتسطح، فالمفهوم الكامن هو «مركزية إسرائيل في الحياة النقدية [بمعنى المالية] للدياسبورا» . والمصطلح مجرد تنويع على مصطلحنا «الصهيونية التوطينية» ، وهو مرادف لمصطلح «صهيونية دفتر الشيكات» .
صهيونية دفتر الشيكات
Check-Book Zionism
انظر: «الصهيونية النقدية» .
صهيونية النفقة
Alimony Zionism
стр. 8369
«صهيونية الحد الأقصى» مصطلح مترادف تقريباً مع «الصهيونية النقدية» و «صهيونية دفتر الشيكات» وإن كان يُشكِّل انحساراً شبه كامل للصهيونية. فالصورة الكامنة هنا هي صورة اليهودي الذي تطارده طليقته (الدولة الصهيونية) وتطالبه بالنفقة فيضطر أن يدفع لها بل يجزل لها العطاء حتى تكف عن ملاحقته وفضحه أمام نفسه وأمام الجيران، أي أن المصطلح يجعل العلاقة بين يهود العالم والدولة الصهيونية علاقة برانية تماماً.
الصهيونية التقنية (أو الإلكترونية (
High-Tech (or Electronic) Zionism
«الصهيونية التقنية (أو الإلكترونية) » مصطلح لا يختلف كثيراً عن مصطلح «الصهيونية الاقتصادية» وإن كان يشكل مزيداً من الانحسار إذ يصبح الشعار الصهيوني «مركزية إسرائيل في الحياة التقنية أو الإلكترونية للدياسبورا» . والمصطلح هو مجرد تنويع على مصطلحنا «الصهيونية التوطينية» .
الصهيونية اللوكس (أو الصهيونية مكيفة الهواء (
De Luxe (or Air-Conditioned) Zionism
«الصهيونية اللوكس» (أو «الصهيونية مكيفة الهواء» ) مصطلح قمنا بصياغته قياساً على عبارة زئيف شيف «الاستيطان دي لوكس» حيث يشير إلى أسلوب حياة المستوطنين في الضفة الغربية الذي يتسم بالرفاهية الشديدة (على عكس صهيونية المستوطنين الأوائل التي كانت تتسم بالتقشف) . وقد نحتنا نحن مصطلح «الاستيطان مكيف الهواء» قبل ظهور مصطلح «الاستيطان اللوكس» بعدة سنين.
الصهيونية المكوكية
Shuttle Zionism
стр. 8370
«الصهيونية المكوكية» مصطلح قمنا بنحته قياساً على مصطلح الاستيطان المكوكي (بالإنجليزية: شتل ستلمنت «shuttle settlement) والذي يُستخدَم للإشارة إلى المستوطنين الذين يقطنون الأراضي المحتلة بعد عام ١٩٦٧ ولكنهم يعملون في الأرض المحتلة منذ عام ١٩٤٨ فهم ينتقلون يومياً من المستوطنات ويعودون إليها في حركة مكوكية. وقد قطن هؤلاء في الضفة الغربية بدافع واحد وهو أن المساكن في المستوطنات أكثر فخامة وترفاً وأقل تكلفة من المساكن خلف الخط الأخضر. ويُقال إن كثيراً من هؤلاء المكوكيين هم «محترفو الاستيطان» (بالإنجليزية: ستلمنت برفشينالز settlement professionals) ، أي الذين اشتروا منازلهم هذه واستوطنوا في الضفة الغربية للحصول على "تعويضات" مناسبة إن اضطرت الدولة الصهيونية إلى نَقْل بعض المستوطنات، كما حدث من قبل في مستوطنة ياميت في سيناء.
الصهيونية: دال بلا مدلول
Zionism: A Signifier without Signified
следующие страницы →