← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

Hawks, Doves, Ostriches and Other Cognitive Birds: The Israeli Response to the Intifada تم رصد استجابة المستوطنين الصهاينة للانتفاضة من خلال مقولتين اثنتين وحسب: الاعتدال والتشدُّد اللذين يُشار لهما بالحمائم والصقور. وهذه طريقة متعسفة جداً في الرصد، ولعلها تعود إلى تبسيطات النموذج المادي الإدراكي الذى يحوِّل الإنسان المركب إلى مادة بسيطة ثم ينظر لها من الخارج كما لو كانت مجرد حركة دون دوافع أو وعي. وتميل التصنيفات المادية إلى تصنيف الواقع بأسره إلى سالب وموجب والنظر إليه بشكل كمي براني. وقد يكون من المفيد توسيع النموذج الإدراكي بما يتفق مع تركيبية الظاهرة الصهيونية فتضم للحمائم والصقور طيوراً إدراكية أخرى مثل الدجاج والنعام (وتنويعات عليها) . والحمائم كما يُقال مسالمة دئماً، والصقور يُفترَض فيها أنها عدوانية شرسة. أما الدجاج فهو متخصص في الهرب، ويجيد النعام فن دفن رأسه في الرمال. والنعام هو أكثر أنواع الطيور الإدراكية انتشاراً في المُستوطَن الصهيوني وبخاصة بعد الانتفاضة، وإن كنا لا نعدم عدداً كبيراً من الدجاج الذى يتحدث كالصقور، وتوجد قلة نادرة من الحمائم ليس لها وزن كبير (على عكس ما تصوره الشائعات) ، وإن كان يوجد عدد كبير من الصقور التى تتحدث كالحمائم. ويقول الدكتور قدري حفني: إن اليهود الشرقيين مثلاً هم حمائم تود أن تكون صقوراً لتثبت إخلاصها للنخبة الحاكمة الإشكنازية. وقد أسقط كثير من المعلقين السياسيين كل التدرجات والتداخلات من إدراكنا لأن نموذجهم المعرفي قاصر ساذج يحوى مقولتين اثنتين، ولذا لم نر الدجاج أو النعام ولا عشرات الطيور الإسرائيلية الأخرى القابعة التى تنتظر من يكتشفها ويرصدها. ١ ـ الحمائم:

стр. 8402

وجهت صحيفة حداشوت سؤالاً إلى عدد من الإسرائيلين البارزين الذين يمثلون مختلف التيارات السياسية والثقافية. يقول: ماذا كنت تفعل لو كنت فلسطينياً؟ فجاء رد معظمهم بأنهم كانوا سيفعلون ما يفعله الفلسطينيون الآن، أى الانضمام للانتفاضة. بل أضاف أحدهم أنه «كان سيفعل أكثر من ذلك بعشرة أضعاف، وقبل هذا الوقت بكثير. وكنت سأفعل ذلك في ديزنجوف (أحد شوارع تل أبيب الرئيسية) بدلاً من نابلس. فهناك سيكون تأثيره أقوى» . وهذا التصريح المسالم لا يؤدي بالضرورة إلى سلوك حمائمي، فموشي ديان كان مدركاً تماماً "لعدالة" المطالب العربية، وأن العرب سيثورون حتماً ويقاتلون ضد الصهاينة. ولكن مثل هذا الإدراك لا يؤدي بالضرورة إلى الانحياز للمظلومين المنتفضين، فما يحدِّد السلوك النهائي ليس الإدراك وحسب، وإنما موازين القوى أيضاً ومجموعة هائلة من العناصر الأخرى المادية والمعنوية. فإن كان العربي ضعيفاً خاملاً، فإن إدراك «عدالة» مطالبه قد يؤدي إلى مزيد من التشدد لأن صاحب المطالب العادلة قد يتحرك في أىة لحظة للحصول عليها، ولذا لابد من ضربه بيد من حديد قبل أن يصبح قوياً وقبل فوات الأوان. وهذا هو موقف بن جوريون وجابوتنسكي وشلومو أرونسون وغيرهم. ولذا يمكن القول بأن المثقفين الإسرائيليين الذى عبَّروا عن تفهمهم لموقف العرب ليسوا «حمائم بالفعل» وإنما «هم حمائم بالقوة» بالمعنى الحرفي والفلسفي. وهذه الاستجابة الحمائمية محصورة في أوساط المثقفين وبعض الشخصيات السياسية التي ليس لها وزن كبير، ولا أعتقد أنها تؤثر في الرأي العام الإسرائيلي أو في صنع القرار الإسرائيلي. ٢ ـ الدجاج:

стр. 8403

الدجاج موجود بكثرة، مثل يائيل إسكيد الذي قرر أنه «لا يذهب الآن إلى غزة سوى الحمقى المستوطنين. ولا يذهب أحد إلى الضفة إلا لسبب وجيه، سبب وجيه جداً. فنحن خائفون» . وعملية «تدجين» المواطنين على يد جنرالات الحجارة لا تزال قائمة على قدم وساق. وقد ذكرت الصحف الإسرائيلية أن المستوطنين في زمن الانتفاضة لا يسافرون إلا فيما ندر، ولا يتركون الأطفال بمفردهم ولا يخرجون إلا لأمور ضرورية. وشاهدت العائلات اليهودية جدلاً حاداً إذا ما أرادت السفر. فإذا سافر مستوطن وحده، فهو «مغامر» أما إذا اصطحب زوجته وأطفاله، فهو «مجنون» . وأكدت مستوطنة صهيونية أن بريق المستوطنات قد خفت وحينما تمر حافلة المستوطنين بجوار مخيم عاناتا (الفلسطيني) فإنها تسرع بطريقة مجنونة لتتحاشي الأحجار. وبدأ المستوطنون يسدلون الستائر ويغلقون المداخل بعد أن كانت المستوطنة تتمتع بجو انفتاحي بهيج. فالوضع، كما تقول السيدة، مخيف، وخصوصاً أنها تعرف أن الجنود الإسرائيليين أوقفوا مظاهرة من ٦٠٠ عربي كانت متجهة نحو المستوطنة: "ماذا كان يمكن أن يحدث لنا لو أن الجنود فشلوا في إيقافهم؟ ماذا كان يمكن أن يحدث لأطفالنا؟ ". والخاصية «الدجاجية» للمستوطنين تبدت في محاولتهم الظهور بمظهر الصقور. فسائق الحافلة رقم ٢٥ (من القدس للضفة) يشيد بركابه من المستوطنين الذين لا يهلعون من الحجارة ويجيدون فن الاستجابة فهم كما يقول: "يتوقعون الهجوم في أىة لحظة، معتادون عليه". وعندما يبدأ الهجوم فهم يتصرفون "كالجنود المدربين، على ما يجب عمله" إذ ينبطحون في أرض الحافلة. والصورة الكامنة هنا هى صورة إنسان قلق يتوقع الهجوم ويجيد فن الاختباء.

стр. 8404

ولنأخذ المستوطن ليمودي جنيان، كمثال آخر، فهو، يهودي أرثوذكسي عجوز يعمل خياطاً، وهو صقر لا شك فيه يطالب بضرب العرب وتحطيمهم ثم يقول: "نحن نفعل ذلك عند الحدود. والأمر لا يختلف هنا [في المناطق المحتلة] فتلك حدود، وهذه أيضاً حدود. كل البلد حدود". وإدراك هذا المُستوطن العجوز لفلسطين المحتلة كبلد كلها حدود هو إدراك طريف جداً يبين مدى الهلع والإحساس بانعدام الأمن. ومن أيسر الطرق لتحديد استجابة المستوطنين دراسات علماء النفس الإسرائيلين. وقد لاحظ بعض علماء النفس الأمريكيين انتشار ما سموه «أعراض فيتنام» بين الجنود الإسرائيليين، وهو الإحساس بالإحباط لدخولهم حرباً غير كريمة لا معنى لها، لا يمكنهم كسبها أو الانسحاب منها، فيهاجمهم اليمين الإسرائيلي لتقاعسهم ولأنهم لا يستخدمون مزيداً من العنف، ويهاجمهم يهود العالم وبعض الحمائم الإسرائيليين لأنهم يحطمون عظام المنتفضين، ولكن لا اليمين ولا اليسار يطرح على الجنود البديل. وقد ذكرت صحيفة هآرتس أن نسبة المستوطنين الصهاينة الذين يرتادون العيادات النفسية قد ارتفع ثلاثة أضعاف بسبب القلق الذى أصابهم من جراء استمرار الانتفاضة. وقد عُقد اجتماع في بلدية القدس لمناقشة هذه الظاهرة فأشار مدير إحدى المدارس الثانوية إلى خوف المعلمين من الوصول إلى مدارسهم "بسبب خوفهم الشديد من تساقط الحجارة على الحافلات وعلى رؤوس الركاب". "كما عبَّر مدير مدرسة آخر عن خوفه من تسرُّب هذا الخوف والمرض النفسى من المعلمين والطلبة ليشمل الصهاينة كافة في الأراضى المحتلة". وعلى كل ليس من السهل رَصْد استجابات المستوطنين ومخاوفهم بالطريقة التقليدية فقد جاء في الجيروساليم بوست أن أحد علماء النفس الإسرائيليين صرَّح أنه بعد ٤٠ عاماً من الاحتلال لم تظهر أىة حالات بين المرضى النفسيين تعبِّر عن قلقها من العرب، وكأن عملية الكبت كاملة نظراً لأن التهديد العربي كامل، ولا يستطيع الجهاز العصبي

стр. 8405

للمستوطن الصهيوني أن يواجه العربي بشكل مباشر ولو على مستوى اللاوعي. وعلى كل من يحب أن يعترف أنه دجاجة؟ ولذا فمن الواضح أن نتائج بحوث الدراسات الإسرائيلية هى نتائج استخلصها الباحثون وجرَّدوها من أقوال المرضي الذين أبى معظمهم أن يعيِّن العرب كمصدر لمخاوفه. ٣ ـ النعام: أن يرفض المرء أن يكون «دجاجة» فهذه مسألة إرادية واعية، ولكن أن يتحوَّل المُستوطَن إلى نعامة فهذا أمر يتم رغم إرادته، ولا يلاحظها هو وإنما يلاحظها الباحث الذي ينظر إليه من الخارج. والنعام في المُستوطَن الصهيوني كثير، مثل المدعو جاباى، وهو صاحب مطعم صغير في أحد المستوطنات أسكت خوفه بقوله: "أهم الأشياء الآن أن نوقف العنف من الطرفين وأن نجلس سوياً ونشرب القهوة ونحل مشاكلنا كبشر"، وهو لم يتحدث قط عن طريق التوصُّل لهذا السلام وكيف سيمكن الوصول لتسوية ما (الجيرو ساليم بوست) . وقد حدَّد أحد الضباط الإسرائيلين هذا الموقف النعامي بدقة بالغة حين صرح لصحيفة حداشوت بأن اختفاء ظاهرة الانتفاضة الشعبية الفلسطينية بعصا سحرية (أى على طريقة النعام) هو مجرد تعبير عن آمال وأوهام يجب أن يستيقظ منها الإسرائيليون (بدلاً من دفن رؤوسهم في الرمل أو في أرض فلسطين) . ولعل هذه العصا السحرية توجد في أحد مبانى حزب الليكود، إذ أن شارون صرَّح عام ١٩٨٨ بأن الانتفاضة سوف تنتهى فور وصول الليكود إلى السلطة في نهاية العام. ولكن شارون يعنى بطبيعة الحال حَمّامات الدم غير السحرية. ولكن حتى لا نصنفه نعامة كان عليه أن يقدم لنا الإجراءات، لأن حمامات الدم تؤدى أحياناً إلى تصعيد الانتفاضات والثورات، كما يعرف الأمريكيون عن فيتنام والفرنسيون عن الجزائر.

стр. 8406

وبعد الانتفاضة ترجم إدراك النعام نفسه إلى تركيز على الجانب الفنى لقمع الانتفاضة كما لو كانت المسألة مجرد إجراءات يتم تنفيذها أو خطوات يتم اتخاذها بحيث تتحوَّل القضية برمتها إلى مسألة إجرائية. (هل الرصاص المطاطي ومدافع المياه كفيلة بالقضاء على الانتفاضة أم لا؟) دون التوجه للأسئلة النهائية. وقد اشتكى شمعون بيريز من أن الوزارة الإسرائيلية تتحلى بنفس الموقف الذي نسميه بالنعامي فهى تناقش النقط الدقيقة الفنية الخاصة بإجراءات الأمن وطريقة التصدي للانتفاضة وتتجاهل تماماً الحلول السياسية اللازمة. وأضاف: "في المستقبل حينما يقرأ أحد محاضر جلسات الوزارة فإنه لن يصدق عينيه".

стр. 8407

وقد كتب ب. مايكيل في هآرتس مقالاً بعنوان «عيد ميلاد سعيد» وصف فيه بشكل كوميدى إدراك النعام هذا، فقال: "الحمد لله أصدرت الحكومة بياناً أكدت فيه أنه لا يوجد عصيان مدنى في إسرائيل". وقد اقترح الكاتب إصدار قانون باسم «قانون غياب العصيان» يقضى بمعاقبة كل من تسوِّل له نفسه أن يدَّعي أو يكتب أو حتى أن يلمح بأن هناك عصياناً مدنياً. ولكن مع هذا تبقى مشكلة صغيرة وهى ماذا يحدث هناك إذن في المناطق المحررة من أرض إسرائيل؟. ثم يحاول الكاتب أن يصف الانتفاضة بطريقة كوميدية تقرر ما يحدث وتنكره في ذات الوقت، أى يقول الشيء وعكسه: "ثمة مجموعات من الأطفال المدربين بعناية الذين يفتقرون إلى المبادرة، يتصرفون بتلقائية ويتم توجيههم من الخارج من قبل المنظمات الإرهابية التى لم تنجح في اختراق المناطق بسبب المعركة المستمرة التى خاضتها قوات الأمن ضدهم. ولذا يمكن أن نقرر أن هذه المنظمات وحدها وراء هذه الانتفاضة التلقائية، التى تظهر وراءها بوضوح اليد الموجهة التى يدل وجودها على فشل منظمة التحرير الفلسطينية في أن تكسب دعم الجماهير المحلية القانعة بالاحتلال الإسرائيلي لو تُركت وشأنها، فالاضطرابات ليست سوى حدث عابر مستمر، ولكنها ليست عصياناً مدنياً". إن إدراك النعام هو العنصرية الصهيونية مقلوبة حرفياً على رأسها، فالعنصرية الصهيونية تعبير عن الرغبة الصهيونية في إحلال العنصر اليهودى محل العرب. ولذا فهى تهدف إلى تغييب العرب، ولكن إن عاد العربي بهذا العنف، وإن ظهر على شاشة الوعي ورفض الغياب، فما العمل إذن، وما الحل؟ الحل النعامي ـ بطبيعة الحال ـ أن يدفن المُستوطَن رأسه في الرمل فيغيب العربي مرة أخرى. ٤ ـ الصقور:

стр. 8408

والصقور، كما هو متوقَّع، كثيرون، فرئيس الوزراء الإسرائيلي شامير صرح بأنه لا توجد قوة في العالم "لا المتظاهرون ولا الإرهابيون ولا الضغط يمكنها أن تمنع إسرائيل من الاستيطان في كل أجزاء أرض فلسطين". وغنى عن القول أن عملية الاستيطان لا يمكن أن تتم عن طريق الحب والإخاء والإقناع الهادئ، فالعرب ولا شك غير موافقين أن تؤخذ أراضيهم. وقد أضاف شامير قائلاً: "أما أولئك الذين يقولون: إننا نحن الإسرائيليين غزاة، وإن قال مثيرو القلاقل والقتلة والإرهابيون: إنهم أصحاب الحقوق الحقيقية، فإننا نقول لهم من أعالي هذا الجبل ومنظور آلاف السنين من التاريخ: أنهم مجرد جراد بالقياس لنا". وكلنا يعرف ماذا يُفعَل بالجراد، فالصورة المجازية هنا تحوي داخلها مؤشرات نحو الإبادة. وقد صرَّح رابين بأن إسرائيل لم تستخدم كل أسلحتها بعد وأنها "ستعيد فرض الأمن حتى ولو كان موجعاً". وحسب تجربة الفلسطينين العرب، نجد أن الأمن الإسرائيلي دائماً موجع. وقد أشار رابين إلى بعض الطرق التى يجب استخدامها لفرض هذا الأمن الموجع. فقد حذر المنتفضين أن كل من يتحدى إسرائيل "سيحطم رأسه على صخور هذه القلعة وحيطانها". وصرَّح إسحق مردخاى بقوله: "إن قوات الأمن ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة من أجل إعادة الأمن إلى نصابه. ولن تتوانى في استعمال جميع الوسائل من أجل تحقيق هذ الهدف". وتلجأ القوات الإسرائيلية لكسر العظام وإطلاق النار وترحيل قواد الانتفاضة خارج الوطن. بل إن الإبداع الصهيوني في القمع بدأ يأخذ أشكالاً جديدة. فهناك ما يُسمَّى «بحظر التجول النشيط» ويتلخص في اقتحام المنازل في الظلام أثناء حظر التجول حيث يجرى الجنود الصهاينة تفتيشاً عنيفاً داخل البيوت وينهالون بالضرب على رب العائلة والابن الأكبر.

стр. 8409

وقد علَّل قائد الجيش هذا الأسلوب الجديد في القمع بأنه محاولة لإعادة بث الرعب من الجيش في قلوب الفلسطينين، فالهدف ليس النظام الخارجى وحسب، وإنما إعادة الثقة الذاتية للجنود، بعد أن أصبحوا أضحوكة طوال أسابيع. ويبدو أن اجتياح لبنان ( «عملية القانون والنظام» كما يسميها الإسرائيليون) تهدف إلى نفس الشيء. فقد وصفت الصنداى تايمز هذه الحملة بأنها تشكل محاولة من جانب إسرائيل لاستعادة زمام المبادرة بعرض عضلاتها وإظهار أنها عادت إلى مقعد السائق. وقال مردخاي غور: "سيذكِّر الاجتياح سكان الأراضي المحتلة بأن الجيش ليس مفككاًً". وقد اقترح شلومو جازيت (رئيس المخابرات الأسبق) أنه يجب عدم الاكتفاء بهدم منزل الإرهابى كعقوبة، بل يجب هدم كل شئ في محيط قطره ٢٠٠ ـ ٤٠٠ متر من منزله. وحينما وقعت فتاة صغيرة من إحدى المستوطنات الصهيونية الواقعة بالقرب من قرية بيتا العربية (من قضاء نابلس) صريعة رصاص أحد المستوطنين وأُشيع أنها رُجمت بالحجارة طالب وزير الأديان وزعيم الحزب الديني (المفدال) بأن تقوم قوات الشرطة الاسرائيلية بإزالة قرية بيتا من على وجه الأرض تماماً وإقامة مستوطنة تحمل اسم الفتاة اليهودية التى قُتلت فوق أنقاضها، ويجب أيضاً طرد وإبعاد مئات المواطنين العرب من سكان القرية.

стр. 8410

وقد أدرك رفائيل أيتان رئيس أركان القوات المسلحة الإسرائيلية الأسبق ومؤسس حزب أن الانتفاضة هى الطلقة الأولى في الحرب القادمة، وعلَّق على دجاجية الجنود الإسرائيلين وكيف يولون الأدبار أمام الأحجار، وكيف ينظر العالم كله ليرى ذلك المنظر: "منظر جيش ضعيف وحكومة ممزقة ولا تعمل". وقد قرر إيتان أن يقدم اقتراحاته للقضاء على الانتفاضة، وهى تتسم بكل تبسيطات النماذج المادية العملية: "فإذا أشعل العرب إطاراً في شارع رئيسى يجب جر هذا الإطار إلى أقرب بيت في المنطقة من مكان اشتعاله. وخلال ثوان يخرج سكان البيت ويطفئوا الإطار؛ لأنه سيؤدي إلى حرق بيتهم إذا لم يفعلوا ذلك". واقترح أن تُمنَع سيارات العرب من السير في الشارع المغلق بواسطة حاجز من الحجارة لمدة شهرين. وهذا لا يحتاج جيشاً كاملاً بل شرطيين يقفان على حافة الطريق. وأشار إيتان إلى حقيقة مهمة وهو أنه بين عام ١٩٦٧و١٩٧٧ تم إبعاد (أى تغييب) ٨٠٠ عربي محرض، (أثناء حكم المعراخ المعتدل) ويجب إبعاد ٤٠٠ ـ ٥٠٠ محرض، بل إبعاد أمهاتهم وأبناء عائلاتهم. ولا يوجد أي إبداع قمعى في اقتراحات إيتان. وعلى كل من يود أن يحصل على اقتراحات مماثلة أن يدرس تاريخ الإرهاب النازي وسيجد أفكاراً أكثر إبداعاً وأكثر منهجية وأعلى كفاءة، فمفهوم العقاب الجماعي ليس من اختراع الصهاينة وإنما هى ممارسه استعمارية غربية قديمة وتقليد راسخ.

стр. 8411

ويغوص المستوطنون أيضاً في التشدد، فمنهم من يرى ضرورة ضم القطاع والضفة تماماً. وكما قالت جريدة فرانكفورتر الجماينة: "إن معظم الإسرائيلين مع خط شامير المتشدد"، وإن «هدفهم إنهاء الوجود العربي في فلسطين» ، وقعت إحدى الحوادث الفدائية بالقرب من إحدى القرى العربىة "طالب المستوطنون اليهود بتدمير القرية على رؤوس سكانها وتسوية القرية بالأرض. وشطبها نهائياً من الخريطة حتى تكون عبرة للغير". ومن المستوطنين من يرى ضرورة تسوية الحساب مع العرب كما سوَّاه الأمريكيون مع الهنود الحمر، بشرط أن يتم ذلك بعيداً عن عدسات التليفزيون. لقد اقتبسنا حتى الآن كلمات الصهاينة المتشددة وحسب، ولكن يجب أن نفرِّق بين الأقوال والأفعال. فالأقوال لا تعبِّر عن الموقف المتكامل وإنما تعبِّر عن تشدُّد الإنسان اللفظي وعن نيته وقصده وعن حالته العقلية، أى عن جزء من كل. ولدراسة مدى تشدُّد الإسرائيليين الفعلى وفي كليته، علينا تجاوز النية والقصد والديباجات لنرصد عناصر أخرى مركبة تتجاوز إرادة القائل نفسه، فالتشدُّد اللفظي، أى الموقف الصقري الكلامي، قد يكون أحياناً بمنزلة غطاء لتغطية الموقف الدجاجي أو النعامي الفعلي.

стр. 8412

خذ مثلاً رغبة إيتان أن يمنع مرور السيارات ويكتفي بجنديين يقفان على ناحية الشارع. هل درس إمكانية إلقاء الحجارة عليهما واحتمال احتياجهما إلى فرقة عسكرية كاملة لحمايتهما؟ أما فيما يتصل برحيل مئات القيادات، ألا يحتاج الأمر لآليات معينة وآلة قمعية معينة لأن قاعدة هؤلاء القادة في حالة استنفار؟ ولكن هذه الأسئلة تفترض أن صاحب الإقتراح عنده الصورة الكلية، والأمر ليس كذلك فالنموذج الإدراكى المادى يجتزئ مجموعة من الحقائق ويستبعد الحقائق الإنسانية والتاريخ، ولذا يتحوَّل الصقر الهائج من منظور الممارسة إلى نعام مضحك. خذ مثلا رغبة هذا المستوطن الذى يود ذبح العرب وإبادتهم بعيداً عن كاميرات التليفزيون، تماماً كما فعل الأمريكان في تجربة استيطانية مماثلة، وهذه هى شهوة الصقور. ومع هذا بعد التدقيق نجد أن موقفه هذا نعامى تماماً، فهو يعرف أن التجربة الأمريكية الاستيطانية الإحلالية تمت إبتداء من القرن السابع عشر في منطقة لم تكن فيها الكثافة السكانية كبيرة، تسكنها عدة «أمم» من الهنود، تتسم حضارتهم بعدم التركيب، رغم جمالها ورقتها، ومن هنا كان من السهل إبادتهم بعيداً عن عين التلفزيون الشيطانية التي لم تكن قد اختُرعت بعد. أما هذا المُستوطَن الصهيوني فقد تمت تجربته الاستيطانية ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر في منطقة تعج بالسكان الذين تحيط بهم ملايين من إخوانهم ينتمون لتراث حضاري قديم مركب. وعلاوة على كل هذا أصبح في وسعهم الآن الحوار مع الكاميرا بكفاءة غير عادية، فالتشدد هنا هو من قبيل ما يمكن تسميته «العادة السرية السياسية» ، والحلم بالمستحيل اللذيد.

стр. 8413

ويجب أيضاً أن نرى التشدُّد باعتباره تعبيراً عن أزمة حقيقية وعميقة، فالصهاينة ـ كما أسلفنا ـ على استعداد لإظهار قدر كبير من التسامح حيال العربي إذا قبل هذا بالتطبيع وبأن يكون قطعة غيار يمكنه استخدامها وتوظيفها. حينئذ يمكن أن يُمنَح العربي كثيراً من الحقوق المدنية وبعض الحقوق السياسية ويمكنه أن يلعب ما شاء من الطاولة أو حتى تنس الطاولة، أى أن يمارس هواياته إذا كان بلا هوية. إن غاب العربي، وإن قنع وخنع ولم يتحد الشرعية الصهيونية، فبوسع الصهيوني أن يتخذ موقفاً معتدلاً تجاه دجاج عربي مستأنس تم تطبيعه، أما إن تحوَّل العربي إلى صقر ذي هوية يهاجم دفاعاًَ عنها فإن الاعتدال يختفي ويتخلى العدو عن ديموقراطيته الغريبة المزعومة، ويضرب بيد من حديد.

стр. 8414

الباب الثالث: المسألة الإسرائيلية والحلول الصهيونية المسألة الإسرائيلية The Israeli Question «المسألة الإسرائيلية» مصطلح قمنا بسكه لوصف وضع أعضاء التجمُّع الاستيطاني في فلسطين وحالة الحرب المستمرة التي يعيشون فيها منذ وصول دفعات المستوطنين الصهاينة الأولى عام ١٨٨٢. والمسألة الإسرائيلية لا يمكن رؤيتها في إطار يهودي خاص، وإنما يجب النظر إليها في إطار أكثر عمومية وشمولاً وهو الاستعمار الغربي وتاريخ الأفكار في الحضارة الغربية. فهي مشكلة ناجمة عن وصول كتلة بشرية يهودية (من الغرب حتى عام ١٩٤٨ ثم من الشرق بعد ذلك) بهدف الاستيلاء على الأرض الفلسطينية ولتحل محل السكان الأصليين الذين يكون مصيرهم عادةً، في إطار الاستعمار الاستيطاني والإحلالي، هو الإبادة أو الطرد. وقد تسبَّب هذا في ظهور المسألة الفلسطينية، وهي قضية أعضاء الشعب الفلسطيني الذي تعرَّضوا لعملية الغزو والطرد هذه والذين كان من المفروض فيهم (حسب المخطط الاستعماري الغربي والصهيوني) إما أن يختفوا أو يذعنوا لحالة الغزو والطرد. ولكنهم، على عكس التوقعات الغربية والصهيونية، لم يختفوا ولم يذعنوا للغزو والقهر والطرد واستمروا في مقاومة المستوطنين، بل تصاعدت مقاومتهم عبْر السنين، وهو ما يثير وبحدة قضية شرعية الوجود.....

стр. 8415

ونحن نميِّز بين ما نسميه «المسألة الإسرائيلية» وما يُسمَّى «المسألة اليهودية» ، إذ أن الخلط بينهما هو في نهاية الأمر تقبل للمقولات الصهيونية الخاصة بوحدة الشعب اليهودي ووحدة تاريخه وتراثه، وهي مقولات ذات مقدرة تفسيرية ضعيفة ليس لها ما يساندها في الواقع. ومحاولة فرضها على الواقع هو الذي أدَّى إلى العنف المستمر. ولو بحثنا عن العناصر المشتركة بين المسألتين الإسرائيلية واليهودية لاكتشفنا أنها لا وجود لها، فالمسألة اليهودية (بصيغة المفرد) هي مشكلة يهود شرق أوربا في أواخر القرن التاسع عشر، وذلك أثناء مرحلة تعثُّر التحديث في روسيا القيصرية وما نجم عن مشاكل للجماعات اليهودية والشعوب والأقليات الأخرى داخل العالم الغربي وهو ما اضطرها للهجرة إلى غرب أوربا والولايات المتحدة. وبدلاً من أن يحل العالم الغربي مشاكله قام، انطلاقاً من رؤيته الإمبريالية للعالم، بتصديرها للشرق بعد تبنِّي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ونحن العرب لا علاقة لنا بالمسألة اليهودية، فهي لم تظهر في التشكيل الحضاري العربي. بل لعل كثيراً من المفكرين العرب لم يسمعوا عنها في حينها إذ أنها لا تنتمي إلى البنية التاريخية العربية. وعلى كلٍّ، فإن المسألة اليهودية، لم تَعُد مشكلة مطروحة، فقد تم حلها بطرائق غربية مختلفة (التصدير إلى الشرق ـ الاندماج في غرب أوربا ثم الولايات المتحدة ـ الإبادة (.

стр. 8416

أما المسألة الإسرائيلية، فهي مشكلة أعضاء التجمع الاستيطاني الصهيوني، وخصوصاً أعضاء الأجيال الجديدة، الذين وُلدوا على أرض فلسطين ونشأوا فيها ولا يعرفون لهم وطناً آخر ولا يتحدثون سوى العبرية. ونحن العرب نشكل طرفاً مباشراً في هذه المسألة فنحن الضحية، كما لا يمكن حلها دون تدخُّلنا إذ أنها مسألة توجد في صميم البنية التاريخية العربية. ورغم أن المسألة اليهودية هي التي أفرزت المسألة الإسرائىلية، ذلك أن الصهيونية في محاولتها فرض حلها للمسألة اليهودية (بمساعدة الإمبريالية) نجحت في التأثير على بعض اليهود المهاجرين إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلاد لتحويلهم إلى فلسطين، إلا أن المسألتين مع هذا تظلان منفصلتين تماماً وتنتميان إلى بناءين مختلفين. وعملية الربط بينهما هي محاولة للتعمية ولطمس المعالم الخاصة بكلٍّ منهما. ومما لا شك فيه أن من مصلحة الصهيونية افتراض وحدة المسألتين، حتى تربط أمن الدولة الصهيونية بأمن الإسرائيليين من ناحية، وبأمن الجماعات اليهودية في العالم من ناحية أخرى، وحتى تفرض على يهود العالم، من ناحية ثالثة، فكرة الشعب اليهودي الواحد وكل المقولات الصهيونية الأخرى. ولا يوجد حل للمسألة الإسرائيلية طالما ظلت مرتبطة بالمسألة اليهودية، أي طالما تم النظر إليها في الإطار الصهيوني. فهذا الارتباط يعني أن أعضاء التجمع الاستيطاني هم جزء من الشعب اليهودي، والحضارة الغربية، وأن المشاكل التي تحدث "هناك" تجد حلاً لها "هنا"، وينتج عن ذلك تعميق بنية الاغتصاب والتفاوت. فكل مهاجر يهودي يحضر إلى فلسطين يحل محل مواطن عربي ويشغل حيزه العربي ويُعمِّق هوية الدولة الصهيونية باعتبارها دولة استيطانية إحلالية في حالة صراع مع العرب، ويُعمِّق حدة المسألة الفلسطينية.

стр. 8417

ومع هذا تدور كل الحلول الإسرائيلية المطروحة لإشكالية الصراع الدائر في فلسطين المحتلة داخل إطار صهيوني. قد تختلف طبيعة الحل في اعتدالها وتطرفها من اتجاه لآخر، لكن كل الاتجاهات لا تتنازل عن الحد الأدنى الصهيوني، وتحاول الوصول إلى الحد الأقصى حينما تكون الظروف مواتية. الصهيونية في التسعينيات: محاولة للتصنيف Zionism in the Nineties: An Attempt at Classification في محاولتنا تعريف الصهيونية طرحنا الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كإطار للتعريف ومن ثم سمينا كل "المدارس" الصهيونية "تيارات"، باعتبار أنها جميعاً تتقبل الصيغة الصهيونية. وبيَّنا أن إدخال ديباجات يهودية على هذه الصيغة قد هوَّدها دون أن يُغيِّر بنيتها، وأن التهويد يستند في واقع الأمر إلى الحلولية اليهودية. وفي محاولتنا تصنيف الاتجاهات الصهيونية الجديدة المختلفة سنتبع نفس المنهج، وسنبدأ بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة باعتبارها تُشكِّل الإجماع الصهيوني أو الحد الأدنى الصهيوني الذي ينطلق منه الجميع. أما الحلولية فهي الإطار الذي تم من خلاله تهويد الصيغة وعقد الاتفاق بين الصهاينة دعاة الديباجات الدينية والعلمانيين. وفي هذا الإطار سنشير إلى اتجاهين صهيونيين أساسيين يعكسان التطوُّرات التي حدثت داخل المعسكر الصهيوني وفي العالم. ويمكننا القول بأن المشروع الصهيوني قد مرّ بمرحلة "بطولية" كانت الأيديولوجية الصهيونية فيه تشكل دليلاً للعمل، وكانت جماعة المستوطنين (قبل أو بعد ٤٨) تتسم بالتماسك ووضوح الرؤية النسبي، وقد زاد الرفض العربي هذا التماسك، إذ أصبح البقاء الإشكالية الأساسية. ولكن بعد عام ١٩٦٧، لم يَعُد البقاء قضية ملحة وتصاعد الاستهلاك وتفاقمت الأزمة. وقد واكب هذا ظهور النظام العالمي الجديد مع ما يتسم به من سيولة أيديولوجية. استجابة لهذا الوضع ظهر تياران أساسيان (وتنويعات كثيرة عليهما) :

стр. 8418

١ ـ الصهيونية الحلولية العضوية، التي عمَّقت الحلولية اليهودية الثنائية الصلبة. ٢ ـ صهيونية عصر ما بعد الحداثة، والتي تدور في إطار الحلولية السائلة. وبينما تتسم الأولى بالصلابة الشديدة تتسم الثانية بالسيولة الشديدة، ولكن رغم الصلابة أو السيولة فإن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة تظل الإطار المرجعي الذي يدور الجميع داخله. ويمكن القول بأن التيارين هما استمرار بشكل جديد وفي ظروف جديدة للصراع القديم بين الصهيونية السياسية أو العامة والصهيونية التصحيحية، وأن كليهما لا يقدِّم حلاً للمسألة الإسرائيلية، بل يزيدها تفاقماً. الصهيونية الحلولية العضوية Organic Immanentist Zionism «الصهيونية الحلولية العضوية» مصطلح قمنا بسكه لوصف أحد اتجاهات الفكر الصهيوني. ورغم أن الديباجات الدينية التي يستخدمها دعاة هذا التيار فاقعة إلا أننا يجب أن نضعها في إطار الحلولية اليهودية حيث تختفي الحدود بين الإله والإنسان والأرض ويحل الإله في الشعب والأرض ويتوحَّد بهما إلى أن يصبح الإله هو الشعب والشعب هو الإله. ويعبر دعاة الديباجات الدينية بطريقة متبلورة عن هذه الحلولية فهم أكثر تمرساً فيها من الصهاينة العلمانيين، ولكن هذا لا يعني أن الاتجاه الصهيوني الحلولي العضوي مقصور عليهم، فهو يضم في صفوفه كثيراً من الصهاينة العلمانيين الملحدين.

стр. 8419

يرى دعاة الخطاب الديني أن الصهيونية وصلت إلى ما وصلت إليه من تدنٍّ متمثل في وضع المجتمع الإسرائيلي بسبب خلل أساسي في الصهيونية التقليدية، ويتمثل (حسب رأي هارولد فيش) في محاولتها تبرير المشروع الصهيوني على الطريقة العلمانية الغربية ("دولة بموافقة القانون العام") . وهو يرى أن مثل هذه الديباجة كانت مفيدة في وقتها إذ أنها جعلت الصهيونية مفهومة أو مقبولة للأغيار ولليهود أنفسهم، ولكنها مع هذا تمثل انحرافاً عن جوهر الصهيونية. وكان هذا الجوهر (رغم ذلك) يعبِّر عن نفسه، بطريقة متعثرة، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور ازدواجية داخل الصهيونية. ويظهر ذلك في وثيقة إعلان إسرائيل التي صدرت في ٥ أيار ٥٧٠٨ (١٤ مايو ١٩٤٨) ، أي أنها تتبع تقويمين: أحدهما يهودي والآخر غير يهودي. وتتبدَّى نفس الازدواجية في عبارة «تسور يسرائيل» (صخرة إسرائيل) التي وردت في تلك الوثيقة واختيرت عن عمد لإبهامها، فهي قد تعني «الأب» وقد تعني «الملك المقدَّس الذي يتوجه إليه اليهودي المتدين» ، كما أنها قد تكون "هوية إسرائيل الجمعية الصخرية (الصلبة) " ويضيف هارولد فيش أنها يمكن أن تكون الإرادة القومية التي تحدَّث عنها روسو (وآحاد هعام من بعده) ، والتي توجِّه مصير الأمم، "نوعاً من الجوقة الإغريقية التي تمثل الماضي والحاضر والمستقبل".

стр. 8420

وقد قام مفكر ديني إثني آخر، هو جويل فلورشايم، بتحليل ديباجة وثيقة إعلان إسرئيل، فقال إن ما جاء فيها ليس مقصوراً على الشعب اليهودي وإنها ليست إلا تعبيراً عن رغبة الصهاينة في تطبيع اليهود وتاريخهم. ثم يقوم فلورشايم بإظهار زيف مقولات الديباجات العلمانية الواحدة تلو الأخرى. فالشعب اليهودي لم يُولَد في إرتس يسرائيل ـ كما جاء في الديباجة ـ وإنما في مصر وفي الصحراء، وهويته الروحية والدينية والقومية تمت صياغتها في المنفى، خارج أرض إسرائيل. ومثل هذه الديباجات، حسب تصوُّره، إن هي إلا بقايا عصر الانعتاق والاستنارة، ولابد من العودة إلى الجذور، إلى الخطاب الإثني الديني، أي إلى اليهودية، لأن التخلي عن اليهودية (كما يفهمها هارولد فيش) وعن القيم اليهودية والعقائد اليهودية، وإحلال الديباجة العلمانية محلها، هما اللذان أديا إلى فقدان اليهود احترامهم لأنفسهم وإلى فشل الصهيونية في علاج الروح. ولكن كانت هناك دائماً محاولات داخل الصهيونية تتجاوز هذه الازدواجية الانشطارية (حسب تعبير كوك) وصولاً إلى الواحدية الصهيونية. ويرى هارولد فيش أن ثمة خطاً أساسياً يجمع كتابات هس وجوردون (مُنظِّرا الصهيونية العمالية) وبوبر (مُنظِّر الصهيونية الثقافية) وكوك (مُنظِّر الصهيونية الدينية) . هذا الخط هو إيمانهم بأن الصهيونية الحقة لا تُفرِّق بين الدين والتاريخ اللذين يصبحان في كتابات هؤلاء المفكرين شيئاً واحداً، والمنظور وغير المنظور يمتزجان في وحدة مثالية تتجاوز الواقع. وجوهر الصهيونية، حسب تصوُّر فيش، كامن وراء بعث مقولة القداسة في الحياة الخاصة والعامة. فالصهيونية، من هذا المنظور، هي شكل من أشكال الواحدية المقدَّسة.

стр. 8421

ويشرح فيش لاهوت/أيديولوجية الصهيونية الجديدة (الصهيونية التي وعت ذاتها الحقة) ، فيبين أن هذه الصهيونية ستكتشف أن جذورها ليست في التاريخ الغربي أو تاريخ الشرق الأدنى القديم أو ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» (كما فسره العلمانيون) وإنما في الميثاق الذي عُقد بين الرب والشعب، أي في التاريخ المقدَّس. وليس هذا الميثاق مجرد تفسير ممكن للواقع، وإنما هو الواقع نفسه كما تعرفه إسرئيل، وهو مصدر الحياة الأزلية لهذا الشعب (ولنلاحظ أن الواقع الآن، واقع إسرائيل، مجال له قوانينه المقدَّسة الخاصة، المقصورة على الشعب اليهودي، ولا يستطيع غير اليهود التساؤل عن معناه والاحتجاج عليه حتى إن سقطوا ضحايا له) .

стр. 8422

ويذكر هارولد فيش أن مبدأ الحوار عند بوبر (الحلولي العلماني) هو أدق فكرة لوصف الصهيونية الجديدة، وأن مشكلة بوبر تكمن في أنه لم يهتم كثيراً بعالم السياسة بسبب تَوجُّهه الوجودي، فقلَّص مبدأه وقصره على العالم الفردي رغم أن نسقه الفكري يتضمن عالم التاريخ والسياسة. وهذا ما يفعله فيش والصهاينة الجدد، فهم يطبقون مبدأ الحوار على كل مجالات الحياة العامة والخاصة. ولعله كان ينبغي، انطلاقاً من هذا، أن نسميها «الصهيونية الحوارية» . ولكننا نرى أن تسميتها «الصهيونية الحلولية العضوية» أكثر دقة لأن الصورة المجازية العضوية، بشكلها المادي (كما عند آحاد هعام) ، والحلولي (كما عند كوك) ، ترد في كتابات كل الصهاينة بشكل جزئي إلى أن تصل إلى تحقُّقها الكامل في هذه الصهيونية الجديدة. كما أن هذه الصورة المجازية محورية في كتابات بوبر، وما الحوار سوى شكل من أشكال الوحدة العضوية وتعبير عن الحلولية. كما أننا حينما نصفها بأنها «صهيونية حلولية عضوية» فإنما نعني أنها صهيونية صفّت كل الازدواجيات والانشطارات، وملأت كل الفراغات، وسدّت كل المسافات، وربطت بين المقدمات والنتائج، وطهَّرت الصيغة الصهيونية تماماً من الشوائب، بحيث أصبح الشكل ملتحماً بالمضمون وأصبحت القومية هي الدين وأصبح الدين هو القومية. وهي، فوق هذا، لا تبحث لنفسها عن تبرير خارج نفسها من خلال أية ديباجات غير يهودية، وإنما تتخذ شكلاً دائرياً ملتفاً حول نفسه مكتفياً بذاته، فالدال هنا هو نفسه المدلول. ويُفسِّر هذا الوجود العضوي سر عزلة هذا الشعب وسر نبذ الشعوب الأخرى له. ولعل العضوية (والحلولية) الكاملة تظهر في شعار الجماعات السياسية التي تحاول ترجمة الفلسفة الصهيونية الجديدة إلى ممارسة: "أرض إسرائيل لشعب إسرائيل تبعاً لتوراة إسرائيل" وهي عبارة كان يرددها موشي ديان العلماني! ولنتأمل العضوية والحلولية، فالأرض والشعب (التربة والدم) مرتبطان بسبب التوراة التي

стр. 8423

هي مصدر قداسة كل منهما. وأخيراً، فإننا حين نصف هذه الصهيونية بالعضوية نكون قد بيَّنا صلتها بالحركات السياسية المماثلة وبالفكر القومي العضوي المتطرف، كالنازية التي تتسم بهذه العضوية المتطرفة. وتصل هذه الصهيونية العضوية إلى ذروتها في التفسير الحرفي للعهد القديم. فالتفسير الحرفي يفترض أن الظاهر هو الباطن، وأن القصص الديني هو التاريخ، وأن الوعد الإلهي هو رخصة بالاستيطان (كما عند الصهاينة المسيحيين تماماً) . وفي هذا الإطار التوراتي، بإمكان فيش أن يتوجَّه للجماعات المسيحية الأصولية في الولايات المتحدة (المعروفة برجعيتها وحبها العميق وكرهها الأعمق لليهود) ، وأن يطلب منها أن تعترف بالمغزى الديني لأحداث التاريخ، وبدلالة الصهيونية والدولة.

стр. 8424

وفي داخل هذا الإطار العضوي الحلولي المتسق مع نفسه، المتناسق مع مقدماته، المكتفي بذاته، الذي لا يكلف نفسه الإشارة إلى ما هو خارجه، تكتسب الأطروحات الصهيونية التقليدية بُعداً مدهشاً جديداً. فالتاريخ اليهودي ليس تاريخاً عادياً، وكذلك القومية اليهودية ليست قومية عادية (كما كان يدَّعي هرتزل وأتباعه) ، وإنما هو كيان فريد. والشعب اليهودي ليس شعباً عادياً مثل كل الشعوب وإنما هو شعب إلهي المصدر. ويحلو لأتباع هذا الاتجاه أن يقتبسوا كلمات بلعام العراف الذي دعاه ملك مؤاب ليلعن العبرانيين القدامى عند اقترابهم من مملكته، فقال: "هو ذا شعب يسكن وحده. وبين الشعوب لا يُحسَب" (عدد ٢٣/٩) . ويمكن ترجمة ذلك إلى: "هو ذا شعب عضوي مقدَّس لا يختلط بالشعوب الأخرى ولا يندمج معها ولا يُحسَب بين الشعوب، فهو منبوذ". فعزلة اليهود هي الشيء الطبيعي، ففي أعماق اليهودي تُوجَد جذور القلق، ولذا فهو يسبب القلق للعالم كله ولا يعطيه أي سلام، وهو (كجسم غريب) يشبه الخميرة التي توضع في المادة فتغيِّرها دون أن تتغيَّر هي. ومن ثم فإن معاداة اليهود والرغبة العارمة في نبذهم ليستا ظاهرتين اجتماعيتين يمكن شفاء الأغيار منهما، وإنما هما تعبير طبيعي عن وجود إسرائيل الغريب الذي يحدده الميثاق. إنهما اعتراف بسر إسرائيل وثناء عليها. وقد فسَّر الحاخام يهودا عميتال (رئيس إحدى المدارس الدينية) أهداف الصهيونية كما تحددها الفلسفة الجديدة بقوله: "إن الصهيونية لا تبحث عن حل لمشكلة اليهود من خلال تشييد دولة يهودية وإنما من خلال تشييد دولة هي أداة في يد الخالق الذي يعد شعب إسرائيل للخلاص ... وليس هدف هذه العملية تطبيع شعب إسرائيل ليصبح أمة مثل كل الأمم، وإنما ليصبح شعباً مقدَّساً، شعب الله الحي".

стр. 8425

ووجود هذا الشعب في فلسطين ليس استيطاناً أو استعماراً أو احتلالاً أو اغتصاباً ولا حتى لحماية اليهود أو للحفاظ على أمن الوطن أو لخدمة الاستعمار أو من أجل الديموقراطية أو الاشتراكية أو الحضارة الغربية، أو أي شيء من هذا القبيل، كما يظن كثير من الأغيار، وإنما هو تحقيق للمشيئة الإلهية: واجب مقدَّس، وعبء ديني، يحمله اليهودي ويهدف إلى خلاص الشعب المقدَّس وتحقيق الوعد الإلهي والميثاق بين الإله وإسرائيل، هو جزء من الحوار الأزلي بين الشعب والإله. ومن ثم فهي عملية لا تنتهي ولا "حدود" لها. ورسالة هذا الشعب المقدَّس تفرض عليه أن يفرغ الأرض المقدَّسة من سكانها الأصليين العرضيين. أما موضوع مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا فيكتسب بعداً دينياً عميقاً إذ أن عبء «المصير اليهودي» انتقل بعد تأسيس الدولة إلى المستوطن. فما يحدد الشعب اليهودي ليس ذكريات الأسلاف المشتركة بين إسرائيل وأعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين وحسب وإنما يحدده أيضاً المصير الفريد. وقد استقر عبء التفرُّد هذا بكليته على أكتاف الأمة الجديدة التي ظهرت في أرض إسرائيل.

стр. 8426

وهذه كلها كلمات كبيرة تحتاج إلى تفسير فهي تنطوي في واقع الأمر على تصور للمسألة الإسرائيلية ولحلها. فحينما يتحدث أحد عن قداسة شعبه الذي يحتل أرض شعب آخر، فلابد أن تكون هناك علاقة ما بين الديباجات والسلوك. ففي فترة ما قبل الدولة، كان الصهاينة يتحدثون عن العمل العبري (لا المقدَّس) لأنهم كانوا يودون أن يحلوا محل العربي. ولذا، فقد كانت الديباجة الاشتراكية ومفهوم اليهودي الخالص شعارين مناسبين. فلمَ الديباجة الحلولية العضوية الآن؟ ولم تصعيد معدلات الحلول؟ يضع جويل فلورشايم يدنا على المفتاح حينما يقول إنه بدون الوعد الإلهي، بدون التسويغ الحلولي، تصبح إعادة الأرض إلى اليهود (أي استيلاء اليهود عليها) فعلاً غير عقلاني يوقع الظلم بسكان فلسطين العرب، ويصبح من العسير شرح المطالبة اليهودية بالأرض المقدَّسة، كما يصعب تبرير أسبقية المطالب اليهودية على الحقوق العربية. وهكذا، فإن الصهيونية الجديدة تسويغ للوضع الجديد.

стр. 8427

ويتلخص الوضع الجديد في أن الاستعمار الصهيوني قد ضم رقعة كبيرة من الأرض بدون وجه حق، واحتلها واستعبد أهلها، خارقاً بذلك كل الأعراف الدينية والخلقية والدولية. وليس بإمكان أي منطق إنساني مهما بلغ من الحذق والصقل أن يبرر ذلك، وخصوصاً أن العرب يرفضون قبول الأمر الواقع، كما أنهم لم يختفوا بعد، كما كان من المفروض أن يفعلوا حسب تصوُّر المشروع الصهيوني. وليس عند الصهاينة أية حلول، حتى ولو نظرية، لهذا الوضع. ولذا، فلابد من اللجوء إلى منطق هو في جوهره غير منطقي، منطق الحلولية العضوية التي تخلع على البشر وأفعالهم قداسة ومطلقية بحيث يشير العقل إلى نفسه ويصبح مرجعية ذاته، مكتفياً بذاته، يستمد معياريته من ذاته، ولا يحتاج إلى تبرير خارجي. والواقع أنه حينما يتم ذلك، يفعل الإنسان ما يحلو له فيضم الجولان وغزة والنيل والفرات، ويُفسَّر هذا على أنه جزء من الحوار مع الرب وتعبير عن الميثاق وعبء فريد لا يطيق أحد غير المستوطن الصهيوني (اليهودي المطلق المقدَّس) حمله. وهذا تسويغ فريد لحالة فريدة هي الحالة الانتشارية الصهيونية التي لا حدود لها، فهي هنا تصبح فعلاً مقدَّساً، والأفعال المقدَّسة لا بداية لها ولا نهاية، ولا سبب لها ولا تفسير.

стр. 8428

ويمكن تفسير حالة العزلة الدائمة التي يعاني منها المُستوطَن الصهيوني هي الأخرى بالطريقة نفسها. فالشعب اليهودي المقدَّس هو كما تقدَّم شعب يسكن وحده وبين الشعوب لا يحسب، فهو شعب عضوي منبوذ حقاً. ولذا، فبإمكانه أن يستوطن الجليل ونابلس، في جزيرة صغيرة معزولة وسط المحيط العربي، ويرى أن وجود منزله بجوار البركان أمر طبيعي تماماً ومنصوص عليه في التراث الديني. وأما حالة الحرب الدائمة، فهي الأخرى حالة تستند إلى القداسة. وقد قال الحاخام تسفي يهودا كوك (ابن الحاخام كوك) "إن جيش الدفاع الإسرائيلي هو قداسة كاملة فهو يمثل حكم شعب الله فوق أرضه". واليهودي العضوي حقاً لا يبحث قط عن السلام. وكما قال الحاخام يعقوب أرييل، فإن اليهودي المتدين يعترض على السلام. فهو يحتفظ بوعي تاريخي دائم لا يدعه ينسى أحداث الماضي بل يولِّد في وجدانه موقفاً حذراً تجاه العالم الخارجي. وفي نهاية الأمر، فإن من الخير لنا أن ننعزل عن الأمم، كما قال الحاخام أفرايم زيميل.

стр. 8429

والصراع العربي الإسرائيلي داخل إطار القداسة صراع لا ينتهي ولا حل له، إذ يجب النظر إليه لا في ضوء المصالح المتصارعة وعمليات الاستيلاء على الأرض وإنما في ضوء سرّ حب اليهودي لصهيون وسر الكره العربي لإسرائيل (ويُلاحَظ أن كلمة «سر» هنا مستخدمة بالمعنى الديني الحرفي) . والصراع إن هو إلا جزء من "الميراث الشيطاني" إذ يتربص كل نسل عيسو (أي الشعوب المجاورة للعبرانيين، أي العرب) بأبناء إسرائيل ليلحقوا بهم الأذى ويدمروهم أينما سنحت الفرصة (ابتداءً من الهجمات الفدائية وانتهاءً بالأطفال العرب الذين يلقون الحجارة على المستوطنين الأبرياء) . فقوى الشيطان لن تصبر على وجود شعب إسرائيل الذي يعيش داخل دائرة الحلول والقداسة. وداخل هذه الدائرة العضوية الحلولية المقدَّسة، يصبح العرب هم العمالقة واليبوسيون وشعوب أرض كنعان الذين ورد ذكرهم في العهد القديم وهم شعوب يجب طردهم أو إبادتهم. ولذا، فقد أصدر الحاخامات أوامرهم الدينية بقتل المدنيين من العرب، فهذا هو أمر الشريعة.

стр. 8430

وهكذا تكون الصهيونية العضوية الحلولية قد زودت المستوطن الصهيوني بإطار إدراكي يعقلن عزلته الكاملة، ويبرر بطشه وسطوته وغزوه ووحدته، بحيث يجعل حالته هذه استمراراً لما كان واستعداداً لما سيكون وتحقيقاً للرؤى التوراتية. إن المستوطن الذي بنى بيته بجوار البركان، ويحيا في خطر دائم، يمكنه أن يسوغ موقفه بخلع القداسة على نفسه، بحيث يرى نفسه أداة من أدوات الخلاص وجزءاً من عملية إلهية ضخمة لا يمكنه التحكم فيها، بنفس طريقة الجندي الغربي الذي كان يعقلن وجوده في غابات أفريقيا الحارة السوداء على أساس لون جلده الأبيض والأعباء الأخلاقية الناجمة عن ذلك. وبذا، تكون الصهيونية العضوية قد صفّت أية ثنائية، وأسكتت أية تساؤلات، وجردت المستوطن الصهيوني من أية إنسانية متعينة، وخلعت عليه قداسة تحرمه من وجوده الإنساني الحق، وبذا تكون الصيغة الصهيونية الأساسية الغربية التي لم تر اليهودي إلا على أنه شيء أو سلعة قد تحققت تحققاً كاملاً، كما يكون أعضاء المادة البشرية قد استبطنوا الرؤية تمام الاستبطان. ويقول هارولد فيش إن الصهاينة أخيراً قد بدأوا يكتشفون سر القداسة وحلم الخلاص والتفرُّد ومغزى الوعد الإلهي والميثاق مع الرب. وهو يرى أن جماعة جوش إيمونيم هي أول تنظيم سياسي يحمل أيديولوجية الصهيونية الجديدة، الصهيونية التي أدركت ذاتها. وقد يكون فيش محقاً في هذا من الناحية الإمبريقية المباشرة، لكن يمكن القول بأن النموذج الكامن وراء الصهيونية الجديدة هو أيضاً النموذج الكامن وراء فكر ما يُسمَّى «اليمين الإسرائيلي» بغض النظر عن الانتماء الديني، فما يهم في الإطار الحلولي هو الشعب والأرض وليس الإله، ولذا يستطيع شارون الملحد، ونتنياهو صاحب الفضائح العامة والخاصة، أن يتحركا في إطار النموذج نفسه، نموذج الحلولية الصلبة، حيث يقف اليهودي المقدَّس في أرضه المقدَّسة ويواجه كل الأغيار. ما بعد الصهيونية: تعريف

стр. 8431

Post-Zionism: Definition «ما بعد الصهيونية» مصطلح سياسي يشير إلى مجموعة من العلماء الإسرائيلييين تشمل المؤرخين الجدد وعلماء الاجتماع الانتقادين. وقد تأثر بهم عدد من العاملين في حقول الثقافة والفن والأدب. ومن أهم حملة خطاب ما بعد الصهيونية بني موريس وموشي سميش وسيمحا فلابان وبار يوسف وأوري رام وسامي سموحا وباروخ كيفرلنج وتامار كاتريال وسارا كازير وجيرسون شافير وبارون إزراحي وشلومو سويرسكي وتوم سيجيف ويوناثان شابيترو يورين بن إليعازر وباجيل ليفي وإيلا شوحات وآفي شلايم وإيلان باي وغيرهم. ويُستخدَم مصطلح «ما بعد الصهيونية» للإشارة إلى انحسار الأيديولوجية الصهيونية ودخول التجمُّع الصهيوني عصر ما بعد الأيديولوجيات. (كلمة «بعد» في الخطاب الفلسفي الغربي تعني أن النموذج المهيمن قد ضمر وذوي ولم يولد نموذج جديد يحل محله، أي أن ثمة أزمة على مستوى النموذج لم يظهر لها حل بعد ولعلها تعني أيضاً «نهاية» ) . ومن أهم مصطلحات الما بعد مصطلح «ما بعد الحداثة» الذي صيغ مصطلح «ما بعد الصهيونية» قياساً علىه.

стр. 8432

ويرى البعض أن ما بعد الصهيونية معادية للصهيونية وأنها تعيد النظر في كل المقولات الصهيونية الأساسية، بينما يؤكد البعض الآخر أن ما بعد الصهيونية إنما هي امتداد للصهيونية. ويضيف بعض دعاة ما بعد الصهيونية أنفسهم (مثل بني موريس) أنه صهيوني يقوم بعمل إيجابي "من خلال البحث عن الحقيقة التاريخية". بل يرى بعض هؤلاء أن ما بعد الصهيونية هي تحقق للصهيونية، وأن السلام مع العرب هو الثمرة الطبيعية للإنجاز الصهيوني. وكما يقول بني موريس: "إن الكشف عن أعمال الطرد ومجازر ضد العرب في سنة ١٩٤٨، وأعمال إسرائيل على امتداد الحدود في الخمسينيات، وعدم استعداد إسرائيل للقيام بتنازلات من أجل السلام مع دول عربية (الأردن وسوريا) بعد سنة ١٩٤٨، ليس «دعاية معادية للصهيونية» ، وإنما هو إضاءة لجانب من مسارات تاريخية مهمة، عتَّمت عليه عمداً طوال عشرات من الأعوام المؤسسة الإسرائيلية - بمن في ذلك الباحثون والصحافة - خدمة للحكومة وللأيديولوجيا السائدة". وأعضاء هذا الفريق "الصهيوني" لا ينكرون شرعية ما يُسمَّى «القومية اليهودية» التي أدَّت إلى إقامة الدولة، ولكنهم يطالبون بإنهاء الرابطة النفسية والعائلية بين يهود إسرائيل والجماعات اليهودية خارجها (ونحن لا نأخذ موقفاً وسطاً بين الفريقين. انظر: «ما بعد الصهيونية، أو صهيونية ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد» ) .

стр. 8433

ومما يجدر ذكره أن ما بعد الصهيونية لها جذور تسبق تاريخ ظهورها في الثمانينيات. فتحدي الرواية الإسرائيلية للأحداث أمر قام به إسرائيل شاحاك من قبل بشكل منهجي شامل. أما يوري أفينيري فقد أكد في أكثر من مناسبة أن الصهيونية مثل البيوريتانية هي أيديولوجية الأصل التي انتهى دورها، وهناك من قال إن الصهيونية إن هي إلا حركة إنقاذ ليهود أوربا (من الكارثة المحيطة بهم) انتهى دورها مع إعلان الدولة الصهيونية، وعلى الجميع تقبلها دون الخوض في النقاش بخصوص الأصول. وهناك بطبيعة الحال الحركة الكنعانية التي نادت (حتى قبل قيام الدولة) بفصل الدولة الصهيونية عن يهود العالم وضرورة التفرقة بين الإسرائيليين (الكنعانيين) واليهود. وعلى مستوى التطور التاريخي لوحظ أن جيل الصابرا كان قد بدأ يبتعد عما يُسمَّى «التراث اليهودي» مما دعا جورج فريدمان إلى الإشارة لهم بأنهم «أغيار يتحدثون العبرية» . بل إن بن جوريون نفسه طالب بحل المنظمة الصهيونية بعد تأسيس الدولة، فقد وصفها بأنها "السقالة" التي تفقد وظيفتها بعد الانتهاء من البناء. وأن مهمة يهود العالم هي الهجرة إليها وحسب، وبإمكان الدولة الصهيونية الوصول إليهم مباشرةً، دون وساطة المنظمة الصهيونية. وهو موقف لا يختلف كثيراً عن موقف الكاتب البريطاني، من أصل مجري، آرثر كوستلر. وظهور ما بعد الصهيونية في الثمانينيات واكتسابها شيئاً من المركزية له أسباب عديدة يمكن أن نورد بعضها فيما يلي: ١ - انتشار العديد من مفاهيم ما بعد الحداثة. وقد استطاعت إسرائيل حتى حرب ١٩٦٧ أن تعوق تأثير ما بعد الحداثة وما يصاحبها من نسبية مطلقة، فقد كانت دولة ريادية عمالية تؤسس اقتصاداً استيطانياً جماعياً، يكفل للمستوطنين كثيراً من المزايا والحقوق.

стр. 8434

٢ - الثورة المعرفية في العلوم الإنسانية في الغرب ورفض المسلمات البديهية التي سادت مثل مطلقات حركة التنوير والعقلانية والتقدم ورفض الرؤية التاريخية أحادي الخط والتمركز حول الغرب. ٣ - يرى البعض أن الصهيونية قد حققت أهدافها على الصعيد القومي إذ أسست دولة قومية عادية طبيعية، سكانها طبيعيون. بل إن يهود العالم أنفسهم تم تطبيعهم من خلال وجود الدولة الصهيونية. ٤ - كانت الصهيونية قبل عام ١٩٤٨ تمثل أقلية لا تتمتع بإجماع عريض ولكن بعد قيام الدولة حدث إجماع عليها وعلى المقولات الصهيونية حتى حرب ١٩٦٧. وبعد حرب الاستنزاف (١٩٦٨ - ١٩٧٠) وحرب أكتوبر (١٩٧٣) والحرب في لبنان، فالانتفاضة، بدأت بأعداد غفيرة من الصهاينة في إعادة النظر في المقولات الصهيونية وبدأت ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية. ٥ - يحس المستوطنون في إسرائيل أن ثمن الحروب المتكررة مرتفع للغاية وأنهم هم الذين يدفعون الثمن. فالمستوطن الصهيوني هو الذي يواجه في الوقت الحالي كارثة جماعية، لكل هذا بدأوا يبحثون عن بدائل للنموذج الصهيوني. ٦ - على عكس الخوف من وقوع الكارثة الذي يمارسه سكان المستوطن الصهيوني يحس يهود الشتات بالطمأنينة، فالخوف لم يعد يطاولهم وهم يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، إن لم يكن أفضل من أقرانهم الإسرائيليين. ٧ - يرى بني موريس أن دولة إسرائيل دخلت، في الأعوام الأخيرة، حقبة ما بعد أيديولوجية، أي "ما بعد صهيونية"، بدأت فيها المصالح والقيم الخاصة والفردية تطغي على قيم الجماعة بكاملها. ومجتمع الريادة الصهيونية - في نهاية الأمر - هو مجتمع مؤجل فيه الاستهلاك، فكثير ممن استوطنوا في فلسطين فعلوا ذلك ليرفعوا مستواهم المعيشي.

стр. 8435

٨ - يرى بني موريس، كذلك، أن الإحساس بالازدحام الشديد في الدولة (الذي ينعكس يومياً في شوارع المدن وعلى أرصفتها) بدأ يحتل مكاناً ما في وعي إسرائيليين كثيرين، وهذا أمر من الممكن، ومن الضروري، أن يؤدي إلى تقييد الهجرة في المستقبل غير البعيد، لأسباب "عملية" لا أيديولوجية. ويثير الجدل الدائر في إسرائيل بشأن ما يُسمَّى «ما بعد الصهيونية» مسائل متنوعة مثل: الهوية الإسرائيلية (أصولها والمكونات الدينية والصهيونية الداخلة في تكوينها) ونمط الدولة والمجتمع الإسرائيلي المرغوب فيهما (بناء الأمة والموقف من الديموقراطية الليبرالية والقيم الإنسانية العامة، والتعارض القائم بينها وبين القيم اليهودية القَبَلية والدينية) والسياسة الإسرائيلية تجاه العرب (سواء الأقلية الفلسطينية التي تحيا في إسرائيل، أم تجاه الشعب الفلسطيني القاطن في المناطق المحتلة) ، والسياسة الإسرائيلية تجاه التوسع الصهيوني (مستقبل المناطق المحتلة ومصيرها) وعلاقة المستوطن الصهيوني بالجماعات اليهودية في الخارج. وقد قام دعاة ما بعد الصهيونية بمراجعة المقولات الصهيونية الرئيسية وانتقادها، ومحاولة "نزع القداسة" عن كل أو بعض المقدَّسات الصهيونية. فوجَّه حملة خطاب ما بعد الصهيونية النقد لبعض الأفكار السائدة مثل "جمع المنفيين" و"بوتقة الصهر" والطبيعة العسكرية للمجتمع الإسرائيلي ونزعته التوسعية وشعار "الأمن فوق كل اعتبار". بل تناول بعضهم الأيقونة الصهيونية والغربية الكبرى، أي مسألة الهولوكوست. وقد قام المؤرخون الجدد بمراجعة الرواية الصهيونية لحرب ١٩٤٨. أما علماء الاجتماع الانتقاديون فقد قدَّموا نقداً جذرياً للصهيونية فدرسوا حركات الاحتجاج والفئات المضطهدة في المجتمع الإسرائيلي (الفلسطينيون والسود والسفارد والنساء) بحيث طبق بعضهم منظور كولونيالي على الدراسات التاريخية الصهيونية.

стр. 8436

وقد خرج حملة خطاب ما بعد الصهيونية على النهج الصهيوني السائد والذي يقوم على ليّ عنق التاريخ والواقع من أجل إرساء المزاعم والادعاءات الصهيونية. المؤرخون الجدد: تعريف New Historians: Definition مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين الذين أخذوا في الظهور منذ الثمانينيات وبدأوا في مراجعة الرواية الأكاديمية الإسرائيلية للصراع العربي الصهيوني، وبخاصة حرب ١٩٤٨ التي جرى صوغها ضمن إطار أيديولوجي صهيوني يعيد ترتيب الوقائع، واستبعاد ما لا يروق للصهاينة. فالرواية الإسرائيلية الصهيونية لوقائع حرب ١٩٤٨ وما بعدها تحاول بقدر الإمكان عدم ذكر الفلسطينيين، فلا توجد جماعة فلسطينية قائمة بذاتها (ومن هنا الإكثار من ذكر البدو) بعد ١٩٤٨. ولم يحدث أي تهجير قسري (ترانسفير) للفلسطينيين فقد خرجوا تلقائياً أو هربوا بناء على دعوة صريحة من الملوك والرؤساء العرب حتى يتسنى للجيوش العربية الإجهاز على الدولة الصهيونية الوليدة، المحاصرة من كل جانب، أي أنه تم إسقاط البطولة تماماً عن الفلسطينيين وخلعها على الصهاينة. رسم المؤرخون الجدد صورة أكثر واقعية تقترب إلى حدٍّ ما من الرواية الفلسطينية لوقائع تلك الحرب، والتي تبيِّن أن المطامع الصهيونية قد تم تحقيقها على حساب السكان الفلسطينيين وأن العرب أُبعدوا عن طريق الطرد. وقد أظهر المؤرخون الجدد أن العالم العربي لم يكن قوة عسكرية مخيفة، بل كان مفككاً، يتكون من دول متخلفة، بعض حكامها متواطئ مع الصهاينة، وجيوشها سيئة التدريب وقدراتها القتالية شديدة التدني. كل هذا يؤدي إلى نزع البطولة عن اليهود. بل بيَّن هؤلاء المؤرخون الجدد أن إسرائيل دولة متعنتة، ترفض السلام. وقد اعتمد هؤلاء المؤرخون الجدد المادة الأرشيفية التي رُفعت عنها السرية بعد مرور ثلاثين عاماً. ما بعد الصهيونية (صهيونية عصر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد)

стр. 8437

Post-Zionism, (Zionism in the Age of Post-Modernism and the New International Order) بعد محاولة التعريف المبدئية لظاهرة ما بعد الصهيونية والمؤرخون الجدد، يمكن الآن أن نقدم رؤيتنا للموضوع. انتقل التجمُّع الصهيوني من مرحلة بطولية تقشفية صلبة (مرحلة التحديث والحداثة) تتسم بأن لها مركزاً (بالإنجليزية: لوجوسنتريك logo-centric) إلى مرحلة استهلاكية سائلة (ما بعد الحداثة) تتسم بأنها لا مركز لها (والصهيونية جزء من الحضارة العلمانية الشاملة الغربية ولا تشكل استثناءً من القاعدة) . ويمكن القول بأن الصهيونية قد دخلت عصر ما بعد الحداثة بتصاعُد معدلات الحلولية والعلمنة داخل التجمُّع الصهيوني. فحتى عام ١٩٤٨ كان اللوجوس (المطلق الصهيوني) يتجسَّد في الفولك (الشعب اليهودي) وكان من المفروض أن يؤسِّس الصهاينة دولة يهودية تصبح هي والمستوطنين موضع الحلول والمركز الروحي والثقافي ليهود العالم (العجل الذهبي، على حد قول أحد الحاخامات المعادين للصهيونية) ، أي أنه عالم متمركز حول اللوجوس (لوجوسنتريك logo-centric) يتسم بالتماسك العضوي.

стр. 8438

ولكن مع تأسيس الدولة تمزقت الواحدية العضوية، فيهود الدياسبورا أصروا على أنهم هم أيضاً موضع الحلول، ويهود أمريكا بالذات كانوا يرون أن أرض الميعاد العلمانية الحقيقية هي الولايات المتحدة الأمريكية. وفي داخل إسرائيل نفسها نشب الصراع بين الإشكناز والسفارد إذ أن الإشكناز كانوا يرون أن المطلق الصهيوني يعبِّر عن نفسه من خلالهم وحدهم، فاليهودي هو الإشكنازي أما اليهودي السفاردي فهو مجرد صدى أو صورة باهتة. ثم بيَّن الصهاينة الدينيون أن اللوجوس الصهيوني ليس هو الفولك وحسب ولا هو الدولة وإنما هو الإله متجسداً في كل من الشعب والدولة، فبدلاً من حلولية بدون إله على طريقة العلمانيين، بعثوا مرة أخرى حلولية شحوب الإله التقليدية، حيث يحل الإله في الأشياء ويذوب فيها ويتوحد معها، ومع هذا يظل محتفظاً باسمه. وقد جفت مصادر المادة البشرية اليهودية وهذا يُعَد كارثة بالنسبة لمجتمع استيطاني يعرف أن من أهم أسباب ضمور ممالك الفرنجة وموتها هو عدم تدفُّق المادة البشرية الفرنجية عليها. وجفاف المادة البشرية يعني أيضاً تداعي الدور القتالي لدولة وظيفتها الأساسية هي القتال المستمر وبدونه قد تختفي في لحظات (انظر الباب المعنون «أزمة الصهيونية» ) .

стр. 8439

لكل هذا اهتزت القصة الصهيونية الكبرى: عودة واستيطان - إفراغ الأرض من سكانها ورحيل السكان من تلقاء أنفسهم - تأسيس الدولة اليهودية الخالصة - تدفُّق ملايين اليهود على أرض الميعاد - نهاية التاريخ السعيدة. فلا العرب اختفوا ولا اليهود تدفَّقوا، وبدلاً من أن يتجسَّد الإله اليهودي في الدولة اليهودية، لم يَعُد له وجود وتفكَّك اللوجوس. فالدولة التي تم تأسيسها بزعم إنقاذ يهود العالم من ذئاب الأغيار وجدت أن عليها أن تطارد اليهود بلا هوادة "لإنقاذهم". والدولة التي جاءت لتؤكد السيادة اليهودية وجدت أن عليها الاستجداء والاعتماد المذل على الدول الغربية لتضمن لنفسها البقاء. والدولة التي أعلنت أنها ستُخرج اليهود من الجيتو وجدت نفسها محاصرة في الداخل والخارج من العرب الذين لم يستسلموا لها، فتحوَّلت هي نفسها إلى الدولة/الجيتو أو الدولة/الشتتل. وقد تبلور هذا الوضع في الاستيطان، فالصهيونية (على حد قول بن جوريون) هي الاستيطان. ولكن بدأت تظهر أصوات تنادي بفصل الصهيونية عن الاستيطان والادعاء بأن الصهيونية هي الاستثمار في إسرائيل أو التعاون العلمي معها أو حتى زيارتها للسياحة. والرواد الصهاينة الذين كان من المتصور أنهم سيقومون بغزو فلسطين وتخليصها وتخليص أنفسهم (عن طريق الزراعة المسلحة: يد تمسك بالبندقية والأخرى تمسك بالمحراث) أصبحوا مستهلكين بالدرجة الأولى وأصبح الاستيطان مرتبطاً بالاستهلاك وأصبحت الإعلانات عن المستوطنات تتحدث عن حجم حمام السباحة وعدد مكيفات الهواء وطريقة الدفع بالتقسيط المريح ونسبة الخصم عند الدفع، أي أن الأسطورة الصهيونية ضُربت في الصميم. وقد ساعد انتصار ١٩٦٧ على هذا الانتقال من التقشف وإنكار الذات إلى الاستهلاك، وقوَّت من عضده الهجرة السوفيتية، حيث هاجرت مئات الألوف من الصهاينة المرتزقة، الباحثين عن تحسن مستواهم المعيشي.

стр. 8440

وإذا كانت عبارة «ما بعد الأيديولوجيا» تعني نهاية الأيديولوجيات فإن عبارة «ما بعد الصهيونية» تعني في واقع الأمر «نهاية الصهيونية» ، فالقصة الصهيونية الكبرى الأصلية قد حل محلها أثر أو صدى وقصص صغيرة، إذ أن كل رأس صغير (روش قطان) يعيش داخل قصته الصغيرة. وقد عبَّر هذا عن نفسه في التكاثر المفرط للمصطلحات التي تُستخدَم للإشارة إلى الصهيونية (بقصصها الصغرى الكثيرة) وهو ما يدل أيضاً على انفصال الدال عن المدلول، فهناك عدة دوال ( «الصهيونية التقنية» - «الصهيونية اللوكس» - «صهيونية الصالونات» - «الصهيونية الفورية» ) تحاول كلها أن تشير إلى المدلول دون نجاح كبير. ولعل اصطلاح «الصهيونية المكوكية» قد يصلح دالاً على الحالة الصهيونية، التي لم يَعُد لها مركز، ومن ثم قد يكون من الأفضل أن نشير لها باعتبارها «الصهيونية الإنزالاقية» أو «الصهيونية المفكَّكة» (بالإنجليزية: ديكونستركتد deconstructed) ، فالصهيونية حركة تفكيكية، قامت بتفكيك كل من العرب واليهود ونقلهم من أوطانهم الأصلية إما إلى فلسطين أو خارجها. ولكنها بعد تفكيك الآخر، تفكَّكت هي نفسها بفعل العوامل التاريخية، وهي على كل كانت تحوي جرثومة فنائها وتفكُّكها من البداية حين استندت إلى دال بلا مدلول: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. والصهيونية الحلولية العضوية هي محاولة لحل الأزمة عن طريق خلع القداسة على الذات اليهودية بحيث تصبح هي مصدر القداسة الإطلاق ومركز الكون، مكتفية بذاتها ومرجعية ذاتها. وتصبح الأرض المقدَّسة، بحكم قداستها أرضاً بلا شعب، ويصبح اليهود، الشعب المقدَّس، بحكم قداستهم شعباً بلا أرض. ولا تكتمل الحلقة إلا بأن يعيش الشعب المقدَّس في الأرض المقدَّسة ويحل فيهم الإله وتسري القداسة في كل شيء ويتجسَّد اللوجوس مرة أخرى ومن ثم يمكن ممارسة العنف الصهيوني وتبريره على هذا الأساس.
следующие страницы →