Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.
стр. 8436
وقد خرج حملة خطاب ما بعد الصهيونية على النهج الصهيوني السائد والذي يقوم على ليّ عنق التاريخ والواقع من أجل إرساء المزاعم والادعاءات الصهيونية.
المؤرخون الجدد: تعريف
New Historians: Definition
مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين الذين أخذوا في الظهور منذ الثمانينيات وبدأوا في مراجعة الرواية الأكاديمية الإسرائيلية للصراع العربي الصهيوني، وبخاصة حرب ١٩٤٨ التي جرى صوغها ضمن إطار أيديولوجي صهيوني يعيد ترتيب الوقائع، واستبعاد ما لا يروق للصهاينة. فالرواية الإسرائيلية الصهيونية لوقائع حرب ١٩٤٨ وما بعدها تحاول بقدر الإمكان عدم ذكر الفلسطينيين، فلا توجد جماعة فلسطينية قائمة بذاتها (ومن هنا الإكثار من ذكر البدو) بعد ١٩٤٨. ولم يحدث أي تهجير قسري (ترانسفير) للفلسطينيين فقد خرجوا تلقائياً أو هربوا بناء على دعوة صريحة من الملوك والرؤساء العرب حتى يتسنى للجيوش العربية الإجهاز على الدولة الصهيونية الوليدة، المحاصرة من كل جانب، أي أنه تم إسقاط البطولة تماماً عن الفلسطينيين وخلعها على الصهاينة.
رسم المؤرخون الجدد صورة أكثر واقعية تقترب إلى حدٍّ ما من الرواية الفلسطينية لوقائع تلك الحرب، والتي تبيِّن أن المطامع الصهيونية قد تم تحقيقها على حساب السكان الفلسطينيين وأن العرب أُبعدوا عن طريق الطرد. وقد أظهر المؤرخون الجدد أن العالم العربي لم يكن قوة عسكرية مخيفة، بل كان مفككاً، يتكون من دول متخلفة، بعض حكامها متواطئ مع الصهاينة، وجيوشها سيئة التدريب وقدراتها القتالية شديدة التدني. كل هذا يؤدي إلى نزع البطولة عن اليهود. بل بيَّن هؤلاء المؤرخون الجدد أن إسرائيل دولة متعنتة، ترفض السلام. وقد اعتمد هؤلاء المؤرخون الجدد المادة الأرشيفية التي رُفعت عنها السرية بعد مرور ثلاثين عاماً.
ما بعد الصهيونية (صهيونية عصر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد)
стр. 8437
Post-Zionism, (Zionism in the Age of Post-Modernism and the New International Order)
بعد محاولة التعريف المبدئية لظاهرة ما بعد الصهيونية والمؤرخون الجدد، يمكن الآن أن نقدم رؤيتنا للموضوع. انتقل التجمُّع الصهيوني من مرحلة بطولية تقشفية صلبة (مرحلة التحديث والحداثة) تتسم بأن لها مركزاً (بالإنجليزية: لوجوسنتريك logo-centric) إلى مرحلة استهلاكية سائلة (ما بعد الحداثة) تتسم بأنها لا مركز لها (والصهيونية جزء من الحضارة العلمانية الشاملة الغربية ولا تشكل استثناءً من القاعدة) .
ويمكن القول بأن الصهيونية قد دخلت عصر ما بعد الحداثة بتصاعُد معدلات الحلولية والعلمنة داخل التجمُّع الصهيوني. فحتى عام ١٩٤٨ كان اللوجوس (المطلق الصهيوني) يتجسَّد في الفولك (الشعب اليهودي) وكان من المفروض أن يؤسِّس الصهاينة دولة يهودية تصبح هي والمستوطنين موضع الحلول والمركز الروحي والثقافي ليهود العالم (العجل الذهبي، على حد قول أحد الحاخامات المعادين للصهيونية) ، أي أنه عالم متمركز حول اللوجوس (لوجوسنتريك logo-centric) يتسم بالتماسك العضوي.
стр. 8438
ولكن مع تأسيس الدولة تمزقت الواحدية العضوية، فيهود الدياسبورا أصروا على أنهم هم أيضاً موضع الحلول، ويهود أمريكا بالذات كانوا يرون أن أرض الميعاد العلمانية الحقيقية هي الولايات المتحدة الأمريكية. وفي داخل إسرائيل نفسها نشب الصراع بين الإشكناز والسفارد إذ أن الإشكناز كانوا يرون أن المطلق الصهيوني يعبِّر عن نفسه من خلالهم وحدهم، فاليهودي هو الإشكنازي أما اليهودي السفاردي فهو مجرد صدى أو صورة باهتة. ثم بيَّن الصهاينة الدينيون أن اللوجوس الصهيوني ليس هو الفولك وحسب ولا هو الدولة وإنما هو الإله متجسداً في كل من الشعب والدولة، فبدلاً من حلولية بدون إله على طريقة العلمانيين، بعثوا مرة أخرى حلولية شحوب الإله التقليدية، حيث يحل الإله في الأشياء ويذوب فيها ويتوحد معها، ومع هذا يظل محتفظاً باسمه.
وقد جفت مصادر المادة البشرية اليهودية وهذا يُعَد كارثة بالنسبة لمجتمع استيطاني يعرف أن من أهم أسباب ضمور ممالك الفرنجة وموتها هو عدم تدفُّق المادة البشرية الفرنجية عليها. وجفاف المادة البشرية يعني أيضاً تداعي الدور القتالي لدولة وظيفتها الأساسية هي القتال المستمر وبدونه قد تختفي في لحظات (انظر الباب المعنون «أزمة الصهيونية» ) .
стр. 8439
لكل هذا اهتزت القصة الصهيونية الكبرى: عودة واستيطان - إفراغ الأرض من سكانها ورحيل السكان من تلقاء أنفسهم - تأسيس الدولة اليهودية الخالصة - تدفُّق ملايين اليهود على أرض الميعاد - نهاية التاريخ السعيدة. فلا العرب اختفوا ولا اليهود تدفَّقوا، وبدلاً من أن يتجسَّد الإله اليهودي في الدولة اليهودية، لم يَعُد له وجود وتفكَّك اللوجوس. فالدولة التي تم تأسيسها بزعم إنقاذ يهود العالم من ذئاب الأغيار وجدت أن عليها أن تطارد اليهود بلا هوادة "لإنقاذهم". والدولة التي جاءت لتؤكد السيادة اليهودية وجدت أن عليها الاستجداء والاعتماد المذل على الدول الغربية لتضمن لنفسها البقاء. والدولة التي أعلنت أنها ستُخرج اليهود من الجيتو وجدت نفسها محاصرة في الداخل والخارج من العرب الذين لم يستسلموا لها، فتحوَّلت هي نفسها إلى الدولة/الجيتو أو الدولة/الشتتل.
وقد تبلور هذا الوضع في الاستيطان، فالصهيونية (على حد قول بن جوريون) هي الاستيطان. ولكن بدأت تظهر أصوات تنادي بفصل الصهيونية عن الاستيطان والادعاء بأن الصهيونية هي الاستثمار في إسرائيل أو التعاون العلمي معها أو حتى زيارتها للسياحة. والرواد الصهاينة الذين كان من المتصور أنهم سيقومون بغزو فلسطين وتخليصها وتخليص أنفسهم (عن طريق الزراعة المسلحة: يد تمسك بالبندقية والأخرى تمسك بالمحراث) أصبحوا مستهلكين بالدرجة الأولى وأصبح الاستيطان مرتبطاً بالاستهلاك وأصبحت الإعلانات عن المستوطنات تتحدث عن حجم حمام السباحة وعدد مكيفات الهواء وطريقة الدفع بالتقسيط المريح ونسبة الخصم عند الدفع، أي أن الأسطورة الصهيونية ضُربت في الصميم. وقد ساعد انتصار ١٩٦٧ على هذا الانتقال من التقشف وإنكار الذات إلى الاستهلاك، وقوَّت من عضده الهجرة السوفيتية، حيث هاجرت مئات الألوف من الصهاينة المرتزقة، الباحثين عن تحسن مستواهم المعيشي.
стр. 8440
وإذا كانت عبارة «ما بعد الأيديولوجيا» تعني نهاية الأيديولوجيات فإن عبارة «ما بعد الصهيونية» تعني في واقع الأمر «نهاية الصهيونية» ، فالقصة الصهيونية الكبرى الأصلية قد حل محلها أثر أو صدى وقصص صغيرة، إذ أن كل رأس صغير (روش قطان) يعيش داخل قصته الصغيرة.
وقد عبَّر هذا عن نفسه في التكاثر المفرط للمصطلحات التي تُستخدَم للإشارة إلى الصهيونية (بقصصها الصغرى الكثيرة) وهو ما يدل أيضاً على انفصال الدال عن المدلول، فهناك عدة دوال ( «الصهيونية التقنية» - «الصهيونية اللوكس» - «صهيونية الصالونات» - «الصهيونية الفورية» ) تحاول كلها أن تشير إلى المدلول دون نجاح كبير. ولعل اصطلاح «الصهيونية المكوكية» قد يصلح دالاً على الحالة الصهيونية، التي لم يَعُد لها مركز، ومن ثم قد يكون من الأفضل أن نشير لها باعتبارها «الصهيونية الإنزالاقية» أو «الصهيونية المفكَّكة» (بالإنجليزية: ديكونستركتد deconstructed) ، فالصهيونية حركة تفكيكية، قامت بتفكيك كل من العرب واليهود ونقلهم من أوطانهم الأصلية إما إلى فلسطين أو خارجها. ولكنها بعد تفكيك الآخر، تفكَّكت هي نفسها بفعل العوامل التاريخية، وهي على كل كانت تحوي جرثومة فنائها وتفكُّكها من البداية حين استندت إلى دال بلا مدلول: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
والصهيونية الحلولية العضوية هي محاولة لحل الأزمة عن طريق خلع القداسة على الذات اليهودية بحيث تصبح هي مصدر القداسة الإطلاق ومركز الكون، مكتفية بذاتها ومرجعية ذاتها. وتصبح الأرض المقدَّسة، بحكم قداستها أرضاً بلا شعب، ويصبح اليهود، الشعب المقدَّس، بحكم قداستهم شعباً بلا أرض. ولا تكتمل الحلقة إلا بأن يعيش الشعب المقدَّس في الأرض المقدَّسة ويحل فيهم الإله وتسري القداسة في كل شيء ويتجسَّد اللوجوس مرة أخرى ومن ثم يمكن ممارسة العنف الصهيوني وتبريره على هذا الأساس.
стр. 8441
أما صهيونية ما بعد الحداثة فهي تتبع إستراتيجية مختلفة تماماً، وإن كانت تؤدي إلى النتائج نفسها. فهي تقوم بنزع القداسة عن اليهود والعرب وفلسطين بحيث تصبح كل الأمور متساوية ويصبح الكون لا مركز له. وداخل حالة السيولة يمكن أن يصبح المدفع الدارويني هو اللوجوس، الذي يحدِّد مدلول الكلمات.
ولكن يبدو أن صهيونية عصر ما بعد الحداثة هي التي سترجح كفتها لأن ظهورها قد تزامن مع ظهور النظام العالمي الجديد وانتقال العالم الغربي بأسره من حالة الصلابة إلى حالة السيولة (ولعلها هي نفسها إحدى تبديات حالة السيولة في التجمُّع الصهيوني) .
стр. 8442
والنظام العالمي الجديد هو إعادة إنتاج للرؤية المعرفية العلمانية الشاملة في أواخر القرن العشرين، ومن ثم فهو ينطلق من مرجعية واحدية مادية ترى العالم بأسره (الإنسان والطبيعة) باعتباره مادة استعمالية. وقد أدت هذه الرؤية - في نطاق النظام العالمي القديم - إلى ظهور ثنائية الأنا والآخر، والمستعمل والمستعمَل، التي دفعت الإنسان الغربي إلى غزو العالم والهيمنة عليه واستهلاكه. ولكن مع تراجُع الهيمنة والمركزية الغربية وظهور عوامل التماسك والمقاومة في العالم الثالث (حركات تحرُّر داخلي) وجنباً إلى جنب مع عوامل التفكُّك والتآكُل (عولمة النُخَب السياسية والثقافية الحاكمة - فسادها وإفسادها - تصاعد التطلعات الاستهلاكية - تآكل الدولة القومية - السوق والشركات متعددة الجنسيات - تراجع الإحساس بالخصوصية ... إلخ) ، وجد الغرب فرصة سانحة لأن يحل إشكالية عجزه عن المواجهة العسكرية والهيمنة الصريحة عن طريق اللجوء للإغواء والتفتيت والتفكيك والالتفاف، وأن يستمر في تأكيد الأنا الغربية على حساب الآخر بآليات جديدة خفية من أهمها استخدام النخب السياسية والثقافية المحلية كآليات للقمع والإرهاب. فطرح النظام العالمي الجديد مجموعة من الديباجات الرائعة التي يكمن وراءها نموذج مادي واحدي ينكر التاريخ والإنسان ويؤدي إلى نهاية كلٌّ منهما. وصهيونية عصر ما بعد الحداثة هي صهيونية النظام العالمي الجديد، التي تحاول أن تتغلغل وتفرض قصتها الصغرى على عالمنا العربي بقوة الإغواء والإغراء والسلاح المخبُّأ بعناية فائقة، بحيث لا تراه عين.
стр. 8443
والاستعمار (في عصر النظام العالمي الجديد) يريد تصدير سلعه الترفية وأسلحته المتقدمة والإلكترونيات ورأس المال، وبما أن الدول المتخلفة غير قادرة على الاستهلاك وليست في حاجة إلى سلع كان من الضروري أن "تتقدم" بعض الشيء وأن تحقق شيئاً من التنمية حتى يتم تصعيد التوقعات، ولكن، مع هذا، يجب الابتعاد عن التنمية المستقلة، لأنها تعني التماسك لا التفكيك، والتوحُّد لا التشرذم، ولذا فإن التنمية يجب أن تتم داخل الأطر التي يُقال لها "عالمية"، وتحت إشراف المؤسسات التي يُقال لها "دولية". كما أن الإنسان الذي ينمو يجب أن يفرَّغ من الداخل حتى لا يتحول إلى قوة اقتصادية قومية مقاومة.
والمدخل لأية حركة مقاومة حقيقية هو تأكيد أن الربح الاقتصادي (العام) ليس القيمة النهائية في حياة الإنسان، وإذا كان الربح المادي - كما يؤكد كثير من الماديين - هو بالفعل القضية الأساسية فإن كل شيء يصبح خاضعاً للتفاوض وللإبقاء والإلغاء، وضمن ذلك الخصوصية القومية والمنظومة القيمية والامتداد التاريخي، بل أرض الوطن. لأنه إن كان الحفاظ على مثل هذه الأشياء فيه تعظيم للمنفعة الاقتصادية (المادية) ، فينبغي تطويرها وتمجيدها والتغني بها، أما إذا شكَّلت عائقاً في طريق "التنمية الاقتصادية" فلابد من التخلص منها بلا هوادة. والسوق الشرق أوسطية تَصدُر عن الإيمان بأن العالم كله مادة وأنه لا شيء له قيمة وأن كل شيء له ثمن، ومن ثم فهو الترجمة المتعينة للنظام العالمي الجديد، التعبير المتبلور عن حالة السيولة.
وقد بيَّن شمعون بيريز هذا الاتجاه حين صرَّح بأنه حينما "يشتري" المرء سلعة يابانية فهو في واقع الأمر "ينتخب اليابان"، "فأسواق اليوم" (على حد قول هذا الإنسان الاقتصادي المسمَّى بيريز) "تُولِّد السياسة وتدافع عنها. وقوة السوق هذه الأيام محسوسة بشكل أكبر من قوة الدولة".
стр. 8444
والسوق لا تتحكم فيه العواطف أو القيم الإنسانية، إذ تتحكم فيه آليات لا تَمُّت إلى الحب أو الكُره بصلة ولا يتم فيها أي تبادل إنساني وإنما يفترض أنه سيتم تبادل السلع والخدمات فيها في حرية كاملة، فالأمر كله إنتاج واستهلاك. والاستهلاك والإنتاج لا علاقة لهما بالمطلقات المعرفية أو الثوابت الأخلاقية أو الوظيفية أو الخصوصيات الإثنية أو الأخلاقية.
والسوق هو المكان الذي يتحوَّل فيه الإنسان العربي المسلم إلى إنسان طبيعي اقتصادي وربما جسماني يفهم مصلحته الاقتصادية ومنفعته ولذته ولا يكترث بشيء آخر، على استعداد للتفاهم بشأن أي شيء وأن يغيِّر قيمه بعد إشعار قصير.
وإذا كان داخل كلٍّ منا مجاهد على استعداد للدفاع عن شرفه وشرف أمته وقيمه (الإنسان الإنسان الذي يحوي العنصر الرباني) ، فهناك أيضاً في داخل كلٍّ منا بقال على استعداد لأن يبيع ويشتري كل شيء وضمن ذلك الوطن، نظير عمولة مجزية وسعر معقول، كما يوجد ذئب مستعد لأن يفترس من حوله وقرد مستعد لأن يقلد من ينتصر عليه. وفي السوق يتوارى المجاهد ويظهر البقال والذئب والقرد فتتحوَّل البلاد إلى فنادق وتتحول الأحلام إلى سلع. ولعل الموز الإسرائيلي (الذي قُدِّم للمستهلك المصري باعتباره بشرى بما سيكون) هو رمز جيد ومتبلور لعملية التفكيك الجديدة، فهو يتوجه مباشرة إلى الجهاز الهضمي ليُسقط الذاكرة والتاريخ والهوية والذات والموضوع والحق والحقيقة، ويعلن ندية الإنسان والمادة، والقومية العربية والصهيونية، فننزلق جميعاً إلى عالم خال من القيم والهوية - عالم السوق الشرق أوسطية وسنغافورة، عالم بلا مركز ولا قيم تتساوى فيه الأمور جميعاً، ولا يبقى إلا المصالح الاقتصادية المباشرة والتوجه نحو اللذة.
стр. 8445
بل يؤكد لنا بيريز أن "الشعب اليهودي نفسه لم يكن هدفه في أي يوم السيطرة ... إنه فقط يريد أن يشتري ويبيع ويستهلك وينتج، فعظمة إسرائيل تكمن في عظمة أسواقها"، أي أن اللوجوس في مرحلة موت الإله ليس الفولك وإنما السوق.
وعلى مسرح السوق الجديد لن تجد الشعب العربي أو الشعوب الإسلامية صاحبة التاريخ والرؤية إذ سيتحرك على خشبته عناصر مجردة: المياه التركية والأموال الخليجية والعمالة المصرية، وهي جميعاً أشياء لا وعي لها. ثم يظهر على المسرح العنصر الذي سيمسك بكل الخيوط وسيُحركها: الخبرة الإسرائيلية، الوعي الحقيقي على المسرح.
ولكن السمة الأساسية لهذه السوق أنها سوق لا هوية لها، لا تعرف الزمان أو التاريخ، فهي مرجعية ذاتها، مكتفية بذاتها. وإن كان هناك أيُّ سوء فهم فقد تم تبديده إذ وُصفت هذه السوق بأنها «شرق أوسطية» ، أي أنها ليست عربية أو إسلامية، وإنما تنتمي إلى مكان دون زمان أو تاريخ. وهذا المكان هو الشرق الأوسط، وهو مفهوم جغرافي غير محدد، يضم قبرص وفلسطين وإيران وتركيا وأحياناً اليونان. والعلاقة بين الدول هي علاقة تعاقدية، فقد تتفق قبرص مع مصر مع إسرائيل، أو إسرائيل مع فلسطين مع الأردن، أو تركيا مع لبنان مع فلسطين، وهكذا. المهم أن الاتفاق هنا بين بلاد تنتمي إلى منطقة واحدة لا إلى تشكيل حضاري مشترك أو منظومة قيمية مشتركة. ومن هنا التبشير بسنغافورة باعتبارها أرض الميعاد الجديدة، وهي بلد صغير جداً لا تاريخ لها ولا ذاكرة ولا هوية محددة، تسيطر عليها رؤوس الأموال الغربية، وليس لها مشروع حضاري واضح أو كامن، فهي حيز للبيع والشراء وحسب.
стр. 8446
ويؤكد بيريز نهاية التاريخ (ونهاية الإنسان ونزع القداسة عن كل شيء والتفكيك الكامل لكل ما هو إنساني، حين يعلن أن ماضي العلاقات العربية الإسرائيلية ينبغي ألا يقف عقبة فى وجه الفرص المتاحة أمامها الآن، بل ينبغي تركيز الاهتمام كله على المستقبل. فلا داعي، على سبيل المثال، للحديث عن الماضي أو عن القيم إذ يجب التركيز على الآن وهُنا. ولذا، يتحدث بيريز، شأنه شأن فوكوياما، عن نهاية التاريخ: "العصر الذهبي لشعوب الشرق الأوسط، عصر لم ير له التاريخ مثيلاً، عصر مناسب للعهد الجديد"، وهكذا يلتقى بيريز بكلٍّ من فوكوياما ومفكري ما بعد الحداثة داخل السوبر ماركت وداخل ورش المصانع، هذا الفضاء المادي الذي لا يعرف الزمان أو التاريخ أو الإنسان أو الإله.
وهذا يعني في واقع الأمر محو الذاكرة التاريخية بشكل واع ونشيط (وهذا هو جوهر ما بعد الحداثة) وتناسى السبب الأساسي للصراع: أن التشكيل الإمبريالي الغربي قد غرس كياناً استيطانياً إحلالياً على أرض فلسطين، وأباد مَنْ أباد من أهلها ثم شرَّد مَنْ شرد، وها هو يضع البقية الباقية تحت حكم السلاح.
واختفاء التاريخ والذاكرة يعني اختفاء القصة العربية والإسلامية الكبرى وظهور القصص القطرية والفردية والقَبَلية والاستهلاكية الصغرى، أي يعني تَفتُّت العالم العربي وتَشرذُمه، أي تحقُّق القصة الصهيونية الكبرى، دون مواجهة وقتال.
стр. 8447
ويذهب المفكر العربي منير شفيق إلى أن المشروع الصهيوني يحتم ضرورة أن يكون الشرق العربي مشتتاً مبعثراً لا يتمتع بدرجة تماسك عالية ولا توجُّه حضاري واضح؛ شرقاً عربياً لا يتحكم في ثرواته. وأن ما يحدث للعراق ليس حالة استثنائية وإنما هو نموذج لرؤية النظام العالمي الجديد (وصهيونية ما بعد الحداثة) لوطننا العربي وللعالم الإسلامي. فهذا النظام يقوم بتجريد العراق من سلاحه وقدرته العسكرية والعلمية، ويُضعف دولته القومية المركزية (ويقوى الأطراف) حتى يظل العراق موحداً ولكن ضعيفاً، فالمطلوب هو عراق واحد متآكل داخلىاً، يشل بعضه بعضاً ولا يستطيع أن يستعيد عافيته لعشرات السنين القادمة حتى لو تغيَّر النظام العراقي الراهن. ويرى منير شفيق أن هذا جزء مما أسماه "سايكس بيكو الثانية"، أي تجزئة كل جزء من الأجزاء داخلياً حتى تصبح عملية الإجهاض نابعة من الداخل، ولذا فهو يقول فى جملة دالة جداً "إن من يربط ما يحدث للعراق بما حدث للكويت يخطئ خطأً فادحاً". فلو ثبت أن إحدى الدول العربية بدأت تنهض وتقف على قدميها وتحقق استقلالها وتنمي نفسها خارج نطاق النظام العالمي الجديد، فلابد أن يكون مصيرها هو مصير العراق، حتى لو لم تهاجم الكويت، فالعراق هنا نموذج، ولم يكن اجتياح الكويت إلا تكأة.
إن الوطن العربي يجب أن يصبح "المنطقة" (كما يُشار إليه فى الكتابات الصهيونية والغربية) رقعة بلا تاريخ ولا ذاكرة ولا هوية ولا مصالح مستقلة. ويجب أن تكرس سياسة المصلحة الضيقة الخاصة لكل دولة، وكذلك أمنها واستقرارها وتنميتها، ونسيان شيء اسمه المصلحة العربية العليا أو الإسلامية العليا أو الأمن العربي والإسلامي والسوق العربية المشتركة!
стр. 8448
ولابد من تقسيم المنطقة على أساس طوائف وأجناس وأصول قومية ومذاهب، أي إعادة صياغة المنطقة باعتبارها فسيفساء من أقليات إثنية ودينية يستمر بينها قدر من الصراع المعقول الذى يمكن التحكم فيه من قبل النظام العالمي الجديد (وصهيونية ما بعد الحداثة) الذى لا يقبل الفوضى الشاملة، إذ لابد أن يستمر البيع والشراء والإنتاج والاستهلاك.
وثمة كتاب يتداوله أعضاء النخبة العسكرية في الولايات المتحدة يُسمَّى تحوُّل الحرب كتبه المؤرخ العسكري الإسرائيلي فان كريفيلد (الجامعة العبرية) . والموضوع الأساسي في الكتاب هو أن النقطة المرجعية لفهم الحروب في المستقبل هي حرب الثلاثين عاماً في القرن السابع عشر في أوربا، وحرب المائة عام قبلها، وهي حروب لم تتم بين دول قومية مستقلة وإنما بين ملوك ونبلاء إقطاعيين، وهو هنا يطالب بمفهوم للحرب يسبق توقيع معاهدة وستفاليا (١٦٤٩) التي أنهت حرب الثلاثين عاماً. ويرى فان كريفيلد أن مفهوم كلاوزفيتز للحرب لم يَعُد صالحاً كإطار نتحرك من خلاله، فهو مفهوم نابع من الصراع بين الدول القومية ذات السيادة ويستند إلى مبدأ أن الحرب استمرار للسياسة بطرق أخرى. ويذهب فان كريفيلد إلى أن عصر الحروب الكبيرة بين الدول قد انتهى، فالحروب المقبلة ستكون "داخل" الدول وليس "بينها"، ولن تكون الحروب بين جيوش نظامية بالمعنى المعروف لدينا، وإنما بين مجموعات مختلفة من الجماعات المسلحة، ومن ثم فإن الفارق بين الجندي المنظم والجندي المرتزق وعضو المافيا أو المليشيا سيختفي، إذ ستظهر مجموعات عسكرية مختلفة تمثل القبائل والجماعات الإثنية والانتماءات الدينية والمصالح الاقتصادية (الشرعية أو الإجرامية) ، أي أن الحروب في المستقبل ستكون مثل الحروب في العصور الوسطى في المجتمعات البدائية. ولعل ما يعبِّر عنه فان كريفيلد ليس نبوءة بمقدار ما هو أمنية، ولعل ما حدث في لبنان هو تنفيذ لهذه النبوءة/المخطط. والعراق أيضاً نموذج
стр. 8449
جيد، فقد قُسِّم ولم يُقسَّم في الوقت نفسه، فهناك أكراد فى الشمال تُغير عليهم القوات التركية وتدعمهم قوى التحالف ويضربون بعضهم بعضاً، وهناك شيعة فى الجنوب يثورون وينتفضون ليخلوا بالنظام، ولكن لا يسمح لهم لا بالانتصار ولا بالانهزام، وإنما يُسمَح بالاستمرار فى استنزاف الدولة المركزية وفى استنزاف أنفسهم (وهذا درس لكل أقليات المنطقة، فهى الأخرى ستتحول إلى مادة استعمالية نافعة للنظام العالمي الجديد) .
هذا فيما يتصل بالدول التي لعبت دائماً دور القيادة فى المنطقة، أما بالنسبة للدول البترولية فإن المخطط الأمريكي الغربي، فى رأى الأستاذ منير شفيق، لن يسمح مرة أخرى بتراكم تلك الثروة النفطية فى الخليج، وسيسعى بكل الوسائل إلى تقليصها إلى أقصى حد، وسيعمل على التحكم فيها من حيث إعطاء المساعدات الخارجية والتحكم في الإنتاج والأسعار والاستثمار في المشاريع الداخلية والخارجية وغير ذلك. ولا يمكن أن يُفهَم ما جرى فى إعادة بناء الكويت، وما فُرض من إتاوات لدفع تكاليف الحرب، وما جرى من نهب وتدمير لبنك الاعتماد التابع للإمارات، إلا ضمن هذا السياق. ولعل من أهداف الهجوم الذى يشن على ليبيا الآن السيطرة على سياسة النفط الليبية والثروة الليبية حتى تكتمل حلقات السيطرة على النفط العربي، ومن ثم الإسلامي". ولعل الانقلاب المعادي للديموقراطية فى الجزائر هو أيضاً من باب محاولة إحكام السيطرة حتى لا تأتي للحكم نظم مؤمنة بالتنمية المستقلة وبعدم تبدىد مواردها الطبيعية والحفاظ على ثروتها للأجيال القادمة فلا ترهنها للشركات متعددة الجنسيات نظير بضعة ملايين من الدولارات تتبدَّد فى أشكال من الترف والعبث.
стр. 8450
ولابد من إعادة صياغة النخبة الثقافية والسياسية وإعادة تعليمها، وستأخذ هذه العملية شكل الترغيب والترهيب. أما الترغيب، فهو يأخذ شكل دعم ورشاوى ومراكز بحوث وصفقات وبرامج ثقافية تزيد معدلات الأمركة والعلمنة فى المجتمع والتلويح للنخب السياسية والثقافية بأنها ستُشارك بشكل مباشر في هذا التعاون الدولي وستجني ثمراته بشكل شخصي. أما الترهيب فهو تخويف الجميع من خطر الإرهاب الإسلامي. وقد نجح النظام العالمي الجديد فى هذا المجال، فكثير من المثقفين القوميين والاشتراكيين العلمانيين، ممن وجدوا أنفسهم بلا أرضية ولا قضية، بعد حرب الخليج وبعد تراجع المنظومة القومية وبعد سقوط الاتحاد السوفيتى وتساقُط المنظومة الاشتراكية، يبحثون عن مبرر وجيه وموضوعي للتوجه للسفارة الأمريكية والسير في ركاب المنظمات الدولية (التي تدفع رواتب هي أقرب إلى الرشاوى منها إلى الأجور) . وقد وجدوا مثل هذا المبرر أخيراً في الادعاء بالخوف على الداخل الديموقراطى من الداخل الإرهابي، ومن ثم فليستعينوا بالخارج الدولي، هذا الذي ساند كل الدول الإرهابية عبر تاريخه ولا يزال يساند طواغيت الأرض الذين ينهبون شعوبهم أثناء عمليات النهب ثم يحميهم بعدها، فهذا الخارج قد أصبح فجأة نصير الديموقراطية والمُدافع عن العدالة. وبدأت تظهر بينهم آلهة محلية مثل «حورس» جزء من الماضي المتحفي (نسبة إلى متحف) ، لتحل محل الماضي العربي الإسلامي الحي، وحتى تتصارع الآلهة المحلية الوثنية (هذا، إذا تم بعث آشور، واللات والعزى) ، كما كان الحال فى الشرق الأدنى القديم قبل الفتح الإسلامي، وهذه هى تماماً الرؤية الصهيونية للمنطقة في عصر ما بعد الحداثة.
стр. 8451
هذا هو الإطار المعرفي العام لحركة النظام العالمي الجديد وصهيونية عصر ما بعد الحداثة في الشرق العربي والإسلامي: إنسان اقتصادي مادي لا ذاكرة له - ينسى التاريخ والهوية - مرن - قادر على التفاهم مع الجميع حسبما تمليه عليه الحسابات الاقتصادية الرشيدة. وهو شرق عربي مرن، إجرائي، قادر على الدخول في علاقة طبيعية مع إسرائيل وعلاقة حميمة مع الغرب، ولكن إسرائيل هي الأخرى لابد أن تتعدل هويتها لتتحول من قاعدة نشيطة للنظام العالمي الإمبريالي القديم إلى قاعدة لا تقل نشاطاً للنظام العالمي الإمبريالي الجديد: تخدم مصالح الغرب دون المجاهرة بذلك وتنفذ المخطط الغربي لا من خلال المواجهة العسكرية وإنما من خلال عمليات الإغواء. ولذا يجب أن يتعاظم دورها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي ويجب أن تكون لديها المقدرة على العمل داخل الوضع العربي برمته بهدف المشاركة في التفتيت والتجزئة وفي اقتسام الثروات المائية والأسواق والمشاريع. لكل هذا عليها أن تتسم بقدر عال من المرونة. ومن الممكن جداً أن يضغط الغرب عليها لتقدِّم بعض التنازلات على المستوى السياسي وعلى مستوى القضية الفلسطينية وعلى مستوى الديباجات. فتعلن أنها دولة تبحث بصدق عن السلام، تطلب الدخول في مفاوضات عاجلة. وبدلاً من الحديث عن إسرائيل الكبرى المسلحة سيكون الحديث عن الأهداف المشتركة مثل التنمية الاقتصادية، خارج عقد الهوية والتاريخ.
стр. 8452
وقد تُنصَح إسرائيل بالتخلي قليلاً عن لونها اليهودي الفاقع وسياستها الشوفينية الواضحة. والصهيونية، على كلٍّ، أيديولوجيا تابعة تبنت دائماً أحدث الديباجات الغربية. ولذا، فإن صهيونية عصر ما بعد الحداثة، حيث لا ترتبط الدوال بالمدلولات، تصبح صهيونية عنصرية تتسم بالمرونة، توسعية تتسم بسعة الأفق، استبعادية مستعدة للدخول في حوار، وهي صهيونية قادرة على تفهم مطالب الفلسطينيين "المشروعة" (مثل الحاجة إلى فرق مطافئ وفرق فنون شعبية ومجموعة موتوسيكلات وبعض السلع الاستهلاكية) . وإسرائيل لا دينية مرنة واقعية يمكنها أن تلعب دوراً فعالاً فى المنطقة، ويمكنها أن تدخل تحالفات مع النخب الحاكمة العربية (التي يدَّعي بعضها العروبة ويدَّعي البعض الآخر منها الإسلام) دون أن تسبب حرجاً لهم. كما أن مرونتها، وما قد تقدمه من تنازلات حقيقية وشكلية، سيعطي مصداقية للنخب الحاكمة ولكل من يتحدث عن الشرعية الدولية وعن النظام العالمي الجديد كآلية لنشر السلام والعدل فى ربوع الأرض. وأخيراً ستمكِّنها مرونتها وتَفكُّكها أن تلعب دوراً في عملية تحويل العالم العربي إلى سنغافورة، وإن كان الاحتمال الأكبر أن القطار المسرع المتجه إلى سنغافورة سيتوقف في الفلبين أو ربما في شرق أوربا حيث سقطت الأطر القومية والعَقَدية فتحوِّل الإنسان إلى ما يشبه البروتين الحيواني (أو الإنساني فالبروتين هو البروتين، لا تاريخ له، تماماً مثل السوق) . وأصبح قادراً على بيع كل شيء، والتفاوض بشأن أي شيء.
стр. 8453
فى هذا الإطار، سيمكن "حل القضية الفلسطينية"، فالجميع سيصبح معتدلاً، متقبلاً لنفس المنظومة القيمية المعرفية، يعرف الهدف من الوجود فى الكون وحدود الحركة والتنمية. ولذا، لابد من التركيز أيضاً على النخبة القائدة الفلسطينية حتى تنبذ الإرهاب، ولتُظهر التعقل وتحاول أن توقف الانتفاضة وتركب القطار العربي المتجه نحو السلام تحت رايات الباكس أمريكانا، إلى أوسلو وسنغافورة.
ولكن إسرائيل رغم أنها ستمجِّد حالة السيولة وتدعو إليها بل وتتبنَّى بعض سماتها إلا أنها يجب ألا تسقط في هذه الحالة تماماً، ولذا يجب أن يتم ضمان تفوُّقها الكاسح عسكرياً على كل دول المنطقة "على أن يظل هذا الدور قوة كامنة واحتياطية تستخدم إذا دعت الحاجة إلى قوة مُستنفَرة على الحدود جاهزة للتدخل فى كل لحظة كما كان الحال فى المرحلة السابقة"، وهذا ما يتم إنجازه من خلال ضرب العراق وأمثاله.
стр. 8454
ومن هذا المنظور، فإن العدو الأول للنظام العالمي ليس القومية العربية (الآخذة فى التراجع، وخصوصاً بعد سقوط الدول الاشتراكية وبعد حرب الخليج) وإنما هو كل من يقف ضد الاستهلاكية العالمية، أى الإسلام كأيديولوجيا إنسانية عالمية وكمنظومة قيمية. فمن المنظور الإسلامي، نحن لم نأت إلى هذا العالم كي نبيع أو نشتري وإنما لنأمر بالمعروف وننهي عن المنكر، وقيم الأمانة والكرامة لها ثقل في عقل هذا الإنسان المسلم، فالإسلام رؤية تجعل من العسير على الإنسان أن يرد نفسه إلى النشاطين الأساسيين: أي النشاط الاقتصادي والنشاط الجنسي، ثم يردهما كليهما إلى الطبيعة/المادة، فالإنسان المسلم ليس الإنسان الطبيعي (ذي البُعد الواحد) وإنما هو الإنسان المركب الذي استخلفه الله في الطبيعة كي يعمرها ويسخرها لنفسه وللأجيال القادمة بإذنه تعالى. وفي مواجهة هذه الأيديولوجية الإيمانية، تستعيد إسرائيل دورها التاريخى الذى كادت تفقده، وبدلاً من أن تكون مجرد قاعدة للاستعمار الغربي الرأسمالي، فإنها تصبح ممثلة للحضارة الغربية (الحديثة العلمانية) بشقيها الرأسمالي الحالي والاشتراكي السابق، حائطاً ضخماً يمثل الغرب في الشرق ويقف ضد الهمجية الشرقية، على حد قول هرتزل. فهناك الآن الجمهوريات السوفيتية الإسلامية السابقة التي أصبحت لها دينامية مستقلة نوعاً و"تتهددها" الأصولية الإسلامية، وهناك كذلك بعض النظم العربية التي ترى أن عدوها الأساسي هو هذه الأصولية الإسلامية.
стр. 8455
وخلاصة الموقف أن إسرائيل من خلال الديباجات النسبية المعتدلة تحاول أن تجعل المنطقة المحيطة بها لا مركز لها، لا تدور حول لوجوس ولا عقيدة ولا ذاكرة، ومن ثم تتفتت وتصبح منعدمة الاتجاه ويصيبها الخور والوهن. وفي هذه الحالة يظهر الجيش الإسرائيلي باعتباره اللوجوس الأكبر والمركز الوحيد في عالم لا مركز له. (وعلى كل حال، يعلم الجميع بوجود القنابل النووية الإسرائيلية التي لا تتسم بالأخوية أو المحبة أو الندية) وتظهر الأجندة الخاصة بالهيمنة الاقتصادية والسياسية.
ولا شك في أن اتفاقية أوسلو ستساعد الدولة الصهيونية الوظيفية على الاضطلاع بوظيفتها الجديدة كما عرَّفتها لنفسها، كما أن أفكار مثل رفع المقاطعة العربية والسوق الشرق أوسطية ستساعد هي الأخرى في تدعيم الدور الجديد. ولكن كل هذا لن ينجح في حل أزمة الصهيونية، فهي أزمة بنيوية عميقة - كما أسلفنا - لا يمكن حلها إلا بطريقة بنيوية شاملة. كما أن اتفاقية أوسلو لن تحل بأية حال إشكالية شرعية الوجود، رغم أنها أول انتصار تحققه إسرائيل على هذا المستوى.
المفهوم الصهيوني/الإسرائيلي للصراع العربى الإسرائيلى
Zionist-Israeli Concept of Arab- Israeli Conflict
لإدراك الأبعاد الحقيقية للمفهوم الصهيوني/ الإسرائيلى للسلام قد يكون من المفيد العودة إلى أحد المؤتمرات الصهيونية الأولى (في عشرينيات هذا القرن) حين طرح أحد المستوطنين الصهاينة السؤال التالي: هل تريد الحركة الصهيونية الحرب مع العرب أم لا؟ وطرح السؤال على هذا النحو يُلقي كثيرًا من الضوء على القضية موضع البحث: فهل السلام مسألة إرادة ورغبة، أم أنها مسألة بنية تشكَّلت على أرض الواقع، لها حركية مستقلة، تدوس كل من يقف في طريقها، بما فى ذلك دعاة السلام من المستوطنين الصهاينة؟
стр. 8456
ومن الواضح أن المستوطنين الصهاينة، في لحظات صدق كثيرة، تجاوزوا الاعتذاريات الصهيونية البلهاء وأدركوا أن الأرض مأهولة وأنهم جاءوا لاغتصابها وأن أهلها لذلك سيشتبكون معهم دفاعاً عن حقوقهم. ففي خطاب له في ٩ يولية ١٩٣٦ أمام اللجنة السياسية لحزب الماباي عرَّف موشيه شاريت الثورة العربية بأنها ثورة الجماهير التي تمليها المصالح القومية الحقة، وأضاف أن الفلسطينيين يشعرون أنهم جزء من الأمة العربية التي تضم العراق والحجاز واليمن، ففلسطين بالنسبة لهم هي وحدة مستقلة لها وجه عربي، وهذا الوجه آخذ في التغير، فحيفا من وجهة نظرهم كانت بلدة عربية، وها هي ذا قد أضحت يهودية. ورد الفعل ـ كما أكد شاريت ـ لا يمكن أن يكون سوى المقاومة. وفي ٢٨ سبتمبر من نفس العام، كان شاريت قاطعًا في تشخيصه للحركة العربية على أنها ثورة ومقاومة قومية وأن القيادة الجديدة تختلف عن القيادات القديمة. كما لاحظ وجود عناصر جديدة في حركة المقاومة: اشتراك المسيحيين العرب بل والنساء المسيحيات في حركة المقاومة، كما لاحظ تعاطف المثقفين العرب مع هذه الحركة، وبيَّن أن من أهم دوافع الثورة هو الرغبة في إنقاذ الطابع العربي الفلسطيني وليس مجرد معارضة اليهود.
стр. 8457
وقد توصَّل بن جوريون لنفس النتائج وبطريقة أكثر تبلورًا عام ١٩٣٨ حين قال: «نحن هنا لانجابه إرهابًا وإنما نجابه حرباً، وهي حرب قومية أعلنها العرب علينا. وما الإرهاب سوى إحدى وسائل الحرب لما يعتبرونه اغتصاباً لوطنهم من قبل اليهود، ولهذا يحاربون. ووراء الإرهابيين توجد حركة قد تكون بدائية ولكنها ليست خالية من المثالية والتضحية بالذات. يجب ألا نبني الآمال على أن العصابات الإرهابية سينال منها التعب، إذ أنه إذا ما نال من أحدهم التعب، سيحل آخرون محله. فالشعب الذي يحارب ضد اغتصاب أرضه لن ينال منه التعب سريعًا ... وحينما نقول إن العرب هم البادئون بالعدوان وندافع عن أنفسنا ـ فإننا نذكر نصف الحقيقة وحسب. ومن الناحية السياسية نحن البادئون بالعدوان وهم المدافعون عن أنفسهم، إن الأرض أرضهم لأنهم قاطنون فيها بينما نحن نريد أن نأتي ونستوطن، ونأخذها منهم، حسب تصوُّرهم» .
كان ثمة إدراك واضح المعالم من جانب الصهاينة لطبيعة الغزوة الصهيونية وطبيعة المقاومة العربية. ولكن السلوك الناتج عن هذا الإدراك كان متبايناً، فكان هناك نمط من الصهاينة أدرك طبيعة الجرم الكامن في عملية تغييب العرب هذه فتنكر لرؤية الصهيونية تمامًاً وتخلى عنها، وعاد إلى أوربا. وهناك كثيرون من حزب بوعالي صهيون (عمال صهيون) عادوا إلى الاتحاد السوفيتي بعد الثورة البلشفية حتى يشاركوا في الثورة الاجتماعية وحتى لا يشاركوا في الإرهاب الصهيوني. ولكن هؤلاء قلة نادرة على ما يبدو، وعلى كلٍّ فإنهم يختفون تمامًا من التواريخ الصهيونية ومن الإدراك الصهيوني، ولذلك فهم لا يؤثرون من قريب أو بعيد في البرنامج السياسي الصهيوني أو سلوك الصهاينة نحو العرب.
стр. 8458
وهناك نمط ثان من الصهاينة أدرك طبيعة المقاومة العربية ولكنه لم يطرح رؤيته الصهيونية جانباً، وبذل محاولات يائسة أن يعيد صياغة المشروع الصهيوني بطريقة تستوعب وجود العربي الحقيقي وتأخذه في الحسبان. ولكن من المُلاحَظ أن مثل هذه الشخصيات تحولت بالتدريج إلى شخصيات هامشية، من وجهة نظر صهيونية، تنتمي إلى منظمات هامشية وتدافع عن رؤى هامشية لا تؤثر في المركز أو الممارسات الصهيونية الأساسية. ولعل سيرة يتسحاق إبشتاين وآرثر روبين (وكلاهما كان مسئولا عن الاستيطان الصهيونى) وغيرهما خير دليل على ذلك. فهؤلاء الصهاينة، نظراً لاحتكاكهم الدائم بالواقع العربي، أدركوا مدى تركيبية الموقف فطرحوا صيغاً مركبة نوعاً مثل الدولة ثنائية القومية وطالبوا بالتعاون مع الحركة القومية العربية وأسَّسوا جمعية بريت شالوم ثم جمعية إيحود لإجراء حوار مع العرب يعترف بهم ككيان قومي ولا يتعامل معهم كمجرد مخلوقات اقتصادية. ولكن المحاولات كلها ظلت في نهاية الأمر تعبيراً عن ضمير معذب أكثر منها ممارسات حقيقية. ولعل يهودا ماجنيس من أكثر الشخصيات المأساوية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، فقد أدرك الخلل العميق فى وعد بلفور منذ البداية بإنكاره وتغييبه للعرب، وأدرك مدى عمق الصراع المحتمل بين المستوطنين الصهاينة والعرب؛ ولذا قضى حياته كلها يحاول أن يصل إلى صيغة صهيونية تنيرها لحظة الإدراك النادرة دون جدوى. وانتهى به الأمر أن تنكَّر له مجلس الجامعة العبرية التي كان يترأسها.
стр. 8459
ويمكن أن نذكر في هذا السياق آحاد هعام الذي رأى الدماء العربية النازفة فولول وكأنه أحد أنبياء العهد القديم، يستمطر اللعنات على شعبه لم اقترف من آثام. ومع هذا نجده بعد ذلك في لندن مستشاراً لحاييم وايزمان، في الفترة التي سبقت إصدار وعد بلفور، يدلي له بالنصيحة بخصوص كيفية الاستيلاء على فلسيطين، ولا يُذكِّره من قريب أو بعيد بالمقاومة العربية ـ أو بالدماء النازفة. وينتهي به المطاف أن يستقر هو ذاته على الأرض الفلسطينية، بكل ما يحمل ذلك من معان اغتصاب وقهر. ولكنه حتى وهو في فلسطين، بعد وعد بلفور، ظلت تخامره الشكوك بخصوص المشروع الصهيوني وظل موقفه مبهماً حتى النهاية.
وهناك أخيراً النمط الثالث، وهو أكثر الأنماط شيوعًا وهو النمط الذي يؤدي إدراكه لحقيقة المشروع الصهيوني وأبعاد المقاومة العربية إلى مزيد من الشراسة الصهيونية. ولنضرب مثلاً على هذا النمط الصهيوني بفلاديمير جابوتنسكي ـ زعيم الحركة الصهيوني المراجعة ـ الذي أدرك منذ البداية أن الصراع بين الصهيونية كحركة استيطانية مغتصبة للأرض والعرب أمر حتمي، فلم يختبىء وراء السحابة الكثيفة من الاعتذاريات الصهيونية عن الحقوق اليهودية الأزلية، كما لم يختبىء وراء الحجج الليبرالية عن «شراء» فلسطين، أو وراء الحجج الاشتراكية عن «رجعية القومية العربية» وخلافه من الاستراتيجيات الإدراكية (انظر: «الادراك الصهيونى للعرب» ) ، وإنما أكد دون مواربة أن الصهيونية جزء من التشكيل الاستعماري الغربي الذي لم يكن بمقدوره أن يحقق انتشاره إلا بحد السلاح، ولذلك طالب منذ البداية بتسليح المستوطنين الصهاينة (تمامًا مثلما يتسلح المستوطنون الأوربيون في كينيا وفي كل مكان) ، أي طالب بتعديل موازين القوى بطريقة تخدم التحيز الصهيوني. فالعرب ـ حسبما صرَّح ـ لن يقبلوا بالصهيونية (وتحيزاتها ورؤيتها) إلا إذا وجدوا أنفسهم في مواجهة حائط حديدي.
стр. 8460
ونفس النتيجة توصَّل إليها بن جوريون، إذ أن إدراكه للمقاومة العربية كان يحيِّده التزامه بالرؤية الصهيونية، ولذا توصل إلى أنه لا مناص من فرض هذه الروية عن طريق القوة وحد السيف. ولذا لم يبحث الزعيم الصهيوني عن سلام مع العرب، فمثل هذا السلام ـ على حد قوله ـ مستحيل، كما أنه لم يحاول أن يعقد اتفاقية معهم، فهذا ولا شك سراب، بالنسبة لبن جوريون، «إن هو إلا وسيلة وحسب، أما الغاية فهي الإقامة الكاملة للصهيونية، لهذا فقط نود أن نصل إلى اتفاق [مع العرب] . إن الشعب اليهودي لن يوافق، بل لن يجسر على أن يوافق، على أية اتفاقية لا تخذم هذا الغرض. ولذا فالاتفاق الشامل أمر غير مطروح الآن، [فالعرب] لن يستسلموا في إرتس يسرائيل إلا بعد إن يستولى عليهم اليأس الكامل، يأس لا ينجم عن فشلهم في الاضطرابات التي يثيرونها أو التمرد الذي يقومون به وحسب وإنما ينجم عن نمونا [نحن أصحاب الحقوق اليهودية المطلقة في هذا البلد] . ثم استمر يقول: لا يوجد مثل واحد في التاريخ أن أمة فتحت بوابات وطنها [للآخرين] . إن تشخيصي للموضوع أنه سيتم التوصل إلى اتفاق [مع العرب] لأنني أؤمن بالقوة، قوتنا التى ستنمو، وهي إن حققت هذا النمو، فإن الاتفاق سيتم إبرامه» . وهكذا تم عقد اتفاقيات «السلام مع العرب» .
ولا يختلف شاريت عن هذه الرؤية التي تذهب إلى أن المثل الأعلى الصهيوني لابد أن تسانده القوة حتى يمكن فرضه على الواقع، وهو أيضاً يتبنَّى سياسة الحائط الحديدي، شأنه في هذا شأن بن جوريون وجابوتنسكى: «لا أعتقد أننا سنصل إلى اتفاق مع العرب حتى تنمو قوتنا. ولكني أعتقد أنه ستحين اللحظة حين نصبح أكثر قوة وسنبرم اتفاقًا ثابتاً مع بريطانيا العظمى، كقوة مع قوة أخرى، وسنصل إلى اتفاق مع العرب كقوة مع قوة أخرى. لكن الشرط الأساسي هو ألا ينظر لنا العرب باعتبارنا قوة محتملة وإنما باعتبارنا قوة فعلية» .
стр. 8461
وقد أدرك وايزمان منذ البداية أن أي سلام مبني على العدل، أي يؤدي إلى إعطاء الفلسطينيين كافة حقوقهم السياسية والدينية والمدنية، عواقبه وخيمة، إذ أنه سيؤدي إلى «سيطرة العرب على الأمور» . فلو تم تأسيس حكومة في إطار هذا السلام العادل، فإن العرب سيمثَّلون فيها، وهي حكومة ستتحكم في الهجرة والأرض والتشريع ـ وبذا سيحقق الصهاينة السلام ـ ولكنه «سلام المقابر» (على حد قوله) . والصهاينة شأنهم شأن كل من في موقفهم، كانوا لا يبحثون عن سلام المقابر لأنفسهم، وإنما للآخرين، ولذا فالاتفاق الذي يتحدث عنه جابوتنسكي ثم بن جوريون وشاريت ووايزمان ليس اتفاقاً مع العرب باعتبارهم كياناً مستقلاً له حقوقه وفضاؤه التاريخي والجغرافي إنما هو اتفاق مع طرف آخر تم تغييبه أو ترويضه عن طريق القوة والحائط الحديدي، ولذا فهو يقنع بالبقاء حسب الشروط التي يفرضها الآخر. وهذه رؤية ولا شك واقعية: إذ كيف يمكن أن يتوقع أحد من العرب أن يرضخوا طواعية لرؤية تلغي وجودهم؟
стр. 8462
وهذا، على كلٍّ، ما أدركه العرب منذ البداية، فرغم كل البيانات الصهيونية المعقولة عن السلام والحوار والتفاوض والأخوة العربية اليهودية والأخذ بيد العرب، كان العرب يعرفون أن الصهاينة قد رفضوا أن يستقروا في المنطقة باعتبارهم رعايا عثمانيين وأصروا على أن يأتوا تحت راية الاستعمار الإنجليزي ورماحه وبمساعدة جيوشه وبوارجه، وأن وعد بلفور قد منحهم فلسطين، وأشار بشكل عابر إلى حقوق «الجماعات غير اليهودية» ، أي أن الصياغة اللفظية نفسها لوعد بلفور قد قامت بتهميشهم وتغييبرهم على مستوى المخطط، ولم يبق سوى التنفيذ والممارسة. ولم يكن العرب غافلين عن المفاهيم الصهيونية مثل العمل العبري أو عن المؤسسات الصهيونية مثل الكيبوتس والهستدروت والهاجاناه التي تستبعدهم وتستعبدهم وتُغيِّبهم. وفي علاقاتهم اليومية مع مؤسسات حكومة الانتداب كانوا يعرفون أن بوابات وطنهم قد فُتحت على مصراعيها ليهود الغرب ليستوطنوا فيه، كما كانوا يدركون أنه بغض النظر عن نوايا بعض الصهاينة الطيبة وبغض النظر عن إدراكهم لطبيعة المشروع الصهيوني وطبعية المقاومة العربية فإن الواقع الذى كان آخذاً في التشكُّل كان واقعاً صراعياً، فالصهاينة كانوا يهدفون دائماً إلى زيادة عدد اليهود في فلسطين وإلى إقامة كيان اقتصادي اجتماعى (عسكري) منفصل، وفي نهاية الأمر مهيمن.
وقد تنبأ نجيب عازوري، هذا المؤلف الفلسطيني العربي المسيحى الذي كانوا من أوائل من أدرك حقيقة ما يحدث «بأن الصراع سيستمر إلى أن يسود طرف على الآخر» . وهذا الرأي ليس رأياً متشائماً ينكر المثاليات، وإنما هو رأى واقعى تشكل في ضوء الطموحات والممارسة، وفي ضوء ما حدث في الواقع بالفعل.
стр. 8463
وقد تنبه أحد زعماء حزب الاستقلال في فلسطين إلى أن الرؤية الصهيونية للسلام مع العرب، مهما بلغت من اعتدال، هي في نهاية الأمر رؤية وهمية (أيديولوجية بالمعنى السلبيى للكلمة) وأن أي تحقُّق لها يعني سلب حقوق العرب. ولذا حينما كتب له يهودا ماجنيس يقترح إمكانية التخلي عن فكرة الدولة اليهودية على أن يسمح لجماعة يهودية أن تتمتع بحكم ذاتي محدود في فلسطين، رد عليه قائلاً: «لا أرى أي شيء في اقتراحاتك سوى استفزاز صريح ضد العرب، الذين لن يسمحوا لأحد أن يقاسمهم حقوقهم الطبيعية. أما بالنسبة لليهود فليس لديهم أية حقوق سوى ذكريات روحية مفعمة بالكوارث والقصص المحزنة. ولذا من المستحيل عقد لقاء بين زعماء الشعبين: العربي واليهودي» .
وكان العرب يدركون تمامًا أن الحديث العذب عن التقدم الزراعي والصناعي وخلافه إنما هو حديث عن التغييب وعن سلب الوطن. إن التقدم في إطار غير متزن من القوة لصالح المغتصب يعني أن العربي سيفقد كل شيء، وبخاصة إذا كان الآخر لا يعترف بالعرب ككيان تاريخي وإنما كمخلوق اقتصادي. ولذا تغيِّر كثير من الشعوب المقهورة إستراتيجياتها التحررية وبدلاً من البحث عن التقدم تفضل الدفاع عن البقاء من خلال التشرنق.
стр. 8464
ولعل هذا هو الذي يفسر رفض موسى العلمي لكلمات بن جوريون (الحلوة العذبة) حين تقابلا عام ١٩٣٦ في منزل موشي شاريت. فطبقاً لما جاء على لسان بن جوريون بدأ الحديث بترديد النغمة (القديمة) التي أعدها عن المستنقعات التي تم تجفيفها، والصحارى التي تزدهر بالخضرة، والرخاء الذي سيعم الجميع. ولكن العربي قاطعه قائلاً: «اسمع ياخواجه بن جوريون، إنني أفضل أن تبقى الأرض هنا جرداء مقفرة مائة عام أخرى، أو ألف عام أخرى إلى أن نستطيع نحن استصلاحها ونأتي لها بالخلاص» . وهنا مارس بن جوريون إحدى لحظات الإدراك النادرة ولم يسعه إلا الاعتراف بأن العربى كان يقول الحقيقة، وأن كلماته هو بدت مضحكة وجوفاء أكثر من أي وقت مضى.
وهكذا أدرك الصهاينة والعرب من البداية أن الصراع بينهما له طابع بنيوي وأدركا أن السلام الذي يعرضه الصهاينة هو سلام المقابر، سلام مبني على الظلم والحرب.
والأمر لا يختلف كثيراً هذه الأيام. فلا يزال السلام المبني على العدل يعني، في واقع الأمر، مشاركة العرب الكاملة في حكم فلسطين، أي أنه سلام المقابر بالنسبة للصهاينة. ولذا يحاول الصهاينة التوصل إلى السلام المبني على الحرب والظلم، وإلى الأمن المبني على الإكراه والعنف.
المفهوم الصهيوني/الإسرائيلي للسلام
Zionist-Israeli Concept of Peace
ظلت بنية الصراع العربي الإسرائيلي واضحة حتى عام ١٩٦٧ مع هزيمة العرب، ومنذ ذلك الحين بدأ الحديث عن "السلام" والرغبة في التسوية من جانب الطرفين. ويرى دعاة السلام أن الرغبة في السلام من الطرفين العربي والإسرائيلي أصبحت قوية وصادقة وحقيقية، وهو أمر قد يكون مفهوماً بالنسبة للعرب (بعد الهزائم المتكررة) . ولكن الأمر بالنسبة للإسرائيليين قد يحتاج إلى قليل من الشرح والتفسير. ويمكننا أن ندرج الأسباب التالية التي ولَّدت لدى الإسرائيليين الرغبة في السلام:
стр. 8465
١ ـ لم تأت الانتصارات العسكرية بالسلام للإسرائيليين رغم أن الآلة العسكرية الإسرائيلية وصلت إلى ذروة مقدرتها الحربية، بل إنها أتت لهم بالمزيد من الحروب وتحققت النبوءة القائلة بأن أقصى ما يطمح له المستوطنون الصهاينة هو حالة من "الحرب الراقدة".
٢ ـ منطق جيش الشعب (النظامي والاحتياطي) لم يَعُد ممكناً بالسهولة التي كان عليها سابقاً وذلك بسبب مقتضيات الاقتصاد الإسرائيلي في إطار النظام العالمي الجديد والتكنولوجيا المتقدمة.
٣ ـ لم يَعُد الإسرائيليون قادرين على تحمُّل الحرب الدائمة والاستنفار المتواصل، باعتبار أن الحرب الخاطفة الساحقة، أي الحرب بدون تكلفة بشرية واقتصادية عالية، لم تَعُد ممكنة.
٤ ـ تزايدت تكلفة الحرب وهو ما يعني تزايُد اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة. والولايات المتحدة حليف موثوق به تماماً، ومع هذا بدأت تظهر عليه علامات تثير القلق مثل تزايد المزاج الانعزالي الذي قد يتحول في أية لحظة (بضغط من القوى الشعبوية) إلى تحرُّك سياسي يرفض التورط في مغامرات خارجية وإلى تخفيض المعونات الاقتصادية لحلفائه وعملائه.
٥ ـ ومما يزيد الرغبة في السلام عند المستوطنين الصهاينة أن الشعب اليهودي (أي الجماعات اليهودية المنتشرة في أنحاء العالم) قرر عدم ترك منفاه وهو ما يثير قضية سبب بناء المستوطنات أساساً (هذا في الوقت الذي يتزايد فيه العرب في الأراضي الفلسطينية التي احتلت قبل عام ١٩٦٧) .
٦ ـ وقد بدأت تظهر علامات الإرهاق والتذمر بين المستوطنين الصهاينة ويظهر هذا في أزمة الخدمة العسكرية والتكالب على الاستهلاك.
٧ ـ بدأ العرب يطورون نظماً هجومية ودفاعية، صاروخية وربما ميكروبية تعادل القوة النووية الإسرائيلية.
٨ ـ مسألة التسليم والاستسلام، وبخاصة بالنسبة للفلسطينيين حتى بعد أوسلو، لم تَعُد واردة (مَنْ يستسلم لمَنْ؟) .
стр. 8466
٩ ـ رغم كل سلبيات اتفاقيات أوسلو إلا أن قيام السلطة الفلسطينية يشكل أول اختراق للعمق الإستراتيجي الإسرائيلي، إذ توجد كتلة بشرية ضخمة (مليونا فلسطيني في الأرض المحتلة بعد عام ١٩٦٧، مليون في الأراضي المحتلة بعد عام ١٩٤٨) لها مؤسساتها وإرادتها وطموحاتها.
١٠ ـ لخص المفكر الإستراتيجي المصري أمين هويدي الموقف في هذه الكلمات: "نحن نعيش الآن كعقارب سامة وضعت في أنبوب واحد ستلدغ بعضها بعضاً قبل أن تموت وتفنى، أو كراكبي سيارة أصبحت في منتصف السفح تحاول أن تصل إلى القمة، فإن سقطت إلى القاع تحطمت بمن فيها. وعليها ـ أي إسرائيل ـ أن تعرف سواء وهي تحت قيادة بيريز أو نتنياهو أنه إن كان في يدها الأرض ففي يدنا السلام، وإن كان بيديهم عناصر القوة ففي يدنا عناصر القدرة من مياه وأرض وسوق وقوة بشرية ورأس مال وغاز ونفط، وإن كان في قدرتهم اختراق الحدود ففي يدنا مقومات الوجود. وعليها أن توقن أخيراً بأنها إن كانت قد فشلت في تحقيق الهيمنة الإقليمية عن طريق استخدام القوة فإن مصيرها لن يكون أفضل حالاً لو أنها حاولت ذلك عن طريق وسائل أخرى".
لا شك إذن في أن الرغبة الإسرائيلية في السلام حقيقية وصادقة. ولكن بنية الصراع لا تزال قائمة، فالدولة الصهيونية هي دولة استيطانية إحلالية، اغتصبت الأرض وحاصرت سكانها. ولا يزال المستوطنون الصهاينة متمسكين بالأرض والسيادة عليها وبمحاولة فرض سلام المقابر على الفلسطينيين. ولذا نرى أن ما حدث هو أن الرؤية العدوانية القمعية لا تزال كما هي والسلوك العدواني والقمعي لم يتغيَّر وما تغيَّر هو الديباجة والخطاب نظراً لتغيُّر الظروف الدولية وظهور النظام العالمي الجديد المبني على التفكيك والإغواء بدلاً من المواجهة المباشرة مع شعوب العالم الثالث. ولذا بدلاً من دق طبول الحرب، فإن الإعداد للحرب يستمر على أن تُعزَف نغمات السلام.
стр. 8467
وتبدأ معزوفة السلام الإسرائيلية بالمناداة بالبُعد عن عُقَد التاريخ وأن تتناسى كل دول المنطقة خلافاتها لمواجهة الخطر الأكبر (الاتحاد السوفيتي ـ الإسلام ... إلخ) . وأن نقطة البداية لابد أن تكون الأمر الواقع. وهذا المفهوم يفترض أن إسرائيل ليست التهديد الأكبر، مع أن الأمر الواقع الذي يُطلَب منا أن نبدأ منه يقول عكس ذلك. فهو أمر واقع مؤسَّس على العنف ويؤدي إلى الظلم والقمع وهو ليس ابن اللحظة وإنما هو نتيجة ظلم تاريخي ممتد من الماضي إلى الحاضر. وهذا الظلم والقمع هو مصدر الصراع والحروب والاشتباك. فالمسألة ليست عُقَداً آنية أو تاريخية، وإنما بنية الظلم التي تشكلت في الواقع ولا يمكن تأسيس سلام حقيقي إلا إذا تم فكُّها.
بعد تناسي عقد التاريخ يطالب الصهاينة بوقف المقاومة واستسلام الفدائيين مقابل تسليم بعض المدن والقرى التي لا "تنسحب" منها القوات الإسرائيلية الغازية، وإنما "يُعاد نشرها"، وهذا ما يسمونه «الأرض مقابل السلام» . والقوات الإسرائيلية لا تنسحب، لأن أرض فلسطين هي أرض الشعب اليهودي، والقوات الوطنية لا تنسحب من أرض الوطن وإنما يعاد نشرها فيه وحسب. ولذا رغم اتخاذ هذه الخطوة الرمزية الإعلامية فإن الاستيطان سيستمر على قدم وساق (تحدَّث شامير عن استمرار التفاوض في مدريد لمدة عشر سنوات والمضي أثناء ذلك في الاستيطان) والقدس ستظل عاصمة إسرائيل الأبدية.
стр. 8468
إن كل هذه التصورات للسلام تنبع من إدراك أن أرض فلسطين هي إرتس يسرائيل، وأن الإسرائيليين لهم حقوق مطلقة فيها، أما الحقوق الفلسطينية فهي مسألة ثانوية، فالأرض في الأصل أرض بلا شعب. وتتبدَّى هذه الخاصية بشكل واضح ومتبلور في المفهوم الإسرائيلي للحكم الذاتي. وتصوُّر إسرائيل لمستقبل المنطقة لا يختلف كثيراً عن ذلك، فالمركز هو إسرائيل وهي التي تمسك بكل الخيوط، أما بقية "المنطقة" فهي مساحات وأسواق. وإسقاط عُقَد التاريخ هنا يعني إسقاط الهوية التاريخية والثقافية بحيث يتحول العرب إلى كائنات اقتصادية، تحركها الدوافع الاقتصادية التي لا هوية لها ولا خصوصية. هنا تظهر سنغافورة كصورة أساسية للمنطقة وكمثل أعلى: بلد ليس له هوية واضحة ولا تاريخ واضح، نشاطه الأساسي هو نشاط اقتصادي محض. وحينما يتحول العالم العربي إلى سنغافورات مفتتة متصارعة فإن الإستراتيجية الاستعمارية والصهيونية للسلام تكون قد تحققت دون مواجهة ومن خلال "التفاوض" المستمر!
جاء في مجلة نيوزويك الأمريكية أنه بعد أن قبل الرئيس السادات توقيع اتفاقية كامب ديفيد طلب تخصيص رقعة ما في القدس تُرفع عليها الأعلام العربية، فاقترح أعضاء الوفد الإسرائيلي أن تُرفع الأعلام على المقابر العربية، أي أنه اقترح "سلام المقابر". أما ديان فارتفع عن هذا قليلاً ووصف طلب الرئيس السادات بأنه "بقشيش"، أي أنه اقترح سلام السادة والعبيد. وما بين المقابر والبقشيش يقع المفهوم الإسرائيلي للسلام.
بيريز ونيتنياهو ورؤيتهما للسلام
Peres and Netenyahu: Their Views of Peace
стр. 8469
حدثت تشققات عديدة في الإجماع الصهيوني لأسباب عديدة (عدم تجانس المهاجرين اليهود ـ تزايد الاستهلاكية والعلمنة في المجتمع الإسرائيلي) . ولكن أهم الأسباب هو اندلاع الانتفاضة التي فرضت على عدد كبير من المستوطنين أن يكتشفوا أن الحلم الصهيوني القديم بتوسعيته المستمرة أمر مستحيل، وأنه في إطار النظام العالمي الجديد من الصعب التمسك به وأن مشكلة إسرائيل السكانية (تزايد العرب وتناقص اليهود بسبب الإحجام عن الإنجاب وبسبب جفاف المصادر البشرية في الخارج) آخذة في التفاقم. لكل هذا انقسم الصهاينة فيما بينهم من دعاة التمسك بالأرض المحتلة دون التنازل عن شبر واحد من الأراضي (صهيونية الأراضي) مقابل من يطالبون بالتنازل عن بعض الأراضي نظير الاحتفاظ بالصبغة اليهودية الخالصة للدولة الصهيونية. ولذا يمكن القول بأن الفريق الأول الذي يمثله نيتنياهو (لا يملك رؤية للسلام) أما الفريق الثاني (الذي يمثله بيريز) فله رؤية محددة للسلام. وقد فصَّل بيريز رؤيته هذه في كتابه الشرق الأوسط الجديد فهو يذهب إلى أن السلام لابد أن ينطلق من نوايا جماعية لدى أطرافه المعنية تدفع باتجاه الثقة وتزيل مشاعر الشك والقلق، ومن ترتيبات ومؤسسات مشتركة، فتصبح المنظمات الإقليمية مفتاح الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة. وبالتالي، فإن القضاء على مشكلات الإقليم لا يتم بالاتفاقات الثنائية، بل عن طريق ثورة عامة في المفاهيم. من هنا، يجب أن تعكس السوق الإقليمية المشتركة توجُّهات جديدة في المنطقة بحيث يسود نمط الحضارة الغربي، الذي أصبحت "السوق" بمقتضاه أكثر أهمية من الدول المنفردة، وأصبح الجو التنافسي أهم من وضع الحواجز على الطريق. ولهذا، ينبغي ألا تؤجَّل العلاقات الاقتصادية أو ترتبط بعملية السلام؛ إذ في الإمكان الشروع في تعاون اقتصادي لامتصاص المعارضة السياسية، وفي الإمكان بالتالي أن تقوم العلاقات الاقتصادية بتسويق العلاقات الدبلوماسية.
стр. 8470
وهذه الرؤية تقتضي توفير مناخات اقتصادية تطبيعية تهمِّش الشأن القومي التاريخي ( «العقد التاريخية» كما يسمونها، و «الذاكرة التاريخية» كما نسميها نحن) وتلغيه وتُحل محله شأناً جيو اقتصادياً جديداً، وهذا ما دعاه بيريز"الشرق الأوسط الجديد" باعتباره وحدة متكاملة اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، بما يحقق الهدف الإسرائيلي المتمثل في "إسرائيل العظمى" عبر السيطرة على المنطقة ويضمن أمنها عبر موافقة معظم الأنظمة العربية المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ على ضمان أمن إسرائيل (انظر: «السوق الشرق أوسطية» ) . في هذا الإطار يمكن السماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة على جزء من أرض فلسطين المحتلة على أن تظل هذه الدولة خاضعة للاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.
أما رؤية نتنياهو فترفض الفكرة السابقة وتعارض أسلوب بيريز، باعتبار أنها أضعفت السياسة الإسرائيلية وشلتها إستراتيجياً، فالمؤسسات والاتفاقات التي ركزت عليها حكومة بيريز فشلت جميعها في توفير الأمن لإسرائيل، ولذلك لابد من إجراءات أكثر حسماً، وإعادة ترتيب سلم الأولويات وفق رؤية أخرى طرحها نتنياهو في كتابه مكان تحت الشمس ليكون:
١ ـ الأمن قبل الاقتصاد، والأرض ملازمة للأمن (وهو ما يعني استمراراً لفكرة العمق الإستراتيجي) فلابد من وضع أسس جديدة للمفاوضات تستند إلى مبدأ "السلام مقابل السلام" بدلاً من مبدأ "الأرض مقابل السلام" الذي أدَّى إلى تراجُع مكانة إسرائيل الإستراتيجية. وعلى الجيش الإسرائيلي أن يتولَّى مباشرةً حماية الإسرائيليين في أي مكان دون قيود أو حدود. والسلطة الفلسطينية مطالبة بتوفير الأمن لإسرائيل، أما الجولان فهو غير قابلة للتفاوض في هذه المرحلة لأنها تشكل العمق الإستراتيجي لإسرائيل.
стр. 8471
٢ ـ الاقتصاد قبل السياسة، فإسرائيل القوية هي التي تجذب الاستثمار، وتصبح قوة اقتصادية تقود المنطقة، وتدخل الاقتصاد العالمي دون حاجة إلى جسر شرق أوسطي لأنه جسر الفقراء. ولكن شعار "الأمن قبل الاقتصاد" لا يلغي الاقتصاد أو يغفله، لأن عنصر الأمن الداخلي الإسرائيلي هو الشرط الأساسي لجذب الاستثمار وازدهار الاقتصاد. وترفض هذه الرؤية فكرة أن تراجع عملية التسوية يمكن أن يؤدي إلى تراجُع معدلات النمو الاقتصادي في إسرائيل، لأن الهجرة اليهودية ستواصل تحريك الاقتصاد الإسرائيلي بجانب التطور التكنولوجي والمساعدات الخارجية.
٣ ـ السياسة قبل السلام، فالسلام يجب أن يُبنَى على مرتكزات موضوعية راسخة بصرف النظر عن القادة والزعماء، لأن الفرق بين إسرائيل والعرب هو الاختلاف في القيم السياسية المتعلقة بالديموقراطية وحقوق الإنسان. وتنطلق هذه الرؤية مما أشار نتنياهو إليه في كتابه من أن "السلام" الذي يمكن تحقيقه في الشرق الأوسط هو السلام المبني على الأمن، أي الردع، إذ أن إسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة، في حين أن الدول العربية جميعها ذات نظم استبدادية، وبالتالي فإن "سلام الردع" هو البديل الوحيد الممكن، فكلما بدت إسرائيل قوية أبدى العرب موافقتهم على إبرام سلام معها. لذا، فإن الأمن، أي قوة الردع المعتمدة على قوة الحسم، هو العنصر الحيوي للسلام، ولا بديل عنه.
стр. 8472
وثمرة هذا الموقف هو غياب أية إستراتيجية للسلام. وكما يقول عزمي بشارة: "إن الليكود يكتفي بطرح الحكم الذاتي الموسع على الفلسطينيين في ظل السيادة الإسرائيلية. ويكتفي في الحالة السورية بمحاولة التوصل إلى اتفاق أمني في لبنان في هذه المرحلة لا يقود بالضرورة إلى اتفاق سلام، بل يضمن الأمن الحدودي كما في الجولان. وفي الحالة الفلسطينية، لا يقبل الليكود الأرض مقابل السلام، ويطرح مقابلها السلام مقابل السلام، أما في الحالة اللبنانية، فإنه مستعد لإعادة الأرض دون السلام: الأرض مقابل الأمن فقط".
أعراض بركوخبا
Bar Kochba Syndrome
«أعراض بركوخبا» عبارة نحتها المفكر الإسرائيلي يهوشفاط هركابي ليصف الحالة العقلية للإسرائيليين في مواجهة الأزمات. وقد توجَّه كثير من المفكرين الإسرائيليين إلى قضية الشخصية الإسرائيلية إبَّان الانتفاضة المباركة. وقد أعاد بعض هؤلاء طرح قضية عجز اليهود وافتقارهم للسلطة وذهبوا إلى أن الإسرائيليين، بل الشعب اليهودي بأكمله، يفتقرون إلى تقاليد الدولة، أي ممارسة الحكم (وهذا يعني افتقارهم إلى الحس التاريخي) .
стр. 8473
ومن أهم الشخصيات التي توجَّهت بالنقد للشخصية الإسرائيلية يهوشفاط هركابي، فهو يذهب إلى أن الإسرائيليين يميلون نحو إضفاء طابع ذاتي على عناصر النجاح فيقول: "إن مشكلة إسرائيل ليست سياسية دائماً، وإنما وراء سياسية (ميتاسياسية) وتكمن في تَشوُّه تفكيرها الأساسي: تمجيد الوهم ـ القصور في إدراك أن الواقع تحدَّد بحدود الممكن، وأن ما هو غير واقعي لا يوجد ولن يوجد ـ تمجيد الإدارة الطوعية أو الإرادية كما لو كان هذا كافياً لتحقيق الأهداف. نحن نرفض معطيات الواقع دون أن ندرك أن العدو له إرادة لابد أن تؤخذ في الحسبان، ونضع سياستنا بشكل مجرد، حسب احتياجات الصهيونية كأننا نعيش في فراغ [الأسطورة المعادية للتاريخ] ونتجاهل النظام العالمي والأمن ومتطلباتهما من الآخرين. وكل هذا نابع من ضيق أفق يتعارض مع التاريخ".
هذا الوصف "فقدان الارتباط بالواقع" يبدو أنه "كتالوج" جاهز عند هركابي. فقد ذكر في طي نقده للشخصية العربية أشياء من هذا القبيل. ولكن الطريف هذه المرة أنه لا يكتفي بانتقاد الشخصية الإسرائيلية ولا يكتفي بأن ينسب لها هذا الإغراق في الذاتية والأسطورية وإنما يرى أن الشخصية العربية لا يمكنها أن تسقط في هذه الذاتية المعادية للتاريخ، ويقول: "إن العوامل الموضوعية التي تعبِّر عنها أعداد العرب الهائلة واتساع أرضهم قد أنقذتهم من الاضطرار للجوء للعناصر الذاتية لضمان النجاح! بكل ما يتضمن هذا من تشويه للواقع ... إن الاتجاه العربي هو دائماً نحو التمثل الزمني للعناصر الموضوعية التي تضمن نجاحهم". (وهذه الأقوال تفصلها مسافة شاسعة عما قاله عنا في أواخر الستينيات) .
стр. 8474
هذا الانغماس في الذاتية يعبِّر عن نفسه ـ في تصوُّر هركابي ـ في اتجاه انتحاري بين الإسرائيليين. فالقضية التي تواجههم ليست أن دولتهم ستتحوَّل إلى دولة «أبارتهايد» ، وإنما القضية هي أنهم لن يكونوا إذا ما استمروا متخندقين في الأسطورة الخاصة. ويضرب هركابي مثلاً مشابهاً وهو ما حدث لليهود إثر التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان (١٢٥ ـ ١٣٢م) . فأعضاء هذا التمرد دخلوا الحرب تدفعهم حمى مشيحانية ترى أن نهاية الأيام (أو التاريخ) وشيكة. وقد أعلن بعض الحاخامات أن بركوخبا زعيم التمرد هو الماشيَّح. وبدون حساب موازين القوى أو معرفة مدى قوة الرومان أعلن بركوخبا وأتباعه التمرد على روما فتم القضاء عليهم وعلى ثورتهم وعلى البقية الباقية من الوجود اليهودي الهزيل في فلسطين. ويُسمِّي هركابي مرض الذاتية هذا الذي يؤدي إلى الانتحار «أعراض بركوخبا» ، وهو ينصح الإسرائيليين بتغيير هذا الجانب من شخصيتهم القومية.
أعراض ننتنياهو: الإدراك الإسرائيلي للسلام في الوقت الحاضر
The Netentyahu Syndrome: Israeli Perception of Peace at the Present
الحديث عن «السلام» في الظروف القائمة في الشرق الأوسط وفي ظل الموازين الراهنة كان تجاوزاً في حق المعنى الذي تدل عليه الكلمة! ذلك أن السلام لم يكن القضية المطروحة لا من جانب بيريز ولا من جانب نتنياهو.
إن السلام ـ لكي لا يَنْسى أحد ـ يقيمه توازن في القوى تشعر معه كل الأطراف أن لها مصلحة فيه تُعطي من أجلها بمقدار ما تأخذ. إذن فإن السلام قسمة متكافئة، وخصوصاً حين تلتحق به أوصافه الطبيعية كالعادل والشامل. أما حين تميل الموازين وتُرجَّح تماماً لصالح طرف واحد، فإن هذا الطرف لا يكون مسعاه من أجل السلام، وإنما يكون مسعاه من أجل تثبيت وترسيخ انتصاره، أي أن هدفه يصبح النصر وليس السلام.
стр. 8475
والحاصل أن هذه النقطة هي مكمن الاتفاق ومكمن الخلاف في اللحظة نفسها بين بيريز ونتنياهو. كلاهما يشعر أن إسرائيل في وضع يسمح لها بتجاوز حدود السلام إلى حدود النصر. لكن بيريز له رؤية في تثبيت وترسيخ النصر تعتمد على حلم شرق أوسطي مركزه إسرائيل. أما نتنياهو فله رؤية في تثبيت وترسيخ النصر تعتمد على أولوية أن تكون "كامل أرض إسرائيل" هي القاعدة التي يتحلق حولها الشرق الأوسط بحقائق القوة، وهذا هو إطار الحلم الشرق أوسطي! أي أن كلاً من الرجلين لا يتحدث عن السلام بالمعنى الذي يتصوَّره العرب، وإنما يتحدث عن نصر جاء وقته وتسمح الموازين الآن بتثبيته وترسيخه. وفي هذه النقطة وليس في غيرها ينحصر الخلاف بين الرجلين: ليس عن السلام وإنما عن النصر! أولهما بحلم الشرق أوسطية يفتح الأفق الأوسع، والثاني بحلم كامل أرض إسرائيل يصنع المركز القاعدة!
وصوَّت الناخبون في إسرائيل، وظهرت نتائج أصواتهم، وكان انحيازهم واضحاً لنتنياهو. والتحليل التفصيلي لمعنى الأرقام التي حَمَلت نتنياهو إلى رئاسة الوزارة في إسرائيل كاف لإظهار عدة حقائق:
١ ـ أن إسرائيل تعرف نفسها كمجتمع حرب ولكنها لا تعرف نفسها كمجتمع سلام.
٢ ـ أن هذا المجتمع لا يريد أن يدفع مقابلاً للسلام، وإنما يريد ـ كما يُقال ـ أن يعطي "السلام مقابل السلام". وهذا معناه بالضبط تثبيت وترسيخ النصر دون حاجة إلى تكافؤ في المبادئ أو في المصالح، بعد أن بطَل التكافؤ في موازين القوى.
٣ ـ أن هذا المجتمع ليس جاهزاً لكي يبت في المؤجلات المعلقات وهي كثيرة (المستوطنات ـ اللاجئون ـ الحدود النهائية) .
следующие страницы →