← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8506–8511 · переход к 8511.

стр. 8506

والحل الذي نطرحه قد يكون بالفعل جذرياً ومثالياً، ولكنه مع هذا قابل للتنفيذ وهو أفضل بكثير من الأمر الواقع والوضع القائم، نتاج حالة الحرب الدائمة أو الراقدة والهدنة المؤقتة، والذي يستند إلى موازين القوى الداروينية، وكل أنواع الأسلحة من السلاح النووي والأبيض إلى الحجارة والعصيان المدني. وهو وضع لم يأت لأحد بالسلام أو الطمأنينة. ولعل تعود الإنسان الحديث على منظر الدماء وإدمانه لصوت المتفجرات وتقبله للعنف والقوة كسبيل وحيد لحسم الصراعات هو السبب الكامن وراء الاستخفاف الذي تُقابل به الحلول الإنسانية الحذرية، ووراء الهرولة نحو محاولات السلام التي تهدف إلى ترجمة الوضع القائم المبني على الحرب إلى وضع سلام دائم، وهو أمر مستحيل فهو ضد طبيعة الأشياء، فمثل هذا السلام تقوضه بنية الظلم التي تولِّد التوتر والصراع الدائم. حق العودة الفلسطيني The Palestinian Right of Return عودة الفلسطينيين جزء لا يتجزأ من عملية نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية الاستيطانية. وهو حق أساسي من حقوق الإنسان. وفي الميثاق العالمي لتلك الحقوق مادة تنص على حق كل مواطن في العيش في بلاده أو تركها أو العودة إليها. وهو مرتبط بحق الملكية والانتفاع بها والعيش في الأرض المملوكة. وحق الملكية لا يزول بالاحتلال. وهو مرتبط أيضاً بحق تقرير المصير الذي اعترفت به الأمم المتحدة كمبدأ منذ عام ١٩٤٦.

стр. 8507

لقد اعتبر السماح بعودة اللاجئين أحد الشروط التي وضعت لقبول إسرائيل عضواً بالأمم المتحدة عام ١٩٤٨. وثمة إعلان صريح وشهير أصدرته الجمعية العامة تحت رقم ١٩٤ لسنة ١٩٤٨، قررت فيه "أن اللاجئين الراغبين في العودة إلي أوطانهم، والعيش بسلام مع جيرانهم، يجب أن يُسمَح لهم بذلك، في أول فرصة عملية ممكنة، وأنه يجب تعويض الذين لا يرغبون في العودة عن ممتلكاتهم، ودفع تعويض عن الخسائر والأضرار التي أصابت الممتلكات لإصلاحها وإرجاعها من قبَل الحكومات والسلطات المسئولة، بناءً على القانون الدولي والعدالة. إن مقولة نسيان الماضي والتطلع إلى المستقبل تزدري العقل الإنساني وتهينه، لأننا لا نعرف إنساناً يمكن أن يَنْسى وطنه لمجرد أن هناك من يدعوه إلى شطبه من ذاكرته. ويبلغ ذلك الإزدراء ذروته إذا صدرت الدعوة من الطرف الإسرائيلي الذي يستمد كل شرعيته من الماضي، ويعتبر قادته أن التوراة كتاب لتسجيل المدن ورسم الخرائط على حد تعبير إسحق رابين. أما حكاية أن الفلسطينيين لم يعودوا راغبين في العودة، فهي مسألة ينبغي ألا يفترضها أو يفرضها أحد على أحد، وإنما يقررها كل فلسطيني بنفسه. ثم إنها أكذوبة أخرى تعمد إلى التزييف والتضليل، وساكنو المخيمات منذ الأربعينيات شاهد عملي على ذلك. وإذا علمنا أن الذين طردوا وشردوا عام ١٩٤٨ كانوا آنذاك ٨٠٥ ألف شخص، فإن عددهم الآن ونحن على مشارف العام الخمسين للنكبة قد تجاوز أربعة ملايين و٦٠٠ ألف شخص. كل من امتلك منهم شيئاً في فلسطين لا يزال يحتفظ بأوراقه الثبوتية حتى هذه اللحظة، ومنهم من لا يزال يحتفظ بمفاتيح داره وخزائن ثيابه، ويعتبرها مقدَّسات محرَّزة في مكان أمين، بحسبانها حبلاً سُرياً يصلهم بالوطن المنهوب.

стр. 8508

لقد أنشأ قرار الأمم المتحدة رقم ١٩٤ لسنة ١٩٤٨ القاضي بعودة اللاجئين كياناً خاصاً لترتيب أمور العودة، عُرف باسم «هيئة التوفيق في فلسطين» ، أُنيطت بذلك الكيان أيضاً عملية اقتراح تسوية نهائية للقضية. وبعد ذلك بقليل أنشأت الأمم المتحدة وكالة غوث اللاجئين (الأونروا) ، التي لا نظير لها إلى الآن، للعناية بأمر اللاجئين الفلسطينين في مخيماتهم. ولا تزال هيئة التوفيق قائمة من الناحية القانونية، ومكاتبها موجودة في الأمم المتحدة، لكن كل أنشطتها مجمدة، حتى لم يَعُد أحد يأتي لها على ذكر. وكانت هيئة التوفيق هذه قد سعت منذ بداية الخمسينيات إلى أداء المهمة الموكولة إليها، فعرضت مرة، بناءً على طلب العرب، العودة الفورية لـ ٢٠٠ ألف لاجئ على الأقل، إلى الأراضي التي احتلتها إسرائيل زيادة على مشروع التقسيم لعام ١٩٤٧. لكن قادة الصهاينة رفضوا الفكرة. وفي وقت لاحق، وبضغط أمريكي، وافقت إسرائيل من حيث المبدأ على إرجاع ١٠٠ ألف لاجئ في إطار معاهدة سلام شاملة مع العرب، وحينما أبدى العرب استعداداً لذلك، ردت إسرائيل قائلة إن العدد انخفض إلى ٦٥ ألفاً، وزعمت أن ٣٥ ألفاً "تسللوا" إلى ديارهم، ووضعت تحفظات عدة على العدد الباقي، وهو ما أفرغ الاقتراح من مضمونه، وأجهض الفكرة. لم يكن مستغرباً أن تسعى إسرائيل بكل وسيلة وحيلة للتهرب من التزامها بإعادة اللاجئين والاستجابة للقرارات الدولية في هذا الصدد، فالمشروع الصهيوني هو في الأساس مشروع طرد ونفي الشعب الفلسطيني. ولأن الحق مقدَّس، لا يمكن التنازل عنه أو تعويضه بأيِّ مقابل، فلا مجال للتساؤل عما إذا كان يتعيَّن عودة اللاجئين أم لا، حيث الأصل هو وجوب العودة، ولا يجوز بأيِّ معيار أن يُفتَح باب مناقشة السؤال «هل؟» ، وأسخف منه وأقبح السؤال «لماذا؟» وإنما السؤال المشروع هو «كيف؟» .

стр. 8509

الدكتور سلمان أبو سنة الخبير الفلسطيني البارز عكف على دراسة الموضوع طيلة السنوات العشر الماضية، وخرج بنتيجة خلاصتها أن عودة جميع اللاجئين المنفيين إلى أوطانهم ليست حقاً قانونياً وشرعياً فقط لكنها ممكنة أيضاً. وهو يشرح النتيجة التي انتهى إليها. فهو يشير إلى أن إسرائيل مُقسَّمة إلى ٣٦ إقليماً طبيعياً، وطبقاً لإحصاء عام ١٩٩٤ فإن عدد السكان اليهود في إسرائيل ٤ ملايين و٤٢٠ ألفاً، بينما عدد العرب الفلسطينيين مليون و٣٩ ألفاً. عند مراجعة بيانات توزيع السكان، من واقع الأرقام الرسمية الإسرائيلية، تبيَّن أن ٨٠% من اليهود يعيشون في عشرة أقاليم فقط من بين الـ ٣٦ إقليماً في البلاد، أي أن هؤلاء يقيمون على ١٢% فقط من مساحة إسرائيل الراهنة، التي تعادل ٤٥٨.٢ كيلو متراً مربعاً. والملاحظة المثيرة هنا أن هذه المساحة تزيد بمقدار ٨٤١ كيلو متراً مربعاً فقط عن مساحة الأراضي التي كان اليهود يمتلكونها أيام الانتداب البريطاني! هذه المقارنة تكشف أمرين: الأول أن نمط معيشة أعضاء الجماعات اليهودية في الجيتو والالتصاق والتجمُّع لم يتغيَّر، رغم توافر مساحة كبيرة من الأراضي المحتلة. أما الأمر الثاني فهو أن أعضاء الجماعات اليهودية بعد أن أقاموا دولة ظلوا يعملون في المهن التقليدية التي يضطلع بها أعضاء الجماعات اليهودية مثل المال والتجارة والصناعة الدقيقة، وقلة منهم غيَّرت نمط حياتها وأقبلت على الزراعة في مجتمع ريفي. على العكس من ذلك فإن الفلسطينيين يعيشون في ٢٦ إقليماً من الـ ٣٦، وتتفاوت نسبتهم من مكان إلى آخر، حتى تصل إلى ٣٠% من سكان ١٧ إقليماً. وقد ساعد على انتشارهم طبيعتهم الزراعية بالدرجة الأولى، فضلاً عن أن الحكم العسكري الذي طُبِّق عليهم في الفترة بين عامي ٤٨ و١٩٦٧، منعهم من الانتقال إلى المناطق المكتظة بالمستوطنين الصهاينة.

стр. 8510

ما دام ٨٠% من المستوطنين الصهاينة يعيشون في ١٢% من مساحة إسرائيل، فأين يعيش الـ ٢٠% الآخرون؟ ـ تشير البيانات الإحصائية إلى أن معظمهم يعيش في المدن، ولكنها مدن ريفية غير متلاصقة. فهناك ٥٨٦ ألف مستوطن يقطنون حوالي عشر مدن ريفية. ويبقى ٢٩٨.٦٠٠ يهوديّ يعيشون في الريف. وهؤلاء هم الذين ينتفعون بالأرض الفلسطينية. الأمر المثير الذي تدل عليه هذه الأرقام أن ٢٩٨ ألفاً و٦٠٠ مستوطن فقط يفلحون ١٧ مليوناً و٤٤٥ ألف دونم من الأرض. وهذه المساحة هي وطن ٤ ملايين و٦٤٦ ألف لاجئ فلسطيني، وأرضهم وإرثهم التاريخي! إن إسرائيل تعاني من انخفاض الكثافة السكانية اليهودية في الأقاليم الستة الجنوبية، وتكاد تلك الكثافة تكون معدومة في الجنوب. وقد فشلت المحاولات الإسرائيلية المكثفة لنقل المهاجرين إلى تلك المناطق. وعندما أُجبروا لدى وصولهم على السكن في الشمال والجنوب، فإنهم نزحوا إلى الوسط بعد فترة التأقلم. واستبدلوا بهم مهاجرون جدد لا يعرفون البلاد، ولم يتمكنوا من تحديد أفضليتهم. إن مناطق الكفاف السكاني في إسرائيل التي تتمدد بين الشمال والجنوب تستوعب كل العرب الموجودين في إسرائيل، إضافة إلى العشرين في المائة من اليهود الذين يعيشون خارج منطقة الوسط، كما أنها تستوعب أيضاً كل اللاجئين العائدين إلى وطنهم. وعدد هؤلاء جميعاً ٦ ملايين ونصف مليون نسمة، نرشح لإقامتهم مساحة قدرها ١٨ ألفاً و٣٥٠ كيلو متراً مربعاً، بكثافة ٣٥٨ شخصاً لكل كيلو متر مربع، وهي كثافة معقولة جداً، أقل من الكثافة السكانية الكلية في ٢٢ إقليماً من أصل ٣٦.

стр. 8511

ولن تُشكِّل عودة اللاجئين إلى ديارهم أي نزوح إسرائيلي كبير، رغم أن تصحيح آثار الجريمة التاريخية حق وواجب إنساني. والسبب أن الإسرائيليين فشلوا في أن يجعلوا الزراعة جزءاً مهماً من حياتهم على عكس الفلسطينيين. فالفلاحون اليهود لا يتجاوز عددهم ٢٩٨ ألف نسمة فقط في مساحة تساوي ٨٥% من مساحة إسرائيل. وهم في تناقُص مستمر، لأن الهجرة العكسية من الأطراف إلى الوسط مستمرة بإطراد، حتى أصبحت الزراعة تشكِّل ٣.٥% من الناتج القومي في إسرائيل عام ١٩٩٤، بدلاً من ١١% من هذا الناتج عام ١٩٥٠. النقد الأساسي الذي يمكن أن يُوجَّه إلى فكرة العودة من وجهة النظر الإسرائيلية، أن ذلك سيؤثر على هوية الدولة اليهودية، وسيخل "بنقاء" المجتمع اليهودي في إسرائيل، وهو نقد غير قانوني وغير أخلاقي، ويعني أن إسرائيل تتمسك بطابع الدولة العنصرية، وعند الاختيار الحقيقي ترفض أن تكون دولة ديموقراطية لكل سكانها. والله اعلم.