Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.
стр. 8471
٢ ـ الاقتصاد قبل السياسة، فإسرائيل القوية هي التي تجذب الاستثمار، وتصبح قوة اقتصادية تقود المنطقة، وتدخل الاقتصاد العالمي دون حاجة إلى جسر شرق أوسطي لأنه جسر الفقراء. ولكن شعار "الأمن قبل الاقتصاد" لا يلغي الاقتصاد أو يغفله، لأن عنصر الأمن الداخلي الإسرائيلي هو الشرط الأساسي لجذب الاستثمار وازدهار الاقتصاد. وترفض هذه الرؤية فكرة أن تراجع عملية التسوية يمكن أن يؤدي إلى تراجُع معدلات النمو الاقتصادي في إسرائيل، لأن الهجرة اليهودية ستواصل تحريك الاقتصاد الإسرائيلي بجانب التطور التكنولوجي والمساعدات الخارجية.
٣ ـ السياسة قبل السلام، فالسلام يجب أن يُبنَى على مرتكزات موضوعية راسخة بصرف النظر عن القادة والزعماء، لأن الفرق بين إسرائيل والعرب هو الاختلاف في القيم السياسية المتعلقة بالديموقراطية وحقوق الإنسان. وتنطلق هذه الرؤية مما أشار نتنياهو إليه في كتابه من أن "السلام" الذي يمكن تحقيقه في الشرق الأوسط هو السلام المبني على الأمن، أي الردع، إذ أن إسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة، في حين أن الدول العربية جميعها ذات نظم استبدادية، وبالتالي فإن "سلام الردع" هو البديل الوحيد الممكن، فكلما بدت إسرائيل قوية أبدى العرب موافقتهم على إبرام سلام معها. لذا، فإن الأمن، أي قوة الردع المعتمدة على قوة الحسم، هو العنصر الحيوي للسلام، ولا بديل عنه.
стр. 8472
وثمرة هذا الموقف هو غياب أية إستراتيجية للسلام. وكما يقول عزمي بشارة: "إن الليكود يكتفي بطرح الحكم الذاتي الموسع على الفلسطينيين في ظل السيادة الإسرائيلية. ويكتفي في الحالة السورية بمحاولة التوصل إلى اتفاق أمني في لبنان في هذه المرحلة لا يقود بالضرورة إلى اتفاق سلام، بل يضمن الأمن الحدودي كما في الجولان. وفي الحالة الفلسطينية، لا يقبل الليكود الأرض مقابل السلام، ويطرح مقابلها السلام مقابل السلام، أما في الحالة اللبنانية، فإنه مستعد لإعادة الأرض دون السلام: الأرض مقابل الأمن فقط".
أعراض بركوخبا
Bar Kochba Syndrome
«أعراض بركوخبا» عبارة نحتها المفكر الإسرائيلي يهوشفاط هركابي ليصف الحالة العقلية للإسرائيليين في مواجهة الأزمات. وقد توجَّه كثير من المفكرين الإسرائيليين إلى قضية الشخصية الإسرائيلية إبَّان الانتفاضة المباركة. وقد أعاد بعض هؤلاء طرح قضية عجز اليهود وافتقارهم للسلطة وذهبوا إلى أن الإسرائيليين، بل الشعب اليهودي بأكمله، يفتقرون إلى تقاليد الدولة، أي ممارسة الحكم (وهذا يعني افتقارهم إلى الحس التاريخي) .
стр. 8473
ومن أهم الشخصيات التي توجَّهت بالنقد للشخصية الإسرائيلية يهوشفاط هركابي، فهو يذهب إلى أن الإسرائيليين يميلون نحو إضفاء طابع ذاتي على عناصر النجاح فيقول: "إن مشكلة إسرائيل ليست سياسية دائماً، وإنما وراء سياسية (ميتاسياسية) وتكمن في تَشوُّه تفكيرها الأساسي: تمجيد الوهم ـ القصور في إدراك أن الواقع تحدَّد بحدود الممكن، وأن ما هو غير واقعي لا يوجد ولن يوجد ـ تمجيد الإدارة الطوعية أو الإرادية كما لو كان هذا كافياً لتحقيق الأهداف. نحن نرفض معطيات الواقع دون أن ندرك أن العدو له إرادة لابد أن تؤخذ في الحسبان، ونضع سياستنا بشكل مجرد، حسب احتياجات الصهيونية كأننا نعيش في فراغ [الأسطورة المعادية للتاريخ] ونتجاهل النظام العالمي والأمن ومتطلباتهما من الآخرين. وكل هذا نابع من ضيق أفق يتعارض مع التاريخ".
هذا الوصف "فقدان الارتباط بالواقع" يبدو أنه "كتالوج" جاهز عند هركابي. فقد ذكر في طي نقده للشخصية العربية أشياء من هذا القبيل. ولكن الطريف هذه المرة أنه لا يكتفي بانتقاد الشخصية الإسرائيلية ولا يكتفي بأن ينسب لها هذا الإغراق في الذاتية والأسطورية وإنما يرى أن الشخصية العربية لا يمكنها أن تسقط في هذه الذاتية المعادية للتاريخ، ويقول: "إن العوامل الموضوعية التي تعبِّر عنها أعداد العرب الهائلة واتساع أرضهم قد أنقذتهم من الاضطرار للجوء للعناصر الذاتية لضمان النجاح! بكل ما يتضمن هذا من تشويه للواقع ... إن الاتجاه العربي هو دائماً نحو التمثل الزمني للعناصر الموضوعية التي تضمن نجاحهم". (وهذه الأقوال تفصلها مسافة شاسعة عما قاله عنا في أواخر الستينيات) .
стр. 8474
هذا الانغماس في الذاتية يعبِّر عن نفسه ـ في تصوُّر هركابي ـ في اتجاه انتحاري بين الإسرائيليين. فالقضية التي تواجههم ليست أن دولتهم ستتحوَّل إلى دولة «أبارتهايد» ، وإنما القضية هي أنهم لن يكونوا إذا ما استمروا متخندقين في الأسطورة الخاصة. ويضرب هركابي مثلاً مشابهاً وهو ما حدث لليهود إثر التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان (١٢٥ ـ ١٣٢م) . فأعضاء هذا التمرد دخلوا الحرب تدفعهم حمى مشيحانية ترى أن نهاية الأيام (أو التاريخ) وشيكة. وقد أعلن بعض الحاخامات أن بركوخبا زعيم التمرد هو الماشيَّح. وبدون حساب موازين القوى أو معرفة مدى قوة الرومان أعلن بركوخبا وأتباعه التمرد على روما فتم القضاء عليهم وعلى ثورتهم وعلى البقية الباقية من الوجود اليهودي الهزيل في فلسطين. ويُسمِّي هركابي مرض الذاتية هذا الذي يؤدي إلى الانتحار «أعراض بركوخبا» ، وهو ينصح الإسرائيليين بتغيير هذا الجانب من شخصيتهم القومية.
أعراض ننتنياهو: الإدراك الإسرائيلي للسلام في الوقت الحاضر
The Netentyahu Syndrome: Israeli Perception of Peace at the Present
الحديث عن «السلام» في الظروف القائمة في الشرق الأوسط وفي ظل الموازين الراهنة كان تجاوزاً في حق المعنى الذي تدل عليه الكلمة! ذلك أن السلام لم يكن القضية المطروحة لا من جانب بيريز ولا من جانب نتنياهو.
إن السلام ـ لكي لا يَنْسى أحد ـ يقيمه توازن في القوى تشعر معه كل الأطراف أن لها مصلحة فيه تُعطي من أجلها بمقدار ما تأخذ. إذن فإن السلام قسمة متكافئة، وخصوصاً حين تلتحق به أوصافه الطبيعية كالعادل والشامل. أما حين تميل الموازين وتُرجَّح تماماً لصالح طرف واحد، فإن هذا الطرف لا يكون مسعاه من أجل السلام، وإنما يكون مسعاه من أجل تثبيت وترسيخ انتصاره، أي أن هدفه يصبح النصر وليس السلام.
стр. 8475
والحاصل أن هذه النقطة هي مكمن الاتفاق ومكمن الخلاف في اللحظة نفسها بين بيريز ونتنياهو. كلاهما يشعر أن إسرائيل في وضع يسمح لها بتجاوز حدود السلام إلى حدود النصر. لكن بيريز له رؤية في تثبيت وترسيخ النصر تعتمد على حلم شرق أوسطي مركزه إسرائيل. أما نتنياهو فله رؤية في تثبيت وترسيخ النصر تعتمد على أولوية أن تكون "كامل أرض إسرائيل" هي القاعدة التي يتحلق حولها الشرق الأوسط بحقائق القوة، وهذا هو إطار الحلم الشرق أوسطي! أي أن كلاً من الرجلين لا يتحدث عن السلام بالمعنى الذي يتصوَّره العرب، وإنما يتحدث عن نصر جاء وقته وتسمح الموازين الآن بتثبيته وترسيخه. وفي هذه النقطة وليس في غيرها ينحصر الخلاف بين الرجلين: ليس عن السلام وإنما عن النصر! أولهما بحلم الشرق أوسطية يفتح الأفق الأوسع، والثاني بحلم كامل أرض إسرائيل يصنع المركز القاعدة!
وصوَّت الناخبون في إسرائيل، وظهرت نتائج أصواتهم، وكان انحيازهم واضحاً لنتنياهو. والتحليل التفصيلي لمعنى الأرقام التي حَمَلت نتنياهو إلى رئاسة الوزارة في إسرائيل كاف لإظهار عدة حقائق:
١ ـ أن إسرائيل تعرف نفسها كمجتمع حرب ولكنها لا تعرف نفسها كمجتمع سلام.
٢ ـ أن هذا المجتمع لا يريد أن يدفع مقابلاً للسلام، وإنما يريد ـ كما يُقال ـ أن يعطي "السلام مقابل السلام". وهذا معناه بالضبط تثبيت وترسيخ النصر دون حاجة إلى تكافؤ في المبادئ أو في المصالح، بعد أن بطَل التكافؤ في موازين القوى.
٣ ـ أن هذا المجتمع ليس جاهزاً لكي يبت في المؤجلات المعلقات وهي كثيرة (المستوطنات ـ اللاجئون ـ الحدود النهائية) .
стр. 8476
ثم إنه ليس مستعداً على الإطلاق لإعطاء شبر من الأرض في القدس مع العلم بأن أقصى ما كان يفكر فيه بيريز هو رفع علم عربي ـ أي علم عربي أو إسلامي! ـ على المسجد الأقصى، ورفع علم الفاتيكان على كنيسة القيامة. وحينما جرى الإلحاح عليه في أن الرأي العام العربي يريد القدس الشرقية، كان اقتراحه ـ جاداً ـ إنشاء مدينة جديدة بين رام الله والقدس يُطلَق عليها اسم «القدس العربية» ، وذلك يحل المعضلة!
٤ ـ إن هذا المجتمع يريد إسرائيل دولة يهودية، ولعل متابعة عدد الأصوات طوال نهار الانتخابات ودراسة حركة الإقبال مع ساعات هذا النهار توضحان:
أ) أن هذا المجتمع يرفض أن ينجح رئيس وزرائه بأصوات عربية.
ب) أن هذا المجتمع يرفض ـ مع ملاحظته لاتجاه الأصوات العربية ووزنها ـ أن يقبل تحويل إسرائيل إلى دولة متعددة القوميات.
٥ ـ أن هذا المجتمع في إسرائيل لا يستطيع أن يعيش إلا بالأسطورة التوراتية رغم كل مظاهر التقدم في حياته، والدليل أنه في هذه الانتخابات الحاسمة كان المستفيد الأساسي بمعايير القوة هو الأحزاب الدينية. فكل الأحزاب التي تقول بالعصر ـ مهما كانت درجة استيعابها للعصر ـ فَقَدت من مقاعدها، سواء في ذلك الليكود أو العمل. أما الأحزاب التي ربحت فهي أحزاب: شاس (١٠ مقاعد) ، والحزب الديني القومي (٩ مقاعد) ، وإسرائيل بعاليا (٧ مقاعد) ، وحزب المفدال (وإليه ينتمي قاتل رابين) (٤ مقاعد) ، وحزب موليديت (مقعدان) . وهذه هي الأحزاب المرجحة لأي ائتلاف حكومي في إسرائيل، لأن المجتمع لا يأتمن حزباً واحداً بأغلبية كاملة، أو حزبين مع احتمال ائتلاف صريح بينهما.
стр. 8477
٦ ـ إن هذا المجتمع ـ رغم ذلك ـ يريد وجوهاً جديدة. وبموت موشى ديان، واغتيال إسحق رابين، وسقوط شيمون بيريز، فإن الجيل الأول بعد جيل المؤسسين (وايزمان ـ بن جوريون ـ بيجين) قد اختفى من الساحة، بينما يتقدم جيل جديد في الخمسين من عمره أو أقل. فتلك هي القاعدة التي تؤمن بها المجتمعات التي تعرف قيمة تعاقب الأجيال، حتى إن كانت من نوع هذا المجتمع الغريب الأقرب ما يكون بكتله وأفراده، وتصرفات الكل وسلوكهم، إلى المجتمعات القَبَلية رغم التكنولوجيا العالية.
ومن اللافت للنظر أن كل الذين بقوا من الجيل القديم (الجيل الثاني بعد المؤسسين) كانوا، وبغير استثناء، من معسكر الحرب وليسوا من معسكر السلام. وتكفي في ذلك الإشارة إلى الجنرالات: شارون، وموردخاي، وإيتان. وهم جميعاً رجال مارسوا القتل بأيديهم خارج ميادين القتال في أكثر الأحوال، وكلهم اقتحموا طريقهم إلى أهم المواقع في الوزارة الجديدة عنوة في معظم الأحيان، وابتزازاً في أحيان أخرى!
٧ ـ إن المفارقة الكبرى التي تلفت النظر على ساحة الصراع العربي ـ الإسرائيلي في هذه الظروف هي: أن العرب راجعوا أنفسهم ـ بحق أو بغير حق ـ في خطاب الحرب، وقبلوا خطاب السلام. وأن الإسرائيليين لم يراجعوا أنفسهم ـ عملاً وفعلاً ـ في خطاب السلام، بل إنهم في لحظة الحقيقة أعرضوا عنه وأثبتوا أنه ليس اختيارهم الطوعي أو الطبيعي!
ولم يكن هناك ما يغفر لبيريز: لا قربه من بن جوريون منشئ الدولة، ولا إشرافه على المشروع النووي الإسرائيلي حاميها النهائي، ولا حصوله على اتفاق أوسلو وأبسط ما فيه تحقيق الشرعية القانونية النهائية لقيام الدولة اليهودية، وهي اعتراف صاحب الحق الفلسطيني بالرضا والقبول والتوقيع بأن ملكيته انتقلت إلى مالك آخر: إسرائيل!
المفهوم الصهيوني/الإسرائيلي للحكم الذاتي
Zionist-Israeli Concept of Self-Determination
стр. 8478
يدور المفهوم الصهيوني/الإسرائيلي للحكم الذاتي داخل الإطار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، الذي يرى أن فلسطين أرض بلا شعب، وأنه إن وُجد فيها شعب فوجوده عرضي، وأن هذا الشعب لا يتمتع بنفس الحقوق المطلقة التي يتمتع بها المستوطنون الصهاينة.
وقد تفرَّع عن هذا الإطار الكلي عدة أفكار صهيونية مختلفة بشأن الدولة الفلسطينية قد تبدو متضاربة ولكنها في واقع الأمر تتسم بالوحدة. ولتبسيط الصورة حتى يمكن تناولها بشيء من التحليل سنقسِّم المواقف الصهيونية المختلفة إلى ثلاثة، يقترب أولها من الحد الأقصى الصهيوني أي تغييب العرب ويكاد يلتصق به، ويبتعد ثالثها عنه حتى يبدو كأنه نقيض، ويقف ثانيها في نقطة اعتبارية متوسطة بينهما. وقد اخترنا شموئيل كاتس ـ أحد مؤسسي حركة حيروت وقد شغل منصب مستشار رئيس الوزراء مناحم بيجين عام ١٩٧٨ كممثل للنموذج الأول. وليُعبِّر كاتس عن وجهة نظره في الدولة الفلسطينية يقتبس كلمات بن جوريون الذي يشير فيها إلى «تاريخ اليهود» وإلى "بلاد اسمها يهودا وهي التي نسميها أرض إسرائيل ... إن هذه البلاد جعلت منا شعباً، وشعبنا خلق هذه البلاد". ويضيف كاتس: "خلال مئات السنين هذه التي تخللتها عمليات قتل وطرد وتمييز ومستوى معيشي سيء لم يتأثر الوجود اليهودي في فلسطين ولم يتخل اليهود عن عاداتهم وتقاليدهم".
стр. 8479
وخلال هذه الفترة "لم يتأثر التراث اليهودي كما لم تتأثر الثقافة اليهودية أي اللغة العبرية التي بدأ استعمالها في القرن العاشر في طبرية". ونحن لن نحاول تفنيد هذه الأفكار الصبيانية أو الرد عليها فهي من التفاهة بحيث لا يصح أن ينشغل المرء بها إلا بمقدار كونها مؤشراً على حدود صاحبها الإدراكية. وكاتس لا يرى سوى حضور يهودي كامل وثابت عبر التاريخ يقابله غياب عربي كامل. وهذا هو الحد الأقصى الصهيوني الذي ينكر العرب تماماً، فالبشر الذين وُجدوا في فلسطين ليسوا فلسطينيين وإنما مجرد مهاجرين من البلاد المجاورة (عناصر متحركة) .
أما النموذج الثالث فيمثله مائير بعيل، وهو من نشطاء مابام، ومن المنادين بالصهيونية ذات الديباجة اليسارية. وأطروحاته العقائدية وإطاره التاريخي لا يختلفان عن أطروحات وإطار كاتس، فهو يُعرِّف الحركة الصهيونية بأنها حركة تحرُّر وطني (أي حركة تغييب للفلسطينيين) . وقد امتازت الصهيونية "بأنها ضمت يهوداً من مختلف الاتجاهات والميول رأوا بأعينهم هدفاً مشتركاً هو جمع شتات الشعب اليهودي وبناء أمة يهودية متجددة على أساس العمل العبري في أرض إسرائيل". فبعيل ينطلق إذن من الإيمان بأن للشعب اليهودي حقوقاً تاريخية كاملة في أرض إسرائيل. ثم يُفسِّر وجود الشعب الفلسطيني في أرض فلسطين على أساس صهيوني "فلولا قيام الحركة الصهيونية لما ظهر الفرع الفلسطيني التابع للحركة القومية العربية. ويمكن الاعتقاد بأن مجيء اليهود إلى أرض إسرائيل واستيطانهم فيها كان الحافز الذي أدَّى إلى نشوء الكيان الفلسطيني". بل إنه يؤكد أن "من الصعب أن نتصور اليوم كيف كانت ستبدو الأوضاع في أرض إسرائيل لو لم يتحقق فيها الفكر الصهيوني".
стр. 8480
فوجود الفلسطينيين ـ حسب تصوُّره ـ عرضي وتابع للوجود الصهيوني، ولكنه ـ وهنا مصدر الاختلاف بينه وبين كاتس ـ ليس بالضرورة زائلاً، فهو يرى أن بعض الصهاينة قد اعترفوا بحقوق الشعب الفلسطيني "بصفته يمتلك حقوقاً طبيعية في بلاده". ولا ندري ما الفارق بين حقوق اليهود التاريخية وحقوق العرب الطبيعية، ولكن ما يهمنا في سياق هذا المدخل أن ثمة اعترافاً ما بوجود العرب وبحقوقهم. وهذا الاعتراف نابع من خوف عميق من أن العنصر الفلسطيني داخل الدولة الصهيونية يهدد هويتها اليهودية ويهدد الطبيعة الإحلالية للكيان الصهيوني، بل إن بعيل يطرح السيناريو التالي: "هناك مخاوف من أنه إذا استمرت سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة سوف تشتد حدة المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، لتصل حمى المقاومة إلى العرب الإسرائيليين المقيمين في المثلث الصغير وفي الجليل بحيث يطلب عرب إسرائيل بعد جيل أو جيلين الانضمام إلى المطالبين بحق تقرير المصير للفلسطينيين".
ولكن كيف يمكن التصدي لهذا التيار وتلك الحمى؟ يرى بعيل "أن ذلك يتم من خلال إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل ... وكلما سارعت إسرائيل في تقديم مبادرة السلام المقترحة للشعب الفلسطيني كان أفضل لها". ثم يأتي بعد ذلك بحشد هائل من التفاصيل عن الجمارك والكهرباء وعن ارتباط الدولة الجديدة بالأردن، إذ لابد أن تولد الدولة مقيدة.
стр. 8481
أما شلومو أفنيري فهو مثال جيد للنموذج الثاني "الوسط". وأفنيري من كبار المفكرين السياسيين الإسرائيليين (شغل منصب مدير عام وزارة الخارجية في حكومة العمال بين عامي ٦٧ ـ ١٩٧٧) . وهو يتحدث أيضاً عن أرض إسرائيل ذات التراث اليهودي المجيد وأرض الخلاص بالنسبة لليهود. والصهيونية هي الحركة القومية اليهودية التي ستقوم بعملية الخلاص هذه (وهو في واقع الأمر تخليص الأرض وتغييب أصحابها الأصليين، أي العرب) . وهو يرى أن المطالب الصهيونية خضعت لقرار التقسيم لأن "أحداً في العالم لم يكن يؤيد المطالب اليهودية"، أي أنه كان خضوعاً عملياً لا علاقة له بالمبادئ الكلية والنهائية. ثم يضيف إلى هذا ديباجات أخلاقية عن "أن الصهيونية تجد صعوبة في المطالبة بحق تقرير المصير لنفسها، ومعارضة منح هذا الحق لفئة سكانية أخرى". ويُسمِّي افنيري نفسه بأنه من أتباع الصهيونية السوسيولوجية (مقابل صهيونية الأراضي) وهي صهيونيه تهتم بالطابع اليهودي للدولة، أما صهيونية كاتس فتركز اهتمامها على ضم الأراضي، ومن هنا حديث «المعتدلين» عن الأرض مقابل السلام. ولكن مهما كانت الأسباب (الضغوط الدولية أو عذاب الضمير الصهيوني أو الخوف على الطابع اليهودي للدولة) فإن افنيري يطرح الحل التالي الذي يسميه حلاً وسطاً: "لا دولة إسرائيل الكاملة ولا دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل استعداد بعيد الأثر لقبول الحل الوسط في إطار حل أردنى ـ فلسطيني". ولعل هذه النماذج الثلاث تغطي كل الاتجاهات السياسية الإسرائيلية تجاه الدولة، مع اختلاف طفيف في الديباجات، فجوش إيمونيم والليكود ينتميان للنموذج الأول بينما تنتمي بعض الأحزاب الصغيرة الليبرالية ومابام للنموذج الثالث، وينتمي المعراخ للنموذج الثاني. فالعمل يقبل التفاوض على الأرض، ويطرح فكرة إمكانية تقديم تنازلات إقليمية في أراضي الضفة والقطاع.
стр. 8482
رغم كل الاختلافات بين الاتجاهات الصهيونية الثلاث إلا أنه يجب ملاحظة الوحدة بينهم التي تتبدَّى فيما يلي:
١ ـ يُلاحظ أن جميع الصيغ الصهيونية، المتطرف منها والمعتدل، اليميني منها واليساري، لا تتوجه البتة لقضية الفلسطينيين الذين طُردوا عام ١٩٤٨ واستوطنوا سوريا ولبنان والأردن ومصر وأنحاء أخرى متفرقة من أنحاء العالم العربي، ولا تذكر بتاتاً قضية الفلسطينيين الذين يطالبون بحقوقهم في حيفا ويافا وعكا وكل بقعة في أرض فلسطين المحتلة والذين صدر قرار من هيئة الأمم لتأكيد حقهم في العودة إلى ديارهم أو التعويض لمن لا يريد العودة.
٢ ـ لا يتحدث الصهاينة البتة عن الأراضي خلف الخط الأخضر التي خصصها قرار التقسيم للفلسطينيين مثل الجليل وغيرها من المناطق. وهكذا حوَّل الخطاب الصهيوني الخط الأخضر إلى مطلق صهيوني جديد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلينا قبوله والخضوع له. وهذا أيضاً أمر منطقي ومفهوم، فالتفاوض بشأن الأراضي فيما وراء الخط الأخضر وبشأن حق العرب في السكنى في فلسطين المحتلة قبل ١٩٤٨ هو في واقع الأمر تفاوض بشأن فك الكيان الصهيوني.
стр. 8483
٣ ـ يُلاحَظ أن كل الحلول مبنية على فكرة القسر والخضوع، وأن أحد الأطراف سيدفع الطرف الآخر مضطراً للتسليم بوجهة نظره. فالصهاينة يرون أن رؤيتهم للتاريخ هي الرؤية الوحيدة السليمة التي لا يمكن التراجع عنها على مستوى العقيدة حتى لو تم التراجع عنها على مستوى الإجراءات البرجماتية. وقد لخص ذلك الموقف أهارون ياريف بقوله: "الصهيونية هي حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي.. اصطدمت بالحركة القومية العربية عامة والحركة القومية الفلسطينية خاصة". ولكنه يضيف: "إن أقوالي هذه لا تنطوي على تنازل أو استعداد للتنازل عما نعتبره حقنا التاريخي في إرتس يسرائيل وفي علاقتنا التاريخية بها". هذا الموقف المبدئي السائد في صفوف الجميع يخلق استعداداً كامناً دائماً لدى كل الصهاينة، مهما كان موقعهم على خريطة المُتصل الإدراكي السياسي، أن ينزلقوا دائماً نحو تغييب العرب وإنكار حقهم في إنشاء دولة حقيقية خاصة بهم إن سنحت الظروف، كما أنه يضفي صفة الشرعية على موقف دعاة إسرائيل الكبرى. فالأصل في الموقف الصهيوني هو ابتلاع كل الأرض وتغييب كل العرب، والاستثناء هو المرونة والاستعداد للتفاوض بشأن الأرض خارج الخط الأخضر وبشأن الفلسطينيين خارجه. ولعل هذا يفسر كيف أن الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية قد بدأ إبان حكم العمال المعتدلين وأنهم اعتمدوا ملايين الدولارات لإنشاء مستوطنات هناك في الأرض نفسها التي بدأ بيريس بالإعلان عن استعداده للتنازل عنها مقابل السلام.
стр. 8484
في هذا الإطار ظهر مفهوم الحكم الذاتي الذي يرى أن الحقوق اليهودية في فلسطين مطلقة، أما الحقوق الفلسطينية فليست أصيلة. فالأرض ملك للشعب اليهودي وقد تَصادَف وجود شعب فيها. ولذا فإن أية حقوق تُمنح للفلسطينيين هي من قبيل التسامح الصهيوني أو التكيف البرجماتي مع أمر واقع وتعبيراً عن هذا تقرَّر فصل الشعب (العرضي الزائل) عن الأرض الصهيونية. ولذا فالحكم الذاتي هو تعامل مع بشر وليس مع أرض ومنح السكان بعض الحقوق دون أن يكون على الأرض ظل من السيادة فالحكم الذاتي باختصار حكم للشعب دون الأرض. ولذا فالسلطة الفلسطينية ليس لها سلطة على المجال الجوي أو موارد المياه في الأراضي وليس من حقها تشكيل جيش فلسطيني. والفلسطينيون يعيشون في مدن وقرى أشبه بالمعازل في المناطق كثيفة السكان إذ تظل إسرائيل المسئولة عن الأمن في كل المناطق وتحديد المعابر والشواطئ والطرق الرئيسية. فالحكم الذاتي قد منح الفلسطينيين درجة من الاستقلال على أن تبقى الصلاحية في أيدي الصهاينة.
وقد وُصفت السلطة الفلسطينية بأنها أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة. فقال أحد الكُتَّاب العرب إن الحكم الذاتي يعني، في واقع الأمر، قيام محمية إسرائيلية تخدم المصالح الإسرائيلية. وقد شبَّهه نتنياهو بالنظام السياسي القائم في أندورا وبورتوريكو (وهي دولة حرة تابعة للولايات المتحدة يحمل سكانها الجنسية الأمريكية دون أن يكون لهم حق التصويت في الانتخابات) . ولعل بورتوريكو قد لاقت هوى في نفس نتنياهو لأنها جزيرة وليست جزءاً من الأرض الأمريكية، فهي بمنزلة معزل لسكانها. وقد وصف أحدهم الحكم الذاتي بأنه يُعرِّف فلسطين بأنها ٥٠٠ قرية وثماني مدن رئيسية تفصل بينها طرق التفافية وتديرها إسرائيل وفق تصوُّرها للأمن، أي أن الوطن الفلسطيني تم تفكيكه ليصبح معازل، تماماً كما فُكِّك مفهوم الفلسطيني ليصبح كائناً اقتصادياً لا انتماء له.
стр. 8485
ونحن نرى أنه قد يكون هناك نقط تشابه كبيرة بين التصور النازي والصهيوني للحكم الذاتي، فالنازيون أسسوا جيتوات كانت تأخذ شكل مناطق قومية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال. فكان يتم إخلاء رقعة من إحدى المدن من غير اليهود ثم يُنقَل إليها عشرات الآلاف من اليهود ويُعاد نشر القوات النازية وتُسلَّم لسلطة يهودية شبه مستقلة تُسمَّى «مجلس الكبراء» (كانت السلطات النازية تعيِّن أعضاءه) . وكان لجيتو وارسو (أهم المناطق القومية) طوابعه وشرطته (التي كانت تحرس مداخل الجيتو مع الشرطة البولندية والنازية) . وكانت الشرطة اليهودية متعاونة تماماً مع النازيين في كبح جماح اليهود. وكان للجيتو اقتصاده " المستقل " الذي كان يعتمد اعتماداً كاملاً على النظام النازي. فقد كان الجيتو يقوم باستيراد كل ما يحتاجه من مواد صناعية أو غذائية من سلطة الاحتلال النازية على أن يسدد ثمن الواردات بالمنتجات الصناعية التي كان الجيتو ينتجها، أو الخدمات التي كان يؤديها بعض أعضائه. ولكن وضع التبادل لم يكن متكافئاً، فقيمة السلع التي كان الجيتو ينتجها والخدمات التي كان أعضاؤه يؤدونها كانت دائماً دون حد الكفاف، وهو ما كان يعني سوء التغذية وتزايد الفقر ويؤدي إلى الموت جوعاً، وبذلك كانت تتم إبادة اليهود بالتدريج وببطء دون أفران غاز.
ومع هذا لابد أن ندرك أن ثمة فروق قد لا تكون جوهرية ولكنها كبيرة بين رؤية حزب العمل والرؤية الليكودية للحكم الذاتي تنبع من تصورهم لوضع إسرائيل الدولي والمحلي ومقدرتها على قمع الفلسطينيين وتحقيق الأمن لنفسها. وهذه الفروق تعبِّر عن نفسها في البرامج السياسية لكلا الحزبين. ومع هذا من الملاحظ أننا حينما ننتقل من عالم النظرية والبرامج إلى عالم الممارسة فإن نقط الاتفاق والإجماع تؤكد نفسها على حساب نقط الاختلاف.
стр. 8486
الباب الرابع: المسألة الفلسطينية
المسألة الفلسطينية
The Palestinian Question
«المسألة الفلسطينية» مصطلح قمنا بسكه لنشير إلى تلك المشكلة التي نجمت عن وصول كتلة بشرية من المستوطنين الصهاينة لتستولي على الأرض الفلسطينية باعتبارها أرضاً بلا شعب. وكان المفروض أن تحل هذه الكتلة محل السكان الأصليين، الذين يكون مصيرهم عادةً في إطار الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، هو الإبادة أو الطرد. ورغم أن الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني لم يقم بإبادة الفلسطينيين (بسبب ظروف التجربة الاستيطانية الصهيونية) إلا أنه طرد غالبيتهم الساحقة عام ١٩٤٨. وعندما احتل الضفة الغربية وغزة عام ١٩٦٧ استمر في عملية الطرد إلا أنه لم يوفَّق في محاولته هذه المرة. وقد رفض الفلسطينيون عملية الاغتصاب وقاوموا كتلة المستوطنين الوافدة بأشكال مختلفة.
ومن الملاحَظ أن الصهاينة منذ البداية إما التزموا الصمت حيال المسألة الفلسطينية (ولجأوا إلى ما نسميه مقولة "العربي الغائب") ، أو طرحوا "حلولاً" مثل طرد الفلسطينيين، هي ليست حلولاً وإنما برنامج إرهابي. ونحن نذهب إلى أن الدولة الصهيونية لم تجد حلاًّ بَعْد للمسألة الفلسطينية. ولذا، فمشروع السوق الشرق أوسطية محاولة أخيرة لفرض حل صهيوني للمسألة الفلسطينية عن طريق تفتيت المنطقة ونزع الصبغة العربية الإسلامية عنها بحيث يمكن تفكيك الإنسان العربي (الفلسطيني وغير الفلسطيني) وتحويله إلى إنسان اقتصادي أو إنسان جسماني أو أي إنسان آخر، طالما أنه ليس إنساناً عربياً مسلماً. والمسألة الفلسطينية تثير، وبحدة، مشكلة شرعية الوجود.
الشرعيتان: الشرعية الصهيونية وشرعية الوجود
Two Types of Legitimacy: Zionist Legitimacy and Legitimacy of Existence....
стр. 8487
«الشرعية» هي حالة الصلاحية والقبول التي يتمتع بها أفراد النخبة الحاكمة والمنظمات والحركات والنظم السياسية والتي تخوِّل لهؤلاء السلطة. ومن ثم، فإن الشرعية الصهيونية هي حالة الصلاحية والقبول التي تدعيها لنفسها الحركة الصهيونية. وتجابه النظم السياسية كافة مشكلة الشرعية تجاه جماهير التشكيل السياسي الذي تحكمه هذه النظم، أما النظم الاستيطانية فهي تجابه مشكلة الشرعية على مستويين: مستوى العنصر السكاني الوافد، ومستوى السكان الأصليين.
والوضع في حالة الدولة الوظيفية الصهيونية أكثر تركيباً إذ أن هذه الدولة تستمد شرعيتها كدولة صهيونية من مصادر ثلاثة:
١ ـ الإمبريالية الغربية: باعتبارها القوة التي أسَّست الدولة الصهيونية كي تكون دولة تضطلع بوظيفة الدفاع عن مصالح العالم الغربي في المنطقة.
٢ ـ أعضاء الجماعات اليهودية في العالم: باعتبارهم القوة التي تدعم المُستوطَن الصهيوني وتمارس الضغط من أجله، على أن تضطلع الدولة الصهيونية بوظيفة حماية هويتهم وتنميتها على شرط ألا تتدخل في شئونهم وألا تتسبب في وضع ولائهم لأوطانهم موضع الشك.
٣ ـ المستوطنون الصهاينة: باعتبارهم مواطني الدولة الصهيونية الذين يطلبون من دولتهم أن تضطلع بوظيفة توفير الأمن والخدمات لهم كما هو الحال مع كل الدول.
ولكن إذا كانت الدولة الصهيونية تستمد شرعيتها الصهيونية من هذه القطاعات الثلاثة وتحافظ عليها بمقدار أدائها لوظائفها، فإن ثمة مستوى آخر مختلفاً تماماً يقع خارج نطاق هذه الشرعية هو شرعية الوجود. فالدولة الصهيونية قد أُسِّست على أرض الفلسطينيين، وهي لا تلتزم تجاههم بأي شيء، فكل همها أن تغيِّبهم تماماً حتى لا يهتز أساس وجودها نفسه.
стр. 8488
وقد اهتزت الشرعية الصهيونية تجاه المستوطنين، وأعضاء الجماعات اليهودية في العالم وفي الولايات المتحدة، وذلك بسبب الفساد في إسرائيل وأزمة النظام السياسي وأزمة الهوية اليهودية والأزمة السكانية والاستيطان وفشل إسرائيل في تطبيع الشخصية اليهودية وفي إخماد الانتفاضة. أما شرعية الوجود، فقد أخذت في الاهتزاز التدريجي مع بداية الهجمات الفدائية ولكنها وصلت إلى الذروة مع الهزيمة في لبنان واندلاع الانتفاضة. ومن الملاحَظ أن الشرعيتين مرتبطتان تمام الارتباط، فالدولة الصهيونية دولة وظيفية تكتسب قيمتها أمام الراعي الإمبريالي من أدائها لمهمتها الأساسية القتالية التي تستند إلى مدى كفاءة المادة البشرية الاستيطانية القتالية. ولذا، فإن فشل الدولة الصهيونية في تطبيع الشخصية اليهودية يؤدي إلى تَخثُّر المادة القتالية، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تراجع مقدرتها القتالية وسوء أدائها العسكري، فيقل عائدها ومن ثم قيمتها وتفقد شرعيتها الصهيونية. ولكن تراجع مقدرتها القتالية هو نفسه تهديد لوجودها. كما أن فشل الدولة الصهيونية في تحقيق الاستيطان وخلق كثافة بشرية يهودية في الأراضي المحتلة هو أيضاً فشل على مستوى الشرعية الصهيونية باعتبار أنه فشل في تحقيق هدف أساسي من أهداف الصهيونية، ولكنه فشل على مستوى شرعية الوجود لأن ضم الأراضي دون إفراغها من سكانها الأصليين وملئها بمادة بشرية يهودية قتالية استيطانية يهدد وجود الدولة نفسه.
شرعية الوجود
Legitimacy of Existence
стр. 8489
«شرعية الوجود» مصطلح قمنا بسكه لنصف مشكلة الشرعية التي تواجهها الجيوب الاستيطانية الإحلالية في مواجهة السكان الأصليين، على عكس الشرعية السياسية العادية التي تواجهها هذه الجيوب تجاه السكان البيض أو المجتمع الدولي. والتجمع الصهيوني، باعتباره جيباً استيطانياً، يواجه مشكلة الشرعيتين أيضاً: فتُطرَح قضية الشرعية السياسية على مستوى العلاقة مع الراعي الإمبريالي (الولايات المتحدة) ويهود العالم والمستوطنين الصهاينة، وتطرح قضية شرعية الوجود في مواجهة الفلسطينيين والعرب.
وقد أشار الكاتب الإسرائيلي عاموس إيلون إلى ما سماه «عُقدة الشرعية» ، ونحن نتصور أنه يشير إلى شرعية الوجود، فالشرعية هنا هي شرعية الوجود في فلسطين والاستيلاء على أرضها وطرد سكانها. وقد حلت الصهيونية مشكلة شرعية الوجود من خلال الخطاب الصهيوني المراوغ على مستوى القول، ومن خلال أقصى درجات العنف على مستوى الفعل. ولذا، فقد طرحت الشعار المراوغ "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" وقامت بمساندته بترسانة عسكرية هائلة وجيوش مدربة وأجهزة إعلام عالمية.
ولكن العربي الذي يُغيِّبه الشعار لم يقبل عملية التغييب هذه وظلت حركته تؤكد وجوده وتتحدى شرعية الوجود الصهيوني نفسها: فوجود العربي وحركته تأكيد لكون ما يُسمَّى «إسرائيل» هي في واقع الأمر «فلسطين» ، وأن العمل العبري هو الإحلال العبري، وأن اقتحام الإنتاج هو طرد العرب منه، وأن استعادة السيادة السياسية اليهودية سلبها من العرب، وأن شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" يعني في واقع الأمر "أرض يُطرَد شعبها منها بلا رحمة استناداً إلى القوة الإمبريالية الغاشمة ليحل مجموعة من المستوطنين الغرباء محلهم".
وكان لابد أن تُطلَق السحابة الكثيفة من الأقوال عن الشرعية الصهيونية وعن الإنجاز الصهيوني والتقدم والكفاءة حتى لا يواجه المستوطنون مشكلة الشرعية الأعمق.
стр. 8490
وقد عاد الفلسطيني على المستويات الممكنة كافة؛ السكانية والثقافية والنضالية، وهو ليس كائناً اقتصادياً لا ملامح له وإنما هو رجل يعمل ويقاتل، وطفل يمسك بحجر، وامرأة فلسطينية نفوض "تلد الجند والشهداء والأغاني" بشكل يثير حفيظة المستعمرين.
ويبدو أن الفلسطينيين، منذ بداية الغزوة الصهيونية، يدركون، ربما بشكل فطري (غير واع) ، أنها غزوة سكانية استيطانية إحلالية، ولذا تصل معدلات الإنجاب بينهم إلى أعلى معدلات في العالم. ويبلغ عدد سكان فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ (أي داخل ما يُسمَّى «الخط الأخضر» ) نحو ٥.٣ ملايين نسمة عام ١٩٩٦ بنسبة ٨١.٤% يهود و١٨.٦% عرب. وحسب احصاء عام ١٩٩٨ بلغ العدد ٩٥٣.٤٩٧، أى حوالى مليون. ويبلغ عدد الفلسطينيين فى غزة ١.٤٠.٤٩٨، أما فى الضفة الغربية فعددهم هو ١.٥٥٦.٥٥٤ (يبلغ عدد الفلسطينيين الكلى ٧.٧٨٨.١٨٦. يوجد معظمهم فى البلاد العربية، خاصة الأردن وسوريا ولبنان. وتوجد قلة منهم فى الأمريكتين وأوربا) ، وإن كانت هذه الإحصاءات الإسرائيلية تشمل سكان القدس العربية وهضبة الجولان اللتين ضمتا إلى إسرائيل ويبلغ عدد سكانها حوالي ١٧٢ ألف نسمة تقريباً. وتشير بعض التقديرات العربية إلى أن عدد العرب يصل إلى مليون نسمة بدون سكان القدس والجولان.
стр. 8491
ويُلاحَظ أن نسبة السكان العرب من مجموع السكان بقيت ثابتة تقريباً، وذلك رغم الهجرة اليهودية الكبيرة، ويعود ذلك إلى نسبة المواليد لدى اليهود، ففي عام ١٩٩٣ كانت نسبة المواليد لدى العرب ٣٤ لكل ألف، ولدى اليهود ١٨.٥ لكل ألف. ويعود نمو السكان العرب (معدل النمو = التكاثر الطبيعي + ميزان الهجرة) إلى ارتفاع معدل التكاثر الطبيعي نتيجة ارتفاع معدل المواليد، بينما يتفاوت معدل نمو اليهود من فترة إلى أخرى، وذلك لأن معدل النمو يعتمد أساساً على ميزان الهجرة. فبفضل الهجرة التي تمت في الخمسينيات وصل معدل النمو إلى ٩.٢%، ولكنه تدنى في الثمانينيات إلى حوالي ١.٥ فقط، ولكنه ارتفع بسبب هجرة اليهود السوفييت في الفترة من ١٩٩٠ ـ ١٩٩٣ إلى نحو ٣.٩% فقط، ويبدو أنه أخذ يعود إلى الانخفاض بسبب الانخفاض الكبير في حجم الهجرة إلى إسرائيل في الفترة الأخيرة.
стр. 8492
أما معدل نمو السكان العرب فهو ثابت تقريباً ويتراوح بين ٣.٥% ـ ٤.٥%. وقد زاد اليهود بمعدل ٢% في العقد الماضي بينما زاد العرب بمعدل ٤%. وإذا استمرت معدلات الزيادة على ما هي عليه، وهو أمر متوقع، فسيكون عدد العرب عام ٢٠٠٠ نحو ٢٢% من مجموع السكان (بالمقارنة بـ ١٨.٦% في الوقت الحالي) . وتضم الأراضي التي احتُلت بعد عام ١٩٦٧ نحو مليوني عربي مقابل ما بين ١٢٠ ـ ١٥٠ ألف إسرائيلي على أحسن تقدير. فإذا حسبت الأراضي المحتلة، فإن نسبة العرب ستزيد إلى ٣٦.٤%، الأمر الذي يعني أنه، مع استمرار المعدل الحالي في الزيادة، سيكون عدد اليهود وعدد العرب متساوياً عام ٢٠١٥. ولنحاول أن نرى ردود أفعال هذا التمدد العربي. فقد ورد في إعلان المؤتمر اليهودي الأمريكي (٢١ سبتمبر ١٩٨٧) أن الطفل اليهودي الذي يولد اليوم في إسرائيل يمكنه أن يتوقع أن يدخل المدرسة العليا (الثانوية) في أرض يكون فيها السكان العرب مساوين تقريباً للسكان اليهود، وذلك قريباً جداً ـ أي أن خروج صهيون (وهو المصطلح الذي يُستخدَم للإشارة إلى نزوح المستوطنين عن فلسطين) يقابله دخول ابن البلد وتكاثره.
стр. 8493
والمادة البشرية الفلسطينية ليست بدائية أو متخلفة كما كان الصهاينة يروجون وإنما هي متقدمة وقادرة على اكتساب المهارات اللازمة للاستمرار في العصر الحديث (وتحت ظروف القمع والقهر) . كما أن عدد الطلبة الفلسطينيين من خريجي الجامعات يتزايد بشكل لا يدخل الطمأنينة أبداً على قلب الصهاينة (تُعَدُّ نسبة خريجي الجامعات من الفلسطينيين من أعلى النسب في الشرق الأوسط إن لم تكن أعلاها على الإطلاق) ، وهو ما حدا بالأستاذ أرنون سافير أستاذ الجغرافيا الإسرائيلي على القول بأن السيادة على أرض إسرائيل لن تحسم بالبندقية أو القنبلة اليدوية، "فالسيادة ستُحسَم من خلال ساحتين: غرفة النوم والجامعات. وسوف يتفوق الفلسطينيون علينا في هاتين الساحتين خلال فترة غير طويلة". وليقارن القارئ هذا القول بالقول الصهيوني في بداياته حينما كانوا يتحدثون عن طرد العرب البدائيين الذين يشبهون الهنود الحمر. والصهاينة يعلمون أن ازدهار التعليم يعني مزيداً من المقاومة والسخط. كما أنهم يعرفون تماماً أن ضحية العدوان يتعلَّم من المعتدي وأن المستعمَر يتعلم من المستعمر كيف يستخدم السلاح والقوة. بل بدأ العرب مؤخراً في استخدام الوسائل الديموقراطية المتاحة داخل النظام السياسي الإسرائيلي مثل الاشتراك في العملية السياسية الإسرائيلية. وقد حذر رعنان كوهين، رئيس شعبة الانتخابات في حزب العمل، من أن القوة البرلمانية للعرب ستصل إلى عشرين مقعداً في الكنيست عام ٢٠٠٠، وأنه لن يكون بالإمكان إقامة حكومة دون أخذ هذه الحقيقة في الحسبان.
стр. 8494
لكن هذا التمدد العربي لم يكن أفقياً وحسب، أي تمدد في المكان والأرض، وإنما كان تمدداً رأسياً أيضاً: في الزمان والتاريخ. وقد أخذ التمدد الرأسي شكل تماسُك وتضامُن غير عادي. ولابد هنا أن نشير إلى الدور الثوري المبدع حقاً لمنظمة التحرير الفلسطينية. فالفلسطينيون مُوزَّعون في كل مكان داخل حدود الدول العربية التي تتفاوت صداقتها وعداوتها للفلسطينيين بين يوم وآخر (حسب درجة حرارة النخب الحاكمة وما تمليه عليها مصالحها المباشرة الضيقة) . إن هناك أعداداً كبيرة منهم في العالم العربي، ومع هذا نجحوا، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية، في أن يظلوا داخل إطار الوحدة والانتماء الفلسطيني، أي داخل إطار الهوية، فتحوَّل كل فعل فلسطيني عادي إلى فعل ثوري، ابتداءً من تلك العجوز التي تجلس داخل المخيمات تنسج المنسوجات الملونة التي تباع في أقاصي الأرض باسم فلسطين، مروراً بالمثقف الفلسطيني الذي يثري الفكر العربي والإنساني، وانتهاءً بذلك المقاتل الذي يحمل البندقية وينتصر ويُستشهد. ومن داخل هذه الهوية، ظهرت ثورة الحجارة؛ ظهرت الانتفاضة.
стр. 8495
إن عودة الفلسطيني بكل هذه القوة لابد أنه يزيد أزمة الشرعية الحقيقية للمجتمع الصهيوني، أي أزمة الوجود، ولابد أن ذلك يفضح الأكذوبة الأساسية التي تزعم أنه لا يوجد عرب. وقد كان هذا الإدراك الصهيوني المتحيز إدراكاً يسانده العنف والقوة. وحيث إن المؤسسة العسكرية الصهيونية نجحت طوال هذه الأعوام في قمع العرب، فإن عملية التغييب استمرت حيث كانت المؤسسة العسكرية تُصدر التصريحات المختلفة عن عدم وجود ما يُسمَّى «الفلسطينيين» ، أو أن الفلسطينيين لهم دولة بالفعل هي المملكة الأردنية الهاشمية. ومن المفارقات أنه، مع نجاح عملية التغييب، كان بوسع العدو إظهار شيء من المرونة والاعتدال نحو العرب. وعلى هذا، فإن الاعتدال الصهيوني ليس تعبيراً عن التسامح أو حب الآخر وإنما هو تعبير عن الاطمئنان الصهيوني بشأن غيابه، فهو اعتدال يتم داخل إطار الشرعية الصهيونية التي يقبل بها العربي المغيب ويخضع لها، فيُكافأ على ذلك مكافأة تتناسب طردياً مع مقدار غيبته ومدى قبوله لها. ولكن، إذا ظهر العربي الغائب وأكَّد نفسه، وطرح مشكلة الشرعية الحقيقية والأعمق، أي قضية الوجود الصهيوني نفسه، فإن الاعتدال الصهيوني المزعوم سوف يختفي وتظهر بدلاً منه سياسة القبضة الحديدية.
стр. 8496
وهذا ما حدث مع الانتفاضة. إذ أن العربي الغائب ظهر وفي يده حجر يلقي به على الصهيوني وعلى أوهامه، فيشج رأسه ويزلزل الأسطورة، ويتنبه هذا الصهيوني فجأة إلى أن أرض فلسطين أرض لها شعب. وقد قال نسيم زفيلي (أحد رؤساء قسم الاستيطان بالوكالة اليهودية) إن هناك حالة فزع وهلع بين المستوطنين في الضفة الغربية (وهذه هي الحالة التي تنتاب الإنسان حينما يفقد الوهم فيصبح عارياً أمام الحقيقة) . وقد رفض يسرائيل هاريل هذا الوصف، وأعطى تحليلاً أعمق وأشمل إذ قال: "إن اليقين القديم [أي الأسطورة التي تدور في إطار الشرعية الصهيونية] الذي شدَّ أزر جوش إيمونيم قد اهتز لأول مرة. فهناك قلق بشأن الاحتمالات السياسية. وهو قلق لا ينصرف إلى المستوطنات نفسها وحسب، وإنما ينصرف إلى [ما هو أعمق] : إرادة الأمة وجذورها وطبيعة رؤاها". ثم أضاف: "لقد دخلنا مرحلة جديدة في النضال من أجل إرتس يسرائيل، فالعرب لا يريدون الضفة الغربية وحسب بل عكا ويافا أيضاً. والحكومة تعطي العرب إشارات إلى أن مكاننا هنا في الضفة الغربية مؤقت". فكأن الانتفاضة قد همشت المستوطنين ثم غيبتهم وطرحت قضية الوجود الصهيوني نفسه. وقد عبَّر الفيلسوف الإسرائيلي ديفيد هارتمان عن القضية إذ قال: "إن ثورة الحجارة تقول للصهاينة: نحن لا نخاف منكم، وهي طريقة أخرى يقولون: أنتم لستم هنا".
стр. 8497
لم تَعُد القضية، إذن، قضية هوية يهودية أو تطبيع شخصية يهودية أو صورة جيش الدفاع أو تمدُّد المستوطنين أو الحدود، وهي جميعاً قضايا تفترض الوجود الصهيوني وتنطلق منه، وإنما أصبحت القضية قضية الوجود نفسه مقابل الغياب. وقد عبَّر أوري أفنيري عن هذه الأفكار نفسها بشكل ينم عن الذكاء (دون أن يستخدم مصطلح الشرعية) ، ففي مقال له بعنوان "الحرب السابعة" يُحذِّر أفنيري من الادعاء بأن ما يحدث هو مجرد اضطرابات أو مخالفات نظام وأن الثوار هم مجرد محرضين أو جمهور محرض غاضب، فمثل هذه الأقوال تزوِّر الصورة الحقيقية. فكل الأقوال السابقة تفترض أن الثورة تدور داخل إطار الدولة الصهيونية والشرعية الصهيونية، لكن ما يحدث قد تخطَّى هذا النطاق. إنه يدور في إطار مختلف: فهذه الأحداث ـ على حد قول أفنيري ـ حرب بكل معنى الكلمة، إنها مثل حرب فيتنام وحرب الجزائر. فالعدو هو الشعب الفلسطيني، إذ يقف الجمهور الفلسطيني في المناطق المحتلة وراء هؤلاء الأولاد الصغار. ويقف وراء هذا الجمهور سائر أبناء الشعب الفلسطيني. ولذا، فهو يُسمِّي هذه الحرب «الحرب السابعة» . ولكن أفنيري، وهنا مربط الفرس، يجد أن حروب ٥٦ ثم ٦٧ ثم حرب الاستنزاف، ثم حرب لبنان، حروب خاضتها الجيوش العربية نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي، على مستواه العام لا على مستواه الإسرائيلي الفلسطيني المباشر. أما الحرب الأولى، التي تُدعَى حرب الاستقلال (أي حرب الاستيلاء على فلسطين) ، فقد كانت أساساً حرباً على هذا المستوى المباشر. وسواء أخذنا برؤيته للحروب العربية الإسرائىلية أم لم نأخذ، فإن النتيجة التي يخلُص لها بالغة الأهمية، فهو يقول: "إن الحرب السابعة هي نتيجة حالة من المواجهة المباشرة بين المستوطنين والفلسطينيين، وكأننا في حلقة مفرغة، عدنا من خلالها إلى بداية حرب الاستقلال"، أي أن ما يوضع موضع التساؤل الآن هو الوجود الصهيوني نفسه لا مدى النجاح أو الفشل الصهيوني،
стр. 8498
فالأسئلة تطرح من خارج نسق الأيديولوجيا الصهيونية لا من داخلها.
وإذا عدنا إلى قضية التشدد والاعتدال، فإننا نلاحظ أن عودة العربي قد أدَّت إلى التشدد الصهيوني، والتشدُّد دائماً علامة من علامات الأزمة، فالتصريحات تتوالى عن ضرورة الضرب بيد من حديد، وأفلام التلفزيون تُشهد العالم أجمع على أن تحطيم العظام ودفن الأحياء هي أحداث يومية في الدولة التي تدَّعي أنها «يهودية» . وهذا التشدد مفهوم تماماً إذا كان ما يوضع موضع التساؤل هو وجود المرء نفسه لا شكل سياساته أو مضمونها.
ويمكن أن نتناول في إطار شرعية الوجود أثر المقاومة الفلسطينية في يهود العالم وعلاقتهم بإسرائيل. إن من أهم حلقات الوصل بين يهود العالم والدولة الصهيونية أن الدولة الصهيونية تشكل مركزاً ثقافياً حضارياً ليهود العالم وأنهم يستمدون هويتهم منها. فالدولة الصهيونية المنتصرة تحسِّن صورتهم أمام العالم بأسره، إذ أنها تضع نهاية للصورة النمطية الإدراكية الخاصة باليهودي كمراب جبان. ولكن، مع الانتفاضة، تدهورت الصورة الإعلامية للدولة الصهيونية وأصبح من مصلحة يهود العالم الاحتفاظ بمسافة بينهم وبينها، وهذا يعني تزايد محاولات التملص من الصهيونية وتصاعد إمكانيات رفضها.
بل إن العقيدة اليهودية نفسها لم تَسْلم من أثر المقاومة الفلسطينية. ففي الحوار بين المسيحيين واليهود، كان الجانب اليهودي يصر دائماً على أن يكون الاعتراف بالدولة اليهودية أساساً للحوار العقائدي (وكأن الدولة اليهودية جزء من العقيدة اليهودية) ، كياناً مطلقاً مقدَّساً. وبعد الانتفاضة، طُلب من أحد الوفود اليهودية في إحدى مؤتمرات الحوار اليهودي المسيحي أن تتدخل لدى الدولة الصهيونية المقدَّسة لوقف كسر عظام الأطفال، فتراجعت الوفود عن موقفها السابق وأعلنت أن الدولة اليهودية لا علاقة لها بالعقيدة. وقد أدَّى ذلك إلى نَزْع القداسة عن الدولة.
стр. 8499
وهنا، يجب أن نؤكد أن شرعية الوجود مرتبطة تمام الارتباط بالشرعية الصهيونية، فعودة العربي تعني أن الطاقة العسكرية للكيان الصهيوني اللازمة (لاضطلاعه بوظيفته القتالية) سوف تُستنفَد في قمع الانتفاضة، وربما يعني هذا أن الراعي الإمبريالي قد يُعيد النظر في قيمته وأمره. وقد جاءت حرب الخليج لتدعم من هذه الرؤية، إذ أثبت التجمُّع الصهيوني أنه يشكل عبئاً ثقيلاً على الولايات المتحدة. ورغم أن اتفاقية أوسلو هي محاولة للالتفاف حول كل هذا وتحطيمه وتثبيت شرعية الوجود الصهيوني، فإن الجهاد الفلسطيني لا يزال مستمراً لحسم قضية لا تريد أن تموت، مادامت النساء تنجب الأطفال، وما دامت الأرض تزودهم بالحجارة، وما دامت أحلام النُبل والكرامة مكوِّناً أساسياً في إنسانيتنا المشتركة.
السلام الشامل الدائم
Comprehensive Permanent Peace
стр. 8500
«السلام الشامل الدائم» عكس «السلام الجزئي» الذي يمكن وصفه بأنه سلام غير دائم مبني على الظلم لا يحاول تحقيق العدل من خلال إعادة صياغة بنية العلاقات، وإنما هو مجرد ترجمة لموازين القوى القائمة في أرض المعركة. ولذا فإن أحد الطرفين يقبله إذعاناً وليس اقتناعاً ويظل يتحين الفرص لإعادة تعديل موازين القوى لصالحه (الأستاذ هيكل) كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى ومعاهدة فرساي. والسلام الجزئي هو سلام مبني على الحرب ولذا فهو في واقع الأمر حالة من اللاحرب واللاسلم قد يختلف عن "وقف إطلاق النار" الذي عادةً ما يستند إلى اتفاقية مؤقتة تتيح للأطراف المتحاربة فرصة لالتقاط الأنفاس وإنجاز أمور إنسانية أساسية مثل قضاء عيد أو السماح بمرور معدات طبية أو مرور بعض الأطفال، ولكنها لا تختلف كثيراً عن "الهدنة" التي تستند إلى اتفاقية لا ترقى إلى مستوى حالة السلام، ولكنها فترة يرى فيها كلا الطرفين (أو أحدهما) أن بإمكانهما الإبقاء على حالة الحرب إلى أن تسنح لهما فرصة لتحقيق انتصار عسكري. أما السلام الشامل الدائم فهو سلام دائم لأنه شامل، يتوجه لجميع القضايا ويهدف إلى تغيير حقيقي في بنية العلاقات بين طرفين لإزالة أسباب التوتر بينهما فيسود العدل ويرى الطرفان أن لهما مصلحة فيه. والسلام الشامل الدائم في الشرق الأوسط لابد أن يتسم بنفس السمات، ولذا فلابد أن يتوجه لكل من المسألة الإسرائيلية والمسألة الفلسطينية ولابد أن يجد حلولاً لهما.
стр. 8501
ونحن نذهب إلى أن مثل هذه الحلول غير ممكنة داخل الإطار الصهيوني، الاستيطاني/الإحلالي، فهو إطار يُولِّد الصراع بطبيعته لأنه من ناحية، ينكر حقوق الفلسطينيين الذين طردوا من بلادهم، ومن ناحية أخرى يؤكد حق "يهود العالم" في الأرض الفلسطينية. والحل الوحيد الممكن يقع خارج هذا الإطار، حين يقوم أعضاء التجمُّع الاستيطاني الصهيوني بنزع الصبغة الصهيونية الاستيطانية/الإحلالية عن الدولة الصهيونية.
وحل المسألة الإسرائيلية يمكن أن يأخذ شكلين متناقضين، ففى حالة ممالك الفرنجة (الممالك الصليبية فى المصطلح الغربى) فى فلسطين وحولها، تم تصفية هذه الممالك بالقوة العسكرية ورحل أهلها إلى بلادهم (بعد أن مكثوا حوالى قرنين من الزمان) . ولكن هناك أيضا الحل السلمى، ففى الجزائر، بعد ثورة الميلون شهيد، ظهرت حكومة قومية من سكان البلد الأصيلين وأعطت المستوطنين الفرنسين حق البقاء والمواطنة والإسهام فى بناء الوطن الجديد (ولكنهم آثروا العودة إلى بلدهم الأصلى، أى فرنسا) . وهناك كذلك الحل الذى تطرحه جنوب أفريقيا، إذ تم تصفية الجيب الاستيطانى العنصرى دون تصفية جسدية للعناصر البيضاء ذات الأصول الغربية التى كانت تهيمن على النظام القديم وتحافظ على بنية الاستغلال العنصرية وتستفيد منها. ثم عُرض على أعضاء هذه الكتلة البشرية البيضاء أن يندمجوا فى النظام العادل الجديد، المبنى على المساواة بين الأجناس، وأن يتعاونوا معه حتى يمكن الاستفادة منهم ومن خبراتهم. وهذا ما فعله معظمهم. وليس هناك ما يمنع من تطبيق نموذج جنوب أفريقيا فى الانتقال السلمى من حالة الحرب والظلم إلى حاله السلم والعدل فى فلسطين المحتلة، فهو حل لا يستبعد أحدًا ويعطى كل ذى حق حقه. وقرارات هيئة الأمم المتحدة المختلفة (الخاصة بحق الفلسطينين فى العودة إلى وطنهم ورفض ضم الأراضى بالقوة) تصلح كإطار دولى قانونى أخلاقى لحل المشكلة، وهو إطار تقبل به الجماعة الدولية
стр. 8502
والمعايير الأخلاقية الإنسانية.
نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية
Dezionization of the Zionist State
ينطلق مفهوم «نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية» من إدراك أن الصراع القائم في الشرق الأوسط الآن ليس نتاج "كُره عميق وأزلي" بين العرب واليهود أو بين اليهود والأغيار، وأنه ليس نتيجة العُقد التاريخية والنفسية (كما يدَّعي الصهاينة) ، وإنما هو وضع بنيوي يُولِّد الصراع نشأ عن تطور تاريخي وسياسي وبشري محدد. وطالما ظل هذا الوضع قائماً يظل الصراع قائماً. وأنه لا سبيل لإنهاء الصراع إلا من خلال فك بنية الصراع ذاتها.
وقد يقول البعض إن هذه مقولات قد عفى عليها الزمن وأن هناك "إسرائيل جديدة" أو "إسرائيل أخرى" غير صهيونية وغير متلهفة على التوسع الصهيوني ... إلخ. وردنا على هذا هو أن إسرائيل القديمة لم تكن دولة مثل أية دولة أخرى ولم تكن مجرد شعارات لفظية رنانة، وإنما هي دولة وظيفية استيطانية إحلالية، ثم تحولت إلى دولة استيطانية مبنية على التفرقة اللونية، زُرعت زرعاً في المنطقة العربية لتضطلع بوظيفة محددة (حماية المصالح الغربية) مقابل الدعم الغربي لها وضمان بقائها واستمرارها. فوظيفيتها هي ذاتها استيطانيتها وعنصريتها. وقد عبَّرت إسرائيل القديمة عن نفسها من خلال بنية متكاملة من القوانين العنصرية (قوانين العودة والجنسية) والمفاهيم العدوانية (نظرية الأمن - مفهوم السلام - مفهوم الحكم الذاتي) والمؤسسات الاقتصادية الاستبعادية (الكيبوتس - الصندوق القومي اليهودي) ومؤسسات القمع التي تتمتع بكفاءة عالية (المؤسسة العسكرية الإسرائيلية - الموساد - الشين بيت ... إلخ) .
стр. 8503
ولا يمكن توقع أي سلام في إطار بنية القمع والظلم والعدوان هذه، أي في إطار الدولة الوظيفية الصهيونية الاستيطانية، بينما يمكن أن نتحرك نحو قدر معقول من السلام من خلال نزع الصبغة الصهيونية الاستيطانية عنها. ونزع الصبغة الصهيونية سيؤدي بلا شك إلى فك الجيب الاستيطاني الصهيوني، ومثل هذا الأمر ليس مخيفاً أو فريداً، فجميع الجيوب الاستيطانية الأخرى بلا استثناء قد تم فكها، وانتهت الظاهرة الاستيطانية البغيضة إما برحيل المستوطنين الغزاة الوافدين أو استيعابهم (هم وأبنائهم) في السكان من أصحاب الأرض الأصليين. ونزع الصبغة الصهيونية الذي نقترحه لا يعني إبادة الإسرائيليين أو القضاء على هويتهم الإسرائيلية أو اليهودية (كما يحلو للبعض أن يصور الأمر) ، وإنما يعني خلق الإطار القانوني والسياسي، الإنساني والأخلاقي، الذي يزيل أسباب التوتر والصدام.
ولعل ما حدث في جنوب أفريقيا (فك الجيب الاستيطاني بطريقة سلمية بعد أربعة قرون من الظلم والاستغلال والعنصرية والاستعمار الاستيطاني الشرس) يمكن أن يكون نموذجاً يُحتذى، ومؤشراً على ما يمكن أن يحدث في الجيب الاستيطاني الصهيوني. ولعل جوهر نزع الصبغة الصهيونية هو فصل المسألة الإسرائيلية عن المسألة اليهودية، بحيث يرى الإسرائيليون أنفسهم باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من المنطقة (وليس كما يقول أبا إيبان: في المنطقة ولكن ليسوا منها) .
стр. 8504
وعملية نزع الصبغة الصهيونية لا تتم بالضرورة دفعة واحدة وإنما يمكن أن تبدأ بإعلان النوايا واتخاذ خطوات قد تكون رمزية ولكنها ذات دلالة عميقة مثل أن تلغي الدولة الصهيونية قانون العودة و"دستور" الصندوق القومي اليهودي وتوقف بناء المستوطنات وتعلن عن استعدادها للتمسك بالقوانين والمواثيق الدولية وعن "نيتها" تنفيذ قرارات هيئة الأمم المتحدة الخاصة بإعادة الفلسطينيين إلى ديارهم والانسحاب من الضفة الغربية. كما يمكن تجاوز الهاجس الأمني وعقلية الحصار عن طريق الإعلان عن نبذ العنف كآلية لحسم الصراع. ويتبع ذلك خطوات أكثر عملية مثل إلغاء الصندوق القومي اليهودي نفسه وفك المستوطنات وتعريف الحدود الدولية للدولة الجديدة وتشكيل لجان للتحقيق في المذابح التي ارتكبت ضد الفلسطينيين لتعويضهم مادياً ومعنوياً. ثم يمكن بعد ذلك أن تبدأ الدولة الجديدة في السماح للفلسطينيين بالعودة إليها والسكنى فيها في إطار مقدرتها الاستيعابية، وهي ولا شك عالية، فإسرائيل الصهيونية الاستيطانية، قد نجحت في استيعاب أكثر من نصف مليون مهاجر يهودي سوفيتي في العشر سنين الأخيرة، رغم أنهم ليسوا من أبناء المنطقة، كما أن مؤهلات بعضهم كانت عالية لدرجة كبيرة لم يكن التجمُّع الصهيوني في حاجة إليها. على عكس الفلسطينيين فهم أبناء المنطقة يعرفونها أرضاً وجواً وبحراً، وأعداد كبيرة منهم تعمل بالفعل داخل الاقتصاد الإسرائيلي وعندهم من المؤهلات والكفاءات ما يسهل عملية استيعابهم. وستكون القدس عن حق هي العاصمة الموحدة والأبدية للدولة الجديدة، وهي دولة متعددة الأديان ولذا فهناك مجال للهوية الدينية اليهودية أن تعبِّر عن نفسها في إطارها. ويتوج كل هذا باندماج الدولة الجديدة في نظام إقليمي نابع من مصالح سكان المنطقة أنفسهم ومن منظوماتهم الحضارية والأخلاقية. وعلى الجانب الفلسطيني لابد من إعلان أن الإسرائيليين ممن وُلدوا ونشأوا في فلسطين بل ومن
стр. 8505
استوطنوا فيها ويودون أن تكون فلسطين وطناً لهم، لهم حق المواطنة الكاملة في هذه الدولة الجديدة التي تلتزم بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الشعوب والأفراد والتي تضم الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وبهذا يمكن أن يحل إجماع إنساني جديد (إجماع يفسح مجالاً لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين) محل الإجماع الصهيوني البغيض، الاستبعادي العنصري.
وقد يقول قائل إن الإسرائيليين "انتصروا" في كل الحروب مع العرب، ومن ثم على العرب التحلي "بالواقعية" وقبول الشروط الصهيونية، بدلاً من تقديم اقتراحات مستحيلة هي من قبيل الحلم المثالي من شأنها هدم الدولة الصهيونية من أساسها! ساعتها سنقول لهم بالفعل إن اقتراحاتنا تهدف إلى هدم إسرائيل الاستيطانية العنصرية وإفساح المجال أمام الجميع. أما بخصوص هزيمة العرب، فالمقاومة والحمد لله لم تنته وباب الاجتهاد بخصوص الحوار المسلح والجهاد لا يزال مفتوحاً، ولا يوجد أي مبرر لقبول الأمر الواقع باعتباره مطلقاً ونهائياً. والحرب ضد العنصرية هي واجب إنساني لابد أن نشارك فيه كعرب وكمسلمين، ولا يمكن أن نكف عن مقاومة الظلم والظالم إلا بعد أن يكف عن استبعادنا واستعبادنا، والتعالي علينا، واستغلالنا واحتلال أرضنا وهدم منازلنا وضرب آبائنا وأبنائنا.
стр. 8506
والحل الذي نطرحه قد يكون بالفعل جذرياً ومثالياً، ولكنه مع هذا قابل للتنفيذ وهو أفضل بكثير من الأمر الواقع والوضع القائم، نتاج حالة الحرب الدائمة أو الراقدة والهدنة المؤقتة، والذي يستند إلى موازين القوى الداروينية، وكل أنواع الأسلحة من السلاح النووي والأبيض إلى الحجارة والعصيان المدني. وهو وضع لم يأت لأحد بالسلام أو الطمأنينة. ولعل تعود الإنسان الحديث على منظر الدماء وإدمانه لصوت المتفجرات وتقبله للعنف والقوة كسبيل وحيد لحسم الصراعات هو السبب الكامن وراء الاستخفاف الذي تُقابل به الحلول الإنسانية الحذرية، ووراء الهرولة نحو محاولات السلام التي تهدف إلى ترجمة الوضع القائم المبني على الحرب إلى وضع سلام دائم، وهو أمر مستحيل فهو ضد طبيعة الأشياء، فمثل هذا السلام تقوضه بنية الظلم التي تولِّد التوتر والصراع الدائم.
حق العودة الفلسطيني
The Palestinian Right of Return
عودة الفلسطينيين جزء لا يتجزأ من عملية نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية الاستيطانية. وهو حق أساسي من حقوق الإنسان. وفي الميثاق العالمي لتلك الحقوق مادة تنص على حق كل مواطن في العيش في بلاده أو تركها أو العودة إليها. وهو مرتبط بحق الملكية والانتفاع بها والعيش في الأرض المملوكة. وحق الملكية لا يزول بالاحتلال. وهو مرتبط أيضاً بحق تقرير المصير الذي اعترفت به الأمم المتحدة كمبدأ منذ عام ١٩٤٦.
стр. 8507
لقد اعتبر السماح بعودة اللاجئين أحد الشروط التي وضعت لقبول إسرائيل عضواً بالأمم المتحدة عام ١٩٤٨. وثمة إعلان صريح وشهير أصدرته الجمعية العامة تحت رقم ١٩٤ لسنة ١٩٤٨، قررت فيه "أن اللاجئين الراغبين في العودة إلي أوطانهم، والعيش بسلام مع جيرانهم، يجب أن يُسمَح لهم بذلك، في أول فرصة عملية ممكنة، وأنه يجب تعويض الذين لا يرغبون في العودة عن ممتلكاتهم، ودفع تعويض عن الخسائر والأضرار التي أصابت الممتلكات لإصلاحها وإرجاعها من قبَل الحكومات والسلطات المسئولة، بناءً على القانون الدولي والعدالة.
إن مقولة نسيان الماضي والتطلع إلى المستقبل تزدري العقل الإنساني وتهينه، لأننا لا نعرف إنساناً يمكن أن يَنْسى وطنه لمجرد أن هناك من يدعوه إلى شطبه من ذاكرته. ويبلغ ذلك الإزدراء ذروته إذا صدرت الدعوة من الطرف الإسرائيلي الذي يستمد كل شرعيته من الماضي، ويعتبر قادته أن التوراة كتاب لتسجيل المدن ورسم الخرائط على حد تعبير إسحق رابين.
أما حكاية أن الفلسطينيين لم يعودوا راغبين في العودة، فهي مسألة ينبغي ألا يفترضها أو يفرضها أحد على أحد، وإنما يقررها كل فلسطيني بنفسه. ثم إنها أكذوبة أخرى تعمد إلى التزييف والتضليل، وساكنو المخيمات منذ الأربعينيات شاهد عملي على ذلك. وإذا علمنا أن الذين طردوا وشردوا عام ١٩٤٨ كانوا آنذاك ٨٠٥ ألف شخص، فإن عددهم الآن ونحن على مشارف العام الخمسين للنكبة قد تجاوز أربعة ملايين و٦٠٠ ألف شخص. كل من امتلك منهم شيئاً في فلسطين لا يزال يحتفظ بأوراقه الثبوتية حتى هذه اللحظة، ومنهم من لا يزال يحتفظ بمفاتيح داره وخزائن ثيابه، ويعتبرها مقدَّسات محرَّزة في مكان أمين، بحسبانها حبلاً سُرياً يصلهم بالوطن المنهوب.
стр. 8508
لقد أنشأ قرار الأمم المتحدة رقم ١٩٤ لسنة ١٩٤٨ القاضي بعودة اللاجئين كياناً خاصاً لترتيب أمور العودة، عُرف باسم «هيئة التوفيق في فلسطين» ، أُنيطت بذلك الكيان أيضاً عملية اقتراح تسوية نهائية للقضية. وبعد ذلك بقليل أنشأت الأمم المتحدة وكالة غوث اللاجئين (الأونروا) ، التي لا نظير لها إلى الآن، للعناية بأمر اللاجئين الفلسطينين في مخيماتهم. ولا تزال هيئة التوفيق قائمة من الناحية القانونية، ومكاتبها موجودة في الأمم المتحدة، لكن كل أنشطتها مجمدة، حتى لم يَعُد أحد يأتي لها على ذكر.
وكانت هيئة التوفيق هذه قد سعت منذ بداية الخمسينيات إلى أداء المهمة الموكولة إليها، فعرضت مرة، بناءً على طلب العرب، العودة الفورية لـ ٢٠٠ ألف لاجئ على الأقل، إلى الأراضي التي احتلتها إسرائيل زيادة على مشروع التقسيم لعام ١٩٤٧. لكن قادة الصهاينة رفضوا الفكرة. وفي وقت لاحق، وبضغط أمريكي، وافقت إسرائيل من حيث المبدأ على إرجاع ١٠٠ ألف لاجئ في إطار معاهدة سلام شاملة مع العرب، وحينما أبدى العرب استعداداً لذلك، ردت إسرائيل قائلة إن العدد انخفض إلى ٦٥ ألفاً، وزعمت أن ٣٥ ألفاً "تسللوا" إلى ديارهم، ووضعت تحفظات عدة على العدد الباقي، وهو ما أفرغ الاقتراح من مضمونه، وأجهض الفكرة.
لم يكن مستغرباً أن تسعى إسرائيل بكل وسيلة وحيلة للتهرب من التزامها بإعادة اللاجئين والاستجابة للقرارات الدولية في هذا الصدد، فالمشروع الصهيوني هو في الأساس مشروع طرد ونفي الشعب الفلسطيني.
ولأن الحق مقدَّس، لا يمكن التنازل عنه أو تعويضه بأيِّ مقابل، فلا مجال للتساؤل عما إذا كان يتعيَّن عودة اللاجئين أم لا، حيث الأصل هو وجوب العودة، ولا يجوز بأيِّ معيار أن يُفتَح باب مناقشة السؤال «هل؟» ، وأسخف منه وأقبح السؤال «لماذا؟» وإنما السؤال المشروع هو «كيف؟» .
стр. 8509
الدكتور سلمان أبو سنة الخبير الفلسطيني البارز عكف على دراسة الموضوع طيلة السنوات العشر الماضية، وخرج بنتيجة خلاصتها أن عودة جميع اللاجئين المنفيين إلى أوطانهم ليست حقاً قانونياً وشرعياً فقط لكنها ممكنة أيضاً.
وهو يشرح النتيجة التي انتهى إليها. فهو يشير إلى أن إسرائيل مُقسَّمة إلى ٣٦ إقليماً طبيعياً، وطبقاً لإحصاء عام ١٩٩٤ فإن عدد السكان اليهود في إسرائيل ٤ ملايين و٤٢٠ ألفاً، بينما عدد العرب الفلسطينيين مليون و٣٩ ألفاً.
عند مراجعة بيانات توزيع السكان، من واقع الأرقام الرسمية الإسرائيلية، تبيَّن أن ٨٠% من اليهود يعيشون في عشرة أقاليم فقط من بين الـ ٣٦ إقليماً في البلاد، أي أن هؤلاء يقيمون على ١٢% فقط من مساحة إسرائيل الراهنة، التي تعادل ٤٥٨.٢ كيلو متراً مربعاً.
والملاحظة المثيرة هنا أن هذه المساحة تزيد بمقدار ٨٤١ كيلو متراً مربعاً فقط عن مساحة الأراضي التي كان اليهود يمتلكونها أيام الانتداب البريطاني!
هذه المقارنة تكشف أمرين: الأول أن نمط معيشة أعضاء الجماعات اليهودية في الجيتو والالتصاق والتجمُّع لم يتغيَّر، رغم توافر مساحة كبيرة من الأراضي المحتلة. أما الأمر الثاني فهو أن أعضاء الجماعات اليهودية بعد أن أقاموا دولة ظلوا يعملون في المهن التقليدية التي يضطلع بها أعضاء الجماعات اليهودية مثل المال والتجارة والصناعة الدقيقة، وقلة منهم غيَّرت نمط حياتها وأقبلت على الزراعة في مجتمع ريفي.
على العكس من ذلك فإن الفلسطينيين يعيشون في ٢٦ إقليماً من الـ ٣٦، وتتفاوت نسبتهم من مكان إلى آخر، حتى تصل إلى ٣٠% من سكان ١٧ إقليماً. وقد ساعد على انتشارهم طبيعتهم الزراعية بالدرجة الأولى، فضلاً عن أن الحكم العسكري الذي طُبِّق عليهم في الفترة بين عامي ٤٨ و١٩٦٧، منعهم من الانتقال إلى المناطق المكتظة بالمستوطنين الصهاينة.
стр. 8510
ما دام ٨٠% من المستوطنين الصهاينة يعيشون في ١٢% من مساحة إسرائيل، فأين يعيش الـ ٢٠% الآخرون؟ ـ تشير البيانات الإحصائية إلى أن معظمهم يعيش في المدن، ولكنها مدن ريفية غير متلاصقة. فهناك ٥٨٦ ألف مستوطن يقطنون حوالي عشر مدن ريفية. ويبقى ٢٩٨.٦٠٠ يهوديّ يعيشون في الريف. وهؤلاء هم الذين ينتفعون بالأرض الفلسطينية.
الأمر المثير الذي تدل عليه هذه الأرقام أن ٢٩٨ ألفاً و٦٠٠ مستوطن فقط يفلحون ١٧ مليوناً و٤٤٥ ألف دونم من الأرض. وهذه المساحة هي وطن ٤ ملايين و٦٤٦ ألف لاجئ فلسطيني، وأرضهم وإرثهم التاريخي!
إن إسرائيل تعاني من انخفاض الكثافة السكانية اليهودية في الأقاليم الستة الجنوبية، وتكاد تلك الكثافة تكون معدومة في الجنوب. وقد فشلت المحاولات الإسرائيلية المكثفة لنقل المهاجرين إلى تلك المناطق. وعندما أُجبروا لدى وصولهم على السكن في الشمال والجنوب، فإنهم نزحوا إلى الوسط بعد فترة التأقلم. واستبدلوا بهم مهاجرون جدد لا يعرفون البلاد، ولم يتمكنوا من تحديد أفضليتهم.
إن مناطق الكفاف السكاني في إسرائيل التي تتمدد بين الشمال والجنوب تستوعب كل العرب الموجودين في إسرائيل، إضافة إلى العشرين في المائة من اليهود الذين يعيشون خارج منطقة الوسط، كما أنها تستوعب أيضاً كل اللاجئين العائدين إلى وطنهم.
وعدد هؤلاء جميعاً ٦ ملايين ونصف مليون نسمة، نرشح لإقامتهم مساحة قدرها ١٨ ألفاً و٣٥٠ كيلو متراً مربعاً، بكثافة ٣٥٨ شخصاً لكل كيلو متر مربع، وهي كثافة معقولة جداً، أقل من الكثافة السكانية الكلية في ٢٢ إقليماً من أصل ٣٦.
следующие страницы →