← Адаб

Адаб · id 20762

الدر الفريد وبيت القصيد

محمد بن أيدمر

Полный текст (5 369 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الدر الفريد وبيت القصيد تأليف محمد بن أيدمر المستعصمي (٦٣٩ هـ - ٧١٠ هـ) تحقيق الدكتور كامل سلمان الجبوري تقديم أ. د نوري حمودي القيسي دار الكتب العلمية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الدُّرُّ الفَرِيدُ وَبَيتُ القَصِيد [١]

стр. 4

الْكتاب: الدُّرُّ الفَرِيدُ وَبَيتُ القَصِيد التصنيف: موسوعة شعرية الْمُؤلف: مُحَمَّد بن أيدمر المستعصمي (الْمُتَوفَّى سنة ٧١٠ هـ) الْمُحَقق: الدكتور كَامِل سلمَان الجبوري الناشر: دَار الْكتب العلمية، بيروت عدد الصفحات: ٦٥١٢ (١٣ مجلدًا) قِيَاس الصفحات: ١٧ × ٢٤ سم سنة الطباعة: ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م بلد الطباعة: لبنان الطبعة: الأولى جَمِيع حُقُوق الملكية الأدبية والفنية مَحْفُوظَة لدار الْكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أَو تَصْوِير أَو تَرْجَمَة أَو إِعَادَة تنضيد الْكتاب كَامِلا أَو مجزأ أَو تسجيله على أشرطة كاسيت أَو إِدْخَاله على الكمبيوتر أَو برمجته على أسطوانات ضوئية إِلَّا بموافقة الناشر خطيًا.

стр. 5

مقدمة التحقيق

стр. 6

الدر الفريد وبيت القصيد (١) الأستاذ الدكتور نوري حمودي القيسي عضو المجمع العلمي العراقي سابقًا الشعر ديوان علم العرب، ومنتهى حكمهم، وإليه يصيرون، فهو علم قوم لم يكن لهم أصح منه، وجدوا فيه حياتهم فعبروا عنها، واستذكروا أيامهم فرجعوا إليه، وضاقت بهم الحياة فسربوا همومها في أبيات وسعت مجالات المعرفة فسجلوا ملاحظاتهم وتجربتهم، ودونوا معارفهم وعلومهم، وحين جاء الإسلام تشاغل العرب عن الشعر بالجهاد، ولما اطمأنوا بالأمصار راجعوا رواية الشعراء، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب فحفظوا أقل وذهب عليهم منه كثير، حتى قيل ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير، ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه قلة ما يبقى بأيدي الرواة المصححين. وبقيت هذه الحالة ملازمة في كل عصر حتى أصبحنا نفقد في كل مرحلة عددًا من دواوين الشعر أو أقدارًا من الشعر الذي تناثرت أجزاؤه، وتبددت أغراضه، وتاهت بعض مقطوعاته، لأنها لم تقع في إطار استشهاد نافع أو استدلال بلاغي أو استذكار قاعدة. وظلت دواوين الشعراء تخضع لأذواق أصحاب الاختيار الذين تميل بهم إلى التقاط ما يجدونه مناسبًا. وجمع ما يوافق أغراضهم في التأليف واقتطاع ما يرونه منسجمًا مع الحالة التي يريدون الوقوف عليها فجاءت اختيارات المفضل وهي على قلتها تدل على المجاميع الكبيرة التي انتقى منها اختياراته وتؤكد تحكم ذوقه الذي

стр. 7

حمله على هذا الاختيار فجاءت موزعة على سبعة وستين شاعرًا، منهم ستة شعراء إسلاميون وأربعة عشر مخضرمون والباقون جاهليون لم يدركوا الإسلام وعلى الرغم من اختلاف عددها الذي وصل إلينا وهو يتراوح بين مائة وست وعشرين قصيدة وما أضيف إليها وهو أربع قصائد وجدت في بعض النسخ فان ثمانين قصيدة منها هي أصل الكتاب ولا بد أن تظل قصائد الشعراء الذين اختيرت لهم هذه القصائد بعيدة عن الاستشهاد، وإذا عمدنا إلى النص الذي رواه صاحب الأمالي بشأن طريقة الاختيار لأدركنا أنها كانت من أشعار المقلين وأنها اختيرت لتأديب الفتيان وأنها تمثل أجود ما عند الشاعر في ذوق المفضل، وقد روعيت فيها خصال الأدب وطبائع الكرم ومآثر الشجاعة ومناقب الآباء وبهذا خسرنا مجاميع من الشعراء لم نظفر فيها إلا بما أورده المفضل وما يقال عن المفضليات يقال عن الأصمعيات والحماسات والنوادر والأمالي والجمهرة والاختيارين ويأتي صاحب منتهى الطلب لينص على ذلك فيقول: ولم أخل بذكر أحد من شعراء الجاهلية والإسلاميين الذين يستشهد بشعرهم إلا من لم أقف على مجموع شعره ولم أره في خزانة وقف ولا غيرها وإنما كتبت لكل واحد ممن ذكرت أفصح ما قال وأجوده حتى لو سبر ذلك على منتقد بعلم عرف صدق ما قلت واخترت هذه القصائد، وقد جاوزت ستين سنة بعد أن كنت قد نشأت ويفعت مبتلى بهذا الفن. وقد أكدت دواوين الشعراء التي صدرت كمية الشعر التي أغنى بها هذا السفر الخالد الشعر العربي وما أضافت تلك القصائد إلى الأغراض الشعرية وما يمكن أن تقدمه إلى دراسة الأدب وتاريخه وما ترفد به حركة النقد وتضيفه إلى الخصائص الفنية. وفي كل مرحلة من هذه المراحل تختزل مجاميع من الشعراء وتفقد أعداد من قصائدهم ليضيع في ثناياها جهد عقلي وحس وجداني وعاطفة إنسانية وتعبير إبداعي تمخض عن معاناة صعبة استخلص من تجربة قاسية. وقد أجود العلماء الأوائل عقولهم في استنباط العلوم وحفلت المكتبة العربية بتلك الجهود التي ظلت موضع عناية ومنار هداية دهرًا طويلًا يستمد منها الباحثون علومهم وينهلون من مواردها العذبة ما يروي ظمأهم ويغني معرفتهم، ولا تزال أنوار تلك العقول تشع على العالم

стр. 8

وتملأ زواياه بما أفاضت به على الحضارات عطاء خيرًا وعلومًا نافعة أنارت دروب البشرية وأنقذتها من مهاوي الضلال وكرمت الإنسان بما أنعم اللَّه عليه من نِعَم الوفاء وفضيلة التسامح وعزة النفس ولما اتصفت به من تواضع وتميزت به من دقة وعرفت به من أمانة. وبقيت بعض هذه الكنوز حبيسة المكتبات ورهينة النسيان الذي طوى أفكارها وأخفى علومها ففقدت الأمة من وسائل المعرفة أكداسًا ضخمة وتوزعت أعدادًا كبيرة من هذه الأسفار في أماكن بعيدة فعانت التآليف من غربة المكان واغتراب الصُّحبة وما أوشك أن يطفئ نورها ويضعف قوتها ويفقدها رونقها الذي ظل زاهيًا على امتداد العصور والأزمان. وإذا كانت هناك أعمال جليلة يضطلع بها الرجال المؤمنون بتراث الأمة فإن معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية يقف على رأس المؤسسات الكبيرة التي تقدم في كل يوم مجموعة من النوادر الفريدة والمصادر التراثية المحمودة وبجهود مديره (الدكتور فؤاد سزكين) والعاملين الذين يواصلون العلم ليل نهار من أجل تصوير تلك المخطوطات في سلسلة عيون التراث ليضعوا بين يدي القارئ تلك الفرائد. . ويمثل كتاب (الدر الفريد وبيت القصيد) لمحمد بن أيدمر واحدًا من تلك الكتب التي نهجت نهجًا جديدًا في التأليف وسلكت مسلكًا في الاختيار إذ قال مؤلفه: لم أجهل قول القائل لا يزال الرجل في أمان من عقله وسلامة في عرضه حتى يقول شعرًا أو يؤلف كتابًا فحينئذ عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وما عدوت أن ألفت فاستهدفت وها أنا أعتذر إلى المطلع فيما جمعته والواقف على ما استحسنته فسطرته، من خلل فيه إن وجده أو زلل لم أقصد تعمده. ثم يقول: ومما لا ريب فيه أن جماعة من الفضلاء وأعيان الكتاب والأدباء سبقوا إلى ترصيع ما وضعوه وتزيين ما ألفوه وجمعوه بلمع من جواهر الأبيات الأفراد المتداولة في التمثيل والاستشهاد إلَّا أنهم لما رأوا مرامها بعيدًا وتحصيلها صعبًا شديدًا أحجموا عن الإيغال في الإكثار من إثبات أبياتها وقصرت عزائمهم عن الانتهاء إلى غاياتها لأنها قليلة جدًا معدودة عدًا ولا تكاد تضاد إلَّا في النادر من ألفاظ الرجال أجاد الأمثال فأما أنا فإنني أنفقت على ابتغائها بضعة من أعوام العمر وأنفذت في

стр. 9

إحصائها ومن جرّائها معظم الصبر، ورجوت بذلك جزيل الأجر وجميل الذكر واستخرت اللَّه جلّ اسمه وألفت هذا الكتاب ووسمته بكتاب "الدر الفريد وبيت القصيد" وأرسلت فيه عشرين ألف بيت فرد قائم في ذاته شرود فذّ محكم محرّر مضبوط منقح محكّك محتو على شروط فصيح اللفظ صحيح المعنى وافر التشبيه جيد الكتابة مستول على أساليب الحسن والجمال مشتمل على أوصاف التمام والكمال منتخب معد لمبتغيه قابل لكل معنى يصاغ فيه وقفيته على حروف المعجم اقتداء بمن سبق من المؤلفين وتقدم في كتب اللغة والأحاديث والطب والتواريخ وهو أن نراعي حروف أول الكلمة من البيت المفرد فنورده في بابه على ترتيب حروف أب ت ث في أوائلها ليسهل طريق الطلب على متناولها ثم نراعي ما يترتب من حروف بعد ذلك حرفًا حرفًا فيقدّم ما هو مقدّم ما أمكن حذرًا من التكرار وليؤمن حتى نأتي على الأبواب الثمانية والعشرين على هذا النسق المبين. لأن البيت قلما يقع إلينا أبدًا إلا عازبًا شرودًا مفردًا ولا بد من إثباته من ضابط يمنع من التكرير فرتبناه على هذا النظام والتقرير سوى ثلاثة أحرف هن من باب الألف أحدها ما أوله الحمد للَّه فإنا نبدأ به في صدور الأبيات ونستفتح به أوائل كتاب الأفراد السائرات وذلك لما وقع الإجماع عليه من تقديم الحمد في النطق وكما ندب إليه. وثانيهما ما أوله اللَّه ﷻ فإنه قد جاء تلوه إذا كان الحمد والشكر كله له وثالثهما ما أوله أستغفر اللَّه فإنا سنورده في آخر الأبواب وسنأتي به خاتمًا لأبيات هذا الكتاب إن شاء اللَّه. وفي خاتمة كل حرف ينتهي منه يقول مثلًا. . . كملت عدة أبيات حرف الخاء المعجمة من فوق نقطة واحدة مائتان وثمانون بيتًا في كراسين وأربع قوائم ووجهة هي هذه. أو تكملت عدة أبيات حرف الحاء المهملة مائتان وستة وستون بيتًا عدا الحاشية وذلك في كراس واحد ووجهة هي هذه والحمد للَّه والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه أجمعين. ويمكن اعتبار هذا النوع من التأليف متميزًا في بابه لأن كتب الاختيار الأولى

стр. 10

كانت لها مناهج أوضحتها في صدر تأليفها. . فالمفضل له منهجه والأصمعي سار على طريقته وصاحب الاختيارين سايرهما في الجمع. والحماسة لها أسلوبها الذي أوضحه أبو تمام ومن جاء بعده وتبقى ظاهرة جمع أشعار الشعراء أفرادًا وقبائل نهجًا آخر. أما جمع الأبيات المفردة التي اعتمدت أبياتًا للاستشهاد اللغوي فقد أخذت طريقًا آخر لأنها جاءت لتأكيد قاعدة، وقد امتد هذا التأليف إلى عصور متأخرة أعقبتها شروح تجاوزت أبيات الشواهد إلى بيان سابق الشاهد ولاحقه إن وجد أو إيراد القصيدة التي منها الشاهد وتفسير المفردات والكشف عن معنى الأبيات اعتمادًا على من سبق من العلماء ناقلين عنهم بدقة وأمانة ناسبين الفضل إلى أهله. وقد قدمت هذه الكتب مادة أدبية وبلاغية ونقدية غزيرة وتراجم ثرة فكانت أقرب إلى كتب الموسوعات منها إلى كتب الشواهد وفي شرح شواهد المغني للسيوطي وشرح أبيات مغني اللبيب والخزانة للبغدادي صورة لهذا التوسع في المعرفة والاستيفاء لما قدمته من معلومات لم ترد إلا فيها وقد اعتمدت هذه الكتب على مكتبات ضخمة نادرة قلما توفرت لغيرهم من العلماء. . . وكتاب (الدر الفريد وبيت القصيد) يمثل تقدمًا على تلك الكتب لأن صاحبه اختار الأبيات المختارة والمنقحة التي تحتوي على فصيح اللفظ وصحيح المعنى والمستولي على أساليب الحسن والجمال والمشتمل على أوصاف التمام والكمال. . يقدم المؤلف لكتابه بمقدمة تصل إلى مائة وأربع وثمانين صفحة من الكتاب يتحدث عن البيان وفصاحة لسان العرب والحكم التي بأطراف ألسنتهم معقودة وأشار إلى أن رسول اللَّه ﷺ سمع الشعر وأنشد في مسجده واستشهد به، ثم انتقل إلى الحديث عن طبقات الشعراء وتقسيم الشعر إلى أربعة أضرب، ووقف عند أسباب الشعر حتى إذا خلا من واحد منها كان كالحيوان الذي عابه نقص في خلقته وشَانَه فقد شيء من أعضاء صورته أولها فصاحة اللفظ وإبداع المعنى ويستطرد في ذكر النماذج للتدليل على فصاحة اللفظ. أما إبداع المعنى فهو أن يأتي الشاعر بمعنى غريب لم يسبق إليه قد اخترعته فطنته وابتدعته قريحته ثم يذكر أصناف البديع كصدق التشبيه ومشاكلة التجنيس ومباينة التطبيق ووقوع التضمين ونصوع الترصين وصحة التقسيم

стр. 11

وموافقة التوجيه وحلاوة الاستعارة ولطف المخلص ونظافة الحشو والترديد والتصدير وتأكيد الاستثناء وكمال التتميم والإغراق في الغلو وموازاة المقابلة ووقوع الحافر على الحافر وسهولة التسهيم ودلالة التتبيع والوحي والإشارة وتكريرها وبراعة الابتداء وتمكين القوافي والملاءمة بين صدر البيت وعجزه ثم يباشر بشرح الأصناف مستدلًا عليها بنماذج شعرية، وقد حفلت الهوامش بفوائد جليلة وشواهد مضافة وتعليلات غنية وتفسيرات متممة تغني المتن بمنافعها وترفد المصطلحات باستشهادات لشعراء من عصور مختلفة وآراء جديدة حديثة عن هذه المصطلحات وهو يذكر كتبًا وينقل عن علماء ويستشهد بآراء المبرد وصاحب كتاب محك الفهم ومعيار النظم وأبي العيناء والحاتمي والأصمعي وثعلب وقدامة بن جعفر أما أدوات الشاعر فيفرد لها جانبًا من المقدمة لاعتقاده بأن الشاعر لا غنى له عنها ومتى أعوزه شيء منها نقض شعره انحط قدره. وطبقات الشعراء متفاوتة بحسب مراتبهم من الأدوات والآلات. ويعقب عليها بأقسام الأدب ليكون النحو أولها لأنه قوام اللسان وميزان البيان ورونق الإشارة وزينة النطق والعبارة ولغة العرب التي لا يستقيم الشعر إلّا بها فهي مادة الشاعر والعروض ليعرف به موزون الشعر من مخرومه وخارجه من مطبوعه ثم الإكثار من حفظ الأشعار ليكون حجة ويقف عند صحة الانتقاد لأنّها صناعة غير صنعة نظم الشعر وهي أصعب منه فقد قيل إن نقد الشعر أشدّ من قوله وعمله، وقد يستسهله جاهل بعلمه مغرور بمطاوعة طبعه في نظمه. وقد أجمع العلماء البلغاء والفضلاء والأدباء على استصعابه حتى لقد كان الفحول من الشعراء ينظم أحدهم القصيدة في سنة كاملة ويفتخر بذلك ويمُنُّ به على الممدوح فيقول جئتك ببنت حولها وهذه من الحوليّ المنقح وصنعة نقد الشعر غير صنعة نظمه. . . ويأتي على نماذج من انتقد عليه الشعر. . . وفي كل باب من هذه الأبواب يحاول المؤلف اختتامها بعبارات توحي بأنه اختصر مخافة الإطالة والإسهاب ويؤكد أن الشرط في هذه المقدمة الاختصار ويفصل بين المدح والشكر فالمدح وصف الخلال والشكر وصف الفعال ثم يستشهد بنماذج شعرية للمدح والشكر ثم يفصل بين المختلق ثم يذكر الفروق بين الولع والهمز والترجيح بين اللّوم والعتب والفرق بين

стр. 12

الهز والاستزادة والتصارف بين الفصل والاعتذار والحدّ بين التقاضي والإذكار ثم يذكر السرقات والتفاوت بين أنواعها ويعلل ذلك بأن كلام العرب ملتبس بعضه ببعض وآخذ أواخره من أوائله والمبتدع منه والمخترع قليل يقسمها إلى ثلاثة ضروب. ضرب أجمع الأدباء من علماء الشعر ونُقّاد الكلام على استحسانه وتسويغه وتجويزه ومسامحة الشاعر فيه ويفصل في هذا وضرب قد استعملته العرب مجازًا وتوسعًا وعزفت عنه أنفس الشعراء الفضلاء والمفلقين الأدباء فلا يوجد في أشعارهم إلا نادرًا ولا يستحسن منهم الإتيان بمثله. وضرب يستحق معتمده عليه الضرب بل القطع لافتضاحه بشنعة السرق وقبيح الأخذ والإفساد فيه. . . ويعدد فضائل الشعر لأنه أولى ما تحلّى به الكريم وأحلى ما تمثل به العليم يدل على غزارة المروءة ويزيد في الوداد والأخوة والبسطة والقوة وصناعة بارعة من أدوات الفتوة كما قال عبد الملك بن مروان للحجاج بن يوسف في أول مقدمه إلى العراق أجز الشعراء فإنهم يحيُّون مكارم الأخلاق ويحضون على البرّ والسخاء. ويغني المؤلف بعض حواشي الكتاب بفوائد جليلة لغوية وأدبية وتاريخية. فيذكر أخبارًا عن أبي منصور موهوب بن الخضر الجواليقي اللغوي البغدادي عن تسمية الشهر والهلال وأسماء المشهور وتسميتها وإذا استهواه بيت من شعر أورد ذكر القصيدة كاملة كما صنع في قصيدة ابن الفارض (١). شربنا على ذكر الحبيب مدامةً ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم وفي قصيدة أبي الحسن علي بن محمد التهامي التي يرثي بها ولده (٢). وينقل أقوال الحكماء إذا وجد فيها توضيحًا لمفردة أو شرحًا لمعنى أو تفصيلًا في

стр. 13

شرح بيت (١) وإذا استشهد ببيت هُدْبة بن الخشرم: عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه ... يكونُ وراءهُ فرجٌ قريبُ قال: قال أبو بكر الأنباري: قرأت على أبي لهُدْبة بن الخشرم قالها وهو في سجن وفي هامش آخر يقول شبه عسى بكاد يريد كاد الكرب الذي. . . ويأتي على ذكر القصص والأخبار والأيام ليفسر بعض ما ورد في الأبيات من معاني. ويستطرد في ذكر الأخبار التاريخية. . وإذا جاء على بيت من قصيدة من المفضليات ذكر أخبارًا عن صاحبها ومناسبة ذكر القصيدة ورواية خبرها ثم يذكر القصيدة وهو يقدم لها بقوله: وهي اختيار المفضل (٢). وإذا ورد بيت لحاتم الطائي ذكر حاشية وقال: قصيدة حاتم إنشاد هشام بن محمد بن السائب الكلبي ذكرها كاملة وفي نهايتها يذكر تمت القصيدة وعدتها سبعة وثلاثون بيتًا (٣). وحين يذكر بيتًا لعبد اللَّه بن الدمينة يذكر القصيدة وفي آخرها يذكر عدة الأبيات وهي ثلاثة وأربعون بيتًا (٤). ويكثر المؤلف من الحديث عن الأمثال الواردة مع شروحها وما يذكر من قصص. والكتاب يتكون من ثلاثة أجزاء يضم الجزء الأول القسم الأول والثاني ويقع في أربعين كراسًا، وقد نجز الجزء الأول في غرة ربيع الأول من سنة ثلاث وتسعين وستمائة. . . أما الأجزاء الأخرى فقد تمت بعد ذلك.

стр. 14

إن هذا السفر الخالد يقدم لنا مجموعة شعرية تغني عددًا من الدواوين وتستدرك عليها بما لم يتوفر في المصادر التي اعتمد جامعوها عليها. . . وهي إضافة تترك الباب مفتوحًا أمام المحققين الذين يأخذون أنفسهم بهذا العلم ويرصدون المصادر ليجدوا فيها ما يكمل بعض ما وقفوا عليه. . . واللَّه نسأل الرحمة والمغفرة. * * *

стр. 15

فَرادةُ الدر الفريد (١) الأستاذ الدكتور محمد حسين الأعرجي واسم الكتاب كاملًا هو: "الدرّ الفريد، وبيتُ القصيد" وهو من تأليف محمّد بن أيْدَمر. وهو كتابٌ فريدٌ في التمثّل الشعريّ، ولكن لا أستطيع أن أقول: إنّه كتاب مختاراتٍ، على الرغم من أنَّه ضمَّ طائفةً من عيون الشعر العربيّ. وقلتُ: إنّني لا أستطيع أن أصنّفه ضمن كتب المختارات؛ لأنَّ مؤلّفه سلك منهجًا في الاختيار لم يُسبَق إليه. ذلك أنَّه صنّف كتابه على حروف الهجاء، فألزم نفسَه أن يذكر البيت على وفق الحرف الذي يبدأ به، من الألف إلى الياء خاتمًا كتابه بالأبيات التي تبدأ بـ "أستغفر اللَّه. . . " وكأنّه يستغفر لما تقدَّم من ذنبه أن أضاع شيئًا من عمره في تأليف مثل هذا الكتاب، وليس في العبادة. وإذا كانت فكرةُ أبيات الاستشهاد غير جديدة: إذ أنّنا نعرف من قبلِه كتاب "أبيات الاستشهاد" لأحمد بن فارس الذي حقّقه المرحوم الأستاذ الدكتور عبد السلام محمد هارون ضمن ما حقَّق من "نوادر المخطوطات" فإن منهج ابن أيدمر يختلف عن منهج ابن فارس صاحب "المجمل في اللغة" من وجوه مما يجعله منهجًا جديدًا هي: أنَّه كان يهم ابن فارس أن يُدوّن ما رآه في عصره مما يستشهد به الناسُ من شعرٍ، فاكتفى بتدوين رسالةٍ صغيرةٍ ربّما يستعينُ بها محقُقو كتب الأمثال على ما يرد في تلك الكتب من شعرٍ يتمثّل به الناس.

стр. 16

ورسالةُ ابن فارس بهذا المعنى لا تعدو أن تكون فصلًا صغيرًا جدًا من فصول كتب الأمثال من مثل: كتاب "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" لحمزة بن الحسن الأصفهاني، و"الأمثال المولّدة" لأبي بكر الخوارزمي، و"جمهرة الأمثال" لأبي هلال العسكري، و"مجمع الأمثال" للميداني، وسواها من الكتب التي تأخّرت عنها. أمَّا كتابُ ابن أيدمر فهو يكاد يكون موسوعةً شعريّة في بابه. مما سأفيض في الحديث عنه. وإذا كان أقصى همُ ابن فارس أن يُثبت البيت كما روي دون أن يهمه تقصّي نسبته، فإنَّ ابن أيدمر على خلاف هذا تُهمّه نسبة البيت فإن ذُكر أنه يُنسب لأكثر من واحد ذكر ذلك، وفصله. ووجهٌ آخر هو أنّ ابن فارس كان يذكر البيت مُفردًا، أمَّا ابن أيدمر فقد كان يهمّه أن يُثبت -حيثما تسنّى له ذلك- أكبر عددٍ من أبيات القصيدة التي ورد فيها البيت المستَشهد به. وبجملة واحدة فإن كتاب "الدر الفريد" لا يشبِه لا "أبيات الاستشهاد" لابن فارس، ولا "أعجاز الأبيات" للمبرِّد. وأجيء الآن إلى الكتاب فأقول: إنّه يقع في خمسة أجزاء ما تزال مخطوطة كتبت بخطِّ المؤِّلف نفسه. وهو خطٌّ نسخيٌّ على درجة عالية من الجمال والضبط، وتستغرق هذه الأجزاء الخمسة أكثر من ألف ورقةٍ قليلًا، أي أكثر من ألفي صفحة. وقد أصدره -كما هو- الأستاذ العلّامة الدكتور فؤاد سزكين سنة: ١٩٨٨ عن "معهد تاريخ العلوم العربية والإِسلامية في إطار جامعة فرانكفورت" بألمانيا. وعقد المؤلِّف أغلب الجزء الأول من كتابه على مصطلحات البلاغة العربية من حيث هي مصطلحاتٌ جوفاء ميتة كما آلت إليه عند المتأخِّرين من أمثال السكّاكي، والتفتازاني، وعلي بن حمزة العلويّ، وسواهم، وليس كما كانت عند الجاحظ،

стр. 17

وابن المعتز، وعبد القاهر الجرجاني، وسواهم. وإذًا فهذا الجانب البلاغي في الكتاب ليست له قيمةٌ إلَّا بمقدار ما يُمثِّل ما صارت إليه الثقافة النقدية من حال في القرن السابع الهجري. وإذ انتهى من هذا الجانب البلاغيِّ العقيم شرعَ في سرد موسوعته الشعرية التي امتدّت من العصر الجاهليّ حتى القرن السابع الهجري، فكانت طريقتُه أن يسرد أبيات الشعر على الحروف الهجائية معتمدًا بدايات هذه الأبيات، وليس نهاياتها مراعيًا في سرد حرف الهجاء الذي يبدأ فيه ما يليه من حروف كأن يسرد حرف الألف فيبدأ بـ: أأ، أب، أت، أث، أج، . . . ولكنّه خرج عن طريقته هذه في حرف الألف فبدأ بالأبيات التي أولها: "الحمد للَّه"، ثم الأبيات التي تبدأ بـ: "اللَّه"، وكأنَّه لا يريد أن يُقدِّم على اسم الجلالة وما يتّصل به من المعاني الدينية شيئًا آخر. ولم يكن المؤلِّف غافلًا عن هذا، أو مبتدعًا له، وإنّما كان يتّبع ما درج عليه المؤلّفون في عصره، وقبله، وبعدَه من بدئهم -إذا ألّفوا في التراجم مثلًا على حروف الهجاء- بمن اسمُه محمَّد خروجًا على الترتيب الهجائي تيمَّنًا باسم الرسول الأعظم، وإكرامًا له أن يتقدَّم على اسمه اسمٌ آخر لا لشيء؛ إلَّا لأنّه يبدأ بالألف، وقد سار على هذا النهج الحُميدي في "جذوة المقتبس"، والصفدي في "الوافي بالوفيات" وعشراتٌ غيرهما إن لم يكن مئات. وإذًا فقد كنّا ننتظر من المؤلّف أن يبدأ في حرف الألف -على سبيل المثال- بقول الشاعر الذي ذكره هو (١) بيتًا ثانيًا من الأبيات التي اختارها: أآخر شيءٍ أنتِ في كلِّ هجعةٍ ... وأوِّلُ شيءٍ أنتِ عندَ هبوبي؟ فلم يفعل إلَّا بعد أن انتهى من الأبيات التي زانها اسمُ الجلالة كما سبق أن ذكرت. ثم تدرج في ذكر الأبيات على حروف المعجم جميعها إلى أن انتهى منها،

стр. 18

فرجع إلى الألف يختم تأليفه بقول القائلين -كما أسلفت- "أستغفر اللَّه. . . ". وعلى أن الكتاب قائمٌ على سرد الأبيات التي تبدأ بهذا الحرف أو ذاك، وهو يكتفي بأن يسرد في المتن عادةً بيتًا واحدًا للشاعر لا أكثر، إلا أن قيمته لا تتأتّى من هذا السرد وحده في المتن، وإنّما من حواشي هذه المتون؛ فقد اعتاد المؤلِّف أن يذكر البيت في المتن ثم يضع إلى جنب قافيته كلمة "حاشية" فيتفنَّنن في رسمها بحيث يُحيلك إلى موضع الحاشية من كتابه وتكون مكتوبة عادة بخطٍّ رقيق، دقيق ليضيف في الحاشية بقيَّة أبيات القصيدة، فإن لم يفعل أضاف إليه أبياتًا؛ فإن لم يعرف كتب في نهاية قافية البيت كلمة: "بعدَه" ليضيف الأبيات التي بعدَه، أو كلمة "قبلَه" ليضيف إليه الأبيات التي قبلَه، وقد يُضيف في أحيانٍ بيتًا واحدًا. ولئلا يلتبس الأمر على القارئ الكريم أجدني مطالبًا أن أضرب له مثلًا على ذلك فأقول: قال المؤلف ابنُ أيْدَمر (١): "خُليد مولى العباس بن محمد: أطعتِ الآمريكِ بصرمِ حبلي ... مُرِيهمْ في أحبَّتهمْ بذاك" ثم قال: حاشية، أبيات خليد أولها: أما والراقصات بذات عِرقٍ ... ومن صلَّى بنعمان الأراكِ لقد أضمرتُ حبَّكِ في فؤادي ... وما أضمرتُ من حبٍّ سواكِ أطعت الآمريك: البيت، وبعدَه: فإنْ همْ طاوعوكِ فطاوعيهمْ ... وإن عاصوكِ فاعصيْ من عصاكِ عرضتُ بحاجتي فَنَبَوْتِ عنها ... وما أَنْبُو لحاجتكم كذاكِ" وبهذه الطريقة أورد المؤلِّف في المتن وحدَه ما يقرب من عشرين ألف بيتٍ كانت في طائفةٍ منها من نفائس الشعر العربيِّ. فإذا قدَّرتَ أنَّ ما أورده في حواشيه مُعدَّلُه عشرون بيتًا -هو تقديرٌ اعتباطيٌّ-

стр. 19

استقام لك أن تقول: إنَّ الكتاب احتوى على أربعمائة ألف بيت، وتهيَّأ لك أن تدرك مقدار الثروةِ التي ضمَّها هذا الكتاب. وبهذا كان من شأن قارئ الكتاب أن يستدرك على كثيرٍ من صُنّاع الدواوين ما فاتهم من أشعار أولئك الشعراء الذين صنعوا دواوينهم، من مثل: ديك الجنّ، وأبي عليَّ البصير، وأبي هفّان، وابن أبي طاهر، ويحيى بن عليّ المنجم، وعلي بن محمد الحمّاني، وسابق البربري، وأبي دُلف العجليّ، ومحمد بن بشير الخارجي، ومحمد بن حازم الباهلي، وابن لنكك البصري، وعشرات غيرهم (١): على أن قيمة الكتاب لا تتأتّى من هذه الثروة وحدها ففي كتب الاختيارات ابتداءً بحماسة أبي تمام وانتهاءً بجمهرة الجواهريّ ما هو من نفائس الشعر العربى، ومن عيونِه، وإنّما تأتي قيمتُه من أنَّ كلَّ كتب الاختيارات لا تُغني عنه. بل إنّه إذ يعتمد "الحماسة" لأبي تمام يدلك في اعتماده أنّ الذي بين أيدينا منها ليس هو ما تركه أبو تمام تمامًا: فقد كان بين يدي المؤلّف من كتاب أبي تمام شيءٌ أوفى مما هو بين أيدينا اليوم. وإذا شئت أن أضرب لك مثلًا على ذلك أحلتُك تمثيلًا لا حصرًا على ما أورده أبو تمام في "الحماسة": برواية الجواليقي، طبعة وزارة الإعلام العراقية (٢)، وعلى قول كتابنا (٣)، لتجد أن الذي نقله مؤلفنا عن "الحماسة" يزيد على ما في المطبوع. قال أبو تمام في حماسته: "وقال آخر: وأَعرضُ عن مطاعمَ قد أراها ... فأترُكُها وفي بطني انطواءُ فلا وأبيك ما في العيشِ خيرٌ ... ولا الدُّنيا إذا ذهبَ الحياءُ

стр. 20

يعيشُ المرءُ -ما استحيا- بخيرٍ ... ويبقى العودُ ما بقيَ اللحاءُ" فزاد ابنُ أيدمر على ما قال بيتين هما: "إذا لم تخشَ عاقبةَ الليالي ... ولم تَستَحي فافعلْ ما تشاءُ وكُلُّ شديدة نزلت بقَومٍ ... سيأتي بعدَ شدّتِها رخاءُ" ويمكنني أن أحيلك على الصفحة: ٣١ من "الحماسة" وعلى الصفحة: ٣٤٢ من الجزء الخامس من كتابنا لتجد أن المطبوع من "الحماسة" قد نسب مقطعة الرثاء الرائية الرائعة التي مطلعها: أقول لنفسي في الخلاء ألومها ... لكِ الويلُ، ما هذا التجلّدُ والصبرُ؟ ! والحقُ أنَّ نسبة الأبيات الرائية إلى يحيى بن زياد ليست بغريبة؛ فقد روى أبو تمام نفسُه على الصفحة: ٢٤ - ٢٤١ مُقطعة عينيَّة لا تقل عن أختها الرائية روعةً ليحيى في رثاء أخيه عمرو؛ ورواها أيضًا ابن الأعرابيِّ معاصر أبي تَمام على الصفحة: ٥٣ من كتابه: "مقطعات مراث" له. وليس من همِّي أن أُفاضل بين النِّسبتين، وإنَّما أردتُ أن أنبِّه. وكما نقل عن "الحماسة" نقل عن كتب أخرى لا نعرف منها اليوم شيئًا، ولم تعرفها المصادر التي سبقته من مثل: "شُعلة القابس" لابن دُريد (١)، و"الرسالة الباهرة" لأبي عليّ الحاتمي (٢)، ومن مثل: "زهرة الرياض وأُنس القلوب المراض" للوشّاء (٣)، و"ديوان الإمام علي بن أبي طالب" برواية محمد بن عمران

стр. 21

المرزباني؛ إذ لم يذكر أحدٌ هذا الديوان في مؤلِّفات المرزباني (١) ونقل أيضًا عن كتب قريبة من عهده لا أظنُّ أنّنا نعرف عنها شيئًا من مثل: "تحفة الكبراء في تراجم الشعراء" (٢) لابن الشعّار الموصلي. وقد يكون نقل عن كتب أخرى لم أتنبَّه إليها أثناء القراءة. وكما كان ينقل من هذه الكتب كان ينقل من خطوط علماء معروفين مشهورين من مثل العالم اللغوي صاحب كتاب "إصلاح المنطق" ابن السكّيت، والمترسِّل الكبير أبي إسحاق الصابي، والخطيب الأجلّ الإمام علي بن أبي طالب، وابن شمس الخلافة صاحب كتاب "الآداب" المطبوع، وكتاب "الشعر" الذي ما يزال مخطوطًا، والمرزباني صاحب "الموشح" و"معجم الشعراء" و"المقتبس"، ونقل عن خطوط غير أولئك العلماء. وتأتي قيمة الكتاب أيضًا من أنَّه عرَّفنا بشعراء ما كنتُ أنا -ولا أزعم أن الآخرين مثلي- لأعرفهم من مثل: شمس الدين الواعظ الكوفي، وخيار بن نجاح، والظفري البغدادي -وهو حمّال أميٌّ- وأبي الجاه البطائحي، وابن الفُريْريجة، والصراف اليزدي، وابن لقمان النسفي، وابن البياضي، ومحمد بن شبل، وهو شاعرٌ بغداديٌّ تلفت شاعريته النظر، والبيذق الشيباني، والكادوشي، واليعقوبي وهو من أحفاد الوزير يعقوب بن داود، والصارم، وناصر بن منصور الغزالي، وسواهم.

стр. 22

ومن فوائد هذا الكتاب أن يروي لك من المعلومات ما هو مختلفٌ عمّا تتداوله المصادر، وسأكتفي بمثلين اثنين منها، أوّلهما ما قاله السيوطي في "بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة" (١) عمّن أسماه: "مكي بن ريان بن شبَّة. . . الماكسينيّ الضرير. . . أبو الحرم" إذ هو في كتابنا: "أبو الحزم مكي بن زبّان بن شَبَهٍ الماكسُ الضرير" وشتّان بين من مهنتُه المكسُ (أي: استيفاء الضرائب) وبين من هو من قرية بني تغلب: "ماكسين". وبعيدٌ جدًا -لولا التصحيف- الذي بين "الحرم" و"الحزم". فالمظنون في أبٍ يُكنّي ابنَه، وفي رجلٍ يُكنّي نفسه أن يكون أبا الحزم، لا أبا الحرم؛ لأنَّه إن كُنِّي بأبي الحرم -بفتح الحاء والراء- استكبر المسلمون ذلك واستنكروه؛ لأنَّ الحرم هو الكعبة المشرَّفة، وإن كنّاها بأبي الحُرم -بضمِّ الحاء وفتح الراء- كان أوَّل من يتمنّى في العرب أن تكون ذريته من النساء، وذلك مما لم يقل به أحدٌ من العرب من يوم وأد البنات إلى يومنا هذا. هذا وليس في التكنّي بالحرم مهما قلبتَ من حركات الحاء والراء منها -لولا أشياء غريبة يسيرة- من يرضى أن يتكنّى بها من العرب. وإذ جعل السيوطي وفاته سنة: ٦٠٣ جعلها صاحبنا سنة: ٥٦٣. ولا أعرف حتى هذا اليوم الذي أكتب فيه إن كان السيوطيّ قد قال ما قال أم أنَّ المحقِّق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم قد قوَّله. أقول هذا لأنَّ السيوطي نقل عن ابن المستوفي الأربلي في تأريخ أربل (وتسمّى: أربيل اليوم)، وابنُ المستوفي ثقةٌ من الثقات، فهل صحّف؟ هذا وقد حقَّق تأريخه السيد سامي الصفّار، وطبع في بغداد. أما المثل الثاني فهو أنه تكاد تُجمع المصادر على تلقيب أبي بكر الخوارزمي بالطَّبَرْخَزي نحتًا من طبرستان التي تزعم المصادر أنّ أصله منها، ومن خوارزم التي نشأ فيها (٢)، ونجد في هذا الكتاب أنَّه الطَّبَرْخَزْمي، وليس الطبرخزي،

стр. 23

والطبرخزمي أقرب إلى قواعد النحت في العربية من سواه. على أنّ كلَّ هذه الفوائد لم تعصم المؤلِّف أن يقع في تصحيفات وتحريفات يعجب المرءُ معها أن كيف يقعُ مؤلِّفٌ بمثلِ مكانته فيها؟ حتى لكأنّه يريد أن يُقنع من لا يريد أن يقتنع بأنّ النقص من طبيعة البشر. وإذا كان لا بد من أمثلةٍ فهي من قبيل أن يُسمي أبا دلف العجلي: القاسم بن عدي (١)، ويعرف الناس جميعًا أنَّه القاسم بن عيسى، ومن مثل أن يُسمّي المثقب العبدي في ٣/ ٢٢٥، وكرر ذلك في: ٤: ٢٢٥ "المنقب"، ومن مثل أن يتحرف على قلمه العلويّ الحِمّاني في ٣: ٥٠ على الجُهني، والحكم بن قنبر في ٤/ ٢٨٥ على الحكيم، ويزيد بن خذاق في ٥/ ٣٧١، و ٣٨٦ من الجزء نفسه على: يزيد بن حذاق، وهكذا مما قد يكون فات عليَّ. والكتاب بعد كلِّ هذا ليس كتاب شعر وحده ففيه من الفوائد التأريخية، واللغوية، والعروضية، شيءٌ كثيرٌ، وفيه من أمثال البغداديّين، ولغتهم المولّدة أشياء نافعةٌ طريفة. وقلتُ: إنَّ في الكتاب فوائد تأريخية، وآن لي أن أخصَّ فائدةً من هذه الفوائد بحيث فأقول: دأبَ كثيرٌ من الباحثين على اتّهام الوزير مؤيِّد الدين بن العلقمي بالتواطؤ مع المغول على سقوط بغداد بأيديهم سنة: ٦٥٦ هـ حتّى أدى ذلك إلى مطارحات دارت على صفحات مجلة "العربي" الكويتية -في أواخر الخمسينيات إذا صدقت الذاكرة- بين العلّامتين الجليلين الراحلين: الدكتور مصطفى جواد، والشيخ محمد رضا الشبيبي، وحتّى ألّف الشيخ محمد الشيخ حسين الساعدي كتابه: "مؤيِّد الدين بن العلقمي". وإذًا فمسألة ابنُ العلقمي مسألةٌ شائكةٌ، وقد تكون أسطورية إلى الدرجة التي يُراد فيها منّا أن نصدِّق بأنّه حلق رأس غلامٍ له وكتب عليه رسالةً، ثم انتظر أن يطول

стр. 24

شَعرُ رأسه ليبعث بالغلام إلى هولاكو، فيحلق رأسه ليقرأ الرسالة التي تدل على فجوات بغداد التي يسهل عليه أن يحتلها من خلالها (١). ومع كلِّ هذه الأساطير التي يكفي أن يُكذِّبها إن لم يكن يضحك منها شيءٌ واحدٌ هو أنَّه لم يزعم أحدٌ حتّى اليوم أن هولاكو كان يعرف العربية، تجد أنّ كثيرًا من المؤرخين العرب، وأشباههم يقرِّرون خيانة ابن العلقمي على أنّها شيءٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأقول: إنّه لم يكن يعرف العربية وأترك لك تقدير نوع الحبر العبقري الذي كتب به ابنُ العلقمي رسالته بحيث لم تؤثِّر فيه الموسى التي حلق بها الحلّاق البارع هولاكو، أو أحدُ أعوانه من الحلّاقين الماهرين رأس هذا الغلام المسكين، فاستطاع أن يقرأ الرسالة! ! ! وأترك لك أشياء أخرى من قبيل ما يستوعبه قحف الرأس من رسالة مكتوبة بخطٍّ واضحٍ مقروء، ومن قبيل أمثاله. ومع كلٍّ هذا فالمؤرخون مُصدِّقون بحسِّهم التأريخي أو بحسٍّ آخر أنَّ بغداد سقطت بخيانة ابن العلقمي لخليفته المستعصم باللَّه، ولكنّنا نجد عند صاحبنا ابن أيْدَمر ما يُناقض هذا التصديق. * * * محمَّد بن أيدمر (٢): هو فلك الدين، أبو نصر، محمد بن سيف الدين أيدمر بن عبد اللَّه المستعصي. الأمير، الكاتب، الأديب من أبناء الأمراء، الأعيان العظماء (٣).

стр. 25

قال مترجمًا نفسه: "مَوْلدِي بِبَغْدادَ بِالمَحَلَّةِ الَّتِي تُسَمَّى دَرْبَ حَبِيْبٍ في سُخرَةِ صبْيَحَةِ يَوْمِ الجُّمْعَةِ رابِعَةَ شَهْرِ اللَّهِ الأَصَمِّ رَجَبَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ وَسِتِّمِائَةَ لِتارِيْخِ الهجْرَةِ الشَّرِيْفَةِ، وَبِبَغْدادَ نَشَأَتُ وَأُخْرِجْتُ مِنْها ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْها بَعْدَ سِنِيْنَ. وَوالِدِي أَحَدُ خَواصِّ الإِمَامِ الشَّهِيْدِ أَبي أحمَد عَبْدِ اللَّهِ المُسْتَعْصمِ بِاللَّهِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ ﵄، وَهُوَ أَبُو مَنْصُوْر أَيْدَمِرَ بنُ سَّكِزَبِرُ كَوَنْجَكَ أَحَدُ أُمَراءِ طَوائِفَ القُبْجاقَ، وَكانُوا ذَوِي ثَراءٍ وَأَنْعامٍ كَتيْرَةٍ وَمُلُوْكًا، لا يَدِيْنُوْنَ بِطاعَةٍ لأَحَدٍ وبلادهم. . . باب الأَبْوابِ الَّذِي صنَعَهُ كِسْرَى حَتَّى ظَهَرَ جَنْكِيْزُ خانُ وَسَباهُمْ لَمّا لَمْ

стр. 26

يَطِيْعُوْهُ فاتَّفَقَ مَجِيْءُ والِدِي مِنْ بِلَادِهِ صِحْبَةَ التُّجَّارِ صَغِيْرًا يَرْضَعُ اللَّبَنَ إِلَى مِصْرَ، وَأَهْدَاهُ عَزِيْزُ مِصرَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي جَعْفَر المُسْتَنْصِرِ باللَّهِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ والِدِ المُسْتَعْصِمِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ" (١). وحول وفاة والده يقول: "وَلَمَّا وَصَلَ هُوْلَاكُو خان مَجْمُوعُ التَّتَارُ وَغَيْرهُمْ إِلَى بَغْدادَ اسْتَشْهَدَ والِدِي ﵀ بِبزوْغَي في صَبِيْحَةِ يَوْمِ الخَمِيْسِ وَهُوَ عاشِرُ المُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّمائَةَ هِجْرِيَّةَ بَيْنَ الصَّفْينِ. حَكَى لِي مَنْ شاهَدَهُ أَنَّهُ لَمَّا انْكَسَرَ عَسْكَرُ بَغْدادَ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَلَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُمْ حَتَّى قُتِلَ رَحمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ما أَحِسَنَ قَوْلُ أَبِي تَمَّامِ: فَتًى مَاتَ بَيْنَ الضَّرْبِ والطَّعْنِ مِيْتَةً ... تَقُوْمُ مَقامَ النَّصْرِ إِذْ فاتَهُ النَّصْرُ وَقَدْ كَانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلًا فَرَدَّهُ ... إِلَيْهِ الحِفَاظُ المرُّ والخلقُ الوَعْرُ فأَثْبَتَ فِي مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلَهُ ... وَقَالَ لَهَا مِنْ تَحْتِ أَخْمَصَكِ الحَشْرُ تَرَدَّى ثِيابَ المَوْتِ حُمْرًا فَمَا أتَى ... لَهَا اللَّيْلُ إِلَّا وَهِيَ مِنْ سُنْدِسٍ خُضْرُ" (٢) وقال عن ولد له أسماه عليًا توفي في بداية صباه: "وُلِدَ في الثُّلْثِ الأَوَّلِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ صَفَرَ سَنَة ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ وسميته الهِلَالِيّةَ وُلَد سَمَّيْتهُ عَلِيًّا وكان في الخَلقِ والخُلقِ كامِلًا مَرْضِيًّا فَعَاشَ حَتَّى بَرَعَ وَحَدَقَ في كِتابَةِ الدُّسْتُوْرِ وَروايَةِ الأَشْعَارِ وَحُسْنِ الأَدَبِ فَلَمَّا بَلَغَتْ سنّهُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَةً وَسِتَّةَ شُهُوْرٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِيْنَ يَوْمًا تَوَفَّى لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ في الثُّلْثِ الأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ مِثْلِ وَقْتِ وِلَادَتِهِ سَوَاءً فَكَانَ في حَالِ حَياتِهِ لا يُجَرِّبُ قَلَمًا لَمَّا يبْرِيْهِ إِلَّا وَيَكْتُبُ: إِنَّ الزَّمانَ الَّذِي مَا زالَ يُضْحِكُنَا ... أُنسًا بقربكُم قَدْ عَادَ يُبكينَا وَلا أَمكنَ أَنْ يُنْشِدَ بَيْتًا عَلَى سَبِيْلِ التَّرْنِيْمِ إِلَّا أَنْشَدَهُ وَلا بَدَأَ بِكَلَامٍ إِلَّا بِهِ حَتَّى اعْتُبطَ

стр. 27

رضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَدَفْنتهُ في مَقَابِرِ الشُوْنيزِيّةِ إِلَى جانِبِ أُخْوَتهِ رَحَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى" (١): ولكي نعرف قيمة شهادة ابن أيدمر ينبغي لنا أن نعرف من هو؛ فقد حان أن نعرفه، وأن نعرف قيمة شهادته، فأقول: هو -كما وردت ترجمتُه في "تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب" (٢) الذي حقَّقه العلّامة المرحوم الدكتور مصطفى جواد: والذي بُديء بطبعه في دمشق سنة: ١٩٦٢ - أقول هو كما يقول [كمال الدين، أبو الفضل، عبد الرزاق بن أحمد المعروف بابن] الفوطي [الشيباني المتوفى عام ٧٢٣ هـ] في كتابه المذكور: "فلك الدين، أبو نصر محمد بن سيف الدين أيدمر بن عبد اللَّه المستعصمي الأمير الكاتب، . . . الأديب. من أبناء الأمراء، الأعيان العظماء، ذكر لي أنَّه ولد ببغداد في رابع رجب سنة تسعٍ وثلاثين وستمائة، ولما ترعرع اشتغل بالخطّ، ثم بالفروسية، وكان من أحسن الناس شكلًا، وألطفهم أخلاقًا، ولمّا أخذت بغداد حصل مع ملك الكرج، واتصل بحضرة السلطان هولاكو، وقرَّبه، وجعله شحنةً على الحكماء الذين يلوذون بحضرته لعمل الكيمياء. ولما تُوفي السلطانُ رجع إلى بغداد، ورُتِّب خازنًا في الديوان، واشتغل في عمل كتاب (الجوهر الفريد وبيت القصيد)، وهو كتابٌ نفيسٌ لم يُؤلف مثله، واهتمَّ في ترتيبه وعمله، ثمَّ ترك العمل، وحلق رأسه، وتزهّد، وخلع القباء ولبس الفرجية، واشتغل بتنقيح كتابه إلى أن تمَّ، ونقله إلى البياض. وكان قد علاه دَيْنٌ فخدم خزانة الوزير بالكتاب، وقضى ديْنَه واستراح خاطرُه، فجاءه ما لم يكن في حسابه، وتُوفِّي في رجب سنة عشرٍ وسبعمائة، وله شعر

стр. 28

حسن، ورسائل وأخبار، ذكرت في التأريخ أكثرها، وكان بيني وبينه معرفةُ وصداقة واتحادٌ منذ سنة خمسين، ولمّا قدمتُ بغداد كنتُ أتردّد إلى خدمتِه، ويُشرّفني أيضًا بحضوره، ورثيته بأبيات أولها: رَبع المعالي أضحى دارس الدِّمن ... والفضل بعدك أمسى ذاوي الغصنِ منها: يا أيُّها الفلك الدوار جرت ولم ... تعدل على فلك الدين الفتى الفطن الفاضل الكامل المحمود سيرته ... العالم العامل المشكور ذي المنن" (١) والنصُّ الذي نقلتُه -على طوله- فيه أشياء مُهمةً عن مؤلّفنا منها أنَّه لم يلتحق بخدمة هولاكو على نية الخيانة، ولكن على نية العلم كما التحق بهولاكو الفلكيُّ الكبير الخواجة نصير الدين الطوسي، ولو كان التحق به على نية الخيانة لاستوفى ثمنها منه، ولم يلحقه دَينٌ بعدَ وفاةِ هولاكو. ومنها أنّ الرجل تزهّد بعد مفارقة هولاكو، وزهدُه ينسجم مع شيئين هما أن يُضطر إلى خدمة هولاكو طلبًا للرزق، وكتابُه ينضحُ بالوفاء للخليفة المستعصم، وأن يفقد ولديه الإثنين على غير انتظار (٢)، ولعلَّ هذا هو الذي أشار إليه صديقه ابنُ الفوطيّ في قوله: "فجاءه ما لم يكن في حسابه". هذا ولم يكن ابنُ أيدمر ليخدم هولاكو بعد استيلائه على بغداد إلَّا على مضضٍ إن لم يكن يُشبه الموت فهو -دونما شكٍّ- من صنفِه، وإلّا فكيف يخدم رجلٌ قاتلَ أبيه؟ يقول المؤلف: "قال كاتبه محمد بن أيدمر عفا اللَّه عنهما: خدمتُ المستعصم ﵀، واستُشهد والدي ﵀ بين الصفَّين بِبَزوغُى وهو الموضعُ الذي قامت

стр. 29

الحربُ فيه، وشهدتُ ذلك اليومَ وهو عاشر المحرم من سنة ستٍّ وخمسين وستمئة هلالية" (١). وإذًا فلم يكن مؤلّفنا من أنصار المغول، وإنّما التقى بهولاكو من بابين: الباب الأول منهما هو اهتمام هولاكو بجمع العلماء العراقيين من حوله، والباب الثاني هو ما يمكن أن خطر على ذهن ابن أيدمر وهو يلتقي به من أمر المثل العربيّ القائل: "أضرعتني إليك الحُمّى". ومن هنا كان من شأن شهادة رجلٍ بمثل حاله على حال ابن العلقميّ أن تكون صادقةً مُصدَّقةً، فإذا آمنا بهذا وجدناه يقول: إن الوزير ابن العلقمي كان يُحرِّض المدافعين عن بغداد -والخائن لا يُحرِّض- أن يستميتوا في الدفاع عنها: فقد روى من متن كتابه (٢) قول الصَّليحي قائم اليمن: "إنَّ العُلى لا يُستطاعُ خطابُها ... حتّى تُطلَّق دونها الأعمارُ" ثم عقَّب على ذلك بقوله كعادته: "حاشية: حكى لي من حضر أنَّه لمّا ركب فتح الدين بن كُرّ ﵀ في واقعة بغداد حضر بين يدي الوزير مؤيد الدين بن محمَّد العلقمي فقال له مُحرِّضًا: إنَّ العلى لا يُستطاعُ خطابُها (البيت) أمَّا كيف رضي هولاكو عن ابن العلقمي فسلّمه بغداد فيقول ابنُ أيدَمر على الصفحة: ١٨٣ من الجزء الخامس "لما أخذ المغول بغداد وقتلوا الخليفة أبا أحمد عبد اللَّه المستعصم باللَّه رحمة اللَّه عليه كان وزيرَه مؤيدُ الدين أبو طالب محمد بن العلقمي، وتوصَّل بحسن تدبيره، وصائب رأيه حتى سلم من القتل هو وأتباعه، فلما رحل المغول من بغداد سُلِّمت الأعمال وبغداد إليه، ثم مات عن قربٍ. واتَّفق أن ولده عز الدين كتب إلى والده الوزير يقول: ما أحسن قول القائل:

стр. 30

شبتُ أنا والتحى حبيبي ... فبِنتُ عنه وبان عنّي واسودَّ ذاك البياضُ منه ... وابيضَّ ذاك السوادُ منّي فكتب إليه والدُه الوزير في الجواب: أحسن منه قولُ الآخر: وأشبَهُ بحالي وحال الخليفة رحمة اللَّه عليه: نَمَّ في خدِّه العذار ولاح الشَّـ ... ـيبُ في مفرقي بغيرِ أوانِ كسدتْ سوقُنا جميعًا على الحُـ ... ـبِّ وولَّى زمانُهُ وزماني" ورجلٌ يحزن مثل هذا الحزن على مخدومه الخليفة المستعصم -حتّى بعد قتله وزوال مُلكه- لا يمكن أن يخونه. ويزيد من قيمة شهادة صاحبنا أنَّه نشأ في حجر إقبال الشرابي كما يقول هو في ٥/ ٤٩٩، ممَّا يجعله عليمًا بما يدور في قصر الخلافة، وممّا يُبعدهُ أن يشعر بشيءٍ لابن العلقميِّ في عنقه يقتضيه أن يُجامله. فإذا علمنا أنَّه ألّف الكتاب بعد وفاته أدركنا قيمة شهادته. ولستُ من المدافعين عن ابن العلقمي، وإنّما أريد من كلِّ ما ذكرتُ أن أنبِّه المؤرخين العرب، وأشباههم من المتطفلين على التأريخ والتأرخة أن يتنبَّهوا إلى هذا الكتاب المعاصر له. صحيحٌ أن ابن شاكر الكتبي ألف جزءًا من كتابه "عيون التواريخ" عن سقوط بغداد حقَّقه الراحل الكبير الدكتور فيصل السامر، وشريكة له، ولكن صحيحٌ أيضًا أن ابن شاكر قد توفِّي سنة: ٧٦٤، أي بعد مُضي ما هو أكثر من قرن على سقوطها. وعتبٌ يسيرٌ على العلّامة الجليل الدكتور فؤاد سزكين مدير "معهد تاريخ العلوم العربية والإِسلامية في إطار جامعة فرانكفورت" أن لم يتنبَّه لا إلى مثل هذه الأشياء فحسب، وإنمّا لم يتنبَّه حتّى إلى ترجمة المؤلّف لولا أن نبَّهه زميلُه الدكتور رودلف زلهايم.

стр. 31

ولهذا العتب أوجهٌ كثيرةٌ منها أنَّه كان على سزكين، وقد دلَّه زلهايم على موضع ترجمته، أن يستقريء -كما هي أصول البحث العلمي- "الدر الفريد" استقراءً مُتمعِّنًا فيزيد على الترجمة ما ذكره المؤلف نفسه عن حياته. ولو كان فعل لكان عرف أنه -على سبيل المثال- من تلاميذ الصغاني صاحب معجم "العباب" الذي حقّقه الشيخ محمد حسن آل ياسين، ولعرف أنَّه من أصدقاء ياقوت الحموي، وشمس الدين الكوفي، وسواهم. ولعرف أنَّه فقد ولديْه وقد بلغا مبلغ الرجال، وأنّه تربّى -كما سلف- في كنف إقبال الشرابي وهكذا. ويبقى من همي أن أُنبِّه إلى ضرورة تحقيق هذا الكتاب الجليل؛ لأنّه من دون أدنى شكٍّ يضيفُ إلى ثقافتنا الشعرية أشياء ثمينة، ولأنّ العلامة سزكين لم يطبع منه إلا مئتي نسخة خطية جمعها من مكتبات تركيا وإيران، فكان من حُسن حظي أن اقتنيتُ واحدة منها على الرغم من غلاء ثمنها غلاءً لا يكاد يحتمله من هو مثلي. هذا ولو كنتُ إلى جوار مكتبتي التي تركتها في العراق بحيث أستطيع أن أخرِّج أقواله من مصادرها لما تركتُ أحدًا يسبقني إلى تحقيقه، وتعميم فائدته، ولكن: ما كلُّ ما يتمنَى المرءُ يدركُه ... تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُّفنُ بوزنان - بولندة في: ٢٠/ ٥/ ٢٠٠١ ثقافته وأدبه: صحب جماعة من علماء زمانه، وقد أشار بين ثنايا كتابه إلى ذلك، فهو يقول عن الشيخ العلامة الحسن بن محمد بن الحسن الصغاني ﵀: "أدركت زمانه، ورويت عنه، وكان فريد عصره، وأوحد وقته، من كبار العلماء، ونبلاء الفضلاء، بحر زاخر، ونور ساطع باهر" ٣/ ١٩٥ - خ. شاعريته وشعره: بين ثنايا أجزاء هذا السفر أبيات ومقطوعات شعرية نسبها المؤلف إلى نفسه،

стр. 32

تمكنت من تتبعها واستخراجها، وهناك أبيات ومقطوعات أوردها المؤلف دون عزوها إلى صاحبها، ولست أدري هل هي له أم لغيره؟ وقد أشرت إلى موقعها في الكتاب المخطوط: الأشعار: - ١ - كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الكامل] جُودٌ بِلا جِدَةٍ وَنفسٌ هَمُّهَا ... فَوقَ السِّماكِ وَحَظُّها تَحتَ الثَرَى (٣/ ٢٠٧) - ٢ - كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الطويل] عَرَفتُ سَجايا الدَّهرِ لَمَّا صَحِبْتُهُ ... وَمَن يَصحَبِ الأَيّامَ يَقنِ التَّجارِبا (٤/ ٧٤) - ٣ - كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الوافر] فَخيرُ القَولِ ما يتلُوهُ صِدقٌ ... وَشَرُّ القَولِ ما يتلُو الكِذابا (٤/ ١٨٤) - ٤ - قَالَ كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): صَاحِبُ المَالِ في القُلُوْبِ مَهِيْبٌ ... حَسَنُ السَّمْتِ مِنْ ذَوِي الأَلْبابِ

стр. 33

وَأَخُو الفَقْرِ لَوْ أَتَى بِصُنُوْفِ العِلـ ... ـم طُرًّا مُسَفَّهٌ في الخِطَابِ ما يَفِيْدُ الفَتَى إِلّا إِذَا كَانَ فَـ ... ـقيْرًا بَراعَةٌ في الكِتَابِ إِنَّمَا الشأن في. . . ... في كثْرَةِ المأثراتِ والآدابِ كُلَّما كانَ ذا. . . . ... . . . . . . . . . . . . . (٢/ ٣٦١) - ٥ - كَاتِبُهُ (عَفا اللَّهُ عَنهُ): [من الخفيف] ثِق بِمَن يَغفِرُ الذُنوبَ جَميعًا ... وَيُجيبُ الدُعاءَ في كُلِّ كَربِ (٣/ ١٨٣) ثِقَتِي خَالقِي إلهي وَرَبّي ... وَمُعيني وَناصري وَهُوَ حَسبِي (٣/ ١٨٣) - ٦ - كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الطويل] ثِقُوا واطمَئِنُّوا واستَريحُوا إِلى الوَفَا ... فَإِنّي عَلَى ما تَعهَدُونَ منَ الحُبِّ وَأَنْتُمْ عَلَى بُعْدِ المَسَافَةِ حُضَّر ... خَيالكُمُ عِنْدِي وَعِنْدَكُمُ قَلْبِي (٣/ ١٨٣) - ٧ - كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الوافر] قَصَدْتُكَ لا أُعَوِّلُ فِي رَجائِي ... عَلَى أَجْرٍ سِواكَ وَأَنْتَ حَسْبِي تَرْوِي غُلَّتِي وترمّ حالِي ... وَتُؤْمِنُ رَوْعَتِي وتزيلُ كَرْبِي (٤/ ٣٢٤)

стр. 34

- ٨ - كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): وإِنّ امرءًا يَرجُو مِنَ الكَلْبِ لُقْمَةً ... وَهَيْهات ما يَرْجُو أَخَسّ من الكَلْب (٥/ ٢٥٣) - ٩ - كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): مالٌ يُخلِّفُهُ للِضدِّ صَاحِبُهُ ... خَيرٌ لَهُ مِنْ سُؤالِ النَّاسِ والطَلَبِ (٥/ ٨١) - ١٠ - كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الخفيف] يا صَدَيْقِي وَصاحِبِي وَنَسِيْبِي ... لِمْ تَمَنَّيتَ لِي الرَّدَى بالمَغِيْبِ خُنْتَنِي إِذْ تَبَدَّلْتَ بِي وَضَيَّعـ ... ـتَ مِثْلِي وَتَلَقَّيْتَنِي بِوَجْهٍ قَطُوْبِ مَا ظَنَنْتُ الصَّدِيْقَ يَفْعَلُ هَذَا ... بِمُحِبٍّ صَدِيْقُهُ كَالحَبِيْبِ كُنْتُ ألْحَا الوُشَاةَ وَأسْتَـ ... ـبْعِدُ هَذا وَكَيْفَ لِي بِالمُرِيْبِ فَبعَيني رَأَيتُ مَا كُنتُ منهُ ... في شُكُوكِ التَّصدِيقِ والتكذيبِ لا وَعِزِّ الوَفاءِ لَا غَرَّنِي بَعْـ ... ـدَكَ وُدٌّ مِنْ صَاحِبٍ أَوْ نَسِيْبِ (٤/ ١٦٨) -١١ - كَاتبهُما (عفا اللَّه عنه): [من السريع] أيُّ يَدٍ عندي لمن زارَني ... تفَضُلًا مِنهُ وَلَم آتِهِ

стр. 35

وَكيفَ أقضِي حَقّ مَنْ خَصَّني ... مُبتَدئًا بالودّ من ذاتِهِ (٣/ ٥٦) -١٢ - كاتبه (عفا اللَّه عنه): رُبَّ يَومٍ ما بَعدَهُ مِن مَساءٍ ... وَمَساءٍ ما بَعدَهُ مِن صَباحِ (٣/ ٣١٣) -١٣ - كاتبه (عفا اللَّه عنه): [من الطويل] شَهِدْتُ بأَنَّ اللَّه لا شَيءَ غَيرُهُ ... وَأَنَّ رَسوُل اللَّهِ حَقًّا مُحَمَّدُ عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ في كُلِّ شَارِقِ ... وَكُلِّ صَبَاحِ لِلْوَرَى يَتَجَدَّدُ (٤/ ١٥) -١٤ - كَاتِبه أيْضًا (عفا اللَّه عنه): ألا يا قَلْبُ ما هَذا الصُّدُوْدُ ... وَمَا هَذَا التَّلَدُّدُ والشُّرُوْدُ تُصَابُ وَلا تَلِيْنُ فَلَيْتَ شِعْرِي ... قَسَوْتَ أَأَنْتَ صَخْرٌ أَمْ حَدِيْدُ وَكَيْفَ الصَّبْرُ مِنْكَ عَلَى أُمُوْرٍ ... تَكَادُ الرّاسِيَاتُ لَهَا تَمِيْدُ مَضَى الأَحْبَابُ وانْقَرَضُوا وَبانُوا ... وَضَمَّهُمُ الصفائِحُ والصَّعِيْدُ وَضاعَ العُمْرُ فالمَاضِي تَوَلَّى ... وَباقِيْهِ فَمَأْمُوْلٌ بَعِيْدُ وَلَمْ تَظْفَرْ يَداكَ إِذًا بَشَيْءٍ ... سِوَى مَا أَنْتَ فِيْهِ يَا سَعِيْدُ وَجَاءَ الشَّيْبُ يُنْذِرُ بِالمَنَايَا ... وَهَذَا كُلُّهُ صَعْبٌ شَدِيْدُ وَمَا جَزَعٌ بِمُغْنٍ عَنْكَ شَيْئًا ... إِذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ هَلْ يَعُوْدُ

стр. 36

تَصَبَّرْ إِنَّ هَذَا المَوْتَ حَتْمٌ ... فَمَا يُرْجَى البَقاءُ وَلَا الخُلُوْدُ أَمَا قَدْ آنَ لِلْقَلْبِ المُعَنَّى ... خُشُوْعٌ أَوْ نُزُوْع أَوْ وُرُوْدُ وَإِصْغَاءٌ إِلَى الدَّاعِي بِوَعْظٍ ... بَلِيْغٍ تَقْشَعرُّ لَهُ الجُّلُوْدُ قال كَاتِبُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: مَا كُنْتُ سَمِعْتُ بِقَوْل مُحَمَّد بن عِيْسَى بن طَلْحَةَ بن عَبْدِ اللَّهِ حَيْثُ يَقُوْل: وَما جَزْعٍ بِمُغْنٍ عَنْكَ شَيْئًا ... وَلَا مَا فَاتَ ترْجِعُهُ الهُمُوْمُ فَعَلِمْتُ أَنْ الخَواطِرَ تَتَقَارَبُ فِي اسْتِعْمالِ الأَلْفَاظِ والمَعَانِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بَلْ يَقَعُ الحَافِرُ عَلَى الحَافِرِ إِتْقانًا. (٥/ ١١٢، ٣٢٤) -١٥ - وله: [من الخفيف] ثَرْوَةُ البَاخِلِينَ عَارٌ عَلَيْهِمْ ... وَبِفَقْرِ الأَجْوادِ فَخْرُ الجَوادِ (٣/ ١٨٢) -١٦ - كَاتِبُهُ مُحَمَّدُ بن أَيدَمِرَ: [من الكامل] إِنَّ المَشِيْبَ لَزِيْنَةٌ وَلَهَيْبَةٌ ... وَجَلالَة وَسَكِيْنَة وَوَقارُ فِيْهِ كَمَالُ العَقْلِ إِنْ عَقَلَ الفَتَى ... وَتَجارِبٌ أَثْمانُها الأَعْمَارُ فَاسْتَدْرِكِ المَاضِي مِنَ العُمْرِ الَّذِي ... قَدْ كَانَ فِيْهِ الإِثْمُ والأَوْزارُ وانْهَضْ إِلَى الخَيْراتِ وابْتَدِرِ التُّقَى ... إِنَّ الزَّمَانَ بِأَهْلِهِ غَدّارُ هَذَا المَشِيْبُ وَبَعْدَهُ المَوْتُ الَّذِي ... عُقْباهُ إِمَّا جَنَّةٌ أَوْ نَارُ (٢/ ٣٤٥)

стр. 37

-١٧ - كاتبهُ (عفا اللَّه عنه): هَابَكَ أَبطَالُ الرَّجالِ خُشّعًا ... وَذلَّ من صولَتكَ الجَبابِرُ (٥/ ٣٥٥) -١٨ - كاتبهُ (عفا اللَّه عنه): يَمْشِي الكَّريْمَ عَلَى أرْضٍ معُطَلَّةٍ ... فَتُصْبحُ الأَرْضُ فِيْها الماءُ والخَضِرُ مثل الربيع إذا ما حل في بلد ... كساه أخضر قد حلّى به الزهرُ إن البخيل وهذا عندهم مثل ... لو بال في شوكة خضراء تستعرُ كأنه شجر يأتيه قاصدهُ ... لِيستظلَّ فلا ظلُّ ولا ثمرُ (٥/ ٥٢٤) -١٩ - كَاتِبُه: [من البسيط] أَشْكَو إِلَيْكَ وَلا أَشْكو إِلَى أَحَدٍ ... مَا حَلَّ بِي مِنْ أُمُوْرٍ لَسْتُ أَذْكرُها (٢/ ١٤٠) -٢٠ - كاتبهُ (عفا اللَّه عنه): يَروقُكَ مِن بَنِي الدُنيا جُسومٌ ... وتَقبحُ حِينَ تَقتُلُها اختِبَارا وَتَحِسبُ أنَّ وُدَّهُمُ صَحيحٌ ... وَنَارُ البغضِ تَستَعرُ استِعارا (٥/ ٤٨٧)

стр. 38

-٢١ - كَاتِبُهُ: [من الطويل] إِذَا مَا شَكَوْتُ الحُبَّ لَمْ أَرَ مُسْعِدًا ... فَأَوْلى مِنَ الشَّكْوَى سُكُوتِي معَ الصَّبْرِ (٢/ ٧٢) -٢٢ - وله: [من السريع] الحمدُ للَّهِ وشكرًا لَهُ ... هَذا أَوانُ الحمدِ والشُّكْرِ كَمْ فَرَّجَ الرحمنُ مِنْ كربةٍ ... وفَكَّ فك العُسْرِ بِاليُسْرِ (١/ ١٨٩) -٢٣ - وله: [من السريع] الحمدُ للَّهِ وَشكرًا لَهُ ... واللَّهُ أهلُ الحَمدِ والشُكرِ ألطافُهُ مَخفيّة دائمًا ... كامِنَةٌ في العُسْرِ واليُسْرِ (١/ ١٨٨) -٢٤ - كاتبه: [من الوافر] أَراكَ وَإِنْ نَأَيْتَ بِعَيْنِ قَلْبِي ... كَأَنَّكَ حاضِرٌ وَسْطَ الضَّمِيْر وَأَسْأَلُ عَنْ إِيابِكَ كُلّ يَوْمٍ ... وَمَنْ لِي أَنْ أُبَشَّرَ بِالبَشِيْرِ (٢/ ١٠١)

стр. 39

-٢٥ - وله: تَخَيَّرْتُ مِنْ نَوع العُلُوْمِ لَطِيْفَهُ ... وَيُعْرَفُ مِقْدارُ الفَتَى بِاخْتِيارِهِ وَأَهْدَيْتُ ما يَبْقَى عَلَى الدَّهْرِ ذِكْرهُ ... وَكُلُّ امْرِئٍ يُهْدِي بِحَسْبِ اقْتِدارِهِ (١/ ١٧٦) -٢٦ - وله: [من الكامل] اللَّهُ أكبرُ قد بلغتُ بساعةٍ ... ما ليسَ يبلغهُ أمرؤٌ في دَهرِهِ ما دار في خلدي الذي قد نلتهُ ... أبدًا ولا نطق اللسان (بِذِكْرِه) هذا عطاء لا يُقامُ بحمده ... حقّ القيام ولا يُقامُ (بشكره) لكنما وُسْعُ المقلِّ بحمده ... في حمدِه والشكر (في شكره) فليشكرنَّكَ في الحياة فإن يمت ... فلتشكرنّك أعظم ( ... ) (١/ ١٩٠) -٢٧ - قال كاتبه (عفا اللَّه عنه) متبعًا لقول ابن جهوة (١): سَأبْكِي عَلَى نَفْسِي بِعَيْنٍ قَرِيْحَةٍ ... عَسَى عاذِرٌ لِي إِنْ بَكِيْتُ عَلَى نَفْسِي سَلَامٌ عَلَى الدُّنْيا سَلامُ مُوَدِّع ... يَمُرُّ عَدُوًّا أو رَواحًا إلَى رَمْسِ (٣/ ٢٧١)

стр. 40

-٢٨ - كَاتِبهُ عَفا اللَّهُ عنهُ: [من الخفيف] ضاعَ واللَّهِ في الشَبيبَةِ عُمرِي ... وَكَذا الشَيبُ إن غَفلتُ يَضِيعُ إِنَّ ما قَدْ بَقِي عَزِيْزٌ فَبَادِرْ ... واغْتَنِمْ وَقْتَهُ بِما تَسْتَطِيْعُ (٤/ ٣٧) -٢٩ - كَاتبهُ (عفا اللَّه عنه): ما لِي أرَى حادِثَاتِ الدَّهْرِ قَدْ جَمَعَتْ ... عَلَيَّ عِبْئَيِن سُوءَ الكَيْلِ والحشَفا ألِي تُرَوِّعُ قَدْ جَاءَتْ بِمُعْظَمِها ... كَمْ حادِثٍ جَلَّ لَمَّا حَلَّ وانْصَرَفا كَأنَّنِي ما حَلَبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ ... وَلا وَقَفْتُ عَلَى آثارِ مَنْ سَلَفا عِنْدِي لِرَيْبِ زَمانِي خَمْسَةٌ عَجَبٌ ... فَلا أخَافُ إِذا ما حَافَ أو جَنَفا حَزمٌ وَعَزمٌ وَصَبرٌ ثُمَّ تَجرِبَةٌ ... وَهِمَّةٌ تَعشَقُ العَليَاءَ والشَرَفَا حَاشَايَ أشْكُو إلَى خَلْقٍ فَأُشْمِتُهُ ... ما في الأنَامِ صَدِيْقٌ إنْ وَفَيْتَ وَفَى خُلقُ الصَّدِيْقِ لِخُلْقِ الدَّهْرِ مُتَّبعٌ ... إِذا صَفا لَكَ صَافَى أَو جَفَاكَ جَفَا هَلْ هَذِهِ الدَّارُ إلَّا مِثْلُ ما وُصِفَتْ ... هَشِيْمُ نَبْتٍ ذَرَاهُ عَاصِفٌ عَصَفا أو كَالغَمامِ يُرَجِّي النَّاسُ رِيقهُ ... لَمَّا تَمَكَّنَ أَجْلا الغَيْمُ وانْكَشَفا حَسْبُ الفَتَى ذكرُهُ للمَوتِ مَوْعِظَة ... إِذا أرَادَ اعْتِبارًا حَسْبُهُ وَكَفَى (٣/ ٢٢١) -٣٠ - قِيلَ: لَمَّا أَرَادَ إِبْراهِيْمُ بنُ المُدَبِّرِ الإصْعَادَ إِلَى بَغْدادَ وَقَفَ بِهِ بَعْضُ عُقَلَاءِ المَجانِينِ فَقالَ لَهُ: أَيُّها الرَّئِيْسُ قَدْ حَضَرَني شَيْءٌ مِنَ الشِّعْرِ. فَقالَ: هاتِ. فَأَنْشَأَ يَقُوْلُ:
следующие страницы →