الإمام مالك (-١٧٩ هـ)
عبد الملك بن الماجشون (-٢١٢) - عبد الله بن مسلمة القعنبي (-٢٢١)
أحمد بن المعذل (-؟ )
القاضي إسماعيل بن إسحاق (-٢٨٢)
محمد بن يوسف بن يعقوب (-٣٢٠)
أبو بكر الأبهري (-٣٧٥)
القاضي عبد الوهاب بن علي نصر البغدادي (-٤٢٢)
أبو الفضل مسلم بن علي الدمشقي (-؟ )
стр. 37
بيئته
لقد ترجم عياض لأبي الفضل مسلم بن علي ضمن أهل الشام، وهو ينسب إلى دمشق، كما رأينا، وغاية ما يثبته هذا الأمر هو نسبته الشامية.
ولكن ما ذكر من اختصاصه بشيخه القاضي عبد الوهاب وطول صحبته وملازمته له، وما أسلفناه من كون مفارقة هذا القاضي لبغداد إنما كانت في آخر حياته، يجعلنا نقدر أن أبا الفضل عاش أطول فترة في حياته ببغداد، أما ولادته فمجهول مكانها كما جهل وقتها، وهو إن لم يكن مولوداً ببغداد فإنه وافد عليها في طفولته أو شبابه، وبذلك يتأتى أخذه عن أبي بكر الأبهري، واستفادته منه، ولعل بذرة علاقته بالقاضي أبي محمد عبد الوهاب نبتت في المجالس العلمية للأبهري، فاينعت وازدهرت، كما ازدهرت ملكتا الطالبين المتلازمين: البغدادي والدمشقي وتعاضدت جهودهما في خدمة مذهبهما المالكي الذي رجحاه، ومالا إلى مناصرته وإثرائه بالتآليف القيمة.
أقرانه
يعد تلاميذ أبي بكر الأبهري أقراناً لأبي الفضل الدمشقي، وهم كثيرون، ومنهم الوافدون على العراق، ونذكر من العراقيين:
- أبا القاسم عبيد الله بن الحسين المعروف بابن الجلاب البصري (١) (-٣٧٨)
صاحب (التفريع).
стр. 38
- أبا الحسن علي بن أحمد قاضي بغداد (-٣٩٨) كان إماماً فقيهاً أصولياً حافظاً (١).
- أبا سعيد أحمد القزويني، من كبار أصحاب الأبهري (٢).
- أبا عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن خويز منداد، كان فقيهاً متكلماً أصولياً (٣).
ونذكر من أقران الدمشقي في حلقة القاضي عبد الوهاب أبا الفضل محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عمروس البغدادي المقري الذي انتهت إليه الفتيا في مذهب مالك ببغداد (٤) (-٤٥٢).
تلميذه
لم تذكر كتب التراجم إلا اسم تلميذ واحد من تلاميذ مسلم الدمشقي (٥) هو:
قاسم بن محمد بن هشام الرعيني المعروف بابن المأموني، وهو من أسرة شهيرة بسبتة، أخذ عن أعلامها كعبد الرحمن بن العجوز (٦)، والقاضي أبي إسحاق بن يربوع (٧)، كما أخذ عن بعض أعلام الأندلس عندما رحل إليها كابن الدباغ وأبي عمر الباجي، وفي رحلة حجه لقي علماء بمصر، وسمع من
стр. 39
عبد الوهاب بن منير، وأبي محمد عبد الغني الحافظ، وأبي القاسم بن أبي يزيد، ثم سكن المرية وإشبيلية، فأخذ عنه جلة من مشيخة الأندلس، كأبي المطرف الشعبي، وأبي بكر بن صاحب الأحباس القاضي. وألف قاسم بن المأموني كتاباً في المناسك رواه عنه ابنه حجاج، وكانت وفاته سنة ٤٤٨، وقد نيف على السبعين (١).
ولا يبعد أن يكون أبو محمد حجاج المذكور تلقى أيضاً عن مسلم الدمشقي، لما لوحظ في ترجمته من حرصه على السماع من مشيخة أبيه، ولأنه رافق أباه في رحلة حجه، وهي الرحلة التي أتاحت لهما لقاء مسلم الدمشقي، وانصرف بعدها حجاج إلى المرية فحاز فيها رئاسة وجاها، ثم عاد إلى سبتة في دولة المرابطين (٢).
علاقة المالكية في العراق بنظرائهم
وضع المدرسة المالكية بالعراق يكتسي صبغة خاصة، نجمت عن احتكاك فقهائها بسائر فقهاء العراق المنتمين إلى مدارس تشريعية أخرى، مثل الحنفية الذين يقولُ عنهم ابن خلدون: (استكثروا من القياس ومهروا فيه، فلذلك قيل: أهل الرأي) (٣). وهم قد اشتهروا أيضاً بالفقه التقديري وافتراض الصور العقلية ووضع أحكام بها.
وقد تأثر علماء المالكية العراقيون بإخوانهم الحنفية وببعض التيارات الأخرى التي يعايشونها في هذه البيئة المتحضرة ... فصاروا يتوسعون في استعمال الرأي
стр. 40
والقياس، وتميزت طريقتهم في دراسة المدونة السحنونية عن طريقة نظرائهم من فقهاء إفريقية المالكيين، وقد تحدث أبو العباس أحمد المقري عن الطريقتين وسماها بالاصطلاحين، وقال: (أهل العراق جعلوا في مصطلحهم مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات، ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين. وأما الاصطلاح القروي فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجود الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضصراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها (١).
ومن فقهاء هذه المدرسة المالكية العراقية من انكب على تدوين مسائل الخلاف المذهبي وعلى مناقشة من خالفهم في المسائل، كما رأينا في لائحة عناوين مؤلفات الأبهري والقاضي البغدادي شيخي الدمشقي، ومنهم من انصرف إلى التأليف في أصول الفقه على مذهبه مثل أبي عبد الله محمد بن أحمد ابن مجاهد الطائي البصري نزيل بغداد (٢) (-٣٧٠).
وكان لأعلام هذه المدرسة المالكية بالعراق علاقة وطيدة بأعلام المدارس المالكية الأخرى: فهم يتبادلون الإجازات العلمية (٣) والكتب الفقهية ويجرون
стр. 41
الحوار في المسائل ويثيرون النقاش تارة بصفة مباشرة وتارة بواسطة المكاتبة أو التأليف (١).
وقد رأينا من تلاميذ الأبهري والقاضي البغدادي طلبة أندلسيين (٢)، ومن تلاميذ مسلم الدمشقي سبتيا. ورأينا الأبهري والبغدادي من المبادرين إلى شرح الرسالة الفقهية (٣) والتعليق على مسائلها وتأصيلها، وقد بيعت أول نسخة منها (ببغداد في حلقة أبي بكر الأبهري بعشرين ديناراً ذهبا) (٤).
وهكذا لم يمنع كون العراق في غير طريق الحج -الذي سلكه أهل المغرب والأندلس- من الرحلة إلى أقطاب المالكية بها (٥)، وربط الوشائج العلمية بهم.
стр. 42
ضعف الذهب المالكي بالعراق
لا يفوتنا في خاتمة مطاف حديثنا عن المذهب الذي كان يتبعه مترجمنا مسلم الدمشقي، أن نلاحظ ما أخذ يطرأ عليه من ضعف يتجلى في تناقص مقلديه من أهل العراق، وذلك نتيجة لعدم إسناد الخلفاء خطة القضاء إلى علماء المالكية، وتقليدها إلى الشافعية والحنفية، ابتداء من أواخر القرن الرابع، بينما كان المذهب المالكي مزدهراً كثير الأتباع قبل هذه الفترة عندما كان أعلام المالكية يتولون القضاء وسائر الخطط الشرعية خاصة من آل حماد.
يقول أبو بكر الخطيب: (بعد موت الأبهري وكبار أصحابه وتلاحقهم به وخروج القضاء عنهم إلى غيرهم من مذهب الشافعي وأبي حنيفة ضعف مذهب مالك بالعراق، وقل طالبه لاتباع الناس أهل الرئاسة والظهور) (١).
إنه عامل للضعف ظهر في حياة أبي الفضل الدمشقي، هيأ لمزيد انحسار المذهب في عهود موالية عندما تضافرت العوامل، أما آثار فقهاء العراق في عهد الازدهار فما زالت من مصادرنا الثقافية المفيدة إلى اليوم.
стр. 43
الفصل الثاني: فن الفروق
التعريف:
الفرق في اللغة: الفصل، تقول: فرقت بين الشيء، فصلت أبعاضه؛ وفرقت بين الحق والباطل: فصلت (١) - ومنه قوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢). قال ابن عباس وغيره: المعنى أفصل بيننا وبينهم بحكم وافتح (٣).
والفرق خلاف الجمع، يقال: فرقَه يفرُقه فرقاً، وفرَقه.
وقيل: فرَق للصلاح فرقاً، وفرَّق للإفساد تفريقاً، وانفرق الشيء وتفرق وإفترق (٤).
وذهب ابن الأعربي إلى أن (فرَق) المخفف يستعمل في المعاني، نحو فرقت بين الكلاميين، وأن (فرَّق) المثقل في الأعيان، نحو فرَّقت بين العينين (٥).
وحكى غيره أنهما بمعنى والتثقيل للمبالغة، وحينئذ يكون التفرق والافتراق سواء (٦).
стр. 44
وجرى هذا الخلاف في تفسير قوله ﷺ : (البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا ... ) (١).
ونقل الإمام القرافي عن بعض شيوخه أن التفريق بين التخفيف والتشديد هنا، كان (وجه المناسبة فيه أن كثرة الحروف عند العرب تقتضي كثرة المعنى أو زيادته أو قوته، والمعاني لطيفة، والأجسام كثيفة، فناسبها التشديد وناسب المعاني التخفيف) (٢). ولئن اطردت هذه القاعدة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (٤). فإنهما لم تصدق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ (٥). فخفف في البحر وهو جسم وكذلك في الآية السالفة: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٦).
ونقل الاسنوي عن الجوهري أن العرب تستعمل صيغة التخفيف (فرقت بين الشيئين فرقاً وفرقاناً) كما تستعمل صيغة التشديد (فرقت تفريقاً وتفرقة) ثم قال: يكون اللفظ المستعمل في المعاني الفقهية المخفف، إلا أن يقصد معني التكثير (٧).
ولاحظ محمد بن علي بن حسين المكي المالكي أن التمييز بين التخفيف وبين التشديد هنا هو الغالب في الاستعمال العربي، وأنه لا يكاد يسمع من
стр. 45
الفقهاء إلا قولهم: ما الفرق بين المسألتين؟ ولا يقولون ما المفرّق بينهما، على أنهم كثيراً ما يقولون في الأفعال، دون اسم الفاعل: فرِّق بين المسألتين، ويقولون: بأي شيء نفرق بينهما (بالتشديد) (١).
وفي الاصطلاح الفقهي تعتبر الفروق من الفنون التابعة للأشباه والنظائر، وتمثل ضرباً من ضروب القواعد الفقهية التي كان السلف يدركون أهميتها منذ صدر الإسلام، فمما جاء في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، قوله: (اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عندك، فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى).
ولاحظ الإمام السيوطي (-٩١١) أن هذه النصيحة (صريحة في الأمر بتتبع النظائر وحفظها ليقاس عليها ما ليس بمنقول) وأن فيها (إشارة إلى أن من النظائر ما يخالف نظائره في الحكم لمدرك خاص به، وهو الفن المسمى بالفروق الذي يذكر فيه الفروق بين النظائر المتحدة تصويراً ومعنى، المختلفة حكماً وعلة) (٢).
في مختلف العلوم
إن فكرة التفريق بين المعاني لم تنحصر في مجال الفقه الإسلامي، بل ظهرت في سائر العلوم، للتمييز والفصل ومزيد البيان.
стр. 46
ففي اللغة ألف أبو هلال العسكري (١) (-٤٠٠) كتاباً شهيراً في الفروق (٢) لما أدرك ضرورة إبراز (الفرق بين معان تقاربت حتى أشكل الفرق بينها نحو العلم والمعرفة والفطنة والذكاء ... ) وأدرك أن ما يصنف في الفروق اللغوية (يكفي الطالب ويقنع الراغب مع كثرة منافعه فيما يؤدي إلى المعرفة بوجوه الكلام والوقوف على حقائق معانيه والوصول إلى الغرض فيه) (٣).
وألف أبو العباس أحمد بن محمد السرخسي (-٢٨٦) كتاب (الفرق بين النحو والمنطق) (٤).
وفي العقائد ألف أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بالقاضي الباقلاني (-٤٠٣) كتاب (تصرف العباد والفرق بين الخلق والاكتساب) (٥) كما ألف (الفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء) (٦).
وفي الطب ألف أحمد بن إبراهيم بن الجزار (حوالي ٣٦٩ هـ) كتاب الفرق بين العلل التي تشتبه أسبابها وتختلف أغراضها (٧).
стр. 47
وفي أصول الفقه ألف البلقيني رسالة في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالوجب ضمنها ستة فروق (١).
وألف إسماعيل؛ بن معلى المحلي الشافعي كتابه الوسوم بـ (الليث العابس في صدمات المجالس)، فر من تأليفه سنة ٨٧١ هـ وجعل قسمًا منه للفرق بين الأصول (٢) من اللوحة ١٣ إلى اللوحة ٢١.
وهناك تأليف موسوم بـ (فروق الأصول) (٣) ينسب إلى عوض أفندي (؟ ) بدايته: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله المحمود ذي القدم الموجود لا عن العدم المتنزه عن الند ...... ).
جاء الفرق الأول فيه بين الشرط اللازم وبين الشرط غير اللازم.
ومن فروقه الفرق بين الشرط والسبب، وها نحن نقدم هذا الفرق كمثال يصور الأسلوب الذي جرى عليه مؤلف هذا الكتاب:
(فرق آخر بين الشرط والسبب، فنقول: إن الشرط ما لا أثر له، لأنه علم على ثبوت الحكم، كمن قال لأمرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، يقع الطلاق عند دخولها بقوله: أنت طالق، وهو سبب لوقوع الطلاق عند وجود
стр. 48
الشرط، وهو دخول الدار، ودخول الدار ليس بمؤثر في وقوع الطلاق، لكن السبب قد تعلق بالشرط، فأثر عند وجوده؛ فبان الفرق بينهما).
الفروق الفقهية والحاجة إليها
يكون الفرق تارة بين فرعين، وتارة بين قاعدتين فقهيتين (١)، وتارة أخرى بين عبارات لغوية أو اصطلاحية لها علاقة بالفقه أو بالأصول، ويترتب على إقامة الفرق أحكام مختلفة، كما في الفرق بين الشهادة والرواية مع ما يظهر من تشابه في كون كل منهما يتضمن نقل خبر (٢)، وقد حكى القرافي أنه أقام يطلبه نحو ثمان سنين وكان يسأل العلماء عن هذا الفرق فلم يظفر به إلا في شرح البرهان للميازري.
وكما يقع الحرص على معرفة العلة لإجراء القياس ومعرفة أوجه الشبه لجمع النظائر بما يربط بينها من المعاني، كذلك يهتم الفقهاء باستجلاء وجه الفرق للتفريق في الحكم، وذلك ما يقتضي دقة تأمل وعمق نظر وبحث.
ومعرفة النظائر الجامعة للمسائل، والعلل الرابطة بين الفروع وأصولها، والروق الصحيحة الفاصلة بين المسائل المتشابهة في الظاهر، ضرب من ضروب الفقه، وممن عد هذه العرفة من أنواع الفقه بدر الدين الزركشي (٧٩٤) عندما جزأ الفقه إلى عشرة أنواع منها (معرفة الجمع والفرق) ولاحظ أن جل مناظرات السلف يجري على هذا النوع، وأن بعضهم حصر الفقه فيه فقال: (الفقه فرق وجمع). وأكد أن الفروق القوية هى التي تكون مؤثرة في
стр. 49
الأحكام، فقال: (كل فرق بين مسألتين مؤثر ما لم يغلب على الظن أن الجاء أظهر) واستدل بقول إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني (-٤٧٨): (لا يكتفى بالخيالات في الفروق، بل إن كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما، وإن انقدح فرق على بعد ... فافهموا ذلك فإنه من قواعد الدين) (١).
ويستفاد من ذلك أن الفروق التي يعتبرها الفقيه ويحتاج إلى معرفتها في الاستنباط، وإلى مراعاتها في المناظرات، هي التي تكون قريبة صحيحة، وأما البعيدة فلا تعتبر عند الاجتهاد ولا تراعى عند البحث والمناظرة لضعفها إزاء المعنى الجامع الذي غلب على ظن الفقيه أنه أظهر في مسألتين.
وقد تصدى العلماء الراسخون لمعارضة الفروق الغريبة البعيدة عن الصواب، ومن ذلك هذا الفرق الذي أعلنه بعض الأشياخ لا سئل (لِمَ لا تقضي الحائض الصلاة كما تقضي الصوم، وكلاهما فرض؟ فأجاب عن ذلك، قال: نعم، لأن حواء ﵂. أتاها الحيض وهي في الصلاة فسألت آدم ﵇ عن ذلك، فأوحى الله إليه أن مرها تترك الصلاة. ثم أتاها الحيض وهي صائمة، فتركت الصيام قياسًا على الصلاة، ولم تسأل عن ذلك، فأوحى الله إلى آدم أن مرها تقضي الصيام عقوبة لترك السؤال) وقد تولى أبو بكر بن العربي الرد على القائل بهذا الفرق، فذكر أن (هذه دعوى فارغة طويلة عريضة، لا برهان عليها ولا أثر ولا خبر، وهي من أعظم حجج أهل الظاهر في إبطال القياس).
стр. 50
والفرق الصحيح هو الذي أورده أبو العباس الونشريسي، ونصه: (إنما تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة، وكلاهما عبادة بدنية، لأن المشقة تلحق في قضاء الصلاة لتكرارها، فلو ألزمت القضاء لشق ذلك عليها، ولأنها كما تشاغلت به تعطلت عن أشغالها وعما يصلح من شأنها، ولا كذلك الصوم، إذ لا مشقة في قضائه، إذ هو غير متكرر في السنة، وربما حاضت فيه وربما لم تحض) (١).
هذا وقد كان الإمام أبو عبد الله المازري (-٥٣٦) أشار إفى أهمية التفريق بين المسائل، واعتبر أن أقل مراتب الفقهاء تقتضي مستوى معينًا من المعرفة الفقهية، وعناصر من الثقافة الشرعية، منها القدرة على التنظير بين المسائل المتشابهة والتفريق بين المختلفة، يقول الإمام المازري: (الذي يفتي في هذا الزمان أقل مراتبه في نقل المذهب أن يكون قد استبحر في الاطلاع على روايات المذهب وتأويل الشيوخ لها وتوجيههم فيها: من اختلاف ظواهر واختلاف مذاهب، وتشبيههم مسائل بمسائل قد يسبق إلى النفس تباعدها، وتفريقهم بين مسائل ومسائل قد يقع في النفس تقاربها وتشابهها) (٢).
وهذا المعنى لاحظهُ أبو القاسم البرزلي (-٨٤١) بعد ذلك، وحذر ممن يدعي الاجتهاد ويعمد إفى القياس وهو جاهل بالفروق غير بصير بما، يقول: (قد يطرأ من يظن أنه بلغ رتبة الاجتهاد، فينظر المسائل بعضها ببعض، ويُخرج، وليس بصيرًا بالفروق) (٣).
стр. 51
وقد أوضح أبن خلدون أكيد الحاجة إلى الملكة الراسخة التي يقتدر بها على التنظير والتفرقة، وهي المتوفرة لدى فقهاء عصره بعد أن ضاق مجال الاجتهاد وانعدام المطلق منه، يقول عن هولاء الفقهاء: ( .... لم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس فاحتاجوا إلى تنظير المسائل فِى الإلحاق وتفريقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذهب إمامهم، وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكة راسخة يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير أو التفرقة، واتباع مذهب إمامهم فيها ما استطاعوا، وهذه الملكة هي علم الفقه لهذا العهد) (١).
تآليف الفروق الفقهية
قبل أن تستقل الفروق الفقهية بمصنفات خاصة كانت الفروق متداولة على ألسنة الفقهاء، تنبني عليها أحكام، وينجم عنها الاستثناء من القواعد.
وفي الكتب الفقهية تتناثر كثير من الفروق (٢)، نذكر منها للتمثيل هذه الفروق:
١ - جاء في الفرق بين انعزال الوكيل إذا مات موكله وعدم انعزال القاضي إذا مات الخليفة الذي ولاه، ما يلي:
стр. 52
(إن الموكل إذا مات أو خلع ينعزل الوكيل، والخليفة إذا مات أو خلع لا تنعزل قضاته وولاته، ووجه الفرق: أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفي خالص حقه أيضًا، وقد بطلت أهلية الولاية، فينعزل الوكيل، والقاضي لا يعمل بولاية الخليفة وفي حقه، بل بولاية المسلمين وفي حقهم، وإنما الخليفة بمنزلة الرسول عنهم، لهذا لم تلحقه العهدة كالرسول في سائر العقود والوكيل في النكاح، وإذا كان رسولًا كان فعله بمنزلة فعل عامة المسلمين وولايتهم بعد موت الخليفة باقية فيبقى القاضي على ولايته) (١).
٢ - ذكر الإمام المازري الفرق بين الجبائر وبين الخفين في المسح عليها، حيث اشترط الطهارة في الخفين دون الجبائر، فقد صاغ هذا السؤال: لم كانت الجبائر خلاف الخفين في الطهارة؟ ثم أجاب عنه بهذا الجواب المتضمن للفرق.
(إنما لم نشترط الطهارة في مسح الجبيرة، واشترطناها في مسح الخفين، لأن لبس الخفين اختياري، يمكن أن يؤمر اللابس إذا أراد السح ألا يلبسهما إلا على طهارة، فلما أمكن ذلك جاء الشرع به، ولا يمكن أن يقال للإنسان: لا يجرح ولا يكسر إلا على طهارة، فلما لم يكن ذلك لم يجئ الشرع به) (٢).
٣ - وجاء في الفرق بين الغرباء الطواف لهم أفضل من التنفل بالصلاة وبين أهل مكة التنفل بالصلاة أفضل لهم من طواف التطوع، ما يلي:
стр. 53
(إن أهل مكة مقيمون فلا يتعذر عليهم الطواف أي وقت أرادوه، فكان التنفل بالصلاة أفضل، لأنها في الأصل أفضل من الطواف، والغرباء بخلاف ذلك، لأنهم يرجعون لأوطانهم فلا يتمكنون من الطواف، فكان الطواف أفضل، لأنه يخاف فواته) (١).
٤ - وأورد أبو الطاهر إبراهيم بن بشير المهدوي في الفرق بين الهبة وبين الصدقة لمحوله: (لا تفترق الهبة من الصدقة إلا في وجهين، أحدهما: أن الهبة تعتصر وأن الصدقة لا تعتصر، والثاني: أن الهبة يصح الرجوع فيها بالبيع والهبة، ولا يجوز ذلك في الصدقة) (٢).
٥ - وقال أبو الحسن المنوفي (-٩٣٩) موضحًا لفرق بين الدم الذي لا تؤثر نجاسته القليلة وبين غيره من النجاسات التي يؤثر قليلها وكثيرها، قال: (الفرق بينهما أن الدم مما تعم به البلوى ولا يكاد يُتحفظ منه، لأن بدن الإنسان كالقربة المملوءة دمًا، بخلاف سائر النجاسات، إذ يمكن التحرز منه في الغالب) (٣).
تناثرت الفروق -إذن- في الكثير من المصنفات الفقهية، ووجدت في مختلف الأبواب المتناولة للعبادات وللمعاملات.
وأختار بعض المصنفين في فن القواعد الفقهية أن يخصصوا أبوابًا للفروق يقدمون فيها فروق موضوعات فقهية متنوعة. ومنهم عبد الرحمن السيوطي في (الأشباه والنظائر) فقد ترجم للكتاب السادس منه بـ (أبواب متشابهة وما
стр. 54
افترقت فيه) (١) وتبعه زين الدين إبراهيم بن نجيم في (أشباهه) فجعل الفن الثالث
منه (الجمع والفرق) (٢).
وقد واكب الجهد المشار إليه - في صوغ فروق موزعة على أبواب أو مجتمعة في باب واحد، جهد آخر بذله بعض علماء القواعد الفقهية من مختلف المذاهب التشريعية، أثمر عديد المصنفات الخاصة بالفروق، كان الكثير منها شاملًا لفروق مسائل فقهية متنوعة، وبعضها مقتصرًا على التعمق في توضيح فرق بين مسألتين، كما سنرى في العرض الموالي.
المذهب الحنفي
- كتاب الفروق، لأبي الفضل محمد بن صالح المعروف بالكرابيسي من أهل سمرقند (٣) (-٣٢٢).
- كتاب الأجناس والفروق، لأبي العباس أحمد بن محمد الناطفي الطبري (٤) (- ٤٤٦)
- كتاب الفروق، لأبي المظفر أسعد بن محمد الكرابيسي النيسابوري (٥) (-٥٧٠).
стр. 55
- تلقيح العقول في فروق المنقول، لأحمد بن عبيد الله المحبوبي (١) (-٦٣٠).
- الفروق لأحمد بن عثمان التركماني (٢) (-٧٧٤) (؟ ).
المذهب المالكي
- فروق مسائل مشتبهة من المذهب، لأبي القاسم عبد الرحمن بن علي الكناني المعروف بابن الكاتب (-٤٠٨) ذكر عياض أنه وقف عليها في جزء منطو على أحد وأربعين فرقًا (٣).
- الفروق في مسائل الفقه، للقاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي (٤)
(-٤٢٢) نقل عنه المواق في شرحه على المختصر الخليلي (٥).
- النكت والفروق لمسائل المدونة، لأبي محمد عبد الحق بن محمد بن هارون
الصقلي (٦) (-٤٦٦) وهو كتاب قيم به فوائد جمة، ألفه صاحبه في فروق المدونة.
- الفروق، لأبي الفضل مسلم بن علي الدمشقي (-؟ ) الذي نقدم لتحقيقه.
- أنوار البروق في أنواء الفروق، لأبي العباس شهاب الدين أحمد القرافي (-٦٨٤) وهو الكتاب الشهير المتداول المعروف اختصارًا بفروق القرافي، وقد اهتم بتهذيبه واختصاره بعض أعلام المالكية، هم:
стр. 56
* أبو عبد الله محمد إبراهيم البقوري (١) (-٧٠٧).
* أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الربعي التونسي (٢) (-٧١٥).
* سراج الدين قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط السبتي (-٧٢٧) وكتابه موسوم بـ (إدرار الشروق على أنواء الفروق) (٣).
* محمد على بن حسين المالكي مفتي مكة (-١٣٦٧) وكتابه عنوانه: (تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية) (٤).
* عبد العزيز أبو عتور التونسي (-؟ ) جعل كتابه بعنوان (ترتيب مباحث الفروق للقرافي) (٥).
* أبو المنتصر محمد رواس قلعه جي، وضع فهرسًا تحليليًا بترتيب أبجدي للمسائل، ملحق بطبعة الفروق التي أصدرتها دار المعارف ببيروت (د. ت).
- الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام (٦)، للشهاب القرافي، جعل مسائله ضمن الإجابة عن أربعين سؤالًا، وصبغة الفروق فيها واضحة جلية.
стр. 57
- الفرق بين الخوارق الثلاثة: المعجزة والكرامة والسحر، لأحمد بن البناء الأزدي المراكشي (١) (- ٧٢١).
- عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق، لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (٢) (-٩١٤).
- الفروق لأبي عبد الله محمد بن يوسف العبدري المواق الغرناطي (٣).
- الفرق بين الطلاق البائن والرجعي، لمحمد المهدي العمراني الوزاني (٤) مفتي فاس (-١٣٤٢).
- فروق بين مسائل فقهية متشابهة الأحوال مختلفة الاعتدال عبد الله محمد بن يوسف (٥).
стр. 58
المذهب الشافعي
- الفروق في فروع الشافعية، لأبي عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي (١) (-٢٥٥)
- الفروق لأبي العباس أحمد بن عمر بن سريج (-٣٠٦) وهي تشتمل على أجوبة عن أسئلة متعلقة بمختصر المزني (٢).
- الفروق، لأبي محمد عبد الله بن يوسف بن حيويه الجويني (-٤٣٨) والد إمام الحرمين (٣).
- مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق، لبي محمد عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي (٤) (-٧٧٢).
وقد ذكر الإسنوي في مقدمة مطالعه كتبًا أخرى تتضمن فروقًا ومطارحة بالمسائل، منها كتاب الوسائل في فروق المسائل لأبي الخير سلامة بن إسماعيل ابن جماعة المقدسي، وكتاب المطارحات لأبي عبد الله محمد بن أحمد القطان (-٤٠٧) وكتاب المسكت لأبي عبد الله الزبيري، وكتاب المعاياة للقاضي أبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد الجرجاني (٥).
стр. 59
- الاستغناء في الفرق والاستثناء، لبدر الدين محمد بن أبي بكر بن أبي سليمان البكري المصرىِ (١) (عاش في النصف الثاني من القرن الثامن والنصف الأول من القرن التاشع).
- الكفاية في الفروق لأبي عبد الله الحسين بن عبد الله الطبري الشافعي، المتوفي في مطلع القرن الخامس (٢).
- الفروق لأبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني الشافعي المتوفي سنة ٥٠٢ هـ. نقل عنه أبن السبكي في أشباهه (٣).
- الفروق لأبي العباس كمال الدين أحمد الدزماري الشافعي المتوفي سنة ٦٤٣ هـ (٤).
стр. 60
- الجمع والفرق لسراج الدين يونس بن عبد المجيد بن علي الهذلي الشافعي المتوفي سنة ٧٢٥ هـ (١).
- الفروق لأبي أمامة شمس الدين محمد بن على بن عبد الواحد الشافعي المعروف بابن النقاش المتوفي سنة ٧٦٣ هـ (٢).
المذهب الحنبلي
- الفروق، لأبي عبد الله نصير الدين محمد بن عبد الله السامري بن سُنينةَ (٣) (-٦١٦).
- الفصول في الفروق، لأبي العباس أحمد بن محمد بن راجح المقدسي (-٦٣٨).
- إيضاح الدلائل في الفروق بين المسائل، لأبي محمد عبد الرحمن الزريراني (٤).
- القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (٥) (؟ ).
стр. 61
أهمية الفروق
يتنوع النشاط الفكري للفقيه، زهو يستنبط الأحكام من الأدلة المتنوعة، فيعتمد تارة على النصوص المنقولة، وتارة على المصادر العقلية، وتارة يخرج على الأقوال في مذهبه ... ومن أنواع نشاطه التوجيه والتعليل وبيان الحكمة الشرعية، والتفريق بين ما ظاهره متشابه.
ويدل أهتمام فقهائنا بالفروق بين المسائل على أن هذه الشريعة لا تناقض فيها، وأن العقل يدرك مقاصدها ويفهم الكثير من حكمها، وبذلك ينبني الاجتهاد على مراعاة المصالح ويتوخى جلبها ويعتمد على درء المفاسد وتجنبها.
وبهذا النشاط العملي في إطار نصوص الوحي وتعاليمه كانت الشريعة الإسلامية خالدة.
- الفروق في المسائل الفقهية لإبراهيم بن عبد الواحد القدسي الحنبلي المتوفي سنة ٦١٤ هـ، ذكره ابن رجب في ذيل طبقاته (١).
- الفروق لأبي عبد الله محمد بن عبد القوي بن بدران القدسي الحنبلي المتوفي سنة ٦٩٩ هـ (٢).
стр. 62
الفصل الثالث: فروق الدمشقي
عرفنا أن أبا الفضل الدمشقي ينتمي إلى مذهب اهتم فقهاؤه بالفروق، وكان يعيش في المركز العراقي المشتهر بالنشاط العقلي، وكان يلازم كثيرًا شيخه القاضي عبد الوهاب الذي من بين مصنفاته كتاب فروق فقهية، وقد ظهرت لدى بعض معاصريه عناية بالفروق، ومنهم أبو الحسن علي الطابثي البصري الذي رحل إلى مصر فلقي أبا القاسم بن الكاتب (وكتب عنه الفروق في مسائل سأله عنها) (١).
وقد أشعرنا الدمشقي في مقدمة كتابه أنه يقتفي أثر شيخه القاضي عبد الوهاب في صوغ الفروق الفقهية، وأن أصحاب هذا الشيخ ذكروا فروقًا، وهم أقرانه الذين جمعته بهم مجالس القاضي، وهو في كتابه يذكر شيخه هذا سبع مرات ناقلًا عنه بعض آرائه الفارقة بين السائل، كما يعزو فروقًا لبعض أصحابه من رجال مذهبه، وينسب أقوالًا لأربابها وغالبًا ما ينسبها للإمام ماللث، وقد وثقنا أقواله من المدونة، فتبين بهذا التوثيق أن مسلمًا الدمشقي قد انخرط في سلك دارسي فقه المدونة، متأثرًا بالطريقة العراقية التي أسلفنا إشارة المقري لصبغتها العقلية.
стр. 63
وواكب مسلم الدمشقي بهذا العمل العلمي مالكيًا آخر معاصرًا له من المركز الصقلى مولعًا بخدمة فقه المدونة، وهو أبو محمد عبد الحق صاحب (النكت والفروق لمسائل المدونة) وهما يمهدان الطريق أمام عالم مالكي آخر اهتم بفروق المدونة وبعض مدونات المذهب الأخرى، وهو أبو العباس أحمد الونشريسي الذي يقول في مقدمته لعدة البروق: (وضعت في الجموع والفروق، مجموعًا مطبوعًا وسميته بعدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق يستعان به على حل كثير من المناقضات الواقعة في المدونة وغيرها من أمهات المرويات) (١).
وقد أكد الدمشقي أن الفروق تشكل على كثير من الناس فيصعب حفظها. ولاحظ أن فروق الفقهاء من أصحاب القاضي عبد الوهاب لم تفرد بتأليف بل انتشرت في تضاعيف الكتب، فقصد بتأليفه هذا جمع الكثير منها وتسهيل تناولها وتقريب فهمها، ملاحظًا أنها تحتاج إلى نظر وبحث.
وقد سلك في تأليفه منهج الاختصار في العبارة، فكان تعبيره دقيقًا مع الوضوح، واقتصر على ما أشكل أمره وخفي حكمه، وهو يقول: (العلم على ضربين: جلي لا يحتاج إلى تبيين، وخفي يفتقر إلى تفسير، ولو كان العلم كله جليًا كان العالم به دريًا، ولم يكن للعلماء فضل على من سواهم، ولا زيادة مزية على من ناواهم) (٢) ـ.
стр. 64
وقد يتعرض إلى الخلاف في المسألة التي يتناولها (١)، وأحيانًا يشير إلى أن الفرق غير مسلم بل هو محتمل للنظر (٢)، ومعلوم أن أغلب الفروق في المجال الفقهي ليعست راجعة إلى نصوص قرآنية أو حديثية، وإنها تمثل ضربًا من الاجتهاد والتوجيه للأحكام كما أسلفنا، والتأليف فيها يقتضي تعمقًا في إدراك الأسرار الشرعية والعلل، ودربة على التوجيه والتأصيل، وتجلى هذا عند الدمشقي وهو يصوغ فروقًا يبتكرها، أو يرجح فرقًا على آخر معتبرًا الراجح (أقيس) من المرجوح (٣)، كما يرجح بين الأقوال في المسائل الفرعية التي يبنيها على الفروق (٤).
أما الأسلوب فهو يلتزم فيه:
- الابتداء بعبارة: (فرق بين مسألتين).
- يورد بعدها المسألتين اللتين اختلف حكماهما.
- ثم ينبت ما يجمع بينهما في الظاهر، مما يجعل متبادرًا إلى الذهن تشابهما في الحكم.
- ثم يذكر عبارة: (الفرق بينهما).
- يورد بعدها بيان الفرق بين المسألتين، مما يزيل الإشكال الناجم عن المعنى الجامع بينهما مع اختلاف حكميهما.
стр. 65
- ثم يختم غالبًا بقوله: (فافترقا) وقد يستعمل عبارة: (فلهذا افترقا). وهو قد يورد للمسألتين أكثر من فرق (١).
وأحيانًا يتوقع اعتراضًا فيذكره ثم يجيب عنه كما يفعل بعض الفقهاء في مؤلفاتهم (فإن قيل: ... قلت: ... ) (٢).
وهو يلاحظ أن المسائل التي يعرضها يمكن أن تجر إلى بحث عميق وتفصيل، ولكنه آثر الاختصار والاقتصار على التفريق بين المسائل، يقول: (كل مسألة من هذه المسائل يطول الكلام فيها إلا أن الغرض بيان النكت التي بها يقع الفرق) (٣).
وهكذا تكون هذه الفروق الفقهية للدمشقي إحدى الحلقات في سلسلة المصنفات المهتمة بفروق المسائل الدالة على مدى توغل فقهائنا في مجال البحث والنظر والتعليل والتوجيه.
نسخ (فروق الدمشقي) والمعتمد منها
إن النسخ المعروفة من كتاب الفروق للدمشقى ست، أمكننا الحصول على صور لأربع منها، وتعذر حصولنا على مصورة لإحداها -رغم جهودنا المبذولة لذلك- وهي الموجودة بخزانة القرويين وقد وصفها الأستاذ محمد العابد الفاسي في فهرس مخطوطات هذه الخزانة (٣/ ٢٧٣ رقم ١١٩٣) وسماها بـ (كتاب فقهى على مذهب الإمام مالك) وذكر أنها (في أوراق متلاشية
стр. 66
وبعضها ممزق مع خرق السوس غير مرتب) وساق مقدمة الكتاب وبعض فروقه وخاتمته وهي (تم الكتاب بحمد الله وحسن عونه تأليف مسلم بن عبد الله بن محمد الدمشقي) أوراقه ٧٢، وما ساقه لا يختلف إلا يسيرًا عما جاء في النسخ الأخرى، ويؤكد نسبة الكتاب إلى مسلم الدمشقي وإن أسقط من سلسلة نسبه أبوه علي.
أما النسخ التي اعتمدناها في التحقيق فنسختان منها تتوفر عليها دار الكتب الوطنية بتونس ونسخة في مكتبة شستربيني بإيرلندا وأخرى في مكتبة الأوقاف بطرابلس (ليبيا) وهي تتفاوت في سلامة النص وصحته، وتختلف في عدد الفروق التي تضمنتها كل نسخة، ولا تتفق في نسبة الكتاب إلى مؤلفه، فبينما تنسبه إحدى النسختين التونسبين إلى مسلم الدمشقي، تغفل سائر النسخ المعتمدة نسبته إلى أحد.
وفيما يلي وصف لكل نسخة من هذه النسخ المعتمدة في التحقيق:
١ - نسخة دار الكتب بتونس أول مجموع ١٦٩٢ (من ١ ب إلى ٢٢ ب) وفي وجه اللوحة الأولى من المجموع أسماء الكتب التي يتضمنها على النحو التالي:
- فروق متفق ظاهرها مختلف باطنها، للعلامة الدمشقي.
- إعمال النظر والفكر في تحرير الصاع التونسي بالنبوي.
- الاستنباط لابن قاسم.
- تعريف علم الفرائض.
- شرح ابن يامون في آداب النكاح (الجواهر المنظومة على شرح المنظومة).
стр. 67
أوراق المجموع: ١٣٢ - مقاسه: ٢٠ × ١٥.
وبالنسبة لكتاب الفروق فإن ناسخه صالح بن محمد بوغربال، نسخه بمداد أسود وجعل للعناوين اللون الأحمر، وخطه التونسي واضح - المسطرة: ٢١ - وتاريخ نسخه: شعبان سنة ١٣٩٩.
وقد سميناها (الأصل) لما سيأتي بيانه.
٢ - نسخة دار الكتب الوطنية بتونس ضمن مجموع ١٤٨٦٢ كان يحمل رقم ٣٢١٧ من رصيد المكتبة الأحمدية حبسه المشير محمد الصادق باشا باي صاحب المملكة التونسية على الخزائن العلمية بالجامع الأعظم سنة ١٢٩١ هـ ـ.
في المجموع ١٥٣ لوحة، ومقاسة ٢١ × ١٥.٥.
في آخره تاريخ ٤ شعبان ١١٨٤ هـ وليس به اسم الناسخ.
يشتمل على الكتب التالية:
- النظائر لابن عبدون، من أوله إلى ٢١ ب.
- الفروق من ٢٢ أإلى ٦٢ ب.
- فضل القرآن للنووي من ٦٣ ب إلى ٩٦ أ.
- فضل القرآن لحسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي.
وبالنسبة للفروق، فإن الخط مغربي جميل بمداد أسود إلا العناوين فهي بالأحمر - المسطرة: ٢٤ - .
وقد رمزناها لها بـ ص.
стр. 68
٣ - نسخة مكتبة الأوقاف بطرابلس (ليبيا) رقمها ٥٨٨ ثانية مجموع جاء في أوله معين الحكام لابن عبد الرفيع.
كتبت الفروق بخط مغربي واضح بمداد أسود والعناوين بخط مكبر، مع شكل لبعض الكلمات.
أوراق الفروق: ٢٤ ورقة- مسطرتها: ١٩. مقاسها ١٦ × ٢١.
ناسخها الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى المغربي الموحد المالكي وتاريخها غير واضح.
وهذه النسخة خالية من المقدمة.
وقد رمزنا لها بـ (ط).
٤ - نسخة شستربيتي بايرلندا رقم ٤٥٠٧، منها مصورة بمعهد المخطوطات العربية رقمها ٢/ ١٩٠١ - في مجموع من ٢٤ ب إلى ٦٨ ب، وأوله النظائر لابن عبدون - المسطر: : ٢١ - المقاس: ١٩ × ١٥.٥.
خطها مغربي من القرن الثاني عشر الهجري تقديرًا.
وقد رمزنا لها بـ (ر).
هذد النسخ التي اعتمدناها لم تسلم من الأخطاء والتصحيف، لهذا سلكنا طريقة النص المختار وأثبتنا بالأصل ما رأيناه صوابًا، واقتصرنا على التنبيه على بعض الفروق بالهامش دون إثبات جميع الفروق بين النسخ تجنبًا لإثقال الهامش بما لا جدوى فيه.
стр. 69
ونظرًا لاختلاف. النسخ في عدد الفروق وفي ترتيبها رأينا أن نختار ترتيب إحداها، فوقع اختيارنا على التي رأيناها أكثر عددًا في الفروق، وهى التي انفردت بنسبة الكتاب إلى مسلم الدمشقي، من بين النسخ الأربع السالفة - وقد سمياها (الأصل) لهذا الاعتبار دون غيره، وأشرنا إلى بداية كل لوحة منها.
كما استعنا عند التحقيق بنسخة خامسة تقع ثالثة مجموع بدار الكتب الوطنية (تونس) رقمه ١٦٩٤، تملأ اللوحات من ٥٢ أإلى ٨٣ أ -ولا تنسب فيها الفروق إلى مؤلفها، إلا أن في الورقة الأولى من المجموع نسبتها خطأ- بخط مغاير- إلى الونشريسي.
كان المجموع ملكًا لمحمد المختار شويخة ثم لمحمد المنستيري في تاريخ ١٣٦٩، ثم اشترته دار الكتب الوطنية بتونس سنة ١٩٦٦.
كتبت الفروق في المجموع بخط تونسي مجوهر مليح دون ذكر لاسم الناسخ المقاس: ٢١ × ٥. ١٥ - المسطر: ٢٥ - .
стр. 70
مخطوطات الكتاب
стр. 71
الصفحة الأولى من "الأصل"
نسخة دار الكتب الوطنية بتونس: ١٦٩٢
стр. 72
الصفحة قبل الأخيرة من "الأصل"
стр. 73
صفحتان من ص
نسخة دار الكتب الوطنية بتونس ١٤٨٦٢
стр. 74
الصفحة الأولى من "ط"
نسخة مكتبة الأوقاف بطرابلس: ٥٨٨