← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود تأليف الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق محيي السنة وقامع البدعة، صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ: محمود محمد خطاب السبكي تاج العلماء الأعلام بالأزهر المعمور [الجزء الأول]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الذي شرح صدور من اصطفاهم من خيار المؤمنين، لنصرة وكشف اللثام عن هدي سيد الأولين والأخرين، فبذلوا الجهد في بيان ما ورد عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من معالم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها صمدا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خير بشير ونذير القائل ﴿نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمع، فربّ مبلغ أوعى من سامع﴾ (١) والقائل ﴿اللهم ارحم خلفائي قلنا يا رسول الله ومن خلفاؤك قال الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلمونها الناس﴾ (٢) والقائل ﴿من أدّى إلى أمّتي حديثا لتُقَامَ به سُنّةٌ، أو تُثْلَمَ به بِدْعَةٌ، فله الجنّةُ﴾ (٣) صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلى كل من نهج نهجه القويم. ﴿أما بعد﴾ فيقول محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب السبكي (٤): إني لما شرعت بعون الله تعالى وتيسيره في قراءة سنن الإمام الورع الثبت الحجة أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني في ربيع الثاني من سنة ١٣٤٣ ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف هجرية، وكانت نسخ ذلك الكتاب نادرة الوجود، وقد صعب على الطلبة اقتناؤها، أردت طبعه ليسهل الحصول عليه، ويعمّ النفع به، فطلب مني أن أكتب عليه شرحا يكشف عنه النقاب، ويوضح ما فيه للطلاب، إذا لم يكن مشروحا شرحا وافيا، فشمرت عن ساعد الجدّ والاجتهاد، واستعنت بالملك المقتدر الهادي إلى سبيل الرشاد، وشرحته شرحا واضحا غاية الإيضاح؛ مفصحا عن معانيه كلّ الإفصاح

стр. 3

وتوخيت فيه تأييد الحق، وقوّيته حسبما وصل إليه الجهد، وسميته (المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبى داود) وقد عنيت فيه بيان تراجم رجال الحديث، وشرح ألفاظه وبيان معناه، وما يستفاد منه من الأحكام والفوائد، مبينا أوجه الخلاف وأدلته إن كان ثم أذكر من أخرج الحديث غير المصنف سواء أكان من الأئمة الستة أم غيرهم، وأبين حاله من صحة أو حسن أو غيرهما، سالكا في كل ذلك سبيل الإنصاف، منتكبا طريق الاعتساف ولإتمام الفائدة بدأت الشرح بذكر مقدمة تشتمل على نبذة من مصطلح الحديث وعلى ترجمة المصنف وتلاميذه وبيان النسخ المرويّة عنه وأسانيد روايتى هذه السنن عن المصنف وأسأل الله تعالى أن يجعله عملا مقبولا لديه خالصا لوجهه الكريم ولا اعتماد لى في شئ إلا عليه وهو حسبى ونعم الوكيل مقدمة تشتمل على مبادى علم الحديث، وشذرات من علم المصطلح ، وترجمة الإمام أبى داود والتعريف بسننه، وشرطه؛ وطريقته فيها؛ والكلام على ما سكت عليه والنسخ المروية عنه، وتراجم رواتها؛ وسندنا إليه . . . . . . . . . . . . . . . (مبادئ علم الحديث). . . . . . . . . . . . . . . . . . . (الحديث) لغة ضد القديم، واصطلاحا ينقسم إلى قسمين علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية. أما علم الحديث رواية فهو علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة خلقية بكسر فسكون ككونه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليس بالطول ولا بالقصير أو خلقية بضمتين ككونه لا يواجه أحدا بمكروه، وليس المراد بالعلم هنا القواعد الكلية بل هو قضايا جزئية يتبين بها ما ذكر (وموضوعه) أقوال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته (وفائدته) الاحتراز عن الخطأ في نقل ما أضيف إلى النبى صلى لله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومعرفة كيفية الاقتداء به في أفعاله وغير ذلك (وواضعه) أعنى أول من جمعه محمد بن مسلم ابن شهاب الزهرى بأمر سيدنا عمر بن عبد العزيز (وحكمه) الوجوب العينيّ على من انفرد به؛ والكفائى عند التعدد وأما علم الحديث دراية فهو علم يعرف به أحوال السند والمتن من صحة وحسن وضعف ورفع ووقف وقطع وعلوّ ونزول وغيرها. فالعلم هنا عبارة عن القواعد كقولهم

стр. 4

كل حديث صحيح أو حسن يستدلّ به (والسند) الطريق الموصل إلى المتن وهو الرواة (والمتن) ما انتهى إليه السند من الكلام (وموضوعه) السند والمتن من حيث إثبات هذه الأحوال لهما (وفائدته) معرفة المقبول والمردود منهما (وواضعه) القاضي أبو محمد الرّامَهُرمُزي بشدّ الراء وفتح الميم الأولى وضم الهاء والميم الثانية بينهما راء ساكنة. ثم الحاكم ثم آخرون كأبي نعيم وابن الصلاح (واسمه) علم مصطلح الحديث وله تعريف آخر وهو علم يعرف به حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وحكمها وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها. فحقيقة الرواية نقل السنة ونحوها وإسناد ذلك إلى من عزى إليه بتحديث أو إخبار أو غير ذلك (وشرطها) تحمل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل من سماع وإجازة ونحوهما (وأنواعها) الاتصال والانقطاع ونحوهما (وأحكامها) القبول والردّ (وحال الرواة) العدالة والجرح (وشروطهم) في التحمل وفى الأداء ما هو مذكور في المصطلح (وأصناف المرويّات) المصنفات والمسانيد والمعاجم والأحاديث والآثار وغيرها (وما يتعلق بها) هو معرفة اصطلاح أهلها. شذرات من علم مصطلح الحديث الخبر مرادف للحديث على الصحيح وله تقسيمان التقسيم الأول له باعتبار طرقه ينقسم الخبر إلى متواتر وآحاد (فالمتواتر) ما رواه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم وكان مستند انتهائهم الحسّ كسماع أو رؤية ولا يتعين عددهم على الصحيح. وحكمه أنه يفيد العلم الضرورىّ على المشهور. وهو مقبول لإفادته القطع بصدق مخبره (والآحاد) ما ليس بمتواتر: وأقسامه ثلاثة (الأول المشهور) وهو ما رواه عدد فوق اثنين عن أكثر من اثنين وهكذا بحيث لم يجتمع فيه شروط المتواتر. (والثاني العزيز) وهو ما رواه اثنان عن اثنين ولو في طبقة واحدة عن متعدد فالزيادة عنهما أحيانا لا تضر إذ الحكم للأقل (الثالث الغريب) وهو ما تفرد بروايته واحد في أى موضع من السند. وينقسم إلى مطلق ونسبىّ. فالمطلق ما تفرد فيه الصحابى أو التابعى. والنسبىّ ما تفرد فيه غيرهما. وأقسام الآحاد منها المقبول والمردود لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها. الحديث المقبول هو ما ترجح صدق المخبر به، وينقسم إلى أربعة أقسام. صحيح لذاته ولغيره. وحسن لذاته ولغيره لأنه إن اشتمل من أوصاف القبول على أعلاها فالصحيح لذاته. وإن اشتمل على

стр. 5

أوسطها أو أدناها ووجد ما يجبر القصور ككثرة الطرق فهو الصحيح لغيره. وإن اشتمل على أوسطها أو أدناها ولم يوجد ما يجبر القصور فهو الحسن لذاته. وإن لم يشتمل على شئ من أوصاف القبول لكن كثرت طرقه أو تقوّى بمتتابع أو شاهد (١) فهو الحسن لغيره. وصفات القبول هى العدالة، والضبط، واتصال السند، والسلامة من العلة والشذوذ. فالعدالة ملكة تحمل من اتصف بها على ملازمة التقوى والمروءة. والضبط ضبط صدر وهو أن يحفظ ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب وهو تصحيحه وصيانته عنده منذ سمع فيه إلى أن يؤدّى منه. واتصال السند سلامته من سقوط راو منه أو أكثر بحيث يكون كل من رواته سمع ذلك المروىّ من شيخه أو أخذه عنه إجازة على المعتمد. والعلة أمر قادح مؤثر في ردّ الحديث يظهر للنقاد عند جمع طرقه كإرسال ووقف مرفوع: والشذوذ مخالفة الثقة من هو أرجح منه حفظا أو عددا بزيادة أو نقص مع عدم إمكان الجمع. وتتفاوت رتب الصحيح بتفاوت هذه الأوصاف في القوة، فما كانت رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وتحرّى مخرّجيه كان أصح مما دونه ولهذا اتفقوا على أن أصح الحديث ما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخارى في صحيحه على رأى الجمهور إلا أن الصفات التى تدور عليها الصحة من كتابه أتمّ منها في مسلم ولأن شرطه أن يكون الراوى قد ثبت لقاؤه بمن روى عنه ولو مرة وأما مسلم فاكتفى بمطلق المعاصرة مع إمكان اللقى عادة. ثم ما انفرد به مسلم. ثم ما كان على شرطهما ثم ما كان على شرط البخارى ثم ما كان على شرط مسلم ثم ما كان على شرط غيره واتفقوا أيضا على أن صحيح ابن خزيمة أصح من صحيح ابن حبان وهو أصح من مستدرك الحاكم لتفاوتهم في الاحتياط وفائدة هذا الترتيب الترجيح عند التعارض وعدم مرجح آخر (فوائد) (الأولى) إذا جمع بين وصفين كأن يقال حديث حسن صحيح فذلك لكون الحديث له إسنادان: أحدهما حسن. والآخر صحيح. أو له إسناد واحد وتردّد في وصفه بالحسن أو الصحة وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف الترديد إذ حقه أن يقال فيه حسن أو صحيح (الثانية) لا تلازم بين السند والمتن في الصحة والحسن إذ قد يصح السند أو يحسن لاجتماع شروط الصحة أو الحسن دون المتن لشذوذ أو علة قادحة فيه وقد لا يصح السند ويصح المتن من طريق آخر (الثالثة) زيادة الثقة مقبولة ما لم تناف رواية من هو أوثق منه على الصحيح. فإن خولف بأرجح منه لمزيد ضبط

стр. 6

أو كثرة عدد أو غير ذلك من المرجحات فالراجح يقال له المحفوظ. والمرجوح يقال له الشاذ فالمحفوظ ما رواه الثقة مخالفا من هو أقلّ منه بزيادة أو نقص مع عدم إمكان الجمع بينهما. والشاذ ما رواه الثقة مخالفا من هو أوثق منه بزيادة أو نقص في المتن. وإن خولف براو ضعيف لسوء حفظه أو نحوه. فالراجح يقال له المعروف. ومقابله المنكر. فالمعروف ما رواه الثقة مخالفا الضعيف والمنكر مارواه الضعيف مخالفا للثقات ويطلق على ما تفرد به الضعيف وإن لم يخالف غيره (الرابعة) إذا روى العدل الضابط المتقن حديثا انفرد به فمقبول اتفاقا. وإذا رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلا أو رواه بعضهم موقوفا وبعضهم فوعا أو وصله هو في وقت وأرسله في وقت آخر أو رفعه في وقت ووقفه في وقت آخر فالصحيح الذى قاله المحققون أن الحكم لمن وصله أو رفعه ولو كان المخالف له أكثر أو أحفظ. وقيل الحكم للأكثر. وقيل للأحفظ. وينقسم المقبول أيضا إلى معمول به وغير معمول به: فالمعمول به المحكم ومختلف الحديث؛ والناسخ؛ والراجح: وغير المعمول به المنسوخ؛ والمرجوح، والمتوقف فيه لأن الخبر إن سلم من المعارض فهو الحكم ومن هذا الباب أكثر الأحاديث فإن أكثرها غير معارض والمعارض منها قليل وإن عورض بمثله وأمكن الجمع بلا تعسف فهو مختلف الحديث كحديث جابر رضي الله تعالى عنه مرفوعا ﴿لا عدوى ولا طيرة (١) ولا هامة (٢) ولا صفر (٣) ولا غول (٤)﴾ رواه أحمد ومسلم. وحديث أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عند البخارى وفيه ﴿وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد﴾ فهذان الحديثان ظاهرهما التعارض وجمع بينهما بأن الأمراض لا تعدى بطبعها لكن الله جعل مخالطة المريض سببا لسريان المرض إلى الصحيح وقد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب. أو بأن الأول محمول على كامل العقيدة والثاني على خلافه. وإن لم يمكن الجمع وعرف التاريخ فالمتأخر ناسخ كحديث ثوبان رضي الله تعالى عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه على آله وسلم ﴿أفطر الحاجم والمحجوم﴾ رواه أحمد والمصنف والنسائى وابن ماجه وابن حبان والحاكم وهو متواتر صحيح. وحديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ﴿احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم﴾ أخرجه الشيخان

стр. 7

والمصنف والترمذى وصححه. فقد بين الشافعي أن الثانى ناسخ للأول لأنه كان في سنة عشر والأول في سنة ثمان. وإن لم يعرف التاريخ وأمكن الترجيح بوجه من الوجوه ككون راوى أحد الحديثين أزيد ثقة أو فطانة أو أكثر عددا عن الآخر فالأقوى هو الراجح؛ وإن لم يمكن الترجيح وجب التوقف عن العمل بأحدهما. (الخبر المردود) هو ما لم يترجح صدق الخبر به ولا يعمل به. والردّ إما لحذف من السند أو لطعن في راو من رواته فالمردود للحذف أنواع (الأول المعلق) وهو ما حذف من أول سنده من جهة المحدّث واحد أو أكثر ولو كل السند حذفا لا خفاء فيه وإنما وإنما كان المعلق مردودا للجهل بحال المحذوف. وقد يقبل إذا علم أن المحذوف ثقة كأن يجئ من طريق آخر مصرّحا فيه باسمه أو كنيته أو لقبه. (الثانى المرسل) وهو ما سقط منه الصحابى كأن يقول التابعى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كذا. ولم يحتج به كثير من المحدّثين وعدّوه من المردود لاحتمال أن التابعى روى عن تابعى ضعيف وأسقطه أيضا. وذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما إلى الاحتجاج به وكذا أبو حنيفة إن عرف أن التابعى لا يرسل إلا عن ثقة. وقال الشافعى لا بقبل إلا إنا تقوّى بمجيئه من وجه آخر. (الثالث المعضل) وهو ما سقط من سنده اثنان فصاعدا على التولي سواء أكان السقوط من أول السند أم أثنائه أم آخره. (الرابع المنقطع) وهو على المشهور ما سقط من سنده راو واحد قبل الصحابى في أى موضع ولو تعددت المواضع فيكون منقطعا من مواضع. وقيل هو ما لم يتصل إسناده ولو سقط منه أكثر من واحد فهو أعمّ عموما مطلقا من المرسل والمعلق والمعضل وينقسم الحذف من السند إلى واضح وخفىّ. فالواضح يعلم بدون بحث كأن يروى البخارى عن ابن عمر أو عن أبي حنيفة. والخفي ما لا يعلم إلا بالبحث. وينقسم إلى مدلس ومرسل وخفىّ فالمدلس ثلاثة أنواع: الأول مدلس الإسناد. وهو ما أسقط فيه المحدّث من سمعه منه ورواه عن شيخ لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه بصيغة لا تقتضى اتصالا كعن وقال. فإن أتى بصيغة تقتضى الاتصال كحدثنى كان كاذبا. الثاني: مدلس الشيوخ وهو ما لم يسقط فيه المحدّث من سمعه منه لكن وصفه بغير ما اشتهر به من اسم أو كنية أو لقب. الثالث: مدلس التسوية. وهو ما أسقط فيه الراوى ضعيفا بين ثقتين لقى أحدهما الآخر ورواه عن شيخه الثقة عن الثقة الثانى بلفظ محتمل كعن فسوّى بين الرجال بجعلهم ثقات. وهذا القسم أشدّ الأنواع ذما. وظاهر كلام شعبة حرمته لأنه يوهم الاحتجاج بما لا يحتج به. ويليه النوع الأول. وأخفها النوع الثانى. ومن عرف منه هذا التدليس وأتى بحديث بلفظ يقتضي الاتصال فهو مقبول على الصحيح إذا كان المدلس عدلا وقيل من عرف منه هذا التدليس صار مجروحا لا تقبل روايته في شيء وإن بين السماع. ثم هذا الحكم في المدلس جار فيمن دلس ولو مرة واحدة. و المرسل الخفيّ ما رواه المحدث عمن عاصره

стр. 8

ولم يلقه. (و المردود للطعن) ما طعن في راويه بواحد من عشرة. خمسة منها تتعلق بالعدالة. وهي الكذب. وتهمته. وظهور الفسق. والجهالة بأن لا يعرف تعديل الراوى ولا تجريحه. والبدعة. وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا بمعاندة بل بنوع شبهة. فإن كانت بمكفر لا يقبل صاجها كأن يعتقد أن النار تؤثر بطبعها. وإن كانت بمفسق يقبل كأن يعتقد أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية ما لم يكن داعيا إلى بدعته. وخمسة تتعلق بالضبط هي فحش الغلط أى كثرته، وفحش الغفلة وهى كثرة ذهوله عن الإتقان، والوهم بأن يروى عن توهم وتردّد لا عن يقين. ومخالفة الثقات، وسوء الحفظ وهو إن كان ملازما للراوى لم يقبل حديثه وإن كان طارئا عليه لنحو كبر سنّ أو ضعف أو ضياع كتبه قبل ما حدّث به قبل الاختلاط لا ما عرف أنه حدّث به بعده. (والمردود للطعن أنواع) (الأول الموضوع) وهو المطعون فيه بكذب الراوى بأن يروى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما لم يقله متعمدا ذلك. (الثانى المتروك) وهو على ما اختاره السيوطى ما تفرد بروايته واحد مجمع على ضعفه لتهمته بالكذب أو فحش غلطه أو كثرة غفلته أو ظهور فسقه. (الثالث المعلّ) وهو ما أوهم الراوى سلامته ثم اطلع فيه بعد البحث على قادح خفىّ من وصل مرسل أو منقطع أو إبدال ثقة بضعيف أو إدخال حديث في حديث. (الرابع مدرج الإسناد) وهو ما خالف راويه الثقات بتغيير سياق إسناده وهو أقسام: - (أولها) أن يسمع الراوى حديثا من جماعة مختلفين في إسناده فيرويه عنهم بإسناد واحد بدون بيان الاختلاف. - (ثانيها) أن يروى الشيخ بعض المتن بإسناد وباقيه بآخر فيرويه كله عنه راو واحد بالإسنادين. - (ثالثها) أن يروى شخص حديثين بإسنادين فيرويهما عنه راو بأحد الإسنادين أو يروى أحدهما بإسناده ويزيد عليه بعضا من الثانى (الخامس مدرج المتن) وهو ما خالف راوية الثقات بأن يزيد فيه ما ليس منه لتفسير كلمة غريبة بدون تمييز بينهما كحديث الزهرى عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا (كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتحنث في غار حراء. وهو التعبد الليالى ذوات العدد) (١) فقوله وهو التعبد مدرج لتفسير التحنث (السادس المقلوب) وهو ما خالف راويه الثقات بتقديم أو تأخير في السند أو المتن كأن يقع في الإسناد كعب بن مرة غلطا بدل مرة بن كعب وفى المتن كحديث أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه ففيه (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله) فهذا مما انقلب على أحد الرواة وإنما هو (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) (السابع المزيد في متصل الأسانيد) وهو ما خالف راويه الثقات بزيادة راو فأكثر في موضع من سنده

стр. 9

قد صرّح فيه الأكثر إتقانا بالسماع أما إن عنعن الأتقن في موضع الزيادة ترجحت رواية الزيادة كأن يقول الأتقن حدثنا مالك حدثنا نافع حدثنا ابن عمر ويقول الأقلّ منه إتقانا حدثنا مالك حدثنا الزهرى حدثنا نافع (الثامن المضطرب) وهو ما وقع الاختلاف في سنده أو متنه أو فيهما مع تساوى الروايتين وتعذّر الجمع بينهما فالاختلاف في السند كحديث سنده هكذا قال الثورىّ حدثنا إسماعيل بن أمية حدثنا أبو عمرو حدثنا محمد بن أحمد حدثنا أبو هريرة وقال بشر حدثنا إسماعيل بن أمية حدثنا أبو عمرو حدثنا أبو سلمة حدثنا أبو هريرة. والاختلاف في المتن كحديث فاطمة بنت قيس عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (إن في المال حقا سوى الزكاة) فقد روى عنها بهذا اللفظ. وروى عنها أيضا بلفظ (ليس في المال حق سوى الزكاة) فقد حكم بعض المحدّثين باضطرابه وجمع بعضهم بينهما فأوّل الحق المثبت بالمستحب والمنفى بالواجب فلا اضطراب (التاسع المصحف) وهو ما كانت المخالفة فيه بالنقط كحديث (من صام رمضان وأتبعه ستا من شوّال) الخ صحفه أبو بكر الصولى فقال شيئا بالشين المعجمة والمثناة التحتية بدل ستا (العاشر المحرف) وهو ما كانت المخالفة فيه بالشكل مع بقاء صورة الخط كحديث جابر (رمى أبىّ يوم الأحزاب على أكحله فكواه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) حرّفه غندر فقال فيه أبى بالإضافة وإنما هو أبيّ بن كعب. والأكحل عرق في الذراع يفصد (الحادى عشر المبهم) وهو ما جهل فيه راو لعدم تسميته كأن يقال روى الزهرىّ عن رجل ويستدلّ على معرفة اسمه بوروده من طريق آخر مسمى فيه أو من بعض الأئمة المطلعين. التقسيم الثانى للخبر باعتبار نهاية السند ينقسم الخبر إلى ثلاثة أقسام (الأول المرفوع) وهو ما أضيف إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة تصريحا أو حكما (١) سواء اتصل سنده أم لا أضافه صحابى أم غيره فدخل فيه المرسل والمعضل والمنقطع والمعلق دون الموقوف والمقطوع. فالمرفوع إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صريحا من القول قول الراوى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (إنما الأعمال بالنيات) ومن الفعل قول الراوى (سها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسجد) ومن التقرير: كأن يفعل الصحابيّ شيئا بحضرته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويسكت عليه، ومن الصفة كأن يقال (كان النبى

стр. 10

صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حليما كريما) (الثانى الموقوف) وهو ما أضيف إلى الصحابى من قوله أو فعله أو تقريره متصلا أو منقطعا وكان للرأى فيه مجال أما ما ليس للرأى فيه مجال فهو في حكم المرفوع كما في رواية البخارى (كان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد) فمثل هذا لا يقال من قبل الرأى (الثالث المقطوع) وهو ما أضيف إلى التابعى فمن دونه من قول أو فعل أو تقرير كأن يقول الراوى قال ابن المسيب كذا أو فعل كذا مما للرأى فيه مجال. وعدّه من أنواع الحديث فيه تسامح كما قاله الزركشى ومثله الموقوف. (فائدة) إذا قال الصحابى كنا نقول أو نفعل كذا أو كنا لا نرى بأسا بكذا فعند الجمهور أنه إن لم يضفه إلى زمن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهو موقوف وليس بمرفوع وإن أضافه فقال كنا نفعل في حياة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو وهو فينا فهو مرفوع مطلقا. وقيل إن كان ذلك الفعل مما لا يخفى غالبا كان مرفوعا كأن يقول الصحابى (كنا نكبر على الجنائز في عهد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربع تكبيرات) وإن كان مما يخفى كان موقوفا كقوله (كنا نعزل المنىّ عن الإماء بغير إذنهنّ وعن الزّوجات بإذنهنّ في عهد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) وإلا كان موقوفا. وأما إذا قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا فهو في حكم المرفوع على الصحيح. وإذا قال التابعى من السنة كذا فالصحيح أنه مرفوع أيضا مرسل. ولو قال التابعى عن الصحابى يرفعه أو ينهيه أو يبلغ به أو يرويه أو ينميه أو رواية أو رواه فهو مرفوع متصل اتفاقا كحديث مسلم عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة يبلغ به (الناس تبع لقريش) وقوله " ينميه " فتح المثناة التحتية وسكون النون أى ينسبه. وهذه من الصيغ التى يكنى بها أصحاب الحديث عن قولهم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكونه روى بالمعنى أو اختصر. (أقسام السند) ينقسم السند إلى عال ونازل. وكل منهما مطلق ونسبىّ. فالعالى المطلق هو سند قلّ عدده بالنسبة لسند آخر وانتهى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والمتن فيهما واحد. والنازل المطلق هو ما كثر عدده من هذين السندين وانتهى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والعالى النسبىّ هو سند قلّ عدده بالنسبة لسند آخر وانتهى إلى إمام ذى صفة علية من نحو حفظ وضبط، كمالك والبخارى، والمتن واحد. والنازل النسبىّ هو ما كثر عدده من هذين السندين وانتهى إلى الإمام صاحب الصفة العلية ويقدّم العالى على النازل لكونه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ إذ ما من راو من رجال الإسناد إلا ويجوز عليه الخطأ فكلما كثرت الوسائط كثرت

стр. 11

مظانّ تجويز الخطأ وكلما قلت الوسائط قلت المظانّ فإن كان في النازل مزيّة ليست في العالى كأن يكون رجاله أوثق أو أحفظ أو أفقه كان مقدّما على العالى (و العلوّ النسبىّ أنواع) (الأول) الموافقة وهي الوصول إلى شيخ أحد المؤلفين من طريق آخر أقلّ عددا من طريقه كما لو روى البخارىّ عن قتيبة عن مالك حديثا فلو رواه ابن حجر من طريق البخارى كان بينه وبين قتيبة ثمانية. ولو رواه من طريق أبى العباس السرّاج عن قتيبة كان بينه وبين قتيبة سبعة (الثانى) البدل وهو الوصول إلى شيخ شيخ أحد المؤلفين من طريق آخر أقلّ عددا من طريقه مثلا لو روى ابن حجر حديثا من طريق البخارى عن قتيبة عن مالك كان بينه ويين مالك تسعة ولو رواه من طريق أبى العباس عن القعنبىّ عن مالك كان بينه وبينه ثمانية (الثالث) المساواة وهي استواء عدد سند راو إلى ذى صفة علية مع عدد سند أحد المصنفين إلى ذى الصفة كأن يروى أبو داود حديثا سنده إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسعة ورواه ابن حجر بسند آخر عدده تسعة ولو رواه بطريق أبى داود لزاد العدد (الرابع) المصافحة وهي استواء عدد السند من الراوى إلى ذى صفة علية مع عدد سند من تلميذ أحد المصنفين إلى ذى الصفة. وسميت مصافحة لأن العادة جرت بمصافحة المتلاقيين فكأن الراوى صافح التلميذ المذكور (أنواع الرواية) وهي كثيرة: منها - رواية الأقران وهي رواية الشخص عن قرينه أى مشاركه في السنّ أو اللقىّ أى الأخذ عن المشايخ والمراد بالمشاركة في السنّ المساواة فيه أو المقاربة وهي قسمان: المدبّج وهي رواية كل من القرينين عن الآخر إما مباشرة كرواية أبى هريرة عن عائشة ورواية عائشة عنه وإما بواسطة كرواية الليث عن يزيد عن مالك ورواية مالك عن يزيد عن الليث. ويشترط في هذا القسم المشاركة في السنّ واللقىّ معا. وغير المدبّج وهو أن يروى أحدهما عن الآخر فقط بشرط التشارك في السنّ أو اللقىّ كرواية الأعمش عن التيمىّ وهما قرينان - (ومنها) رواية الأكابر عن الأصاغر وهى أن يروى الراوى عن دونة في السنّ واللقىّ أى زمن التلقى كرواية الزهرىِّ عن مالك ويدخل فيها رواية الآباء عن الأبناء كرواية العباس عمّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ابنه الفضل حديث الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة. وهذا النوع قليل. وفائدة ضبط هذا النوع الأمن من ظنّ الانقلاب في السند وتنزيل الناس منازلهم - (ومنها) رواية الأصاغر عن الأكابر وهو كثير - (ومنها السابق واللاحق) وهو أن يشترك اثنان في الرواية عن شيخ مع تقدم موت أحدهما على الآخر بزمن بعيد. وفائدة ضبط هذا النوع الأمن من ظن سقوط شيء من إسناد المتأخر بينه وين شيخه - (ومنها المهمل) وهو أن يروى الراوى عن اثنين متفقَين في الاسم أو غيره مما به التمييز ولم يتميزا كأن يكون له شيخان كل منهما اسمه أحمد وقال حدثنى أحمد ولم يعلم من هو منهما فإن كانا ثقتين فلا يضرّ ذك وإلا ضرّ

стр. 12

على الصحيح. وفائدة ضبط هذا النوع أمن اللبس. والفرق بين المهمل والمبهم السابق أن المبهم لم يذكر له اسم والمهمل ذكر اسمه مع الاشتباه - (ومنها المتفق والمفترق) أى المتفق في الاسم والمفترق في المسمى وهو ما رواه قوم اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم فصاعدا أى ما كان بعض سنده بهذه الصفة وهو أقسام (منها) ما اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم كالخليل بن أحمد فإن المسمى بهذا ستة رجال (ومنها) ما اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم كأحمد بن جعفر بن حمدان. إلى غير ذلك من باقى الأقسام المبينة في المبسوطات. وفائدة ضبط هذا النوع أمن اللبس - (ومنها) المؤتلف والمختلف وهو ما اتفقت فيه الأسماء خطا واختلفت نطقا كسلام بتشديد اللام وسلام بتخفيفها وفائدة ضبط هذا النوع الاحتراز عن التصحيف والتحريف في الأسماء - (ومنها) المتشابه وهو ما اتفقت فيه أسماء الأبناء خطا ونطقا واختلفت فيه أسماء الآباء نطقا مع ائتلافهما خطا أو بالعكس كمحمد ابن عقيل بفتح العين ومحمد بن عقيل بضمها وكشريح بن النعمان بالشين المعجمة والحاء المهملة وسريج بن النعمان بالسين المهملة والجيم - (ومنها المسلسل) وهو ما اتفقت رواته على صفه من الصفات سواء أكانت صفة للرواة أم للإسناد، مثال الأول حدثنى فلان وهو قائم قال حدثنى فلان وهو قائم وهكذا إلى آخر السند، ومثال الثانى حدثنى فلان قال حدثنى فلان وهكذا إلى آخر السند بصيغة التحديث ومثل صيغة التحديث غيرها من صيغ الأداء. والأصل أن يكون التسلسل من أول السند إلى آخره وقد يكون في أكثره كحديث المسلسل بالأوّلية وهو (الرّاحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) فقد قال الراوى سمعت حديث الرحمة المسلسل بالأوّلية من شيخى فلان وهو أوّل حديث سمعته منه ويقول شيخ شيخه سمعت حديث الرحمة المسلسل بالأوّلية من شيخى فلان وهو أوّل حديث سمعته منه وهكذا إلى أن انتهت السلسلة بالأوّلية إلى سفيان بن عيينة وانقطع بالأوّلية في سماع ابن عيينة من عمرو بن دينار وفى سماع ابن دينار من أبى قابوس وفي سماع أبى قابوس من عبد الله بن عمرو ابن العاص من الرسول صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم. (طرق تحمل الحديث) هى سبعة (الأول) السماع من لفظ الشيخ إملاء أو تحديثا أو من حفظه أو كتابه (الثانى) القراءة على الشيخ وتسمى عرضا (الثالث) الإجازة وهى أنواع: إجازة معين في معين كأجزتك كتاب البخارى وأجزت فلانا جميع ما اشتملت عليه كل كتبى. والصحيح جواز الرواية بالإجازة مطلقا. وإجازة معين في غير معين كأجزتك مسموعاتى أو مروياتي، والجمهور على جوازها وإجازة العموم كأجزت للمسلمين أو لمن أدرك زمانى. والصحيح جوازها، وإجازة المجاز كأجزت لك ما أجازنى به فلان. وينبغى لمن يروى بها أن يتأمل كيفية إجازة شيخ شيخه فليس له أن

стр. 13

يروى الحديث عن شيخه عن شيخ شيخه حتى يتيقن أنه بما صح عند شيخه كونه في مسموعات شيخة. وتستحب الإجازة إذا كان المجيز والمجاز له من أهل العلم. وينبغى للمجيز بالكتابة التلفظ بها ويصح الاقتصار على الكتابة (الرابع) المناولة وأعلاها ما تقرن بالإجازة بأن يدفع إليه أصل سماعه أو فرعا مقابلا عليه ويقول هذا سماعي أو روايتى عن فلان أجزت لك روايته ثم يتركه في يده. ومنها أن يناول الطالب الشيخ سماعه فيتأمله وهو عارف متيقظ ثم يناوله الطالب ويقول هو حديثى وسماعي أو روايتى فاروه عنى (الخامس) الكتابة وهي أن يكتب مسموعه أو يأذن بكتابته للغير ولو حاضرا وهي إما مقرونة بالإجازة أو مجرّدة عنها (السادس) الإعلام وهو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الكتاب روايته أو سماعه غير قائل اروه عنى. والأصح أنه لا تجوز روايته لاحتمال أن الشيخ عرف خللا فيه لكن يصح العمل به إذا صح سنده عند المطلع (السابع) الوجادة وهي أن يقف على كتاب بخط الشيخ فيه أحاديث فله أن يقول وجدت أو قرأت بخط فلان أوفى كتاب فلان بخطه حدثنا فلان ويسوق بقية السند والمتن وعليه العمل قديما وحديثا ولا يقول أخبرنى أو حدثنى فلان إلا إن كان له منه إذن بالرواية عنه. صيغ الأداء هي مراتب: سمعت وحدثنى ثم أخبرنى وقرأت عليه، وكان الإخبار أقل من التحديث لأنه أعمّ منه لصدقه على السماع من الشيخ مشافهة أو بواسطة بخلاف التحديث فلا يكون إلا مشافهة ثم قرئ عليه وأنا أسمع ثم أنبأنى ونبأنى وكانتا أقلّ من الإخبار لأنهما في عرف المتأخرين للإجازة ثم ناولنى ثم شافهنى بالإجازة كأجزتك بالبخارى، ثم كتب إلىّ بالإجازة ثم عن فلان وقال ونحوهما من الصيغ المحتملة للسماع وعدمه والإجازة إلا إذا كانت العنعنة من معاصر ثبت لقاؤه بالشيخ ولو مرة فتكون بمعنى السماع فقط ما لم يكن مدلسا ثم أوصى إلىّ أى بكتاب عند موته أو سفره. والجمهور على عدم الاكتفاء بالوصية في الرواية إلا إذا كان له منه إجازة تم وجدت بخطه (فوائد) (الأولى) جرت عادة أهل الحديث بحذف قال ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط وينبغى للقارئ أن يلفظ بها وإذا كان في الكتاب قرئ علي فلان أخبرك فلان فليقل القارئ قرئ على فلان قيل له أخبرك فلان وإذا كان فيه قرئ على فلان أخبرنا فلان فليقل قرئ على فلان قيل له قلت أخبرنا فلان وإذا تكررت كلمة قال كقوله حدثنا صالح قال قال الشعبى فإنهم يحذفون إحداهما في الخط فليلفظ بهما القارئ فلو ترك القارئ لفظ قال في هذا كله فقد أخطأ والسماع صحيح للعلم بالمقصود ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه (الثانية) جرت العادة بالاقتصار على الرّمز في حدثنا وأخبرنا واشتهر ذلك فيكتبون من حدثنا (ثنا) وهى الثاء والنون والألف وربما حذفوا الثاء ويكتبون من أخبرنا (أنا) ولا تحسن زيادة الباء قبل

стр. 14

(نا) وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد (ح) وهي حاء مهملة مفردة والمختار أنها مأخوذة من التحوّل لتحوّله من إسناد إلى إسناد وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها (ح) ويستمر في قراءة ما بعدها. وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها صح وهو حسن لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول (الثالثة) ليس للراوى أن يزيد في نسب غير شيخه ولا صفته على ما سمعه من شيخه لئلا يكون كاذبا عليه فإن أراد تعريفه وإيضاحه وزوال اللبس المتطرّق إليه لمشابهة غيره فطريقه أن يقول قال حدثنى فلان يعنى ابن فلان أو الفلانى أو هو ابن فلان أو الفلانى أو نحو ذلك فهذا جائز حسن قد استعله الأئمة وهذا مبحث نفيس يعظم الانتفاع به فإن من لا يعانى هذا الفن قد يتوهم أن قوله يعنى وقوله هو زيادة لا حاجة إليها وأن الأولى حذفها وهذا جهل بصناعة الفنّ (الرابعة) يستحب لكاتب الحديث إذا مرّ بذكر الله تعالى أن يكتب أو تعالى أو أو ﵎ أو جلّ ذكره أو تبارك اسمه أو جلت عظمته أو ما أشبه ذلك وكذلك يكتب عند ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بتمامها لا رامزا إليها ولا مقتصرا على الصلاة أو السلام وكذلك يقول في الصحابى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وإن كان صحابيا ابن صحابى قال رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما وكذلك يترضى أو يترحم على سائر العلماء والأخيار ويكتب كل هذا وإن لم يكن مكتوبا في الأصل الذى ينقل منه فإن هذا ليس رواية وإنما هو دعاء. وينبغى للقارئ أن يقرأ كل ما ذكرناه وإن لم يكن مذكورا في الأصل الذى يقرأ منه ولا يسأم من تكرار ذلك، ومن أغفل هذا حرم خيرا عظيما وفوّت فضلا جسيما (الخامسة) إذا أراد رواية الحديث بالمعنى فإن لم يكن خبيرا بالألفاظ ومدلولاتها لم يحز له ذلك اتفاقا وإن كان عالما بذلك فالجمهور على جواز الرواية بالمعنى إذا جزم بأنه أدّى المعنى وهذا هو الصواب الذى تقتضيه أقوال الصحابة فمن بعدهم في روايتهم القضية الواحدة بألفاظ مختلفة. ثم هذا في الذى يسمعه في غير المصنفات. أما المصنفات فلا يجوز تغييرها وإذا وقع في الرواية أو التصنيف غلط لاشك فيه فالصواب الذى عليه الجمهور أنه لا يغير في الكتاب بل ينبه عليه حال الرواية في حاشية الكتاب فيقول كذا وقع والصواب كذا (السادسة) من الألفاظ التى ينبغى معرفتها الأثر والسند والمسند بالفتح والجامع والجزء والمسند بالكسر والمحدّث والحافظ والحجة. فالأثر لغة البقية واصطلاحا الحديث مرفوعا أو موقوفا. وقيل هو الموقوف. والسنة لغة الطريقة. واصطلاحا مرادفه للحديث وهي كل ما أضيف إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقيل الحديث خاص بقوله وفعله والسنة أعمّ. والمسند بفتح النون اسم مفعول ما اتصل سنده من أوله إلى منتهاه ولو موقوفا. وقيل ما أضيف إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متصلا أو منقطعا. ويطلق أيضا على الكتاب الذى جمع فيه مروىّ كل

стр. 15

صحابىّ على حدة. والجامع ما كان مرتبا على أبواب الفقة كالكتب الستة أو على ترتيب الحروف في أوائل الترجمة ككتاب الإيمان والبر والتوبة والثواب. وهكذا كما فعله صاحب الجامع الأصول أو باعتبار رعاية الحروف في أوائل الحديث كما فعل السيوطى في الجامع الصغير وقد جمع في جامعه الكبير بين الجامع والمسند فجعل القسم القولى على ترتيب الحروف والقسم الفعلى على ترتيب المسانيد. والجزء يطلق على ما هو أعمّ من الجامع والمسند وقد يطلق على ما ألف في نوع خاص. والمسند بكسر النون من يروى الحديث بإسناده. والمحدّث بضم ففتح فشد الدال مكسورة هو العالم بطرق الحديث وأسماء الرواة والمتون. والحافظ من حفظ مائة ألف حديث متنا وإسنادا وإن تعددت الطرق ووعى ما يجتاج إليه. والحجة من أحاط بثلاثمائة ألف حديث. والحاكم من أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية متنا وإسنادا وجرحا وتعديلا وتاريخا (ترجمة الإمام الحافظ أبي داود) هو الإمام الحافظ العلم أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو ابن عمران الأزدى السجستانى الشافعى أو الحنبلى أحد حفاظ الحديث ونقاده وهو في الدرجة العليا من الصلاح والورع والإتقان والفقه. قال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا ونسكا وإتقانا وهو أحد من رحل وطوّف البلاد وجمع وصنف وسمع بخراسان والعراق والجزيرة والشام والحجاز ومصر. ولد سنة اثنتين ومائتين. وأخذ الحديث عن الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقتيبة بن سعيد وغيرهم ممن ستقف على تراجمهم في أثناء الكتاب إن شاء الله تعالى. قال أحمد بن محمد بن الليث جاء سهل بن عبد الله إلى أبى داود فرحب به وأجلسه فقال له سهل يا أبا داود لى إليك حاجة قال وما هي قال حتى تقول قضيتها مع الإمكان قال قضيتها مع الإمكان قال أخرج إلىّ لسانك الذى حدثت به أحاديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى أقبله فأخرج إليه لسانه فقبله. وقال أبو سليمان بسنده إلى أبى بكر بن جابر خادم أبى داود قال كنت معه ببغداد فصلينا المغرب إذ قرع الباب ففتحته فإذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن فأذن له أبو داود فدخل وقعد تم أقبل أبو داود وقال ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت قال خلال ثلاث قال وما هي قال تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطنا لترتحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض قال هذه واحدة هات الثانية قال تروى لأولادى كتاب السنن قال نعم هات الثالثة فقال تفرد لهم مجلسا للرواية فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة فقال أما هذه فلا سبيل إليها فإن الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء، قال ابن جابر فكانوا يحضرون ويضرب بينهم

стр. 16

وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة. وقد أخذ الحديث عنه ابنه أبو بكر عبد الله وكان من أكابر الحفاظ عالما متفقا على علمه. وأخذ عنه أيضا الحافظ أبو عبد الرحمن النسائى صاحب السنن وعبد الرحمن النيسابورى وأبو عيسى الترمذى وغيرهم وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل حديثا واحدا وهو حديث العتيرة (١) وكان أبو داود يفتخر بذلك، توفى أبو داود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بالبصرة ودفن بها يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وسبعين ومائتين والسجستانى منسوب إلى سجستان بكسر السين المهملة فالجيم فسكون السين المهملة إقليم معروف بين خراسان وكرمان ويقال في النسبة إلى سجستان سجزى أيضا وهو من عجيبب التغيير في النسب. . . . . . . . . . . . . . . . . التعريف بكتاب السنن لأبى داود . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الخطابى إن كتاب السنن لأبى داود رحمه الله تعالى كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله وقد رزق القبول من كافة الناس فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء فلكل فيه ورد ومنه شرب وعليه معوّل أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار الأرض، وهو أحسن وضعا وأكثر فقها من الصحيحين. والحديث منه صحيح وحسن. وكتاب أبى داود جامع لهما ومنه سقيم وهو على طبقات شرّها الموضوع ثم المقلوب ثم المجهول وكتاب أبى داود خلىّ منها فإن وقع فيه شئ منها لضرب من الحاجة فإنه يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته. وقال أبو العلاء المحسن الوادادى رأيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المنام فقال من أراد أن يستمسك بالسنن فليقرأ سنن أبى داود اهـ. وقال النووى في قطعة كتبها في شرح سنن أبى داود وينبغى للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بسنن أبى داود وبمعرفته التامة فإن معظم أحاديث الأحكام التى يحتج بها فيه مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنفه واعتنائه بتهذيبه اه وقال أبو بكر أحمد بن على الخطيب كان أبو داود قد سكن البصرة وقدم بغداد غير مرة روى كتابه المصنف في السنن بها ونقله عنه أهلها ويقال إنه صنفه قديما وعرضه على أحمد بن حنبل رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فاستجاده واستحسنه. وقال أبو بكر محمد بن بكر بن داسه سمعت أبا داود يقول كتبت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما تضمنه كتاب السنن وهو أربعة آلاف وثمانمائة حديث ليس فيها

стр. 17

حديث أجمع الناس على تركه اه وقال ابن الأعرابى من كان عنده كتاب الله وسنن أبى داود لم يجتج إلى شئ معهما من العلم. ومن ثمّ صرّح الغزالى وغيره بأنه يكفى المجتهد في أحاديث الأحكام. وسنن أبى داود وجامع الترمذى ومجتبى النسائى في الطبقة الثانية من كتب الحديث بعد الصحيحين وموطأ مالك. قد عرف مصنفوها بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث ولم يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم فتلقاها من بعدهم بالقبول وعلى هاتين الطبقتين اعتماد المحدّثين اه. وقال أبو داود في رسالته لأهل مكة يصف كتابه السنن هو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا وهي فيه، ولا أعلم شيئا بعد القرآن ألزم للناس من هذا الكتاب ولا يضرّ رجلا أن لا يكتب من العلم شيئا بعد ما يكتب هذا الكتاب وإذا نظر فيه وتدبّره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره . . . . . . . . . . . . . . . . شرط أبى داود وطريقته في سننه . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده شرط أبى داود والنسائى إخراج حديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال السند من غير قطع ولا إرسال. وقال أبو داود في رسالته لأهل مكة سلام عليكم فإنى أحمد الله الذى لا إله إلا هو وأسأله أن يصلى على محمد عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. أما بعد عافانا الله وإياكم عافية لا مكروه معها ولا عقاب بعدها فإنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث التى في كتاب السنن أهى أصح ما عرفت في الباب ووقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا أنه كله كذلك إلا أن يكون قد روى من وجهين أحدهما أقوى إسنادا والآخر صاحبه أقدم في الحفظ فربما كتبت ذلك. وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة مع زيادة كلام فيه أو كلمة على الحديث الطويل لأنى (١) لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك. أما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثورى ومالك والأوزاعى حتى جاء الشافعى فتكلم فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره. فإذا لم يكن مسند غير المراسيل فالمرسل يحتج به وليس هو مثل المتصل في القوة. وليس في كتاب السنن الذى صنفته عن رجل متروك الحديث شئ. وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر وليس على نحوه في الباب غيره. وما كان في كتابى من حديث فيه وهن شديد فقد بينته. ومنه ما لا يصح سنده؛ وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح وبعضها أصح من بعض اه

стр. 18

. . . . . . . . . . . . الكلام على ما سكت عليه أبو داود . . . . . . . . . . . . . . . . قال الحافظ ابن حجر إن قول أبي داود وما فيه وهن شديد بينته يفهم منه أن ما يكون فيه وهن غير شديد لم يبينه ومن هنا تبين لك أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من الحسن الاصطلاحى بل هو على أقسام. منها ما هو صحيح أو على شرط الصحة. ومنها ما هو حسن لذاته. ومنها ما هو حسن لغيره وهذان القسمان كثير في كتابه جدًّا. وفيه ما هو ضعيف لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبا وكل من هذه الأقسام تصلح عنده للاحتجاج بها كما نقل ابن منده عنه أنه يخرّج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره وأنه أقوى عنده من رأى الرجال وكما حكاه ابن العربى عنه أنه قال لابنه إن أردت أن أقتصر على ما صح عندى لم أرو من هذا المسند إلا الشئ بعد الشئ ولكنك يا بنىّ تعرف طريقتى في الحديث أنى لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب ما يدفعه، ومن هنا يظهر لك طريق من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عليها كابن لهيعة وصالح مولى التوءمة وموسى بن وردان فلا ينبغى للناقد أن يتابعه في الاحتجاج بأحاديثهم بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع يعتضد به أو هو غريب فيتوقف فيه لا سيما إن كان مخالفا لرواية من هو أوثق منه فإنه ينحط إلى قبيل المنكر. وقد يخرّج أحاديث من هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن وجيه وصدقة الدقيقى ومحمد بن عبد الرحمن البيلمانى. وكذا ما فيه من الأسانيد المنقطعة وأحاديث المدلسين الضعفاء والأسانيد التى فيها من أبهمت أسماؤهم فلا يتجه الحكم على أحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبى داود لأن سكوته تارة يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوى وتارة يكون لذهول منه وتارة يكون لظهور شدة ضعف ذلك الراوى واتفاق الأئمة على طرح روايته كأبى الحدير ويحيى بن العلاء، وتارة يكون لاختلاف الرواة عنه وهو الأكثر فإن في رواية أبى الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤى وإن كانت روايته عنه أشهر. ثم قال والصواب عدم الاعتماد على مجرّد سكوته لما وصفنا من أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ويقدّمها على القياس هذا إن حملنا قوله "وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح" على أن مراده صالح للحجية وهو الظاهر وإن حملناه على ما هو أعمّ من ذلك وهو الصلاحية للحجية وللاستشهاد أو المتابعة فلا يلزم منه أنه يحتج بالضعيف ويجتاج إلى تأمل ما سكت عليه وهو ضعيف أله أفراد أم لا فإن وجد له أفراد تعين الحمل على الأول وإلا تعين الحمل على الثانى اه بتصرف من التحفة المرضية للقاضى المحدث حسين بن محسن اليمانى . . . . . . . . . . . . . . . . . . النسخ المروية عن أبى داود وتراجم رواتها . . . . . . . . . . . اعلم أنه روى كتاب السنن عن أبى داود خمسة حفاظ من تلاميذه ولهذا تعدّدت نسخ السنن

стр. 19

في ديار العرب وغيرها (النسخة الأولى نسخة اللؤلؤى) وهي المنتشرة في بلاد المشرق والمعروفة بسنن أبى داود عند الإطلاق. واللؤلؤى هو الإمام الحافظ أبو على محمد بن أحمد بن عمرو البصرى اللؤلؤى نسبة إلى اللؤلؤ لأنه كان يبيعه، روى هذه السنن عن أبى داود في المحرّم سنة خمس وسبعين ومائتين، وروايته من أصح الروايات لأنها من آخر ما أملي أبو داود وعليها مات وعليها عوّلنا في كتابتنا لهذا الشرح. وأخذ عن اللؤلؤى الإمام أبو عمرو القاسم بن جعفر ابن عبد الواحد الهاشمى والحافظ عبد الله الحسين بن بكر بن محمد الورّاق (النسخة الثانية نسخة ابن داسة) وهى مشهورة في بلاد المغرب وتقارب نسخة اللؤلؤى وإنما الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير. وهو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق التمار البصرى المعروف بابن داسة بفتح السين المهملة المخففة، وقيل بتشديدها، وقيل إن روايته أكمل الروايات أخذ عنه الإمام أبو سليمان الخطابى وأبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن القرطبى وأبو عمر أحمد بن سعيد ابن حزم وجماعة (النسخة الثالثة نسخة الرملى) وهى تقارب نسخة ابن داسة، والرملى هو الإمام الحافظ أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملى منسوب إلى الرملة مدينة بفلسطين. روى عنه الإمام الحافظ أبو عمر أحمد بن دحيم بن خليل (النسخة الرابعة نسخة ابن الأعرابى) وهو الإمام الحافظ أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر المعروف بابن الأعرابى وقد سقط من نسخته كتاب الفتن والملاحم والحروف والقراءات والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس وفاته أيضا من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة. أخذ عنه أبو إسحق إبراهيم بن على بن محمد التمار وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم اه ملخصا من بعض الشروح (النسخة الخامسة نسخة العبدى) وهو أبو الحسن بن العبد فيها من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤى كما تقدم عن ابن حجر. وقال السخاوى ومما ينبه عليه أن سنن أبى داود تعددت رواتها عن مصنفها ولكل أصل وبينها تفاوت حتى في وقوع البيان في بعضها دون بعض ولا سيما رواية أبى الحسن العبدى ففيها من كلامه أشياء زائدة على رواية غيره اه من التحفة . . . . . . . . . . . (أسانيد الكتاب منى إلى المؤلف رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ) . . . . . . . . . . اعلم أن كتاب السنن للإمام الحافظ أبى داود قد أجزت به من شيخنا العلامة المحدث المفسر الفقيه محيى السنة إمام الأئمة. ذى التآليف المفيدة الجمة. سيدى أبى عبد الله الشيخ محمد عليش الشهير. وهو مجاز من الإمام الجليل سيدى محمد الأمير الصغير. وهو مجاز من والده شيخ أكابر المحققين سيدى محمد الأمير الكبير. وهو مجاز من قدوة العارفين سيدى محمد الحفنى. عمهم جميعا بزائد رحمته الواحد القدير. ونص عبارة الأمير الكبير في كتاب الأسانيد له: سنن الحافظ أبى داود بن الأشعث السجستانى الأزدى أرويها عن البدر

стр. 20

الحفنى إجازة عن العلامة البديرى عن الملاّ إبراهيم الكردى النقشبندى عن شيخه صفىّ الدين القشاش المدنى بإجازته العامة عن الشمس الرملى عن زكريا بن محمد عن مسند الديار المصرية عزّ الدين بن عبد الرحيم المعروف بابن الفرات عن أبى حفص عمر بن الحسن بن يزيد المراغي عن الفخر على بن أحمد بن عبد الواحد عن أبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد البغدادى أنبأنا به الشيخان إبراهيم بن محمد بن منصور الكرخى وأبو الفتح مفلح بن أحمد الرومى سماعا عليهما ملفقا قالا أنبأنا به الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب البغدادى أنبأنا به أبو عمرو القاسم بن جعفر الهاشمى أنبأنا به أبو على محمد بن اللؤلؤى أنبأنا به أبو داود "يعنى المؤلف" وبه قال حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا عبد السلام بن أبى حازم أبو طالوت قال شهدت أبا برزة دخل على عبيد الله بن زياد فحدثنى فلان سماه مسلم وكان في السماط (١) فلما رآه عبيد الله قال إن محمد يكم هذا الدّحداح ففهمها الشيخ فقال ما كنت أحسب أنى أبقى في قوم يعيرونى بصحبة محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال له عبيد الله إن صحبة محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لك زين غير شين قال إنما بعثت إليك لأسألك عن الحوض هل سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يذكر فيه شيئا فقال أبو برزة نعم لا مرة ولا ثنتين ولا ثلاثا ولا أربعا ولا خمسا فمن كذّب به فلا سقاه الله منه ثم خرج مغضبا. وهذا من الرباعيات التى في حكم الثلاثيات وهو أن يروى تابعى عن تابعى عن الصحابى أو صحابى وهو عن صحابي آخر فيحسب التابعيان أو الصحابيان بدرجة واحدة فهما اثنان في حكم الواحد فإذا كان معهم راو أخذ عنه المؤلف يقال فيه رباعى في حكم الثلاثى. وهذا أعلى ما عند أبى داود (وأرويه) أيضا من طرق أخر منها طريق شيخنا السقاط بسنده إلى أبى بكر محمد البصرى التمار المعروف بابن داسة وهو آخر من حدّث عن أبي داود اه كلام الشيخ الأمير الكبير (وكما) أجزت برواية هذا الكتاب من هذا الطريق أجزت به أيضا من الأستاذ الكبير والعلامة النحرير الألمعى الأوحد واللوذعي المفرد إمام علماء الأزهر وشيخ شيوخه ذى التآليف الكثيرة والتحقيقات المفيدة مولانا شيخ الإسلام الشيخ محمد ابن الحاج محمد ابن الحاج حسين الإنبابى الشافعىّ الحائز قصب السبق في الأصول والفروع وصاحب اليد الطولى في التفسير والبيان الثبت في الرواية والتخريج والتأويل. ولد سنة أربعين ومائتين وألف هجرية وتوفى بمصر ليلة السبت الحادى والعشرين من شوّال سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف هجرية فرحمه الله تعالى رحمة واسعة (وأجزت) به أيضا من العلامة المحقق والفهامة المدقق تاج العلماء الأعلام شيخ الأزهر والإسلام أستاذنا الشيخ سليم البشرى المالكي. تولى مشيخة الأزهر مرتين وتوفى أوائل شهر ذى الحجة

стр. 21

سنة خمس وثلاثين وثلثمائة بعد الألف من الهجرة عليه سحائب الرحمة والرضوان (وكذا أجزت) برواية جميع كتب السنة المحمدية من هذه الطرق. وبسندى إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال: . . . . . . . . . . . . . . (بسْمِ اللهِ الرَّحمْن الرَّحيِمِ). . . . . . . . . . . . . . بدأ بها لما هو معلوم من أن البدء بها مندوب إليه كتابا وسنة. واقتصر عليها كأكثر المتقدمين كمالك في الموطأ، وعبد الرزاق في المصنف، وأحمد في المسند، والبخارىّ في الصحيح. ولم يذكر الحمد والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والشهادة مع ورود حديث (كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علىّ فهو أبتر أقطع ممحوق من كل بركة) رواه الديلمى من حديث أبى هريره رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وقال الحافظ الرهاوى غريب ضعيف وحديث (كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع) وحديث (كل خطبة ليس فيها شهادة فهى كاليد الجذماء) أخرجهما أبو داود وغيره عن أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. لأن في كل منهما مقالا ولو سلمنا صلاحيتهما للحجية فليس فيهما ما يدل على تعين كتابة ذلك بل قد يكتفى بالنطق بها كما ذكر الخطيب في الجامع عن الإمام أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا كتب الحديث ولا يكتبها. أو أنهم رأوا أن الافتتاح بالحمدلة وما بعدها مختص بالخطب دون الكتب ويؤيده ما وقع من كتب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى الملوك وكتبه في القضايا من افتتاحها بالتسمية دون الحمدلة كما في حديث هرقل وقصة سهيل بن عمرو في صلح الحديبية، أو لأن القدر الذى يجمع الأمور المذكورة هو ذكر الله تعالى وقد حصل بالتسمية (ص) حَدَّثَنَا أَبوُ عَلىٍّ محمدُ بن عمرٍو اللؤْلُؤِى حدَّثَنَا أَبوُ دَاوُدَ سُليمان بْن الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِىُّ في المحرَّمِ سَنةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتيَن (ش) هذا من كلام أحد تلاميذ اللؤلؤى وقد تقدمت ترجمته وترجمة المصنف وهذا ما في النسخ المصرية وفى النسخ الهندية بعد البسملة أخبرنا الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب البغدادى قال أنبأنا الإمام القاضى أبو عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمى قال أنا أبو على محمد بن أحمد بن عمرو الؤلؤى الخ وليس في النسخ القديمة هذه العبارة إنما فيها (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كتاب الطهارة) وهي نسخة المؤلف الأصلية. ولما كانت الطهارة من أقوى شروط الصلاة التى هي أفضل العبادات وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين قدم المؤلف الكلام على الطهارة فقال

стр. 22

(كتاب الطهارة) لفظا كتاب وباب استعملا في زمن التابعين رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم، والكتاب في اللغة مصدر بمعنى الجمع والضمّ. وفى الاصطلاح اسم لجملة من العلم مشتملة علي أبواب وفصول غالبا. والطهارة بالفتح مصدر طهر من بابى قتل وقرب وهي لغة النظافة والخلوص من الأدناس حسية كالأنجاس أو معنوية كالعيوب والذنوب، وشرعا زوال حدث أو خبث بمطهر. قال الإمام الغزالى للطهارة مراتب منها تطهير الظاهر من الحدث والخبث ثم تطهير الجوارح من الحرام ثم تطهير القلب من الأخلاق المذمومة ثم تطهير السرّ عما سوى الله تعالى اه ولما كان الخارج من السبيلين أكثر موجبات الطهارة وقوعا بدأ بالكلام على ما يطلب لقضاء الحاجة فقال (باب التخلي عند قضاء الحاجة) أى هذا باب في بيان حكم التخلى أى التفرّد والبعد عن الناس عند قضاء الحاجة. يعنى البول والغائط. وترجم بما ذكر لما أخرجه الجماعة من حديث أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال (كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دخل الخلاء قال اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث) ويعبر عنه بباب التبرّز لما سيأتى للمصنف من حديث جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد) ويعبر عنه أيضا بقضاء الحاجة لما سيأتى للصنف أيضا عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) وبباب الاستطابة لما سيأتى أيضا للمصنف من حديث أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مرفوعا وفيه (ولا يستطب بيمينه) ولو عبر بالمذهب لكان له وجه لما سيأتى للمصنف أيضا عن المغيرة بن شعبة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد) (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ» (ش) (رجال الحديث) (قوله عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم وسكون السين المهملة (قوله قعنب) بفتح فسكون ففتح (قوله القعنبىّ) نسبة إلى جده قعنب أبو عبد الرحمن الحارثى المدنى نزيل البصرة أحد الأعلام في العلم والعمل. روى عن ماك الموطأ وغيره وعن أفلح بن حميد وشعبة وغيرهم. وعنه البخارى ومسلم وأبو حاتم وقال ثقة حجة لم أر أخشع منه. وأعلم مالك

стр. 23

بقدومه فقال قوموا إلى خير أهل الأرض. وقال ابن سعد كان عابدا فاضلا. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين بالبصرة وقيل بمكة (قوله عبد العزيز يعنى ابن محمد) بن عبيد الجهنى مولاهم المدنى الدراوردى أحد الأعلام. روى عن زيد بن أسلم وصفوان بن سليم وسهيل بن أبى صالح وغيرهم وعنه ابن وهب وابن مهدى وسعيد بن منصور وغيرهم وثقه مالك وابن معين والعجلى وقال أحمد إذا حدّث من كتابه فهو صحيح وإذا حدّث من كتاب غيره فهو وهم. وقال أبو زرعة سيئ الحفظ يخطئ. وقال الساجى صدوق إلا أنه كثير الوهم. وأتى المصنف بالعناية لبيان أن شَيخه لم يقل ابن محمد ولولاها لتوهم أن لفظ ابن محمد من قول شيخه وليس كذلك وهذا يجرى في سائر المواضع التى يؤتى فيها بالعناية. وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث يغلط. توفى سنة تسع وثمانين ومائة (قوله محمد يعنى ابن عمرو) بن علقمة الليثى المدنى مشهور من شيوخ مالك صدوق أحد أئمة الحديث تكلم فيه من قبل حفظه وثقه النسائى، وقال الجوزجانى ليس بالقوى، وقال ابن عدى أرجو أنه لا بأس به، وعن ابن معين أنه ثقة، وقال أبو حاتم صالح الحديث روى عن أبيه وعبد الرحمن بن يعقوب وطائفة، وعنه موسى بن عقبة وشعبة والسفيانان وغيرهم روى له البخارى مقرونا حديثا واحدا ومسلم متابعة. توفى سنة أربع أو خمس وأربعين ومائة. والعناية هنا من المصنف أو من شيخه (قوله عن أبى سلمة) هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهرى المدنى أحد الأعلام قيل اسمه كنيته وقيل عبد الله من الطبقة الثالثة نقل الحاكم أبو عبد الله أنة أحد الفقهاء السبعة وقال ابن سعد كان ثقة فقيها كثير الحديث روى عن أبيه وأسامة بن زيد وأبى أيوب وغيرهم، وعنه ابنه عمر وعروة والأعرج والشعبى وخلق، مات سنة أربع وتسعين (قوله المغيرة بن شعبة) بن أبى عامر بن مسعود أبو محمد أو أبو عبد الله الثقفى أسلم عام الخندق وشهد الحديبية. روى عنه من الصحابة أبو أمامة الباهلى والمسور بن مخرمة وقرّة المزنى ومن التابعين ابناه عروه وحمزة والشعبى وغيرهم، له ستة وثلاثون حديثا ومائة حديث اتفق الشيخان على تسعة وانفرد البخارى بحديث ومسلم بحديثين كان أديبا فطنا. توفى بالكوفة سنة خمسين (قوله كان إذا ذهب المذهب) بفتح الميم والهاء بينهما ذال معجمة ساكنة مفعل من الذهاب وهو هنا يحتمل أن يكون مصدرا أو اسم مكان وعلى الوجهين فتعريفه للعهد الخارجى والمعهود محل التخلى أو الذهاب إليه يدلّ على إرادة المصدر قوله أبعد وقوله في رواية الترمذى (أتى حاجته فأبعد في المذهب) فإنه يتبين منها أن يراد بالمذهب المصدر والمنقول عن أهل العربية إرادة المكان وبه قال أبو عبيدة وغيره وجزم به في النهاية وأيضا فقد صار المذهب في العرف اسما لموضع التغوّط كالخلاء والمرفق والمرحاض (قوله أبعد) يعنى أكثر المشى حتى بعد عن الناس والمعنى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد قضاء

стр. 24

الحاجة ذهب ذهابا بعيدا أو إلى مكان بعيد حتى يتوارى عن أعين الناس (فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب البعد عن الناس عند قضاء الحاجة بولا أو غائطا حفظا لكرامتهم وبعدا للأذى عنهم وراحة لقاضى الحاجة لأنه مع قربه من الناس يمنعه الحياء من إخراج الريح ونحوه. وعلي مكارم أخلاق النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وحفظه لكرامة الناس وأنه بعث مبينا لعظائم الأمور وغيرها (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارمى والنسائي وابن ماجه والترمذى وقال حسن صحيح (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ» (ش) (رجال الحديث) (قوله مسدّد) بضم الميم وفتح السين والدال المشددة المهملتين (قوله مسرهد) بضم الميم وفتح السين المهملة وسكون الراء وفتح الهاء ابن مسربل بن مرعبل ابن أرندل بن سرندل بن غرندل الأسدى أبو الحسن البصرى يقال إنه أوّل من صنف المسند بالبصرة. روى عن حماد بن زيد وابن عيينة ويحيى القطان وأبى عوانة، وعنه أبو حاتم الرازى ومحمد بن يحيى وأبو زرعة وغيرهم، قال ابن معين صدوق ثقة ووثقه أحمد والنسائى والعجلى وأبو حاتم. توفى سنة ثلاث أو ثمان وعشرين ومائتين (قوله عيسى بن يونس) بن أبى إسحاق السبيعى أبو عمرو الكوفى أحد الأعلام. روى عنه أبيه وأخيه إسرائيل وإسماعيل بن أبى خالد وعدّة. وعنه حماد بن سلمة وابن وهب وابن المدينى وعلى بن حجر وثقه أبو حاتم وقال ابن المدينى بخ بخ ثقة مأمون جاء يوما إلى ابن عيينة فقال مرحبا بالفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه وقال أحمد وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وابن خراش ثقة وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وقال أبو زرعة كان حافظا مات سنة إحدى وتسعين ومائة وقيل سنة سبع وثمانين ومائة (قوله إسماعيل بن عبد الملك) بن أبى الصغير مصغرا الكوفى ثم المكي. روى عن سعيد بن جبير وعطاء، وعنه الثورى ووكيع قال البخارى يكتب حديثه وعن يحيى بن معين أنه لا بأس به وقال أبو حاتم ليس بقوى، وقال في التقريب صدوق كثير الوهم وقال المنذرى قد تكلم فيه غير واحد (قوله عن أبى الزبير) هو محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة الفوقية وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدى مولاهم المكي روى عن ابن عباس وعائشة وغيرهما. وعنه السفيانان ومالك وعطاء وهو من شيوخه، وثقه ابن معين والنسائى وابن عدىّ قال أبو حاتم وأبو زرعة لا يحتج به وقال يعقوب بن شيبة ثقة صدوق

стр. 25

وقال الحافظ في المقدمة أبو الزبير المكي أحد التابعين مشهور وثقه الجمهور وضعفة بعضهم لكثرة التدليس وغيره. مات سنة ثمان وعشرين ومائة (قوله جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام بفتح الحاء المهملة ابن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة أبو عبد الله أو أبو عبد الرحمن الأنصارى الصحابي المشهور. له أربعون وخمسمائة وألف حديث اتفق الشيخان على ثمانمائة وخمسين وانفرد البخارى بستة وعشرين ومسلم بستة وعشرين ومائة. له ولأبيه صحبة. شهد العقبة وغزا مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسع عشرة غزوة وقال استيغفر لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجمل خمسا وعشرين مرة رواه أحمد وغيره. وفى رواية ليلة البعير وهي ليلة اشترى فيها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منه جمله. روى عنه بنوه وطاوس والشعبى وعطاء وغيرهم، مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة عن أربع وتسعين سنة (قوله البراز) بفتح الموحدة والكسر لغة قليلة الفضاء الواسع الخالى من الشجر ثم كنى به عن النجو اه مصباح والنجو العذرة وما يخرج من البطن. وقد خطأ الخطابىّ الكسر لأنه بمعنى المبارزة في الحرب وخالفه الجوهرى وغيره من أئمة اللغة والحديث فجعلوه مشتركا بينهما، وقال النووى في شرحه بعد ذكر عبارة الخطابى وقلد الخطابى في ذلك جماعة وليس الكسر غلطا كما قال بل هو صحيح أو أصحّ فقد ذكر الجوهرى وغيره أن البراز بكسر الباء اسم للغائط الخارج من الإنسان فيظهر الكسر حينئذ لا سيما والرواية بالكسر، وفى تهذيب الأسماء واللغات أن ضبطها بالكسر هو الظاهر والصواب (فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب التباعد عند قضاء الحاجة عن الناس إذا كان في مراح من الأرض ويدخل في معناه الاستتار بالأبنية والحجب ونحوها مما يستر العورة عن الناس. ودلّ أيضا على طلب إخفاء ما لا يليق والبعد عما يؤذى أو يستهجن (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه. والحديث لا ينحط عن درجة الحسن (باب الرجل يتبوّأ لبوله) أى يتخذ لبوله مكانا لا يرجع إليه منه رشاش كأن يكون منخفضا أو رخوا قال في النهاية تبوأت منزلا أى اتخذته اه (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ قَالَ لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الْبَصْرَةَ، فَكَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَبِي مُوسَى يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى إِنِّي كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 26

وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ، فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ فَبَالَ، ثُمَّ قَالَ: صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا» (ش) (رجال الحديث) (قوله موسى بن إسماعيل) التميمى المنقرى بكسر فسكون ففتح أبو سلمة التبوذكي بفتح المثناة الفوقية وضم الموحدة وبعد الواو ذال معجمة البصرى الحافظ. روى عن شعبة حديثا واحدا وعن حماد بن سلمة وجماعة. وعنه البخارى وأبو داود وابن معين وقال ثقة مأمون ووثقه أبو حاتم وابن سعد. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (قوله حماد) بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصرى. روى عن ثابت البنانى وسلمة بن كهيل وابن أبى مليكة وقتادة وحميد وآخرين. وعنه ابن جريج وابن إسحاق شيخاه وشعبة ومالك والقعنبى وغيرهم قال وهيب بن خالد كان حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا وقال القطان إذا رأيت الرجل يقع في حماد فاتهمه على الإسلام وقال ابن المبارك ما رأيت أشبه بمسالك الأول من حماد وقال ابن حبان لم ينصف من جانب حديثه ولم يكن من أقرانه بالبصرة مثله في الفضل والدين والنسك والعلم والكتب والجمع والصلابة في السنة والقمع لأهل البدع ووثقه كثيرون قال البيهقى هو أحد الأئمة إلا أنه لما كبر ساء حفظه فلذا تركه البخارى وأما مسلم فأخرج له ما رواه عن ثابت قبل تغيره. مات سنة سبع وستين ومائة (قوله أبو التياح) بفتح المثناة الفوقية والمثناة التحتية المشددة هو يزيد بن حميد الضبعى بضم المعجمة البصرى أحد الأئمة. روى عن أنس ومطرّف بن عبد الله وأبى عثمان النهدى وجماعة. وعنه همام والحمادان وطائفة قال أحمد ثقة ثبت ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائى. مات سنة ثمان وعشرين ومائة (قوله شيخ) هو مجهول لم يعرف اسمه ولا صفته (قوله قال) أى الشيخ المجهول (قوله لما قدم عبد الله بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمى أبو العباس المكي ثم المدنى ابن عم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وصاحبه وحبر الأمة وفقيهها وترجمان القرآن له ستون وستمائة وألفا حديث اتفق الشيخان على خمسة وسبعين وانفرد البخارى بثمانية وعشرين ومسلم بتسعة وأربعين لكنه لم يسمع من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا خسمة وعشرين حديثا. روى عنه أبو العالية وسعيد بن جبير وابن المسيب وعطاء بن يسار وكثيرون قال موسى بن عبيدة كان عمر يستشير ابن عباس ويقول غوّاص وقال سعد ما رأيت أحضر فهما ولا ألبّ لبا ولا أكثر علما ولا أوسع حلما من ابن عباس ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات وقال مسروق كنت إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس وإذا نطق قلت أفصح الناس وإذا

стр. 27

حدّث قلت أعلم الناس، وروى الترمذى من طريق ليث عن أبى جهضم عن ابن عباس أنه رأى جبريل ﵇ مرتين، وفى الصحيح عنه أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم ضمه إليه وقال اللهم علمه الحكمة، وفى معجم البغوىّ عن زيد بن أسلم عن ابن عمر أنه كان يقرّب ابن عباس ويقول إنى رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دعاك فسح رأسك وتفل في فيك وقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وعن عبد الله بن دينار أن رجلا سأل ابن عمر عن قوله تعالى (كانتا رتقا ففتقناهما) فقال اذهب إلى ذلك الشيخ فسله ثم تعال فأخبرنى فذهب إلى ابن عباس فسأله فقال كانت السموات رتقا لا تمطر والأرض رتقاء لا تنبت ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات فرجع الرجل فأخبر ابن عمر فقال لقد أوتى ابن عباس علما صدقا هكذا لقد كنت أقول يعجبنى جرأة ابن عباس على تفسير القرآن فالآن قد علمت أنه أوتى علما وقال عمرو بن حبشىّ سألت ابن عمر عن آية فقال انطلق إلى ابن عباس فاسأله فإنه أعلم من بقى بما أنزل الله تعالى على محمد صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم، وعن عطاء ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقها وأعظم خشية إن أصحاب الفقه عنده وأصحاب القرآن عنده وأصحاب الشعر عنده يصدرهم كلهم من واد واسع، وعن طاوس أدركت خمسين أو سبعين من الصحابة إذا سئلوا عن شئ فخالفوا ابن عباس لا يقومون حتى يقولوا هو كما قلت وصدقت (وعلى الجملة) فمناقبه جمة لا تحصى. ولد قبل الهجرة بثلاث لسنين. ومات بالطائف سنة ثمان وستين عن إحدى وسبعين سنة وصلى عليه محمد بن الحنفية، وعن ميمون أنه جاء طائر أبيض فدخل بين النعش والكفن فلما وضع في قبره سمعنا تاليا يتلو (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى في عبادى وادخلى جنتى) اهـ ملخصا من الإصابة (قوله البصرة) وزان تمرة على الأشهر وقد تكسر باؤها أو تضم وهي في الأصل الحجارة الرخوة وبها سميت البلدة التى بنيت في خلافة عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سنة ثمانى عشرة من الهجرة عند ملتقى دجلة والفرات ويعرف ملتقاهما بشط العرب (قوله يحدّث عى أبى موسى) بالبناء للمجهول أى كان ابن عباس يحدّثه أهل البصرة عن أبى موسى بأحاديث ففي رواية البيهقى سمع أهل البصرة يحدّثون عن أبى موسى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم بأحاديث. وأبو موسى هو عبد الله بن قيس بن سليمان الأشعرى وقيل ابن سليم بن حضار بفتح الحاء المهملة وتشديد الضاد المعجمة ابن حرب صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هاجر إلى الحبشة واستعمله رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على زبيد وعدن وولاه عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ على البصرة والكوفة (ودعا له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما) رواه

стр. 28

البخارى في غزوة أوطاس وقال ابن المدينى قضاة الأمة أربعة عمر وعلى وأبو موسى وزيد بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم وروى البخارى عن الحسن قال ما أتاها يعنى البصرة راكب خير لأهلها منه يعنى من أبى موسى وكان حسن الصوت بالقرآن وفى الصحيح مرفوعا (لقد أوتى مزمارا من مزامير آل داود) وكان عمر إذا رآه قال ذكرنا ربنا يا أبا موسى وفي رواية شوّقنا إلى ربنا فيقرأ عنده. روى عنه من الصحابة ابن عباس وأبو سعيد وأنس ومن كبار التابعين فمن بعدهم زيد بن وهب وعبيد بن عمير وقيس بن أبى حازم وسعيد بن المسيب وآخرون. له ستون وثلثمائة حديث اتفق الشيخان على خمسين وانفرد البخارى بأربعة ومسلم بخمسة وعشرين مات بالكوفة وقيل بمكة سنة اثنتين وأربعين (قوله يسأله عن أشياء) أي يسأل ابن عباس أبا موسى مكاتبة عن أحاديث أخبره بها أهل البصرة (قوله فكتب إليه) أى كتب أبو موسى إلى ابن عباس مجيبا له عن كل ما سأله عنه فاقتصر الراوى على جواب سؤال واحد، ويحتمل أنه أجابه عن سؤال واحد فقط (قوله ذات يوم) ذات ظرف زمان غير منصرف تقول لقيته ذات يوم وذات ليلة وذات غداة وذات العشاء وذات مرة وذا صباح وذا مساء بلا تاء فيهما ولم يقولوا ذات شهر ولا ذات سنة اه مختار وإضافة ذات إلى يوم للبيان (قوله دمثا) بفتح فكسر أو سكون وهو الأرض السهلة الرخوة يقال دمث المكان دمثا فهو دمث من باب تعب لأن وسهل وقد يخفف المصدر فيقال دمث بالسكون ودمث الرجل دماثة سهل خلقه اه مصباح ونهاية وفيها ومنه الحديث أنه مال إلى دمث من الأرض فبال فيه وإنما فعل ذلك لئلا يرتدّ عليه رشاش البول اه (قوله في أصل جدار) أى أسفل حائط وجمع الجدار جدر ككتاب وكتب والمراد ما قاربه لعدم إمكان البول أسفل الجدار حقيقة ولما في رواية أحمد (مال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى دمث إلى جنب حائط فبال) الحديث قال الخطابى يشبه أن يكون ذلك الجدار غير مملوك لأحد فإن البول يضرّ بأصل البناء ويوهن أساسه وهو صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يفعل ذلك في ملك أحد إلا بإذنه أو يكون قعوده متراخيا عنه بحيث لا يصيبه البول اه زاد النووىّ أو يكون علم رضاء صاحب الجدار بذلك (قوله فليرتد لبوله موضعا) أى يطلب له مكانا سهلا لينا يقال ارتاد الرجل الشئ طلبه وراده يروده ريادا مثله، وفى الحديث (إذا بال أحدكم فليرتد لبوله) أى فليطلب مكانا لينا أو منحدرا (فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز الرواية بالكتابة، وعلى أنه ينبغى لمن أراد قضاء الحاجة أن يعمد إلى مكان لين لا صلابة فيه ليأمن من رشاش البول وإذا كانت الأرض صلبة يستحب أن يعالجها بنحو عود لينثر ترابها ليصير المكان دمثا (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد عن أبى التياح قال حدثني رجل أسود طويل أنه قدم مع

стр. 29

ابن عباس البصرة فكتب إلى أبى موسى يسأله عن أشياء فكتب إليه أبو موسى (أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يمشى فمال إلى دمث في جنب حائط فبال تم قال كان بنو إسرائيل إذا بال أحدهم فأصابه شئ من بوله يتبعه فقرضه بالمقاريض وقال إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله) وهو وإن كان ضعيفا لأن فيه مجهولا فقد تقوّى بأحاديث الأمر بالتنزه عن البول كما قاله الشوكانىّ (باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء) أى هذا باب في بيان الدعاء الذى يقوله الشخص إذا أراد دخول الخلاء وهو بفتح الخاء المعجمة والمدّ في الأصل المكان الخالى ثم كثر استعماله في موضع قضاء الحاجة سمى بذلك لخلائه في غير أوقات قضائها ويسمى الكنيف والمرفق والمرحاض والحشّ، وفى المصباح والخلاء أيضا المتوضأ اه (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: عَنْ حَمَّادٍ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ» وَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» (ش) (رجال) الحديث) (قوله حماد بن زيد) بن درهم الأزدى أبو إسماعيل الأزرق البصرى الحافظ مولى جرير بن حازم أحد الأئمة الأعلام. روى عن أنس بن سيرين وثابت وابن واسع وأيوب وكثيرين، وعنه سفيان الثورى وعبد الرحمن بن مهدى وعلى ابن المدينى وآخرون قال ابن مهدى ما رأيت بالبصرة أحفظ ولا أعلم بالسنة ولا أفقه منه وقال أحمد هو من أئمة المسلمين وقال ابن سعد كان ثقة ثبتا حجة كثير الحديث وقال الخليلى ثقة متفق عليه رضيه الأئمة. روى له الجماعة مات سنة تسع وسبعين ومائة وعمره إحدى وثمانين سنة (قوله عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التميمى العنبرى مولاهم أبو عبيدة البصرى أحد الأعلام رمى بالقدر ولم يصح. روى عن أبى التياح وأيوب وسليمان التميمى وآخرين. وعنه ابنه عبد الصمد والقطان وعفان بن مسلم وجماعة قال الذهبى أجمع المسلمون على الاحتجاج به وقال النسائى ثقة ثبت مات سنة ثمانين ومائة (قوله عبد العزيز بن صهيب) بالتصغير البنانى البصرى. روى عن أنس وشهر بن حوشب وأبى نضرة العبدى ومحمد بن زياد الجمحى. وعنه شعبة والحمادان وابن المبارك وأبو عوانة وطائفة وثقه النسائى والعجلى وابن معين وأحمد، مات سنة ثلاثين ومائة (قوله أنس بن مالك) بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام

стр. 30

أبو حمزة الأنصارى خدم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عشر سنين وشهد بدرا. له ستة وثمانون ومائتان وألف حديث اتفق الشيخان على ثمانية وستين ومائة وانفرد البخارى بثلاثة وثمانين ومسلم بأحد وسبعين. روى عن طائفة من الصحابة. وعنه بنوه موسى والنضر وأبو بكر والحسن البصرى وثابت البنانى وروى الطبرانى عن حفصة عن أنس قال (قالت أم سليم يا رسول الله ادع الله لأنس فقال اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه قال أنس فلقد دفنت من صلبى سوى ولد ولدى مائة وخمسة وعشرين وأن أرضي لتثمر في السنة مرّتين) وقال جعفر بن سليمان عن ثابت (عن أنس جاءت بى أم سليم إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا غلام فقالت يا رسول الله أنس ادع الله له فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة قال قد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة) وقال جعفر أيضا عن ثابت كنت مع أنس فجاء قهرمانه فقال يا أبا حمزة عطشت أرضنا فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البرية فصلى ركعتين ثم دعا فرأيت السحاب تلتئم ثم مطرت حتى ملأت كل شيء فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال انظر أين بلغت السماء فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيرا وذلك في الصيف، وقال على بن الجعد عن شعبة عن ثابت قال أبو هريرة (ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من ابن أم سليم يعنى أنسا) وقال محمد بن عبد الله الأنصارى حدثنا ابن عون عن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استخلف بعث إلى أنس لوجهه إلى البحرين على السعاية فدخل عليه عمر فاستشاره فقال ابعثه فإنه لببب كاتب فبعثه (وبالجملة) فمناقب أنس وفضائله كثيرة مات سنة تسعين أو بعدها وقد جاوز المائة وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم (قوله إذا دخل الخلاء) أى أراد دخوله لأنه بعد الدخول لا يقول ذلك وقد صرحّ بهذا البخارى في الأدب المفرد من حديث أنس قال (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء) الحديث وهذا في الأمكنة المعدّة لذلك أما في غيرها فيقوله عند تشمير الثياب (قوله قال الخ) أى قال مسدّد في روايته عن حماد بن زيد قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث بزيادة اللهم بخلاف روايته عن عبد الوارث، وقوله اللهم أصله يا ألله حذفت منه ياء النداء وعوّض عنها الميم، وقوله أعوذ بك أى ألجأ إليك من العوذ، يقال عذت به أعوذ عوذا وعياذا ومعاذا أى لجأت إليه (قوله من الخبث) بضمتين قال في الفتح كذا في الرواية اهـ وجاءت بإسكان الموحدة جمع خبيث والمراد به ذكور الشياطين (قوله والخبائث) جمع خبيثة والمراد إناث الشياطين. قال الخطابيّ وعامة أصحاب الحديث يقولون الخبث بسكون الباء

стр. 31

وهو غلط والصواب الخبث بضم الباء اهـ قال العينى وفيه نظر لأن أبا عبيد القاسم بن سلام حكى تسكين الباء وكذا الفارابى والفارسى ولأن فعلا بضمتين قد تسكن عينه قياسا اهـ وقال النووى في شرح مسلم وأما الخبث فبضم الباء وإسكانها وهما وجهان مشهوران وقد صرحّ جماعة من أهل المعرفة بأن في رواية هذا الحديث الباء هاهنا ساكنة منهم الإمام أبو عبيد إمام هذا الفنّ والعمدة فيه، واختلفوا في معناه فقيل هو الشرّ وقيل الكفر وقيل الخبث الشياطين والخبائث المعاصى اهـ قال في الفتح قال البخارى ويقال الخبث أى بإسكان الباء فإن كانت مخففة عن المحرّكة فقد تقدّم توجيهه وإن كانت بمعنى المفرد فعناه كما قال ابن الأعرابى المكروه قال فإن كان من الكلام فهو الشتم وإن كان من الملل فهو الكفر وإن كان من الطعام فهو الحرام وإن كان من الشراب فهو الضارّ وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصى أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب اهـ (فقه الحديث) دلّ الحديث علي طلب الاستعاذة بالله تعالى عند إرادة دخول الخلاء لقضاء الحاجة وعليه الإجماع، ومثل الخلاء في ذلك الصحراء لأن الشياطين تحضر تلك الأمكنة وهى مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى فيقدّم لها الاستعاذة تحصنا منهم لأن لهم فيها تسلطا على ابن آدم لم يكن في غيرها لبعد الحفظة عنه والصحراء تصير مأوى لهم بخروج الخارج، ومن نسى حتى دخل يستعيذ بقلبه لا بلسانه عند الجمهور. ونقل عن بعض المالكية يستعيذ بلسانه ما لم يخرج الخارج. وروى ابن وهب أن عبد الله ابن عمرو بن العاص كان يذكر الله تعالى في المرحاض وقال العزرمى قلت للشعبى أعطس وأنا في الخلاء أحمد الله قال لا حتى تخرج فأتيت النخعى فسألته عن ذلك فقال لى أحمد الله فأخبرته بقول الشعبى فقال النخعى الحمد يصعد ولا يهبط وهو قول ابن عمر. وذهب ابن عباس وغيره إلى كراهته في المرحاض أفاده العينى. وظاهر الحديث أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يجهر بهذا الذكر فشرع الجهر به. وتسنّ التسمية قبل التعوذ لما أخرج سعيد بن منصور في سننه (أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول باسم الله اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث) ولما ذكره في الفتح قال قد روى المعمرى حديث أنس من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال (إذا دخلتم الخلاء فقولوا باسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث) وإسناده على شرط مسلم وفيه زيادة التسمية ولم أرها في غير هذه الرواية اهـ واستعاذته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إظهار للعبودية وتعليم للأمة وإلا فهو معصوم من الجن والإنس (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى من طريق حماد بن زيد وقال حديث حسن صحيح وأخرجة مسلم من طريق حماد بن زيد وهشيم كلاهما عن عبد العزيز عن أنس وقال في حديث

стр. 32

هشيم (إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دخل الكنيف قال اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث) وأخرجه هو والنسائى وابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية عن عبد العزيز بلفظ (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) (ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو يَعْنِي السَّدُوسِيَّ، قَالَ أَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ» وَقَالَ شُعْبَةُ: وَقَالَ مَرَّةً: «أَعُوذُ بِاللَّهِ» (ش) هذا طريق آخر لحديث أنس (قوله الحسن بن عمرو) البصرى. روى عن جرير وهشيم ووكيع. وعنه أبو داود قال ابن حجر في التقريب من العاشرة وذكره ابن حبان في الثقات وقال صاحب حديث متعبد. مات سنة أربع وعشرين ومائتين (قوله يعنى السدوسى) هذا التفسير من المصنف بينه لئلا يشتبه بالحسن بن عمرو بن سيف البصرى فإنه من العاشرة أيضا، ويحتمل أن يكون من تلميذه وهو الأقرب. والسدوسى بفتح السين وضم الدال المهملتين نسبة إلى سدوس بن ذهل (قوله وكيع) بن الجرّاح بن مليح أبو سفيان الرداسى الكوفى الحافظ أحد الأئمة. روى عن أبيه والأعمش والأوزاعي ومالك وكثيرين. وعنه أحمد بن حنبل وإسحاق والحسن بن عرقة وجماعة قال أحمد ما رأيت أوعى منه ولا أحفظ ما رأيت مثله علما وحفظا وإتقانا ووثقه العجلى وابن سعد وقال ابن المدينى كان يلحن وفيه تشيع قليل قيل لأحمد إن أبا قتادة تكلم في وكيع فقال من كذّب بأهل الصدق فهو الكذاب وكيع إمام المسلمين في وقته عليكم، بمصنفاته وقال ابن حبان كان حافظا متقنا وقال محمد بن نصر المروزى كان يحدّث أخيرا من حفظه فيغير ألفاظ الحديث كأنه يحدث بالمعنى ولم يكن من أهل اللسان وقال ابن معين الثبت بالعراق وكيع ما رأيت في زمانه أفضل منه ولا أحفظ. ولد سنة ثمان وعشرين ومائة. ومات سنة ست وتسعين ومائة (قوله شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام أحد أئمة الإسلام. روى عن أنس بن سيرين وثابت البنانى وحميد الطويل وحميد بن هلال وكثيرين. وعنه أيوب وابن إسحاق من شيوخه والثورى وابن المبارك وجماعة قال ابن المدينى له نحو ألفى حديث وقال أحمد كان أمة وحده وقال ابن معين إمام المتقنين وقال سفيان الثورى مات الحديث بموت شعبة وكان أحسن حديثا وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث يخطئُ قليلا في أسماء الرجال وهو أوّل من تكلم في رجال الحديث وقال ابن حبان كان من سادات أهل زمانه حفظا وإتقانا وورعا

стр. 33

وفضلا وهو أوّل من فتش بالعراق عن أمر المحدّثين وجانب الضعفاء والمتروكين وصار علما يقتدى به وقال ابن سعد كان ثقة مأمونا ثبتا حجة صاحب حديث. ولد سنة ثمانين. ومات سنة ستين ومائة (قوله بهذا الحديث) أى المذكور آنفا بقوله كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دخل الخلاء الخ (قوله قال اللهم الخ) أى قال شعبة مرة عن شيخه عبد العزيز اللهم إنى أعوذ بك وقال شعبة مرة أخرى وقال عبد العزيز مرة أخرى أعوذ بالله من الخبث والخبائث (من أخرج هذه الرواية أيضا) أخرجها البخارى من طريق آدم عن شعبة والترمذى من طريق وكيع عن شعبة بلفظ (كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دخل الخلاء قال اللهم إنى أعوذ بك قال شعبة مرة أعوذ بالله من الخبث والخبيث أو الخبث والخبائث) وقال حديث أنس أصح شئ في هذا الباب وأحسن (ص) وَقَالَ وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ العزِيزِ فَلْيتَعَوَّذْ باِللهِ (ش) هذا تعليق لم نقف على وصله في كتب الحديث ويحتمل أن يكون سند المؤلف في هذا إلى وهيب سنده إلى شعبة في الحديث السابق. ووهيب هو ابن خالد الباهلى أبو بكر البصرى أحد الحفاظ الأعلام. روى عن أيوب ومنصور بن المعتمر وأبى حازم وآخرين. وعنه حبان ابن هلال ومسلم بن إبراهيم وعبد الأعلى بن حماد قال ابن سعد ثقة حجة كثير الحديث ووثقه أبو حاتم والعجلى وأبو داود الطيالسى. مات سنة خمس وستين ومائة (وحاصل) ما أشار إليه المصنف في حديثى أنس أن عبد العزيز بن صهيب روى عنه أربعة حماد بن زيد وعبد الوارث بن سعيد في السند الأول وشعبة ووهيب في السند الثانى وقد اختلفوا فيما رووه عن عبد العزيز فقال حماد عنه اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث وقال عبد الوارث عن عبد العزيز أعوذ بالله من الخبث والخبائث أما شعبة فوافق مرة حماده ومرة عبد الوارث غير أن الرواية الأولى صريحة في أن الاختلاف إنما وقع بين حماد وعبد الوارث، والاختلاف في رواية شعبة إنما هو من عبد العزيز، أما وهيب فلم يوافق واحدا منهم لأنهم رووا فعل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ووهيب روى أمره بلفظ فليتعوذ وهو يشمل كل ألفاظ الاستعاذة كاللهم إنى أعوذ بك وأعوذ بالله من الخبث والخبائث وأعوذ بك وأستعيذ بالله وعياذا بالله وعياذا بك وهذا ظاهر في أن رواية وهيب مستقلة سندا ومتنا. وما ذكر في حديث أنس هو على ما في أكثر النسخ. وفى بعضها تقديم رواية شعبة معلقة ثم وصلها عن الحسن بن عمرو بعد ذكر تعليق وهيب وهذا لفظها بعد حديث أنس الأول قال أبو داود ورواه شعبة عن عبد العزيز اللهم إنى أعوذ بك وقال مرة أعوذ بالله وقال وهيب فليتعوذ بالله حدثنا الحسن بن عمرو يعنى السدوسى الخ. ومنه تعلم أن النسخ الأولى أوفق لوضوحها واتساقها وخلوّها عن التكرار

стр. 34

(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ " (ش) (رجال الحديث) (قوله عمرو بن مرزوق) الباهلى أبو عثمان البصرى. روى عن عكرمة بن عمار وشعبة ومالك بن مغول وزائدة. وعنه البخارى مقرونا بآخر وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود وجماعة، وثقه ابن سعد وأبو حاتم وقال لم نلق أحدا من أصحاب شعبة أحسن حديثا منه وقال أحمد وابن معين ثقة مأمون وقال الساجى كان صدوقا وأبو الوليد يتكلم فيه وقال الدارقطنى صدوق كثير الوهم وقال ابن المدينى تركوا حديثه وقال الحاكم سيئ الحفظ وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ وكان يحيى القطان لا يرضاه في الحديث. مات سنة أربع وعشرين ومائة (قوله قتادة) بن دعامة السدوسى أبو الخطاب البصرى الأكمه التابعى. روى عن أنس وابن المسيب وابن سيرين والنضر بن أنس وجماعة. وعنه أيوب السختيانى وحميد الطويل وشعبة وغيرهم كان يضرب به المثل في الحفظ قال ابن المسيب ما أتانا عراقيّ أحفظ من قتادة وقال ابن معين حافظ ثقة ثبت لكنه مدلس وقال أبو حاتم سمعت أحمد أطنب في ذكره فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير وقال قلما نجد من يتقدمه وقال ابن حبان كان من حفاظ أهل زمانه وكان مدلسا على قدر فيه وقال الذهبى احتج به أصحاب الصحاح مات سنة سبع عشرة ومائة (قوله النضر بن أنس) بن مالك أبو مالك الأنصارى. روى عن أبيه وابن عباس وأبى بردة. وعنه بكر المزنى وقتادة وحميد الطويل وجماعة وثقه النسائى والعجلى وابن سعد. توفى سنة بضع ومائة (قوله زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس بن النعمان ابن مالك بن الأغرّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج شهد الخندق وغزا مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آلة وسلم سبع عشرة غزوة. روى عنه أنس مكاتبه وابن عباس وعبد الرحمن بن أبى ليلى وطاوس. له تسعون حديثا اتفق الشيخان على أربعة وانفرد البخارى بحديثين ومسلم بستة وله قصة في سورة المنافقين ففى البخارى عنه قال كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبىّ يقول لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولئن رجعنا من عنده ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ فذكرت ذلك لعمى أو لعمر فذكره للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فدعانى فحدّثته فأرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى عبد الله بن أبىّ وأصحابه فحلفوا ما قالوا فكذّبني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وصدّقه فأصابنى همّ لم يصبنى

стр. 35

مثله قط فجلست في البيت فقال لى عمى ما أردت إلى أن كذّبك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومقتك فأنزل الله تعالى إذا جاءك المنافقون إلى قوله هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله إلى قوله ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ فبعث إلىّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقرأ فقال إن الله قد صدقك يا زيد اهـ وكان من خواصّ علىّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما وشهد معه صفين. توفى بالكوفة سنة ست أو ثمان وستين (قوله إن هذه الحشوش) بضم الحاء المهملة والشين المعجمة يعنى الكنف ومواضع قضاء الحاجة الواحد حش بفتح أوله وهو أكثر من الضم. والحش في الأصل البستان ثم سمى به الكنيف لأنهم كانوا يقضون حاجاتهم في البساتين فلما اتخذوا الكنف وجعلوها خلفا عنها أطلقوا عليها ذلك الاسم (قوله محتضرة) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة أي تحضرها الشياطين لقصد الأذى ولأنها تميل إلى القاذورات (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن محلات قضاء الحاجة ونحوها تحضرها الشياطين فيتحصن منهم بذكر اسم الله تعالى لما تقدم ولما أخرجه ابن ماجه من حديث على (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ستر ما بين الجنّ وعورات بنى آم إذا دخل الكنيف أن يقول باسم الله) (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه والنسائى في السنن الكبرى وأشار إليه الترمذى وقال في إسناده اضطراب وبين وجهه بقوله روى هشام الدستوائىّ وسعيد بن أبى عروبة عن قتادة وقال سعيد عن القاسم بن عوف الشيبانى عن زيد بن أرقم وقال هشام عن قتادة عن زيد بن أرقم ورواه شعبة ومعمر عن قتادة عن النضر بن أنس وقال شعبة عن زيد بن أرقم وقال معمر عن النضر بن أنس عن أبيه (وحاصله) أن سعيد بن أبى عروبة وهشاما ومعمرا وشعبة يروونه عن قتادة على اختلاف بينهم فسعيد يرويه عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيبانى عن زيد بن أرقم، وهشام الدستوائىّ يرويه عن قتادة عن زيد بن أرقم، فبين قتادة وزيد واسطة وهو القاسم ابن عوف في رواية سعيد دون رواية هشام، وشعبة ومعمر يرويانه عن قتادة عن النضر بن أنس ثم اختلفا فشيخ النضر في رواية شعبة زيد بن أرقم وفي رواية معمر أبوه أنس وهو وهم والصواب رواية شعبة فالاضطراب في موضعين. الأول في شيخ قتادة، فشيخه في رواية سعيد القاسم وفى رواية هشام زيد بن أرقم، وشيخه في رواية شعبة ومعمر النضر بن أنس، والثانى في شيخ النضر فشيخه في رواية شعبة زيد بن أرقم وفى رواية معمر أبوه أنس، قال أبوعيسى الترمذى سألت محمدا يعنى البخارى عن هذا فقال يحتمل أن قتادة روى عنهما جميعا يعنى عن القاسم والنضر بن أنس (باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة) أى في بيان قبح استقبال القبلة عند قضاء الحاجة. والكراهية بتخفيف الياء المثناة التحتية مصدر كره بالضم يقال كره الأمر والمنظر كراهة فهو كريه مُثل قبح قباحة فهو قبيح وزنا ومعنى

стр. 36

وكراهية بالتخفيف أيضا وتكون بالتخفيف أيضا من كره من باب سمع وفيها التشديد حينئذ كما في القاموس، والاستقبال المواجهة، والقبلة بكسر القاف في الأصل الجهة يقال أين قبلتك أى إلى أىّ جهة تتوجه (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: أَجَلْ لَقَدْ «نَهَانَا صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَأَنْ لَا نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، وَأَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ» (ش) (رجال الحديث) (قوله أبو معاوية) الضرير هو محمد بن خازم بخاء معجمة التميمى مولاهم مشهور بكنيته أحد الأعلام. روى عن سهيل بن أبى صالح وعاصم الأحول وأبى مالك الأشجعى وهشام بن عروة وكثيرين. وعنه أحمد وإسحاق وابن المدينى وابن معين وأبو خيثمة وجماعة. وعنه من شيوخه الأعمش وابن جريج قال النسائى وابن خراش ثقة وقال يحيى بن معين كان أثبت أصحاب الأعمش بعد شعبة وسفيان وقال أبو حاتم أثبت الناس وقال يعقوب بن شيبة وابن سعد كان ثقة وربما دلس وقال أبو داود كان مرجئا والمرجئة فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضرّ مع الإيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة وسموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصى أى أخره عنهم اهـ من النهاية وقال أحمد بن حنبل وغيره أحاديثه عن غير الأعمش فيها اضطراب وقال العجلى ثقة. مات سنة خمس وتسعين ومائة. روى له الجماعة (قوله الأعمش) هو سليمان بن مهران الكاهلى مولاهم أبو محمد الكوفى أحد الأعلام الحفاظ والقراء. روى عن عبد الله بن أبى أوفى وعكرمة ولم يسمع منهما وعن زيد بن وهب وأبى وائل والشعبى وآخرين. وعنه أبو إسحاق والحكم من شيوخه وسليمان التيمى من طبقته وشعبة وسفيان وزائدة ووكيع وغيرهم قال سفيان بن عيينة سبق أصحابه بخصال، كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وكان محدّث أهل الكوفة في زمانه وقال النسائى ثقة ثبت وقال ابن عمار ليس في المحدّثين أثبت منه قيل مات سنة ثمان وأربعين ومائة عن أربع وثمانين سنة (قوله إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعى أبو عمران الكوفى الفقيه. روى عن علقمة والأسود وعبد الرحمن بن يزيد وشريح القاضى. وعنه الحكم بن عتيبة والأعمش

стр. 37

وابن عون وغيرهم يرسل كثيرا. قال ابن معين مراسيل إبراهيم أحبّ إلىّ من مراسيل الشعبى وقال الشعبى ما ترك إبراهيم بعده أعلم منه وقال العجلى كان مفتى أهل الكوفة صالحا فقيها متوقيا قليل التكلف وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال سمع المغيرة بن شعبة وأنس بن مالك ودخل على عائشة. ولد سنة خمسين. وتوفى سنة خمس أو ست وتسعين (قوله عبد الرحمن ابن يزيد) بن قيس النخعى أبو بكر الكوفى من كبار الثالثة. روى عن ابن مسعود وأبى مسعود الأنصارى وأبى موسى وعائشة. وعنه ابنه محمد والشعبى وسلمة بن كهيل وغيرهم وثقه ابن معين والعجلى والدارقطنى وابن سعد وقال له أحاديث كثيرة قيل مات سنة ثلاث وثمانين (قوله سلمان) هو أبو عبد الله الفارسى ويعرف بسلمان الخير مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد سئل عن نسبه فقال أنا سلمان ابن الإسلام أصله من "جبا" قرية من قرى أصبهان. وقيل من رامهرمز وكان أبوه دهقانها وسيدها قال ابن إسحاق وغيره ما معناه: مرّ سلمان على النصارى المجاورين للفرس وهم في الكنائس فأعجبه دينهم فلزمهم فقيده أبوه على ذلك وطلب منه خدمة بيت النار ففكّ القيد وخرج إلى الشام فسأل عن عالم النصارى فدلّ عليه فخدمه واطلع منه على خيانة في دينه فأخبر النصارى بذلك فرجموه وأقاموا مكانه رجلا صالحا فصحبه سلمان حتى قارب الموت فسأله أن يوصيه فذكر له رجلا صالحا بالموصل فلما مات الأوّل أى هذا وصحبه فلما حضرته الوفاة قال له أوصنى فذكر له رجلا بعمورية فصحبه فلما أشرف على الوفاة سأله الوصية فقال لا أجد اليوم أحدا على مثل ما كنا عليه ولكن قد أطلّ زمان نبيّ يبعث بدين إبراهيم مهاجره بأرض ذات نخل له آيات وعلامات لا تخفى بين كتفيه خاتم النبوة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فلما مات مرّ به ركب من العراق من كلب فصحهم فباعوه بوادى القرى من يهودىّ ثم اشتراه يهودى آخر من بنى قريظة وقدم به إلى المدينة فأقام بها إلى أن قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأسلم بعد أن رأى الصفات التى وصفت له وكان من خيار الصحابة (قال فيه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سلمان منا أهل البيت) رواه الطبرانى والحاكم عن عمرو بن عوف وقال سنده ضعيف وفى حديث آخر (سلمان سابق فارس) أخرجه ابن سعد عن الحسن مرسلا وعن بريدة (أن النبى صلى الله تعالى علية وعلى آله وسلم قال إن الله أمرنى بحب أربعة وأخبرنى أنه يحبهم قيل يا رسول الله من هم قال علىّ منهم يقول ذلك ثلاثا وأبو ذرّ وسلمان والمقداد) أخرجه الترمذى وابن ماجه. وعن أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال (تلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذه الآية وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم فقالوا من يستبدل بنا فضرب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على منكب سلمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ثم قال هذا وقومه والذى نفسى بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لناله رجال من فارس) أخرجه الترمذى، قال

стр. 38

الحسن كان سلمان أميرا على ثلاثين ألفا يخطب فيهم في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها وقال سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال (آخى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين أبى الدرداء وسلمان وقال لأبى الدّرداء سلمان أفقه منك) وكان سلمان إذا خرج عطاؤه تصدّق به وينسج الخوص ويأكل من كسب يده. له ستون حديثا اتفق الشيخان على ثلاثة وانفرد البخارى بواحد ومسلم بثلاثة. روى عنه ابن عباس وأنس وعقبة بن عامر وأبو سعيد وغيرهم. قال ابن الأثير صحّ أنه أدرك وصىّ عيسى وقرأ الكتابين وذكر البغوىّ أن سلمان لما حضره الموت بكى وقال (إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عهد إلينا عهدا فتركنا عهده أن تكون بلغة أحدنا كزاد الراكب) فلما مات نظر فيما ترك فإذا هو نحو ثلاثين درهما. توفى سنة خمس أو ست وثلاثين عن مائتين وخمسين سنة وقيل ثلاثمائة وخمسين (قوله قال) أى عبد الرحمن بن يزيد (قوله قيل له) أى لسلمان والقائل المشركون ففى رواية لمسلم قال يعنى سلمان قال لنا المشركون وفى ابن ماجه (قال قال له بعض المشركين وهم يستهزئون به إنى أرى صاحبكم يعلمكم كل شئ حتى الخراءة الخ) (قوله الخراءه) بالكسر والمدّ التخلى والقعود للحاجة، قال الخطابى وأكثر الرواة يفتحون الخاء، وقال الجوهرى إنها بالفتح والمدّ يقال خرئَ خراءة مثل كره كراهة. ويحتمل أن يكون بالفتح المصدر وبالكسر الاسم. اهـ نهاية (قوله أجل) بسكون اللام مثل نعم وزنا ومعنى يعنى نعم علمنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كل شئ نحتاج إليه في ديننا، قال الطيبى جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدّد أو يسكت عن جوابه لكن ما التفت سلمان إلى استهزائه وأجاب جواب المرشد للسائل المجدّ اهـ ويحتمل أنه ردّ له بأن ما زعمه سببا للاستهزاء ليس بسبب له بل المسلم يصرّح به عند الأعداء لأنه أمر يحسنه العقل عند معرفة تفصيله فلا عبرة بالاستهزاء به لإضافته إلى أمر مستقبح ذكره والجواب بالردّ لا يسمى أسلوب الحكيم (قوله أن نستقبل القبلة) أى بفروجنا كما في الموطأ، لا تستقبلوا القبلة بفروجكم. وأل في القبلة للعهد والمعهود الكعبة كما فسرها حديث أبى أيوب في قوله فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف ونستغفر الله اهـ (قوله بغائط) قال العراقى ضبطناه في سنن أبى داود بالباء الموحدة وفي مسلم باللام اهـ ومثله للنووى في شرح مسلم وزاد وروى للغائط باللام والباء وهما بمعنى اهـ والغائط في الأصل المكان المنخفض من الأرض ثم صار اسما للخارج المعروف من دبر الآدمى (قوله أو بول) هو في الأصل مصدر بال من باب قال ثم استعمل في الخارج المعروف من القبل وقد اختلف العلماء في علة النهى عن استقبال القبلة بما ذكر. فمنهم من قال إنه لإظهار احترام وتعظيم

стр. 39

القبلة وهو الظاهر لما روى من حديث سراقة بن مالك (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا آتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله ولا يستقبلها) أخرجه الدارمى وغيره بسند ضعيف مرسلا. ومنهم من علله بأنه لا يخلو من أن يراه مصلّ. فعن عيسى الحناط عن نافع عن ابن عمر قال (رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في كنيفه مستقبل القبلة) قال عيسى فقلت للشعبى عجبت لقول ابن عمر هذا وقول أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها فقال الشعبى أما قول أبى هريرة ففي الصحراء لأن لله خلقا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم وأما بيوتكم هذه التى تتخذونها للنتن فإنة لا قبلة لها. وذكر الدارقطنى أن عيسى الحناط ضعيف. وينبنى على الخلاف في التعليل خلافهم فيما إذا كان في الصحراء فاستتر بشئ هل يجوز الاستقبال والاستدبار فالتعليل باحترام القبلة يقتضى المنع والتعليل برؤية المصلين يقتضى الجواز، وقد اختلفوا أيضا في محل العلة. فمنهم من قال المنع للخارج المستقذر. ومنهم من قال المنع لكشف العورة. وينبنى على هذا الخلاف خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة. فمن علل بالخارج أباحه إذ لا خارج ومن علل بالعورة منعه. أفاده ابن دقيق العيد (قوله وأن لا نستنجى باليمين) يحتمل أن لا زائدة لما في رواية مسلم والنسائى أو أن نستنجى باليمين بإسقاط لا. وعليه فالمعنى ونهانا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن نستنجى باليمين، ويحتمل أن لا أصلية ويقدّر عامل مناسب أى أمرنا أن لا نستنجى كما في رواية ابن ماجه أمرنا أن لا نستقبل القبلة ولا نستنجى بأيماننا. والاستنجاء في الأصل إزالة الأذى بالماء أو الحجارة، يقال استنجيت غسلت موضع النجو أو مسحته، وفى العرف إزالة الخارج النجس من الفرج بماء أو حجر أو مدر، والأول مأخوذ من استنجيت الشجر إذا قطعته من أصله لأن الغسل يزيل الأثر، والثانى من استنجيت النخلة إذا التقطت رطبها لأن المسح لا يقطع النجاسة بل يبقي أثرها (قوله وأن لا يستنجى أحدنا الخ) بإثبات لا والذى في مسلم أو أن نستنجى بأقلّ من ثلاثة أحجار بإسقاطها فيقال هنا ما قيل في سابقه (قوله أو أن نستنجى) أو بمعنى الواو أى ونهانا أن نستنجى (قوله برجيع أو عظم) أو ليست للشك بل لأحد الشيئين أى نهانا عن الاستنجاء بأحدهما أو بهما، والرجيع الروث والعذرة فعيل بمعنى فاعل لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا، والروث رجيع ذوات الحافر (فقه الحديث) دل الحديث على المنع من استقبال القبلة مطلقا عند قضاء الحاجة وقد اختلف الفقهاء في هذا على أقوال (أحدها) أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء عند قضاء الحاجة ولا يحرم ذلك في البنيان وهو قول العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبى وإسحاق ابن راهويه ومالك والشافعى وأحمد في رواية واستدلوا علي جوازه في البنيان بحديث ابن عمر

стр. 40

رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما وحديث جابر الآتيين في الباب الآتى وبحديث مروان الأصفر الآتى آخر هذا الباب وبحديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا الذى أخرجه ابن ماجة قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعلى ابن محمد قالا حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن خالد الحذّاء عن خالد بن أبى الصلت عن عراك ابن مالك عن عائشة قالت (ذكر عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال أراهم قد فعلوها استقبلوا بمقعدتى القبلة) ورواه أحمد أيضا وقوله استقبلوا الخ أى حوّلوا موضع قضاء حاجتى إلى جهة القبلة، قالوا فهذه أحاديث صحيحة مصرّحة بالجواز في البنيان (ثانيها) أنه لا يجوز ذلك لا في البنيان ولا في الصحراء وهو قول أبى أيوب الأنصارى ومجاهد وإبراهيم النخعى وسفيان الثورى وعطاء وأبى حنيفة وأحمد في رواية وبعض السلف من الصحابة والتابعين ورجحه من المالكية ابن العربى، واستدلوا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهى مطلقا كحديث سلمان المذكور وأحاديث أبى هريرة وأبى أيوب الأنصارى ومعقل بن أبى معقل رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم الآتية بعده وحديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى (قال أنا أول من سمع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لا يبولنّ أحدكم مستقبل القبلة وأنا أول من حدّث الناس بذلك) رواه ابن ماجه وابن حبان وصححه وفى الزوائد إسناده صحيح وأصله في الصحيحين فلا التفات إلى قول ابن يونس هو حديث معلول قالوا لأن النهى عام ولأن المنع ليس إلا لتعظيم القبلة وهو موجود في الصحراء والبنيان ولو جاز في البنيان لوجود الحائل لجاز في الصحراء النائية عن الكعبة لوجود الحائل أيضا لأن بينها وبين الكعبة جبالا وأودية وأبنية ولا سيما عند من يقول بكرّيّة الأرض فإنه لا موازاة إذ ذاك بالكلية وما ورد عن الشعبى من أنه علل الجواز في البنيان بأن لله خلقا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم وأما بيوتكم هذه التى تتخذونها للنتن فإنه لا قبلة لها فهو تعليل في مقابلة النص. وأجابوا عن أحاديث مروان الأصفر وابن عمر وجابر بأجوبة يأتى ذكرها إن شاء الله تعالى في الكلام عليها، وعن حديث عائشة بأنه من طريق خالد بن أبى الصلت وهو مجهول لا ندرى من هو قاله ابن حزم، وقال الذهبي هذا الحديث منكر، وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبى داود إن هذا حديث لا يصح وإنما هو موقوف على عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا حكاه الترمذى في كتاب العلل عن البخارى. ومن هذا تعلم ما في قول النووى في شرح مسلم إسناده حسن (ثالثها) جواز ذلك في البنيان والصحراء جميعا وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك وداود الظاهرى واستدلوا بحديث ابن عمر (أنه رأى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مستقبلا بيت المقدس مستدبرا القبلة) رواه الجماعة. وبحديث عائشة المتقدم في أدلة القول الأول ورأى هؤلاء أن حديث أبى أيوب منسوخ وزعموا أن ناسخه
следующие страницы →