وكراهية بالتخفيف أيضا وتكون بالتخفيف أيضا من كره من باب سمع وفيها التشديد حينئذ كما في القاموس، والاستقبال المواجهة، والقبلة بكسر القاف في الأصل الجهة يقال أين قبلتك أى إلى أىّ جهة تتوجه
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: أَجَلْ لَقَدْ «نَهَانَا صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَأَنْ لَا نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، وَأَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو معاوية) الضرير هو محمد بن خازم بخاء معجمة التميمى مولاهم مشهور بكنيته أحد الأعلام. روى عن سهيل بن أبى صالح وعاصم الأحول وأبى مالك الأشجعى وهشام بن عروة وكثيرين. وعنه أحمد وإسحاق وابن المدينى وابن معين وأبو خيثمة وجماعة. وعنه من شيوخه الأعمش وابن جريج قال النسائى وابن خراش ثقة وقال يحيى بن معين كان أثبت أصحاب الأعمش بعد شعبة وسفيان وقال أبو حاتم أثبت الناس وقال يعقوب بن شيبة وابن سعد كان ثقة وربما دلس وقال أبو داود كان مرجئا والمرجئة فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضرّ مع الإيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة وسموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصى أى أخره عنهم اهـ من النهاية وقال أحمد بن حنبل وغيره أحاديثه عن غير الأعمش فيها اضطراب وقال العجلى ثقة. مات سنة خمس وتسعين ومائة. روى له الجماعة
(قوله الأعمش) هو سليمان بن مهران الكاهلى مولاهم أبو محمد الكوفى أحد الأعلام الحفاظ والقراء. روى عن عبد الله بن أبى أوفى وعكرمة ولم يسمع منهما وعن زيد بن وهب وأبى وائل والشعبى وآخرين. وعنه أبو إسحاق والحكم من شيوخه وسليمان التيمى من طبقته وشعبة وسفيان وزائدة ووكيع وغيرهم قال سفيان بن عيينة سبق أصحابه بخصال، كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وكان محدّث أهل الكوفة في زمانه وقال النسائى ثقة ثبت وقال ابن عمار ليس في المحدّثين أثبت منه قيل مات سنة ثمان وأربعين ومائة عن أربع وثمانين سنة
(قوله إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعى أبو عمران الكوفى الفقيه. روى عن علقمة والأسود وعبد الرحمن بن يزيد وشريح القاضى. وعنه الحكم بن عتيبة والأعمش
стр. 37
وابن عون وغيرهم يرسل كثيرا. قال ابن معين مراسيل إبراهيم أحبّ إلىّ من مراسيل الشعبى وقال الشعبى ما ترك إبراهيم بعده أعلم منه وقال العجلى كان مفتى أهل الكوفة صالحا فقيها متوقيا قليل التكلف وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال سمع المغيرة بن شعبة وأنس بن مالك ودخل على عائشة. ولد سنة خمسين. وتوفى سنة خمس أو ست وتسعين
(قوله عبد الرحمن ابن يزيد) بن قيس النخعى أبو بكر الكوفى من كبار الثالثة. روى عن ابن مسعود وأبى مسعود الأنصارى وأبى موسى وعائشة. وعنه ابنه محمد والشعبى وسلمة بن كهيل وغيرهم وثقه ابن معين والعجلى والدارقطنى وابن سعد وقال له أحاديث كثيرة قيل مات سنة ثلاث وثمانين
(قوله سلمان) هو أبو عبد الله الفارسى ويعرف بسلمان الخير مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد سئل عن نسبه فقال أنا سلمان ابن الإسلام أصله من "جبا" قرية من قرى أصبهان. وقيل من رامهرمز وكان أبوه دهقانها وسيدها قال ابن إسحاق وغيره ما معناه: مرّ سلمان على النصارى المجاورين للفرس وهم في الكنائس فأعجبه دينهم فلزمهم فقيده أبوه على ذلك وطلب منه خدمة بيت النار ففكّ القيد وخرج إلى الشام فسأل عن عالم النصارى فدلّ عليه فخدمه واطلع منه على خيانة في دينه فأخبر النصارى بذلك فرجموه وأقاموا مكانه رجلا صالحا فصحبه سلمان حتى قارب الموت فسأله أن يوصيه فذكر له رجلا صالحا بالموصل فلما مات الأوّل أى هذا وصحبه فلما حضرته الوفاة قال له أوصنى فذكر له رجلا بعمورية فصحبه فلما أشرف على الوفاة سأله الوصية فقال لا أجد اليوم أحدا على مثل ما كنا عليه ولكن قد أطلّ زمان نبيّ يبعث بدين إبراهيم مهاجره بأرض ذات نخل له آيات وعلامات لا تخفى بين كتفيه خاتم النبوة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فلما مات مرّ به ركب من العراق من كلب فصحهم فباعوه بوادى القرى من يهودىّ ثم اشتراه يهودى آخر من بنى قريظة وقدم به إلى المدينة فأقام بها إلى أن قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأسلم بعد أن رأى الصفات التى وصفت له وكان من خيار الصحابة (قال فيه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سلمان منا أهل البيت) رواه الطبرانى والحاكم عن عمرو بن عوف وقال سنده ضعيف وفى حديث آخر (سلمان سابق فارس) أخرجه ابن سعد عن الحسن مرسلا وعن بريدة (أن النبى صلى الله تعالى علية وعلى آله وسلم قال إن الله أمرنى بحب أربعة وأخبرنى أنه يحبهم قيل يا رسول الله من هم قال علىّ منهم يقول ذلك ثلاثا وأبو ذرّ وسلمان والمقداد) أخرجه الترمذى وابن ماجه. وعن أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال (تلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذه الآية وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم فقالوا من يستبدل بنا فضرب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على منكب سلمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ثم قال هذا وقومه والذى نفسى بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لناله رجال من فارس) أخرجه الترمذى، قال
стр. 38
الحسن كان سلمان أميرا على ثلاثين ألفا يخطب فيهم في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها وقال سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال (آخى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين أبى الدرداء وسلمان وقال لأبى الدّرداء سلمان أفقه منك) وكان سلمان إذا خرج عطاؤه تصدّق به وينسج الخوص ويأكل من كسب يده. له ستون حديثا اتفق الشيخان على ثلاثة وانفرد البخارى بواحد ومسلم بثلاثة. روى عنه ابن عباس وأنس وعقبة بن عامر وأبو سعيد وغيرهم. قال ابن الأثير صحّ أنه أدرك وصىّ عيسى وقرأ الكتابين وذكر البغوىّ أن سلمان لما حضره الموت بكى وقال (إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عهد إلينا عهدا فتركنا عهده أن تكون بلغة أحدنا كزاد الراكب) فلما مات نظر فيما ترك فإذا هو نحو ثلاثين درهما. توفى سنة خمس أو ست وثلاثين عن مائتين وخمسين سنة وقيل ثلاثمائة وخمسين
(قوله قال) أى عبد الرحمن بن يزيد
(قوله قيل له) أى لسلمان والقائل المشركون ففى رواية لمسلم قال يعنى سلمان قال لنا المشركون وفى ابن ماجه (قال قال له بعض المشركين وهم يستهزئون به إنى أرى صاحبكم يعلمكم كل شئ حتى الخراءة الخ)
(قوله الخراءه) بالكسر والمدّ التخلى والقعود للحاجة، قال الخطابى وأكثر الرواة يفتحون الخاء، وقال الجوهرى إنها بالفتح والمدّ يقال خرئَ خراءة مثل كره كراهة. ويحتمل أن يكون بالفتح المصدر وبالكسر الاسم. اهـ نهاية
(قوله أجل) بسكون اللام مثل نعم وزنا ومعنى يعنى نعم علمنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كل شئ نحتاج إليه في ديننا، قال الطيبى جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدّد أو يسكت عن جوابه لكن ما التفت سلمان إلى استهزائه وأجاب جواب المرشد للسائل المجدّ اهـ ويحتمل أنه ردّ له بأن ما زعمه سببا للاستهزاء ليس بسبب له بل المسلم يصرّح به عند الأعداء لأنه أمر يحسنه العقل عند معرفة تفصيله فلا عبرة بالاستهزاء به لإضافته إلى أمر مستقبح ذكره والجواب بالردّ لا يسمى أسلوب الحكيم
(قوله أن نستقبل القبلة) أى بفروجنا كما في الموطأ، لا تستقبلوا القبلة بفروجكم. وأل في القبلة للعهد والمعهود الكعبة كما فسرها حديث أبى أيوب في قوله فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف ونستغفر الله اهـ
(قوله بغائط) قال العراقى ضبطناه في سنن أبى داود بالباء الموحدة وفي مسلم باللام اهـ ومثله للنووى في شرح مسلم وزاد وروى للغائط باللام والباء وهما بمعنى اهـ والغائط في الأصل المكان المنخفض من الأرض ثم صار اسما للخارج المعروف من دبر الآدمى
(قوله أو بول) هو في الأصل مصدر بال من باب قال ثم استعمل في الخارج المعروف من القبل
وقد اختلف العلماء في علة النهى عن استقبال القبلة بما ذكر. فمنهم من قال إنه لإظهار احترام وتعظيم
стр. 39
القبلة وهو الظاهر لما روى من حديث سراقة بن مالك (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا آتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله ولا يستقبلها) أخرجه الدارمى وغيره بسند ضعيف مرسلا. ومنهم من علله بأنه لا يخلو من أن يراه مصلّ. فعن عيسى الحناط عن نافع عن ابن عمر قال (رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في كنيفه مستقبل القبلة) قال عيسى فقلت للشعبى عجبت لقول ابن عمر هذا وقول أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها فقال الشعبى أما قول أبى هريرة ففي الصحراء لأن لله خلقا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم وأما بيوتكم هذه التى تتخذونها للنتن فإنة لا قبلة لها. وذكر الدارقطنى أن عيسى الحناط ضعيف. وينبنى على الخلاف في التعليل خلافهم فيما إذا كان في الصحراء فاستتر بشئ هل يجوز الاستقبال والاستدبار فالتعليل باحترام القبلة يقتضى المنع والتعليل برؤية المصلين يقتضى الجواز، وقد اختلفوا أيضا في محل العلة. فمنهم من قال المنع للخارج المستقذر. ومنهم من قال المنع لكشف العورة. وينبنى على هذا الخلاف خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة. فمن علل بالخارج أباحه إذ لا خارج ومن علل بالعورة منعه. أفاده ابن دقيق العيد
(قوله وأن لا نستنجى باليمين) يحتمل أن لا زائدة لما في رواية مسلم والنسائى أو أن نستنجى باليمين بإسقاط لا. وعليه فالمعنى ونهانا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن نستنجى باليمين، ويحتمل أن لا أصلية ويقدّر عامل مناسب أى أمرنا أن لا نستنجى كما في رواية ابن ماجه أمرنا أن لا نستقبل القبلة ولا نستنجى بأيماننا. والاستنجاء في الأصل إزالة الأذى بالماء أو الحجارة، يقال استنجيت غسلت موضع النجو أو مسحته، وفى العرف إزالة الخارج النجس من الفرج بماء أو حجر أو مدر، والأول مأخوذ من استنجيت الشجر إذا قطعته من أصله لأن الغسل يزيل الأثر، والثانى من استنجيت النخلة إذا التقطت رطبها لأن المسح لا يقطع النجاسة بل يبقي أثرها
(قوله وأن لا يستنجى أحدنا الخ) بإثبات لا والذى في مسلم أو أن نستنجى بأقلّ من ثلاثة أحجار بإسقاطها فيقال هنا ما قيل في سابقه
(قوله أو أن نستنجى) أو بمعنى الواو أى ونهانا أن نستنجى
(قوله برجيع أو عظم) أو ليست للشك بل لأحد الشيئين أى نهانا عن الاستنجاء بأحدهما أو بهما، والرجيع الروث والعذرة فعيل بمعنى فاعل لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا، والروث رجيع ذوات الحافر
(فقه الحديث) دل الحديث على المنع من استقبال القبلة مطلقا عند قضاء الحاجة وقد اختلف الفقهاء في هذا على أقوال (أحدها) أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء عند قضاء الحاجة ولا يحرم ذلك في البنيان وهو قول العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبى وإسحاق ابن راهويه ومالك والشافعى وأحمد في رواية واستدلوا علي جوازه في البنيان بحديث ابن عمر
стр. 40
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما وحديث جابر الآتيين في الباب الآتى وبحديث مروان الأصفر الآتى آخر هذا الباب وبحديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا الذى أخرجه ابن ماجة قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعلى ابن محمد قالا حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن خالد الحذّاء عن خالد بن أبى الصلت عن عراك ابن مالك عن عائشة قالت (ذكر عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال أراهم قد فعلوها استقبلوا بمقعدتى القبلة) ورواه أحمد أيضا وقوله استقبلوا الخ أى حوّلوا موضع قضاء حاجتى إلى جهة القبلة، قالوا فهذه أحاديث صحيحة مصرّحة بالجواز في البنيان (ثانيها) أنه لا يجوز ذلك لا في البنيان ولا في الصحراء وهو قول أبى أيوب الأنصارى ومجاهد وإبراهيم النخعى وسفيان الثورى وعطاء وأبى حنيفة وأحمد في رواية وبعض السلف من الصحابة والتابعين ورجحه من المالكية ابن العربى، واستدلوا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهى مطلقا كحديث سلمان المذكور وأحاديث أبى هريرة وأبى أيوب الأنصارى ومعقل بن أبى معقل رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم الآتية بعده وحديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى (قال أنا أول من سمع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لا يبولنّ أحدكم مستقبل القبلة وأنا أول من حدّث الناس بذلك) رواه ابن ماجه وابن حبان وصححه وفى الزوائد إسناده صحيح وأصله في الصحيحين فلا التفات إلى قول ابن يونس هو حديث معلول قالوا لأن النهى عام ولأن المنع ليس إلا لتعظيم القبلة وهو موجود في الصحراء والبنيان ولو جاز في البنيان لوجود الحائل لجاز في الصحراء النائية عن الكعبة لوجود الحائل أيضا لأن بينها وبين الكعبة جبالا وأودية وأبنية ولا سيما عند من يقول بكرّيّة الأرض فإنه لا موازاة إذ ذاك بالكلية وما ورد عن الشعبى من أنه علل الجواز في البنيان بأن لله خلقا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم وأما بيوتكم هذه التى تتخذونها للنتن فإنه لا قبلة لها فهو تعليل في مقابلة النص. وأجابوا عن أحاديث مروان الأصفر وابن عمر وجابر بأجوبة يأتى ذكرها إن شاء الله تعالى في الكلام عليها، وعن حديث عائشة بأنه من طريق خالد بن أبى الصلت وهو مجهول لا ندرى من هو قاله ابن حزم، وقال الذهبي هذا الحديث منكر، وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبى داود إن هذا حديث لا يصح وإنما هو موقوف على عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا حكاه الترمذى في كتاب العلل عن البخارى. ومن هذا تعلم ما في قول النووى في شرح مسلم إسناده حسن (ثالثها) جواز ذلك في البنيان والصحراء جميعا وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك وداود الظاهرى واستدلوا بحديث ابن عمر (أنه رأى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مستقبلا بيت المقدس مستدبرا القبلة) رواه الجماعة. وبحديث عائشة المتقدم في أدلة القول الأول ورأى هؤلاء أن حديث أبى أيوب منسوخ وزعموا أن ناسخه
стр. 41
حديث جابر قال رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُنهانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن نستقبل القبلة ببول ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستدبرها رواه الترمذى وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والدارقطنى والحاكم وقال إنه صحيح علي شرط مسلم وسيأتى في الباب بعد هذا وقال الترمذى حديث حسن غريب وصححه البخارى لما سأله الترمذى عنه فقال حديث صحيح وعليه فالطعن فيه غير مسلم لما سيأتى في الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وفيما استدلوا به نظر. أما حديث ابن عمر فهو أخص من الدعوى، وأما حديث عائشة فهو ضعيف كما علمت فلا يصلح للاحتجاج به، وأما دعوى النسخ فليست بظاهرة لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذّر الجمع وهو ممكن هنا لأن ما في حديث جابر حكاية فعل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو لا يصلح لنسخ التشريع القولي لجواز الخصوصية وقد تقرّر في الأصول أن فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يعارض قوله الخاص بنا. وأيضا فإنه يمكن حمل حديثى جابر وابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم على أنهما رأياه في ساتر لأن ذلك هو المعهود من حال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لمالغته في التستر وحمل النهى في حديث أبى أيوب ونحوه على الصحراء، وأما تنحيه هو في البنيان عن القبلة فيحتمل أنه اجتهاد منه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، على أنا لو سلمنا عدم إمكان الجمع فلا نسلم النسخ أيضا لأن الناسخ لا بدّ أن يكون في قوّة المنسوخ وحديث جابر وإن صح لا يقاوم حديث أبى أيوب وغيره مما اتفق عليه الستة (رابعها) أنه لا يجوز الاستقبال مطلقا لا في البنيان ولا في الصحراء ويجوز الاستدبار فيهما وهو رواية عن أبى حنيفة وأحمد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما ودليله حديث سلمان المذكور لاقتصاره على النهي عن الاستقبال. وردّ بأن النهى عن الاستدبار ثابت في الأحاديث الصحيحة وهو زيادة يتعين الأخذ بها (خامسها) جواز الاستدبار في البنيان فقط تمسكا بظاهر حديث ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قاعدا لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة رواه الجماعة واللفظ لمسلم وهو مروى عن أبى يوسف وهو مردود بورود النهي عن الاستقبال والاستدبار على السواء وبما تقدم من أن فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يعارض القول الخاص بنا (سادسها) تحريم الاستقبال والاستدبار للكعبة ولبيت المقدس عملا بحديث معقل الأسدىّ الآتى آخر الباب وهو محكيّ عن إبراهيم وابن سيرين وسيأتى ردّه في الكلام على حديث معقل إن شاء الله تعالى (سابعها) أن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها بخلاف من كانت قبلته إلى الشرق أو الغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقا لعموم قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام شرّقوا أو غرّبوا، وهو قول أبى عوانة صاحب المزنى، واستدلاله في غاية الرّكة والضعف لأن المراد من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شرّقوا أو غرّبوا التحوّل عن استقبال الكعبة
стр. 42
واستدبارها لا فرق بين أهل المدينة وغيرهم (ثامنها) أن النهي للتنزيه فيكون ما ذكر مكروها وإليه ذهب القاسم بن إبراهيم ونسبه في البحر إلى المؤيّد بالله وأبى طالب والناصر والنخعى وهو رواية عن أبى حنيفة وأحمد وأبى ثور وأبى أيوب الأنصارى واستدلّ له بأحاديث عائشة وجابر وابن عمر المتقدم ذكرها قالوا إنها صارفة للنهى عن التحريم إلى الكراهة وهو لا يتمّ في حديث ابن عمر وجابر لأنه ليس فيهما إلا مجرّد الفعل وهو لا يعارض القول الخاص بنا كما تقدّم، نعم إن صحّ حديث عائشة صلح لذلك، وأقرب هذه الأقوال أولها وثانيها، أما الأول فلأن أحاديث الإباحة وردت في العمران فحملت عليه وأحاديث النهي عامة خص خص منها العمران بأحاديث الإباحة فبقيت الصحارى على التحريم قال الحافظ في الفتح وهو أعدل الأقوال لإعماله جمع الأدلة ويؤيّده من جهة النظر ما قاله ابن المنير من أن الاستقبال في البنيان مضاف إلى الجدار عرفا وأن الأمكنة المعدّة لذك مأوى الشياطين فليست صالحة لكونها قبلة بخلاف الصحراء فيهما اهـ وأما الثانى فسيأتى وجه اختياره في الكلام على حديث أبى أيوب إن شاء الله تعالى، ودلّ الحديث أيضا علي النهى عن الاستنجاء باليمين لرفع قدرها وتنزيها لها عن مباشرة الأقذار لأنه لو باشر النجاسة بها ربما تذكر عند تناوله الطعام ما باشرت يمينه من الأقذار فيعاف الطعام فقد كان النبى عليه وعلى آله الصلاة والسلام يجعل اليمنى لطهوره وطعامه وشرابه ولباسه مصونة من مباشرة أسافل بدنه ومماسة الأعضاء التى هي مجارى النجاسات واليسرى لخدمة أسافل بدنه وإماطة ما هناك من الأقذار وتنظيف ما يحدث فيها من الأدناس، وهذا النهى للتنزيه عند الجمهور وحمله أهل الظاهر على التحريم حتى قال الحسين بن عبد الله الناصرى الظاهرى في كتابه البرهان ولو استنجى بيمينه لا يجزئه وهو وجه عند الحنابلة وطائفة من الشافعية وقال النووى وقد أجمع العلماء على أنه منهىّ عن الاستنجاء باليمين ثم الجماهير على أنه نهى تنزيه وأدب لا نهى تحريم، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا ولا تعويل على إشارتهم قال أصحابنا ويستحب أن لا يستعين باليد اليمنى في شئ من أمور الاستنجاء إلا لعذر فإذا استنجى بماء صبه باليمنى ومسح باليسرى وإذا استنجى بحجر فإن كان في الدّبر مسح بيساره وإن كان في القبل وأمكنه وضع الحجر على الأرض أو بين قدميه بحيث يتأتى مسحه أمسك الذكر بيساره ومسحه على الحجر فإن لم يمكنه ذلك واضطرّ إلى حمل الحجر حمله بيمينه وأمسك الذكر بيساره ومسح بها ولا يحرّك اليمنى هذا هو الصواب، وقال بعض أصحابنا يأخذ الذكر بيمينه والحجر بيساره ويمسح ويحرّك اليسرى وهذا ليس بصحيح لأنه يمس الذكر بيمينه بغير ضرورة وقد نهى عنه اهـ ودلّ الحديث أيضا على أن الاستنجاء بالأحجار. مطهر وعلى أنه لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار وقد ورد كيفية استعمال الثلاثة في حديث ابن عباس
стр. 43
أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال حجر للصفحة اليمنى وحجر للصفحة اليسرى وحجر للوسط رواه الدارقطنى وحسنه العقيلى في الضعفاء والبيهقى وسيأتى تمام الكلام على إلاستنجاء بالحجارة في بابه. ودلّ الحديث أيضا على النهى عن الاستنجاء بالرجيع والعظم ويأتى الكلام عليه وافيا في باب ما ينهى عن الاستنجاء به
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه والدارقطنى والترمذى وقال حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، قال ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ، أُعَلِّمُكُمْ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الله بن محمد) بن على بن نفيل أبو جعفر الحمرانى أحد الأئمة الحفاظ. روى عن مالك وزهير بن معاوية وعلي بن ثابت وابن المبارك وغيرهم وعنه أبو داود وأبو حاتم وأحمد وابن معين وأبو زرعة وآخرون وثقه النسائى وابن قانع وأبو حاتم وقال أبو داود ما رأيت أحفظ منه وقال الدارقطنى ثقة مأمون يحتج به. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين
(قوله النفيلى) نسبة إلى نفيل جدّه الأعلى
(قوله ابن المبارك) هو عبد الله بن المبارك بن واضح أبو عبد الرحمن الحنظلى المروزى أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام. روى عن حميد وسليمان التيمى وهشام بن عروة وغيرهم. وعنه السفيانان من شيوخه وبقية وابن مهدى وسعيد بن منصور وآخرون قال ابن عيينة ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما وقال شعبة ما قدم علينا مثله وقال أبو إسحاق الفزارى ابن المبارك إمام وقال ابن معين ثقة صحيح الحديث ولد سنة ثمانى عشرة ومائة. ومات سنة إحدى وثمانين ومائة
(قوله محمد بن عجلان) هو أبو عبد الله القرشى المدنى أحد العلماء العاملين إمام صدوق مشهور، روى عن أنس وأبى حازم والأعرج وعكرمة وغيرهم. وعنه منصور وشعبة والثورى ومالك وآخرون، وثقه أحمد وابن معين وابن عيينة وأبو حاتم والنسائى وأبو زرعة وذكره البخارى في الضعفاء وروى له تعليقا وسلم متابعة ولم يحتج به وقال يحيى القطان كان مضطربا في حديث نافع وقال مالك لما بلغه أن ابن عجلان حدّث بحديث خلق الله آم على صورته لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالما ولكن لابن عجلان فيه متابعون
стр. 44
وقال الذهبي كان ابن عجلان من الرفعاء والأئمة أولى الصلاح والتقوى ومن أهل الفتوى ومع كونه متوسطا في الحفظ فقد كان جيد الذكاء مجاب الدعوة. توفى سنة ثمان وأربعين ومائة
(قوله القعقاع بن حكيم) الكنانى المدنى. روى عن ابن عمر وجابر وعائشة وعلى بن الحسين وغيرهم. وعنه سعيد المقبرى وزيد بن أسلم وعمرو بن دينار ومحمد بن عجلان وكثيرون. وثقه أحمد وابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم ليس بحديثه بأس
(قوله عن أبى صالح) هو ذكوان السمان المدنى. روى عن أبى سعيد وأبى الدرداء وعائشة وأبى هريرة وغيرهم وعنه بنوه سهيل وعبد الله وصالح وعطاء بن أبي رباح والزهرى وسمع منه الأعمش ألف حديث قال أحمد ثقة من أجلّ الناس وأوثقهم ووثقه ابن معين وأبو حاتم وقال صالح الحديث يحتج بحديثه وقال أبو زرعة ثقة مستقيم الحديث توفى سنة إحدى ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن أبى هريرة) الدوسى الصحابى الجليل اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال قال النووى اسم أبى هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا. وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثا قال ابن حزم إن مسند تقىّ بن مخلد احتوى من حديث أبى هريرة على خمسة آلاف وثلثمائة حديث وكسر وقال في الخلاصة له أربعة وسبعون وثلثمائة وخمسة آلاف حديث اتفقا على خمسة وعشرين وثلثمائة وانفرد البخارى بتسعة وسبعين ومسلم بثلاثة وتسعين. روى عنه إبراهيم بن حنين وأنس وبشر بن سعيد وابن المسيب وتمام ثمانمائة نفس ثقات اهـ. وقال وكيع كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأخرج البغوى بسند جيد أن ابن عمر قال لأبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُأنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأعلمنا بحديثه، وقال الشافعى أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال أبو الزعيزعة كاتب مروان أرسل مروان إلى أبى هريرة فجعل يحدّثه وكان أجلسنى خلف السرير أكتب ما يحدّث به حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله وأمرنى أن أنظر فما غير حرفا عن حرف، وفى البخارى عن أبى هريرة قال لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثر حديثا منى إلا عبد الله بن عمر فإنه كان يكتب ولا أكتب، وفى مسلم عنه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال كنت أدعو أمى إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتنى في رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أكره فأتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمى إلى الإسلام فتأبى علىّ فدعوتها اليوم فأسمعتنى فيك ما أكره فادع الله أن يهدى أمّ أبى هريرة فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
стр. 45
اللهم اهد أمّ أبى هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف "يعنى مغلقا" فسمعت أمى خشفة قدمى فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها وفتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعوتك وهدى أمّ أبى هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا قال قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببنى وأمى إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين فما خلق الله مؤمنا سمع بى ولا يرانى إلا أحبنى، وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عنه قال يقولون إن أبا هريرة قد أكثر والله الموعد ويقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدّثون بمثل أحاديثه وسأخبركم عن ذلك إن إخوانى من المهاجرين والأنصار كان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علي ملء بطنى فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا ولقد قال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوما أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثى هذا ثم يجمعه إلى صدره فإنه لم ينس شيئا سمعه فبسطت بردة كانت على جنبى حتى فرغ من حديثه ثم جمعتها إلى صدرى فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثنا به فلولا آيتان أنزلهما الله تعالى في كتابه ما حدّثت شيئا أبدا إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى آخر الآيتين ومع ذلك فقد أمسك عن بعض ما أسمع خشية الفتنة وأن لا تبلغه الأفهام، وأخرج البخارى عنه قال حفظت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله ولسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو حدثتكم به لقطعتم هذا البلعوم. وأخرج الإمام أحمد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في الزهد بسند صحيح عن أبى عثمان النهدى قال تضيفت أبا هريرة سبعا فكان هو وامرأته وخادمه يقيمون الليل أثلاثا يصلى هذا ثم يوقظ هذا. وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة أن أبا هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كان يسبح كل يوم اثنى عشر ألف تسبيحة يقول أسبح بقدر ذنبى وأخرج ابن أبى الدنيا من طريق مالك عن سعيد المقبرى قال دخل مروان على أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في شكواه الذى مات فيها فقال شفاك الله فقال أبو هريرة اللهم إنى أحب لقاءك فأحبب لقائى فلما بلغ مروان يعني وسط السوق حتى مات رضي الله تعالى عنه، وكانت وفاته سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين
(قوله إنما أنا لكم بمنزلة الوالد) لفظ النسائي وابن ماجة إنما أنا لكم مثل الوالد وزاد ابن ماجة لولده أي في الشفقة والحنوّ لا في الرتبة والعلوّ لأنه
стр. 46
لا يماثل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيهما أحد
(قوله أعلمكم) أى كل ما تحتاجون إليه من أمر دينكم ولا يمنعنى من ذلك التصرج بما يستهجن ولا أبالى بما يستحى من ذكره وهذا التمهيد لما يبين لهم من آداب الخلاء إذ الإنسان كثيرا ما يستحى من ذكرها ولا سيما في مجلس العظماء
(قوله الغائط) هو في الأصل اسم للمكان المطمئن من الأرض ثم اشتهر في نفس الخارج المعروف من دبر الآدمى كما تقدم والمراد هنا هو الأول إذ لا يحسن استعمال الإتيان في المعنى الثانى ولا يحسن النهى عن الاستقبال والاستدبار إلا قبل إخراج الخارج وذلك عند حضور المكان لا عند إخراج ذلك
(قوله ولا يستطب) بالجزم على أن لا ناهية أى يستنج والاستطابة الاستنجاء يقال استطاب وأطاب إطابة أيضا لأن المستنجى تطيب نفسه بإزالة الخبث عن المخرج، وفى نسخة ولا يستطيب بالرفع على أنه بلفظ الخبر كقوله تعالى (ولا تضارّ والدة بولدها) بالرفع على قراءة ابن كثير وأبى عمرو وكحديث ابن عمر عند البخارى مرفوعا (لا يبيع بعضكم على بيع أخيه) وهذا أبلغ في النهى لأن خبر الشارع محقق وقوعه وأمره قد يخالف فكأنه قال عامل هذا النهى معاملة الخبر المحقق وقوعه. ولفظ ابن ماجه ونهى أن يستطيب الرجل بيمينه. ولفظ البيهقي وإذا استطاب فلا يستطب بيمينه
(قوله وكان يأمر بثلاثة أحجار) أى كان النبى صلى الله تعالى عليه ولى آله وسلم يأمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار كما سيأتى التصريح بذلك في حديث عائشة في باب الاستنجاء بالحجارة
(قوله وينهى عن الرّوث) بفتح فسكون رجيع ذوات الحافر والأشبه أن المراد هنا رجيع الحيوان مطلقا فيكون من إطلاق اسم الخاص على العام
(قوله والرّمة) بكسر الراء وتشديد الميم هي العظم البالى وتجمع على رمم مثل سدرة وسدر والرميم مثل الرّمة والمراد هنا مطلق العظم لما تقدم من عموم النهى عن الاستنجاء به، ونص على الرّمة بخصوصها لدفع توهم أن الجن لا ينتفعون بها فيجوز الاستنجاء بها حينئذ (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب من الأبناء طاعة الآباء ومن الآباء إرشاد أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من الدين. وعلى أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالنسبة لجميع الأمة كالأب كما أن أزواجه أمهاتهم لأن منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومن أزواجه تعلم أحكام الدين فبرّه وبرّهنّ أوجب من برّ الوالدين لقوله تعالى (النبىّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) ولحديث أنس (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) رواه مسلم ودلّ على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالبول أو الغائط وقد تقدم بيانه. وقد استنبط ابن التين منه منع استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة. وكأنه قاسه على استقبال القبلة وقياسه غير ظاهر على ما لا يخفى ومردود بما يؤخذ من حديث أبى أيوب إلآتى فإن قوله فيه
стр. 47
ولكن شرّقوا أو غرّبوا صريح في جواز استقبال القمرين واستدبارهما إذ لا بدّ أن يكونا في الشرق أو الغرب غالبا. وبهذا تعلم أنه لا وجه لمن قال من الفقهاء بكراهة استقبال الشمس أو القمر أو استدبارهما عند قضاء الحاجة. وما رواه الترمذى عن الحسن قال حدثنى سبعة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهم أبو هريرة وجابر وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين ومعقل بن يسار وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض في الحديث "أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى أن يبال في المغتسل ونهى عن البول في الماء الرّاكد ونهى عن البول في الشارع ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر" قال الحافظ هو حديث باطل لا أصل له بل هو من اختلاق عباد بن كثير وذكر أن مداره عليه، وقال النووى في شرح المهذب هذا حديث باطل، وقال ابن الصلاح لا يعرف وهو ضعيف اهـ ودلّ الحديث أيضا على المنع من الاستنجاء باليمنى وتقدم بيانه. وفيه أيضا النهى عن الاستنجاء بالنجاسات والمطعومات فإنه نبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالرّوث على النجاسات وبالرّمة على المطعومات ويلتحق بهما المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم على ما سيأتى تفصيله
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وابن ماجه وماجه وأحمد وليس في روايته الأمر بالأحجار وأخرجه مسلم بلفظ إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها وأخرحه ابن حبان كلهم في الطهارة بألفاظ متقاربة وفيه محمد بن عجلان وفيه كلام وقد علمت ردّه في ترجمته
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، رِوَايَةً قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْكعبةِ، فَكُنَّا نَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله سفيان) بن عيينة بن أبى عمران الهلالى أبو محمد الكوفى أحد أئمة الإسلام. روى عن عمرو بن دينار وزيد بن أسلم وصفوان بن سليم والزهرى وآخرين، وعنه شعبة ومسعر من شيوخه وابن المبارك من أقرانه وأحمد وإسحاق وغيرهم. قال العجلى هو أثبتهم في الزهرى كان حديثه نحو سبعة آلاف وقال ابن وهب ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة وقال الشافعى لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وكان
стр. 48
حسن الحديث يعدّ من حكماء أصحاب الحديث وقال ابن سعد كثير الحديث حجة وقال ابن حبان كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع والدين وقال الذهبى أجمعت الأمة على الاحتجاج به وكان يدلس لكن المعهود فيه أنه لا يدلس إلا عن ثقة ولد سنة سبع ومائة ومات سنة ثمان وتسعين ومائة، روى له الجماعة
(قوله الزهرى) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ابن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشى أبو بكر المدني الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه روى عن ابن عمر وسهل بن سعد وجابر وأنس وكثيرين، وعنه عمر بن عبد العزيز وابن جريج والليث ومالك وآخرون قال علي بن المدينى له نحو ألفي حديث وقال الليث ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب وقال أيوب ما رأيت أعلم من الزهرى وقال مالك كان ابن شهاب من أسخى الناس وأتقاهم ما له في الناس نظير وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعا وقال مكحول ما بقي على ظهرها أعلم بسنة ماضية من الزهرى، توفى سنة ثلاث أو أربع وعشرين ومائة
(قوله عطاء بن يزيد الليثى) أبو محمد المدنى نزيل الشام. روى عن تميم الدارى وأبى أيوب وأبى سعيد الخدرى وأبى هريرة وجماعة، وعنه أبو صالح السمان وسهيل بن أبى صالح وهلال بن ميمون والزهرى وكثيرون وثقه ابن المدينى والنسائى. مات سنة خمس ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن أبي أيوب) هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الأنصارىّ النجارىّ معروف باسمه وكنيته وهو من السابقين شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها نزل عليه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده واستخلفه علىّ على المدينة لما خرج إلى العراق ثم لحق به وشهد معه قتال الخوارج، وعن أبى أيوب قال لما نزل علىّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال قلت بأبى أنت وأمى إنى أكره أن أكون فوقك وتكون أسفل منى فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنى أرفق بى أن أكون في السفلى لما يغشانا من الناس قال فلقد رأيت جرّة لنا انكسرت فأهريق ماؤها فقمت أنا وأمّ أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء فرقا أن يصل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شئ يؤذيه أخرجه الحاكم، وقال صحيح. وعن سعيد بن المسيب أن أبا أيوب أخذ من لحية رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال له لا يصيبك السوء يا أبا أيوب أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد. له مائة وخمسون حديثا اتفق الشيخان على سبعة وانفرد البخارى بحديث ومسلم بخمسة. روى عنه البراء وابن عباس وجابر بن سمرة وأنس وغيرهم من الصحابة والتابعين. توفى في غزاة الأستانة سنة اثنتين وخمسين
(قوله رواية) هي مصدر منصوب بفعل مقدر أى يروى رواية وهذا اللفظ يفيد أن الحديث مرفوع حكما لأنه
стр. 49
من الصيغ التى يكنى بها أصحاب الحديث عن قولهم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكونه روى بالمعنى أو اختصر كما تقدم في المقدمة
(قوله الغائط) المراد به هنا المكان المطمئن من الأرض
(قوله بغائط) متعلق بمحذوف حال من فاعل تستقبلوا أى لا تستقبلوا الكعبة حال كونكم متلبسين بقضاء الحاجة فالمراد بالغائط هنا الخارج المعروف. وفى رواية البخارى ومسلم فلا تستقبلو االقبلة ولا تستدبروها
(قوله ولكن شرّقوا) أى توجهوا إلى ناحية المشرق أو المغرب حال قضاء حاجتكم لئلا تستقبلوا أو تستدبروا القبلة. وهذا خطاب لأهل المدينة ومن على هيئتهم من أهل كل جهة إذا شرّقوا أو غرّبوا لا يكونون مستقبلى القبلة ولا مستدبريها فلا يدخل معهم أهل ناحية يكونون مستقبلى القبلة ومستدبريها إذا شّرقوا أو غربوا
(قوله أو غرّبوا) هو في أكثر النسخ والكتب الستة ومختصر المنذرى بأو وفى بعض النسخ بالواو فتكون بمعنى أو
(قوله فقدمنا الشام) أى عام فتحها وهو من كلام أبى أيوب كما صرّح به مسلم والضمير له ولمن معه
(قوله مراحيض) بفتح الميم وبالحاء المهملة والضاد المعجمة جمع مرحاض بكسر الميم وهو في الأصل موضع الرحض أى الغسل ثم كنى به عن البيت المتخذ لقضاء حاجة الإنسان من الغائط والبول لأنه موضع غسل النجاسة
(قوله قبل الكعبة) أى جهتها وفى نسخة قبل القبلة وقبل بكسر القاف وفتح الموحدة
(قوله ونستغفر الله) أى نسأله المغفرة أى محو الذنوب أو سترها عن أعين الملائكة فلا يؤاخذنا بها وفى شرح عمدة الأحكام ونستغفر الله قيل يراد به ونستغفر الله لمن بنى الكنف على هذه الصورة الممنوعة عنده وإنما حملهم علي هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعا فلا يحتاج إلى الاستغفار. والأقرب أنه استغفار لنفسه ولعل ذلك لأنه استقبل واستدبر بسبب موافقته لمقتضى النهى غلطا أو سهوا فيتذكر فينحرف ويستغفر الله "فإن قلت" فالغالط والساهي لم يفعلا إثما فلا حاجة بهما إلى الاستغفار، "قلت" أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذا لنسبتهم النقص إلى أنفسهم في عدم التحفظ ابتداء اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على تعظيم القبلة ومنع استقبالها ببول أو غائط. وعلى أنه تطلب المحافظة على الآداب ومراعاتها في كل حال بما يقدر عليه. وبظاهر الحديث أخذ أبو حنيفة ومجاهد وإبراهيم النخعى وسفيان الثورى وغيرهم من أصحاب القول الثانى المذكور في شرح حديث سلمان الفارسى القائلين بحرمة استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة في الصحراء والبنيان قال الحافظ السيوطى قال القاضى أبو بكر بن العربى وهو المختار لأنا إذا نظرنا إلى المعانى فالحرمة للقبلة فلا يختلف في البنيان ولا في الصحراء وإن نظرنا إلى الآثار فحديث أبى أيوب عام وحديث ابن عمر لا يعارضه لأنه قول وهذا فعل ولا معارضة بين القول والفعل ولأن الفعل لا صيغة له وإنما هو حكاية حال وحكاية الأحوال معرّضة للأعذار والأسباب، والأقوال لا تحتمل ذلك اهـ بتصرف قال بن دقيق العيد في شرح العمدة إن حمل حديث أبى أيوب على الصحارى مخالف لما حمله عليه أبو أيوب من العموم فإنه قال فأتينا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها فرأى النهى عاما وأبو أيوب من أهل
стр. 50
اللسان والشرع وقد استعمل قوله لا تستقبلوا ولا تستدبروا عاما في الأماكن وهو مطلق فيها لأنه إذا أخرج عنه بعض الأماكن فقد خالف صيغة العموم في النهي عن الإستقبال والاستدبار اهـ باختصار ويؤخذ من قول أبي أيوب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فننحرف ونستغفر الله الحث على طلب الاجتهاد في البعد عن المخالفات والإكثار من التوبة والاستغفار (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان ومالك والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَبُو زَيْدٍ هُوَ مَوْلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله وهيب) بن خالد بن عجلان
(قوله عمرو بن يحيى) بن عمارة بن أبي حسن المازني المدني سبط عبد الله بن زيد. وثقه أبو حاتم والنسائي والعجلي وابن سعد وقال كان كثير الحديث وقال يحيى بن معين ليس بقوي صويلح. روى عن أبيه وعباد بن تميم وعباس بن سهل وسعيد بن يسار وغيرهم، وعنه يحيى بن سعيد ويحيى بن أبي كثير من أقرانه وابن جريج ومالك وجماعة
(قوله عن أبي زيد) مولى بني ثعلبة كما في رواية ابن ماجة وسيأتي للمصنف واسمه الوليد روى عن معقل بن أبي معقل الأسدي. وعنه عمرو بن يحيى بن عمارة قال ابن المديني ليس بالمعروف وقال في التقريب مجهول من الرابعة
(قوله معقل بن أبي معقل) بفتح الميم وكسر القاف والأسدي بفتحتين أو بفتح فسكون ويقال معقل ابن أبي الهيثم ويقال معقل بن أم معقل يعدّ في أهل المدينة. توفي في أيام معاوية، وله ولأبيه صحبة وله في السنن حديثان
(قوله نهى) كمنع وزنا ومعنى يقال نهيته عن الشيء أنهاه نهيا فانتهى عنه ونهوته نهوا لغة ونهى الله تعالى أي حرّم
(قوله القبلتين) أي الكعبة وبيت المقدس
(فقه الحديث) فيه دلالة على طلب تعظيم القبلتين وبظاهره أخذ إبراهيم النخعي وابن سيرين فقالا بحرمة استقبال بيت المقدس ببول أو غائط. لكن الحديث ضعيف لأن فيه راويا مجهول الحال وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سمتها لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة فالعلة في النهي استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس وقد ادّعى الخطابىّ والنووىّ الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر الكعبة إذا استقبله وفيه نظر لما ذكر عن إبراهيم وابن سيرين وبه قال بعض الشافعية أيضا أفاده الحافظ في الفتح، والجمهور على أن النهي للتحريم بالنسبة للكعبة وللتنزيه بالنسبة لبيت المقدس وإنما نهى عن استقباله احتراما له إذ كان قبلة لنا وقيل لعله نهي عن استقباله حين كان قبلة ثم عن استقبال الكعبة حين صارت قبلة فجمعهما الراوي ظنا منه أن النهي مستمرّ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي وقد سكت عنه أبو داود
стр. 51
والمنذرى في تلخيصه فيؤخذ من السكوت عليه أنه صالح للاحتجاج به
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى إِنَّمَا «نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن يحيى بن فارس) نسب يحيى إلى جدّ أبيه لشهرته به وإلا فهو يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلى أبو عبد الله النيسابوري الحافظ أحد الأعلام الكبار روى عن ابن مهدى وعلى بن عاصم ويزيد بن هارون وعبد الصمد بن عبد الوارث، وعنه أبو داود والنسائى والترمذى وأبو حاتم وآخرون وله رحلة واسعة وهو الذى جمع حديث الزهرى في مجلدين قال أبو حاتم محمد بن يحيى إمام زمانه وقال النسائى ثقة مأمون وقال الخطيب كان أحد الأئمة العارفين والحفاظ المتقنين والثقات المأمونين وقال ابن خزيمة إمام أهل عصره بلا مدافعة. مات سنة ثمان وخمسين ومائتين
(قوله صفوان بن عيسى) الزهرى أبو محمد البصرى، روى عن يزيد بن أبى عبيد وهشام بن حسان وثور بن يزيد وابن عجلان، وعنه أحمد وإسحاق بن راهويه وعمرو بن على ومحمد بن بشار قال أبو حاتم صالح وقال ابن سعد ثقة مات سنة مائتين
(قوله الحسن بن ذكوان) البصرى أبو سلمة روى عن الحسن وعطاء وابن سيرين وأبى إسحاق السبيعى وطاوس. وعنه يحيى القطان وابن المبارك وصفوان بن عيسى ومحمد بن راشد وجماعة قال النسائى ليس بالقوى وضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن المدينى وأحمد وقال أحاديثه أباطيل وقال ابن عدىّ يروى أحاديث لا يرويها غيره وقال الساجى في أحاديثه بعض المناكير وقال أبو داود كان قدريّا روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه وكذا البخارى حديثا واحدا في كتاب الرقاق من حديث عمران بن حصين يخرج قوم من النار الحديث ولكن له شواهد كثيرة
(قوله مروان الأصفر) البصرىّ أبو خلف يقال ابن خاقان. روى عن ابن عمر وأبى هريرة وأنس بن مالك وجماعة، وعنه الحسن بن ذكوان وخالد الحذّاء وشعبة وعوف الأعرابى وغيرهم، وثقه أبو داود وقال في التقريب ثقة من الرابعة وذكره ابن حبان في الثقات
(قوله ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل أبو عبد الرحمن القرشى المكي أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم وهاجر وعرض على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بدر ثم أحد فاستصغره ثم أجازه في الخندق وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة كما في البخارى، وهو من المكثرين عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له ثلاثون وستمائة وألف حديث اتفق الشيخان على سبعين ومائة وانفرد البخارى بأحد وثمانين ومسلم بأحد
стр. 52
وثلاثين وروى عن أبى بكر وعمر وعثمان وأبى ذرّ وعائشة وغيرهم، وعنه من الصحابة ابن عباس وجابر ومن التابعين بنوه سالم وعبد الله وحمزة وسعيد بن المسيب وكثيرون وله فضائل عدّة فعنه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال رأيت كأن بيدى قطعة من إستبرق وليس مكان أريده من الجنة إلا طارت بى إليه قال فقصصتها على حفصة فقصتها على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إن أخاك رجل صالح لو كان يقوم من الليل قال فما تركت قيام الليل بعد ذلك رواه الشيخان والترمذى، وفى الزهد لأحمد عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر، وأخرج أبو سعيد بن الأعرابى بسند صحيح عن جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها غير عبد الله بن عمر وكان كثير الاتباع لآثار رسول الله صلى الله تعالى علي وعلى آله وسلم حتى أنه لكان ينزل منازله ويصلى في كل مكان صلى فيه، ونزل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء لئلا تيبس، قال مالك عن الزهرىّ قد أقام ابن عمر بعد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستين سنة يقدم عليه وفود الناس فلم يخف عليه شئ من أمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا أصحابه، وقال أيضا كان ابن عمر من أئمة المسلمين وكان شديد الاحتياط والتوقى لدينه في الفتوى، قال أبو نعيم مات سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وسبعين
(قوله أناخ راحلته) أى أبركها يقال أنخت الجمل فاستناخ أى أبركته فبرك، والراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى وبعضهم يقول الراحلة الناقة التى تصلح أن ترحل وجمعها رواحل
(قوله يبول إليها) أى إلى جهة راحلته وجعلها أمامه حائلا بينه وبين القبلة
(قوله أليس قد نهى الخ) أى أليس قد نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، ونهى يحتمل كونه مبنيا للمجهول وهو الأقرب أو أن يكون مبنيا للفاعل
(قوله قال بلى) أى قال ابن عمر مجيبا مروان بلى أى نهى عنه، وبلى حرف جواب يرفع حكم النفى ويوجب نقيضه وهو الإثبات فإذا قيل ما قام زيد وقلت في الجواب بلى فمعناه إثبات القيام وإذا قيل أليس قد قام زيد وقلت بلى فعناه التقرير والإثبات أيضا ولا تكون إلا بعد نفي وهذا النفى إما في أول الكلام كما تقدم وإما في أثنائه كقوله تعالى (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى) التقدير بلى نجمعها، وقد يكون مع النفى استفهام وقد لا يكون، فالمعنى هنا على تقرير النهى عن استقبال القبلة إلا أنه غير عام في الفضاء والبنيان كما فهم السائل ولذا أجابه ابن عمر بما يفيد قصر النهى على الفضاء حيث قال إنما نهى عن ذلك في الفضاء بلا ساتر، والفضاء بالمدّ المكان الواسع يقال فضا المكان فضوّا من باب قعد إذا اتسع فهو فضاء
(قوله بينك وبين القبلة) بين ظرف مبهم لا يتبين معناه إلا بإضافته إلى اثنين فصاعدا أو ما يقوم مقام ذلك كقوله تعالى (عوان بين ذلك) والمشهور في العطف بعدها أن يكون بالواو أنها للجمع المطلق ويقال جلست بين القوم أى وسطهم
(قوله فلا بأس) أى لا حرج في الاستقبال حينئذ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب ممن أشكل عليه شئ في أمر دينه أن يسأل عنه من هو أعلم
стр. 53
منه ولا يمنعه من ذلك نحو حياء. وعلى أن النهى عن الاستقبال والاستدبار إنما هو في الصحراء مع عدم الساتر، وهو يصلح دليلا لمن فرّق بين الصحراء والبنيان فأجاز في البنيان ومنع في الصحراء لأن قول ابن عمر إنما نهى عن ذلك في الفضاء يدلّ على أنه قد علم ذلك من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويحتمل أنه قال ذلك استنادا إلى ما شاهده من جلوس النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بيت حفصة مستدبرا الكعبة كما في الحديث الآتى فكأنه فهم منه اختصاص النهى بالفضاء فلا يكون فهمه حجة ولا يصلح قوله للاستدلال به لأن الدليل إذا تطرّقه الاحمال لا يصلح للاستدلال
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه والدارقطني والبيهقى والحاكم وقال صحيح على شرط البخارى، وفى نسخة على شرط مسلم، وقال الحازمى في كتاب الناسخ والمنسوخ هو حديث حسن. أقول يردّ هذا أن الحديث في سنده الحسن بن ذكوان وقد علمت أنه مطعون فيه طعنا بليغا لا تقوم به معه حجة ولا يقوى من أمره تخريج البخارى له فإنه ممن طعن على البخارى في التخريج له وقد ذكر الحافظ في المقدّمة وجه الطعن فيه ولم يجب عنه مع شدّة حرصه على الإجابة على الطعن، وإذاً فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة
(باب الرخصة في ذلك)
أى في بيان ما ورد في التسهيل في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، والرخصة كغرفة جمعها رخص التسهيل في الأمر والتيسير يقال رخص الشرع لنا في كذا ترخيصا وأرخص إرخاصا إذا يسره وسهله
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَقَدْ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ، «فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ»
(ش) مطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه دلّ على جواز استدبار الكعبة فيفهم منه جواز الاستقبال أيضا
(رجال الحديث)
(قوله مالك) بن أنس بن مالك بن أبى عامر بن عمرو بن الحارث أبو عبد الله المدنى الفقيه المحدّث أحد الأئمة الأعلام وإمام دار الهجرة رأس المتقين وكبير المثبتين، ولد سنة ثلاث وتسعين على الأشهر وأخذ عن تسعمائة شيخ فأكثر وما أفتى حتى شهد له سبعون إماما أنه أهل لذلك وكتب بيده مائة ألف حديث وجلس للدرس وهو ابن سبعة عشر عاما وكان مبالغا في تعظيم العلم إذا أراد أن يحدّث توضأ أو اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا وجلس على منصته بخشوع وخضوع ووقار تعظيما للحديث حتى قيل إنه لدغته عقرب ست عشرة مرة فلم يقطع حديثه، وسأله جرير بن عبد الحميد
стр. 54
عن حديث قائما فأمر بحبسه فقيل له إنه قاض فقال القاضى أحقّ من أدّب، وكان إذا رفع أحد صوته في مجلسه زجره ويقول قال الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبىّ" فمن رفع صوته عند حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حال حياته، وكان يحتاط ويتوقى لدينه في الفتوى فقد كان يقول للسائل انصرف حتى أنظر فقيل له في ذلك فبكى وقال أخاف أن يكون لى من السائل يوم وأىّ يوم وإذا أكثروا سؤاله منعهم وقال حسبكم من أكثر فقد أخطأ ومن أحب أن يجيب عن كل مسألة فليعرض نفسه على الجنة والنار ثم يجيب، وسئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في ثنتين وثلاثين منها لا أدرى وقال ينبغى للعالم أن يورّث جلساءه لا أدرى ليتخذوه أصلا في أيديهم يفزعون إليه، وكان مهيبا حتى إذا أجاب في مسألة لا يقال له من أين، روى عن عامر بن عبد الله بن الزبير وزيد بن أسلم ونافع مولى ابن عمر وحميد الطويل وغيرهم مما يبلغ نحو التسعمائة شيخ. وعنه خلق لا يحصون منهم الشافعى ومحمد بن إبراهيم بن دينار. وعنه من شيوخه من التابعين ابن شهاب وأيوب السختيانى ويحيى بن سعيد وهشام بن عروة، ومن أقرانه السفيانان والحمادان والليث والأوزاعي وأبو حنيفة، وله مناقب جليلة، روى الترمذى عن أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة قال هذا حديث حسن، قال عبد الرزاق وسفيان بن عيينة إنه مالك بن أنس، قال يحيى بن سعيد القطان ما في القوم أصح حديثا من مالك، وقال الشافعى إذا ذكر العلماء فمالك النجم وهو حجة الله تعالى على خلقه، وقال ابن مهدى ما رأيت أحدا أشدّ تقوى من مالك وروى أن المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكره ثم دس عليه من يسأله فروى على ملأ من الناس ليس على مستكره طلاق فضربه بالسياط، ولم يترك رواية الحديث، ولما حج الرشيد سمع عليه الموطأ وأعطاه ثلاثة آلاف دينار ثم قال له ينبغى أن تخرج معنا فإنى عزمت على أن أحمل الناس على الموطأ فقال أما حمل الناس على الموطأ فليس إلى ذلك سبيل فإن أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تفرّقوا بعده في البلاد فعند كل أهل مصر علم وقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اختلاف أمتى رحمة. ذكره البيهقى في الرسالة الأشعرية وأورده الحليمى وإمام الحرمين وغيرهما وأما الخروج معك فلا سبيل إليه قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وهذه دنانيركم كما هي فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم، وقال الشافعى رأيت على باب مالك كراعا من أفراس خراسان وبغال مصر ما رأيت أحسن منه فقلت له ما أحسنه فقال هو هدية منى إليك فقلت دع لنفسك منها دابة تركبها فقال إنى أستحى من الله تعالى أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحافر دابة، وأخرج ابن عبد البر وغيره عن مصعب بن عبد الله الزبيرى عن أبيه قال كنت جالسا بمسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مع مالك فجاء رجل
стр. 55
فقال أيكم أبو عبد الله مالك فقالوا هذا فجاء فسلم عليه واعتنقه وقال والله لقد رأيت البارحة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جالسا في هذا الموضع فقال هاتوا مالكا فأتى بك ترتعد فرائصك فقال ليس عليك بأس يا أبا عبد الله وقال اجلس فجلست فقال افتح حجرك ففتحته فملأه مسكا منثورا وقال ضمه إليك وبثه في أمتى فبكى مالك طويلا وقال الرؤيا تسرّ ولا تغرّ وإن صدقت رؤياك فهو العلم الذى أودعنيه الله (وعلى الجملة) فمناقبه لا تحصى، مات رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لعشر أو أربع عشرة من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة ودفن بالبقيع
(قوله يحيى ابن سعيد) بن قيس بن عمرو بن سهل الأنصارى التابعى قاضى المدينة. روى عن أنس وسعيد ابن المسيب وأبى الزبير وحميد الطويل وغيرهم، وعنه الزهرى والسفيانان والحمادان ومالك وآخرون قال ابن سعد ثقة حجة كثير الحديث وقال ابن معين والعجلى والنسائى ثقة ثبت مأمون وقال أحمد أثبت الناس ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة
(قوله محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة ابن منقذ بن عمرو الأنصارى التابعى المازنى أبو عبد الله المدنى الفقيه. روى عن رافع بن خديج وأنس وعباد بن تميم والأعرج وطائفة. وعنه الزهرى وابن إسحاق ومالك والليث، وثقه أبو حاتم وابن معين والنسائى والواقدى. توفى سنة إحدى وعشرين ومائة
(قوله عن عمه واسع بن حبان) المدنى قيل إن له رؤية. روى عن ابن عمر ورافع بن خديج وأبى سعيد وجابر. وعنه ابنه حبان وابن أخيه محمد ابن يحيى وثقه أبو زرعة وقال العجلى تابعى ثقة
(قوله لقد ارتقيت على ظهر البيت) أى بيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما في رواية ابن خزيمة دخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهر البيت. وفى رواية لمسلم رقيت على بيت أختى حفصة. وفي رواية البخارى والنسائى على ظهر بيتنا، ويجمع بين الروايات بأن الإضافة في قوله بيتنا مجازيّة باعتبار أنها أخته بل الإضافة إلى حفصة كذلك باعتبار أنه البيت الذى تسكنه وإلا فالبيت كان ملكا للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وأقسم ابن عمر لما في رواية البخارى من أن ناسا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس فقال ابن عمر لقد ارتقيت الخ
(قوله على لبنتين) تثنية لبنة بفتح اللام وكسر الموحدة ويجوز تسكينها مع فتح اللام وكسرها وهو ما يعمل من الطين ويبنى به، ولابن خزيمة فأشرفت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو على خلائه، وفي رواية له فرأيته يقضى حاجته محجوبا عليه بلبن
(قوله مستقبل بيت المقدس لحاجته) أى لقضائها والمقدس فيه لغتان الأولى فتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المخففة وهو إما مصدر أو مكان، والثانية ضم الميم وفتح القاف والدال المهملة المشددة المفتوحة من التقديس وهو التطهير وتطهيره إبعاده عن الأصنام وإخلاؤه عنها، قال في النهاية ومنه الأرض المقدسة قيل هي الشام وفلسطين وسمي بيت المقدس لأنه الموضع الذى يتقدّس فيه من الذنوب يقال بيت المقدس والبيت المقدس وبيت القدس اهـ وفي رواية للبخارى مستقبل الشام مستدبرا الكعبة، وفى صحيح ابن حبان مستقبل القبلة مستدبر
стр. 56
الشام وكأنه مقلوب "فإن قلت" كيف نظر ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما ما إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو في تلك الحالة وهو لا يجوز "قلت" وقع ذلك منه اتفاقا لأنه إنما صعد السطح لضرورة له فحانت منه التفاتة كما في رواية للبخارى والبيهقى فنقل ما رآه، وقال الكرمانى يحتمل أن يكون ابن عمر قصد ذلك ورأى رأسه دون ما عداه من جسده ثم تأمل قعوده فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله فنقل ما شاهده وفيه نظر (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه ينبغى الوقوف على هدى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى فيما يطلب إخفاؤه وعلى شدة حرص سيدنا عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما على معرفة أحوال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعلى جواز الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل، وعلى الرخصة في استدبار القبلة عند قضاء الحاجة في البنيان حيث كان جلوسه في البنيان أخذا مما تقدم عن ابن خزيمة والترمذى وهو من جملة ما استدل به مالك والشافعى وإسحاق وآخرون على جواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة في البنيان وأنه مخصص لعموم النهى كما ذكرناه في الباب السابق غير أنه أخص من مدّعاهم لأنه قاصر على الاستدبار وللمانع من الاستقبال والاستدبار مطلقا أن يحمله على أنه قبل النهى أو بعده لكنه مخصوص بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والنهى لغيره أو كان للضرورة والنهى عند عدمها إذ الفعل لا عموم له فلا يعارض القول لما تقدم من أن فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يعارض القول الخاص بنا كما تقرر في الأصول، وأما أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك لبيان الجواز فبعيد وكيف ولم تكن رؤية ابن عمر له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في تلك الحالة عن قصد من ابن عمر ولا من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بل كانت اتفاقية كما تقدم ومثله لا يكون لبيان الجواز. وقد تقدم بيان الخلاف في ذلك وأن الأرجح أن النهى عام في الصحراء والبنيان وأن تعظيم حرمة القبلة يقتضى التسوية بينهما (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والشيخان والنسائى وابن ماجه والبيهقى والترمذى وقال حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن بشار) بن عثمان بن داود بن كيسان العبدى أبو بكر البصرى المعروف ببندار والبندار الحافظ أحد الثقات المشهورين. روى عن روح بن عبادة ومعاذ بن هشام ويحيى القطان وابن مهدى وجماعة. وعنه الأئمة الستة وأبو زرعة وبقىّ ابن مخلد وغيرهم. وثقه العجلى والنسائى وابن خزيمة وقال أبو حاتم صدوق وقال الذهبى
стр. 57
انعقد الإجماع بعد على الاحتجاج ببندار وكذّبه الفلاس فما أصغى أحد إلى تكذيبه لثقتهم أن بندارا صادق أمين. ولد سنة سبع وستين ومائة. ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين
(قوله وهب بن جرير) بن حازم الأزدى أبو عباس البصرى الحافظ. روى عن أبيه وعكرمة وابن عون وشعبة وآخرين. وعنه أحمد وإسحاق وابن معين وابن المدينى وطائفة، وثقه ابن معين والعجلى وابن سعد وابن حبان وقال كان يخطئُ وقال النسائى ليس به بأس. توفى سنة ست ومائتين
(قوله حدثنا أبي) هو جرير بن حازم بن عبد الله أبو النضر البصرى أحد الأعلام. روى عن الحسن وابن سيرين وطاوس وابن أبى مليكة وآخرين. وعنه أيوب وابن عون وأبو نعيم ووكيع وغيرهم، وثقه ابن معين إلا في قتادة وقال أبو حاتم صدوق صالح وقال ابن عدى مستقيم الحديث صالح فيه إلا روايته عن قتادة فإنه يروى عنه أشياء لا يروجها عنه غيره وقال الساجى صدوق حدّث بأحاديث وهم فيها وهى مقلوبة. مات سنة سبعين ومائة بعد أن اختلط ولم يحدّث في حال اختلاطه
(قوله محمد بن إسحاق) بن يسار بن خيار ويقال ابن كومان أبو بكر ويقال أبو عبد الله المدنى أحد الأئمة الأعلام ولا سيما في المغازى رأى أنسا. روى عن أبيه ومكحول وعطاء والزهرى وطائفة. وعنه يحيى الأنصارى والسفيانان وشعبة والحمادان وآخرون وثقه العجلى وابن سعد وقال ابن نمير كان يرمى بالقدر وقال على بن المدينى حديثه عندى صحيح ولم أجد له سوى حديثين منكرين وقال أيضا سمعت ابن عيينة يقول ما سمعت أحدا يتكلم في ابن إسحاق إلا في القدر ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعده وقال شعبة لو كان لى سلطان لأمرت ابن إسحاق على المحدّثين وهو أمير المؤمنين في الحديث لحفظه وقال ابن عدى لم يتخلف في الرواية عنه الثقات الأئمة وهو لا بأس به وقال الدارقطنى اختلفت الأئمة فيه وليس بحجة وقال ابن نمير إذا حدّث عن سمع منه من العروفين فهو حسن الحديث صدوق وإنما أتى الطعن فيه من أنه يحدّث عن المجهولين أحاديث باطلة وقال أحمد بن حنبل كان رجلا يشتهى الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه وكان يدلس وليس بحجة وقال ابن معين ثقة وليس بحجة وقال النسائى ليس بالقوى وقال ابن المدينى ثقة لم يضعفه عندى إلا روايته عن أهل الكتاب وكذبه وقال ابن حبان في الثقات تكلم فيه رجلان هشام ومالك فأما قول هشام إنه كان يروى عن النساء فليس مما يجرّح به الإنسان لأن التابعين سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها وأما مالك فإنه قدح فيه مرة واحدة ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث وإنما كان ينكر تتبعه غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وغيرها (والحاصل) أن الكلام في محمد بن إسحاق أنه صدوق حسن الحديث لكنه يدلس فإن صرح بالتحديث قبلت روايته وها هنا صرحّ بالتحديث. قيل مات سنة إحدى وخسين
стр. 58
ومائة ببغداد ودفن في مقابر الخيرزان
(قوله أبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة مصروف لأصالة ألفه ونونه، وقيل ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل هو ابن صالح بن عمير بن عبيد القرشى مولاهم أبو بكر المدنى. روى عن أنس وعمر بن عبد العزير والحسن وعطاء وغيرهم وعنه ابن جريج وعبد الله بن أبى جعفر ومحمد بن عجلان وسعد بن إسحاق وكثيرون، وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والعجلى والنسائى وقال الحافظ في التلخيص وضعفه ابن عبد البر ووهم في ذلك فإنه ثقة باتفاق وادّعي ابن حزم أنه مجهول فغلط، روى له البخارى وأبو داود والترمذي وابن ماجه، مات سنة خمس عشرة ومائة (وقوله مجاهد) بن جبر أبو الحجاج المكي المخزومى مولى السائب بن أبى السائب. روى عن ابن عباس وقرأ عليه وعن أبى سعيد الخدرى وعلى وسعد بن أبى وقاص وغيرهم. وعنه أيوب السختيانى وأبو إسحاق السبيعى وعطاء وقتادة وكثيرون، وثقه ابن معين والعجلى وأبو زرعة وابن سعد وقال كان فقيها عالما كثير الحديث وقال ابن حبان كان فقيها ورعا عابدا متقنا. روى له الجماعة. مات بمكة سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد. ومولده سنة إحدى وعشرين
(قوله نهى نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. أن نستقبل القبلة) أى بفروجنا ففى رواية البيهقي أن نستقبل القبلة أو نستدبرها بفروجنا إذا أهرقنا الماء
(قوله ببول) أى أو غائط فهو من باب الاكتفاء على حدّ قوله تعالى (سرابيل تقيم الحرّ) أى والبرد
(قوله فرأيته) أى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله قبل أن يقبض بعام) بالبناء للمجهول أى قبل أن يموت بسنة
(قوله يستقبلها) أى يستقبل القبلة حين قضاء حاجته. وبهذا الحديث استدلّ من قال بجواز الاستقبال والاستدبار عند قضاء الحاجة في الصحارى والبنيان وجعله ناسخا لحديث النهى وقد تقدم ردّه. واستدلّ به أيضا من فرّق بين البنيان والصحراء وهو غير ظاهر لعدم تقييده بالبنيان. قال الحافظ في التلخيص في الاحتجاج به "يعنى بحديث جابر" نظر لأنها حكاية فعل لا عموم لها فيحتمل أن يكون لعذر ويحتمل أن يكون في بنيان ونحوه اهـ وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبى داود وأما الحديث (يعنى حديث جابر) فقد انفرد به محمد بن إسحاق وليس هو ممن يحتج به في الأحكام فكيف يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح أو تنسخ به السنن الثابتة مع أن التأويل فيه ممكن وهو لو صح فهو حكاية فعل لا عوم لها ولا يعلم أكان في فضاء أم بنيان أو كان لعذر من ضيق مكان ونحوه أم اختيارا فكيف يقدّم على النصوص الصحيحة الصريحه في المنع مطلقا اهـ بتصرف (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبزّار والترمذى وابن ماجه وابن الجارود وابن حبان والبيهقى والحاكم والدارقطنى وصححه ابن السكن وتوقف فيه النووى لعنعنة ابن إسحاق لكن قد صرّح بالتحديث في رواية المصنف وأحمد وغيرهما. قال في التلخيص ضعفه
стр. 59
ابن عبد البر بأبان بن صالح ووهم في ذلك فإنه ثقة باتفاق
(باب كيف التكشف عند الحاجة)
أى في بيان كيفية رفع الثوب عند إرادة قضاء الحاجة وفى أى وقت يكون، وكيف يستفهم بها عن حال الشئ وصفته وهي هنا من هذا القبيل والتكشف مصدر تكشف مطاوع كشف بمعنى رفع والكشف رفعك الشئ عما يواريه ويغطيه
(ص) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله زهير بن حرب) بن شداد أبو خيثمة النسائى الحافظ روى عن جرير بن عبد الحميد وهشيم وابن عيينة وحفص بن غياث وآخرين. وعنه أبو حاتم والبخارى ومسلم وابن ماجه وكثيرون، قال الخطيب كان ثقة حافظا متقنا وقال الحسين بن فهم ثقة ثبت وقال النسائى ثقة مأمون. مات ببغداد سنة أربع وثلاثين ومائتين وهو ابن أربع وسبعين سنة
(قوله وكيع) بن الجراح
(قوله الأعمش) سليمان بن مهران
(قوله عن رجل) هو القاسم بن محمد كما صرّح به في رواية للبيهقي من طريق أحمد بن محمد بن أبى رجاء المصيصى عن وكيع عن الأعمش عن القاسم بن محمد عن ابن عمر، والقاسم ابن محمد هو ابن أبي بكر الصديق أبو محمد. روى عن أبيه وعائشة وعن العبادلة وأبى هريرة وغيرهم. وعنه الشعبى وسالم بن عبد الله ويحيى بن سعيد وعكرمة وكثيرون، قال ابن سعد كان ثقة عالما فقيها، إماما ورعا كثير الحديث وقال أبو الزّناد ما رأيت أحدا أعلم بالسنة منه ولا أحدّ ذهنا وقال يحيى بن سعيد ما أدركت أحدا بالمدينة نفضله على القاسم وقال العجلى كان من خيار التابعين ثقة وقال ابن حبان كان من سادات التابعين من أفضل أهل زمانه علما وأدبا وفقها. قيل توفى سنة ست ومائة. روى له الجماعة. ولا وجه لما قيل من أنه غياث بن إبراهيم أحد الضعفاء فإنه إنما وقع في رواية الأعمش عن أنس وما هنا من رواية الأعمش عن ابن عمر
(قوله كان) هي من الأفعال الناقصة تدلّ على الزمان الماضى بلا تعرّض لزواله في الحال أو عدمه وبهذا تفترق من صار فإن معناها الانتقال من حال إلى حال ولذا يجوز أن يقال كان الله دون صار
(قوله إذا أراد حاجة) أى قضاءها والمراد أراد القعود لبول أو غائط
(قوله لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) يعنى ما كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يرفع ثوبه دفعة واحدة بل كان يرفعه شيئا فشيئا حتى يقرب من الأرض مبالغة في دوام الستر استحياء من الله تعالى
стр. 60
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يبالغ في ستر العورة حال قضاء الحاجة فينبغى لنا الاقتداء به. وعلى جواز كشف العورة في الخلوة للضرورة أما كشفها لغير حاجة فلا يجوز
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى من طريق المصنف ومن طريق أحمد بن محمد ابن أبى رجاء المصيصى قال حدثنا وكيع ثنا الأعمش عن القاسم بن محمد عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد الحاجة تنحى ولا يرفع ثيابه حتى يدنو من الأرض. والحديث صالح للاحتجاج به ولا يضرّه إبهام شيخ الأعمش في سند المصنف لما علمت من أنه القاسم بن محمد ولذا سكت عليه المصنف
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ
(ش) هذا تعليق وصله البيهقي قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ نا عمرو بن محمد بن منصور العدل ثنا صالح بن محمد الرازى قال حدثنا سهل بن نصر ثنا عبد السلام بن حرب عن الأعمش الخ. وعبد السلام ابن حرب هو النهدى الملائى أبو بكر الكوفى الحافظ من كبار مشايخ الكوفة وثقاتهم ومسنديهم روى عن أيوب وعطاء بن السائب ويونس بن عبيد وغيرهم. وعنه أبو نعيم وهناد وابن معين وقتيبة وجماعة، قال الترمذى ثقة حافظ وقال الدارقطنى ثقة حجة وقال ابن سعد فيه ضعف وقال يعقوب بن شيبة ثقة في حديثه لين وقال ابن معين ثقة صدوق ووثقه أبو حاتم والعجلي وقال أحمد ابن حنبل كنا ننكر منه شيئا. روى له الجماعة. مات سنة ست أو سبع وثمانين ومائة
(قوله وهو ضعيف) أى وطريق عبد السلام بن حرب ضعيف لأن الأعمش لم يسمع من أنس ولا من أحد من الصحابة فهو منقطع وليس المراد تضعيف عبد السلام لأنه ثقة كما علمت. وفى النسخة المصرية بعد قول المصنف وهو ضعيف زيادة قال أبو عيسى الرملى حدثناه أحمد بن الوليد حدثنا عمرو بن عون أنا عبد السلام به اهـ وهذه العبارة من رواية الرملى أحد تلاميذ المصنف أشار بها إلى وصل الحديث عن غير طريق المصنف وقد رواه الترمذى عن ابن عمر وأنس قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس قال كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض هكذا روى محمد بن ربيعة عن الأعمش عن أنس هذا الحديث وروى وكيع والحمانى عن الأعمش قال قال ابن عمر كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض وكلا الحديثين مرسل ويقال لم يسمع الأعمش من أنس ولا من أحد من أصحاب
стр. 61
النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد نظر إلى أنس بن مالك قال رأيته يصلى فذكر عنه حكاية في الصلاة اهـ قال المنذرى في تلخيصه ذكر أبو نعيم الأصفهاني أن الأعمش رأى أنس ابن مالك وابن أبى أوفى وسمع منهما والذى قاله الترمذى هو المشهور اهـ وقول الترمذى كلا الحديثين مرسل مبنىّ على ما درج عليه بعض المحدّثين من أن المرسل ما سقط منه راو ولو غير صحابى والمشهور أن المرسل ما سقط منه الصحابى وما سقط منه التابعى يسمى منقطعا.
(باب كراهية الكلام عند الخلاء)
أى في بيان قبح الكلام وقت قضاء الحاجة فالمراد بالخلاء الحاجة من بول أو غائط تسمية للحالّ باسم المحل، وفى نسخة عند الحاجة
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، ثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبيد الله الخ) أبو سعيد البصرى القواريرى. روى عن حماد بن زيد وأبى عوانة وفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة وغيرهم. وعنه البخارى ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وكثيرون. وثقه النسائي والعجلى وابن معين وابن سعد وقال كان كثير الحديث وقال أبو حاتم صدوق. مات ببغداد سنة خمس وثلاثين ومائتين
(قوله ابن مهدى) هو عبد الرحمن بن مهدى بن حسان العنبرى أبو سعيد البصرى الحافظ الإمام روى عن الحمادين والسفيانين وشعبة ومالك وآخرين. وعنه أحمد وابن ماجه وابن معين وابن المبارك وجماعة، قال ابن المدينى كان أعلم الناس بالحديث وما شبهت علمه بالحديث إلا بالسحر وقال أبو حاتم إمام فقة وقال ابن حبان كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين عن حفظ وجمع وتفقه وصنف وحدّث وأبى الرواية إلا عن الثقات وقال الشافعى لا أعرف له نظيرا في الدنيا. توفى سنة ثمان وتسعين بالبصرة عن ثلاث وستين سنة
(قوله عكرمة بن عمار) أبو عمار الحنفي العجلى البصرى أحد الأئمة. روى عن عطاء وطاوس وسالم ابن عبد الله وهشام بن حسان وطائفة، وعنه شعبة والسفيانان ويحيى القطان وابن المبارك وآخرون، وثقه ابن معين والعجلى والدارقطنى ووكيع وقال أبو حاتم كان صدوقا وربما وهم
стр. 62
في حديثه وربما دلس وفى حديثه عن يحيى بن أبى كثير بعض أغاليط وقال ابن عدى مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة وقال ابن خراش كان صدوقا وفى حديثه نكرة وتكلم البخارى وأحمد والنسائى في روايته عن يحيى بن أبى كثير وأحمد في روايته عن إياس بن سلمة. مات سنة تسع وخمسين ومائة
(قوله يحيى بن أبى كثير) أبو النضر اليمامى الطائى مولاهم أحد الأعلام روى عن أنس مرسلا وأبى نضرة العبدى وعكرمة والسائب بن يزيد وآخرين. وعنه يحيى بن سعيد وهشام بن حسان والأوزاعي ومعمر بن راشد وغيرهم وقال العجلى ثقة كان يعدّ من أصحاب الحديث وقال أبو حاتم إمام لا يحدّث إلا عن ثقة. روى له الجماعة. مات سنة تسع وعشرين ومائة
(قوله هلال بن عياض) ويقال عياض بن هلال وهو الصحيح قال ابن حبان من زعم أنه هلال بن عياض فقد وهم ورجح الشيخان تسميته بعياض قال الحافظ المنذرى في الترغيب وعياض هذا روى له أصحاب السنن ولا أعرفه. بجرح ولا عدالة وهو في عدد المجهولين وقال الذهبى لا يعرف وقال في التقريب مجهول من الثالثة
(قوله أبو سعيد) هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبحر وهو خدرة بضم الخاء المعجمة ابن عوف في الحارث بن الخزرج الأنصارى الخدرى مشهور بكنيته من مشاهير الصحابة وفضلائهم ومن المكثيرين من الرواية عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له سبعون ومائة وألف حديث اتفق الشيخان على ثلاثة أو ستة وأربعين وانفرد البخارى بستة وعشرين وقيل بستة عشر ومسلم باثنين وخمسين وأول مشاهده الخندق وبايع تحت الشجرة وغزا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم اثنتى عشرة غزوة. روى عن أبى بكر وعمر وعثمان وأبى قتاده وغيرهم. وعنه من الصحابة جابر وزيد بن ثابت وابن عباس وأنس ومن التابعين سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وآخرون. روى له الجماعة، وله مناقب جليلة فقد روى الهيثم في مسنده عن سهل بن سعد قال بايعت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنا وأبو ذرّ وعبادة بن الصامت ومحمد بن مسلمة وأبو سعيد الخدرى وسادس على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم، وروى ابن سعد من طريق حنظلة بن سفيان الجمحى عن أشياخه قال لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أفقه من أبى سعيد الخدرى وروى أحمد وغيره عن أبى سعيد قال قتل أبى يوم أحد شَهيدا وتركنا بغير مال فسرّحتني أمى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتيته وقعدت فاستقبلني وقال من استغنى أغناه الله ومن استعفّ أعفه الله ومن استكفى كفاه الله ومن سأل الناس وله قيمة أوقية فقد ألحف فقلت ناقتى الياقوتة خير من أوقية فرجعت ولم أسأله. وقال شعبة عن أبى سلمة سمعت أبا نصرة عن أبى سعيد يرفعه لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا
стр. 63
رآه أو علمه قال أبو سعيد فحملنى ذلك على أن ركبت إلى معاوية فملأت أذنيه ورجعت. توفي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين وهو ابن أربع وسبعين سنة ودفن بالبقيع
(قوله سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) أى سمعت كلامه حال كونه يقول لأن الذات لا تسمع، وسمع من باب فهم تتعدى إلى مفعول واحد كما عليه الجمهور والجملة الواقعة بعد المفعول في موضع الحال، وقال الفارسى إن كان ما يليها مما يسمع تعدّت إلى مفعول واحد مثل سمعت القرآن وإن كان مما لا يسمع كما هنا تعدت إلى مفعولين
(قوله لا يخرج الرجلان) بالجزم على أن لا ناهية، ويحتمل رفعه على أنها نافية فيكون خبرا بمعنى النهى، وخص الرجلين بالذكر جريا على الغالب وإلا فالمرأتان والمرأة والرجل كذلك بل أولى بالنهى
(قوله يضربان الغائط) أى يمشيان إلى قضائه، قال في النهاية يقال ذهب يضرب الغائط والخلاء والأرض إذا ذهب لقضاء الحاجة
(قوله كاشفين عن عورتهما) أى رافعين ثوبهما عن عورتهما وينظر كل منهما إلى عورة صاحبه كما جاء في رواية ابن ماجه عن أبى سعيد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يتناجى اثنان على غائهما ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه الخ. والعورة كل ما يستحيا منه إذا ظهر وهي من الرجل ما بين السرّة والركبة ومن المرأة الحرّة جميع جسدها إلا الوجه والكفين وفى قدمها خلاف، والأمة مثل الرجل إلا أن ظهرها وبطنها عورة أيضا. وستر العورة في الصلاة وغيرها واجب وفيه عند الخلوة خلاف يأتى بيانه إن شاء الله تعالى في محله
(قوله فإن الله يمقت على ذلك) أى يغضب أشدّ الغضب ويعذب على كشف العورة والتحدّث حال قضاء الحاجة، ويمقت مضارع مقت من باب نصر من المقت وهو في الأصل أشدّ الغضب
(فقه الحديث) فيه دليل على وجوب ستر العورة وحرمة الكلام حال قضاء الحاجة والتعليل بمقت الله لفاعل ذلك يؤكد التحريم، قال في النيل وقيل إن الكلام في هذه الحالة مكروه والصارف للنهي عن التحريم الإجماع على عدم حرمة الكلام في تلك الحالة ذكره الإمام المهدى في الغيث، فإن صح الإجماع صلح للصرف ولكن يبعد حمل النهى على الكراهة ربطه يتلك العلة اهـ بتصرف. أقول ربط النهى بتلك العلة لا يبعد حمل النهى على الكراهة لأن سياق الحديث يدلّ على أن المقت على مجموع الكلام والنظر لا على مجرد الكلام وذكر النظر في الحديث لزيادة التقبيح ضرورة أن النظر حرام مع قطع النظر عن الكلام والتخلى، ومحل النهى عن الكلام حال قضاء الحاجة ما لم تدع إليه ضرورة كإرشاد أعمى يخشى تردّيه في نحو حفرة أو رؤية نحو عقرب يقصد إنسانا فإن الكلام حينئذ جائز بل قد يكون واجبا
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَّا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ
стр. 64
(ش) يريد المصنف بهذا بيان أن الحديث ضعيف لانفراد عكرمة بإسناده وقد تقدم أن عكرمة تكلم غير واحد في روايته عن يحيى بن أبى كثير قال المنذرى في تلخيص السنن ضعف بعض الحفاظ حديث عكرمة هذا عن يحيى بن أبى كثير. قال في النيل لكنه لا وجه للتضعيف بهذا فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى واستشهد بحديثه البخارى عن يحيى أيضا اهـ. على أن انفراد عكرمة بإسناده غير مسلم لأن أبان بن يزيد تابعه على ذلك كما ذكره ابن دقيق العيد في الإمام وتابعه أيضا الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسلا كما في سنن البيهقي بل ضعف الحديث جاء من هلال بن عياض أو عياض ابن هلال فإنه مجهول كما علمت، هذا ويوجد في النسخة المصرية بعد قول المصنف لم يسنده إلا عكرمة ما نصه حدثنا أبان ثنا يحيى بهذا يعنى حديث عكرمة. وهو غلط من بعض النساخ لما علمت أن رواية الحديث من طريق أبان إنما أخرجها ابن دقيق العيد في الإمام وأنها تردّ قول المصنف لم يسنده إلا عكرمة فتعين أنها ليست من كلام المصنف وإلا لتنافى
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه بلفظ المصنف وكذا البيهقى وأخرجه أيضا من طريق مسلم بن إبراهيم الورّاق عن عكرمة عن يحيى بن أبى كثير عن عياض ابن هلال وكذا أخرجه من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسلا. وأخرجه ابن السكن وصححه وابن القطان من حديث جابر بلفظ إذا تغوّط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدّثا فإن الله يمقت على ذلك. قال الحافظ وهو معلول وأخرجه ابن ماجه عن أبى سعيد بلفظ تقدم وأخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ لا يقعد الرجلان على الغائط يتحدّثان يرى كل واحد منهما عورة صاجه فإن الله يمقت على ذلك، وأخرجه الطبرانى في الأوسط عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يخرج اثنان إلى الغائط فيجلسان يتحدّثان كاشفين عن عورتهما فإن الله يمقت على ذلك، قال المنذرى إسناده لين
(باب أيردّ السلام وهو يبول)
أى في بيان الأحاديث الدالة على جواب هذا الاستفهام، وفى بعض النسخ باب في الرجل يردّ السلام وهو يبول وهى على تقدير الاستفهام، وفى نسخة باب لا يردّ السلام وهو يبول
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: ثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى
стр. 65
وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عثمان) بن محمد بن أبى شيبة إبراهيم بن عثمان أبو الحسن العبسى الكوفى الحافظ نزل بغداد ورحل إلى مكة والرّىّ. وكتب الكثير وصنف المسند والتفسير روى عن ابن المبارك وابن عيينة ووكيع بن الجراح وعبد الله النخعى وغيرهم. وعنه الشيخان وأبو داود وابن ماجه وأبو حاتم وجماعة، قال ابن معين ثقة أمين ووثقه أحمد بن عبد الله العجلى وقال أبو حاتم صدوق وأنكر عليه أحمد أحاديث. مات لثلاث مضين من المحرم سنة تسع وثلاثين ومائتين
(قوله أبو بكر) هو عبد الله بن محمد بن أبى شيبة الكوفى الحافظ أحد الأعلام روى عن هشيم وابن المبارك وجرير بن عبد الحميد وابن عيينة وآخرين. وعنه الشيخان وأبو داود وأبو حاتم وأحمد وغيرهم، قال أبو زرعة ما رأيت أحفظ منه وقال الخطيب كان متقنا حافظا صنف التفسير وغيره وقال أحمد صدوق وقال العجلى ثقة وكان حافظا للحديث وقال ابن حبان كان حافظا متقنا دينا ممن كتب وجمع وصنف وقال أبو حاتم كان أحد حفاظ الدنيا والمكثرين من الحديث مع ثبت وإتقان. ولد سنة تسع وخمسين ومائة. ومات سنة أربع أو خمس وثلاثين ومائتين
(قوله عمر بن سعد) بن عبيد الحفرى بفتح الحاء المهملة والفاء نسبة إلى حفر موضع بالكوفة أبو داود الكوفى. روى عن صالح بن حسان وشريك النخعى وسفيان الثورى وغيرهم وعنه أحمد وإسحاق وأبو بكر بن أبى شيبة وابن المدينى وقال لا أعلم أني رأيت بالكوفة أعلم منه ووثقه ابن معين وقال أبو حاتم صدوق. مات سنة ثلاث ومائتين
(قوله سفيان) بن سعيد ابن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب الثورى أبو عبد الله الكوفى أحد الأئمة الأعلام. روى عن أبيه وحبيب بن أبى ثابت وأبى إسحاق السبيعى وأيوب السختيانى وكثيرين وعنه ابن عجلان من شيوخه ومالك من أقرانه وابن عيينة ويحيى القطان وغيرهم، قال ابن المبارك كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان وقال ابن معين ما خالف أحد سفيان في شئ إلا كان القول قول سفيان وقال شعبة إن سفيان ساد الناس بالورع والعلم وقال ابن سعد كان ثقة مأمونا عابدا ثبتا وقال النسائى هو أجلّ من أن يقال فية ثقة وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون الله جعلهم إماما للمتقين وقال العجلى كان لا يسمع شيئا إلا حفظه وقال الخطيب كان إماما من أئمة المسلمين مجمعا على إمامته مع الإتقان والضبط والحفظ والمعرفة والزهد والورع وقال أبو عاصم سفيان الثورى أمير المؤمنين في الحديث
стр. 66
روى له الجماعة (١) ولد سنة سبع وتسعين. وتوفى سنة إحدى وستين ومائة بالبصرة
(قوله الضحاك ابن عثمان) بن عبد الله بن خالد بن حرام بن خويلد بن أسد أبو عثمان المدنى. روى عن نافع وعبد الله ابن دينار وسعيد المقبرى وزيد بن أسلم وغيرهم. وعنه يحيى القطان والثورى والواقدى وابن وهب وجماعة، وثقه أحمد وابن المدينى وابن معين وأبو داود وابن سعد وقال أبو زرعة ليس بالقوى وقال ابن عبد البر كان كثير الخطأ ليس بحجة. روى له الجماعة إلا البخارى. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة
(قوله نافع) العدوى أبو عبد الله المدنى مولى ابن عمر بن الخطاب التابعى الجليل الثقة الثبت الفقيه. روى عن مولاه ابن عمر وأبى هريرة وعائشة وأبى سعيد الخدرى وغيرهم من الصحابة والتابعين. وعنه أيوب وابن جريج ومالك ويحيى بن سعيد وطائفة. قال البخارى أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر ووثقه العجلى وابن خراش والنسائى وقال ابن عمر لقد منّ الله علينا بنافع وقال مالك كنت إذا سمعت من نافع يحدّث عن ابن عمر لا أبالى أن لا أسمع من غيره وقال الخليلى هو من أئمة التابعين بالمدينة متفق عليه صحيح الرواية ولا يعرف له خطأ في جميع ما رواه. روى له الجماعة. قيل مات سنة عشرين ومائة
(قوله مرّ رجل) هو أبو الجهيم بالتصغير عبد الله بن الحارث بن الصمة كما بينه الشافعى رحمه الله تعالى في روايته لهذا الحديث من طريق الأعرج وصرّح به في مشكاة المصابيح قال في باب التيمم وعن أبى الجهيم بن الحارث ابن الصمة قال مررت على النبى صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يردّ علىّ حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم ردّ علىّ، ذكره البغوى في شرح السنة وقال هذا حديث حسن اهـ. ويحتمل أن المراد بالرجل المهاجر بن قنفذ راوى الحديث الآتى
(قوله فسلم عليه فلم يردّ عليه) وفي رواية النسائى فلم يرد ﵇. والمراد أنه أخر الردّ حتى تطهر كما في الرواية والحديث الآتيين لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى ففي حديث أنس مرفوعا إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضع في الأرض فأفشوا السلام بينكم رواه البخارى في الأدب. ولذا كره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يذكر اسم الله تعالى في تلك الحالة، ويحتمل أنه ترك الردّ عليه أصلا تأديبا له ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه من طريق جابر قال إن رجلًا مرّ على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يبول فسلم عليه فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا رأيتنى على مثل هذه الحالة فلا تسلم علىّ فإنك إن فعلت ذلك لم أردِّ عليك. وهو ضعيف لأن في سنده سويد بن سعد وفيه مقال
стр. 67
(فقه الحديث) دلّ الحديث على كراهة ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة ولو كان واجبا باعتبار الأصل كردّ السلام. وعلى أن المسلم في هذا الحال لا يستحقّ جوابا وهذا متفق عليه وأما ردّه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد ذلك فمن مكارم أخلاقه ولذا نهى ذلك الرجل أن يعود كما في رواية ابن ماجه عن جابر المتقدمة. وكما أنه لا يردّ السلام حال قضاء الحاجة لا يشمت العاطس ولا يحمد الله تعالى إذا عطس ولا يجيب المؤذن. وكذا لا يأتى بشيء من ذلك حال الجماع وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه ولا يحرّك به لسانه، وكراهة الذكر في هذه الأحوال كراهة تنزيه لا تحريم كما عليه الأكثرون، وحكي عن إبراهيم النخعى وابن سيرين أنه لا بأس بالذكر حال قضاء الحاجة، لكن لا وجه لهما
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم وأحمد وابن ماجه بلفظ المصنف والنسائى والبيهقى والترمذى وقال حديث حسن صحيح وأخرجه أيضا ابن ماجة عن أبى هريرة قال مرّ رجل على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يردّ عليه فلما فرغ ضرب بكفيه الأرض فتيمم ثم ردّ ﵇
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ تَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ»
(ش) هذان تعليقان وصلهما المصنف في باب التيمم في الحضر. أما رواية ابن عمر فقد وصلها من طريق ابن الهاد أن نافعا حدّثه عن ابن عمر قال أقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الغائط فلقيه رجل عند بئر جمل وسلم عليه فلم يردّ عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى أقبل على الحائط فوضع يده على الحائط ثم مسح وجهه ويديه ثم ردّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الرجل السلام. ومراد المصنف بغير ابن عمر ابن عباس وأبو الجهيم. فرواية ابن عباس وصلها من طريق ثابت العبدى قال أخبرنا نافع قال انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس فقضى ابن عمر حاجته فكان من حديثه يومئذ أن قال مرّ رجل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه فلم يردّ عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فسح ذراعيه ثم ردّ على الرجل السلام وقال إنه لم يمنعني أن أردّ عليك السلام إلا أنى لم أكن على طهر. ورواية أبى الجهيم وصلها من طريق عيد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول أقبلت أنا وعبد الله ابن يسار مولى ميمونة زوج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى دخلنا على أبى الجهيم
стр. 68
ابن الحارث بن الصمة الأنصارى فقال أبو الجهيم أقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يردّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السلام حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه ثم ردّ ﵇. وهذه الرواية أخرجها الشيخان بلفظ المصنف وأخرجها البغوى في شرح السنة عن أبى الجهيم بلفظ تقدم
(قوله تيمم ثم ردّ الخ) أى قصد صعيدا طاهرا فمسح وجهه ويديه ثم ردّ السلام، وإنما تيمم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما تقدم من أن السلام اسم من أسمائه تعالى فكره أن يذكره على غير طهارة اختيارا للأفضل فإنه وإن كان ردّ السلام بعد الفراغ من قضاء الحاجة جائزا بلا طهارة لحديث الباب الآتى كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يذكر الله على كل أحيانه لكن الذكر على الطهر أفضل ولعله لم يتوضأ لخوف فوات ردّ السلام ويدلّ له ما تقدم في رواية ابن عباس من قوله حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط الخ. وقول النووى في شرح رواية أبى الجهيم هذا الحديث محمول على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تيمم لعدم وجود الماء فان التيمم مع وجوده لا يجوز للقادر على استعماله ولو خاف فوات الوقت لا فرق في ذلك بين صلاة الجنازة والعيدين ونحوهما عند الجمهور اهـ إنما يظهر في عبادة تتوقف على طهارة وليس ردّ السلام منها، وسيأتى بيان ذلك في باب التيمم إن شاء الله تعالى وقد دلت هذه الروايات زيادة على ما تقدم على أن الأفضل لمن سلم عليه عقب فراغه من قضاء الحاجة أن يؤخر الردّ حتى يتطهر، قال النووى في شرح مسلم وفيه دليل على جواز التيمم للنوافل والفضائل كسجود التلاوة والشكر ومس المصحف ونحوها كما يجوز للفرائض وهذا مذهب العلماء كافة إلا وجها شاذا منكرا لبعض أصحابنا أنه لا يجوز التيمم إلا للفرائض وليس هذا الوجه بشئ
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ "إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ"
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس بن دينار أبو موسى البصرى الحافظ. روى عن معتمر وابن عيينة ووكيع ويحيى بن سعيد وكثيرين. وعنه الأئمة الستة وأبو زرعة وأبو حاتم وآخرون، قال محمد بن يحيى حجة وقال الخطيب كان ثقة ثبتا احتج سائر الأئمة
стр. 69
بحديثه وقال مسلمة ثقة مشهور من الحفاظ وقال النسائى لا بأس به كان يغير في كتابه وقال أبو حاتم صالح الحديث صدوق. مات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين ومائتين
(قوله عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامى بالسين المهملة القرشى أبو همام ويقال أبو محمد البصرى أحد الكبار. روى عن يونس بن عبيد والجريرى وحميد الطويل وسعيد بن أبى عروبة وجماعة. وعنه أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو بن على ومحمد بن المثنى والفضل بن يعقوب وطائفة، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائى والعجلى وابن نمير وغيرهم. قال أبو حاتم صالح الحديث وكان ممن سمع من سعيد بن أبى عروبة قبل اختلاطه وقال ابن حبان في الثقات كان متقنا قدريًّا وكان لا يدعو إليه وقال محمد ابن سعد لم يكن بالقوى. روى له الجماعة. مات سنة تسع وثمانين ومائة
(قوله سعيد) بن أبي عروبة أبو النضر البصرى الحافظ. روى عن أبى التياح ومطر الورّاق والحسن وابن سيرين وسمع النضر بن أنس وقتادة وغيرهم. وعنه شعبة وابن علية ويزيد بن زريع والثورى وطائفة، قال الحافظ هو من كبار الأئمة وثقه الأئمة كلهم إلا أنه رمى بالقدر وقال العجلى كان لا يدعو إليه وكان قد كبر واختلط وقال أبو عوانة ما كان عندنا في ذلك الوقت أحفظ منه وقال أبو حاتم سمعت أحمد بن حنبل يقول لم يكن لسعيد بن أبى عروبة كتاب إنما كان يحفظ ذلك كله وقال ابن معين والنسائى ثقة وقال أبو زرعة ثقة مأمون وقال الأزدى اختلط اختلاطا قبيحا وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث ثم اختلط في آخر عمره. روى له الجماعة مات سنة ست وخمسين ومائة
(قوله قتادة) بن دعامة
(قوله الحسن) أبو سعيد بن أبى الحسن يسار البصرى ثقة فقيه فاضل يرسل ويدلس. روى عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وجندب ابن عبد الله وعبد الرحمن بن سمرة وآخرين. وأرسل عن خلق من أصحابة، وعنه أيوب وحميد الطويل ويونس بن عبيد وقتادة وغيرهم، قال أنس اسألوا الحسن فإنه حفظ ونسينا وقال قتادة ما جالست فقيها قط إلا رأيت فضل الحسن عليه وقال ابن سعد كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا كثير العلم فصيحا جميلا وما أسند من حديثه وروى عمن سمع فهو حجة وما أرسل فليس بحجة قال ابن المدينى ومرسلات الحسن البصرى التى رواها عنه الثقات صحاح قلّ ما يسقط منها وقال يونس بن عبيد سألت الحسن قلت يا أبا سعيد إنك تقول قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإنك لم تدركه قال يا ابن أخى إنى في زمان كما ترى "وكان في عمل الحجاج" كل شئ سمعتنى أقول قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهو عن على بن أبى طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ غير أنى في زمن لا أستطيع أن أذكر عليا. روى له الجماعة. مات سنة عشر ومائة
(قوله عن حضين في المنذر أبى ساسان) حضين بضاد معجمة وأبو ساسان لقب له على صورة الكنية وكنيته أبو محمد مثل أبى التراب فإنه لقب علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
стр. 70
على صورة الكنية وكنيته الحسن وهكذا أبو الزناد وأبو الأحوص وأبو ثور وأبو المساكين فإنها ألقاب ولهم كنى غير هذه، وهذا باب معروف في كتب أسماء الرجال. روى عن عثمان وعلى وأبى موسى ومجاشع بن مسعود وغيرهم. وعنه الحسن البصرى وداود بن أبى هند وعبد الله ابن فيروز وجماعة، وثقه العجلى والنسائى وقال ابن خراش صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان قليل الحديث. مات سنة سبع وتسعين. روى له مسلم وأبو داود
(قوله المهاجر ابن قنفذ) بن عمير بن جدعان بضم فسكون القرشى التميمى. قيل إن اسم المهاجر عمرو واسم قنفذ خلف وإن مهاجرا وقنفذا لقبان، وإنما قيل له المهاجر لأنه لما أراد الهجرة أخذه المشركون فعذّبوه ثم هرب منهم وقدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسلما فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا المهاجر حقا، وقيل إنه أسلم يوم فتح مكة وسكن البصرة ومات بها. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله وهو يبول) كذا في رواية النسائى وظاهر حديثى الباب ورواية أبى الجهيم عند البغوى ورواية أبى هريرة عند ابن ماجه المتقدمتين أن السلام كان حال قضاء الحاجة، وظاهر رواية أحمد وابن ماجه والبيهقي من حديث المهاجر ابن قنفذ أنه سلم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يتوضأ فلم يردّ عليه الحديث، وما تقدم من رواية المصنف والشيخين من حديث أبى الجهيم وابن عمر وابن عباس أن السلام كان بعد قضاء الحاجة. ولا تنافى بين هذه الروايات لأن الواقعة متعدّدة
(قوله ثم اعتذر إليه) عطفا منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الرجل وتطييبا لقلبه إذ أخر ردّ سلامه إلى أن فرغ من الوضوء إلا فترك الردّ حال البول لا يحتاج إلى اعتذار. وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه العالية عليه وعلى آله الصلاة والسلام
(قوله تعالى ذكره) أى تنزّه ذكره عما لا يليق به، وفى نسخة
(قوله إلا على طهر) يعنى إلا متوضئا وعلى هنا للمصاحبة على حدّ قوله تعالى (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) والطهر بضم فسكون مصدر طهر الشئ طهارة من بابى قتل وقرب وهو في الأصل النقاء من الدنس والنجس
(قوله أو قال على طهارة) الشك من المهاجر أو ممن دونه
(فقه الحديث) دلّ الحديث على كراهة ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة. وعلى أنه ينبغى لمن سلم عليه في حال قضاء الحاجة أن لا يردّ السلام بل ينتظر حتى يقضى حاجته ثم إذا أراد الردّ فالأفضل أن يؤخره حتى يتطهر. وعلى ما كان عليه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من حسن الخلق وعظيم الشيم وكمال الشفقة وقد تقدم بيان ذلك في الحديث قبله
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى عن المهاجر بن قنفذ أنه سلم على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسم وهو يبول فلم يردّ عليه حتى توضأ فلما توضأ ردّ عليه، وأخرجه ابن ماجه والبيهقى بلفظ تقدمت الإشارة إليه
стр. 71
(باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر)
أى في بيان ما يدلّ على جواز ذكر الله تعالى حال عدم الطهارة، ومثل الرجل في هذا المرأة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ يَعْنِي الْفَأْفَاءَ، عَنِ الْبَهِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن العلاء) بن كريب أبو كريب الهمدانى الكوفى الحافظ أحد الأثبات المكثرين. روى عن ابن المبارك وابن عيينة ووكيع ويحيى بن زكريا وكثيرين وعنه الشيخان والأربعة وأبو حاتم وغيرهم، قال أبو حاتم صدوق وقال أبو عمرو الخفاف ما رأيت من المشايخ بعد إسحاق بن إبراهيم أحفظ منه وقال النسائى ثقة لا بأس به. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين
(قوله ابن أبى زائدة) هو يحيى بن زكرياء بن أبى زائدة أبو سعيد الكوفى الحافظ. روى عن أبيه وعاصم الأحول وعكرمة وداود بن أبى هند وكثيرين. وعنه أحمد وابن معين وابن المديني وأحمد بن منيع وآخرون، وثقه النسائى وأبو حاتم وابن معين وقال لا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد. ووثقه أحمد والعجلى وابن المدينى وقال لم يكن بالكوفة بعد الثورى أثبت منه وإليه انتهى العلم في زمانه وقال ابن نمير كان في الإتقان أكثر من ابن إدريس وقال أبو حاتم مستقيم الحديث ثقة صدوق يعدّ من حفاظ الكوفيين للحديث وكان متقنا ثبتا صاحب سنة وقال أبو زرعة قلما يخطئُ فإذا أخطأ أتى بالعظائم. مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة
(قوله عن أبيه) هو زكريا بن أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيروز الهمدانى الوداعي الكوفي الحافظ. روى عن الشعبى وخالد بن سلمة وعبد الرحمن بن الأصبهانى وأبى إسحاق وغيرهم. وعنه شعبة والثورى ويحيى القطان ووكيع وآخرون، وثقه أحمد والنسائى وأبو داود وقال يدلس وقال ابن معين صالح. روى له الجماعة. مات سنة ثمان وأربعين ومائة
(قوله عن خالد بن سلمة) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومى القرشى أبو سلمة الكوفي. روى عن سعيد بن المسيب وأبى بردة وعروة بن الزبير وعبد الله بن رافع وغيرهم. وعنه شعبة والسفيانان ويحيى الأنصارى وآخرون، وثقه ابن المدينى وأحمد ويعقوب بن شيبة وابن معين والنسائى وقال أبو حاتم شيخ يكتب حديثه وذكره ابن حبان في الثقات. روى له البخارى في الأدب ومسلم والترمذى والنسائي وأبو داود وابن ماجة، قتل بواسط مظلوما سنة اثنتين وثلاثين ومائة
(قوله يعني الفأفاء) هو لقب يعرف به خالد بن سلمة، وهذا التفسير يحتمل أن يكون من يحيى أو ممن دونه وهو ساقط في بعض النسخ
стр. 72
(قوله
(ص) عن البهى) بفتح الموحدة وكسر الهاء آخره ياء تحتية مشدّدة وهو لقب لعبد الله بن بشار مولى مصعب بن الزبير أبى محمد. روى عن عائشة وفاطمة بنت قيس وابن عمر وابن الزبير وعنه إسماعيل السدّى وأبو إسحاق السبيعى ويزيد بن أبى زياد، قال ابن معين وغيره هو من الطبقة الأولى من الكوفيين صدوق يخطئُ وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه ابن سعد وقال أبو حاتم لا يحتج به وهو مضطرب الحديث. روى له مسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه
(قوله عروة) بن الزبير بن العوام أبو عبد الله المدنى التابعى أحد الفقهاء السبعة، روى عن خالته عائشة وعليّ وأبى هريرة وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين. وعنه عطاء وعمر بن عبد العزيز وجعفر الصادق وابن أبى مليكة وطائفة، قال ابن سعد ثقة كثير الحديث فقيه عالم ثبت مأمون وقال العجلى لم يدخل نفسه في شيء من الفتن قال عروة لو ماتت عائشة اليوم ما ندمت على حديث عندها فقد وعيت كل حديثها وقال الزهرى عروة بحر لا تكدّره الدّلاء. روى له الجماعة ولد سنة تسع وعشرين. ومات سنة نيف وتسعين
(قوله عائشة) أم المؤمنين أم عبد الله بنت أبى بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما كانت من أعلم الناس وأفقههم وأحسنهم رأيا فقد أخرج الترمذى عن موسى بن طلحة قال ما رأيت أحدا أفصح من عائشة، وأخرج أيضا عن أبي موسى قال ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما وقال حديث حسن صحيح، وفى الإصابة عن مسروق رأيت مشيخه أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال هشام بن عروة عن أبيه ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطبّ ولا بشعر من عائشة وكان مسروق إذا حدّث عن عائشة قال حدّثتني الصدّيقة بنت الصدّيق البريئة المبرّأة، وقال الزهرى لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل وفى البخارى عن أبي موسى الأشعرى مرفوعا فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وقد حسنه الترمذي وفى الصحيح عن عروة عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت كان الناس يتحرّون بهداياهم يومى الحديث وفيه فقال لأم سلمة لا تؤذينى في عائشة فإن الوحى لم يأتنى وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة، وأخرج الترمذى عن أبى سلمة عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام قلت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى ما لا نرى وقال حديث حسن صحيح، وكانت رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا في الجود كالريح المرسلة فقد أخرج ابن سعد من طريق أم درّة قالت أتيت عائشة بمائة ألف ففرّقتها وهى يومئذ صائمة، ولدت سنة أربع أو خمس من البعثة. وتزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهى بنت ست ودخل بها وهي بنت تسع في شوال في السنة الأولى من الهجرة ففى
стр. 73
الصحيح عنها قالت تزوّجنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا بنت ست سنين وبنى بي وأنا بنت تسع وقبض وأنا بنت ثمانى عشرة سنة، وكانت أحب النساء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فعن عمرو بن العاص قال سألت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك قال عائشة قال من الرجال قال أبوها رواه الترمذى وقال حديث حسن صحيح، روت عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الكثير الطيب، لها عشرة ومائتان وألفا حديث اتفق الشيخان على أربعة وسبعين ومائة حديث وانفرد البخارى بأربعة وخمسين ومسلم بمانية وستين. ماتت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين عند الأكثر وقيل سنة سبع وخمسين ودفنت بالبقيع
(قوله يذكر الله تعالى على كل أحيانه) وفى نسخة يذكر الله الخ أى في كل أوقاته فعلى بمعنى في، وعموم الأحيان يستلزم عموم الأحوال وهي حالة التطهر والحدث أصغر أو أكبر والقيام والقعود وغير ذلك. والمراد بالذكر الذكر اللسانى وعليه فيستثنى من عموم الأحوال حال الجنابة فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لا يقرأ القرآن حينئذ لحديث على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال كان سول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا رواه أحمد والأربعة وهذا لفظ الترمذى وحسنه وصححه وابن حبان وابن السكن وعبد الحق والبغوى، وكذا يستثنى حال كشف العورة للجماع وقضاء الحاجة فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آلة وسلم ما كان يتكلم حينئذ إلا لداع. وأما ما تقدم في الباب السابق مما يدلّ على كراهته ذكر الله تعالى إلا على طهر فحمول على الأفضل كما تقدم. ويحتمل أن يراد بالذكر الذكر القلبي فيبقى العموم على حاله لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان دائم التفكر لا يفتر عن الذكر القلبى لا في يقظة ولا نوم. قال في المرقاة الذكر نوعان قلبى ولسانى والأول أعلاهما وهو المراد في الحديث وفى قوله تعالى (اذكروا الله ذكرا كثيرا) وهو أن لا ينسى الله تعالى في كل حال وكان للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حظ وافر من هذين النوعين إِلا في حالة الجنابة ودخول الخلاء فإنه كان يقتصر. في الأول على ما عدا القرآن وفي الثانية على الذكر القلبى ولذلك كان إذا خرج من الخلاء قال غفرانك اهـ بتصرف
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يذكر الله تعالى متطهرا ومحدثا ولو حدثا أكبر وقائما وقاعدا ومضطجعا وماشيا وراكبا، والذكر عام يشمل جميع أنواعه من تهليل وتكبير وتحميد وتسبيح واستغفار ومثله الصلاة والسلام على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلى آله، وهذا مشروع بإجماع المسلمين من غير محل القاذورات وحال الجماع فإنه يكره فيهما كما تقدم، وأما قراءة القرآن فحكمها كما ذكر إلا في حق الجنب والحائض فالجمهور على تحريمها عليهما، وسيأتى تمام الكلام على ذلك في باب الجنب يقرأ القرآن. وفى الحديث
стр. 74
تنبيه على طلب ذكر الله تعالى في جميع الأوقات الممكنة وذلك لأنه أعظم وسيلة إلى الحصول على خيرى الدنيا والآخرة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم وأحمد وابن ماجه والبيهقى والترمذى وقال حديث حسن غريب وذكره البخارى تعليقا
(باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء)
وفى نسخة باب الخاتم يكتب فيه ذكر الله الخ أى في بيان حكم دخول الخلاء بالخاتم الذى يكون مكتوبا عليه اسم الله تعالى. والخاتم بفتح المثناة الفوقية وكسرها والكسر أشهر هو حلقة ذات فص من غيرها فإن لم يكن لها فص فهي فتحة بفتحات كقصبة
(ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله نصر بن علي) بن نصر بن على بن صهبان الأزدى أبو عمرو الصغير الجهضمى البصرى الحافظ أحد أئمة البصرة. روى عن المعتمر وابن عيينة ووهب بن جرير ويحيى بن سعيد وغيرهم. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم وعبد الله بن أحمد والأئمة الستة وكثيرون قال أبو حاتم هو عندى أوثق من الفلاس وأحفظ وقال النسائى وابن خراش ثقة وقال أحمد ما به بأس، مات سنة خمسين ومائتين
(قوله عن أبى علىّ الحنفىّ) هو عبد الله بن عبد المجيد الحنفي أبو على البصرى مشهور بكنيته وهو من نبلاء المحدّثين. روى عن هشام الدستوائى وقرّة ابن خالد وعباد بن راشد ومالك بن أنس وغيرهم. وعنه محمد بن بشار والدارمى ومحمد بن المثنى وعلى بن المدينى، قال ابن معين وأبو حاتم لا بأس به ووثقه العجلي والدارقطنى وغير واحد وضعفه العقيلى. مات سنة تسع ومائتين
(قوله عن همام) بن يحيى بن دينار الأزدى أبى عبد الله البصرى أحد الأئمة وثقاتهم. روى عن عطاء ونافع ويحيى بن أبى كثير وثابت البنانى وغيرهم. وعنه الثورى وابن المبارك وأبو نعيم وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان وآخرون، قال ابن سعد كان ثقة ربما غلط في الحديث وقال يزيد بن هارون كان همام قويًّا في الحديث وقال أبو حاتم ثقة صدوق في حفظه شئ وقال أحمد بن حنبل ثبت في كل المشايخ وقال ابن معين ثقة صالح وكان ابن مهدى حسن الرأى فيه. روى له الجماعة. قيل مات سنة أربع وستين ومائة
(قوله ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموى المكي الفقيه أبو الوليد أو أبو خالد أحد الأئمة الأعلام. روى عن نافع وعطاء بن أبى رباح والزهرى وهشام بن عروة وغيرهم. وعنه
стр. 75
الأوزاعي والسفيانان ويحيى بن سعيد الأنصارى ويحيى القطان وجماعة، قال ابن المدينى لم يكن في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج وقال أحمد إذا قال أخبرنا أو سمعت فحسبك به وإذا قال قال فلان وقال فلان وأخبرت جاء بمناكير وقال الدارقطني تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح وقال ابن حبان كان من فقهاء أهل الحجاز وقرّائهم ومتقنيهم وكان يدلس وقال ابن خراش كان صدوقا وسئل عنه أبو زرعة فقال بخ من الأئمة وقال ابن معين ثقة إذا روى من الكتاب. مات سنة تسع وأربعين أو خمسين ومائة روى له الجماعة
(قوله إذا دخل الخلاء) أى أراد دخوله
(قوله وضع خاتمه) أى ألقاه يقال وضع الشئ من يده يضعه وضعا إذا ألقاه. وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يضع خاتمه وقتئذ صيانة لاسم الله تعالى واسم رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن محل القاذورات لأن نقشه (محمد رسول الله)
(فقة الحديث) دلّ الحديث على أنه يندب لمن يريد التبرّز أن ينحى عنه كل ما عليه معظم من اسم الله تعالى أو اسم نبيّ أو ملك، وبهذا قالت الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة فإن خالف كره له ذلك إلا لحاجة كأن يخاف عليه الضياع وهذا في غير القرآن أما القرآن فقالوا يحرم استصحابه في تلك الحالة كلا أو بعضا إلا إن خيف عليه الضياع أو كان حرزا فله استصحابه ويجب ستره حينذ إن أمكن
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى والنسائى وقال هذا حديث غير محفوظ والترمذى وقال حديث حسن صحيح غريب وأخرجه ابن حبان والحاكم والدارقطنى وذكر الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه وقال المنذرى الصواب عندى تصحيحه فإن رواته ثقات أثبات
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ» وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هَمَّامٌ "
(ش) أشار المصنف إلى أن علة إنكار الحديث السابق أمران (الأول) ترك الواسطة بين ابن جريج والزهرى فقد قيل إن ابن جريج لم يسمع من الزهرى وإنما رواه عن زياد بن سعد (الثانى) تغيير المتن بآخر. وردّ الأول بأن المنكر ما رواه الضعيف مخالفا الثقة أو ما تفرّد به الضعيف وإن لم يخالف غيره كما تقدم، وهمام ثقة حافظ خرّج له الشيخان واحتجا به وقال أحمد ثبت في كل المشايخ فليس بضعيف فلا يعدّ حديثه منكرا. على أن هماما لم ينفرد بهذه الرواية