Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
الْقِبْلَةَ فَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ ، وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَا يَتْفُلْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا فِي قِبْلَتِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ عَجِلَ بِهِ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ هَكَذَا» وَوَصَفَ لَنَا ابْنُ عَجْلَانَ ذَلِكَ أَنْ يَتْفُلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ يَرُدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله يحيى بن حبيب بن عربى) الحارثى أبو زكرياء البصرى روى عن حماد بن زيد ويزيد بن زريع وخالد بن الحارث ومعتمر بن سليمان وغيرهم. وعنه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وأبو حاتم وقال صدوق وقال النسائى ثقة مأمون ووثقه مسلمة بن قاسم وابن حبان. قيل مات بالبصرة سنة ثمان وأربعين ومائتين
(قوله خالد يعني ابن الحارث) بن عبيد بن سليمان أبو عثمان البصرى. روى عن هشام بن عروة وأيوب السختياني وابن عون وابن عجلان وغيرهم. وعنه أحمد وإسحاق بن راهويه ومحمد بن المثنى وعمرو بن على ومحمد بن الفضل وآخرون. قال أحمد إليه المنتهى في التثبت بالبصرة وقال أبو حاتم إمام ثقة وقال ابن معين من أثبت شيوخ البصريين وقال الترمذى ثقة مأمون سمعت ابن المثني يقول. ما رأيت بالبصرة مثله وقال الدارقطنى أحد الأثبات ووثقه ابن حبان وابن شاهين والنسائى وابن سعد توفى بالبصرة سنه ست وثمانين ومائة. روى له الجماعة
(قوله عياض بن عبد الله) بن سعد بن أبى سرح بن الحارث القرشي العامرى. روى عن أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى وجابر بن عبد الله وعنه زيد بن أسلم وسعيد المقبرى ومحمد بن عجلان وبكير بن الأشجّ وغيرهم. وثقه النسائى وابن حبان وابن معين. مات بمكة على رأس المائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان يحب العراجين) هى جمع عرجون بضم العين المهملة وهو العود الأصفر الذي فيه الشماريخ إذا يبس واعوجّ من الانعراج وهو الانعطاف والواو والنون فيه زائدتان. ولعله ﵌ كان يحب حملها لما فيها من المنافع
(قوله أيسرّ أحدكم الخ) استفهام إنكارى بمعنى النفى أى لا يسرّ أحدكم البصاق في وجهه. والغرض منه التوبيخ والتحذير من مثل ذلك. وبيان شرف القبلة وأن البصاق جهتها كالبصاق في وجه أحدهم في الأذى وإثارة الغضب فالله يغضب من البصاق جهة القبلة لأنها جهة المناجاة
(قوله فإنما يستقبل ربه) أى قبلة ربه كما تقدم
(قوله والملك عن يمينه) الظاهر أن هذا الملك كاتب الحسنات، وخصّ بهذا تكرمة له على صاحب الشمال. وقيل إنه ملك خاصّ يحضر الصلاة للتأمين على الدعاء
(قوله فلا يتفل عن يمينه) تنزيها لليمين عن الأقذار أو تشريفا للملك. وعند ابن أبى شيبة بسند صحيح لا يبزق عن يمينه ففى يمينه كاتب الحسنات ولكن يبزق عن شماله أو خلف ظهره
(قوله وليبصق
стр. 1122
عن يساره أو تحت قدمه) قال الحافظ كذا للأكثر. وفي رواية أبى الوقت وتحت قدمه بالواو. ووقع عند مسلم من طريق أبى رافع عن أبى هريرة ولكن عن يساره تحت قدمه بحذف أو، وكذا للمصنف من حديث أنس في أواخر الصلاة، والرواية التي فيها أو أعمّ لكونها تشمل ما تحت القدم وغيره. وفى الرواية الآتية وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى بحذف أو (وظاهر الحديث) أن المصلى لا يكون عن يساره ملك. وبه قال القاضى عياض وقال لأنه لا يجد ما يكتب لأن المصلى في طاعة اهـ "لكن ما ذكره" من أنه لا يجد ما يكتب "مردود" يحديث إدبار الشيطان عند سماع الأذان ورجوعه في الصلاة بعد انتهائه ووسوسته للمصلى حال الصلاة فقد يترتب عليها الوقوع في المخالفة. وأحسن ما يجاب به أن يقال إن لكل واحد قرينا وموقفه في يساره كما ورد في حديث الطبرانى عن أبى أمامة وفيه أنه يقوم بين يدى الله وملكه عن يمينه وقرينه عن يساره فالمصلى إذا تفل عن يساره يقع على الشيطان ولا يصيب الملك منه شيء أو أنه يتحوّل في الصلاة إلى اليمين
(قوله فإن عجل به أمر الخ) أى إن غلب عليه البزاق أو النخامة ولم يتمكن من إلقائها جهة يساره أو تحت قدمه فليتفل في ثوبه. وفي رواية لمسلم فإن لم يجد فليقل به هكذا
(قوله ووصف لنا الخ) أى قال خالد بن الحارث بين لنا محمد بن عجلان كيفية فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأن تفل في ثوبه ومسح بعضه ببعض. وفى رواية لمسلم فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض. وفي رواية للبخارى ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم ردّ بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا
(فقه الحديث) والحديث يدلّ زيادة على ما تقدم على مشروعية استصحاب الشخص شيئا في يده كالعرجون والعصا لقضاء المصالح، وعلى طلب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وعلى مشروعية الجمع في التعليم بين القول والفعل، وعلى جواز البصق جهة اليسار أو تحت القدم عند الحاجة فإن لم يمكن بصق في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض، وعلى أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حريص على مصالح الأمة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الحاكم بلفظ إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعجبه العراجين أن يمسكها بيده فدخل المسجد ذات يوم وفى يده واحد منها فرأى نخامات في قبلة المسجد فحتهنّ حتى أنقاهنّ ثم أقبل على الناس "الحديث" وقال حديث صحيح على شرط مسلم
(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ السِّجِسْتَانِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ يَعْنِي بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ
стр. 1123
بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَتَيْنَا جَابِرًا يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ، فَقَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ فَنَظَرَ فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا، فَحَتَّهَا بِالْعُرْجُونِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ بِوَجْهِهِ» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبصُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا» وَوَضَعَهُ عَلَى فِيهِ ثُمَّ دَلَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَرُونِي عَبِيرًا» فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ، قَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله السجستانى) نسبة إلى سجستان بكسر أوله وثانيه وسين مهملة ساكنة ومثناة فوقية ناحية كبيرة بخراسان
(قوله سليمان بن عبد الرحمن) بن عيسي بن ميمون أبو أيوب التميمي الدمشقى. روى عن يحيى بن حمزة وابن عيينة ومروان بن معاوية وعيسى بن يونس وكثيرين. وعنه أبو حاتم والبخارى والترمذى والنسائي. قال ابن معين وابن حبان ليس به بأس ثقة إذا روى عن المعروفين وقال صالح بن محمد لا بأس به ولكنه يحدّث عن الضعفاه وقال الدارقطنى ثقة وقال أبو داود ثقة يخطئُ وقال أبو حاتم والنسائى صدوق وزاد أبو حاتم مستقيم الحديث ولكنه روى عن الضعفاء والمجهولين. توفى سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين ومائتين
(قوله حاتم يعنى ابن إسماعيل) الكوفى الأصل أبو إسماعيل نزيل المدينة. روى عن هشام ابن عروة وجعفر بن محمد ويحيى بن سعيد الأنصارى ويزيد بن أبي عبيد. وعنه قتيبة بن سعيد وابن مهدى وإسحاق بن راهويه والقعنبى وغيرهم. قال الخطيب كان ثقة وقال ابن سعد كان ثقة مأمونا كثير الحديث وقال النسائى لا بأس به ليس بالقوى ووثقه العجلى وابن معين وابن حبان قيل مات بالمدينة سنة ست أو سبع وثمانين ومائة
(قوله عبادة بن الوليد الخ) أبى الصامت الأنصارى. روى عن أبيه وجدّه وكعب بن عمرو وجابر في عبد الله وأبى سعيد الخدرى
стр. 1124
وآخرين. وعنه يحيى بن سعيد ويزيد بن الهاد ويعقوب بن مجاهد ومحمد بن عجلان وغيرهم. وثقه أبو زرعة والنسائي وابن حبان. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه. وقوله (يعني ابن عبد الله) العناية من يعقوب بن مجاهد
(معنى الحديث)
(قوله وفى يده عرجون ابن طاب) هو رجل من أهل المدينة ينسب إليه نوع من تمر المدينة
(قوله أيكم يحب أن يعرض الله عنه) من الإعراض وهو التولية والمراد منه لازمه وهو الغضب. والاستفهام فيه للتوبيخ والتهديد
(قوله فليقل بثوبه هكذا الخ) أى فليفعل بثوبه هكذا ووضع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثوبه على فمه ثم دلكه حتى تلاشي البزاق فيه
(قوله أرونى عبيرا) يعنى أحضروا لى عبيرا بفتح العين المهملة وكسر الموحدة وهو نوع من الطيب ذو لون مركب من زعفران وغيره
(قوله فقام فتى من الحيّ الخ) أى فقام شابّ من القبيلة يعدو ويسرع في مشيه فجاء بخلوق في كفه فأخذه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فجعله على رأس العود ثم لوّث به أثر النخامة لإزالة المستقذر من المسجد. والخلوق بفتح الخاء المعجمة وضم اللام وفى آخره قاف طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة وهو من طيب النساء اهـ نهاية
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ الْجُذَامِيِّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيْوَانَ، عَنْ أَبِي سَهْلَةَ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ -قَالَ أَحْمَدُ: مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ- أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا، فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَرَغَ: «لَا يُصَلِّي لَكُمْ»، فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فَمَنَعُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «نَعَمْ»، وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّكَ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ -»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عمرو) بن الحارث
(قوله الجذامى) نسبة إلى جذام بوزن غراب قبيلة من معدّ
(قوله صالح بن حيوان) بالحاء المهملة السبائى المصرى كما قاله البخارى
стр. 1125
وابن يونس. ويقال بالخاء المعجمة "وقال" ابن الأعرابى عن أبى داود ليس أحد يقوله خيوان بالخاء المعجمة إلا أخطأ. وقد فهم الدارقطني أنه الخولاني فقال هو بالخاء المعجمة لكن قد علمت أنه السبائى فالحقّ أنه بالمهملة "ففى" تهذيب التهذيب قال سعيد بن كثير من نسبه خولانيا فهو بالمعجمة ومن نسبه سبائيا فهو بالمهملة. روى عن عقبة بن عامر وابن عمر وأبى سهلة. وعنه بكر بن سوادة وثقه العجلى وابن حبان وصحح حديثه ابن القطان وعاب على عبد الحق في قوله لا يحتجّ به. روى له أبو داود
(قوله السائب بن خلاد) بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس الخزرجى المدني. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه صالح بن حيوان وعطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبى صعصعة وغيرهم. شهد بدرا وهو صحابى عمل لعمر على اليمن. مات سنة إحدى وسبعين. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه
(قوله قال أحمد الخ) أى قال أحمد بن صالح السائب بن خلاد من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وإنما قال ذلك لأنه لم يكن من مشاهير الصحابة. ولردّ قول بعضهم إنه ليس بصحابى
(معنى الحديث)
(قوله أن رجلا أم قوما) أى صلى بهم إماما. ولعلهم كانوا وفدا أتوا بعد فراغه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الصلاة
(قوله فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى قال لقومه وقت انتهاء الرجل من الصلاة لا يصلى لكم بإثبات المثناة التحتية أى لا يؤمكم هذا الرجل بعد لما فعل من الإخلال بالأدب وعدم احترام القبلة (وهو نفى) بمعنى النهى. ووجه الخطاب إليهم دونه زجرا وتحذيرا له عن مثل هذا الصنع. هذا على أنه كان موجودا معهم وقت الخطاب. ويحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجه الخطاب إليهم بعد ذهاب الرجل وهو الأقرب. ويؤيده ما في الحديث نفسه من أنهم منعوه وأخبروه بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ولأنه لو كان موجودا وقت الخطاب ونهيه عن إمامته بهم ما احتاج إلى إخبارهم له ولما تقدّم للإمامة ثانيا ولما احتاج إلى الاستفسار بعد (قال) في شرح السنة في الإعراض عنه غضب شديد حيث لم يجعله محلا للخطاب أو أن هذا النهى في غيبته اهـ
(قوله فمنعوه) أى منع القوم الرجل عن الإمامة بهم
(قوله فذكر ذلك الخ) أى ذكر الرجل للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منع قومه له عن الإمامة وإخبارهم له بأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن إمامته فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نعم نهيت عن إمامتك
(قوله وحسبت الخ) أى قال السائب بن خلاد ظننت أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال بعد قوله نعم تعليلا إنك آذيت الله ورسوله أى فعلت فعلا يكرهه الله ورسوله -أما كراهة النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم لإمامته فظاهرة- وأما كراهة الله تعالى فهى كناية عن انتقامه. ويحتمل أن المراد أذية الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقط وذكر
стр. 1126
الله للتبرّك. أو أن إيذاء الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمخالفة نهيه ولا سيما بحضرته منزّل منزلة إيذائه تعالى. وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا القول زجرا وتهديدا له فلا يدخل تحت قوله تعالى "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة" لأن هذا الفعل صدر من الرجل جهلا أو خطأ فلا يكون كفرا
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه لا يؤم الناس في الصلاة إلا من كان متأدبا بالآداب الشرعية، وعلى أن الإمام إذا ارتكب شيئا من المخالفات يبعد عن الإمامة، وعلى أنه يطلب من كبير القوم أن يتفقد أحوال رعيته، وعلى التنفير من مخالفة الشريعة لما يترتب على ذلك من غضب الله وغضب رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن حبان في صحيحه وأخرج الطبراني عن ابن عمر نحوه بلفظ أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رجلا يصلى بالناس الظهر فتفل بالقبلة وهو يصلى للناس فلما كان صلاة العصر أرسل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى آخر فأشفق الرجل الأول فجاء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله أنزل فيّ شئ قال لا ولكنك تفلت بين يديك وأنت تؤم الناس فآذيت الله والملائكة
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَبَزَقَ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله حماد) بن سلمة. و (سعيد) بن إياس (الجريرى) نسبة إلى جرير بالتصغير موضع قرب مكة
(قوله عن أبى العلاء) هو يزيد بن عبد الله بن الشخير العامرى البصرى. روى عن أبيه ومطرّف وأبى هريرة وسمرة بن جندب. وعنه قتادة وسليمان وخالد الحذاء وآخرون. وثقه النسائى وابن حبان وابن سعد والعجلى. قيل توفى سنة ثمان ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن أبيه) هو عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب العامرى الصحابي. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه بنوه مطرّف ويزيد وهانئ. روى له مسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله فبزق تحت قدمه اليسرى) قال العينى هذا كان في غير المسجد لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن البزاق في المسجد مطلقا اهـ لكن ما قاله ليس بمتعين لاحتمال أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك في المسجد ودفنها
стр. 1127
أو دلكها بنعله كما في الرواية الآتية
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، بِمَعْنَاهُ زَادَ ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ
(ش) ساق المصنف هذه الرواية لبيان أنه قد اختلف على سعيد الجريرى في الحديث فرواه عنه حماد بن سلمة عن أبي العلاء عن أبيه مطرّف عن أبيه بواسطة مطرّف بينه وبين أبيه ورواه عنه يزيد بن زريع عن أبى العلاء عن أبيه بلا واسطة أخيه مطرّف وبزيادة ثم دلكه بنعله وهكذا رواية مسلم من طريق يزيد بن زريع ورواه أيضا من طريق كهمس عن يزيد بن عبد الله عن أبيه بدون واسطة مطرّف ورواه الحاكم من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن الجريرى عن أبى العلاء عن أبيه بلا واسطة مطرّف أيضا
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ، "فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ بَصَقَ عَلَى الْبُورِيِّ، ثُمَّ مَسَحَهُ بِرِجْلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُهُ "
(ش) (رجال الحديث)
(قوله الفرج بن فضالة) بن النعمان بن نعيم الحمصى أبو فضالة القضاعي. روى عن يحيى بن سعيد وهشام بن عروة وعبد الله بن عامر. وعنه شعبة ووكيع وبقية بن الوليد وقتيبة بن سعيد وكثيرون. ضعفه النسائى وابن المدينى وابن معين والدارقطنى والساجى وابن سعد وقال يحيى بن سعيد والشيخان منكر الحديث وقال الحاكم ليس بالقائم وقال أبو حاتم صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه
(قوله عن أبي سعيد) الحميرى الحمصى. وفي نسخة عن أبي سعد. روى عن واثلة وأبى هريرة. وعنه الفرج بن فضالة. قال ابن القطان لا يعرف. روى له أبو داود
(قوله رأيت واثلة بن الأسقع) ابن كعب بن عامر. أسلم قبل تبوك وشهدها معه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكان من أهل الصفة. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ستة وخمسون حديثا انفرد البخارى بواحد ومسلم بآخر. روى عن أبى هريرة وأبى مرثد الغنوى وأم سلمة وعنه عبد الواحد بن عبد الله وشداد بن عبد الله ومكحول وكثيرون. توفى بدمشق سنة ثلاث وثمانين وهو ابن ثمان وسبعين سنة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله بصق على البورىّ) بضم الموحدة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف
стр. 1128
هو الحصير المتخذ من القصب وهو كل نبات يكون ساقه أنابيب وكعوبا
(قوله لأنى رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفعله) أى كان يبزق على البورىّ ثم يمسحه برجله. وهذا الحديث معارض لما تقدم من أن التفل في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها. والتفل على البورىّ لا يمكن دفنه. ومسحه بالرجل يزيده تلويثا وانتشارا فيزيد الضرر. لكن لا معارضة لأن هذا الحديث فيه فرج بن فضالة وقد ضعفه غير واحد كما تقدم وفيه أيضا أبو سعيد وقد قال ابن القطان لا يعرف بخلاف الحديث المتقدم فإنه صحيح
(باب في المشرك يدخل المسجد)
(ص) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا لَهُ: هَذَا الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَبْتُكَ» فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي سَائِلُكَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
(ش) (قوله الليث) بن سعد
(قوله دخل رجل) هو ضمام بن ثعلبة كما في الرواية الآتية
(قوله فأناخه في المسجد) أى مسجده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (واستنبط) منه ابن بطال طهارة أبوال الإبل وأرواثها إذ لا يؤمن منه ذلك مدّة كونه في المسجد ولم ينكره النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قال) في الفتح دلالته غير واضحة وإنما فيه مجرد الاحتمال. ويدفعه رواية أبى نعيم أقبل على بعير له حتى أتى المسجد فأناخه ثم عقله فدخل المسجد. فهذا السياق يدلّ على أنه ما دخل به المسجد. وأصرح منه رواية ابن عباس عند أحمد والحاكم ولفظها فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل. فعلى هذا في رواية أنس مجاز حذف والتقدير فأناخه في ساحة المسجد أو نحو ذلك اهـ
(قوله ثم عقله) أى شدّ على ساق الجمل حبلا بعد أن ثنى ركبتيه
(قوله متكئ بين ظهرانيهم) أى جالس بينهم على وطاء (قال) الخطابى كل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكئ والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مال على أحد شقيه اهـ وزيدت في ظهرانيهم ألف ونون توكيدا (قال في النهاية) قد تكرّرت هذه اللفظة في الحديث والمراد بها أنهم أقاموه بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم. وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدا ومعناه أن ظهرا
стр. 1129
يعنى جماعة منهم قدّامه وظهرا منهم وراءه فهو مكنوف من جانبيه ومن حواليه إذا قيل بين أظهرهم ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا اهـ
(قوله يا ابن عبد المطلب) نسبه إلى جده لكونه كان مشهورا بين العرب به فإن أباه مات قبل ولادته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنسب إلى جدّه
(قوله قد أجبتك) يعني سمعتك. وكثيرا ما تكنى العرب بمثل هذا عن الإجابة بنعم (وقال) في الفتح إنما لم يقل له نعم لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم لا سيما مع قوله تعالى "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا" والعذر عنه إن قلنا إنه قدم مسلما أنه لم يبلغه النهى وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب وقد ظهرت بعد ذلك في قوله فمشدّد عليك في المسألة وفى قوله في رواية ثابت وزعم رسولك أنك تزعم. ولهذا وقع في أول رواية ثابت عن أنس كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع. زاد أبو عوانة في صحيحه وكانوا أجرأ على ذلك منا. يعني أن الصحابة واقفون عند النهى وأولئك يعذرون بالجهل. وتمنوه عاقلا ليكون عارفا بما يسأل عنه. وظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار بين يدى مسألته لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلا بتلك المخاطبة. وفى رواية ثابت من الزيادة أنه سأله من رفع السماء وبسط الأرض وغير ذلك من المصنوعات ثم أقسم عليه به أنه يصدقه عما يسأل عنه. وكرّر القسم تأكيدا وتقريرا للأمر ثم صرّح بالتصديق فكل ذلك دليل على حسن تصرفه وتمكن عقله فلهذا قال عمر في رواية عن أبى هريرة ما رأيت أحدا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام اهـ
(قوله وساق الحديث) أى ذكر أنس الحديث. وتمامه كما في البخارى يا محمد إنى سائلك فمشدّد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك فقال سل عما بدالك فقال أسألك بربك وربّ من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم فقال رسول الله ﵌ اللهم نعم قال أنشدك بالله آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة قال اللهم نعم قال أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة قال اللهم نعم قال أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم اللهم نعم فقال الرجل آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائى من قومى وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى سعد بن بكر. وكانوا أرسلوه سنة تسع من الهجرة إلى رسول الله ﵌ ليستطلع خبر الرسالة "وقوله فلا تجد عليّ أى لا تغضب من وجد عليه إذا غضب. ولم يذكر الحج في هذه الرواية وقد ذكره مسلم في رواية عن أنس" وقوله آمنت بما جئت به يحتمل أن يكون إنشاء إسلام وأنه لم يكن مسلما وقت قدومه وبه قال القرطبي وجماعة. ويدلّ له ما رواه ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس أن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثعلبة "الحديث" وفيه حتى إذا فرغ قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ويدل له أيضا
стр. 1130
ما في حديث ثابت عن أنس عند مسلم فإن رسولك زعم. فإن الزعم القول الذى لا يوثق به. وعلى هذا يكون الحديث مطابقا للترجمة. ويحتمل أن يكون قوله آمنت إخبارا عن إيمانه السابق. وهو اختيار البخارى ورجحه القاضى عياض. وحضر ضمام ليتثبت ما أخبر به رسول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ففى الطبراني عن كريب عن ابن عباس أتتنا كتبك ورسلك (وقال) الكرمانى ومما يؤيد أنه إخبار أنه لم يسأل عن دليل التوحيد بل عن عموم الرسالة وعن شرائع الإسلام ولو كان إنشاء لطلب معجزة توجب له التصديق "وأطال" ابن حجر في ترويجه. لكن ما ذكروه لا ينهض أن يكون حجة على إيمانه قبل قدومه (فالظاهر) أنه إنشاء كما ذهب إليه الأولون
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز دخول الكافر المسجد إذا كانت له فيه حاجة (واختلف) في ذلك فذهب أبو حنيفة إلى جواز دخول الكتابى مطلقا دون غيره محتجا بما رواه أحمد في مسنده بسند جيد عن جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم "وبه قال" مجاهد وابن محيريز (وقال) عمر بن عبد العزيز وقتادة والمزنى لا يجوز دخوله مطلقا (وقال مالك) لا يجوز دخوله إلا لحاجة (وذهبت) الشافعية إلى أنه يجوز دخول الكافر المسجد بإذن المسلم سواء أكان كتابيا أم غيره إلا مسجد مكة وحرمه. مستدلين بحديث الباب وبما رواه البخارى عن أبى هريرة قال بعث النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سوارى المسجد فخرج إليه رسول الله ﵌ فقال أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من السجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ودلّ الحديث أيضا على جواز الاتكاء في المسجد وعلى مشروعية التعريف بالأوصاف، وعلى جواز الخطاب باسم الجدّ لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم أقرّ الرجل حيث قال له يا ابن عبد الطلب. وعلى عظيم حلمه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومكارم أخلاقه. وعلى مشروعية إجابة السائل وإن تكرّر منه السؤال. وعلى مشروعية تعريف الشخص نفسه لمن لم يعرفه. وعلى مشروعية السفر لطلب العلم، وعلى مشروعية تحصيل العلم بالواسطة لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقرّ الرجل على كل ذلك
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان والنسائى وابن ماجه وأحمد والحاكم
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، ثَنَا سَلَمَةُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ
стр. 1131
ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ: فَقَالَ: أَيُّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ
(ش) غرض المصنف بسياق هذه الرواية بيان الاختلاف الواقع بينها وبين رواية أنس السابقة ففى رواية أنس لم يذكر اسم السائل وقال فأناخه في المسجد وعبر في السؤال باسم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وفي رواية ابن عباس ذكر اسم السائل وقال فأناخ بعيره عند باب المسجد وعبر في السؤال بابن عبد المطلب. وسيأتى بيان وجه الاختلاف
(قوله محمد بن الوليد بن نويفع) بالتصغير الأسدى مولى الزبير بن العوام. روى عن كريب مولى ابن عباس وعبه محمد بن إسحاق. قال الدارقطنى من أهل المدينة يعتبر به وذكره ابن حبان في الثقات روى له أبو داود
(معنى الحديث)
(قوله بعثت بنو سعد) وفي نسخة بعث "وذلك" كان سنة تسع من الهجرة كما صرّح به الحافظ ابن حجر. وجزم به ابن إسحاق وأبو عبيدة خلافا لما جزم به الواقدى من أن قدومه كان سنة خمس من الهجرة
(قوله عند باب المسجد) وفي نسخة على باب المسجد وهذا صريح في أنه أناخ بعيره خارج المسجد فيؤيد ما تقدم من أن قوله فأناخه في المسجد على حذف مضاف
(قوله فذكر نحوه) أى ذكر ابن عباس نحو حديث أنس
(قوله أيكم ابن عبد المطلب الخ) هذا لا ينافى ما تقدم في الحديث السابق من أنه قال أيكم محمد ومن أن المجيب له الصحابة لاحتمال أنه قال أيكم محمد بن عبد المطلب فاقتصر أنس على لفظ أيكم محمد. وابن عباس على لفظ ابن عبد المطلب. ولاحتمال أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أجابه بقوله أنا ابن عبد المطلب اعتناء بشأنه بعد إجابة الصحابة بقولهم هذا الأبيض المتكئ
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ثَنَا رَجُلٌ، مِنْ مُزَيْنَةَ وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " الْيَهُودُ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا تَقُول
стр. 1132
فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا مِنْهُمْ "
(ش) (قوله عبد الرزاق) بن همام و (معمر) بن راشد
(قوله رجل من مزينة) بالتصغير وهو مجهول
(قوله في أصحابه) أي بين جماعة من أصحابه
(قوله ما تقول في رجل وامرأة الخ) أى في شأن رجل وامرأة زنيا. وسيأتى الحديث للمصنف في الحدود إن شاء الله تعالى (وحاصل) القصة أن رجلا وامرأة من اليهود محصنين زنيا فأفتى الأحبار بأنهما يجلدان مائة سوط ويسودان بالفحم ويركبان على حمار مقلوبين ثم بعثوا بنى قريظة للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسألونه عن ذلك وقالوا إن قال لكم مثل ذلك فهو صادق وقوله حجة لنا عند ربنا وإلا فهو كذاب فأتوه فأخبرهم بأنهما يرجمان وفى التوراة كذلك فقالوا إن أحبارنا أخبرونا بأنهما يجلدان فقال جبريل للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هل تعرفون شابا أبيض أعور يقال له ابن صوريا قالوا نعم هو أعلم يهودى على وجه الأرض بما في التوراة قال فأرسلوا إليه فأحضروه ففعلوا فأتاهم فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنت ابن صوريا قال نعم قال وأنت أعلم اليهود قال كذلك يزعمون قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لهم أترضون به حكما قالوا نعم قال له النبيّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنشدك الله الذى لا إله إلا هو الذي فلق البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن قال نعم والذي ذكرتنى به لولا خشيت أن تحرقنى التوراة إن كذبت أو غيرت ما اعترفت فوثب عليه سفلة اليهود فقال أنا خفت إن كذبت أن ينزل علينا العذاب ثم سأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فأجابه عنها فأسلم وأمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالزانيين فرجما عند باب المسجد
(باب المواضع التى لا تجوز فيها الصلاة)
أى وما تجوز فيها الصلاة. ففى الكلام اكتفاء "وبهذا يظهر" مطابقة الحديث الأول للترجمة
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا»
стр. 1133
(ش) (رجال الحديث)
(قوله جرير) بن عبد الحميد. و (الأعمش) هو سليمان ابن مهران
(قوله عبيد بن عمير) بالتصغير فيهما ابن قتادة بن سعيد الليثى أبى عاصم المكي قاضى مكة. روى عن أبيه وعمر وعلى وأبى موسى الأشعرى وأبيّ بن كعب وآخرين، وعنه عطاء ابن أبى رباح وعمرو بن دينار ومجاهد وكثيرون. قال ابن معين وأبو زرعة ثقة وقال العجلي ثقة من كبار التابعين وذكره ابن حبان في الثقات وقال مجاهد نفخر على التابعين بأربعة فذكره فيهم مات سنة أربع أو ثمان وستين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله جعلت لى الأرض طهورا الخ) أى مطهرا عند عدم المقدرة على استعمال الماء قال الله تعالى "وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا" وفى الكلام حذف الواو مع معطوفها أى جعلت لى ولأمتى كما يدلّ عليه رواية مسلم عن حذيفة بن اليمان جعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا وكما في رواية أبى أمامة عند البيهقى أن نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الله قد فضلني على الأنبياء أو قال أمتي على الأمم بأربع جعل الأرض كلها لى ولأمتي طهورا ومسجدا (واحتج أبو حنيفة) بهذا الحديث على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض من رمل وجصّ ونورة وزرنيخ ونحوها (وبه قال مالك) إلا ما كان محروقا (وذهب) الشافعى وأحمد وجماعة إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب خاصة وحملوا المطلق في حديث الباب على المقيد في حديث حذيفة وتقدم بيان ذلك في التيمم مستوفى. وقوله ومسجدا أى موضع صلاة لا تختص منها بموضع دون غيره. ويمكن أن يكون من باب التشبيه البليغ أى جعلت الأرض كالمسجد في جواز الصلاة. وهذا من باب الامتنان على هذه الأمة حيث رخص لها الصلاة في جميع بقاع الأرض إلا ما نهى عن الصلاة فيه إما لنجاسته كالمقبرة والمجزرة والمزبلة أو لمعنى آخر كمعاطن الإبل والحمام وقارعة الطريق كما سيأتي بخلاف الأمم المتقدّمة لأنهم كانوا لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم كما قاله الخطابى وهو الأظهر. ويؤيده ما ذكره في رواية عمرو بن شعيب من قوله وكان من قبلى إنما كانوا يصلون في كنائسهم وما أخرجه البزار من حديث ابن عباس وفيه. لم يكن من الأنبياء أحد يصلى حتى يبلغ محرابه (وقال) القاضى المراد جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا وجعلت لغيرى مسجدا ولم تجعل له طهورا اهـ "وقيل" إنما أبيح لهم في موطن يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأمة فأبيح لها في جميع الأمكنة إلا فيما يتيقنون نجاسته
(فقه الحديث) والحديث يدل على أن الله تعالى اختص هذه الأمة. بجواز التيمم عند الحاجة إليه. وعلى جواز الصلاة في أىّ مكان من الأمكنة الطاهرة
стр. 1134
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى والبيهقى عن جابر بن عبد الله مطولا بلفظ إن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ وأحلت لى الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلى وأعطيت الشفاعة وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة. وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه عن جابر مطولا بنحوه
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ الْمُرَادِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، مَرَّ بِبَابِلَ وَهُوَ يَسِيرُ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَلَمَّا بَرَزَ مِنْهَا أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «إِنَّ حِبِّي صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ نَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَنَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله سليمان بن داود) العتكي الزهرانى. و (ابن وهب) هو عبد الله. و (ابن لهيعة) هو عبد الله بن لهيعة بن عقبة. و (يحيى بن أزهر) المصرى روى عن حجاج بن شدّاد وأفلح بن حميد وعمار بن سعد. وعنه ابن القاسم وابن وهب وبكر ابن مضر وغيرهم، قال الذهبي ثقة وأثنى عليه ابن بكير وقال في التقريب صدوق وذكره ابن حبان في الثقات. توفى سنة إحدى وستين ومائة. روى له أبو داود
(قوله عمار بن سعد) السلهمى روى عن عمر وعقبة بن نافع وأبى صالح الغفارى ويزيد بن رباح وغيرهم. وعنه ابن لهيعة وبكير بن الأشج وحيوة بن شريح ويحيى بن أزهر وطائفة، قال ابن يونس ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. توفى سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له أبو داود، و (المرادى) نسبة إلى مراد قبيلة
(قوله عن أبى صالح) هو سعيد بن عبد الرحمن بن مليك الغفارى. روى عن عليّ وأبى هريرة وعقبة بن عامر. وعنه الحجاج بن شداد وعمار بن سعد، قال العجلي تابعى ثقة وذكره ابن حبان. في الثقات وقال ابن يونس ما أظنه سمع من على. روى له أبو داود
(معنى الحديث)
(قوله مرّ ببابل) أى وهو في بعض أسفاره، وبابل أقدم أبنية العراق ينسب إلى أهلها السحر والخمر. كانت ملوك الكنعانيين وغيرهم يقيمون بها. وبها آثار أبنية من قديم الزمان. ويقال إن أول من سكنها وعمرها نوح ﵊ وكان قد نزلها عقب الطوفان هو ومن كان معه في السفينة لطلب الدفء فأقاموا بها وتناسلوا فيها وكثروا من بعد نوح
стр. 1135
وملكوا عليهم ملوكا وابتنوا بها المدائن واتصلت مساكنهم بدجلة والفرات. وقال أبو المنذر إن مدينة بابل كانت اثني عشر فرسخا في مثل ذلك وكان بابها مما يلي الكوفة وكان الفرات يجرى بها حتى صرفه بختنصر إلى موضعه الآن مخافة أن يهدم سور المدينة
(قوله يؤذنه) أى يعلمه من آذن بالمدّ ويؤذن فسقط في المضارع إحدى الهمزتين
(قوله فلما برز منها الخ) أى خرج من أرض بابل. وهو مرتب على مجذوف أى أن المؤذن جاء يؤذنه بالصلاة فأمره بالانتظار حتى يخرج منها فلما خرج أمر المؤذن فأقام الصلاة الخ
(قوله إنّ حبي) بكسر الحاء المهملة. وفي نسخة حبيبى يعني النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم
(قوله نهاني أن أصلى في المقبرة) بفتح الميم وقد تكسر وبتثليث الموحدة وهى المحلّ الذى يذفن فيه الموتى (وفي الحديث دلالة) على منع الصلاة في المقابر. وقد اختلف في ذلك فذهب أحمد وأصحابه إلى تحريم الصلاة فيها وعدم صحتها. ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها ولا بين أن يفرش عليها شيء يقي من النجاسة أولا ولا بين أن يكون في القبور أو في مكان منفرد عنها كالبيت. وإلى ذلك ذهبت الظاهرية (قال) ابن حزم وبه قال طوائف من السلف فحكى عن خمسة من الصحابة النهي كما ذلك وهم عمر وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس. وقال ما نعلم لهم مخالفا من الصحابة وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعى ونافع بن جبير بن مطعم وطاوس وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم اهـ "وقوله" ما نعلم لهم مخالفا من الصحابة "إخبار" عن علمه وإلا فقد حكى الخطابي في معالم السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة. وحكي أيضا عن الحسن أنه صلى في المقبرة. وقد ذهب إلى تحريم الصلاة على القبر من أهل البيت المنصور بالله والهادوية وصرحوا بعدم صحتها إن وقعت فيها (وفرقت الشافعية) بين المقبرة المنبوشة وغيرها فقالوا إذا كانت منبوشة ومختلطة بلحم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة فإن صلى في مكان طاهر منها أجزأته. وإن كانت غير منبوشة جازت الصلاة مع الكراهة. وإن شك في نبشها ففيها قولان أصحهما تصح مع الكراهة (وذهب الثورى) والأوزاعي وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة ولم يفرقوا بين المنبوشة وغيرها (وذهبت المالكية) إلى جواز الصلاة في المقابر بدون كراهة. وتمسكوا بحديث جعلت لى الأرض طهورا ومسجدا المتقدم. وبما تقدم أيضا في رواية البخارى من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ وحملوا أحاديث النهى عن الصلاة في المقابر على ما إذا كان بها نجاسة (وردّ بأن) حديث جعلت لى الأرض طهورا ومسجدا ونحوه عامّ خصّ بأحاديث النهى عن الصلاة في المقبرة. وهى مطلقة لا دليل على تقييدها بما إذا كان بها نجاسة بل هى وغيرها في ذلك سواء
(قوله فإنها ملعونة) أى ملعون أهلها فوصف الأرض باللعنة باعتبار أهلها وذلك لما ذكره أهل التفسير في قوله تعالى "قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد" من أن نمروذ بن كنعان كان أكبر
стр. 1136
ملوك الأرض في زمن إبراهيم ﵊ وكان من مكره أنه بنى صرحا ببابل ليصعد إلى السماء ويقاتل أهلها في زعمه "قال" ابن عباس كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع "وقال" كعب ومقاتل كان طوله فرسخين فهبت ريح فقصفته وألقت رأسه في البحر وأتاهم الله بزلزال قلعت بنيانهم من قواعده وأساسه فانهدم عليهم وهم تحته فأهلكهم. ولما سقط تبلبلت الألسن من الفزع فتكلموا يومئذ بثلاث وسبعين لسانا فلذلك سميت ببابل (والحديث يدلّ) على أن الصلاة ببابل منهيّ عنها. وهو وإن كان ضعيفا يؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن سفيان عن عبد الله بن شريك عن عبد الله بن أبي المحلّ العامرى قال كنا مع علىّ فمررنا على الخسف الذى ببابل فلم يصلّ حتى أجازه. وعن حجر بن عنيس الحضرمي عن على قال ما كنت لأصلى في أرض خسف الله بها ثلاث مرار. أى قالها ثلاث مرات (قال البيهقى) هذا النهى إن ثبت مرفوعا ليس لمعنى يرجع إلى الصلاة إذ لو صلى فيها لم يعدو إنما هو كما جاء في قضية الحجر اهـ "والحجر مساكن ثمود قوم صالح" (وقال الخطابي) في إسناد هذا الحديث مقال ولا أعلم أحدا من العلماء حرّم الصلاة في أرض بابل وقد عارضه ما هو أصحّ منه وهو قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا. ويشبه أن يكون معناه إن ثبت أنه نهاه أن يتخذ أرض بابل وطنا ودارا للإقامة فتكون صلاته فيها إذا كانت إقامته بها ناقصة "يعنى أن المراد بقوله نهانى أن أصلى ببابل أي أن أقيم فيها فأطلق الملزوم وأراد اللازم" ويخرّج هذا النهى فيه على الخصوص. ألا تراه يقول نهاني. ولعل ذلك إنذار له بما أصابه من المحنة في الكوفة وهي أرض بابل ولم ينتقل أحد من الخلفاء الراشدين قبله من المدينة اهـ وما ذكره بعيد كما قاله الحافظ "وقوله" يعارضه ما هو أصحّ منه "غير مسلم" لأن هذا الحديث على فرض صحته خاصّ وذلك عامّ مخصوص بالمواضع التى نهى عن الصلاة فيها فلا تعارض
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على النهى عن الصلاة في المقابر، وعلى النهى عن الصلاة في أرض بابل، وعلى أن عقوبة المعاصى تجرّ بذيلها على المكان الذى وقعت فيه فيحرم من حصول الخير فيه، وعلى أن الاتصال بأهل الذنوب وبال وحرمان من الرحمة
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، بِمَعْنَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ منها مَكَانَ فَلَمَّا بَرَزَ
(ش) ساق المصنف هذه الرواية لبيان أن شيخ ابن لهيعة ويحيى بن أزهر مختلف وفي
стр. 1137
حديث سليمان شيخهما عمار بن سعد. وفي حديث أحمد بن صالح شيخهما الحجاج بن شدّاد ولا تنافي بينهما لأنهما قد رويا الحديث عن كل منهما. وقد اتفقا في المعنى واللفظ غير أن الحجاج قال في روايته فلما خرج منها بدل قول عمار بن سعد في روايته فلما برز
(قوله الحجاج بن شدّاد) الصنعاني. روى عن أبى صالح الغفارى. وعنه ابن لهيعة وحيوة بن شريح ويحيى بن أزهر. ذكره ابن حبان في الثقات وقال إنه من صنعاء الشام وقال ابن القطان لا يعرف حاله وقال في التقريب مقبول من السابعة. روى له أبو داود هذا الحديث فقط
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، ح وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: -وَقَالَ مُوسَى فِي حَدِيثِهِ فِيمَا يَحْسَبُ عَمْرٌو- إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ»
(ش) (قوله حماد) بن سلمة. و (عبد الواحد) بن زياد
(قوله عن أبيه) هو يحيى بن عمارة
(قوله وقال موسى في حديثه فيما يحسب عمرو الخ) أشار به إلى بيان الاختلاف الواقع في رفع الحديث فرواه مسدد عن عبد الواحد عن عمرو جازما برفعه. ورواه موسى عن حماد عن عمرو غير متيقن رفعه. وهذا هو المشار إليه بقوله فيما يحسب عمر والخ
(قوله الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة) الحمام هو الموضع الذى يغتسل فيه بالحميم وهو في الأصل الماء الحارّ ثم قيل للماء الذى يغتسل به مطلقا (والحديث يدلّ) على منع الصلاة في المقبرة والحمام. أما الصلاة في المقبرة فقد تقدم الكلام. عليها (وأما الحمام) فاختلف العلماء في الصلاة فيه. فذهب أحمد إلى عدم صحة الصلاة فيه أخذا بظاهر الحديث وبه قال أبو ثور والظاهرية. وروى عن ابن عباس أنه قال لا يصلين إلى حشّ "بيت الخلاء" ولا في حمام (قال ابن حزم) لا نعلم لابن عباس في هذا مخالفا من الصحابة اهـ. وروى ذلك عن نافع بن جبير وإبراهيم النخعي وخيثمة والعلاء بن زياد (قال) ابن حزم ولا تحلّ الصلاة في حمام سواء في ذلك مبدأ بابه إلى جميع حدوده ولا على سطحه وسقف مستوقده وأعالى حيطانه خربا كان أو قائما فإن سقط من بنائه شيء يسقط عنه اسم الحمام جازت الصلاة في أرضه حينئذ اهـ
(وذهب الجمهور) إلى صحة الصلاة في الحمام مع الكراهة إن أمنت النجاسة وإلا فلا تصحّ. وهو محمل الحديث عندهم غير أن المالكية قالوا بالجواز من غير كراهة (فائدة) المواضع التى ورد النهى عن الصلاة فيها كثيرة (منها) الثلاثة المذكورة في الباب (ومنها) المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وأعطان
стр. 1138
الإبل وفوق ظهر بيت الله تعالى. يدلّ على هذا ما رواه ابن ماجه والترمذى عن زيد بن جبير عن داود ابن حصين عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفى الحمام وفي أعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله تعالى قال الترمذى إسناده ليس بذاك القوى (ومنها) الصلاة إلى المقبرة وإلى جدار مرحاض عليه نجاسة وفى الكنيسة والبيعة وإلى التماثيل (ومنها) الأرض المغصوبة ومسجد الضرار والصلاة إلى التنور وفى بطن الوادى والصلاة إلى النائم وإلى المتحدّث. وزادت الهادوية كراهة الصلاة إلى المحدث والفاسق والسراج. وزاد الإمام يحيى الجنب والحائض. فيكون الجميع خمسة وعشرين موضعا (وهاك) دليل المنع من الصلاة في هذه المواطن، أما الثلاثة الأول فأدلتها المذكورة في الباب. وأما الخمسة التي تليها فدليلها ما ذكر من حديث زيد بن جبير. وأما الصلاة إلى المقبرة فما رواه الترمذى وسيأتى للمصنف عن أبى مرثد الغنوى قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها وأما الصلاة إلى جدار مرحاض فلحديث ابن عباس نهى عن الصلاة في المسجد تجاه حشّ أخرجه ابن عدى قال العراقي ولم يصحّ إسناده. وروى ابن أبى شيبة في المصنف عن عبد الله ابن عمرو أنه قال لا يصلى إلى الحشّ. وعن على قال لا يصل تجاه حشّ. وعن إبراهيم كانوا يكرهون ثلاثة أشياء فذكر منها الحشّ. وفى كراهة استقباله خلاف بين الفقهاء. وأما الكنيسة والبيعة فروى ابن أبى شيبة في المصنف عن ابن عباس أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تصاوير. وقد رويت الكراهة عن الحسن ولم ير الشعبى وعطاء بن أبى رباح بالصلاة في الكنيسة والبيعة بأسا ولم ير ابن سيرين بالصلاة في الكنيسة بأسا. وصلى أبو موسى الأشعرى وعمر بن عبد العزيز في كنيسة. ولعل وجه الكراهة ما تقدم من اتخاذهم لقبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد لأنها تصير جميع البيع والمساجد مظنة لذلك. وأما الصلاة إلى التماثيل فلحديث عائشة الصحيح أنه قال لها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أزيلى عنى قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لى في صلاتى. وكان لها ستر فيه تماثيل. وأما الصلاة إلى النائم والمتحدّث فلحديث ابن عباس عند أبى داود وابن ماجه بلفظ نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن نصلى خلف النائم والمتحدّث. وأما الصلاة في الأرض المغصوبة فلما فيها من استعمال مال الغير بغير إذنه. وأما الصلاة في مسجد الضرار فقال ابن حزم إنه لا يجزئُ أحدا الصلاة فيه لقصة مسجد الضرار وقوله تعالى "لا تقم فيه أبدا" فصحّ أنه ليس موضع صلاة. وأما الصلاة إلى التنور فكرهها محمد بن سيرين وقال بيت نار رواه ابن أبى شيبة في المصنف. وزاد ابن حزم فقال لا تجوز الصلاة في مسجد يستهزأ فيه بالله أو برسوله أو شيء من الدين أو في مكان يكفر فيه
стр. 1139
بشيء من ذلك (واستدل) على كراهة الصلاة إلى المحدث تحديث ذكره الإمام يحيى في الانتصار بلفظ لا صلاة إلى محدث لا صلاة إلى جنب لا صلاة إلى حائض "وقيل" في الاستدلال على كراهة الصلاة إليه القياس على الحائض وقد ثبت أنها تقطع الصلاة. وأما الفاسق فإهانة له كالنجاسة. وأما السراج فللفرار من التشبه بعبدة النار. والأولى عدم التخصيص بالسراج ولا بالتنور بل إطلاق الكراهة على استقبال النار فيكون التنور والسراج وغيرهما من أنواع النار قسما واحدا. وأما الجنب والحائض فللحديث الذى في الانتصار. ولما في الحائض من قطعها الصلاة (قال) الشوكاني اعلم أن القائلين بصحة الصلاة في هذه المواطن أو في أكثرها تمسكوا في المواطن التي صحت أحاديثها بأحاديث أينما أدركتك الصلاة فصلّ ونحوها وجعلوها قرينة قاضية بصحة تأويل الأحاديث القاضية بعدم الصحة. وقد عرّفناك أن أحاديث النهى عن المقبرة والحمام ونحوها خاصة فتبنى العامة عليها. وتمسكوا في المواطن التى لم تصحّ أحاديثها بالقدح فيها لعدم التعبد بما لم يصحّ. وكفاية البراءة الأصلية حتى يقوم دليل صحيح ينقل عنها لا سيما بعد ورود عمومات قاضية بأن كل موطن من مواطن الأرض مسجد تصح الصلاة فيه. وهذا متمسك صحيح لا بدّ منه اهـ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وابن ماجة والحاكم والشافعى وابن حبان وابن خزيمة والترمذى وقال هذا حديث فيه اضطراب رواه سفيان الثورى عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسلا. ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وكأن رواية الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه أثبت وأصحّ اهـ وقال الدارقطني في العلل المرسل هو المحفوظ اهـ ورجح البيهقي المرسل. لكن هذا غير مسلم فإن الوصل زيادة من ثقة فتقبل. وقد رفعه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى وهو ثقة. وقد تعضد وصله برواية عبد الواحد عن عمرو بن يحيى. قال ميرك: فقد روى الحديث أبو داود مسندا والذى وصله ثقة فلا يضرّه إرساله
(باب النهى عن الصلاة في مبارك الإبل)
وفى بعض النسخ باب ما جاء في النهى عن الصلاة في مبارك الإبل. وفى بعضها باب في الصلاة في مبارك الإبل. والمبارك جمع مبرك بفتح الميم وسكون الموحدة موضع بروك الإبل عند الرجوع من الماء ويستعمل في المكان الذى تكون الإبل فيه بالليل
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
стр. 1140
عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ: «لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ» وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ فَقَالَ: «صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ»
(ش) تقدّم هذا الحديث مطوّلا وشرحه مستوفى في "باب الوضوء من لحوم الإبل" ولا بأس أن نوردها هنا زيادة على ما تقدم في حكمة نهيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة في مبارك الإبل دون مرابض الغنم ما قيل إن الإبل إنما تأوى إلى السهول وتعطن فيها والغنم تبوء وتروح إلى الأرض الصلبة والأرض الرّخوة التى يكثر ترابها وربما كانت فيها النجاسة فلا يتبين موضعها فلا يأمن المصلى أن تكون صلاته فيها على نجاسة. فأما الصلب من الأرض فإنه بارز لا يخفى موضع النجاسة فيه. وزعم بعضهم أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما أراد بمبارك الإبل المواضع التى يحط الناس رحالهم فيها إذا نزلوا المنازل في الأسفار ومن عادة المسافرين أن يكون برازهم بالقرب من رحالهم فتكون هذه الأماكن في الغالب نجسة فقيل لهم لا تصلوا فيها وتباعدوا عنها
(باب متى يؤمر الغلام بالصلاة)
وفى بعض النسخ باب متى يؤمر الصبى بالصلاة. أى في بيان الزمان الذى يؤمر فيه الصبي بالصلاة. والغلام الصغير ذكرا كان أو أنثى وجاء غلامة بالهاء وجمع القلة غلمة وجمع الكثرة غلمان
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى يَعْنِي ابْنَ الطَّبَّاعِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الملك بن الربيع بن سبرة) بن معبد الجهنى. روى عن أبيه وعنه إبراهيم بن سعد وزيد بن الحباب وحرملة بن عبد العزيز وغيرهم. وثقه العجلى وقال ابن معين ضعيف وقال ابن القطان لم تثبت عدالته وإن كان مسلم أخرج له فغير محتجّ به اهـ
стр. 1141
ومسلم إنما أخرج له حديثا واحدا في المتعة متابعة. روى له الجماعة إلا البخارى
(قوله عن أبيه) هو الربيع بن سبرة بن معبد الجهنى المدني. روى عن أبيه ويحيى بن سعيد وعمر بن عبد العزيز. وعنه الزهرى وابناه عبد الملك وعبد العزيز وغيرهم. وثقه العجلي والنسائى وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة إلا البخارى
(قوله عن جدّه) هو سبرة بن معبد ويقال ابن عوسجة بن حرملة بن سبرة بن خديج الجهنى. وفرق ابن حبان بين سبرة بن معبد والد الربيع وبين سبرة بن عوسجة. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسعة عشر حديثا. روى له مسلم حديثا واحدا. روى عنه ابنه الربيع. توفي في خلافة معاوية روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله مروا الصبىّ بالصلاة) أى مروا الصغير ذكرا أو أنثى بأداء الصلاة وعلموه ما تتوقف عليه صحتها من الشروط والأركان وإن بأجر من مال الصبى إن كان له مال وإلا فمن مال الأب وإلا فمن مال الأمّ (قال) النووى وهل يجوز أن يعطى أجرة تعليم ما سوى الفاتحة والفرائض من مال الصبيّ فيه وجهان "أصحهما" يجوز اهـ وأصل مروا ائمروا حذفت الهمزة الثانية للتخفيف والأولى استغناء عنها (وهو خطاب) للأولياء لأن الصغير غير مكلف لحديث رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبيّ حتى يحتلم رواه أحمد والحاكم والمصنف عن علىّ وعمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما
(قوله إذا بلغ سبع سنين) أى وكان مميزا إذ لو كان غير مميز لم تصحّ صلاته. وقيد بالسبع لأن التمييز يحصل بعدها غالبا
(قوله فاضربوه عليها) أى على ترك الصلاة ضربا غير مبرّح، ويضرب عند العشر لأنه قريب من البلوغ حينئذ. وأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للأولياء للوجوب وليس أمرا للصبى لأن الأمر بالأمر بالشئ ليس أمرا به كما هو رأى الجمهور خلافا للمالكية حيث قالوا إن الأمر بالأمر بالشئ أمر بذلك الشئ فالصبى عندهم مأمور بالصلاة ندبا وتكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات. وأوجب الشارع على الولى أن يأمر الصبى بالصلاة ويضربه عليها سواء أكان الولىّ أبا أم جدّا أم وصيا أم قيما من جهة القاضى لقوله تعالى "وأمر اهلك بالصلاة" وقوله تعالى "قوا أنفسكم وأهليكم نارا" وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إن لولدك عليك حقا" رواه مسلم عن عمرو بن العاصى. وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "كلكم راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته" رواه الشيخان (قال) النووى قال الشافعى في المختصر على الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا "قال" أصحابنا ويأمره الولى بحضور الصلوات في الجماعة وبالسواك وسائر الوظائف الدينية ويعرّفه تحريم الزّنا واللواط والخمر والكذب والغيبة وشبهها اهـ
стр. 1142
(وقيل إن) الأمر للوليّ مندوب لا واجب (قال في النيل) لكنه إن صحّ ذلك في قوله مروهم لم يصحّ في قوله واضربوهم لأن الضرب إيلام للغير وهو لا يباح للأمر المندوب "والاعتراض" بأن عدم تكليف الصبى يمنع من حمل الأمر على حقيقته لأن الإجبار إنما يكون على فعل واجب أو ترك محرّم وليست الصلاة بواجبة على الصبى ولا تركها محظورا عليه "مدفوع" بأن ذلك إنما يلزم لو اتحد المحل وهو هنا مختلف فإن محلّ الوجوب الولىّ. ومحلّ عدمه ابن العشر ولا يلزم من عدم الوجوب على الصغير عدمه على الولى اهـ (قال الخطابي) هذا الحديث يدلّ على إغلاظ العقوبة له إذا تركها متعمدا بعد البلوغ. وكان بعض أصحاب الشافعى يحتجّ في وجوب قتله إذا تركها متعمدا بعد البلوغ ويقول إذا استحقّ الصبى الضرب وهو غير بالغ فقد عقل أنه بعد البلوغ يستحق من العقوبة ما هو أشدّ من الضرب وليس بعد الضرب شئ مما قاله العلماء أشدّ من القتل اهـ (قال العينى) هذا استدلال ضعيف لأنا لا نسلم أن الضرب كان عليه واجبا قبل البلوغ حتى يستحق ما هو أشدّ من الضرب وهو القتل بعد البلوغ. ولا نسلم أيضا أن القتل واجب بالذنب للحديث المشهور أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله "الحديث" وأيضا الضرب في نفسه يتفاوت فيضرب بعد البلوغ ضربا مبرّحا حتى يخرج منه الدم ويحبس كما هو مذهب أبى حنيفة. فهذا أشدّ من الضرب المجرد فكيف يقول هذا القائل وليس بعد الضرب شيء مما قاله العلماء أشد من القتل. وأيضا الضرب قبل البلوغ بطريق التأديب وبعده بطريق الزّجر والتعزير فكان هذا أشدّ من الضرب الأول اهـ
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أنه يجب على وليّ الصغير أن يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ويضربه على تركها إذا بلغ عشرا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارقطني والترمذى وقال حسن صحيح وأخرجه البيهقي بلفظ علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين واضربوه عليها ابن عشر
(ص) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ يَعْنِي الْيَشْكُرِيَّ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ سَوَّارٍ أَبِي حَمْزَةَ -قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ سَوَّارُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو حَمْزَةَ الْمُزَنِيُّ الصَّيْرَفِيُّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله مؤمل) بتشديد الميم الثانية المفتوحة بصيغة المفعول
стр. 1143
(ابن هشام) أبو هشام البصرى. روى عن إسماعيل بن علية ويحيى بن عباد وأبى معاوية وجماعة وعنه البخارى وأبو داود والنسائى وأبو حاتم وغيرهم. قال أبو حاتم والنسائى وابن حبان ومسلمة ابن قاسم ثقة وقال أبو حاتم صدوق. مات سنة ثلاث وخسمين ومائتين. و (اليشكرى) نسبة إلى يشكر بن علي بن بكر بن وائل أو يشكر بن مبشر بن صعب أبوي قبيلتين
(قوله إسماعيل) بن علية
(قوله عن سوّار) بتشديد الواو ابن داود (أبي حمزة) المزنى البصرى. روى عن ثابت البنانى وعمرو ابن شعيب وطاوس وعطاء. عنه إسماعيل بن علية ووكيع وابن المبارك وغيرهم. قال أحمد بن حنبل شيخ لا بأس به وقال ابن معين ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئُ. روى له أبو داود و (الصيرفى) بائع الذهب والفضة
(قوله عن أبيه) هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو
(قوله عن جدّه) أى جدّ شعيب وهو عمرو بن العاصى رضي الله تعالى عنه
(معنى الحديث)
(قوله وفرّقوا بينهم في المضاجع) أي المراقد لأنهم إذا بلغوا عشر سنين يقربون من أدنى حدّ البلوغ فتكثر شهواتهم فيخاف عليهم الفساد (وفي هذا دلالة) على أنه يجب على الولىّ أن يفرق بين الصبيان في المضاجع ولو كانوا إخوة وهم أبناء عشر إذا جعل قوله وفرّقوا معطوفا على اضربوا. ويحتمل أنه معطوفا على قوله مروهم فيجب التفريق وهم أنناء سبع. ويؤيده ما رواه البزّار عن أبى رافع قال وجدنا في صحيفة في قراب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد وفاته فيها مكتوب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وفرّقوا بين الغلمان والجوارى والإخوة والأخوات لسبع سنين واضربوا أبناءكم على الصلاة إذا بلغوا أظنه تسع سنين. ويكفى في التفريق أن يكون كلّ واحد في ثوب ولو كانوا تحت غطاء واحد والأكمل أن يجعل لكلّ فراش يخصه، ولا سيما في هذا الزمان الذى غلب فيه الفساد (وقالت) المالكية يكره تلاصقهم ولو بحائل ولو مع قصد اللذّة لأن لذّتهم كلا لذّة. والكراهة تتعلق بهم لأنهم مخاطبون بها وبالمندوب (قال) الأمير والظاهر أن الوليّ إذا اطلع على ذلك يحرم عليه إقرارهم لأنه يجب عليه إصلاحهم اهـ أما تلاصق البالغين فإن كان بالعورة بلا حائل فهو حرام قصدت اللذّة أم لا. وإن كان بالعورة مع الحائل فإن قصدت اللذّة حرم وإلا فلا (وجمع) صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دين الأمر بالصلاة والتفرقة بينهم في المضاجع تأديبا لهم محافظة على حدود الله تعالى وأن لا يقفوا مواقف التهم ويجتنبوا المحارم
(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على وجوب التفرقة بين الصبيان في المراقد إذا بلغوا عشر سنين ليتعودوا الخير ويتباعدوا عن الشرّ. لكن غالب أهل هذا الزمان لم يعملوا على تلك الأوامر الشرعية فانعكس الحال، ونشأ الأولاد على سيئ الفعال، فنسأل الله السلامة والتوفيق للعمل على مقتضى الشريعة المطهرة
стр. 1144
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الحاكم وأحمد والبيهقي والترمذي والدارقطني وكذا البزّار بلفظ تقدّم
(ص) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ سَوَّارٍ الْمُزَنِيُّ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ وَزَادَ فيه: «وَإِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهِمَ وَكِيعٌ فِي اسْمِهِ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: ثَنَا أَبُو حَمْزَةَ سَوَّارٌ الصَّيْرَفِيُّ
(ش) (قوله بإسناده ومعناه الخ) أي سند ومعنى الحديث المتقدم لكن زاد وكيع ابن الجرّاح في روايته وإذا زوّج أحدكم جاريته لعبده أو أجيره فلا يحلّ له أن ينظر من أمته إلى ما بين السرّة والرّكبة لأنها حرمت عليه حينئذ. ويؤيده ما سيأتي للمصنف في باب قول الله "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا زوّج أحدكم عبده أمته فلا ينظر إلى عورتها. وقيل إن الضمير في قوله فلا ينظر عائد على الخادم الشامل للذكر والأنثى. والمراد هنا الأمة. والمعنى عليه إذا زوّج السيد عبده أو أجيره أمته فلا يجوز للأمة أن تنظر إلى ما بين ركبة سيدها وسرّته لأن ذلك محرّم عليها حينئذ. ويؤيد هذا رواية الدارقطني من طريق النضر بن شميل عن سوّار بن داود عن عمرو بن شعيب بلفظ وإذا زوّج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا تنظر الأمة إلى شيء من عورته فإن ما تحت السرّة إلى الرّكبة من العورة. ومفهومه أنه يجوز له النظر إلى غير ذلك إلا إذا كان بشهوة فلا يجوز
(قوله وهم وكيع في اسمه الخ) أي في اسم شيخه فقال داود بن سوّار. والصواب أنه سوّار بن داود كما تقدّم ويؤيده قول المصنف وروى عنه الخ أي روى أبو داود سليمان بن داود الطيالسي فقال حدثنا أبو حمزة سوار الصيرفي كما قال إسماعيل بن علية، وقد تابعهما النضر بن شميل وعبد الله بن بكر فقالا حدثنا أبو حمزة الصيرفي وهو سوّار بن داود كما في الدارقطني (وقد دلت) هذه الرواية زيادة على ما تقدم على أنه لا يجوز للسيد أن ينظر إلى عورة أمته إذا كانت متزوّجة بعبده أو أجيره وكذا غيرهما. وهذه الرواية أخرجها الدارقطني من طريق النضر بن شميل كما تقدم وأخرج المصنف ما زاده وكيع في هذه الرواية في باب قول الله "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ" من كتاب اللباس
стр. 1145
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أخبرني هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ الْجُهَنِيُّ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: مَتَى يُصَلِّي الصَّبِيُّ، فَقَالَتْ: كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ، فَمُرُوهُ بِالصَّلَاةِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله معاذ بن عبد الله بن خبيب) بالتصغير الجهني المدني روى عن أبيه وابن عباس وجابر بن عبد الله وجابر بن أسامة وغيرهم. وعنه أسامة بن زياد وعثمان بن مرّة وزيد ابن أسلم وآخرون. قال أبو داود وابن معين ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطنى ليس بذاك وقال ابن حزم مجهول. مات سنة ثمانى عشرة ومائة. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله قال دخلنا الخ) أى قال هشام بن سعد دخلنا على معاذ بن عبد الله فسأل معاذ امرأته عن الوقت الذى يصلى فيه الصبى فقالت امرأة معاذ كان رجل منا الخ قال ابن القطان لا تعرف هذه المرأة ولا الرجل الذى روت عنه الوقت الذى يؤمر فيه الصبي بالصلاة ولعلّ الرجل المبهم صحابى فإبهامه لا يضرّ لأن الصحابة كلهم عدول
(قوله إذا عرف يمينه من شماله) أى إذا ميز بينهما. ويحصل التمييز للصبى إذا كان ابن سبع سنين غالبا وإلا فقد يحصل قبل ذلك لأنه يختلف باختلاف ذكاء الصبي وبلادته فكم من صبى عمره خمس سنين أو أكثر من ذلك بقليل يعرف ذلك وكم من صبي عمره عشر سنين أو أقل من ذلك بقليل لا يعرفه
(فائدة) إذا بلغ الصبى في أثناء الوقت وقد صلى لزمه إعادة الصلاة دون الطهارة عند أبى حنيفة ومالك وأحمد. وقال داود يلزمه إعادة الطهارة والصلاة. وقالت الشافعية لا يلزمه إعادة الصلاة بل تستحب. وقيل تجب قلّ الباقي من الوقت أم كثر. وقيل إن بقى من الوقت ما يسع تلك الصلاة بعد بلوغه وجبت وإلا فلا. ومشهور المذهب الأول أنه إذا بلغ أثناء الصلاة بالسنّ ونحوه مما لا يبطل الوضوء يخرج عن شفع إن ركع واتسع الوقت وإلا قطع وابتدأها فرضا عند المالكية. وعند الشافعية ثلاثة أقوال. الصحيح الذى عليه الجمهور أنه يلزمه إتمامها ويعيد استحبابا وقيل يستحب الإتمام وتجب الإعادة. وقيل إن بقي من الوقت ما يسع تلك الصلاة وجبت الإعادة وإلا فلا (وقال) أحمد يلزمه إتمامها وإعادتها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى والطبرانى عن أبى معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه قال ابن صاعد إسناده حسن غريب
стр. 1146
ولما فرغ من بيان المواقيت التى هي سبب وقت الصلاة شرع في بيان الأذان فقال
(باب بدء الأذان)
أى في بيان سبب بدء الأذان، وهو اسم مصدر أذن يؤذن قال في المصباح أذن المؤذن بالصلاة أعلم بها "قال" ابن برّى وقولهم أذن العصر بالبناء للفاعل خطأ والصواب أذن بالعصر بالبناء للمفعول مع حرف الصلة. والأذان لغة الإعلام بالشئ. وشرعا إعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. وهو مشروع للصلوات الخمس بالإجماع. وسبب مشروعيته ما ذكر في الحديث وقدّم عليه بيان المواقيت لما فيها من معنى السببية. وكان بدء مشروعية الأذان بالمدينة على ما هو الصحيح لما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر قال كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلوات ليس ينادى للصلاة فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم اتخذوا ناقوسا الخ وفيه فقال عمر أولا تبعثوا رجلا ينادى بالصلاة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قم يا بلال فناد بالصلاة. ولما في روايات الباب من أنه رواه عبد الله بن زيد وهو من الأنصار (وقد وردت) أحاديث تدلّ على أنه شرع بمكة قيل الهجرة (منها) ما رواه الطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال لما أسرى بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أوحى الله إليه الأذان فنزل به فعلمه بلالا وفى إسناده طلحة بن زيد وهو متروك (وما رواه) الدارقطني في الأطراف من حديث أنس أن جبريل أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالأذان حين فرضت الصلاة وإسناده ضعيف أيضا (وما رواه) ابن مردويه من حديث عائشة مرفوعا لما أسرى بى أذن جبريل فظنت الملائكة أنه يصلى بهم فقدمنى فصليت وفيه من لا يعرف
(وما رواه البزّار) وغيره من حديث عليّ قال لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل بدابة يقال لها البراق فركبها "فذكر الحديث" وفيه إذ خرج ملك من وراء الحجاب فقال الله أكبر الله أكبر وفى آخره ثم أخذ الملك بيده فأمّ بأهل السماء وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود وهو متروك أيضا. والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث (وقد جزم) ابن المنذر بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلى بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة وإلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثم حديث عبد الله بن زيد (وقد حاول) السهيلى الجمع بينهما فقال بانيا على صحة الحكمة في مجئ الأذان على لسان الصحابى إن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سمعه فوق سبع سماوات وهو أقوى من الوحى فلما تأخر الأمر بالأذان عن فرض الصلاة وأراد إعلامهم بالوقت فرأى الصحابى المنام فقصها فوافقت ما كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سمعه فقال إنها لرؤيا حقّ وعلم حينئد أن مراد
стр. 1147
الله تعالى بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض. وتقوّى ذلك بموافقة عمر لأن السكينة تنطق على لسانه اهـ من الفتح
(ص) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتَّلِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، وَحَدِيثُ عَبَّادٍ أَتَمُّ، قَالَا: ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ زِيَادٌ: نَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: اهْتَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا، فَقِيلَ لَهُ: انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ -يَعْنِي الشَّبُّورَ وَقَالَ زِيَادٌ: شَبُّورُ الْيَهُودِ- فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: «هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ» قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ، فَقَالَ: «هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى» فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَأُرِيَ الْأَذَانَ فِي مَنَامِهِ، قَالَ: فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ، إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأَرَانِي الْأَذَانَ، قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَدْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا، قَالَ: ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي؟ »، فَقَالَ: سَبَقَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «يَا بِلَالُ، قُمْ فَانْظُرْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، فَافْعَلْهُ» قَالَ: فَأَذَّنَ بِلَالٌ.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله الختلى) بضم الخاء المعجمة وتشديد المثناة الفوقية المفتوحة نسبة إلى ختل ناحية واسعة كثيرة المدن وراء النهر. وبعضهم ينسبها إلى بلخ وهو خطأ لأنها خلف جيحون
(قوله عن أبي بشر) هو جعفر بن أبي وحشية
(قوله قال زياد الخ) أى قال زياد بن أيوب في روايته حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر. وأما عباد فقال حدثنا هشيم عن أبي بشر فزياد صرح بحديث هشيم بن بشير عن أبي بشر فارتفعت مظنة التدليس عن هشيم
(قوله عن
стр. 1148
أبى عمير) هو عبد الله بن أنس بن مالك الأنصارى. روى عن عمومة له من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه أبو بشر. قال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن عبد البرّ مجهول لا يحتجّ به ووثقه ابن المنذر وابن حزم روى أبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله عن عمومة له) هي جمع عمّ كالبعولة لم تعرف أسماؤهم
(معنى الحديث)
(قوله قال اهتمّ النبى ﵌ الخ) أى قال المحدّث أبا عمير من العمومة قام النبي ﵌ بشأن الصلاة وعزم على على أن يعمل ما يسهل به اجتماع الناس لها. يقال اهتمّ الرجل بالأمر قام به وهمّ بالأمر يهمّ عزم عليه فقال بعض الصحابة للنبي ﵌ انصب راية بكسر الصاد المهملة من باب ضرب. والراية العلم فإذا رأى المسلمون الراية آذن بمدّ الهمزة أى أعلم بعضهم بعضا بدخول وقت الصلاة فلم يرض صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بنصب الراية لأنه لا تحصل به الثمرة المقصودة على العموم مع السهولة لأن الإعلام بنصب الراية يختص بمن رآها وهو نادر. أما المشتغلون بأعمالهم فلا يعلمون إلا بإخبار أو سماع
(قوله فذكر له القنع) بضم القاف وسكون النون هو الشبور كما قال المصنف. ويقال له البوق كما في رواية البخارى. والقرن كما في رواية مسلم وهو ما ينفخ فيه ليخرج منه صوت مرتقع (قال في النهاية) هذه اللفظة "يعني القنع" قد اختلف في ضبطها فرويت بالباء والتاء والثاء والنون وأشهرها وأكثرها النون (قال الخطابى) قد سألت عنه غير واحد من أهل اللغة فلم يثبتوه لى على شيء واحد. فإن كانت الرواية بالنون صحيحة فلا أراه سمى إلا لإقناع الصوت وهو رفعه يقال أقنع الرجل صوته ورأسه إذا رفعه ومن يريد أن ينفخ في البوق يرفع رأسه وصوته (قال) الزمخشرى أو لأن أطرافه أقنعت إلى داخله أى عطفت. وأما القبع بالباء المفتوحة فلا أحسبه سمى به إلا لأنه يقبع فم صاحبه أى يستره يقال قبع الرجل رأسه في جيبه إذا أدخله فيه (قال الخطابى) سمعت أبا عمر الزاهد يقول هو القثع بالثاء المثلثة. ولم أسمعه من غيره. ويجوز أن يكون من قثع في الأرض قثوعا إذا ذهب فسمى به لذهاب الصوت منه. وقد روى القتع بتاء بنقطتين وهو دود يكون في الخشب الواحدة قتعة. ومدار هذا الحرف على هشيم وكان كثير اللحن والتحريف على جلالة محله من الحديث اهـ. من النهاية ملخصا. وقال في القاموس القنع بالضم الشبور وليس بتصحيف قبع ولا قثع بل ثلاث لغات اهـ
(قوله وقال زياد الخ) أى قال زياد بن أيوب أحد شيخى المصنف في روايته مفسرا القنع بشبور اليهود بالإضافة
(قوله فذكر له الناقوس) أى ذكر بعض الصحابة للنبي ﵌ الناقوس وهو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها تجعله النصارى علامة على أوقات صلاتهم. وهذا كان أوّلا أما الآن فالناقوس هو المعروف بالجرس
(قوله فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتمّ لهمّ رسول الله
стр. 1149
صلى الله عليه وآله وسلم الخ) أى انصرف عبد الله بن زيد والحال أنه مهتمّ بما يتخذونه لجمع الناس للصلاة لاهتمامه ﵌ بذلك فأراه الله الأذان في نومه فذهب وقت الغداة إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبره بما رآه فقال إني لبين نائم ويقظان أى أنه كان نائما نوما خفيفا إذ أتاني من أعلمنى كلمات الأذان وكان عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رأى الأذان قبل رؤيتى له فكتمه عشرين يوما. ولعله إنما كتمه هذه المدّة انتظارا لنزول الوحى به على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله قال ثم أخبر الخ) أى قال عبد الله ابن زيد ثم أخبر عمر النبى ﵌ بعد أن سمع صوت بلال وهو يؤذن وخرج يجرّ رداءه كما في الرواية الآتية، وقوله سبقني الخ هو على التقديم والتأخير أى قال عمر استحييت من الإخبار فسبقنى عبد الله بن زيد فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا بلال قم. وخصّ بلال بذلك دون غيره لأنه حينما كان يعذّب ليرجع عن الإسلام كان يقول أحد أحد فجوزى بولاية الأذان المشتمل على التوحيد في البداية والنهاية. ولانه كان أرفع صوتا من عبد الله بن زيد كما في الحديث بعد (قال) النووى المراد بقوله قم أى اذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس. قال وليس فيه تعرّض للقيام في حال الأذان اهـ (قال) الحافظ وما نفاه ليس ببعيد من ظاهر اللفظ فإن الصيغة محتملة للأمرين وإن كان ما قاله أرجح (ونقل عياض) أن مذهب العلماء كافة أن الأذان قاعدا لا يجوز إلا أبا ثور ووافقه أبو الفرج المالكي "وتعقب" بأن الخلاف معروف عند الشافعية. وبأن المشهور عند الحنفية كلهم أن القيام سنة وأنه لو أذن قاعدا صحّ "والصواب" ما قاله ابن المنذر من انهم اتفقوا على أن القيام من السنة اهـ
(قوله فانظر ما يأمرك به الخ) أى تنبه لما يلقيه عليك عبد الله بن زيد فأذن به فقام بلال فألقى عليه عبد الله الأذان فأذن بما ألقاه إليه (وظاهر) الحديث يدلّ على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بالأذان مستندا إلى رؤيا عبد الله بن زيد ورؤيا غير الأنبياء لا تؤمن من الخطأ فلا يبنى عليها حكم شرعيّ (ويجاب بأن) استناده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى رؤيا عبد الله ظاهرىّ وفي الواقع هو مستند إلى الوحى لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا ينطق عن الهوى "فقد جاء" الوحى مقارنا للرؤيا. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق وأبو داود في المراسيل من طريق عبيد بن عمير الليثى أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر به النبى ﵌ فوجد الوحى قد ورد بذلك فما راعه إلا أذان بلال فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبقك بذلك الوحي وروى أن الأذان رآه جمع من الصحابة غير عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب "ففى الأوسط" للطبراني أن أبا بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رآه "وفي الأوسط" للغزالى أنه رآه بضعة عشر رجلا (قال) ابن حجر ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد. وقصة عمر جاءت في بعض طرقه اهـ
стр. 1150
(ص) قَالَ أَبُو بِشْرٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو عُمَيْرٍ، أَنَّ الْأَنْصَارَ تَزْعُمُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ، لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ مَرِيضًا لَجَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مُؤَذِّنًا
(ش) غرض المصنف بذكره بيان أن الأنصار زعموا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما أمر بلالا بالأذان دون عبد الله بن زيد لأن هذا كان مريضا ضعيفا لا يقدر على الأذان ولولا ذلك لجعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مؤذنا. وهذا ظنّ منهم. والمعوّل عليه أنه إنما خصّ بلالا لأنه كان أرفع صوتا من عبد الله بن زيد ولو كان كما ظنوا لجعله النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مؤذنا بعد ما برئ من مرضه
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب الاهتمام بأمور الدين، وعلى مشروعية التشاور في الأمور المهمة وإبداء المرءوس ما عنده من الرأى إلى الرئيس فيما يراه مصلحة، وعلى أن المطلوب مخالفة أهل الباطل في أعمالهم، وعلى طلب مبادرة من رأى مصلحة إلى إخبار الرئيس بها. وعلى أن رؤيا المؤمن حقّ، وعلى أن غير النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد يطلع في المنام على مراد الحقّ تعالى. لكن لا يكلف الناس به حتى يقرّره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلى مشروعية الأذان للصلوات المكتوبة (واختلف) في حكمه "فذهبت" المالكية إلى أنه سنة كفاية لجماعة طلبت غيرها بكل مسجد وبكل موضع جرت العادة بالاجتماع فيه وقالوا بوجوبه كفائيا في المصر (وذهبت) الحنفية والشافعية إلى أنه سنة للمنفرد والجماعة سفرا وحضرا (وذهبت) الحنابلة إلى أنه فرض كفاية للصلوات الخمس المؤداة دون غيرها للرجال جماعة في الأمصار والقرى وغيرهما حضرا (وقال) ابن المنذر هو فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر (وقال) داود هو فرض لصلاة الجماعة وليس بشرط لصحتها (وقال) المحاملى قال أهل الظاهر هو واجب لكل صلاة. واختلفوا في اشتراطه لصحتها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى من طريق المصنف
(باب كيف الأذان)
أى في بيان صفة الأذان وكذا الإقامة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، ثَنَا يَعْقُوبُ، ثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ،
стр. 1151
حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ، قَالَ: وَتَقُولُ: إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أُرِيَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن منصور) بن داود بن إبراهيم أبو جعفر العابد سكن بغداد. روى عن يعقوب بن إبراهيم وروح بن عبادة وإسماعيل بن علية وابن عيينة وكثيرين وعنه أبو داود والنسائي وأبو حاتم وابن خزيمة وطائفة. قال النسائى ومسلمة وابن حبان ثقة
стр. 1152
وقال أحمد لا أعلم عنه إلا خيرا وقال ابن أبى داود كان من الأخيار. مات سنة أربع أو ست وخمسين ومائتين وله ثمانون سنة. و (الطوسى) نسبة إلى طوس مدينة بخراسان بينها وبين خراسان عشرة فراسخ
(قوله يعقوب) بن إبراهيم بن سعد
(قوله محمد بن عبد الله بن زيد ابن عبد ربه) الأنصارى الخزرجى. روى عن أبيه وأبى مسعود. وعنه أبو سلمة ونعيم بن عبد الله ومحمد بن إبراهيم التيمى وغيرهم. قال العجلى تابعى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. ولد في عهد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. روى له الجماعة
(قوله عبد الله بن زيد) بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد الأنصارى الخزرجى أبو محمد المدني. شهد العقبة وبدرا والمشاهد وهو الذى أرى النداء للصلاة في النوم وكانت رؤياه في السنة الأولى بعد بناء المسجد. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابنه محمد وسعيد بن المسيب وابن أبى ليلى وجماعة (قال) البخارى وابن عدى لا يعرف له إلا حديث الأذان اهـ قال الحافظ قد وجدت له أحاديث غير الأذان جمعتها في جزء. واغترّ الأصبهانى بالأول فجزم به وتبعه جماعة فوهموا. وفى ترجمة عمر بن عبد العزيز من الحلية بسند صحيح عن عبيد الله بن عمر العمرى قال دخلت ابنة عبد الله ابن زيد بن عبد ربه على عمر بن عبد العزيز فقالت أنا ابنة عبد الله بن زيد شهد أبى بدرا وقتل بأحد فقال سليني ما شئت فأعطاها وقال على بن المدينى بسنده عن محمد بن عبد الله بن زيد مات أبى سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع وستين وصلى عليه عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
(معنى الحديث)
(قوله لما أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالناقوس يعمل) وفى رواية ابن ماجه وأمر بالناقوس فنحت "ولا منافاة" بين هذه الرواية وما تقدم من قوله هو من أمر النصارى، وما في رواية ابن ماجه من قوله فكرهه من أجل النصارى "لأن ذلك" كان ابتداء ولما اضطرّ إلى اتخاذ شيء يجمع الناس به للصلاة أمر أن يعمل فأرى عبد الله بن زيد الأذان "ولا يقال" إن الأمر في الحديث بمعنى الإرادة "لأنه لا يصحّ" أن يريد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعلا يكرهه ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اختار ناقوس النصارى لأنهم أكثر طواعية له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومودّة إليه من اليهود قال تعالى "لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى"
(قوله طاف بى وأنا نائم) أى ألمّ بى طائف حال النوم يقال طاف به الخيال طوفا ألمّ به في النوم
(قوله أفلا أدلك) الهمزة للاستفهام داخلة على محذوف أى أترغب فيما تجمع به الناس للصلاة فلا أدلك فالهمزة مقدمة من تأخير أى فألا أدلك
(قوله قال فقال الخ) أى قال عبد الله بن زيد قال الرجل الذى يحمل الناقوس تقول الله أكبر الخ أى أكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته. أو من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله. أو أكبر من كل شيء فأفعل التفضيل على بابه على تقدير من. ويحتمل
стр. 1153
أن أفعل التفضيل على غير بابه فيكون أكبر بمعنى كبير (قال) ابن الهمام إن أفعل وفعيلا في صفاته تعالى سواء لأنه لا يراد بأكبر إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء فكان أفعل بمعنى فعيل اهـ وابتدأ الأذان بالتكبير لأن في لفظة الله أكبر مع اختصارها إثبات الذات وسائر ما يستحقه الله تعالى من الكمالات (وقال) في المرقاة ولأن هذا الذكر مما يستحب أن يقال في كل مقام عال والغالب أن الأذان يكون في مكان مرتفع. ولعلّ وجه تكريره أربعا إشارة إلى أن هذا الحكم جار في الجهات الأربع وسار في تطهير شهوات النفس الناشئة عن طبائعها الأربع اهـ
(قوله أشهد أن لا إله إلا الله الخ) أى أعتقد أنه لا معبود بحقّ في الوجود إلا الله وأعتقد أن محمدا رسول الله
(قوله حىّ على الصلاة الخ) أى أقبلوا على الصلاة والفوز فحىّ اسم فعل أمر مبنيّ على فتح الياء المشددة. والفلاح الفوز يقال أفلح الرجل إذا فاز
(قوله قال ثم استأخر عني الخ) أى قال عبد الله بن زيد ثم تأخر عني هذا الرجل قليلا بعد أن علمني الأذان ثم قال إذا أردت إقامة الصلاة تقول الله أكبر الخ (قال) الخطابى وهو يدلّ على أن المستحب أن تكون الإقامة في غير موقف الأذان اهـ وفيه إشارة أيضا إلى أنه يطلب الفصل بين الأذان والإقامة
(قوله إنها لرؤيا حق) أى صادقة. وحكم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بصدق هذه الرؤيا لما تقدم من أن عمر لما رأى الأذان في المنام أتى ليخبر به النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبقك بذلك الوحى فهذا يؤيد أنه قيل للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند قصة رؤيا عبد الله بن زيد أنفذها فأنفذها
(قوله فألق عليه الخ) أى أمل على بلال ما رأيته ليؤذن به فإنه أندى صوتا منك. وفى رواية الترمذى فإنه أندى وأمدّ صوتا منك أى أرفع. وقيل أحسن وأعذب (قال الخطابى) فيه دليل على أن كل من كان أرفع صوتا كان أولى بالأذان لأن الأذان إعلام وكل من كان الإعلام بصوته أرفع كان به أحق وأجدر اهـ
(قوله فجعلت ألقيه عليه) أى صرت ألقى الأذان على بلال وألقنه له
(قوله فخرج يجرّ رداءه) وفى رواية الترمذى يجرّ إزاره. والمراد بالإزار الرّداء لأن الإزار لا بدّ أن يكون مربوطا وإلا ينكشف صاحبه
(قوله مثل ما أرى) بضم الهمزة على صيغة المجهول ونائب الفاعل ضمير يعود على عبد الله بن زيد والأصل أراه الله تعالى. وفي نسخة مثل ما رأى بصيغة المعلوم. ولعلّ هذا القول صدر منه بعد ما حكى عبد الله بن زيد رؤياه أو كان ذلك مكاشفة له رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وهو ظاهر العبارة (وفى الحديث دلالة) على تربيع التكبير في أول الأذان وقد ذهب إلى ذلك الشافعى وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء محتجين بهذا الحديث وبحديث أبى محذورة الآتي. وبأن التربيع عمل أهل مكة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم (وذهب مالك) وأبو يوسف وزيد بن على والصادق
стр. 1154
والهادى والقاسم إلى تثنيته محتجين بما وقع في بعض روايات حديث عبد الله بن زيد وهو ما رواه الصنف عن معمر ويونس عن الزهرى من عدم التربيع. وبأن التثنية عمل أهل المدينة وهم أعرف بالسنن. وبحديث أبى محذورة الآتى من طريق إبراهيم بن إسماعيل ومن طريق زياد بن يونس وبما رواه مسلم عنه وفيه أن التكبير مثنى فقط (قال في النيل) الحق أن روايات البربيع أرجح لاشتمالها على الزيادة وهى مقبولة لعدم منافاتها وصحة مخرجها اهـ وفيه دلاله على تثنية الشهادتين وأن لا ترجيع فيهما وإلى ذلك ذهب الكوفيون والهادوية والناصر والحنفية وقالوا لا يستحب الترجيع تمسكا بظاهر هذا الحديث وقالوا إن أكثر الروايات لا ترجيع فيها ولم يكن الترجيع في أذان بلال رئيس المؤذنين ولا في أذان ابن أم مكتوم وهما كانا مؤذنين له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بل ذكر الترجيع ليس إلا في حديث أبى محذورة الآتي (وأجابوا) عنه بما قاله الطحاوى من أنه يحتمل أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يمدّ بذلك صوته كما أراده النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إرجع فامدد من صوتك. وبما قاله ابن الجوزى في التحقيق من أن أبا محذورة كان كافرا فلما أسلم ولقنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأذان أعاد عليه الشهادة وكرّرها لتثبت عنده ويحفظها ويكرّرها على أصحابه المشركين فإنهم كانوا ينفرون منها خلاف نفورهم من غيرها فلما كرّرها عليه ظنها فمن الأذان. لكن يردّ هذا كله ما ذكر في الحديث من قوله قلت يا رسول الله علمنى سنة الأذان وقوله تقول أشهد أن لا إله إلا الله تخفض بها صوتك م ترفع صوتك بها فجعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من سنة الأذان. والترجيع في اللغة الترديد. وفى الاصطلاح العود إلى الشهادتين مرّتين مرّتين برفع الصوت بعد قولهما مرّتين مرّتين بخفضه (وذهب) الشافعى ومالك وأحمد وجمهور العلماء إلى أن الترجيع مشروع في الأذان لحديث أبي محذورة الآتى بعده وهو حديث صحيح مشتمل على زيادة غير منافية فيجب قبولها. وهو متأخرّ عن حديث عبد الله بن زيد (قال) النووى في شرح مسلم إن حديث أبى محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر اهـ والترجيع مندوب عند المالكية وسنة عند الحنابلة والشافعية على المذهب الصحيح عندهم فلو تركه عمدا أو سهوا صحّ أذانه وفاتته الفضيلة (وقد ذهب) جماعة من المحدّثين وغيرهم إلى التخيير بين فعل الترجيع وتركه. والصواب إثباته (والحاصل) أن تربيع التكبير وتثنيته والترجيع وتركه في الأذان ثابت في السنة فمن شاء ربع ومن شاء ثني ومن شاء رجع ومن شاء ترك. واختلاف الروايات في هذا كاختلاف القراءات
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية الأذان والإقامة للصلاة، وعلى أن المطلوب في الأذان رفع الصوت، وعلى مشروعية حمد الله تعالى عند حصول الخير، وعلى مشروعية تربيع
стр. 1155
التكبير في الأذان وتثنية باقى ألفاظه ما عدا لا إله إلا الله. وعلى مشروعية تثنية التكبير ولفظ قد قامت الصلاة في الإقامة وإفراد باقى ألفاظها، وعلى عدم مشروعية الترجيع في الأذان وعلى أنه يطلب الترتيب في الأذان والإقامة فإذا أتى بكلمة في غير موضعها أعادها في محلها ومشهور مذهب مالك أنه يستأنف
(فائدة) قال القاضى عياض إن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان مشتمل على نوعيه من العقليات والسمعيات. فأوّله إثبات الذّات وما تستحقه من الكمال والتتزيه عن أضدادها وذلك بقوله "الله أكبر" وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه. ثم صرّح بإثبات الوحدانية ونفى ضدّها من الشركة المستحيلة في حقه . وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدّمة على كل وظائف الدين. ثم صرّح بإثبات النبوّة والشهادة بالرسالة لنبينا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية. وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع وتلك المقدّمات من باب الواجبات. وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه . ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات فدعا إلى الصلاة وعقبها بعد إثبات النبوّة لأن معرفة وجوبها من جهة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا من جهة العقل. ثم دعا إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء وهي آخر تراجم عقائد الإسلام ثم كرّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها وهو متضمن لتأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان وليدخل المصلى فيها على بينة من أمره وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظمة حق من يعبده وجزيل ثوابه اهـ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والبيهقى وأحمد والدارمى والترمذى وقال حسن صحيح قال محمد بن يحيى الذهلى ليس في أخبار عبد الله ابن زيد أصحّ من حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمى لأن محمدا قد سمع من أبيه عبد الله بن زيد اهـ وقال ابن خزيمة حديث صحيح ثابت من جهة النقل لأن محمدا سمع من أبيه وابن إسحاق سمع من التيمى وليس هذا مما دلسه
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَالَ: فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَقَالَ مَعْمَرٌ، وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَمْ يُثَنِّيَا
стр. 1156
(ش) أى كما روى محمد بن إبراهيم بن الحارث عن محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه عبد الله بن زيد رواه محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى عن سعيد بن المسيب عن عبد الله ابن زيد بتربيع التكبير أول الأذان وبتثنيته في الإقامه وبإفراد كل ألفاظها غير جملة قد قامت الصلاة. وحديث الزهرى أخرجه أحمد في مسنده عن محمد بن إسحاق عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال لما أجمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يضرب بالناقوس وهو له كاره لموافقته النصارى طاف بى من الليل طائف وأنا نائم رجل عليه ثوبان أخضران "الحديث" وأخرجه الحاكم من هذا الطريق وقال هذه أمثل الروايات في قصة عبد الله بن زيد لأن سعيد بن المسيب قد سمع من عبد الله بن زيد ورواه يونس ومعمر وشعيب وابن إسحاق عن الزهرى. ومتابعة هؤلاء لمحمد بن إسحاق عن الزهري ترفع احتمال التدليس الذى تحتمله عنعنة ابن إسحاق
(قوله وقال فيه ابن إسحاق عن الزهرى الخ) الغرض منه بيان الاختلاف على الزهرى في التكبير الأول في الأذان فرواه محمد بن إسحاق عنه مربعا ورواه معمر ويونس عنه بلا تربيع بل بذكره مرّتين. وقوله لم يثنيا يعنى لم يذكرا الله أكبر الله أكبر مرّتين تنزيلا لهاتين الجملتين منزلة الجملة الواحدة
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي سُنَّةَ الْأَذَانِ؟ ، قَالَ: فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِي، قَالَ: " تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَإِنْ كَانَ صَلَاةُ الصُّبْحِ قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ".
(ش) (رجال الحديث)
(قوله الحارث بن عبيد) الأيادى أبو قدامة البصري. روى عن ثابت البنانى وأبى عمران الجونى ومالك بن دينار وآخرين. وعنه ابن المبارك ومسدد وزيد
стр. 1157
ابن الحباب وسعيد بن منصور. قال ابن مهدى كان من شيوخنا وما رأيته إلا جيدا وقال أحمد مضطرب الحديث وقال ابن حبان كان ممن كثر وهمه حتى خرج عن جملة من يحتجّ بهم إذا انفردوا وقال الساجى صدوق عنده مناكير وقال النسائى صالح وقال ابن معين ضعيف وقال أبو حاتم ليس بالقوى يكتب حديثه ولا يحتجّ به. روى له الجماعة إلا البخارى
(قوله محمد ابن عبد الملك بن أبى محذورة) القرشى الجمحي المكي المؤذن. روى عن أبيه عن جده في الأذان وعنه الحارث بن عبيد والثورى. وثقه ابن حبان وقال ابن القطان مجهول الحال لا نعلم روى عنه إلا الحارث وقال عبد الحق لا يحتج بهذا الإسناد وقال الذهبى في الميزان محمد بن عبد الملك ابن أبى محذورة في الأذان ليس بحجة يكتب حديثه. روى له أبو داود
(قوله عن أبيه) هو عبد الملك بن أبي محذورة القرشي الجمحى المكي. روى عن أبيه وعبد الله بن محيريز. وعنه أولاده عبد العزيز ومحمد وإسماعيل وحفيداه إبراهيم بن إسماعيل وإبراهيم بن عبد العزيز والنعمان ابن راشد وغيرهم. وثقه ابن حبان وقال في التقريب مقبول. روى له أبو داود والترمذى والنسائى
(قوله عن جده) هو أبو محذورة القرشي الجمحى المكي الصحابى. قيل اسمه أوس وقيل سمرة بن معير بكسر الميم وسكون العين المهملة وقيل غير ذلك. وقال الزبير بن بكار أبو محذورة اسمه أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح من قال غير هذا فقد أخطأ. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابنه عبد الملك وعبد الله بن محيريز ومحمد بن يزيد النخعى وغيرهم. قيل مات سنة تسع وخمسين ولاه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأذان يوم الفتح وكان أحسن الناس أذانا وأنداهم صوتا. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه
(معني الحديث)
(قوله علمنى سنة الأذان) أى طريقته المشروعة
(قوله فمسح مقدّم رأسى) أى مسح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مقدّم رأس أبى محذورة. ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك لتحصل له بركة يده الشريفة فيحفظ ما يلقى إليه فقد روى ابن ماجه والبيهقى عن عبد الله بن محيريز وكان يتيما في حجر أبى محذورة بن معير حين جهزه إلى الشام فقلت لأبى محذورة أى عمّ إنى خارج إلى الشام وإني أسأل عن تأذينك فأخبرنى أن أبا محذورة قال خرجت في نفر فكنا ببعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون فصرخنا نحكيه نهزأ به فسمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأرسل إلينا قوما فأقعدونا بين يديه فقال أيكم الذى سمعت صوته قد ارتفع فأشار إليّ القوم كلهم وصدقوا فأرسل كلهم وحبسنى وقال لى قم فأذن فقمت
стр. 1158
ولا شئ أكره إليّ من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا مما يأمرني به فقمت بين يدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فألقى عليّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم التأذين هو بنفسه فقال قل الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال لى ارفع من صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حىّ على الصلاة حيّ على الصلاة حىّ على الفلاح حيّ على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ثم دعانى حين قضيت التأذين فأعطانى صرّة فيها شئ من فضة ثم وضع يده على ناصية أبى محذورة ثم أمّرها على وجهه ثم على ثدييه ثم على كبده ثم بلغت يد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سرة أبي محذورة ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بارك الله لك وبارك عليك فقلت يا رسول الله أمرتنى بالتأذين بمكة قال نعم قد أمرتك فذهب كلّ شيء كان لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من كراهية وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ ورواه الدارقطني في سننه وفيه عن أبى محذورة قال لما خرج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى حنين خرجت عاشر عشرة من أهل مكة أطلبهم فكنا في بعض طريق حنين فقفل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من حنين فلقينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للصلاة قال فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون "الحديث"
(قوله تقول الخ) هو خبر بمعنى الأمر أى قل الله أكبر الخ
(قوله فإن كان صلاة الصبح إلخ) أى إن كان ما يؤذن له صلاة الصبح قلت في أذانها بعد الحيعلتين الصلاة خير من النوم أى لذّتها خير من لذّته عند أرباب الذوق وأصحاب الشوق (وأصل مشروعيتها) كما رواه الطبراني بسنده أن بلالا أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤذنه بالصبح فوجده راقدا فقال الصلاة خير من النوم مرّتين فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا يا بلال اجعله في أذانك إذا أذنت للصبح. وروى ابن ماجه نحوه عن سعيد بن المسيب "ولا يشكل" على هذا ما رواه مالك في الموطأ من أن المؤذن جاء عمر بن الخطاب يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائما فقال الصلاة خير من النوم فقال اجعلها في نداء الصبح "لأن مراد عمر" الإنكار على المؤذن حيث جعل هذه الكلمة في غير موضعها وهو نداء الصبح فكأنه قال اجعلها في الموضع الذى جعلها فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ولا يتوهم أن عمر أتى بها من نفسه (وفى هذا دلالة) على أن التثويب مشروع
стр. 1159
في أذان الصبح خاصة وإلى ذلك ذهب الجمهور، ويدلّ لهم أيضا ما جاء عن بلال قال قال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تثوبنّ في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر رواه ابن ماجه والترمذى وضعف إسناده. وما سيأتى للمصنف في باب في الثويب عن مجاهد قال كنت مع ابن عمر فثوّب رجل في الظهر أو العصر فقال اخرج بنا فإن هذه بدعة (وحكى) الشيخ أبو حامد والمحاملى وغيرهما عن النخعى أنه كان يقول التثويب سنة في كل الصلوات كالصبح (وحكى) القاضى أبو الطيب عن الحسن بن صالح أنه مستحب في أذان العشاء أيضا وقال لأن بعض الناس قد ينام عنها. وروى نحوه عن الشعبي. لكن ما قالوه لا دليل عليه لأن الأحاديث لم ترد بإثباته إلا في الصبح خاصة (قال في النيل) الواجب الاقتصار على فعلها في الصبح والجزم بأن فعلها في غيرها بدعة كما صرّح بذلك ابن عمر وغيره (وذهبت) العترة والشافعى في أحد قوليه إلى أن التثويب بدعة (قال) في البحر أحدثه عمر فقال ابنه هذه بدعة. وعن على ﵇ حين سمعه لا يزيدوا في الأذان ما ليس منه "ثم قال" بعد أن ذكر حديث أبى محذورة وبلال لو كان لما أنكره علىّ وابن عمر وطاوس. سلمنا فأمر به إشعارا في حال لا شرعا جمعا بين الآثار اهـ "وأقول" قد عرفت رفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والأمر به على جهة العموم من دون تخصيص بوقت دون وقت. وابن عمر لم ينكر مطلق التثويب بل أنكره في صلاة الظهر. ورواية الإنكار عن علىّ ﵇ بعد صحتها لا تقدح في مروىّ غيره لأن المثبت أولى ومن علم حجة. والتثويب زيادة ثابتة فالقول بها لازم اهـ كلام النيل. ويعنى برفعه أحاديث الباب. وما رواه البيهقى عن حفص ابن عمر في سعد المؤذن أن سعدا كان يؤذن لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال حفص فحدثتي أهلى أن بلالا أتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليؤذنه بصلاة الفجر فقالوا إنه نائم فنادى بلال بأعلى صوته الصلاة خير من النوم فأقرّت في صلاة الفجر إلى غير ذلك من الأحاديث (وعلى) القول بأن الصبح له أذانان هل يكون التثويب فيهما أم في اللأول دون الثاني (فذهب) إلى الأول الشافعية وهو ظاهر مذهب المالكية. ويدلّ لهم ما جاء من الروايات التي فيها التثويب ولم تقيد بالأول (منها) ما ذكره المصنف (ومنها) ما رواه الطحاوى بسنده عن محمد بن سيرين عن أنس قال كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم مرّتين (ومال صاحب) سبل السلام إلى أن التثويب في الأذان الأول دون الثاني وحمل المطلق من الروايات على المقيدة بالأول حيث قال في شرح حديث رواه ابن خزيمة عن أنس من السنة إذا قال المؤذن في الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم وفى رواية النسائى الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم في الأذان الأول من الصبح وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات (قال) ابن رسلان وصحح هذه الرواية ابن خزيمة
стр. 1160
قال فشرعية التثويب إنما في الأذان الأول للفجر لأنه لإيقاظ النائم. وأما الأذان الثانى فإنه إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة. ولفظ النسائى في سننه الكبرى من جهة سفيان عن أبى جعفر عن أبى سليمان عن أبى محذورة قال كنت أؤذن لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فكنت أقول في أذان الفجر الأول حىّ على الفلاح الصلاة خير من النوم قال ابن حزم وإسناده صحيح. ومثل ذلك في سنن البيهقى الكبرى من حديث أبى محذورة أنه كان يثوّب في الأذان الأول من الصبح بأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "قلت" وعلى هذا ليس الصلاة خير من النوم من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة والإخبار بدخول وقتها بل هو من الألفاظ التى شرعت لإيقاظ النائم. وإذا عرفت هذا هان عليك ما اعتاده الفقهاء من الجدال في التثويب هل هو من ألفاظ الأذان أو لا وهل هو بدعة أو لا اهـ كلام صاحب سبل السلام (ويدلّ على) أن التثويب في الأول ما رواه الطحاوى بسنده عن أبى محذورة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علمه في الأذان الأول من الصبح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم (وما رواه) أيضا عن نافع عن ابن عمر أنه قال كان في الأذان الأول بعد الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم (وما رواه) البيهقى عنه أنه قال لمؤذنه إذا بلغت حىّ على الفلاح في الفجر فقل الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم (وما سيأتى) للمصنف عن أبى محذورة وفيه الصلاة خير من النوم في الأول من الصبح (والحاصل) أن الأئمة الأربعة يقولون بالتثويب في أذان الصبح لا فرق بين من يقول منهم إن له أذانا واحدا وبين من يقول إن له أذانين. ولم نر من قال منهم بمثل ما قاله صاحب سبل السلام (وليس في الحديث) ذكر حىّ على خير العمل (وقد ذهبت) العترة إلى إثباته وأنه بعد أن يقول المؤذن حىّ على الفلاح يقول مرّتين حيّ على خير العمل (واحتج) القائلون بذلك بما في كتب أهل البيت كأمالى أحمد ابن عيسى والتجريد والإحكام وجامع آل محمد من إثبات ذلك مسندا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال في الإحكام قد صح لنا أن حىّ على خير العمل كانت على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤذن بها وتطرح إلا في زمن عمر وهكذا قال الحسن بن يحيى (وبما أخرجه) البيهقى في سننه الكبرى بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يؤذن بحيّ على خير العمل أحيانا. وروى فيها عن علىّ بن الحسين أنه قال هو الأذان الأول. وروى الطبرى في إحكامه عن زيد بن أرقم أنه أذن بذلك. قال الطبرى رواه ابن حزم. ورواه سعيد ابن منصور في سننه عن أبى أمامة بن سهل البدرى. ولم يرو ذلك من طريق غير أهل البيت مرفوعا (وأجاب الجمهور) عنه بأن الأحاديث الواردة بذكر ألفاظ الأذان في الصحيحين وغيرهما من دواوين الحديث ليس في شيء منها ما يدلّ على ثبوت ذلك. قالوا وإذا صحّ ما روى من أنه
следующие страницы →