(معنى الحديث)
(قوله أفتنا في بيت المقدس) لعل مرادها بين لنا هل تحلّ الصلاة فيه بعد أن نسخ التوجه إليه. والمقدس بفتح الميم وكسر الدال مخففة أو بضم الميم وفتح الدال مشددة
(قوله ائتوه فصلوا فيه) وفى رواية ابن ماجه قال أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره. والأمر بالإتيان والصلاة فيه للندب
(قوله وكانت البلاد الخ) أى بلاد بيت المقدس وقت السؤال كانت دار حرب بين المسلمين والمشركين فلا يستطيع أحد من المسلمين دخوله ولم تفتح إلا في زمن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سنة خمس عشرة من الهجرة
(قوله فإن لم تأتوه الخ) أى إن لم يسهل عليكم الإتيان إليه فابعثوا إليه زيتا يوقد فيه. وفي رواية ابن ماجه قلت أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه قال فتهدى له زيتا يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على فضيلة بيت المقدس، وعلى مشروعية شدّ الرّحال إليه وأداء الصلاة فيه، وعلى مشروعية إرسال الزيت إلى المساجد للإصباح وإن كانت في غير بلده، وعلى مشروعية إرسال المسلمين زيتا إلى المساجد التي في دار الحرب لينتفع به كل من أراد أداء الصلاة فيه من المسلمين، ومثل الزيت غيره من كل ما فيه منفعة للمساجد، وعلى أنه يطلب من غير العالم بالحكم أن يسأل. عنه من هو عالم به
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه
(باب في حصى المسجد)
أى في بيان ما يدلّ على إباحة إدخال الحصى في المسجد وعدم إخراجه منه. وفي بعض النسخ باب ما جاء في حصى المسجد
(ص) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ تَمَّامِ بْنِ بَزِيعٍ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَاهِلِيُّ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قال، سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ الْحَصَى الَّذِي فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: مُطِرْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ مُبْتَلَّةً، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْحَصَى فِي ثَوْبِهِ، فَيَبْسُطُهُ تَحْتَهُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ، قَالَ: «مَا أَحْسَنَ هَذَا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله سهل بن تمام بن بزيع) بفتح الموحدة وكسر الزاى وسكون المثناة التحتية آخره عين مهملة أبو عمرو البصرى. روى عن أبيه والمبارك بن فضالة وصالح بن أبي الجوزاء وقرّة بن خالد وعطية بن بهرام وآخرين. وعنه أبو داود وأبو قلابة وأبو زرعة وأبو حاتم
стр. 1087
وغيرهم. قال أبو زرعة لم يكن بكذّاب وكان ربما وهم في الشئ وقال أبو حاتم شيخ وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئُ
(قوله عمر بن سليم الباهلى) البصري. روى عن أبى غالب والحسن وقتادة وأبى الوليد وغيرهم. وعنه سهل بن تمام وزيد بن الحباب وعبد الوارث وابنه عبد الصمد. قال أبو زرعة صدوق وقال أبو حاتم شيخ وذكره ابن حبان في الثقات وقال العقيلى غير مشهور يحدّث بمناكير. روى له ابن خزيمة في صحيحه وأبو داود وابن ماجه
(قوله عن أبي الوليد) هو عبد الله بن الحارث البصرى التابعى. روى عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن أرقم وأبى هريرة وعائشة. وعنه ابنه يوسف وأيوب السختياني وعاصم الأحول وخالد الحذّاء. وثقه النسائى وسليمان بن حرب وابن حبان وأبو زرعة وقال أبو حاتم يكتب حديثه روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله سألت ابن عمر عن الحصى الذى في المسجد الخ) أى عن الحصى الذى هو مفروش في المسجد أهو جائز أم لا فأجابه ابن عمر بما وقع في عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأقرّ الصحابة عليه بقوله مطرنا ذات ليلة فجعل الرجل يأتي بالحصى في طرف ثوبه فيفرشه تحته ليصلى عليه احترازا عن التلوّث بالطين وليتمكن من السجود على الوجه الأكمل فلما رأى ذلك صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ما أحسن هذا. والغرض منه مدح فاعليه ولم يكن تعجبا حقيقة لأنه لم يخف بسببه
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية الصلاة على الحصى في المسجد، وعلى أنه لم يكن في المسجد إذ ذاك فراش من حصير ونحوه، وعلى مشروعية مدح الرئيس المرءوس إذا فعل ما هو موافق. وعلى جواز فعل المرءوس ما هو حسن بدون إذن خاصّ من الرئيس
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، قَالَا: نَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: " كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَخْرَجَ الْحَصَى مِنَ الْمَسْجِدِ يُنَاشِدُهُ "
(ش) (قوله أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير. و (أبو صالح) ذكوان السمان
(قوله كان يقال إن الرجل الخ) أى كانت الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم يتحدثون فيما بينهم بأن الرجل كان إذا أخرج الحصاة من المسجد تسأله بالله وتقسم عليه أن لا يخرجها منه يقال نشدتك الله وأنشدك الله وبالله وناشدتك الله وبالله أى سألتك وأقسمت عليك به (ولعل) الحكمة في مناشدة الحصاة أنها مادامت في المسجد يصلى عليها وتبعد عن القاذورات فإذا أخرجت منه بعدت عن هذا. ومناشدتها يحتمل أن تكون حقيقة بلسان المقال بكيفية لا نعلمها وهو الذى اختاره جمهور السلف في تسبيح الجمادات والحيوانات غير العاقلة. ويحتمل أن تكون بلسان الحال فيكون مجازا تشبيها لها بمن يناشد صاحبه لأمر
стр. 1088
عرض له. وظاهر المصنف أن الصحابة كانوا يقولون ذلك ولا يروونه مسندا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. لكن لما كان هذا الأمر لا مدخل للعقل فيه والقائلون به هم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كان مرفوعا حكما
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثَنَا شَرِيكٌ، ثَنَا أَبُو حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو بَدْرٍ: أُرَاهُ قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْحَصَاةَ لَتُنَاشِدُ الَّذِي يُخْرِجُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن إسحاق) بن جعفر (أبو بكر) الصاغاني خراساني الأصل سكن بغداد. روى عن أبى عامر العقدى وروح بن عبادة وأبى مسهر والفضل بن دكين وشجاع ابن الوليد وكثيرين. وعنه الجماعة إلا البخارى وأبو بكر بن خزيمة وجماعة. قال الدارقطني ثقة فوق الثقة وقال مسلمة وابن خراش ثقة مأمون وقال الخطيب كان أحد الأثبات المتقنين مع صلابة في الدين واشتهار بالسنة واتساع في الرواية ووثقه أبو حاتم والنسائى وابن حبان وقال ابن أبي حاتم هو ثبت صدوق. مات يوم الخميس لسبع خلون من صفر سنة سبعين ومائتين
(قوله أبو بدر شجاع بن الوليد) بن قيس السكوني الكوفى سكن بغداد. روى عن عطاء بن السائب والأعمش وموسى بن عقبة وهشام بن عروة وغيرهم. وعنه ابنه الوليد وبقية بن الوليد وأحمد وابن معين وإسحاق بن راهويه وكثيرون. وثقه ابن معين وابن حبان وابن نمير وقال العجلى وأبو زرعة لا بأس به وقال أبو حاتم شيخ ليس بالمتين لا يحتج بحديثه. مات ببغداد سنة أربع أو خمس ومائتين
(قوله شريك) هكذا وقع في جميع النسخ شريك بدون ذكر نسبه ولعله شريك بن عبد الله بن أبى شريك النمرى القرشي المدني. قال ابن معين والنسائى ليس به بأس وقال مرّة ليس بالقوى وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث وقال أبو داود ثقة وقال ابن الجارود ليس به بأس وليس بالقوى وكان يحيى بن سعيد لا يحدّث عنه وقال الساجى كان يرى القدر وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب صدوق يخطئ من الخامسة. مات في حدود الأربعين ومائة
(قوله أبو حصين) بفتح الحاء المهملة هو عثمان بن عاصم بن حصين ويقال ابن عاصم بن زيد بن كثير ابن زيد بن مرّة الأسدى الكوفى. روى عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وجابر بن سمرة وأبى سعيد الخدرى وكثيرين. وعنه سعد بن طارق وشعبة والسفيانان وقيس بن الربيع وطائفة وثقه ابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة والنسائى وابن خراش وابن حبان وقال ابن عبد البرّ أجمعوا على أنه ثقة حافظ وعدّه ابن مهديّ في أثبات أهل الكوفة الذين من اختلف عليهم يكون
стр. 1089
مخطئا وقال أحمد كان صحيح الحديث، وقال العجلى كان شيخا عاليا صاحب سنة. قيل مات سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله قال أبو بدر أراه الخ) بضم الهمزة أى قال أبو بدر أظنّ أن شريكا حدثنى بهذا الحديث بسنده إلى أبى هريرة وقد رفع الحديث إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله إن الحصاة لتناشد الخ) أى لتسأل وتقسم على الذى يخرجها من المسجد بالله أن لا يخرجها منه. وروى ابن أبى شيبة عن سعيد بن جبير قال الحصاة تسبّ وتلعن من يخرجها من المسجد وروى أيضا عن سليمان بن يسار قال الحصاة إذا أخرجت من المسجد تصيح حتى تردّ إلى موضعها وعن ابن سيرين أنه كان يقول لغلام له أو لخادمه إن وجدت في خفى حصاة فردّها إلى المسجد
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن الحصاة لا تحبّ أن تفارق المسجد الذى هو محلّ العبادة وتستجير بالله أن لا تخرج منه (فانظر) إلى هذه الجمادات وإلى حال غالبنا يضيق ذرعا من بقائه في المسجد وقت الصلاة لا سيما إن صلى مع إمام صلاة صحيحة وربما قطع الصلاة وخرج من المسجد ساخطا على هذا الإمام الذى صلى صلاة موافقة للوارد عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويقول من أمّ بالناس فليخفف لزعمه أن التخفيف هو نقر الغراب الذى يفعله أمثاله وهو لا يسمى صلاة بالإجماع. نعوذ بالله تعالى من غضبه ومقته. ويدلّ الحديث أيضا على التنفير من إخراج الحصى من المسجد. ولعل محله في المساجد غير المفروشة. أما المفروشة فيطلب إخراج الحصى ونحوه منها لما يترتب على بقائه فيها من تعفيش المسجد وضرر المصلى بالسجود عليها
(باب في كنس المساجد)
وفى نسخة باب فضل كسح المسجد. وفي أخرى باب كنس المسجد
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْخَزَّازُ، ثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا»
стр. 1090
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الوهاب بن عبد الحكم الخرّاز) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاى الأولى ويقال ابن الحكم بن نافع أبو الحسن الورّاق البغدادى نسائى الأصل روى عن معاذ بن معاذ وحجاج بن محمد ويزيد بن هارون وعبد المجيد بن عبد العزيز. وعنه ابنه الحسن وأبو داود والترمذى. والنسائى وابن ماجه وأبو بكر بن أبى الدنيا وغيرهم. وثقه النسائى وابن حبان والدارقطنى والخطيب وقال أحمد قلّ أن يرى مثله. مات سنة خمسين أو إحدى وخمسين ومائتين
(قوله عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى روّاد) بفتح الراء وتشديد الواو المكي مولى المهلب. روى عن أبيه وأيمن بن نابل ومعمر بن راشد وابن جريج والليث بن سعد. وعنه شريح بن يونس والشافعى وأحمد والزبير بن بكار وموسى بن طارق وكثيرون. قال ابن معين ثقة كان يروى عن قوم ضعفاء وكان يعلن بالإرجاء وقال أبو حاتم ليس بالقوى يكتب حديثه وقال الدارقطنى لا يحتج به وقال أحمد ثقة وكان فيه غلوّ في الإرجاء وقال أبو داود ثقة وكان مرجئا داعية في الإرجاء وأهل خراسان لا يحدّثون عنه وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالمتين عندهم وقال الخليل ثقة ولكنه أخطأ في أحاديث وقال ابن حبان كان يقلب الأخبار ويروى المناكير عن المشاهير فاستحقّ الترك. روى له مسلم مقرونا بهشام بن سليمان. مات سنة ست ومائتين. روى له أبو داود والترمذى والنسائى. و (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز
(قوله المطلب بن عبد الله ابن حنطب) بن الحارث بن عبيد أبى الحكم القرشي المخزومى المدنى. روى عن أبيه وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابن عباس وأنس وأبى هريرة وأبى موسى. وعنه ابنه عبد العزيز ومحمد بن عباد وابن جريج والأوزاعي. قال ابن سعد كان كثير الحديث ولا يحتج بحديثه لأنه يرسل عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كثيرا وليس له لقىّ وعامة أصحابه يدلسون وقال الدارقطنى وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان ثقة. روى له أبو داود والتزمذى والنسائى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله عرضت عليّ أجور أمتى) أى أطلعنى الله على ثواب أمتي وفى رواية مسلم عرضت عليّ أعمال أمتى حسنها وسيئها الخ ولا منافاة بينهما لأن كلا من الأعمال وجزائها يعرض عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعرض الأعمال كناية عن إحاطة علمه بها. ويجوز أن يكون على وجه الحقيقة بأن تكون عرضت عليه الأعمال الحسنة في صور حسان والأعمال السيئة في صور رديئة كما توزن الأعمال يوم القيامة
(قوله حتى القذاة الخ) أى حتى أجر إخراج القذاة من المسجد. وحتى عاطفة والقذاة مبتدأ وجملة يخرجها خبر. والقذاة ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ. وهذا مبالغة في الحثّ على تنظيف المساجد لأنه إذا حصل الأجر لمن يخرج القذاة منه فالذى يكنسه ويزيل ترابه وغباره وينظفه عن الأقذار والأوساخ الكثيرة بالطريق الأولى أن يكون له أجور كثيرة (قال) ابن رسلان فيه
стр. 1091
ترغيب في تنظيف المساجد مما يحصل فيها من القمامات القليلة فإنها تكتب في أجورهم وتعرض على نبيهم ﵌ وإذا كتب هذا القليل وعرض فليكتب الكبير ويعرض بالأولى ففيه تنبيه بالأدنى على الأعلى اهـ وعدّ إخراج القذاة التي لا يؤبه لها من الأجور تعظيما لبيت الله وكأن مخرج القذاة من المسجد عدّ الحقير عظيما بالنسبة إلى الله العظيم
(قوله فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية الخ) أى من ذنب نسيان سورة من القرآن أو آية منه. والسورة الطائفة من القرآن المعبر عنها بسورة كذا التى أقلها ثلاث آيات. وواوها إما أن تكون أصلية أو منقلبة عن همزة فإن كان الأول فيكون منقولا من سور المدينة لأنها طائفة من القرآن محدودة على انفرادها أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد كاحتواء سور المدينة على ما فيها. وإن كان الثاني فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسؤر الذى هو البقية من الشئ والفضلة. والآية في الأصل العلامة والمراد بها هنا طائفة من القرآن أقلها ستة أحرف وأصلها أوية بالتحريك قلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فصارت آية والنسبة إليها أووى وجمعها آى وآيات
(قوله ثم نسيها) أى بعد ما حفظها لأن مدار الشريعة على القرآن فنسيانها كالسعى في الإخلال بها "ولا يقال" إن النسيان لا يؤاخذ العبد عليه "لأن المراد" ترك القرآن عمدا إلى أن أفضى هذا الترك إلى النسيان. وعدّ هذا من أعظم الذنوب تعظيما لكلام الله تعالى وكأن التارك جعل هذا العظيم حقيرا فأزاله الله تعالى عن قلبه جزاء له جزاء وفاقا "ولا يقال" كيف يكون هذا من أعظم الذنوب وقد ورد في الصحيح أىّ الذنب أعظم عند الله تعالى قال أن تجعل لله ندّا وهو خلقك ثم ذكر قل الولد مخافة الفقر ثم الزنا بحليلة الجار "لأن التفضيل" بالنسبة إلى ما تحته من الذنوب لا مطلقا إذ هناك ما هو أعظم منه كالكفر (وقال) في المرقاة التفضيل فيه بالنسبة للذنوب الصغائر لأن نسيان القرآن بعد الحفظ ليس بذنب كبير إن لم يكن من استخفافه وقلة تعظيمه للقرآن وإنما قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا التشديد العظيم تحريضا منه على مراعاة حفظ القرآن اهـ (ويحتمل) أن المراد بنسيانها الإعراض عنها وعدم الإيمان بها كما قال جمهور المفسرين في قوله تعالى "كذلك أتتك آياتنا فنسيتها" وعلى هذا فلا إشكال في الحديث ولا يصح الاستدلال بهذه الآية على أن من حفظ القرآن ثم نسيه يحشر يوم القيامة أعمى لأن هذا اختلف فيه العلماء (فذهب) مالك إلى أن حفظ الزائد عما تصح به الصلاة من القرآن مستحب أكيدا ابتداء ودواما فنسيانه مكروه (وذهب) الشافعى إلى أن نسيان كل حرف منه كبيرة تكفر بالتوبة والرجوع إلى حفظه (وظاهر) مذهب الحنابلة أن نسيانه من الكبائر (وقالت) الحنفية نسيانه كله أو بعضه ولو آية كبيرة وإنما قال أوتيها دون حفظها إشعارا بأنها كانت نعمة جسيمة أولاه الله تعالى إياها ليشكرها فلما نسيها كان قد كفر تلك النعمة فبالنظر إلى هذا المعنى
стр. 1092
كان أعظم جرما وإن لم يعدّ من الكبائر
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن الله تعالى يطلع نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ما شاء، وعلى أن الله لا يضيع أجر من عمل خيرا ولو قلّ، وعلى الحثّ على تنظيف المساجد وإخراج القمامة منها وإن قلت، وعلى عظم ذنب من نسي شيئا من القرآن بعد حفظه أو ترك العمل به
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة وصححه والترمذى وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال وذاكرت به محمد بن إسماعيل يعني البخارى فلم يعرفه واستغربه قال محمد ولا أعرف للمطلب بن عبد الله سماعا من أحد من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا قوله حدثنى من شهد خطبة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول لا نعرف للمطلب سماعا من أحد من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال عبد الله وأنكر علىّ بن المدينى أن يكون المطلب سمع من أنس اهـ ملخصا قال العينى قد ذكر صاحب الكمال أنه روى عن أنس اهـ
(باب في اعتزال النساء في المساجد عن الرجال)
أى في بيان طلب اعتزال النساء عن الرجال أثناء الدخول في المساجد والخروج منها للصلاة فيها. وفي بعض النسخ باب ما جاء في اعتزال النساء
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو مَعْمَرٍ، ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ»، قَالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ، حَتَّى مَاتَ، وَقَالَ غَيْرُ عَبْدِ الْوَارِثِ: قَالَ عُمَرُ: وَهُوَ أَصَحُّ.
(ش) (قوله عبد الوارث) بن سعيد. و (أيوب) بن أبى تميمة كيسان السختياني
(قوله لو تركنا هذا الباب للنساء) أى باب المسجد الذى أشار إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الباب الذي فتحه إلى جهة بيت المقدس بعد تحويل القبلة. وجواب لو محذوف والتقدير لو تركنا هذا الباب للنساء لكان حسنا وذلك لئلا يختلط الرجال بالنساء في الدخول والخروج إذا حضرن المسجد لصلاة الجماعة فتحصل الفتنة. فينبغى أن يجعل في المساجد باب مخصوص للنساء يدخلن ويخرجن منه وإلا فيحترزن عن الاختلاط بهم. ومحلّ جواز ذهابهنّ إلى المساجد إن أمنت الفتنة وإلا فيمنعن من حضور المساجد كما قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا لو أدرك رسول الله ﵌ ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعه نساء بنى إسرائيل رواه المصنف في باب التشديد في ذلك "أى
стр. 1093
في خروج النساء إلى المسجد"
(قوله فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات) أى لم يدخل عبد الله ابن عمر من هذا الباب الذى أشار إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى أن مات رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُلأنه فهم من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لو تركنا هذا الباب الخ نهى الرجال عن دخولهم من هذا الباب وهو كان أشدّ اتباعا للسنة. وظاهر هذا أن غير ابن عمر من الصحابة كان يدخل من هذا الباب وهو إن ثبت فمحمول على غير أوقات الصلاة أو أنهم لم يسمعوا من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهيا صريحا في ذلك
(قوله وقال غير عبد الوارث الخ) أى قال غير عبد الوارث ممن روى هذا الحديث في روايته كإسماعيل بن علية قال عمر بن الخطاب لو تركنا هذا الباب الخ بجعل الحديث من مسند عمر موقوفا عليه وإسقاط ابن عمر فهو منقطع وهو أصحّ. وأيد المصنف هذا بذكر الروايتين الآتيتين
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فذكر مَعْنَاهُ، وَهُوَ أَصَحُّ
(ش) (قوله فذكر معناه) أى ذكر إسماعيل بن علية عن أيوب السختياني معنى الحديث المتقدم الذى رواه عبد الوارث عن أيوب غير أن حديث عبد الوارث وحديث إسماعيل موقوف على عمر. وصحح المصنف الوقف. ولعل وجه تصحيحه ما ذكره عن نافع من أن عمر كان ينهى الرجال عن الدخول من باب النساء. لكن هذا الترجيح غير مسلم فإن رواية الرفع فيها عبد الله بن عمرو وعبد الوارث وكلاهما ثقتان ثبتان فلا ترجح رواية الوقف عليه، على أن الترجيح يحتاج إلى أن يكون بينهما معارضة وليس هنا كذلك بل يمكن أن يكون مرفوعا أيضا قاله رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قاله عمر بن الخطاب ونهى عنه لما رأى من رغبته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيه ولم يكن عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى صريح بل إشارة فنهى عنه سيدنا عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لما رأى في ذلك من المصلحة فإن راوى الحديث قد يسمع الحديث منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم يفتي به ولا يرفعه إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مع أن رواية نافع عن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ منقطعة قال أحمد بن حنبل نافع عن عمر منقطع
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ، ثَنَا بَكْرُ بْنَ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، «كَانَ يَنْهَى أَنْ يُدْخَلَ مِنْ بَابِ النِّسَاءِ»
стр. 1094
(ش) (قوله بكير) بن عبد الله بن الأشج
(قوله كان ينهى أن يدخل الخ) بالبناء للمفعول أى كان عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ينهى الرجال عن الدخول من باب النساء يعنى باب المسجد المخصوص بدخول النساء للصلاة. ونهى عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عن ذلك لما رآه من أن اجتماع الرجال مع النساء عند دخولهنّ من باب واحد ربما أدى إلى الفتنة فينبغى أن يجعل للنساء باب في المسجد خاصّ لدخولهنّ وخروجهنّ دفعا لما يترتب على الاختلاط من الفتنة. وإذا كان هذا بالنسبة لدخولهنّ المساجد وخروجهنّ منها فبالأولى الاحتراز في غيرها
(باب فيما يقول الرجل عند دخوله المسجد)
وفى بعض النسخ باب ما جاء فيما يقول عند دخول المسجد
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ، أَوْ أَبَا أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: " إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ "
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن عثمان) التنوخى (الدمشقى) أبو عبد الرحمن روى عن الدراوردى ومروان بن معاوية وسعيد بن بشير وسليمان بن بلال وآخرين. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود وابن ماجه وكثيرون. قال أبو حاتم وأبو مسهر وابن حبان وعثمان الدارمى ثقة وقال دحيم حجة ثقة لم يكن بدمشق في زمانه مثله. ولد سنة أربعين ومائة. ومات سنة أربع وعشرين ومائتين
(قوله عبد العزيز) بن محمد (يعنى الدراوردى) نسبة إلى دراورد أصلها درابجرد مدينة بفارس فاستثقلوا أن يقولوا درابجردى فقالوا راوردى
(قوله عبد الملك بن سعيد بن سويد) الأنصاري. روى عن أبى حميد أو أبى أسيد وجابر بن عبد الله وأبى سعيد وعنه بكير بن عبد الله وربيعة بن أبى عبد الرحمن وعبد العزيز الدراوردى. قال النسائى ليس به بأس وقال العجلى تابعى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه
(قوله سمعت أبا حميد) الساعدى قيل اسمه المنذر وقيل عبد الرحمن بن سعد بن المنذر وقيل اسم جدّه مالك بن سعد بن خالد بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. روى له عن
стр. 1095
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستة وعشرون حديثا اتفق الشيخان على ثلاثة وانفرد البخارى بحديث ومسلم بآخر. روى عنه جابر بن عبد الله وعروة بن الزبير وعباس ابن سهل وعمرو بن سليم وعبد الملك إن سعيد وغيرهم. شهد أحدا وما بعدها. روى له الجماعة
(قوله أو أبا أسيد) بالشك وهكذا رواية مسلم وفى رواية لابن ماجة عن أبى حميد بدون شك وفى أخرى له عن أبى حميد وأبي أسيد يقولان. وأسيد بضم الهمزة مصغرا. واسم أبى أسيد مالك على الأشهر ابن ربيعة بن البدن بالموحدة وفتح الدال المهملة وكسرها ابن عمرو بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج الأنصارى الساعدى، شهد بدرا. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثمانية وعشرون حديثا اتفق الشيخان على واحد وانفرد البخارى بحديثين ومسلم بحديث. روى عنه أنس بن مالك وأبو سلمة وابنه المنذر وعباس بن سهل وعبد الملك بن سعيد. قيل مات سنة ستين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله إذا دخل أحدكم المسجد الخ) أى إذا أراد دخوله أو شرع فيه فليسلم على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وليدع بقوله اللهم افتح لى أبواب رحمتك أى سهل لى نعمك وحسانك. وكذا يصلى على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما رواه ابن السني عن أنس قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دخل المسجد قال بسم الله اللهم صلّ على محمد وإذا خرج قال بسم الله اللهم صلّ على محمد. وما رواه الحاكم وصححه عن أبى هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا دخل أحدكم المسجد فليصلّ على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وليقل اللهم أجرنى من الشيطان الرجيم. ويطلب المغفرة أيضا في الدخول والخروج لما رواه ابن ماجه وأحمد عن فاطمة الزهراء رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دخل المسجد قال بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب رحمتك وإذا خرج قال بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب فضلك. وما رواه الترمذى عن فاطمة بنت الحسين عن جدّتها الكبرى قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال رب اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال رب اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب فضلك "قال" الترمذى حديث فاطمة حسن وليس إسناده بمتصل وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى إنما عاشت فاطمة بعد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أشهرا اهـ (وقال) النووى روينا الصلاة على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند دخول المسجد والخروج منه من رواية ابن عمر اهـ
(قوله اللهم إنى أسألك من فضلك) أى من رزقك الحلال (قال) ابن رسلان سؤال الفضل عند الخروج
стр. 1096
موافق لقوله تعالى "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله" يعنى الرزق الحلال. وقيل وابتغوا من فضل الله هو طلب العلم. والوجهان متقاربان فإن العلم من رزق الله تعالى لأن الرزق لا يختصّ بقوت الأبدان بل يدخل فيه قوت الأرواح والأسماع وغيرها وقيل فضل الله عيادة المريض وزيارة أخ صالح اهـ وظاهره أنه يقتصر في الخروج على سؤال الفضل لكن تقدم في رواية الترمذى أنه يصلى ويسلم على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويسأل الفضل فيحمل هذا على ما تقدم (ولعل السرّ) في تخصيص الرحمة بالدخول والفضل بالخروج أن من دخل اشتغل بما يقرّ به إلى ثواب ربه وجنته فيناسب ذكر الرحمة وإذا خرج لابتغاء الرزق الحلال ناسب ذكر الفضل كما قال تعالى "فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله" قال في حجة الله البالغة الحكمة في تخصيص الداخل بالرحمة والخارج بالفضل أن الرحمة في كتاب الله أريد بها النعم النفسانية والأخروية كالولاية والنبوة قال تعالى "ورحمة ربك خير مما يجمعون" والفضل على النعم الدنيوية قال تعالى "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم" وقال تعالى "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله" ومن دخل المسجد إنما يطلب القرب من الله تعالى والخروج وقت ابتغاء الرزق اهـ
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على استحباب السلام على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وطلب فتح أبواب الرحمة عند دخول المسجد، وعلى استحباب السؤال من فضل الله تعالى عند الخروج منه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وأحمد وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: لَقِيتُ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ، فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ حَدَّثْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، قَالَ: أَقَطْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا قَالَ: ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله إسماعيل بن بشر بن منصور) أبو بشر السلمى البصرى روى عن أبيه وعبد الرحمن بن مهدى وفضيل بن سليمان وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وغيرهم وعنه أبو داود وابن ماجه وإبراهيم بن أبى طالب وكثيرون. ذكره ابن حبان في الثقات وقال
стр. 1097
أبو داود صدوق وكان قدريا. مات سنة خمس وخمسين ومائتين
(قوله عقبة بن مسلم) أبا محمد التجيبى المصرى. روى عن عبد الله بن عمرو بن العاصى وابن عمر وعقبة بن عامر وآخرين. وعنه حيوة بن شريح والوليد بن أبى الوليد وحرملة بن عمران وجعفر بن ربيعة وغيرهم. قال العجلى تابعى ثقة ووثقه يعقوب بن سفيان وابن حبان. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه.
(معنى الحديث)
(قوله بلغنى أنك حدّثت) بالبناء للفاعل
(قوله وبوجهه) هذا من المتشابه (وللسلف) والخلف فيه وأمثاله مذهبان مشهوران. فالسلف وهم من قبل الخمسمائة يقولون نؤمن بكل ما ورد من ذلك ولا نتكلم في معناه مع اعتقاد تنزيه الله عن سمات الحوادث لقوله تعالى "ليس كمثله شيء" وهو الأسلم. والخلف وهم من بعد الخمسمائة يؤوّلون جميع المتشابهات فيقولون المراد بالوجه الذات على ما تقتضيه لغة القرآن
(قوله الكريم) أى الجواد الذى لا ينفد عطاؤه وهو الكريم المطلق الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل
(قوله وسلطانه القديم) أى قهره وقوّته الذى لا أوّل له
(قوله من الشيطان الرجيم) أى المبعد عن رحمة الله فيكون من شطن من باب قعد أى بعد عن الحق ووزنه فيعال. أو المهلك بعذاب الله تعالى فيكون من شاط إذا احترق ووزنه فعلان. وهو على الأول مصروف. وعلى الثانى ممنوع من الصرف. والشيطان كل متمرد من الجنّ والإنس والدوابّ كما قاله ابن عباس. والرجيم فعيل بمعنى مفعول مأخوذ من الرجم وهو الرمي بالحجارة والمراد هنا المرجوم بشهب السماء واللعن. وهذا كله خبر معناه الدعاء أى اللهمّ احفظنى من وسوسته وإغوائه وخطواته وخطراته وتسوليه وإضلاله فإنه السبب في الضلالة والغواية والجهالة. ويحتمل أن يكون التعوّذ من صفات الشيطان وأخلاقه من الحسد والكبر والعجب والغرور والإباء والإغواء (وقد جاء) في هذا الباب أذكار كثيرة ومجموعها أن يقال عند الدخول أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم باسم الله والحمد لله اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد وسلم اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب رحمتك السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ويقال ذلك أيضا عند الخروج من المسجد غير أنه يقول اللهمّ إنى أسألك من فضلك بدل قوله اللهمّ افتح لى أبواب رحمتك
(قوله قال أقطّ الخ) الهمزة للاستفهام أى قال عقبة بن مسلم لحيوة بن شريح أبلغك عنى هذا القدر من الحديث فقط فقال حيوة نعم لم يبلغني إلا هذا المقدار
(قوله قال فإذا قال ذلك الخ) أى قال عقبة لم يتمّ الحديث بما ذكرت بل فيه بعده فإذا قال داخل المسجد هذا الدعاء المذكور قال الشيطان حفظ منى بقية اليوم فلا أقدر على أن أوسوس له فيه ويحتمل أن يكون فاعل قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويكون في الكلام حذف بعد قوله قلت نعم تقديره قال عقبة لم يتمّ الحديث بهذا بل تمامه قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإذا قال داخل المسجد هذا الدعاء قال الشيطان حفظ منى بقية اليوم. والمراد به مطلق
стр. 1098
الوقت (قال) ابن حجر المكي إن أريد حفظه من جنس الشياطين تعين حمله على حفظه من شيء مخصوص وهو الكبائر وإن أريد حفظه من إبليس فقط بقى الحفظ على عمومه فيشمل الصغائر وما يقع منه من الذنوب حاصل من إغواء جنوده اهـ بتصرّف. لكن الظاهر أن اللام في الشيطان للعهد والمراد منه قرينه الموكل بإغوائه وأن القائل ما ذكر من الذكر يحفظ منه في الجملة ذلك الوقت عن بعض المعاصى. وتعيينه عند الله تعالى اهـ من الرقاة
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يتحصن من الشيطان تعليما للأمة، وعلى أن الشيطان له تسلط على بنى آدم، وعلى أن المرجع في دفع المضارّ وجلب المنافع إلى الله
(باب ما جاء في الصلاة عند دخول السجد)
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، ثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُصَلِّ سَجْدَتَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْلِسَ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله القعنبى) هو عبد الله بن مسلمة
(قوله عامر بن عبد الله ابن الزبير) بن العوّام القرشي الأسدى المدنى أبى الحارث. روى عن أبيه وأنس بن مالك وعوف بن الحارث وعمرو بن سليم وغيرهم. وعنه سعيد المقبرى وابن جريج ويحيى الأنصارى ومالك وكثيرون. وثقه ابن معين وأبو حاتم وقال أحمد من أوثق الناس وقال أبو حاتم ثقة صالح وقال العجلى تابعى ثقة وقال ابن سعد كان عابدا فاضلا ثقة مأمونا وقال الخليلى أحاديثه كلها يحتج بها وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان عالما فاضلا. مات سنة إحدى وعشرين ومائة روى له الجماعة إلا الترمذى
(قوله عن أبى قتادة) هو الحارث بن ربعى
(معنى الحديث)
(قوله فليصلّ سجدتين الخ) أى ركعتين تعظيما للمسجد. وفى رواية للبخارى إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين. العدد لا مفهوم له فلا خلاف في أنه لا حدّ لأكثر ما تحصل به تحية المسجد (واختلف) في أقله والصحيح أنه ركعتان فلا تتأدى هذه السنة بأقلّ من ركعتين. ويقوم مقامهما غيرهما من فرض وسنة وطواف (وظاهر الحديث) يدلّ على وجوب صلاة ركعتين تحية المسجد وبه قالت الظاهرية ما عدا ابن حزم فإنه قال بسنيتهما مستدلين بحديث الباب. وبما رواه البخارى ومسلم ويأتي للمصنف ولفظه في باب إذا دخل الرجل
стр. 1099
والإمام يخطب من كتاب الجمعة عن جابر وعن أبى صالح عن أبى هريرة قالا جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب فقال له أصليت شيئا قال لا قال صلّ ركعتين تجوّز فيهما (وذهب) الجمهور إلى أنهما سنة قائلين إن الأمر في ذلك للندب مستدلين بحديث ضمام ابن ثعلبة عند البخارى ومسلم والنسائى والمصنف وفيه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمس صلوات في اليوم والليلة قال هل علىّ غيرهنّ قال لا إلا أن تطوّع. وبما رواه ابن أبى شيبة عن زيد بن أسلم قال كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون. وبما رواه الطحاوى عن عبد الله بن بسر قال كنت جالسا إلى جنبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الجمعة فجاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اجلس فقد آذيت وآنيت. فأمره بالجلوس ولم يأمره بالصلاة (قال) العينى لو قلنا بوجوبهما لحرم على المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أنه لا يجب سجودهما عند دخوله اهـ (قال) ابن دقيق العيد جمهور العلماء على عدم الوجوب لهما. ولا شك أن ظاهر الامر الوجوب وظاهر النهى التحريم فمن أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى الدليل. ولعلهم يفعلون في مثل هذا ما فعلوا في مسألة الوتر حيث استدلوا على عدم الوجوب فيه بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد، وقول السائل هل علىّ غيرهنّ قال لا إلا أن تطوّع. فحملوا لذلك صيغة الأمر على الندب لدلالة هذا الحديث على عدم وجوب غير الخمس اهـ (وظاهر) الحديث يدلّ أيضا على مشروعية هاتين الركعتين في جميع الأوقات حتى وقت الخطبة وبه قالت الشافعية وابن عيينة وأبو ثور والحميدى وابن المنذر وداود وإسحاق بن راهويه والحسن البصرى ومكحول مستدلين بحديث الباب وأشباهه وبحديث سليك المتقدم. وقالوا إن أحاديث النهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس محمولة على ما لا سبب له من الصلوات واستدلوا أيضا بما يأتي للمصنف في باب الصلاة بعد العصر من حديث أم سلمة وفيه سمعت رسول الله ﵌ ينهى عنهما "أى عن الركعتين بعد العصر" ثم رأيته يصليهما "أى بعد العصر" وقالوا إنه لم يترك التحية في حال من الأحوال بل أمر الذى دخل المسجد وهو يخطب فجلس قبل أن يركع أن يقوم فيركع ركعتين مع أن الصلاة حال الخطبة ممنوعة إلا التحية فلولا شدّة الاهتمام بالتحية في جميع الأوقات لما أمره بها أثناء خطبته (وذهب) ابن سيرين وعطاء بن أبى رباح والنخعى وقتادة وأصحاب الرأى والليث وشريح وسعيد بن عبد لعزيز إلى كراهة تحية المسجد في أوقات النهى وكذا حال الخطبة يوم الجمعة (وذهبت) المالكية إلى كراهتهما في أوقات النهى
стр. 1100
وإلى حرمتهما حال الخطبة وحال طلوع الشمس وغروبها. وقاوا إن حديث الأمر بالصلاة عند دخول المسجد عامّ فيخصّ بأحاديث النهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب "ودعوى" أن أحاديث النهى محمولة على ما لا سبب له "لا دليل عليها" "وصلاته" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ركعتى الظهر بعد العصر "مختصة به" لما ثبت عند أحمد وغيره أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما قالت له أم سلمة أفنقضيهما إذا فاتتنا قال لا "ولو سلم" عدم الاختصاص "لما كان" في ذلك إلا جواز قضاء سنة الظهر لا جواز جميع ذوات الأسباب (وأجابوا) عن حديث أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سليكا بصلاة الركعتين بوجوه "الأول" أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنصت له حتى فرغ من صلاته "ويؤيده" ما رواه الدارقطنى من حديث عبيد بن محمد العبدى قال ثنا معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس قال دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قم فاركع ركعتين وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته قال الدارقطنى أسنده عبيد بن محمد العبدى ووهم فيه. ورواه أيضا أحمد ابن حنبل بسنده إلى معتمر عن أبيه قال جاء رجل والنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب فقال يا فلان أصليت قال لا قال قم فصلّ ثم انتظره حتى صلى. قال وهذا المرسل هو الصواب. ثم أخرج عن أبى معشر عن محمد بن قيس أن النبى صلى الله. تعالى عليه وعلى آله وسلم حين أمره "يعنى سليكا" أن يصلى ركعتين أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعيه ثم عاد إلى خطبته "قال" وهذا مرسل لا تقوم به الحجة وأبو معشر ضعيف "الثاني" أنه يحتمل أن دخوله كان قبل شروعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الخطبة "وقد" بوّب النسائي في سننه الكبرى على حديث سليك فقال باب الصلاة قبل الخطبة. ثم أخرجه عن ابن الزبير عن جابر قال جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أركعت ركعتين قال لا قال قم فاركعهما "الثالث" أن ذلك مخصوص بسليك الغطفاني فإنه كان فقيرا فأراد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قيامه لتستشرفه العيون ويتصدّق عليه "ويؤيده" ما رواه الطحاوى عن أبى سعيد أن رجلا دخل المسجد ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المنبر فناداه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فما زال يقول ادن حتى دنا فأمره فركع ركعتين قبل أن يجلس وعليه خرقة خلق ثم صنع مثل ذلك في الثانية فأمره بمثل ذلك ثم صنع مثل ذلك في الجمعة الثالثة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للناس تصدّقوا فألقوا الثياب فأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأخذ ثوبين فلما كان بعد ذلك أمر الناس أن
стр. 1101
يتصدّقوا فألقى الرجل أحدث ثوبيه فغضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمره أن يأخذ ثوبه (فهذه أجوبة) عن حديث أمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الداخل المسجد أن يركع ركعتين حال الخطبة (وكلها ضعيفة) يعارضها ما في الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله أنه قال جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب يوم الجمعة فجلس قبل أن يصلى فأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يصلى ركعتين ثم أقبل على الناس بوجهه فقال إذا جاء أحدكم إلى الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين يتجوز فيهما (فهذه) الرواية تنفى الاحتمالات كلها (وأقوى أدلة) من قال بعدم جواز الصلاة حال الخطبة ما رواه الستة والطحاوى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت فقد لغوت. قالوا فإذا منع من هذه الكلمة مع كونها أمرا بمعروف ونهيا عن منكر في زمن يسير وهو واجب فلأن يمنع من الركعتين مع كونهما مسنونتين وفي زمن طويل من باب أولى (وردّ بأن) هذا قياس في مقابلة النصّ فلا يعوّل عليه (والظاهر من الأدلة) أن من دخل المسجد أىّ وقت يصلى ركعتين ولو حاله الخطبة إلا في أوقات الكراهة (قال) الخطابى إذا دخل المسجد كان عليه أن يصلى ركعتين تحية المسجد قبل أن يجلس وسواء أكان في جمعة أم غيرها كان الإمام على المنبر أم لم يكن لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عمّ ولم يخصّ اهـ (وقال) في النيل التحقيق أنه قد تعارض في المقام عمومان. النهى عن الصلاة في أوقات مخصوصة من غير تفصيل. والأمر للداخل بصلاة التحية من غير تفصيل فتخصيص أحد العمومين بالآخر تحكم. وكذلك. ترجيح أحدهما على الآخر مع كون كلّ واحد منهما في الصحيحين بطرق متعدّدة "إلى أن قال" والمقام عندى من المضايق والأولى للمتورّع ترك دخول المساجد في أوقات الكراهة اهـ ملخصا (وما قاله) فيه نظر فإن العموم في النهى من حيث الصلوات والعموم في الأمر بالصلاة لداخل المسجد من حيث الأوقات فالجهة ليست متحدة فلا تعارض بينهما والحق أن حديث النهى خاص في الأوقات. وحديث الأمر بالصلاة لداخل المسجد عامّ فيها فيحمل العامّ على الخاص وفي ذلك إعمال لكل من الدليلين (وما قاله) من أن الأولى للمتورّع ترك دخول المساجد في أوقات الكراهة "غير مسلم" إذ المساجد مأذون في دخولها في جميع الأوقات (وهل تحية المسجد) تفوت بالجلوس فيه خلاف (فذهبت) الحنفية والمالكية إلى أنها لا تفوت بالجلوس ولو طال وإن كان الجلوس قبلها مكروها لما تقدم في قصة الرجل الذى دخل المسجد فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمره بالصلاة بعد جلوسه. ولما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبى ذرّ أنه دخل المسجد فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أركعت ركعتين قال لا قال قم فاركعهما (وذهبت) الحنابلة إلى أنها لا تفوت بالجلوس إلا إذا طال وكذلك قالت الشافعية
стр. 1102
إن كان الجلوس عن سهو أو نسيان وإلا فاتت به مطلقا (قال) النووى ولا يشرع قضاؤها (وقال) الطبرى يحتمل أن يقال وقتها قبل الجلوس وقت فضيلة وبعده وقت جواز أو يقال وقتها قبله أداء وبعده قضاء (وظاهر الحديث) أيضا أن التحية مشروعة وإن تكرّر دخول المسجد وإلى ذلك ذهبت الشافعية (وذهبت) الحنفية إلى أنه إذا تكرّر دخوله يكفيه ركعتان لها في اليوم (وقالت) المالكية إن تكرّر دخوله كفته الأولى إن قرب رجوعه عرفا وإلا كرّرها (وقالت) الحنابلة تسن تحية المسجد لكل داخل في غير وقت النهي قبل أن يجلس إذا كان متطهرا ولو تكرّر دخوله غير خطيب دخل للخطبة وغير داخل لصلاة عيد وغير قيم للمسجد تكرّر دخوله (قال) ابن دقيق العيد من كثر تردّده إلى المسجد وكرّر هل يتكرّر له الركوع مأمورا به. قال بعضهم لا وقاسه على الخطابين والفكاهين المترددين إلى مكة في سقوط الإحرام عنهم إذا كثر ترددهم. والحديث يقتضى تكرار الركوع بتكرار الدخول. وقول هذا القائل يتعلق بمسأله أصولية وهو تخصيص العموم بالقياس وللأصوليين في ذلك أقوال متعددة اهـ (فوائد) "الأولى" هل يصلى التحية من دخل المسجد لصلاة العيد "الظاهر" من لفظ هذا الحديث أنه يصلى "ولا ينافيه" ما ذكره المصنف في باب الصلاة بعد صلاة العيد من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما كان يصلى قبل العيد ولا بعدها "فإنه محمول" على صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إياها في الصحراء كما كانت عادته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وما صلاها في المسجد إلا لضرورة مطر كما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى (الثانية) يستثنى من عموم طلب تحية المسجد من دخل المسجد الحرام فإن تحيته الطواف إلا إذا أراد الجلوس قبل الطواف فإنه يشرع له أن يصلى التحية (قال) ابن دقيق العيد لفظة المسجد تتناول كل مسجد وقد أخرجوا عنه المسجد الحرام وجعلوا تحيته الطواف فإذا كان في ذلك خلاف فلمخالفهم أن يستدلّ بهذا الحديث. وإن لم يكن فالسبب في ذلك النظر إلى المعنى وهو أن المقصود افتتاح الدخول في محل العبادة بعبادة وعبادة الطواف تحصل هذا المقصود مع أن غير هذا المسجد لا يشاركه فيها فاجتمع في ذلك تحصيل المقصود مع الاختصاص. وأيضا فقد يؤخذ ذلك من فعل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حجته حين دخل المسجد فابتدأ بالطواف على ما يقتضيه ظاهر الحديث واستمر عليه العمل وذلك أخصّ من هذا العموم. وأيضا فإذا اتفق أن طاف ومشى على السنة في تعقيب الطواف بركعتيه وجرينا على ظاهر اللفظ في الحديث فقد وفينا بمقتضاه اهـ "ويستثنى أيضا" خطيب الجمعة إذا دخل المسجد بعد الزوال فإنه يصعد المنبر كما كان يفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن دخل قبل الزوال صلاها (الثالثة) قال ابن القيم من هديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد ثم يسلم على القوم فتكون تحية المسجد
стр. 1103
قبل تحية أهله فإن تلك حقّ الله تعالى والسلام على الخلق حقّ لهم وحق الله تعالى في مثل هذا أحق بالتقديم بخلاف الحقوق المالية فإن فيها نزاعا معروفا. والفرق بينهما حاجة الآدمى وعدم تساع الحقّ المالى لأداء الحقين بخلاف السلام وكانت عادة القوم معه ﵌ هكذا يدخل أحدهم المسجد فيصلى ركعتين ثم يسلم على النبى ﵌ "ففي" حديث رفاعة ابن رافع أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بينما هو جالس في المسجد يوما قال رفاعة ونحن معه إذ جاء رجل كالبدوى فصلى فأخف صلاته ثم انصرف فسلم على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعليك السلام ارجع فصلّ فإنك لم تصل "الحديث" فأنكر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليه صلاته ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه بعد الصلاة، وعلى هذا فيسنّ لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاث تحيات مرتبة "أحدها" أن يقول عند دخوله باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله "ثم يصلى" ركعتين تحية "ثم يسلم" على القوم اهـ (الرابعة) إذا دخل مجتازا لا يطالب بالتحية عند المالكية ويطالب بها عند الجمهور لعموم الأحاديث
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخاري ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه وأحمد والبيهقى والدارقطنى وكذا الأثرم في سننه بلفظ أعطوا المساجد حقها قالوا وما حقها قال تصلوا ركعتين قبل أن تجلسوا
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا أَبُو عُمَيْسٍ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ وزَادَ: «ثُمَّ لِيَقْعُدْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ أَوْ لِيَذْهَبْ لِحَاجَتِهِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو عميس) بضم العين المهملة مصغرا هو (عتبة بن عبد الله)
ابن عتبة بن مسعود الهذلى المسعودى. روى عن أبيه والشعبى وأبي إسحاق وعمرو بن مرّة وكثيرين
وعنه محمد بن إسحاق وشعبة وابن عيينة ووكيع وآخرون. قال أحمد وابن معين وابن سعد
وابن حبان ثقة وقال أبو حاتم صالح الحديث. روى له الجماعة
(قوله عن رجل من بني زريق) قال
الحافظ هو عمرو بن سليم الزّرقى ثقة من كبار التابعين اهـ ويدل له الرواية المتقدمة. ومنه تعلم أن قول
المنذرى إنه مجهول غير مسلم
(معنى الحديث)
(قوله نحوه) أى نحو حديث مالك عن عامر
(قوله وزاد الخ) أى زاد أبو عميس في حديثه ثم ليقعد بعد أن صلى الركعتين إن شاء القعود أو ليمض إلى حاجته. وهذه الرواية تدل على أن من دخل المسجد ولو مجتازا يطلب منه التحية خلافا
стр. 1104
للمالكية القائلين بأنه لا يطالب بها إلا من أراد الجلوس أخذا بمفهوم الحديث المتقدم وبمفهوم ما رواه البخارى بلفظ إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس
(باب في فضل القعود في المسجد)
أى في بيان الترغيب في الجلوس في المسجد لانتظار الصلاة وغيرها. وفى بعض النسخ باب فضل القعود في المسجد
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: " الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، أَوْ يَقُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ "
(ش) (قوله عن أبى الزناد) هو عبد الله بن ذكوان. و (الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز
(قوله الملائكة تصلى على أحدكم الخ) أى تدعو له بالمغفرة والرحمة مدّة دوامه في المكان الذى صلى فيه من المسجد يذكر الله تعالى أو ينتظر صلاة أخرى كما في رواية للبخارى. ويحتمل أن المراد بالمصلى المسجد كله ويؤيده ما رواه الترمذى عن أبى هريرة مرفوعا لا يزال أحدكم في صلاة مادام ينتظرها ولا تزال الملائكة تصلى على أحدكم مادام في المسجد. فأفاد أنه لو انتقل إلى موضع آخر من المسجد غير موضع صلاته منه يحصل له ذلك الثواب، ولا فرق في ذلك بين المسجد ومصلى البيت فلو جلست امرأة في مصلى بيتها تنتظر وقت صلاة أخرى لم يبعد أن تصلى عليها الملائكة أيضا لأنها حبست نفسها لأجل الصلاة
(قوله ما لم يحدث) بسكون الحاء المهملة وتخفيف الدال المكسورة أى يخرج منه ريح لما يأتى للمصنف أن أبا هريرة لما ذكر الحديث قال له رجل وما الحدث يا أبا هريرة قال يفسو أو يضرط. وانقضى ثواب الانتظار بالحدث لأنه لا يكون متهيئا للعبادة (قال) ابن المهلب معناه أن الحدث في المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاءهم المرجو بركته اهـ وظاهر كلامه أن إخراج الريح في المسجد حرام. والجمهور على أنه لا يحرم وأن الأولى اجتنابه لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. ويؤخذ منه أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء الملائكة لا يمنع جواز الجلوس في المسجد. وإن جلس فيه لعبادة كاعتكاف أو انتظار صلاة أو ذكر كان مستحبا وإلا فمباحا. وقيل يكره لخبر فإن المساجد لم تبن لهذا رواه المصنف في الباب الآتى من حديث أبى هريرة ولهذا قالوا يكره النوم في المساجد لأنه مظنة خروج الريح (وقال) ابن حجر يجوز النوم فيه بلا كراهة لأن أهل الصفة كانوا يديمون النوم في المسجد اهـ وقيل يكره للمقيم دون الغريب وهو مذهب
стр. 1105
مالك وأحمد (وقال) جمع من السلف بكراهته مطلقا
(قوله أو يقم) بالجزم عطف على لفظ يحدث وفي نسخة أو يقوم بالرفع عطف على ما لم يحدث باعتبار المعنى
(قوله اللهم اغفر له اللهم ارحمه) بيان لصلاة الملائكة عليه. زاد ابن ماجه اللهم تب عليه. والمعنى أن الملائكة تدعو له بقولها اللهم اغفر له الخ (قال) ابن حجر استدلّ به على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال لما ذكر من صلاة الملائكة عليه ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة. وعلى تفضيل صالحى الناس على الملائكة لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات بعبادتهم والملائكة مشغولون بالاستغفار والدعاء لهم اهـ وعطف الرحمة على المغفرة من عطف العامّ على الخاصّ فإن المغفرة محو الذنب من الصحيفة أو سترها عن أعين الملائكة والرحمة هي الإحسان وهو شامل لتكفير السيئات ورفع الدرجات وغيرهما من أنواع النعم
(فقه الحديث) والحديث يدل على الترغيب في مكث المصلى في مصلاه ليحصل على دعاء الملائكة، وعلى عظيم قدر الصلاة والتهيؤ لها، وعلى أن الحدث في المسجد مانع من الخير، وعلى فضل الإنسان الطائع لربه حيث جعلت الملائكة الكرام مسخرين لطلب المغفرة والرحمة له
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى والنسائى ومالك وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجه من حديث أبى صالح عن أبى هريرة ولفظه في ابن ماجه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن أحدكم إذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذى صلى فيه يقولون اللهم اغفر له اللهم ارحمه اللهم تب عليه ما لم يحدث فيه ما لم يؤذ فيه اهـ
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ»
(ش) (قوله لا يزال أحدكم في صلاة) أى في ثواب صلاة لا في حكمها لأنه يحلّ له الكلام وغيره مما منع في الصلاة
(قوله ما كانت الصلاة تحبسه) أى مدّة كون انتظار الصلاة مانعا له من الخروج إلى حاجته (قال) الزرقانى هذا يقتضى أنه إذا صرف نيته عن ذلك صارف آخر انقطع عنه الثواب وكذلك إذا شارك نية الانتظار أمر آخر اهـ لكن قال الأبىّ يحصل له الثواب حتى لو كان إماما بأجر. وكان الشيخ يقول وحتى لو كان انتظاره ليدرأ به عن نفسه تعب الذهاب والرجوع. وهذا كله بشرط أن لا يتحدّث بحديث غير علم أو ينام اختيارا اهـ وسواء
стр. 1106
أكان الانتطار بين مشتركتى الوقت أم لا خلافا لما قاله الباجى من أن حصول الثواب إذا كان في مشتركتى الوقت. وهل يحصل الثواب لمن نيته إيقاع الصلاة في المسجد ولو لم يكن فيه. الظاهر أنه لا يحصل له لأنه رتب الثواب على المجموع من النية وشغل البقعة بالعبادة لكن له ثواب يخصه
(قوله لا يمنعه أن ينقلب الخ) أى لا يمنعه من الرجوع إلى أهله إلا انتظار الصلاة
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن منتظر الصلاة له ثواب كثواب المصلى
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم ومالك في الموطأ والبيهقى
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ"، فَقِيلَ مَا يُحْدِثُ؟ قَالَ: يَفْسُو، أَوْ يَضْرِطُ
(ش) (قوله حماد) بن سلمة. و (ثابت) البنانى. و (أبو رافع) هو نفيع الصائغ
(قوله فقيل وما يحدث الخ) أى قيل لأبى هريرة والقائل له أبو رافع كما في رواية مسلم. ولعل سبب الاستفسار إطلاق الحدث على غير ذلك عندهم. أو ظنوا أن الإحداث بمعنى الابتداع والفساء الريح الخارج من الدبر من غير صوت. ويضرط بفتح الراء وكسرها من بابى تعب وضرب والاسم منه ضرط ككتف وهو الريح الخارج من الدبر بصوت
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم
(ص) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، ثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ الْأَزْدِيُّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ فَهُوَ حَظُّهُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله هشام بن عمار) بن نصير بن ميسرة بن أبان أبو الوليد السلمى الظفرى الدمشقى. روى عن يحيى بن حمزة وابن عيينة ومالك وصدقة بن خالد وكثيرين وعنه ابن معين وابن سعد والبخارى وأبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذى بواسطة البخارى قال ابن معين هو كيس ثقة وقال العجلى ثقة صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال مسلمة تكلم
стр. 1107
فيه وهو جائز الحديث صدوق وقال عبدان ما كان في الدنيا مثله وقال الدارقطنى صدوق كبير وقال الآجرى عن أبى داود حدّث هشام بأربعمائة حديث مسندة ليس لها أصل وقال المزّى ذكر أحمد هشاما فقال طياش خفيف. ولد سنة ثلاثا وخمسين ومائة. قيل توفى سنة خمس وأربعين ومائتين
(قوله صدقة بن خالد) الدمشقى أبو العباس الأموى. روى عن أبيه وزيد بن واقد وعتبة بن أبى حكيم وعثمان بن أبى العاتكة والأوزاعي وغيرهم. وعنه الوليد بن مسلم ويحيى بن حمزة وأبو مسهر وهشام بن عمار وطائفة. قال أحمد ثقة ثقة ليس به بأس صالح الحديث ووثقه ابن معين ودحيم وابن نمير والعجلى وأبو زرعة وابن لسعد والنسائى وابن عمار وأبو داود. قيل توفى سنة إحدى وثمانين ومائة. روى له البخارى وأبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله عثمان ابن أبى العاتكة) أبو حفص الأزدى الدمشقى. روى عن عمير بن هانئ وعمرو بن مهاجر وعلى ابن يزيد الألهانى وسليمان بن حبيب وغيرهم. وعنه صدقة بن خالد والوليد بن مسلم ومحمد بن شعيب وجماعة. قال ابن معين ليس بشئ وقال دحيم والعجلي وأبو حاتم لا بأس به وقال النسائى ضعيف وقال ابن عدى هو مع ضعفه يكتب حديثه وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالقوى عندهم وقال خليفة كان ثقة كثير الحديث وقال الواقدى كان ثقة في الحديث وذكره ابن حبان في الثقات توفى سنة خمس وخمسين ومائة. روى له أبو داود وابن ماجه
(قوله عمير بن هانئ) أبى الوليد الدمشقى. روى عن ابن عمر ومعاوية بن أبى سفيان وأبى هريرة وغيرهم. وعنه قتادة والزهرى وسعيد بن بشير ومعاوية بن صالح والأوزاعي وكثيرون. قال العجلى تابعى ثقة ووثقه ابن حبان مات سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة إلا النسائى. و (العنسى) بفتح فسكون نسبة إلى عنس بن مالك بن أدد
(معنى الحديث)
(قوله من أتى المسجد لشئ الخ) أى من حضره لقصد حصول شئ أخروى أو دنيوى فذلك الشئ نصيبه يثاب عليه أو يعاقب فهو كقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإنما لكل امرئ ما نوى ففيه تنبيه على تحسين النية في إتيان المسجد لئلا تكون مختلطة بغرض دنيوى كالاجتماع مع الأصحاب أو النوم فيه أو الكلام بل ينوى الاعتكاف والعزلة والعبادة واستفادة علم أو إفادته أو نحو ذلك
(ففه الحديث) والحديث يدلّ على الترغيب في عمارة المساجد بالعبادة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى
(باب في كراهية إنشاد الضالة في المسجد)
أى في بيان النهى عن تعريف الحيوان أو غيره الضائع في المسجد. فالضالة بتشديد اللام
стр. 1108
الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره يقال صلّ الشئ إذا ضاع وضلّ عن الطريق إذا جار. وهى في الأصل فاعلة ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة. وتقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع وتجمع على ضوال كذا في النهاية. وقال في المصباح الضالة مختصّ بالحيوان ويقال لغير الحيوان ضائع ولقيط اهـ
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا حَيْوَةُ يَعْنِي ابْنَ شُرَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْأَسْوَدِ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى شَدَّادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا أَدَّاهَا اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا "
(ش) (رجال الحديث)
(قوله الجشمى) نسبة إلى جشم قرية من قرى بيهق من أعمال نيسابور بخراسان
(قوله سمعت أبا الأسود يعنى محمد بن عبد الرحمن بن نوفل) بن الأسود ابن نوفل بهن خويلد الأسدى المدنى. روى عن عروة وعلى بن الحسين وسليمان بن يسار والقاسم ابن محمد والأعرج. وعنه الزهرى وعمرو بن الحارث ومالك وسعيد بن أبى أيوب وحيوة بن شريح. وثقه أبو حاتم والنسائى وابن سعد وابن حبان وابن شاهين وقال أحمد بن صالح ثبت له شأن. قيل مات سنة ثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(قوله أبو عبد الله) هو سالم بن عبد الله (مولى شدّاد بن الهاد) روى عن أبى هريرة وعثمان وعائشة وعبد الرحمن بن أبى بكر وأبى سعيد الخدرى وعنه أبو الأسود وبكير بن الأشج وسعيد المقبرى ويحبى بن أبى كثير وغيرهم. قال العجلى تابعى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم شيخ. مات سنة عشر ومائة روى له مسلم وأبو داود وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله من سمع رجلا ينشد الخ) بفتح المثناة التحتية وضم الشين المعجمة كيطلب وزنا ومعنى يقال نشدت الدّابة إذا طلبتها وعرّفتها وأنشدتها إذا عرّفتها فالنشد يستعمل في الطلب والتعريف بخلاف الإنشاد فإنه يستعمل في التعريف فقط
(قوله لا أداها الله إليك) أى لا أوصلها الله إليك. وفى رواية مسلم لا ردّها الله عليك. وفى رواية النسائى لا وجدت فهو دعاء عليه. فلا لنفى الماضى ودخولها عليه بلا تكرار جائز في الدعاء وفي غير الدعاء
стр. 1109
الغالب التكرار كقوله تعالى "فلا صدّق ولا صلى" (قال) ابن رسلان قوله لا أداها الله إليك فيه دليل على جواز الدعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان معاقبة له في ماله ومعاملة له بنقيض قصده اهـ
(قوله فإن المساجد لم تبن لهذا) أى لنشد الضالة بل بنيت لذكر الله والصلاة وتعليم العلم ونحو ذلك. وروى ابن أبى شيبة بسند جيد عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عمر سمع ناسا من التجار يذكرون تجارتهم والدنيا في المسجد فقال إنما بنيت هذه المساجد لذكر الله فإذا ذكرتم تجاراتكم ودنياكم فاخرجوا إلى البقيع (وفى الحديث) دلالة على النهى عن رفع الصوت بنشد الضالة في المسجد ومثله البيع والشراء. لما رواه الترمذى وحسنه إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا لا ردها الله عليك ومثل البيع الإجارة (قال) في المرقاة وكذا يندب أن يقال لمن أنشد شعرا مذموما فضّ الله فاك ثلاثا للأمر بذلك رواه ابن السنى اهـ (وقال) المازرى في الحديث منع السؤال في المسجد اهـ لكن سيأتي للمصنف في باب المسألة في المساجد أنه صلى الله تعالى وعليه وعلى آله وسلم قال هل فيكم أحد أطعم اليوم مسكينا فقال أبو بكر دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها منه فدفعتها إليه. فهذا يدلّ على جواز السؤال بالمسجد وهو الذى اختاره النووى (قال) في المرقاة لا بأس بإعطاء السائل فيه شيئا للحديث الصحيح هل فيكم أحد أطعم اليوم مسكينا "الحديث" وروى البيهقي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر سليكا الغطفانى بالصلاة يوم الجمعة في حال الخطبة ليراه الناس فيتصدقوا عليه وأنه أمرهم بالصدقة وهو على المنبر (وفصل) بعضهم بين من يؤذى الناس بالمرور ونحوه فيكره إعطاؤه لأنه إعانة له على ممنوع وبين من لا يؤذى فيجوز إعطاؤه لأن السؤّال كانوا يسألون على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المسجد اهـ (وقال) القاضى عياض فيه دليل على منع عمل الصانع في المسجد كالخياطة وشبهها "والراجح" منع الصنائع التى يختص بنفعها آحاد الناس ويكتسب بها فلا يتخذ المسجد متجرا وأما المثاقفة وإصلاح آلات الجهاد مما لا امتهان للمسجد في عمله فلا بأس اهـ (فائدة) لا يجوز رفع الصوت في المسجد ولو بالقرآن والذكر. فقد روى المصنف عن أبي سعيد الخدرى أنه قال اعتكف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذينّ بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة. وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم "الحديث" رواه ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع، وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة، رواه الخطيب عن جابر. ونحو ذلك من الأحاديث المشهورة. ولذا أنكرت
стр. 1110
الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على من رفع صوته في المسجد بقراءة أو ذكر كما هو منصوص عليه في البخارى وغيره (قال البزّازى) وفى فتاوى القاضى الجهر بالذكر حرام، وقد صحّ عن ابن مسعود أنه سمع قوما اجتمعوا في مسجد يهللون ويصلون على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جهرا فذهب إليهم وقال ما عهدنا ذلك على عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وما أراكم إلا مبتدعين فما زال يذكر ذلك حتى أخرجهم من المسجد اهـ وروى عن سعيد ابن المسيب أنه كان في المسجد آخر الليل يتهجد ثم دخل عمر بن عبد العزيز وكان إذ ذاك خليفة وكان حسن الصوت فجهر بالقراءة فلما سمعه سعيد بن المسيب قال لخادمه اذهب إلى هذا المصلى فقل له إما أن تخفض من صوتك وإما أن تخرج من المسجد ثم أقبل على صلاته فجاء الخادم فوجد المصلى عمر بن عبد العزيز فرجع ولم يقل له شيئا فلما سلم سعيد قال لخادمه ألم أقل لك تنهى هذا المصلى عما يفعل فقال له هو الخليفة عمر بن عبد العزيز قال اذهب إليه وقل له ما أخبرتك به فذهب إليه فقال له إن سعيدا يقول لك إما أن تخفض من صوتك وإما أن تخرج من المسجد فخفف في صلاته فلما سلم منها أخذ نعليه وخرج من المسجد اهـ وروى ابن أبى شيبة بسند جيد عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب اتخذ مكانا إلى جانب المسجد يقال له البطيحاء وقال من أراد أن يلغط أو يرفع صوتا أو ينشد شعرا فليخرج إليه. وروى يحيى عن نافع أن عمر بينما هو في المسجد عشاء إذ سمع ضحك رجل فأرسل إليه فقال من أنت فقال أنا رجل من ثقيف فقال أمن أهل البلد أنت فقال بل من أهل الطائف فتوعده فقال لو كنت من أهل البلد لنكلت بك إن مسجدنا هذا لا ترفع فيه الأصوات. وعن السائب بن يزيد قال كنت مضطجعا في المسجد فحصبني رجل فرفعت رأسى فإذا عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فقال اذهب فأتنى بهذين الرجلين فجئت بهما فقال من أين أنتما قالا من أهل الطائف قال لو كنتما من أهل البلد ما فارقتمانى حتى أوجعتكما جلدا ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (ومن ثمّ) نصت الأئمة على منع رفع الصوت في المساجد بقرآن أو ذكر (قال) في الدرّ المختار يحرم في المسجد رفع الصوت بذكر إلا للمتفقهة اهـ (وقال) في البحر الرائق إذا جهر الإمام فوق حاجة الناس فقد أساء اهـ ونحوه في سائر كتب السادة الحنفية (وقال) في مختصر الإمام خليل وشروحه وحواشيه يكره رفع الصوت بقراءة القرآن في المسجد خشية التشويش على المصلين والذاكرين فإن شوّش حرم اتفاقا اهـ ونحوه في باقى كتب السادة المالكية (وقال) ابن العماد تحرم القراءة جهرا على وجه يشوّش على نحو مصلّ اهـ ومثله في كتب السادة الشافعية ونظير ذلك في كتب السادة الحنابلة (فائدة أخرى) يمنع دخول الصبيان المساجد لحديث جنبوا مساجدكم صبيانكم الخ (قال في الدرّ المختار) يحرم إدخال صبيان ومجانين المسجد حيث
стр. 1111
غلب تنجيسهم وإلا فيكره (وقالت) المالكية يجوز بمسجد إحضار الصبي الذى شأنه أنه لا يعبث أو يعبث لكن ينكفّ عن العبث إذا نهى وإلا منع إدخاله اهـ (وقالت) الشافعية والحنابلة يكره إدخال الصبيان الذين لا يميزون المسجد لأنه لا يؤمن تلويثهم إياه اهـ لكن قالت الحنابلة محله إذا كان لغير مصلحة ولا فائدة أما إذا كان لها كقراءة وصلاة فيجوز
(فقه الحديث) دلّ الحديث على النهى عن طلب الضائع في المسجد، وعلى أن من سمع ذلك يطلب منه أن يدعو عليه بعدم ردّه اليه، وعلى أن المساجد لم تبن للاشتغال بالأمور الدنيوية
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم وابن ماجه
(باب في كراهية البزاق في المسجد)
وفي بعض النسخ باب في كراهة البزاق في المسجد. وتقدم أن الكراهية والكراهة كلاهما مصدران من كره يكره من باب علم
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا هِشَامٌ، وَشُعْبَةُ، وَأَبَانٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «التَّفْلُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُوَارِيَهُ»
(ش) (قوله هشام) بن أبى عبد الله الدستوائى. و (أبان) بن يزيد العطار. و (قتادة) ابن دعامة
(قوله التفل في المسجد الخ) بفتح المثناة من فوق وإسكان الفاء نفخ معه أدني بزاق وهو أكثر من النفث وأقل من البزاق أى إلقاء البزاق في المسجد ذنب. وفى رواية لأحمد التفل في المسجد سيئة. وقوله في المسجد ظرف للفعل فيتناول النهى من تفل في المسجد وهو خارج عنه وقوله وكفارته أن يواريه أى يستره. وفي نسخة أن يواريه. وفي رواية في الصحيحين وكفارتها أى يجب عليه أن يكفر هذه الخطيئة بستر ودفن التفل في تراب المسجد إن كان ترابيا وإلا أزالها (قال) المازرى هو خطيئة لمن فعل ولم يدفن لأنه يقذّر المسجد ويتأذى به من تعلق به أو رآه كما جاء في الحديث الآخر لئلا يصيب جلد مؤمن. وأما من اضطر إليه ودفنه فقيل إن الخطيئة ثبتت ولكن كفرها الدفن. والصواب أنه لم يأت خطيئة. وإنما جعل الدفن كفارة لأنه على تقدير عدم الدفن ثبتت الخطيئة فلما أسقط ما يقذّر سمى كفارة كما سميت تحلة اليمين كفارة مع أن اليمين ليست إثما يكفر ولكن لما جعلها الله تعالى فسحة لعباده ورافعة لحكم اليمين سماها
стр. 1112
كفارة ولذا جاز إخراجها قبل الحنث اهـ (قال) النووى "ما ذكر من" أنه ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة "قول باطل" لا يغترّ به بل البصاق في المسجد خطيئة بنصّ الحديث لكن كفرها الدفن فإن اضطرّ فليبصق في ثوبه اهـ (قال) الحافظ في الفتح حاصل النزاع أن هنا عمومين تعارضا وهما قوله البزاق في المسجد خطيئة وقوله وليبصق عن يساره أو تحت قدمه. فالنووى يجعل الأول عاما ويخصّ الثانى بما إذا لم يكن في المسجد والقاضى بخلافه يجعل الثانى عاما ويخصّ الأول بمن لم يرد دفنها. وقد وافق القاضى جماعة منهم ابن مكيّ في التنقيب والقرطبي في المفهم وغيرهما. ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن من حديث سعد بن أبى وقاص مرفوعا قال من تنخم في المسجد فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه. وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد أيضا والطبرانى بإسناد حسن من حديث أبى أمامة مرفوعا قال من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة وإن دفنه فحسنة. فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن. ونحوه ما في حديث أبى ذرّ عند مسلم مرفوعا قال ووجدت في مساوى أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن (قال) القرطبى فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد بل به وبتركها غير مدفونة اهـ ببعض تصرّف. وروى سعيد بن منصور عن أبى عبيدة في الجرّاح أنه تنخم في المسجد ليلة فنسى أن يدفنها حتى رجع إلى منزله فأخذ شعلة من نار ثم جاء فطلبها حتى دفنها ثم قال الحمد لله الذى لم يكتب عليّ خطيئة الليلة. وتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر كأن لم يتمكن من الخروح من المسجد والمنع على ما إذا لم يكن له عذر (أقول) الحق ما قاله النووى "وما ذكره" غيره من الأدلة "لا يدفع" أن البصاق في المسجد خطيئة وكل ما فيها أن الدفن يمحوها "وأما قوله" في حديث أبى أمامة وإن دفنه فحسنة "فمعناه" أن الدفن حسنة كفرت سيئة البصاق. فالمعوّل عليه أن البصاق في المسجد خطيئة مطلقا سواء احتاج إلى البصاق أم لم يحتج بل يبزق في ثوبه فإن بزق في المسجد فقد ارتكب خطيئة وعليه تكفيرها بدفن البزاق
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن التفل في المسجد ذنب يطلب تكفيره بدفنه في الأرض، وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم الأمة أحكام دينها ولو صغرت في زعم الزاعمين
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم من طريق شعبة
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا».
стр. 1113
(ش) (قوله أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله
(قوله البزاق في المسجد خطيئة) وفي نسخة إن البزاق. وهو ما يخرج من الريق المجتمع في الفم. ويقال فيه بصاق بالصاد المهملة وهي رواية النسائى. وفي لغة قليلة بساق بالسين المهملة وعدّها جماعة غلطا. والمعنى طرح البزاق في أرض المسجد وجدرانه إثم. وإنما أطلق عليه لفظ خطيئة لأن من شأن المسلم أن لا يصدر منه ذلك الفعل إلا خطأ حتى قال ابن العماد لا خلاف أن من بصق في المسجد استهانة به كفر والعياذ بالله تعالى
(قوله وكفارتها دفنها) أى سترها ولم يقل كفارتها تغطيتها لأن التغطية يستمر الضرر بها إذ لا يؤمن أن يجلس غيره عليها فتؤذيه بخلاف الدفن فإنه يفهم منه التعميق في باطن الأرض (واختلف) في المراد بالدفن فالجمهور على أنه الدفن في تراب المسجد ورمله وحصبائه إن كانت فيه هذه الأشياء فإن لم تكن المساجد تربة وكانت ذات حصير أو كان فرشها من الجصّ أو الحجر أخرجها. وقيل المراد بالدفن إخراجها مطلقا سواء أكانت تربة أم لا. لكن الأول أوفق بلفظ الحديث
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى والترمذى وقال حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، ثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ» فَذَكَرَ مِثْلَهُ
(ش) (قوله أبو كامل) هو فضيل بن حسين الجحدرى
(قوله النخاعة) بضم النون هي النخامة وهي ما يخرج من الخيشوم عند التنخع ويقال نخاعة بالكسر والفتح أيضا (قال) النووى قال أهل اللغة المخاط من الأنف والبصاق والبزاق من الفم والنخاعة من الرأس أيضا ومن الصدر اهـ
(قوله فذكر مثله) أى ذكر سعيد بن أبى عروبة مثل الحديث المتقدم الذى رواه كلّ من أبى عوانة وهشام وشعبة وأبان عن قتادة
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، ثَنَا أَبُو مَوْدُودٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «مَنْ دَخَلَ هَذَا الْمَسْجِدَ فَبَزَقَ فِيهِ، أَوْ تَنَخَّمَ فَلْيَحْفِرْ وَلْيَدْفِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَبْزُقْ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ لِيَخْرُجْ بِهِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو مودود) هو عبد العزيز بن أبى سليمان
стр. 1114
المدني الهذلى مولاهم. روى عن السائب بن يزيد وعبد الرحمن بن أبى حدرد ومحمد بن كعب وآخرين. وعنه عبد الرحمن بن مهدى وابن أبى فديك ووكيع والقعنبى. وثقه أحمد وابن معين وأبو داود وابن المدينى وابن نمير وابن حبان وضعفه البرقى وقال يكتب حديثه روى له أبو داود
(قوله عبد الرحمن بن أبى حدرد) بفتح الحاء وسكون الدال المهملتين (الأسلمى) المدنى. روى عن أبى هريرة. وعنه أبو مودود. قال الدارقطنى لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات
(معنى الحديث)
(قوله أو تنخم) من النخامة وهى البزقة التي تخرج من أقصى الحلق ومن مخرج الخاء المعجمة يقال تنخم إذا رمى نخامته
(قوله فليحفر الخ) بكسر الفاء من باب ضرب أى فليحفر موضعا في المسجد إن أمكن الحفر كأن كان ترابيا وليدفنه وإن لم يتمكن من ذلك بزق في ثوبه وأبقاه في الثوب حتى يخرج به من المسجد ولا يقذّره به
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن من بزق وهو في المسجد يطلب منه أن يدفن بزاقه في تراب المسجد إن كان تربيا وإلا بزق في ثوبه ويبقيه فيه ولا يلطخ به المسجد، وعلى أن البزاق طاهر. وليس في طهارته خلاف إلا ما حكى عن إبراهيم النخعى من أن البزاق نجس كما تقدم، وعلى طلب احترام المساجد
(ص) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «إِذَا قَامَ الرَّجُلُ إِلَى الصَّلَاةِ، أَوْ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْزُقَنَّ أَمَامَهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ تِلْقَاءِ يَسَارِهِ، إِنْ كَانَ فَارِغًا أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ لِيَقُلْ بِهِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عن أبى الأحوص) هو سلام بن سليم. و (منصور) ابن المعتمر
(قوله عن ربعىّ) بكسر الراء وسكون الموحدة ابن خراش بن جحش بن عمرو الغطفانى العبسى أبى مريم الكوفي. روى عن عمر وعلى وأبى موسى وحذيفة وابن مسعود وطارق بن عبد الله وغيرهم. وعنه الشعبى ومنصور وعبد الملك بن عمير وأبو مالك الأشجعى وطائفة. قال العجلى تابعى ثقة من خيار الناس لم يكذب كذبة قط ووثقه ابن حبان وابن سعد وقال اللالكائى مجمع على توثيقه. مات سنة مائة أو إحدى أو أربع ومائة. روى له الجماعة
(قوله طارق بن عبد الله المحاربى) الكوفي حديثه في أهل الكوفة. روى عنه ربعىّ وكامل بن شدّاد وأبو الشعثاء. روى له أبو داود
стр. 1115
والنسائى والترمذى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله إذا قام الرجل إلى الصلاة أو إذا صلى أحدكم الخ) بالشك من الراوى أى إذا دخل أحدكم في الصلاة فلا يبزقنّ أمامه تعظيما للقبلة. وفى نسخة فلا يبزق (وظاهر) النهى التحريم ويؤيده تعليله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأن الله تعالى بينه وبين القبلة كما في رواية البخارى من حديث أنس. وبأن الله قبل وجهه كما سيأتي للمصنف من حديث ابن عمر وجابر (قال) الحافظ هذا التعليل يدلّ على أن البزاق في القبلة حرام سواء أكان في المسجد أم لا ولا سيما من المصلى فلا يجرى فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هى للتنزيه أو للتحريم. وفى صحيحى ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعا من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه. وفى رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعا يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهى في وجهه. ولأبي داود وابن حبان من حديث السائب بن خلاد أن رجلا أمّ قوما فبصق في القبلة فلما فرغ قال رسول الله ﵌ لا يصلى لكم "الحديث" وفيه أنه قال له إنك آذيت الله ورسوله اهـ
(قوله ولا عن يمينه) أى ولا يبزق جهة اليمين تشريفا لها عن الأقذار أو لأن بها ملكا يكتب الحسنات (وظاهر الحديث) أن النهى عن ذلك مقيد بحالة الصلاة فقط وإلى ذلك ذهب مالك وقال لا بأس بالتفل جهة اليمين خارج الصلاة. وجزم النووى بالمنع مطلقا داخل الصلاة وخارجها. ويدلّ له ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى نخامة في جدار المسجد فتناول حصاة فحتها وقال إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمنّ قبل وجهه ولا عن يمينه وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى. فهو يدلّ على المنع مطلقا. ويدلّ له أيضا ما سيأتى للمصنف عن أبى سعيد وجابر (قال) الحافظ ويشهد للمنع "يعني مطلقا" ما رواه عبد الرازق وغيره عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة "وعن" معاذ بن جبل قال ما بصقت عن يمينى منذ أسلمت "وعن" عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقا. وكأن الذى خصه بحالة الصلاة أخذه من علة النهى المذكورة في رواية همام عن أبى هريرة حيث قال فإن عن يمينه ملكا. هذا إذا قلنا إن المراد بالملك غير الكاتب والحافظ فيظهر حينئذ اختصاصه بحالة الصلاة اهـ (وقال) القاضى عياض النهى عن البصاق جهة اليمين في الصلاة إنما هو مع إمكان غيره فإن تعذّر فله ذلك اهـ (قال) الحافظ لا يظهر وجود التعذر مع وجود الثوب الذى هو لابسه وقد أرشده الشارع إلى التفل فيه اهـ
(قوله ولكن عن تلقاء يساره الخ) أى حذاءه وجهته إن لم يكن جهة يساره أحد وإن كان جهة يساره أحد بزق تحت قدمه اليسرى فأوفى قوله أو تحت قدمه اليسرى للتفصيل (قال) النووى الأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه فيما إذا كان في غير المسجد وأما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه لحديث البصاق في المسجد خطيئة اهـ يعنى
стр. 1116
فيبعد أن يأذن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في البزاق في المسجد بعد بيان أنه خطيئة (وقال) ابن حجر في شرح مشكاة المصابيح هذا إذا كان المصلى في غير المسجد أو فيه ولم يصل البزاق إلى شيء من أجزائه. ويلحق بالصلاة في ذلك خارجها ولو في غير المسجد اهـ
(قوله ثم ليقل به) يعنى ثم ليمسح البصاق وليدلكه
(فقه الحديث) والحديث يدل على أن البزاق حال الصلاة لا يبطلها ومثله التنخع إذا اضطر إليه وعلى تعظيم جهتى القبلة واليمين، وعلى جواز البزاق جهة اليسار أو تحت القدم عند الضرورة وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم الأمة الآداب الشرعية حتى كيف يبزقون
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى وقال حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم اهـ وأخرجه النسائى عن طارق قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا كنت تصلى فلا تبزقنّ بين يديك ولا عن يمينك وابصق خلفك أو تلقاء شمالك إن كان فارغا وإلا فهكذا وبزق تحت رجله ودلكه
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، ثَنَا حَمَّادٌ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمًا إِذْ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَتَغَيَّظَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَكَّهَا، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فَدَعَا بِزَعْفَرَانٍ فَلَطَّخَهُ بِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِ أَحَدِكُمْ إِذَا صَلَّى، فَلَا يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ».
(ش) (قوله حماد) بن زيد. و (أيوب) السختيانى
(قوله إذ رأى نخامة في قبلة المسجد) إذ للمفاجأة أى ففاجأه رؤية النخامة في الحائط الذى جهة القبلة. وفي رواية البخارى رأى بصاقا في جدار القبلة. وفى رواية المستملى في جدار المسجد. وليس المراد بها المحراب الذى يسميه الناس قبلة لأن المحاريب من المحدثات بعده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "ومن ثمّ" كره جمع من السلف اتخاذها والصلاة فيها (قال) القضاعى أوّل من أحدث ذلك عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ عامل للوليد بن عبد الملك على المدينة حينما جدّد المسجد وزاد فيه اهـ (وقال) في روح المعانى إن الصلاة في المحاريب المشهورة الموجودة في مساجد المسلمين قد كرهها جماعة من الأئمة وهي من البدع التى لم تكن في العصر الأول اهـ ملخصا (وقال) السمهودى في تاريخ المدينة أسند يحيى عن عبد المهيمن بن عباس عن أبيه قال مات عثمان وليس في المسجد شرفات ولا محراب فأوّل من أحدث المحراب والشرفات عمر بن عبد العزيز اهـ (وقال) النووى في شرح
стр. 1117
المهذب قال أصحابنا إذا صلى في مدينة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمحراب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حقه كالكعبة فمن يعاينه يعتمده ولا يجوز العدول عنه بالاجتهاد بحال "ويعنى بمحراب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مصلاه وموقفه" لأنه لم يكن هذا المحراب المعروف "موجودا" في زمن النبي ﵌ وإنما أحدثت المحاريب بعده اهـ (وللإمام السيوطى) في ذلك رسالة مستقلة، وهاك نصها: -
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، هذا جزء سميته "إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب" لأن قوما خفى عليهم كون المحراب في المساجد بدعة، وظنوا أنه كان في مسجد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في زمنه. ولم يكن في زمانه قطّ محراب ولا في زمان الخلفاء الأربعة فمن بعدهم إلى آخر المائة الأولى وإنما حدث في آخر المائة الثانية (١) مع ورود الحديث بالنهى عن اتخاذه وأنه من شأن الكنائس وأن اتخاذه في المساجد من أشراط الساعة "قال" البيهقى في السنن الكبرى "باب في كيفية بناء المساجد" أخبرنا أبو مضر بن قتادة أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن البرّاج ثنا مطين ثنا سهل بن زنجلة الرازى ثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء عن ابن أبجر عن نعيم بن هند عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اتقوا هذه المذابح يعنى المحاريب هذا حديث ثابت فإن سالم بن أبى الجعد من رجال الصحيحين بل الأئمة الستة. ونعيم بن هند من رجال مسلم وابن أبجر اسمه عبد الملك بن سعيد من رجال مسلم أيضا. وأبو زهير عبد الرحمن بن مغراء من رجال الأربعة قال الذهبي في الكاشف وثقه أبو زرعة الرّازى وغيره ولينه ابن عدى وقال في الميزان ما به بأس وقال في المغنى صدوق. فالحديث على رأى أبى زرعة ومتابعيه صحيح وعلى رأى ابن عدى حسن والحسن إذا ورد من طريق ثان ارتقى إلى درجة الصحة وهذا له طرق أخرى تأتى فيصير المتن صحيحا من قسم الصحيح لغيره وهو أحد قسمى الصحيح ولهذا احتج به البيهقى في الباب مشيرا إلى كراهة اتخاذ المحاريب والبيهقى مع كونه من كبار الحفاظ فهو أيضا من كبار أئمة الشافعية الحاملين للفقه والأصول والحديث كما ذكره النووى في شرح المهذب. فهو أهل أن يستنبط ويخرّج ويحتجّ. وأما سهل ابن زنجلة ومطين فإمامان حافظان ثقتان فوق الثقة "وقال" البزّار في مسنده ثنا محمد بن مرداس
стр. 1118
ثنا محبوب بن الحسن ثنا أبو حمزة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه كره الصلاة في المحراب وقال إنما كانت للكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب "يعنى أنه كره الصلاة في الطاق" قال شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن الهيتمى في مجمع الزوائد رجاله موثقون "وقال" ابن أبى شيبة في المصنف ثنا وكيع ثنا إسرائيل عن موسى الجهنى قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا تزال هذه الأمة أو قال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى" هذا مرسل صحيح الإسناد فإن وكيعا أحد الأئمة الأعلام من رجال الأئمة الستة وكذا شيخه. وموسى من رجال مسلم قال في الكاشف حجة، والمرسل عند الأئمة الثلاثة صحيح مطلقا. وعند الإمام الشافعى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ صحيح إذا اعتضد بواحد من عدّة أمور "منها" مرسل آخر ومسند ضعيف أو قول صحابىّ أو فتوى أكثر أهل العلم بمقتضاه أو مسند صحيح "وأورد" على هذا الأخير أنه إذا وجد المسند الصحيح استغنى عن المرسل فإن الحجة تقوم به وحده "وأجيب" بأن وجود المسند الصحيح يصير المرسل حديثا صحيحا ويصير في المسألة حديثان صحيحان. قال العراقى في ألفيته مشيرا إلى ذلك:
فإن يعلّ فالمسند المعتمد ... فقل دليلان به يعتضد
وهذا المرسل قد عضده المسند المبدوء بذكره. وقد تقدم أنه صحيح على رأى من وثق راويه وحسن على رأى من لينه. ولهذا اقتصر البيهقي على الاحتجاج به. وعضده قول ابن مسعود وعضده أحاديث أخر مرفوعة وموقوفة وفتوى جماعة من الصحابة والتابعين بمقتضاه. أخرج ابن أبى شيبة عن أبى ذرّ قال إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد. هذا له حكم الرفع فإن الإخبار عن أشراط الساعة والأمور الآتية لا مدخل للرأى فيه وإنما يدرك بالتوقيف من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وأخرج ابن أبى شيبة عن عبيد بن أبى الجعد قال كان أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقولون إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد يعنى الطاقات. هذا بمنزلة عدّة أحاديث مرفوعة فإن كل واحد من الصحابة المذكورين سمع ذلك من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأخبر به وأخرج ابن أبى شيبة عن علىّ بن أبى طالب أنه كره الصلاة في الطاق. وأخرج ابن أبى شيبة عن ابن مسعود قال اتقوا هذه المحاريب. وأخرج ابن أبى شيبة عن إبراهيم النخعى أنه كان يكره الصلاة في الطاق. وأخرج ابن أبى شيبة عن سالم بن أبى الجعد قال لا تتخذوا المذابح في المساجد. وأخرج ابن أبى شيبة عن كعب أنه كره المذبح في المسجد. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن كعب قال يكون في آخر الزمان قوم يزينون مساجدهم ويتخذون بها مذابح كمذابح النصارى فإذا فعلوا ذلك صبّ عليهم البلاء. وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك بن مزاحم
стр. 1119
قال أوّل شرك في هذه الصلاة هذه المحاريب (وقال) عبد الرزاق عن الثورى عن منصور والأعمش عن إبراهيم أنه كان يكره أن يصلي في طاق الإمام "قال" الثورى ونحن نكره ذلك وأخرج عبد الرزاق عن الحسن أنه صلى واعتزل الطاق أن يصلي فيه (فائدة) روى الطبراني في الأوسط عن جابر ابن أسامة الجهني قال لقيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في أصحابه بالسوق فقلت أين تريد يا رسول الله صلى الله تعالى عليك وعلى آلك وسلم قال نريد أن نخطّ لقومك مسجدا فأتيت وقد خطّ لهم مسجدا وغرز في قبلته خشبة فأقامها قبلة ثم والحمد لله وحده اهـ كلام الإمام السيوطى رحمه الله تعالى (وبهذا) تعلم سقوط ما قاله بعضهم من أن المحاريب موجودة من عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مستدلا بما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق سعيد بن عبد الجبار بن وائل عن أبيه عن أمه عن وائل بن حجر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال حضرت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهض إلى المسجد فدخل المحراب ثم رفع يديه بالتكبير "الحديث" لأنه يحتمل أن يكون المراد به صدر المسجد وأشرف مكان فيه وهى البقعة التى يصلي فيها الإمام لا المكان المجوّف المعروف الآن بالمحراب. وتعلم أيضا سقوط قوله ومن ادّعى الكراهة فعليه البينة فإن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تركه هو وأصحابه مع قيام المقتضى وتركه للشئ مع قيام المقتضى سنة فإذاً يكون فعله بدعة
(قوله فتغيظ على الناس) أى غضب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الحاضرين في المسجد. ولعل غضبه عليهم لغفلتهم عن تطهير المسجد عن القاذورات
(قوله ثم حكها) أي ثم نزل فأزالها بعرجون في يده كما سيأتى للمصنف أو بحصاة كما في رواية للبخارى (وظاهر) رواية الباب وغيرها من الروايات الصحيحة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم باشر إزالتها بيده. ورواية النسائى عن أنس رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمرّ وجهه فقامت امرأة من الأنصار فحكتها وجعلت مكانها خلوقا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أحسن هذا. وهى صريحة في أن الذى باشر إزالة النخامة المرأة. ولا تنافي بينهما لاحتمال تعدد القصة. وظاهر الرواية أيضا أن النخامة كانت يابسة إذ لو كانت رطبة لقال مسحها بدل حكها. فهى تفيد أن الاستقذار يكون باليابس كما يكون بالرطب
(قوله قال وأحسبه الخ) أى قال نافع وأظن أن ابن عمر قال طلب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم زعفران فلطخ به موضع النخامة أى لوّث موضعها بالزعفران وطيبه وحسنه به
(قوله وقال إن الله تعالى قبل الخ) أى قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن قبلة الله تعالى أو عظمته أو ثوابه فهو على حذف مضاف. وفي نسخة قال. وقال الخ أى قال ابن عمر وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله تعالى الخ (قال) الخطابى
стр. 1120
تأويله أن القبلة التي أمر الله بالتوجه إليها في الصلاة قبل وجهه فليصلها عن النخامة وفيه إضمار وحذف واختصار كقوله تعالى "وأشربوا في قلوبهم العجل" أى حبّ العجل. وإنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة كما قيل بيت الله وكعبة الله تعالى اهـ (وقال) المازرى لما كانت القبلة دليلا على أن قاصدها موحد كانت علامة على التوحيد. والمصلى يتقرّب إلى الله تعالى بالتوجه إليها فهو محل معظم. فالمعنى فإن الجهة المعظمة قبل وجهه فلا يقابلها بالبصاق الذى جرت به العادة أن لا يقابل به إلا الحقير المهان ولذا قال أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخم في وجهه اهـ
(قوله إذا صلى) أى إذا دخل في الصلاة. ونصّ في الحديث على النهى عن البصاق قيل وجهه حال الصلاة لفضيلة تلك الحال على سائر الأحوال، وإلا فالبصاق إلى جهة القبلة ممتنع مطلقا في الصلاة وغيرها وفى المسجد وغيره كما تقدم عن ابن حجر خلافا لمن خصه بقبلة المسجد أو حال الصلاة كما تقدم بيانه (وقال الباجى) يحتمل أن يكون خصّ بذلك حال الصلاة لأنه حينئذ يكون مستقبل القبلة وفى سائر الأحوال قد تكون عن يساره وهي الجهة التى أمر بالبصاق إليها اهـ
(قوله فلا يبزق بين يديه) أى أمامه. وفى نسخة فلا يبزقن. وفى أخرى زيادة "قال أبو داود رواه إسماعيل وعبد الوارث عن أيوب عن نافع ومالك وعبيد الله وموسى بن عقبة عن نافع نحو حماد إلا أنهم لم يذكروا الزعفران. ورواه معمر عن أيوب وأثبت الزعفران فيه وذكر يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع الخلوق"
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب إزالة ما يستقذر من المسجد، وعلى أنه ينبغى للإمام أن يتفقد أحوال المساجد لتعظيمها وصيانتها عن الأقذار، وعلى الحثّ على الاستكثار من الحسنات وإن كان المستكثر رفيع المقام كثير الحسنات، وعلى تعظيم تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعلى أنه يطلب ممن رأى منكرا أن يغيره، وعلى مشروعية الغضب عند رؤية المنكر، وعلى مشروعية جعل الزعفران ونحوه في المساجد إن دعت الحاجة إليه، وعلى طلب احترام جهة القبلة فلا يستخفّ بها ببزاق أو نحوه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى ومالك في الموطأ
(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، ثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ الْعَرَاجِينَ وَلَا يَزَالُ فِي يَدِهِ مِنْهَا، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ مُغْضَبًا، فَقَالَ: «أَيَسُرُّ أَحَدَكُمْ أَنْ يُبْصَقَ فِي وَجْهِهِ؟ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا اسْتَقْبَلَ
стр. 1121
الْقِبْلَةَ فَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ ، وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَا يَتْفُلْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا فِي قِبْلَتِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ عَجِلَ بِهِ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ هَكَذَا» وَوَصَفَ لَنَا ابْنُ عَجْلَانَ ذَلِكَ أَنْ يَتْفُلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ يَرُدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله يحيى بن حبيب بن عربى) الحارثى أبو زكرياء البصرى روى عن حماد بن زيد ويزيد بن زريع وخالد بن الحارث ومعتمر بن سليمان وغيرهم. وعنه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وأبو حاتم وقال صدوق وقال النسائى ثقة مأمون ووثقه مسلمة بن قاسم وابن حبان. قيل مات بالبصرة سنة ثمان وأربعين ومائتين
(قوله خالد يعني ابن الحارث) بن عبيد بن سليمان أبو عثمان البصرى. روى عن هشام بن عروة وأيوب السختياني وابن عون وابن عجلان وغيرهم. وعنه أحمد وإسحاق بن راهويه ومحمد بن المثنى وعمرو بن على ومحمد بن الفضل وآخرون. قال أحمد إليه المنتهى في التثبت بالبصرة وقال أبو حاتم إمام ثقة وقال ابن معين من أثبت شيوخ البصريين وقال الترمذى ثقة مأمون سمعت ابن المثني يقول. ما رأيت بالبصرة مثله وقال الدارقطنى أحد الأثبات ووثقه ابن حبان وابن شاهين والنسائى وابن سعد توفى بالبصرة سنه ست وثمانين ومائة. روى له الجماعة
(قوله عياض بن عبد الله) بن سعد بن أبى سرح بن الحارث القرشي العامرى. روى عن أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى وجابر بن عبد الله وعنه زيد بن أسلم وسعيد المقبرى ومحمد بن عجلان وبكير بن الأشجّ وغيرهم. وثقه النسائى وابن حبان وابن معين. مات بمكة على رأس المائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان يحب العراجين) هى جمع عرجون بضم العين المهملة وهو العود الأصفر الذي فيه الشماريخ إذا يبس واعوجّ من الانعراج وهو الانعطاف والواو والنون فيه زائدتان. ولعله ﵌ كان يحب حملها لما فيها من المنافع
(قوله أيسرّ أحدكم الخ) استفهام إنكارى بمعنى النفى أى لا يسرّ أحدكم البصاق في وجهه. والغرض منه التوبيخ والتحذير من مثل ذلك. وبيان شرف القبلة وأن البصاق جهتها كالبصاق في وجه أحدهم في الأذى وإثارة الغضب فالله يغضب من البصاق جهة القبلة لأنها جهة المناجاة
(قوله فإنما يستقبل ربه) أى قبلة ربه كما تقدم
(قوله والملك عن يمينه) الظاهر أن هذا الملك كاتب الحسنات، وخصّ بهذا تكرمة له على صاحب الشمال. وقيل إنه ملك خاصّ يحضر الصلاة للتأمين على الدعاء
(قوله فلا يتفل عن يمينه) تنزيها لليمين عن الأقذار أو تشريفا للملك. وعند ابن أبى شيبة بسند صحيح لا يبزق عن يمينه ففى يمينه كاتب الحسنات ولكن يبزق عن شماله أو خلف ظهره
(قوله وليبصق
стр. 1122
عن يساره أو تحت قدمه) قال الحافظ كذا للأكثر. وفي رواية أبى الوقت وتحت قدمه بالواو. ووقع عند مسلم من طريق أبى رافع عن أبى هريرة ولكن عن يساره تحت قدمه بحذف أو، وكذا للمصنف من حديث أنس في أواخر الصلاة، والرواية التي فيها أو أعمّ لكونها تشمل ما تحت القدم وغيره. وفى الرواية الآتية وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى بحذف أو (وظاهر الحديث) أن المصلى لا يكون عن يساره ملك. وبه قال القاضى عياض وقال لأنه لا يجد ما يكتب لأن المصلى في طاعة اهـ "لكن ما ذكره" من أنه لا يجد ما يكتب "مردود" يحديث إدبار الشيطان عند سماع الأذان ورجوعه في الصلاة بعد انتهائه ووسوسته للمصلى حال الصلاة فقد يترتب عليها الوقوع في المخالفة. وأحسن ما يجاب به أن يقال إن لكل واحد قرينا وموقفه في يساره كما ورد في حديث الطبرانى عن أبى أمامة وفيه أنه يقوم بين يدى الله وملكه عن يمينه وقرينه عن يساره فالمصلى إذا تفل عن يساره يقع على الشيطان ولا يصيب الملك منه شيء أو أنه يتحوّل في الصلاة إلى اليمين
(قوله فإن عجل به أمر الخ) أى إن غلب عليه البزاق أو النخامة ولم يتمكن من إلقائها جهة يساره أو تحت قدمه فليتفل في ثوبه. وفي رواية لمسلم فإن لم يجد فليقل به هكذا
(قوله ووصف لنا الخ) أى قال خالد بن الحارث بين لنا محمد بن عجلان كيفية فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأن تفل في ثوبه ومسح بعضه ببعض. وفى رواية لمسلم فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض. وفي رواية للبخارى ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم ردّ بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا
(فقه الحديث) والحديث يدلّ زيادة على ما تقدم على مشروعية استصحاب الشخص شيئا في يده كالعرجون والعصا لقضاء المصالح، وعلى طلب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وعلى مشروعية الجمع في التعليم بين القول والفعل، وعلى جواز البصق جهة اليسار أو تحت القدم عند الحاجة فإن لم يمكن بصق في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض، وعلى أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حريص على مصالح الأمة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الحاكم بلفظ إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعجبه العراجين أن يمسكها بيده فدخل المسجد ذات يوم وفى يده واحد منها فرأى نخامات في قبلة المسجد فحتهنّ حتى أنقاهنّ ثم أقبل على الناس "الحديث" وقال حديث صحيح على شرط مسلم
(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ السِّجِسْتَانِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ يَعْنِي بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ
стр. 1123
بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَتَيْنَا جَابِرًا يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ، فَقَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ فَنَظَرَ فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا، فَحَتَّهَا بِالْعُرْجُونِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ بِوَجْهِهِ» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبصُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا» وَوَضَعَهُ عَلَى فِيهِ ثُمَّ دَلَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَرُونِي عَبِيرًا» فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ، قَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله السجستانى) نسبة إلى سجستان بكسر أوله وثانيه وسين مهملة ساكنة ومثناة فوقية ناحية كبيرة بخراسان
(قوله سليمان بن عبد الرحمن) بن عيسي بن ميمون أبو أيوب التميمي الدمشقى. روى عن يحيى بن حمزة وابن عيينة ومروان بن معاوية وعيسى بن يونس وكثيرين. وعنه أبو حاتم والبخارى والترمذى والنسائي. قال ابن معين وابن حبان ليس به بأس ثقة إذا روى عن المعروفين وقال صالح بن محمد لا بأس به ولكنه يحدّث عن الضعفاه وقال الدارقطنى ثقة وقال أبو داود ثقة يخطئُ وقال أبو حاتم والنسائى صدوق وزاد أبو حاتم مستقيم الحديث ولكنه روى عن الضعفاء والمجهولين. توفى سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين ومائتين
(قوله حاتم يعنى ابن إسماعيل) الكوفى الأصل أبو إسماعيل نزيل المدينة. روى عن هشام ابن عروة وجعفر بن محمد ويحيى بن سعيد الأنصارى ويزيد بن أبي عبيد. وعنه قتيبة بن سعيد وابن مهدى وإسحاق بن راهويه والقعنبى وغيرهم. قال الخطيب كان ثقة وقال ابن سعد كان ثقة مأمونا كثير الحديث وقال النسائى لا بأس به ليس بالقوى ووثقه العجلى وابن معين وابن حبان قيل مات بالمدينة سنة ست أو سبع وثمانين ومائة
(قوله عبادة بن الوليد الخ) أبى الصامت الأنصارى. روى عن أبيه وجدّه وكعب بن عمرو وجابر في عبد الله وأبى سعيد الخدرى
стр. 1124
وآخرين. وعنه يحيى بن سعيد ويزيد بن الهاد ويعقوب بن مجاهد ومحمد بن عجلان وغيرهم. وثقه أبو زرعة والنسائي وابن حبان. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه. وقوله (يعني ابن عبد الله) العناية من يعقوب بن مجاهد
(معنى الحديث)
(قوله وفى يده عرجون ابن طاب) هو رجل من أهل المدينة ينسب إليه نوع من تمر المدينة
(قوله أيكم يحب أن يعرض الله عنه) من الإعراض وهو التولية والمراد منه لازمه وهو الغضب. والاستفهام فيه للتوبيخ والتهديد
(قوله فليقل بثوبه هكذا الخ) أى فليفعل بثوبه هكذا ووضع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثوبه على فمه ثم دلكه حتى تلاشي البزاق فيه
(قوله أرونى عبيرا) يعنى أحضروا لى عبيرا بفتح العين المهملة وكسر الموحدة وهو نوع من الطيب ذو لون مركب من زعفران وغيره
(قوله فقام فتى من الحيّ الخ) أى فقام شابّ من القبيلة يعدو ويسرع في مشيه فجاء بخلوق في كفه فأخذه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فجعله على رأس العود ثم لوّث به أثر النخامة لإزالة المستقذر من المسجد. والخلوق بفتح الخاء المعجمة وضم اللام وفى آخره قاف طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة وهو من طيب النساء اهـ نهاية
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ الْجُذَامِيِّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيْوَانَ، عَنْ أَبِي سَهْلَةَ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ -قَالَ أَحْمَدُ: مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ- أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا، فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَرَغَ: «لَا يُصَلِّي لَكُمْ»، فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فَمَنَعُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «نَعَمْ»، وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّكَ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ -»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عمرو) بن الحارث
(قوله الجذامى) نسبة إلى جذام بوزن غراب قبيلة من معدّ
(قوله صالح بن حيوان) بالحاء المهملة السبائى المصرى كما قاله البخارى
стр. 1125
وابن يونس. ويقال بالخاء المعجمة "وقال" ابن الأعرابى عن أبى داود ليس أحد يقوله خيوان بالخاء المعجمة إلا أخطأ. وقد فهم الدارقطني أنه الخولاني فقال هو بالخاء المعجمة لكن قد علمت أنه السبائى فالحقّ أنه بالمهملة "ففى" تهذيب التهذيب قال سعيد بن كثير من نسبه خولانيا فهو بالمعجمة ومن نسبه سبائيا فهو بالمهملة. روى عن عقبة بن عامر وابن عمر وأبى سهلة. وعنه بكر بن سوادة وثقه العجلى وابن حبان وصحح حديثه ابن القطان وعاب على عبد الحق في قوله لا يحتجّ به. روى له أبو داود
(قوله السائب بن خلاد) بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس الخزرجى المدني. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه صالح بن حيوان وعطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبى صعصعة وغيرهم. شهد بدرا وهو صحابى عمل لعمر على اليمن. مات سنة إحدى وسبعين. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه
(قوله قال أحمد الخ) أى قال أحمد بن صالح السائب بن خلاد من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وإنما قال ذلك لأنه لم يكن من مشاهير الصحابة. ولردّ قول بعضهم إنه ليس بصحابى
(معنى الحديث)
(قوله أن رجلا أم قوما) أى صلى بهم إماما. ولعلهم كانوا وفدا أتوا بعد فراغه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الصلاة
(قوله فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى قال لقومه وقت انتهاء الرجل من الصلاة لا يصلى لكم بإثبات المثناة التحتية أى لا يؤمكم هذا الرجل بعد لما فعل من الإخلال بالأدب وعدم احترام القبلة (وهو نفى) بمعنى النهى. ووجه الخطاب إليهم دونه زجرا وتحذيرا له عن مثل هذا الصنع. هذا على أنه كان موجودا معهم وقت الخطاب. ويحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجه الخطاب إليهم بعد ذهاب الرجل وهو الأقرب. ويؤيده ما في الحديث نفسه من أنهم منعوه وأخبروه بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ولأنه لو كان موجودا وقت الخطاب ونهيه عن إمامته بهم ما احتاج إلى إخبارهم له ولما تقدّم للإمامة ثانيا ولما احتاج إلى الاستفسار بعد (قال) في شرح السنة في الإعراض عنه غضب شديد حيث لم يجعله محلا للخطاب أو أن هذا النهى في غيبته اهـ
(قوله فمنعوه) أى منع القوم الرجل عن الإمامة بهم
(قوله فذكر ذلك الخ) أى ذكر الرجل للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منع قومه له عن الإمامة وإخبارهم له بأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن إمامته فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نعم نهيت عن إمامتك
(قوله وحسبت الخ) أى قال السائب بن خلاد ظننت أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال بعد قوله نعم تعليلا إنك آذيت الله ورسوله أى فعلت فعلا يكرهه الله ورسوله -أما كراهة النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم لإمامته فظاهرة- وأما كراهة الله تعالى فهى كناية عن انتقامه. ويحتمل أن المراد أذية الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقط وذكر