Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
هُوَ أَذَّنَ وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ»، قَالَ: فَأَقَمْتُ
(ش) (قوله الإفريقى) نسبة إلى إفريقية اسم لبلاد واسعة ومملكة كبيرة قبالة جزيرة صقلية وينتهى آخرها إلى جزيرة الأندلس
(قوله زياد بن نعيم) هو ابن ربيعة بن نعيم بن ربيعة ابن عمر فهو منسوب إلى جده. روى عن زياد بن الحارث وأبى ذرّ وأبى أيوب وابن عمر وعنه بكر بن سوادة وعبد الرحمن بن زياد. قال العجلى تابعى ثقة ووثقه ابن حبان ويعقوب ابن سفيان. مات سنة خمس وتسعين. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه. و (الحضرمى) نسبة إلى حضرموت ناحية واسعة في شرق عدن بقرب البحر وتعرف بالأحقاف وبها قبر هود ﵇ وبقربها بئر برهوت
(قوله زياد بن الحارث) الصحابي قدم على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وبايعه. روى عنه زياد بن نعيم. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه و (الصدائى) منسوب إلى صداء بضم الصاد المهملة وبالمدّ أبي قبيلة من اليمن واسمه يزيد بن حرب
(معنى الحديث)
(قوله لما كان أول أذان الصبح الخ) أى وقت الأذان الأول للصبح وهو الذى يؤذن فيه ليقوم القائم ويتسحر الصائم ويرجع القائم أمرنى النبي ﵌ أن أؤذن في هذا الوقت فأذنت. ولعلّ بلالا كان غالبا كما في رواية البيهقى من طريق خلف ابن هشام المقرئ قال ثنا سعيد بن راشد المازني ثنا عطاء بن أبى رباح عن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان في مسير له فحضرت الصلاة فنزل القوم فطلبوا بلالا فلم يجدوه فقام رجل فأذن ثم جاء بلال فقال القوم إن رجلا قد أذن فمكث القوم هونا ثم إن بلالا أراد أن يقيم فقال له النبى ﵌ مهلا يا بلال فإنما يقيم من أذن "قال البيهقي" تفرّد به سعيد بن راشد وهو ضعيف اهـ
(قوله فجعلت أقول أقيم) أى صرت بعد أن أذنت أقول أقيم يا رسول الله. ولعله لقرب عهده بالإسلام ظنّ أن الصبح تصلى عقب الأذان ولو قبل ظهور الفجر
(قوله فيقول لا) أى لا تقم لأن وقت الإقامة لم يجئ
(قوله فبرز) أى خرج لقضاء حاجته
(قوله وقد تلاحق أصحابه) أى لحقوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واجتمعوا به فإنهم كانوا متفرقين في الطريق الذى هم مسافرون به
(قوله يعني) هى زيادة من زياد بن نعيم لأنه لم يحفظ لفظ شيخه ولكن حفظ معناه
(قوله فتوضأ) أى بعد أن أقبل على الصدائى وسأله عن الماء فلم يجد عنده إلا ماء قليلا فوضع يده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيه ففاض الماء كما سيأتى في تمام الرواية
(قوله إن أخا صداء هو أذن الخ) علة لمحذوف فكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لبلال لا تقم لأن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم أى أحق بإقامة الصلاة من غيره (والحديث يدلّ) على أنه يكفى الأذان قبل
стр. 1192
الفجر عن إعادته بعده لأنه أذن قبل الفجر وأراد الإقامة فمنعه ﵌ إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام من غير إعادة الأذان بعد الفجر. وسيأتى تحقيقه إن شاء الله تعالى. ودلّ أيضا على أن من أذن أولى بالإقامة. والحديث وإن كان ضعيفا لأن فيه الإفريقى وضعفه غير واحد لكن حسنه الحازمى وقوّاه العقيلى وابن الجوزى (قال الأحوذى) حديث عبد الله بن زيد وحديث الصدائى كلاهما ضعيفان والأخذ بحديث الصدائى أولى لأن حديث عبد الله بن زيد كان أول ما شرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة وحديث الصدائى بعده. ولأن قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث الصدائى من أذن فهو يقيم قانون كلىّ. وأما حديث عبد الله بن زيد ففيه بيان واقعة جزئية يحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أراد بقوله له فأقم أنت تطييب قلبه لأنه رأى الأذان في المنام. ويحتمل أن يكون لبيان الجواز. ولأن لحديث الصدائى شاهدا من حديث ابن عمر أخرجه الطبرانى والعقيلى وأبو الشيخ وكذا البيهقي بلفظ تقدّم وإن كان قد ضعفه أبو حاتم وابن حبان
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذى وأخرجه البيهقى وأخرجه المزّى بسنده مطوّلا عن زياد بن نعيم الحضرمى قال سمعت زياد بن الحارث الصدائى صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يحدّث قال أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فبايعته على الإسلام وأخبرت أنه بعث جيشا إلى قومى فقلت يا رسول الله اردد الجيش وأنا لك بإسلام قومى فقال لى اذهب فردّهم فقلت يا رسول الله إن راحلتى قد كلت فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رجلا فردّهم قال الصدائى وكتبت إليهم كتابا فقدم وفدهم بإسلامهم فقال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك فقلت بل الله هو هداهم للإسلام فقال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أفلا أؤمرك عليهم فقلت بلى يا رسول الله قال فكتب لى كتابا فقلت يا رسول الله مرلى بشئ من صدقاتهم قال نعم فكتب لى كتابا آخر قال الصدائي وكان ذلك في بعض أسفاره فنزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ويقولون أخذنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية فقال نبىّ الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو فعل فقالوا نعم فالتفت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى أصحابه وأنا فيهم فقال لا خير في الإمارة لرجل مؤمن قال الصدائى فدخل قوله في نفسى ثم أتاه آخر فقال يا نبى الله أعطنى فقال نبىّ الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن فقال السائل فأعطنى من الصدقة فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله لم يرض بحكم نبى ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء
стр. 1193
فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك أو أعطيناك حقك قال الصدائى فدخل ذلك في نفسى أني سألته من الصدقات وأنا غنى ثم إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اعتشى من أول الليل فلزمته وكنت قويا وكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون حتى لم يبق معه أحد غيرى فلما كان أوان أذان الصبح أمرنى فأذنت فجعلت أقول أقيم يا رسول الله فجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينظر ناحية المشرق إلى الفجر فيقول لا حتى إذا طلع الفجر نزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فتبرّز ثم انصرف إلىّ وقد تلاحق أصحابه فقال هل من ماء يا أخا صداء فقلت لا إلا شيء قليل لا يكفيك فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اجعله في إناء ثم ائتنى به ففعلت فوضع كفه في الماء قال الصدائى فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لولا إنى أستحيى من ربي لسقينا واستقينا ناد في أصحابى من له حاجة في الماء فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم ثم قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأراد بلال أن يقيم فقال رسول الله ﵌ إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم. قال الصدائى فأقمت الصلاة فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة أتيته بالكتابين فقلت يا رسول الله اعفنى من هذين فقال نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما بدا لك فقلت سمعتك يا نبى الله تقول لا خير في الإمارة لرجل مؤمن وأنا أو من بالله ورسوله وسمعتك تقول للسائل من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن وسألتك وأنا غنىّ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو ذاك فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع فقلت أدع فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فدلني على رجل أؤمره عليكم فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمره عليهم ثم قلنا يا نبى الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا وإذا كان الصيف قلّ ماؤها وتفرّقنا على مياه حولنا وقد أسلمنا وكلّ من حولنا عدوّ لنا فادع الله لنا في بئرنا أن يسعنا ماؤها فنجتمع عليها ولا نتفرّق فدعا بسبع حصيات فعركهنّ في يده ودعا فيهن ثم قال اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فألقوها واحدة واحدة واذكروا اسم الله تعالى قال الصدائى ففعلنا ما قال لنا فما استطعنا بعد أن ننظر إلى قعرها يعنى البئر اهـ
(باب رفع الصوت بالأذان)
وفي بعض النسخ باب ما جاء في رفع الصوت بالأذان. والصوت هو القرع وقيل تموّج الهواء
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عائشة، عَنْ
стр. 1194
أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله النمرى) نسبة إلى نمر بفتح النون وكسر الميم واد بنجد في ديار بنى كلاب
(قوله عن موسى بن أبى عائشة) هكذا في أكثر النسخ. وفي نسخة موسى بن أبى عثمان ولعلها الصواب لموافقتها رواية النسائى وابن ماجه والبيهقى. وهو التبان بمثناة فوقية وموحدة المدنى وقيل الكوفي مولى المغيرة. روى عن أبيه وأبي يحيى المكي والأعرج وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعى وغيرهم، وعنه شعبة وأبو الزناد ومالك بن مغول والثورى. قال سفيان نعم الشيخ كان مؤدبا وذكره ابن حبان في الثقات
(قوله عن أبى يحيى) هو المكي. روى عن أبى هريرة حديث الباب. وعنه موسى بن أبى عثمان. ذكره ابن حبان في الثقات وزعم أنه سمعان الأسلمى وقال ابن القطان لا يعرف أصلا وقال المنذرى والثورى إنه مجهول. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله المؤذن يغفر له مدى صوته) أى غاية صوته ومنتهاه. وهو منصوب على الظرفية أى أن المؤذن يستكمل مغفرة الله تعالى إذا بذل جهده في رفع الصوت بالأذان. وقيل إن الكلام على وجه التمثيل والتشبيه يريد أن المكان الذى ينتهى إليه صوت المؤذن لو قدّر وكان ما بين أقصاه وبين مقامه الذى هو فيه ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها الله تعالى له. وقيل معناه يغفر لأجله ذنوب كلّ من سمع صوته فحضر للصلاة المسببة عن ندائه. وقيل معناه يغفر ذنوبه التي باشرها في تلك النواحى إلى حيث يبلغ صوته. وقيل معناه يغفر بشفاعته ذنوب من كان ساكنا أو مقيما إلى حيث يبلغ صوته
(قوله ويشهد له كلّ رطب ويابس) أى كلّ نام وجماد مما يبلغه صوته من الإنس والجنّ وسائر الحيوانات والمخلوقات، ويقوى هذا ما في رواية للبخارى من قوله فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنّ ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة واختلف في هذه الشهادة (قال) الحافظ في الفتح نقلا عن ابن بزيرة تقرّر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا يكون إلا من حىّ فهل هى هنا لسان الحال لأن الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال بارئها أم على ظاهرها. وغير ممتنع عقلا أن الله تعالى يخلق فيها الحياة والكلام اهـ والصحيح أن للجمادات والنباتات والحيوانات علما وإدراكا وتسبيحا كما يعلم من قوله تعالى "وإن منها لما يهبط من خشية الله" وقوله تعالى "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" (قال) البغوى
стр. 1195
هذا مذهب أهل السنة. يدلّ عليه قضية كلام الذئب والبقر وغيرهما اهـ ويؤيده ما في رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا إنى لأعرف حجرا كان يسلم عليّ. وما في رواية الصحيحين من قول النار أكل بعضى معضا (والحكمة) في هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلوّ الدرجة وكما أن الله تعالى يفضح بالشهادة قوما فكذلك يكرم بالشهادة آخرين (وقال) الزّين بن المنير والسرّ في هذه الشهادة أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا في توجيه الدعوى والجواب والشهادة اهـ
(قوله وشاهد الصلاة الخ) أى حاضرها مع الجماعة المسببة غالبا عن الأذان. وهو عطف على جملة قوله المؤذن يغفر له فكأنه قال المؤذن يغفر له والذى يحضر الصلاة مع الجماعة يكتب له ثواب خمس وعشرين صلاة زيادة على صلاة المنفرد. ويؤيده ما سيأتى للمصنف في باب فضل المشى إلى الصلاة عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة
(قوله ويكفر عنه ما بينهما) أى يكفر عن حاضر الصلاة ما بين الصلاتين اللتين شهدهما. وفى رواية ابن ماجه ويكفر له ما بينهما. وظاهر الحديث أنه يكفر عنه الذنوب مطلقا وبعضهم خصها بالصغائر
(فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب رفع الصوت بالأذان لكونه سببا للمغفرة وشهادة الموجودات ولأن فيه الأمر بالمجيء للصلاة فكلما كان أدعى للإسماع كان أولى لما يترتب عليه من زيادة الخير. لكن لا يبالغ في رفع الصوت حتى يتضرّر به لما روى البيهقي أن عمر بن الخطاب سمع أبا محذورة رفع صوته فقال أما خشيت أن ينشقّ مريطاؤك "بضم الميم وفتح الراء وسكون المثناة التحتية ما بين السرّة والعانة وقيل من الصدر إلى العانة". ودلّ الحديث أيضا على رفعة شأن المؤذن يوم القيامة، وعلى فضل صلاة الجماعة وأنها تكفر ما بينها وبين الصلاة الأخرى من الذنوب
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقى من وجهين والنسائى إلى قوله كل رطب ويابس. وقال فيه وله مثل أجر من صلى
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى
стр. 1196
إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، وَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ أَنْ لا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى "
(ش) وجه مطابقة الحديث للترجمة أن قوله إذا نودى بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفى فيها سماعه للصوت المرتفع بالأذان
(قوله عن أبى الزّناد) هو عبد الله بن ذكوان. و (الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز
(قوله إذا نودي بالصلاة) أي للصلاة فالباء بمعنى اللام. في رواية البخاري ومسلم إذا نودي للصلاة
(قوله أدبر الشيطان) تقدم أنه كل عات متمرّد من الإنس والجنّ والدوابّ. والمراد به هنا المتمرّد من الجنّ. وهل المراد به إبليس أو جنس الشيطان. الأقرب الثاني إذ لا فرق في التضرّر بالأذان بين إبليس وغيره
(قوله وله ضراط) بضم الضاد المعجمة. وتقدم أنه ريح له صوت يخرج من دبر الإنسان وغيره. ثم هو يحتمل أن يكون باقيا على ظاهره لأن الشيطان جسم يأكل ويشرب كما جاء في الأخبار فيصح منه خروج الريح. ويحتمل أن يكون على سبيل التمثيل فيكون صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شبه حال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من حزبه أمر عظيم واعتراه خطب جسيم فلم يزل يحصل له الضراط من شدّة ما هو فيه لأن الواقع في شدّة من خوف وغيره تسترخى مفاصله ولا يملك نفسه فينفتح مخرجه. ولما كان الشيطان يعتريه شدّة قوية عند النداء للصلاة فيهرب حتى لا يسمع الأذان شبه حاله بحال ذلك الرجل وأثبت له على وجه الادّعاء الضراط الذى ينشأ من شدة الخوف
(قوله حتى لا يسمع التأذين) غاية لإدباره. وجاء بيان مكان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر وفيه فقال حتى يكون مكان الروحاء (وحكى) الأعمش عن أبى سفيان عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثين ميلا (وفيه دليل) على استحباب رفع الصوت بالأذان لأن قوله حتى لا يسمع ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفى فيها سماعه للصوت
(قوله فإذا قضى النداء الخ) أى فإذا فرغ المؤذن من الأذان أقبل الشيطان. وفى رواية لمسلم فإذا سكت رجع يوسوس. وقضى بالبناء للمجهول ويروى بالبناء للمعلوم وفاعله ضمير يعود على النادى المعلوم من المقام
(قوله حتى إذا ثوّب بالصلاة أدبر) أى إذا أقيم للصلاة وسمع الإقامة ذهب الشيطان. ثوّب بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة أقيم للصلاة فالمراد بالتثويب هنا الإقامة كما عليه الجمهور. وجزم به أبو عوانة في صحيحه والبيهقي والخطابى وغيرهم. والعامة لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم. والأصل في التثويب أن يجئ الرجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليرى
стр. 1197
ويشتهر فسمى الدعاء تثويبا لذلك وكل داع مثوّب. وقيل إنما سمى تثويبا من باب ثاب يثوب إذا رجع فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة ثم كثر استعماله في كل إعلام يجهر به الصوت. وسميت الإقامة تثويبا لأنها إعلام لإقامة الصلاة ودعاء لها
(قوله حتى يخطر بين المرء ونفسه) أى قلبه والمراد أنه يوسوس للمرء حتى يحول بينه وبين ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها. ويخطر بضم الطاء المهملة وكسرها كذا في المصباح. وقال عياض ضبطناه عن المتقنين بالكسر وهو الوجه ومعناه يوسوس وأصله من خطر البعير بذنبه إذا حرّكه فضرب به فخذيه. أما بالضم فمن المرور أى يدنو منه فيمرّ بينه وبين قلبه فيشغله عما هو فيه
(قوله اذكر كذا اذكر كذا الخ) هكذا في رواية للبخارى وفى رواية لمسلم بعد قوله اذكر كذا فهناه ومناه وذكره من حاجاته ما لم يكن يذكر أى من أمور الدنيا قبل دخوله في الصلاة من مال وبيع وشراء ونحو ذلك (قال في الفتح) قيل خصه بما يعلم دون ما لا يعلم لأنه يميل لما يعلم أكثر لتحقق وجوده. والذى يظهر أنه الأعم من ذلك فيذكره بما سبق له به علم ليشغل باله به وبما لم يكن سبق له ليوقعه في الفكرة فيه وهذا أعمّ من أن يكون في أمور الدنيا أو في أمور الدين كالعلم اهـ
(قوله حتى يظل الرجل الخ) غاية لوسوسة الشيطان أى أنه يوسوس للرجل حتى يصير لا يدرى كم صلى من الركعات أثلاثا أم أربعا. ويظلّ بالظاء المعجمة المفتوحة هي في الأصل لاتصاف المخبر عنه بالخبر نهارا. وفي بعض النسخ وللأصيلى يضلّ بكسر الضاد المعجمة من باب ضرب أي ينسى الرجل فلا يعلم كم صلى. أو بفتحها من باب تعب أى يخطئُ ويتحير. وفي نسخة حتى يظلّ الرجل إن يدرى بكسر همزة إن نافية بمعنى ما. وفي رواية البيهقى ما يدرى (والحكمة) في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة أن الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذى أباه وعصى بسببه وهو إعلام بالصلاة التى هي أفضل الأعمال بألفاظ هي من أفضل الذكر لا يزاد فيها ولا ينقص منها بل تقع على وفق الأمر فينفر من سماعها. أما الصلاة فلا يقع من كثير من الناس فيها من التفريط فيتمكن الشيطان من المفرّط فلو قدّر أن المصلى فعل جميع ما أمر به فيها لم يقربه فيها إن كان وحده. وهو نادر وكذا إذا انضم إليه مثله. وهو أندر (قال ابن الجوزى) على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به لأن النفس لا تحضره بخلاف الصلاة فإن النفس تحضر فيها فيفتح الشيطان لها أبواب الوسوسة اهـ ومحلّ ما ذكر إذا كان الأذان موافقا لما جاءت به الشريعة المطهرة من عدم التغنى والتمطيط بكلماته والزيادة عليها بخلاف ما يقع من غالب مؤذنى أهل هذا الزمان من التغنى والتحريف في كلماته فإنه لا يترتب عليه ما ذكر بل هو بغية الشيطان (فائدة) يكون الأذان الشرعى لدفع أذى الجنّ وبعدهم ففى رواية مسلم من طريق سهيل بن أبى صالح قال أرسلنى أبى إلى بني حارثة ومعى غلام لنا
стр. 1198
أو صاحب لنا فناداه مناد من حائط باسمه فأشرف الذى معى على الحائط فلم ير شيئا فذكرت ذلك لأبى فقال لو شعرت أن تلقى هذا لم أرسلك ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فإنى سمعت أبا هريرة يحدّث عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال إن الشيطان إذا نودى بالصلاة ولى وله حصاص (وقال) ابن عبد البرّ قال مالك استعمل زيد بن أسلم على معدن بنى سليم وكان لا يزال يصاب فيه الناس من الجنّ فلما وليهم شكوا ذلك إليه فأمرهم بالأذان وأن يرفعوا أصواتهم به ففعلوا فارتفع ذلك عنهم فهم عليه حتى اليوم قال مالك أعجبني ذلك من زيد. وذكرت الغيلان "أى المردة من الجنّ" عند عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فقال إن شيئا من الخلق لا يستطيع أن يتحوّل في غير خلقه ولكن للجنّ سحرة كما للإنس سحرة فإذا خشيتم شيئا من ذلك فاذنوا بالصلاة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مزيد فضل الأذان، وعلى أن الشيطان يتأذى به فلا يستطيع سماعه، وعلى أن الشيطان له تسلط على الإنسان غير الأنبياء بالوسوسة حتى حال الصلاة، وعلى أن الشيطان شديد الحرص على إضرار الإنسان فيجب الحذر منه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان والنسائى ومالك في الموطأ وأخرجه البيهقي من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة
(باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت)
أى من حفط وقت الصلاة ومراعاته. وفى نسخة باب ما جاء فيما يجب الخ. وفي أخرى باب ما يجب على المؤذن من تعهد الوقت
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ».
(ش) (قوله الأعمش) سليمان بن مهران
(قوله عن رجل) لم أقف على اسمه وحاله
(قوله الإمام ضامن) أى حافظ لصلاة المأمومين وراع لها فصلاة القوم في عهدته وصحتها مقرونة بصحة صلاته لأنه يحفظ عليهم الأركان والسنن وأعداد الركعات ويتولى السفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء ويتحمل القراءة عنهم إما مطلقا عند من لا يوجب القراءة على المأموم أو إذا كانوا مسبوقين. ولهذا الضمان كان ثواب الأئمة أوفر إذا رعوا حقها ووزرهم أكثر إذا
стр. 1199
أخلوا بها (قال) ابن العربى إن ضمان الإمام لصلاة المأموم هو التزام شروطها وحفظ صلاته في نفسه لأن صلاة المأموم بنيت عليها فإن أفسد صلاته فسدت صلاة من ائتمّ به فكان غارما لها اهـ
(قوله والمؤذن مؤتمن) بصيغة المفعول أى أمين في الأوقات يعتمد الناس على أذانه في الصلاة والصيام وسائر الوظائف المؤقتة. ويؤيده ما رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر خصلتان متعلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين صلاتهم وصيامهم (وما رواه) البيهقى من حديث أبى محذورة أمناء المسلمين على صلاتهم وسحورهم المؤذنون. ولأن المؤذن يرتقى على أماكن عالية فيطلب منه أن لا ينظر إلى بيوت الناس وعوراتهم
(قوله اللهم أرشد الأئمة الخ) أى يا ألله وفق الأئمة للعمل بما تكفلوا به والخروج من عهدته واغفر للمؤذنين ما عساه أن يقع منهم من التفريط في الأمانة التى تحملوها من جهة تقديم على الوقت أو تأخير عنه سهوا (وفي هذا) الحديث إشارة إلى فضيلة الإمامة على الأذان لأن الإمام متكفل بأركان الصلاة وجميع أعمالها والمؤذن متكفل للوقت فحسب. والإمام خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والمؤذن خليفة بلال رضي الله تعالى عنه. فأين أحدهما من الآخر. ولأن الدعاء بالمغفرة يؤذن بالتقصير بخلاف الدعاء بالإرشاد (وإلى تفضيل) الإمامة على الأذان ذهب أبو حنيفة والخراسانيون وجمع من الشافعية كما قال القارى (قال) النووى وصححه القاضى أبو الطيب وقطع به الدارمي اهـ وقيل الأذان أفضل (قال) النووى وهو نص الشافعى في الأمّ (قال) المحاملى وأبو حامد إنه مذهب الشافعى. وقيل إنهما سيان. وقيل إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهى في حقه أفضل وإلا كان الأذان في حقه أفضل
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن إمام الصلاة ينبغى أن يكون من خيار القوم حتى يكون أهل للضمان، وعلى أن الإمام يتحمل عن المأمومين ما يقع منهم من التفريط في صلاتهم لكن ما لم يؤدّ ذلك إلى بطلانها، وعلى أن المؤذن أمين فيطلب أن يكون مسلما عاقلا عدلا فلا يصح من كافر ولا مجنون. وهل يكون الكافر بأذانه مسلما. فيه تفصيل فإن كان عيسويا فلا يكون بأذانه مسلما لاعتقاده اختصاص الرسالة بالعرب لأن العيسوية طائفة من اليهود ينسبون إلى أبى عيسى اليهودى الأصبهاني ويعتقدون اختصاص رسالته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالعرب فإذا نطق بالشهادة اعتقد فيها الاختصاص. وإن كان غير عيسويّ فله ثلاثة أحوال (إحداها) أن ينطق بالشهادة حكاية كأن يقول سمعت فلانا يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهذا لا يكون مسلما بذلك اتفاقا لأنه حاك كما لا يصير المسلم كافرا بحكايته الكفر (الثانية) أن يقولها بعد استدعاء كأن يقول له إنسان قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فيقولها فهذا يكون مسلما بلا خلاف (الثالثة) أن يقولها ابتداء لا حكاية
стр. 1200
ولا باستدعاء ففيه وجهان. الصحيح الذي عليه الأكثرون أنه يصير مسلما. وعلى أىّ حال لا يصح أذانه لوقوع بعض الأذان حال الكفر. وإن كان فاسقا صحّ أذانه مع الكراهة (قال) بعضهم إنما يصح أذانه في تحصيل وظيفة الأذان ولا يجوز تقليده وقبول خبره بدخول الوقت لأن خبره غير مقبول اهـ من شرح المهذب (فوائد. الأولى) الأكمل أن يكون المؤذن حرّا فيصحّ أذان العبد لكن إن أذن لنفسه لم يلزمه استئذان سيده لأن ذلك لا يضرّ بخدمته وإن أذن للجماعة لزمه استئذانه لأنه يحتاج إلى مراعاة الأوقات فيضرّ بخدمته (الثانية) اختلف العلماء في أذان الصبي المميز فقال بصحته جمهور الشافعية وأحمد والمالكية واشترطوا في صحة أذانه أن يعتمد في دخول الوقت على عدل (وقال) داود لا يصح أذانه (وقالت) الحنفية يصح أذان الصبى المراهق العاقل (وقال) جماعة من الشافعية بكراهته (الثالثة) اختلف العلماء في أذان المحدث (فقالت) الشافعية يصحّ سواء أكان حدثا أصغر أم أكبر مع الكراهة. وبه قال الحسن البصرى وداود وقتادة وحماد بن أبى سليمان وأبو حنيفة والثورى وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وهو مشهور مذهب مالك (وقال) عطاء ومجاهد والأوزاعي وإسحاق لا يصح أذانه ولا إقامته
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وابن حبان وابن خزيمة والشافعى وأخرجه البيهقى والبزار من طريق أبى حمزة السكرى وزادا فيه قالوا يا رسول الله لقد تركتنا نتنافس في الأذان بعدك فقال إنه يكون بعدكم قوم سفلتهم مؤذنوهم (قال) الدارقطنى هذه الزيادة ليست بمحفوظة وأشار ابن القطان إلى أن البزّار هو المنفرد بها. وليس كذلك فقد جزم ابن عدى بأنها من أفراد أبى حمزة وكذا قال الخليلى وابن عبد البرّ. وأخرجه الترمذى أيضا وليس في إسناده واسطة بين الأعمش وأبى صالح وقال في آخر الباب وحديث أبى هريرة رواه سفيان الثورى وحفص ابن غياث وغير واحد عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وروى أسباط بن محمد عن الأعمش قال حدّثت عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وروى نافع بن سليمان عن محمد بن أبى صالح عن أبيه عن عائشة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا الحديث وقال وسمعت أبا زرعة يقول حديث أبى صالح عن أبى هريرة أصح من حديثه عن عائشة وسمعت محمدا يقول حديث أبى صالح عن عائشة أصح وذكر عن علي بن المدينى أنه قال لم يثبت ذكر حديث أبى صالح عن أبى هريرة ولا حديث أبى صالح عن عائشة في هذا اهـ وأما ابن حبان فصحح حديث أبى هريرة وعائشة جميعا وقال قد سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة وأبى هريرة جميعا. وقال إبراهيم ابن حميد الرواسى قال الأعمش وقد سمعته من أبى صالح قال هشيم عن الأعمش حدثنا أبو صالح عن أبى هريرة "فتبين" من هذه الطرق أن الأعمش سمعه من غير أبى صالح ثم سمعه
стр. 1201
منه قال اليعمرى والكلّ صحيح والحديث متصل اهـ
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مِثْلَهُ
(ش) (قوله ابن نمير) هو عبد الله
(قوله قال نبئت الخ) بالبناء للمجهول أى قال سليمان بن مهران الأعمش أخبرت بواسطة رجل عن أبى صالح السمان ولا أظنّ نفسى إلا قد حدّثت بهذا الحديث عن أبى صالح وسمعته منه. ولعلّ الأعمش سمع الحديث من أبى صالح ثم تردّد في ذلك أسمعه من رجل عنه أو سمعه منه. والغرض منه تقوية روايته لهذا الحديث عن أبى صالح
(قوله مثله) أى مثل الحديث السابق
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي
(باب الأذان فوق المنارة)
وفي بعض النسخ باب ما جاء في الأذان فوق المنارة وهي المكان المرتفع الذى يؤذن عليه وتجمع على مناور ولا تهمز لأنها أصلية وبعضهم يهمزها فيقول منائر تشبيها للأصلى بالزائد وتطلق أيضا على العلامة التي تجعل بين الحدّين
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ: كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ كان حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ فَيَأْتِي بِسَحَرٍ فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إِلَى الْفَجْرِ، فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ وَأَسْتَعِينُكَ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ» قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ كَانَ تَرَكَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً تَعْنِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أحمد بن محمد بن أيوب) الورّاق أبو جعفر البغدادى. روى عن إبراهيم بن سعد وأبى بكر بن عياش. وعنه أبو داود ويعقوب بن شيبة وأبو يعلى وأبو بكر بن أبى الدنيا وآخرون. كان أحمد وابن المدينى يحسنان القول فيه وكان يحيى يحمل عليه وقال يعقوب ابن شيبة ليس من أصحاب الحديث ووثقه ابن حبان والحربىّ وقال الحاكم ليس بالقوى وقال أبو حاتم روى عن أبى بكر بن عياش أحاديث منكرة. مات ببغداد سنة ثمان وعشرين ومائتين
стр. 1202
(قوله
(ص) عن امرأة من بني النجار) قال ابن حجر صحابية لم تسمّ اهـ لكن في رواية ابن سعد في الطبقات أنها النوّار أم زيد بن ثابت
(معنى الحديث)
(قوله فكان بلال يؤذن عليه) أى على بيتي للمبالغة في الإعلام بدخول وقت الصلاة
(قوله تمطى) وفي نسخة تمطأ أى تمدّد لطول جلوسه وليحصل له النشاط
(قوله اللهم إني أحمدك الخ) أى أثني عليك الثناء الجميل على الإسلام وعلى خدمة الأذان وأطلب منك الإعانه على هداية قريش لأن يقيموا دينك. وخص قريشا بذلك لما لهم من القوّة والغلبة فحيث أسلموا أسلم غيرهم ولعلّ هذا كان قبل فتح مكة
(قوله والله ما علمته كان تركها) كان زائدة بين المفعولين والغرض منه تقوية ما ذكرته عن بلال
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه ينبغى أن يكون الأذان على مكان يرتفع لأن المقصود منه إعلام الناس بدخول وقت الصلاة وكلما كان المكان أرفع كان الإعلام أبلغ وقد جاء في الأذان على مرتفع أحاديث وآثار (منها) ما رواه ابن أبى شيبة قال حدثنا أبو خالد عن هشام عن أبيه قال أمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بلالا أن يؤذن يوم الفتح فوق الكعبة (ومنها) ما رواه أيضا من طريق عبد الأعلى عن الجريرى عن عبد الله بن شقيق قال من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد وكان عبد الله يفعله (ومنها) ما ذكره السمهودى عن ابن زبالة قال حدثني محمد بن إسماعيل وغيره قال كان في دار عبد الله بن عمر أسطوانة في قبلة المسجد يؤذن عليها بلال يرقى إليها بأقتاب (وينبغى) أن لا يتفاحش المكان في الارتفاع كما يفعله أهل زماننا في مناورهم لما في ذلك من السرف المؤدى لضياع المال ولما فيه من ضياع حكمة الأذان التي هي الإعلام فإن صوته حينئذ قلّ من يسمعه (قال) في المدخل من السنة الماضية أن يؤذن المؤذن على المنار فإن تعذر ذلك فعلى سطح المسجد فإن تعذر ذلك فعلى بابه "وكان" المنار عند السلف رضوان الله تعالى عليهم بناء يبنونه على سطح المسجد كهيئته اليوم لكن هؤلاء أحدثوا فيه أنهم عملوه مربعا على أركان أربعة "وكان" في عهد السلف رضوان الله تعالى عليهم مدوّرا. وكان قريبا من البيوت خلافا لما أحدثوه اليوم من تعلية المنار وذلك يمنع لوجوه (أحدها) مخالفة السلف رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم (الثاني) أنه يكشف على حريم المسلمين (الثالث) أن صوته يبعد عن أهل الأرض. ونداؤه إنما هو لهم (وقد) بنى بعض الملوك في المغرب منارا زاد في علوّه فبقى المؤذن إذا أذن لا يسمع أحدا ممن تحته. وهذا إذا كان المنار تقدّم وجوبه على بناء الدار. وأما إذا كانت الدور مبنية ثم جاء بعض الناس يريد أن يعمل المنار فإنه يمنع من ذلك لأنه يكشف عليهم اللهم إلا أن يكون بين المنار والدور سكك وبعد بحيث إنه إذا طلع المؤذن على المنار ورأى الناس على أسطحة بيوتهم لا يميز بين الذكر والأنثى
стр. 1203
منهم فهذا جائز على ما قاله علماؤنا اهـ ودلّ الحديث أيضا على أنه ينبغى للمؤذن أن يحرص على مراقبة الوقت كي يقع الأذان في وقته المحدّد له شرعا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي قال السخاوى وأخرجه ابن سعد في الطبقات عن النوّار أم زيد بن ثابت بلفظ قالت كان بيتي أطول بيت حول المسجد وكان بلال يؤذن فوقه إلى أن بنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسجده فكان يؤذن بعده على ظهر المسجد وقد رفع له شئ فوق ظهره اهـ
(باب في المؤذن يستدير في أذانه)
وفى نسخة باب المؤذن يستدير في أذانه. أى يصرف وجهه يمينا وشمالا في أذانه حين يقول حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا قَيْسٌ يَعْنِي ابْنَ الرَّبِيعِ، ح وَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، جَمِيعًا عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أُدُمٍ فَخَرَج بِلَالٌ فَأَذَّنَ فَكُنْتُ أَتَتَبَّعُ فَمَهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، قَالَ: «ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ بُرُودٌ يَمَانِيَةٌ قِطْرِيٌّ» -وَقَالَ مُوسَى- قَالَ: رَأَيْتُ بِلَالًا خَرَجَ إِلَى الْأَبْطَحِ فَأَذَّنَ فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ الْعَنَزَةَ وَسَاقَ حَدِيثَهُ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله قيس يعنى ابن الربيع) أبو محمد الأسدى الكوفى روى عن عون بن أبى جحيفة وأبي إسحاق السبيعى وسماك بن حرب وهشام بن عروة وطائفة. وعنه الثورى وأبو معاوية وابن المبارك وشعبة وآخرون. قال أبو الوليد ثقة حسن الحديث وقال ابن عيينة ما رأيت بالكوفة أجود حديثا منه وقال أحمد روى أحاديث منكرة وقال ابن معين ضعيف لا يكتب حديثه وليس حديثه بشئ وقال عثمان بن أبى شيبة كان صدوقا لكن اضطرب عليه بعض محدثيه وسئل أحمد لما ترك الناس حديثه قال كان يتشيع ويخطئُ في الحديث وقال ابن حبان تتبعت حديثه فرأيته صادقا إلا أنه لما كبر ساء حفظه
стр. 1204
فيدخل عليه ابنه فيحدّث عنه ثقة به فوقعت المناكير في روايته فاستحق المجانبة وضعفه آخرون روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه. و (سفيان) الثورى
(قوله جميعا) حال من قيس وسفيان
(قوله عون بن أبى جحيفة) والسوائى الكوفي. روى عن أبيه ومسلم بن رباح والمنذر ابن جرير وكثيرين. وعنه عمرو بن أبي زائدة ومسعر بن كدام ومالك بن دينار والثورى وغيرهم. وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائى وابن حبان. روى له الجماعة. مات سنة ست عشرة ومائة
(قوله عن أبيه) هو وهب بن عبد الله بن مسلم بن جنادة أبو جحيفة السوائى قدم على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم في آخر عمره وحفظ عنه ثم صحب عليا بعد وولاه شرطة الكوفة روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمسة وأربعون حديثا اتفق الشيخان على حديثين وانفرد البخارى بحديثين ومسلم بثلاثة وروى أيضا عن على والبراء بن عازب. وعنه إسماعيل بن أبى خالد والحكم في عتيبة وأبو إسحاق السبيعى. روى له الجماعة. قال ابن حبان. مات سنة أربع وستين وقيل سنة أربع وسبعين
(معنى الحديث)
(قوله أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمكة) لعل مجيئه بمكة كان في حجة الوداع أو في زمن فتحها
(قوله وهو في قبة حمراء من أدم) القبة بضم القاف وتشديد الموحدة من الخيام بيت صغير مستدير ويطلق أيضا على البناء المعروف وتجمع على قباب وقبب من أدم بضمتين أو بفتحتين جمع أديم وهو الجلد المدبوغ
(قوله فخرج بلال فأذن) أى خرج إلى الأبطح كما سيأتي وهو موضع معروف خارج مكة فأذن بالظهر أو العصر كما يؤخذ من رواية البخارى عن أبى جحيفة قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالهاجرة فصلى بالبطحاء الظهر أو العصر ركعتين ونصب بين يديه عنزة "الحديث"
(قوله فكنت أتتبع فمه هاهنا وهاهنا) أى جهتي اليمين والشمال، والمعنى أن أبا جحيفة كان ينظر إلى فم بلال وقت أن كان يلتفت برأسه يمينا وشمالا كما تدل عليه رواية مسلم من طريق سفيان فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يمينا وشمالا يقول حيّ على الصلاة حى على الفلاح
(قوله ثم خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) أى من القبة متوضئا وصلى الظهر أو العصر ركعتين وجعل الناس يتمسحون بوضوئه كما في رواية البخارى
(قوله وعليه حلة الخ) بضم الحاء المهملة إزار ورداء قال ابن الأثير الحلة واحدة الحلل وهى برود اليمن ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد. وقوله حمراء أى مخطصة بخطوط حمر وليست حمراء مصمتة كما فهمه بعضهم (قال ابن القيم) لو كانت حمراء مصمتة لم تكن من البرود وإنما كان فيها خطوط حمر كالبرود. ووصفت بالحمرة باعتبار ما فيها من الخطوط وقد صح عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم النهى عن لبس المعصفر والأحمر من غير معارض. وأمر عبد الله بن عمر لما رأى
стр. 1205
عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما فلم يكن ليكره الأحمر الشديد هذه الكراهة ثم يلبسه اهـ بتصرّف
(قوله برود يمانية قطرىّ) وفي نسخة قطرية والبرود جمع برد والمراد بالجمع ما فوق الواحد ويمانية نسبة إلى اليمن. وقطرىّ بكسر القاف وسكون الطاء نسبة إلى قطر بفتحتين فكسروا القاف وخففوه بسكون الطاء وهي قرية على سيف الخط بين عمان والعقير. وصحّ كون قطرىّ وصفا لبرود لأنه بكثرة الاستعمال صار كالاسم لذلك النوع من الحلل فلا يقال إن الصفة والموصوف لم يتطابقا. ولا مانع أن تكون قطرية يمانية. أما كونها قطرية فلكونها تأتى منها. وكونها يمانية فلكونها تباع فيها فيكون وصف الحلة بثلاث صفات "الأولى" حمراء "والثانية" برود وبين به أن جنس هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية "والثالثة" قطرىّ لأن البرود اليمانية أنواع قطرىّ وغيره ويحتمل أن يكون الكلام على التشبيه أى برود يمانية كثوب قطرىّ فيكون وصف الحلة بوصفين الحمرة وكونها برودا يمانية
(قوله وقال موسى الخ) أى قال موسى بن إسماعيل أحد شيخى المصنف في روايته قال أبو جحيفة رأيت بلالا خرج إلى الأبطح. والأبطح والبطيحة والبطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصى والمراد هنا أبطح مكة وهو مسيل واد بها المعروف بالمحصب. وقال في المرقاة الأبطح بفتح الهمزة محلّ أعلى من المعلى إلى جهة منى ينتهى إليه السبيل من وادى منى
(قوله لوى عنقه الخ) أى أمال بلال عنقه إلى جهة اليمن وجهة الشمال حين قوله حىّ على الصلاة حىّ على الفلاح ولم يتحوّل بصدره عن القبلة ولا بقدمه. وفيه تقييد لمحلّ الالتفات في الأذان وهو عند الحيعلتين وبوّب عليه ابن خزيمة انحراف المؤذن عند قوله حىّ على الصلاة حىّ على الفلاح بفمه لا ببدنه كله (وفي كيفية) الالتفات أوجه "أحدها" أنه يلتفت عن يمينه فيقول حىّ على الصلاة حىّ على الصلاة ثم يلتفت عن يساره فيقول حىّ على الفلاح حىّ على الفلاح "قال النووى" رحمه الله تعالى هو أصحها وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين "الثانى" أنه يلتفت عن يمينه فيقول حيّ على الصلاة ثم يعود إلى القبلة ثم يلتفت عن يمينه فيقولها ثانية ثم يلتفت عن يساره فيقول حيّ على الفلاح ثم يعود إلى القبلة ثم يلتفت عن يساره فيقولها ثانية "الثالث" يقول حىّ على الصلاة مرّة عن يمينه ومرّة عن يساره ثم يقول حىّ على الفلاح كذلك (وإلى استحباب) الالتفات بالعنق في الأذان يمينا وشمالا من غير تحول عن القبلة بصدره وقدميه من غير دوران سواء أكان المؤذن على الأرض أم على غيرها ذهب الشافعى والنخعى والثورى والأوزاعى وأبو ثور وهو رواية عن أحمد أخذا بظاهر هذا الحديث (وقال مالك) لا يدور ولا يلتفت يمينا ولا شمالا إلا أن يريد الإسماع (وقال أبو حنيفة) وإسحاق وأحمد في رواية يلتفت ولا يدور إلا أن يكون على منارة فيدور "واستدلّ من قال" يدور مما زواة ابن ماجه والبيهقي من طريق الحجاج بن أرطاة عن عون بن أبى جحيفة عن أبيه قال رأيت النبي صلى الله تعالى
стр. 1206
عليه وعلى آله وسلم خرج إلى الأبطح فخرج بلال فأذن فاستدار في أذانه "وأجاب عنه" من قال بعدم الدوران بأنه ضعيف لأن الحجاح ضعيف ومدلس ولا سيما إذا روى بالعنعنة. وبأن هذا الحديث مخالف لرواية الثقات عن عون بن أبى جحيفة عن أبيه فيوجب ردّه. وبأن الاستدارة تحمل على الالتفات بالوجه يمينا وشمالا جمعا بين الروايات (قال الحافظ) في الفتح اختلفت الروايات في الاستدارة ففى بعضها أنه كان يستدير. وفي بعضها ولم يستدر. لكن تروى الاستدارة من طريق حجاج وإدريس الأودى ومحمد العرزمى عن عون وهم ضعفاء وقد خالفهم من هو مثلهم أو أمثل وهو قيس بن الربيع فرواه عن عون فقال في حديثه ولم يستدر أخرجه أبو داود. ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى استدارة الرأس. ومن نفاها عني استدارة الجسد كله اهـ ببعض تصرّف
(قوله فأخرج العنزة) أى وجعلها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين يديه ليصلى إليها. وهي مثل نصف الرمح أو أكثر شيئا وفيها سنان مثل سنان الرمح اهـ من النهاية. وروى عمر بن شبة في أخبار المدينة من حديث الليث أنه بلغه أن العنزة التي كانت بين يديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت لرجل من المشركين فقتله الزبير بن العوّام يوم أحد فأخذها منه ﵌ فكان ينصبها بين يديه إذا صلى
(قوله وساق حديثه) أى ذكر موسى بن إسماعيل تمام حديث أبى جحيفة وهو فصلى بنا إلى العنزة الظهر والعصر تمرّ المرأة والكلب والحمار لا يمنع ثم لم يزل يصلى ركعتين حتى أتى المدينة وفي رواية وكان يمرّ من ورائها الحمار والمرأة ثم قام الناس فجعلوا يمسحون بها وجوههم فأخذت يده فوضعتها على وجهى فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك. وهذه الروايات في الصحيحين وفى مسند أحمد (فائدتان. الأولى) استحب العلماء وضع المؤذن أصبعيه في أذنيه حين الأذان لما أخرجه الترمذى عن أبى جحيفة قال رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتبع فاه هاهنا وأصبعاه في أذنيه قال الترمذى حديث حسن صحيح وعليه العمل عند أهل العلم يستحبون أن يدخل المؤذن أصبعيه في أذنيه في الأذان وقال بعض أهل العلم وفي الإقامة أيضا وهو قول الأوزاعي اهـ مختصرا. وروى ابن ماجه والحاكم نحوه. ولأن ذلك أجمع للصوت (قال) النووى قال أصحابنا وفيه فائدة أخرى وهى أنه ربما لم يسمع إنسان صوته لصمم أو بعد أو غيرهما فيستدلّ بوضع أصبعيه في أذنيه على أذانه فإن كان في إحدى يديه علة تمنعه من ذلك جعل الأصبع الأخرى في صماخه اهـ (الثانية) السنة في إقامة الصلاة أن يكون المقيم مستقبل القبلة قائما كالأذان. وهل يستحب الالتفات فيها. فيه ثلاثة أوجه "أصحها" يستحب. ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه "الثانى" لا يستحب ورجحه البغوى قال لأن الإقامة للحاضرين فلا حاجة فيها إلى الالتفات "الثالث" لا يلتفت إلا أن يكبر المسجد اهـ من شرح المهذب
стр. 1207
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز لبس الثوب المخطط بالأحمر. وسيأتى بيانه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى، وعلى مشروعية الالتفات في الأذان يمينا وشمالا عند الحيعلتين وعلى مشروعية اتخاذ السترة للمصلى، ودلت بقية الحديث على جواز التبرّك بآثار الصالحين، وعلى مشروعية قصر الصلاة في السفر، وعلى تعظيم الصحابة له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان مطولا ومختصرا وأخرجه الحاكم والنسائى وابن ماجه والبيهقى وأخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة في صحيحه وأبو نعيم في مستخرجه والترمذى بزيادة جعل الأصبعين في الأذنين
(باب ما جاء في الدعاء بين الأذان والإقامة)
أى في بيان ما ورد من الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة. وفي نسخة باب الدعاء بين الأذان والإقامة. وظاهر البينية أن وقت الإجابة يبتدئُ من انتهاء الأذان وينتهى بابتداء الإقامة. ويحتمل أن يكون المراد أن الدعاء لا يردّ بين أثناء الأذان من حين ابتدائه إلى انتهائه وكذا الإقامة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله سفيان) الثورى
(قوله عن زيد) هو ابن الحوارى البصرى أبو الحوارى. روى عن أنس والحسن البصرى وعكرمة وعروة بن الزبير وآخرين وعنه الثورى والأعمش وشعبة وهشام بن حسان وأبو إسحاق الفزارى وكثيرون. قال أحمد صالح وقال ابن حبان يروى عن أنس أشياء موضوعة لا أصول لها حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها وكان يحيى يمرّض القول فيه وهو عندى لا يجوز الاحتجاج بخبره ولا أكتبه إلا للاعتبار وقال أبو حاتم ضعيف الحديث ولا يحتج به وقال أبو زرعة ليس بقوى واهي الحديث ضعيف وضعفه النسائى والعجلي وابن معين وكثيرون. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه و (العمى) بفتح العين المهملة وتشديد الميم المكسورة نسبة إلى العمّ بطن من تميم ولقب بذلك لأنه كان إذا سئل عن الشئ يقول حتى أسأل عمى
(قوله عن أبى إياس) هو معاوية بن قرّة بن إياس ابن هلال البصرى المزنى. روى عن أبيه وأنس وأبي أيوب الأنصارى وعبد الله بن مغفل
стр. 1208
وجماعة. وعنه ثابت البناني وأبو إسحاق الهمداني وسماك بن حرب وأبو عوانة وقتادة والأعمش وآخرون. وثقه أبو حاتم وابن معين والنسائى والعجلى وابن حبان وابن سعد وقال كان كثير الحديث مات سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله لا يردّ الدعاء بين الأذان والإقامة) أى لا يردّ الله تعالى طلب الحوائج الدنيوية والأخروية الجليلة والحقيرة في هذا الوقت بل يجيب الدعاء ويقبله كما رواه الحاكم وأبو يعلى عن أبى أمامة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا نادى المنادى فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء. وروى الخطيب عن أنس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند أذان المؤذن يستجاب الدعاء فإذا كان الإقامة لا تردّ دعوته وروى مالك والبيهقي عن أبى حازم عن سهل بن سعد قال ساعتان تفتح لهما أبواب السماء وقلّ داع تردّ عليه دعوته عند حضور النداء للصلاة والصفّ في سبيل الله. وروى البيهقي من طريق أبي حازم بن دينار أن سهل بن سعد أخبره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ثنتان لا تردّان أو قلما تردّان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا. والدعاء عامّ يشمل كلّ دعاء إلا أنه مخصوص بما في الأحاديث الصحيحة من أنه ما لم يكن بإثم أو قطيعة رحم. ومشروط بشروط (منها) أن لا يستعجل بالإجابة لما رواه مسلم عن أبى هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لى فيستحسر "أى ينقطع" عند ذلك ويدع الدعاء (ومنها) إقبال العبد على ربه حال دعائه. وأن يكون موقنا بالإجابة. لكن تكون على حسب مراد الله تعالى وفى الوقت الذى يريده لا على حسب مراد الداعي ولا في الوقت الذى يريده إذ قد يدعو بما تكون عاقبته وبالا كما وقع لثعلبة حين طلب منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يدعو له بالمال ويؤدّى منه كل ذى حقّ حقه فقال له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويحك يا ثعلبة قليل تؤدّى شكره خير من كثير لا تطيقه ثم أتاه بعد فقال له مثل ذلك فقال له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أما لك فيّ أسوة حسنة والذى نفسي بيده لو أردت أن تسير معى الجبال ذهبا وفضة لسارت ثم أتاه بعد فقال له والذى بعثك بالحق لئن رزقنى الله تعالى مالا لأعطين كل ذى حق حقه وكان في ذلك الوقت ملازما له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الجمعة والجماعات فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اللهم ارزق ثعلبة مالا فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها وهي تكثر وتزيد فكان يصلى معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الظهر والعصر ويصلى باقى الصلوات في غنمه ثم كثرت الغنم فتباعد عن المدينة حتى صار لا يشهد
стр. 1209
إلا الجمعة ثم كثرت فكان لا يشهد لا جمعة ولا جماعة وصار يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار كل يوم فذكره رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذات يوم فقال ما فعل ثعلبة فقالوا اتخذ غنما لا يسعها واد فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة فلما نزلت آية الصدقة بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رجلين وكتب لهما أسنان الصدقة وكيف يأخذانها وقال لهما مرّا على ثعلبة بن حنطب وعلى رجل من بنى سليم فخذا صدقاتهما فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وقرآ عليه كتابه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلىّ فانطلقا وسمع بهما السليمى فنظر إلى خيار إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأياه قالا ما هذا عليك قال خذاه فإن نفسي بذلك طيبة ثم رجعا إلى ثعلبة فقال أروني كتابكما فقرأه فقال ما هذه إلا جزية انطلقا حتى أرى رأيى فانطلقا فلما رآهما صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال قبل أن يكلماه يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة ثم دعا للسليمى بخير فأخبراه بالذى صنع ثعلبة فنزل قوله تعالى "فلما آتاهم من فضله بخلوا به" الآية "وقد وردت" أدعية بين الأذان والإقامة يأتى بعضها للمصنف (ومنها) ما ذكره الترمذى في حديث الباب لما قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يردّ الدعاء بين الأذان والإقامة قالوا فما نقول يا رسول الله قال سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة، وعلى أفضلية الدعاء في هذا الوقت
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وابن خزيمة وابن حبان والضياء في المختارة والبيهقى والترمذى وحسنه
(باب ما يقول إذا سمع المؤذن)
أى في بيان ما يقوله الشخص إذا سمع المؤذن
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ»
(ش) (قوله إذا سمعتم النداء) ظاهره اختصاص إجابة السامع المؤذن فلو رأى شخص
стр. 1210
المؤذن في محلّ الأذان وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم لا يطالب بالإجابة
(قوله فقولوا مثل ما يقول المؤذن) مثل منصوب صفة لمصدر محذوف وما مصدرية أى قولوا قولا مثل قول المؤذن. أو أنه مفعول مطلق لأن الصفة إذا قامت مقام الموصوف المحذوف تعرب مفعولا مطلقا. ويحتمل أن تكون ما موصولة والعائد محذوف. وعبر بالمضارع ولم يقل مثل ما قال ليشعر بأنه يجيبه بعد كلّ كلمة بمثلها. ويؤيد هذا ما رواه الطحاوى من حديث أم حبيبة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت. وادّعى ابن وضاح أن الحديث انتهى عند قوله مثل ما يقول وأن لفظ المؤذن مدرج فيه. لكن قد اتفقت الروايات في الصحيحين والموطأ على إثباته فلم يصعب ابن وضاح في دعواه ولا سيما وأن الإدراج لا يثبت بمجرّد الدعوى
(وظاهر) الحديث يدلّ على أن السامع يقول مثل قول المؤذن في جميع ألفاظ الأذان حتى في الحيعلتين لكن حديث عمر بن الخطاب الآتى يخصص الحيعلتين فإن فيه يقول السامع فيما لا حول ولا قوّة إلا بالله وهو مذهب الجمهور. ورواية عن مالك. والثانية يتابعه لمنتهى الشهادتين فقط (قال) ابن المنذر يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح فيقول تارة مثل قول المؤذن حتى في الحيعلتين وتارة يبدلهما بالحوقلتين اهـ (وحكى) بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن الخاصّ والعامّ إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما قال فلم لا يقال يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة وهو وجه عند الحنابلة اهـ ولعل وجهه أنه لا مانع أن يدعو الإنسان نفسه ثم يتبرّأ من الحول والقوّة. ونقل عبد الرزاق عن ابن جريح أول قال حدّثت أن الناس كانوا ينصتون للمؤذن إنصاتهم للقراءة فلا يقول شيئا إلا قالوا مثله حتى إذا قال حيّ على الصلاة قالوا لا حول ولا قوّة إلا بالله وإذا قال حيّ على الفلاح قالوا ما شاء الله. وروى ابن أبى شيبة مثله عن عثمان. وروى عن سعيد بن جبير قال يقول في جواب الحيعلة سمعنا وأطعنا
(وظاهر الحديث) أيضا أن السامع يقول في حكايته الصلاة خير من النوم كالمؤذن. وقال بعضهم يقول صدقت وبررت. لكن لا دليل عليه. وقال الحطاب لم أقف على كلام أحد من أهل المذهب على ما يقوله الحاكي في قول المؤذن إذا أذن الصبح الصلاة خير من النوم. وحكى النووى في ذلك خلافا فقال يقول فيها صدقت وبررت. وقيل يقول صدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة خير من النوم. واقتصر على الأول في المنهاج. قال الدميرى وادعى ابن الرفعة أن خبرا ورد فيه. ولا يعرف ما قاله اهـ (وظاهر الحديث) التعبد بالقول وعدم كفاية إمرار الإجابة على القلب. وظاهر المماثلة في القول عدم اشتراط المساواة من جميع الوجوه لاتفاقهم على أنه لا يلزم المجيب أن يرفع صوته لأن المؤذن مقصوده الإعلام فاحتاج إلى رفع الصوت. والسامع مقصوده ذكر الله فيكتفى بالسرّ (قال في الفتح) وأغرب ابن المنير فقال حقيقة الأذان
стр. 1211
جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة (وتعقب) بأن الأذان معناه الإعلام لغة وخصه الشرع بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة فإذا وجدت وجد الأذان وما زاد على ذلك من قول أو فعل أو هيئة يكون من مكملاته ووجد الأذان من دونها ولو كان على ما أطلق لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ومن الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جملة الأذان وليس كذلك لا لغة ولا شرعا اهـ (وظاهر الحديث) إجابة المؤذن في جميع الحالات من غير فرق بين طاهر ومحدث وجنب وحائض لأنه ذكر لله تعالى وكل هؤلاء من أهل الذكر. ويستثنى من ذلك المجامع وقاضى الحاجة. فإذا فرغا حكياه (واختلفوا في المصلى) فذهبت الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يحكي في الصلاة مطلقا فرضا كانت أو نفلا فإن حكى بطلت صلاته إذا قال حىّ على الصلاة حى على الفلاح أو الصلاة خير من النوم. لكن محله عند الشافعية إذا كان عالما بأنه في الصلاة وأن هذا خطاب آدمىّ (وعند المالكية) روايات فروى ابن القاسم عن مالك أنه يحكيه في النافلة دون الفريضة. وروى أبو مصعب عنه أنه يحكي في الفرض والنفل وقال سحنون لا يحكيه فيهما. وعلى القول بالحكاية فيهما أو في النفل فقط فلو قال حىّ على الصلاة حىّ على الفلاح قيل تبطل صلاته وقيل لا (وقالت الحنفية) لا يجيب في الصلاة فرضا كانت أو نفلا. ومن قال بعدم الحكاية في الصلاة مطلقا أو في الفرض دون النفل يقول بحكايته بعد الفراغ منها وكذا إذا سمعه خارج الصلاة ولم يحكه ما لم يطل الفصل فيهما. ودليل من قال بعدم الحكاية في الصلاة ما رواه الشيخان عن ابن مسعود مرفوعا "إن في الصلاة لشغلا" أى اشتغالا بأعمالها المطلوبة فيها دون سواها. ويؤيده امتناع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن إجابة السلام فيها وهو أهمّ من الإجابة للمؤذن (والحديث يدلّ) بظاهره على وجوب إجابة المؤذن وبه قالت الحنفية وابن وهب من أصحاب مالك والظاهرية محتجين بهذا الحديث وأشباهه (وقال مالك) والشافعى وأحمد وجمهور الفقهاء الأمر فيه محمول على الاستحباب وهو اختيار الطحاوى قالوا والصارف له عن الوجوب ما رواه مسلم والطحاوى من طريق علقمة عن عبد الله قال كنا مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بعض أسفاره فسمع مناديا وهو يقول الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الفطرة فقال أشهد أن لا إله إلا الله فقال رسول الله ﵌ خرج من النار قال فابتدرناه فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة فنادى بها (قال) الطحاوى فهذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد سمع المنادى ينادى فقال غير ما قال فدلّ ذلك على أن قوله إذا سمعتم المنادى فقولوا مثل الذى يقول ليس على الإيجاب وأنه على الاستحباب والندبة إلى الخير وإصابة الفضل كما علم الناس في الدعاء الذى أمرهم به أن يقولوه في دبر الصلوات وما أشبه ذلك اهـ (قال الحافظ) وتعقب بأنه ليس
стр. 1212
في الحديث أنه لم يقل هل ما قال فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوى اكتفاء بالعادة ونقل القول الزائد. وبأنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر. أو أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما أمر لم يرد أن يدخل نفسه فيمن خوطب بذلك اهـ وأيضا كون الأذان الذى هو الأصل ليس بواجب كما عليه الأكثر فالإجابة لا تكون واجبة بالطريق الأولى (قال) ابن عبد السلام ظاهر الحديث الوجوب لكن قد تكون القرينة الصارفة عنه هى تبعية قول الحاكي للقول المحكي الذى هو الأذان اهـ (فائدة) أيحكي الترجيع أم لا. ظاهر قوله فقولوا مثل ما يقول أنه يحكيه لأن الترجيع مما يقوله (قال) النووى وهذا أظهر وأحوط اهـ وهل يختصّ استحباب الحكاية بالأول إذا تعدّد المؤذنون وسمعهم. فيه خلاف للسلف حكاه القاضى عياض (قال النووى) ولم أر شيئا لأصحابنا، والمسألة محتملة، والمختار أن يقال إن الحكاية سنة متأكدة يكره تركها لتصريح الأحاديث الصحيحة بالأمر بها. وهذا يختص بالأول لأن الأمر لا يقتضى التكرار وأما أصل الفضيلة والثواب في المتابعة فلا يختص اهـ
(من روى الحديث أيضا) رواه الجماعة والطحاوى في شرح معاني الآثار ومالك في الموطأ والبيهقى
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَحَيْوَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله ابن وهب) هو عبد الله. و (ابن لهيعة) هو عبد الله و (حيوة) بن شريح. و (سعيد بن أبى أيوب) الخزاعي المصرى أبى يحيى. روى عن كعب بن علقمة وعقيل بن خالد وأبى الأسود وجعفر بن ربيعة وكثيرين. وعنه ابن جريج وابن المبارك ونافع بن يزيد وابن وهب وجماعة. قال أحمد وأبو حاتم لا بأس به ووثقه النسائي وابن معين وابن حبان ويحيى بن بكير وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث. قيل توفي سنة إحدى
стр. 1213
وستين ومائة. روى له الجماعة
(قوله كعب بن علقمة) بن كعب بن عدى أبى عبد الحميد التنوخى المصرى. روى عن مرثد بن عبد الله وبلال بن عبد الله وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن ابن جبير وجماعة. وعنه عمرو بن الحارث وسعيد بن أبى أيوب والليث بن سعد ويحيى بن أيوب وآخرون. وثقه ابن حبان. توفي سنة سبع وعشرين أو ثلاثين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى والبخارى في التاريخ
(معنى الحديث)
(قوله ثم صلوا عليّ) أى ادعوا الله لى بتعظيم شأنى في الدنيا بإعلاء ذكرى وإظهار سنتى وإبقاء العمل بشريعتى وفي الآخرة بتشفيعى في أمتى وبإكثار أجرى ومثوبتي وإظهار فضلى للأولين والآخرين بالمقام المحمود. وأمرهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذلك امتثالا لأمر الله تعالى وتشريعا ولقصور المؤمنين عن أداء حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وقد جاء) بيان كيفية الصلاة عليه في روايات صحيحة (منها) ما رواه الشيخان والنسائى والمصنف وغيرهم عن كعب بن عجرة لما نزل قوله تعالى "إن الله وملائكته" الآية قال رجل يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمناه فكيف الصلاة عليك قال قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد (ومنها) ما أخرجه البخارى والنسائى وأحمد وغيرهم عن أبي سعيد الخدرى قلنا هذا السلام يا رسول الله عليك قد علمناه فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم (ومنها) ما أخرجه النسائى وغيره عن أبى هريرة أنهم سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كيف نصلى عليك قال قولوا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم (والأمر بالصلاة) على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث موجه لمن سمع الأذان. ومثله في ذلك المؤذن لفراغه من الأذان حينئذ ولعدم ما يشغله ولأنه داخل في قوله من صلى علىّ (قال النووى) يستحب للمؤذن أن يقول بعد فراغ أذانه الأذكار المذكورة من الصلاة على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وسؤال الوسيلة والدعاء بين الأذان والإقامة والدعاء عند أذان المغرب اهـ (والأمر بالصلاة) على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث محمول على الندب عند الجمهور وقالوا صرفه عن الوجوب ما في الحديث من الترغيب في الثواب فإن مثله يستعمل في المستحب غالبا (وقال) العيني يستفاد من الحديث وجوب الحكاية ووجوب الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد الإجابة ولا سيما وقد ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الأذان
стр. 1214
فإنّ الطحاوى أوجب الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلما سمع ذكره وهو المختار اهـ (وظاهر) الحديث جواز إفراد الصلاة على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من غير كراهة وإلى ذلك ذهب كثيرون. وقال بعضهم يكره إفراد الصلاة عن السلام. لكن لا وجه له. وذكر ابن حجر الهيتمى أن الحق أن المراد بالكراهة خلاف الأولى وقال لأنه لم يوجد مقتضيها من النهى المخصوص اهـ (والصلاة) على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد الأذان من المؤذن والسامع تكون سرّا يسمع نفسه ومن يليه. أما رفع الصوت بها على الكيفية التي جرت بها عادة غالب مؤذني أهل زماننا فهو بدعة مخالف لهدى رسول الله ﵌. والخير كله في الاتباع. وقد حدثت هذه البدعة في عهد صلاح الدين يوسف ابن أيوب سنة إحدى وثمانين وسبعمائة في ربيع الأول. وقيل زمن المنصور قلاوون سنة إحدى وتسعين وسبعمائة (وقال في الدرّ المختار) التسليم بعد الأذان حدث في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وسبعمائة في عشاء ليلة الإثنين ثم يوم الجمعة ثم بعد عشر سنين حدث في الكلّ إلا المغرب اهـ (قال) ابن الحاج في المدخل يطلب من إمام المسجد أن ينهى المؤنين عما أحدثوه من صفة الصلاة والتسليم على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند الأذان. وإن كانت الصلاة والتسليم على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أكبر العبادات ولكن ينبغى أن يسلك بها مسلكها فلا توضع إلا في مواضعها التى جعلت لها ألا ترى أن قراءة القرآن من أعظم العبادات ومع ذلك لا يجوز للمكلف أن يقرأه في الركوع ولا في السجود ولا في الجلوس أعني الجلوس في الصلاة لأن ذلك لم يرد والخير كله في الاتباع. وهي بدعة قريبة الحدوث جدّا اهـ ملخصا
(وقال ابن حجر الهيتمى) قد أحدث المؤذنون رفع الصوت بالصلاة والسلام على النبى ﵌ عقب الأذان في الفرائض الخمس "إلى أن قال" وقد استفتى مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد الأذان على الكيفية التي يفعلها المؤذنون فأفتوا بأن الأصل سنة والكيفية بدعة اهـ ملخصا (وقال الشعرانى) نقلا عن شيخه لم يكن التسليم الذى يفعله المؤذنون في أيام حياته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا الخلفاء الراشدين بل كان في أيام الروافض بمصر اهـ ولا يخفى عليك قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ رواه الشيخان والنسائي والمصنف. وفى رواية لمسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ. وما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه حتى كأنه منذر جيش "الحديث" وفيه أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وإن أفضل الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة
стр. 1215
زاد الإمام أحمد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في روايته من حديث عمرو بن تغلب وكلّ ضلالة في النار (وقال) الإمام مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خان الدين لأن الله تعالى يقول "اليوم أكملت لكم دينكم" فما لم يكن حينئذ دينا لا يكون اليوم دينا (وقال) الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه من حسن فقد شرّع (إلى غير ذلك) مما يطول ذكره. وبما تقدم لك تعلم أن الصلاة والتسليم على النبى ﵌ من المؤذن بعد الأذان بالكيفية المتعارفة في زماننا هذا لم تكن في زمانه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا في زمان أصحابه رضوان الله تعالى عليهم ولا في زمان السلف الصالح (وما قال) باستحسانها أحد من الأئمة المجتهدين. ومن قال باستحسانها من متأخرى المقلدين فقوله مردود عليه بهذه الأحاديث الصحيحة لأن شرط الاستحسان أن لا يكون مصادرا لما كان عليه الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه فضلا عن كون المقلد لا يصح منه التحسين. فإذا علمت هذا فاعلم أنه ينبغي ترك ذلك ولا سيما وأن العامة اعتقدوا أنها من جملة الأذان المشروع وأن الأذان بدونها باطل وقد علم بعض المؤذنين الحكم الشرعى في ذلك وعملوا عليه فقال غالب الناس قد أبطل الأذان بتركه رفع الصوت بالصلاة والسلام بعده. وإنهم بهذا قد أدخلوا في الدين ما ليس منه وخلطوا على الناس أمر دينهم فلا حول ولا قوة إلا بالله العلىّ العظيم. وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتبنا الأخر
(قوله صلى الله عليه بها عشرا) أى أعطاه الله تعالى في مقابلة صلاته على النبى ﵌ أجر عشر صلوات فالباء للمقابلة. وهذا الحديث نظير قوله تعالى "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" والصلاة من الله تعالى على عباده ثناؤه عليهم عند الملائكة كما رواه البخارى عن أبى العالية وغيره عن الربيع بن أنس وجرى عليه الحليمى في شعب الإيمان. وقيل رحمة الله لهم كما نقله الترمذى عن الثورى وغير واحد من أهل العلم وجرى عليه المبرّد والماوردى وقال إن ذلك أظهر الوجوه
(قوله ثم سلوا الله لي الوسيلة) هي في الأصل ما يتوصل به إلى الشئ ويتقرّب به إليه. وقيل هي الشفاعة العظمى يوم القيامة. وقيل منزلة في الجنة كما في الحديث وهى المرادة هنا وقيل قبتان في أعلى عليين إحداهما يسكنها النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ وآله والأخرى من ياقوتة صفراء يسكنها إبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ وآله
(قوله فإنها منزلة في الجنة) وهى أعلاها وأغلاها وسميت تلك المنزلة بالوسيلة لأن الواصل إليها يكون فائزا بلقائه تعالى مخصوصا من بين سائر الخلق بأنواع الكرامات
(قوله لا تنبغى الخ) بالمثناة الفوقية وفى بعض النسخ بالمثناة التحتية أى لا تتيسر ولا تكون إلا لعبد واحد من سائر عباد الله تعالى وأرجو أن أكون أنا هو. وقال ذلك ﵌ قبل أن يوحى إليه أنه صاحبها. ويحتمل أنه قاله بعد أن أوحى إليه بها
стр. 1216
فيكون ذلك تواضعا منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وأمره للأمة بسؤال الوسيلة بعد لزيادة الرفعة والمقام كبقية الدعاء له ولنيل الأمة الأجر على الدعاء له "وقوله أنا هو" قيل هو خبر أكون وضع موضع إياه. ويحتمل أن يكون من باب وضع الضمير موضع اسم الإشارة أى أكون ذلك العبد. وعليهما فأنا تأكيد للضمير في أكون
(قوله حلت عليه الشفاعة) أى وجبت له كما صرّح به في رواية الطحاوى عن ابن مسعود فعلى بمعنى اللام. أو نزلت عليه فهى من الحلول ولا يصح أن تكون حلت من الحلّ لأنها لم تكن قبل ذلك محرّمة "ولا يقال" إن الشفاعة للمذنبين فكيف تكون لقائل هذا القول إذا لم يكن من المذنبين "لأن له" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شفاعات أخر كإدخال الجنة بغير حساب ورفع الدرجات فيعطى كل أحد ما يناسبه
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب إجابة المؤذن ممن سمعه، وعلى مشروعية الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد الإجابة وقد علمت بيانه، وعلى مضاعفة الأجر للأمة، وعلى أن الأمة مأمورة بطلب الوسيلة له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد الأذان وعلى ثبوت الشفاعة لمن سأل ذلك له، وعلى اختصاص الوسيلة المذكورة بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعلى تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حيث رغب الأمة في الدعاء له
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى والبيهقى والترمذى وأحمد والطحاوى في شرح معاني الآثار
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَا: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حُيَيٍّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي الْحُبُلِيَّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «قُلْ كَمَا يَقُولُونَ فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله ابن السرح) هو أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو ابن السرح فهو منسوب إلى جدّه الأعلى
(قوله عن حييّ) بضم الحاء المهملة وفتح الياء الأولى وتشديد الثانية هو عبد الله بن شريح المعافرى أبو عبد الله المصرى. روى عن أبى عبد الرحمن الحبلى. وعنه الليث بن سعد وابن لهيعة وابن وهب وآخرون. قال أحمد أحاديثه مناكير وقال ابن معين ليس به بأس وقال النسائى ليس بالقوى وقال البخارى فيه نظر وقال ابن عدى أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة. توفى سنة ثلاث وأربعين ومائة. روى له أبو داود والترمذى
стр. 1217
والنسائى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله إن المؤذنين يفضلوننا) يعنى يغلبوننا في الفضل ويزيدون علينا بسبب الأذان فهو من فضلته إذا غلبته بالفضل
(قوله قل كما يقولون الخ) أى إلا الحيعلتين. وهو جواب لاستفهام مقدّر تقديره فأىّ عمل تأمرنا به كي نلحقهم بسببه فقال ﵌ جوابا له قل كما يقولون فإذا انتهيت أى من الإجابة فاطلب من الله تعالى ما تريده يقبل دعاءك ويعطك ما سألته فإن هذا وقت إجابة فالهاء مفعول ثان لتعط عائد على معلوم من السياق (وظاهره) يدلّ على أن السامع إذا أجاب المؤذن يحصل له من الفضل مثل ما للمؤذن. لكن هذا من باب الترضية لمجيب المؤذن وإلا فالمؤذن يثاب ثوابا أزيد كما تدلّ عليه الأحاديث "فقد" روى مسلم وابن حبان في صحيحه عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة، وروى "الطبرانى في الأوسط عن أنس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لو أقسمت لبررت أن أحب عباد الله إلى الله لرعاة الشمس والقمر يعنى المؤذنين وإنهم ليعرفون يوم القيامة بطول أعناقهم "وروى" الطبرانى في الكبير عن ابن عمر قال لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا مرّة ومرّة ومرّة حتى عدّ سبع مرّات لما حدّثت به سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة لا يهولهم الفزع ولا يفزعون حين يفزع الناس رجل علم القرآن فقام يطلب به وجه الله وما عنده ورجل نادى في كل يوم وليلة خمس صلوات يطلب وجه الله وما عنده ومملوك لم يمنعه رقّ الدنيا من طاعة ربه "وروى" البخارى في التاريخ والطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبى على الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال علمني أو دلنى على عمل يدخلني الجنة قال كن مؤذنا قال لا أستطيع قال كن إماما قال لا أستطيع فقال قم بإزاء الإمام. إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه ينبغى للإنسان أن يحثّ نفسه على تحصيل الخير ولا سيما إذا رأى أن غيره قد سبقه به، وعلى أن المؤذنين لهم ثواب كبير، وعلى أن الدعاء عقب الأذان مشروع ومجاب، وعلى أن من يجيب المؤذن يحرز ثوابا مثله
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى والنسائى في عمل اليوم والليلة وابن حبان في صحيحه ورواه ابن خزيمة والحاكم عن أم حبيبة بلفظ إن المؤذنين يفضلوننا فقال قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه وفي سنده عبد الله بن لهيعة وفيه مقال
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَامِرِ
стр. 1218
بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَنْ قَالَ: حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ "
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عن الحكيم) بضم الحاء المهملة وفتح الكاف (ابن عبد الله ابن قيس) بن مخرمة بن المطلب المصرى. روى عن ابن عمر وعامر بن سعد ونافع بن جبير وعنه الليث بن سعد ويزيد بن أبي حبيب وعمرو بن الحارث وعبيد الله بن المغيرة. وثقه ابن حبان وقال النسائى ليس به بأس. توفى بمصر سنة ثماني عشرة ومائة. روى له الجماعة إلا البخارى
(قوله عامر بن سعد بن أبى وقاص) الزهرى المدنى. روى عن أبيه وابن عمر وعائشة وعثمان وجابر ابن سمرة وجماعة. وعنه ابنه داود وعطاء بن يسار وعمرو بن دينار وسعيد بن المسيب ومجاهد والزهرى وكثيرون. قال العجلى تابعى ثقة وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث ووثقه ابن حبان توفى سنة أربع ومائة. روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه
(قوله سعد بن أبى وقاص) بن مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤَيّ بن غالب القرشى الزهرى. أحد العشرة المبشرين بالجنة وآخرهم موتا أسلم قديما "فقد" روى البخارى عنه أنه قال لقد مكثت سبعة أيام وإنى لثالث الإسلام. وهاجر إلى المدينة قبله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشهد بدرا والمشاهد كلها وكان مجاب الدعوة "فقد" روى الترمذى من حديث قيس بن أبى حازم عن سعد أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال اللهم استجب لسعد إذا دعاك فكان لا يدعو إلا استجيب له. وهو أوّل من رمى بسهم في سبيل الله وكان يقال له فارس الإسلام وكان رأس من فتح العراق وولى الكوفة لعمر ثم وليها لعثمان وفتح مدائن كسرى وجاءه ابن أخيه هاشم بن عتبة فقال هاهنا مائة ألف سيف يرونك أنك أحقّ بهذا الأمر فقال أريد منها سيفا واحدا إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا وإذا ضربت به الكافر قطع قال ابن إسحاق كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستخفون بصلاتهم فبينا سعد في شعب من شعب مكة في نفر من الصحابة إذ ظهر عليهم المشركون فنافروهم وعابوا عليهم دينهم حتى قاتلوهم فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه فكان أول دم أريق في الإسلام روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحاديث كثيرة اتفق الشيخان على خمسة عشر وانفرد البخارى بخمسة ومسلم بثمانية عشر. روى عنه عائشة وابن عمر وابن عباس وجابر بن سمرة وسعيد بن المسيب وبنوه محمد وإبراهيم وعامر ومصعب وكثيرون من الصحابة
стр. 1219
والتابعين. مات رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بالعتيق على عشرة أميال من المدينة فحمل إليها ودفن بالبقيع وصلى عليه مروان بن الحكم سنة خمس وخمسين على الأصح. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله من قال حين يسمع المؤذن الخ) ظاهره يدّل على أنه يقول هذا الذكر حال الأذان عقب سماعه الشهادتين. ويحتمل أنه يقوله بعد تمام الأذان إذ لو قال ذلك حال الأذان لفاته إجابة المؤذن في بعض كلمات الأذان
(قوله رضيت بالله ربا الخ) أى اخترته واكتفيت به ولم أطلب غيره ورضيت بجميع قضائه وقدره وبرسالة محمد ﵌ إليّ وإلى سائر المكلفين ورضيت بدين الإسلام الذى جاء به ﵌ من أصول وفروع وامتثلت أوامره واجتنبت نواهيه. فربّا تمييز محّول عن المضاف أى رضيت بربوبيته. ويحتمل أن يكون حالا أى رضيت بالله مربيا ومالكا وكذا قوله رسولا ودينا في الجملتين بعده (وجاء بيان أصول) الدين في رواية النسائى عن عمر قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب الخ وفيه فقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه قال صدقت قال فأخبرنى عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "الحديث" فقد أطلق صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الدين على الإسلام والإيمان والإحسان التى هي الأصول والفروع "فإن قيل" لم ذكر الإسلام ولم يقل وبالإيمان "قيل أل" في الإسلام للكمال وهو الإسلام المنجى وهو يستلزم الإيمان
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والحاكم والنسائى وابن ماجه والطحاوى في شرح معانى الآثار والبيهقى والترمذى وقال حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد عن حكيم بن عبد الله بن قيس
(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ، قَالَ: «وَأَنَا، وَأَنَا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله إبراهيم بن مهدى) المصيصى بغدادى الأصل. روى عن
стр. 1220
حفص بن غياث وابن إدريس وابن عيينة وأبى عوانة وآخرين. وعنه أحمد وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وجماعة. وثقه أبو حاتم وابن قانع وابن حبان وقال ابن معين ما أراه يكذب. وقال الأزدى له عن عليّ بن مسهر أحاديث لا يتابع عليها. توفى سنة أربع أو خمس وعشرين ومائتين
(قوله عن أبيه) هو عروة بن الزبير
(معنى الحديث)
(قوله كان إذا سمع المؤذن يتشهد) أى يقول أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخر الشهادتين. ويحتمل أن يراد بالتشهد الأذان كله فيكون من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ ويؤيده رواية الحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا سمع المؤذن قال وأنا وأنا. على هذا يكون قد وقع الاكتفاء منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بما قاله ولم يقل مثل ما قال المؤذن إما لأن إجابة المؤذن غير واجبة وإما لأنه كان قبل الأمر بالقول مثل ما يقول المؤذن أو أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال مثل ما قال المؤذن ولم ينقله الراوى. لكن هذا بعيد
(قوله قال وأنا وأنا) يحتمل أن يكون التكرير للتأكيد وأن يكون الضمير الأول راجعا إلى الشهادة الأولى أى أنت تشهد أن لا إله إلا الله وأنا أشهد أن لا إله إلا الله. والضمير الثانى راجع إلى الشهادة الثانية أى وأنا أشهد أن محمدا رسول الله فأنا مبتدأ خبره محذوف والجملة عطف على مقدّر. ويحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول وأنا وأنا عند الشهادتين لله تعالى وكذلك مثلهما عند الشهادتين للرّسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيكون قالها أربع مرّات. وعلى الاحتمالين الأخيرين يكون للتأسيس. واختلف في أنه هل كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتشهد مثلنا أو يقول إنى رسول الله. الظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يتشهد كتشهدنا فيقول أشهد أن محمدا رسول الله
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يشهد لنفسه بالرسالة كبقية الأمة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ خَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يسَافٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ: أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ
стр. 1221
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ "
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن جهضم) بن عبد الله الثقفى أبو جعفر البصرى روى عن إسماعيل بن جعفر ومحمد بن طلحة وابن عيينة وأزهر بن سنان. وعنه إسحاق بن منصور وعباس بن عبد العظيم ويحيى بن محمد ويعقوب بن سفيان وجماعة. وثقه ابن حبان وقال أبو زرعة صدوق لا بأس به. روى له البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى
(قوله عمارة بن غزية) بفتح الغين المعجمة وكسر الزاى وتشديد المثناة التحتية ابن الحارث بن عمرو بن غزية الأنصارى المازنى. روى عن أنس وعباد بن تميم ويحيى بن عمارة وعباس بن سهل وأبى الزبير وآخرين. وعنه سليمان بن بلال ويحيى بن أيوب ويونس بن يزيد والثورى وجماعة. وثقه أبو زرعة وأحمد والعجلى وابن سعد وقال كان كثير الحديث وقال ابن معين صالح وقال النسائى وأبو حاتم ما به بأس وكان صدوقا. توفي سنة أربعين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذي والبخارى في التاريخ
(قوله عن خبيب) بالتصغير (ابن عبد الرحمن) بن خبيب (بن يساف) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة المخففة ويقال فيه إساف بالهمزة المكسورة الأنصاري الخزرجى أبى الحارث. روى عن أبيه عن جدّه وعن عمته أنيسة وحفص بن عاصم. وعن يحيى الأنصارى وابن إسحاق وعمارة بن غزية ومالك وشعبة وآخرون. وثقه ابن معين وابن حبان وقال أبو حاتم صالح وقال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث. روى له الجماعة
(قوله حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب المدني. روى عن أبيه وعمه عبد الله بن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدرى وغيرهم. وعنه القاسم بن محمد وسعد بن إبراهيم وسالم بن عبد الله وخبيب بن عبد الرحمن. ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة ووثقه أبو زرعة وابن حبان والنسائي وقال الطبرى ثقة مجمع عليه
(قوله عن أبيه) هو عاصم بن عمر بن الخطاب العدوى أبو عمر ويقال أبو عمرو المدني. ولد في حياة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يرو عنه شيئا. روى عن أبيه. وعنه ابناه حفص وعبد الله وعروة بن الزبير. قال الزبير كان من أحسن الناس خلقا وذكره جماعة ممن ألف في الصحابة. مات بالربذة سنة سبعين أو ثلاث
стр. 1222
وسبعين. روى له الشيخان وأبو داود والترمذى والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله إذا قال المؤذن) جملة شرطية جزاؤها قوله الآتى "دخل الجنة"
(قوله الله أكبر الله أكبر) يحتمل أن يكون وصل جملة الله أكبر الأولى بالثانية وحرّك الراء من أكبر الأولى، أو يكون وقف عليها بسكتة لطيفة من غير تنفس وهو الأقرب ويؤيده حديث "إذا أذنت فترسل" أى تمهل وافصل جمله بعضها عن بعض فإنه ظاهر في أنه يقف على آخر كلّ جملة لا فرق بين جمل التكبير وغيرها، ويؤيده أيضا كون الأصل في الجمل الوقف ولهذا قالت المالكية إن الأذان مجزوم الجمل لامتداد الصوت. ونقل البنانى منهم عن أبى الحسن وعياض ويونس وابن راشد والفاكهانى أن جزمه ليس الصفات الواجبة التى تتوقف صحته عليها. وما ذكره عبد الباقى تبعا للحطاب من أن جزمه ليس من الصفات الواجبة فقد ردّه البناني نقلا عن أبى الحسن (قال) ابن راشد الخلاف إنما هو في التكبيرتين الأوليين وأما غيرهما من ألفاظ الأذان فلم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه نطق به إلا موقوفا اهـ لكن لا وجه للخلاف فإنه لا فرق بين جمله كلها كما تقدّم. وفى الرهونى على شرح عبد الباقى نصّ ابن يونس قال النخعى الأذان والتكبير كل ذلك جزم قال وعوامّ الناس يضمون الراء من الله أكبر والصواب جزمها لأن الأذان سمع موقوفا ومن أعرب الله أكبر لزمه أن يعرب الصلاة والفلاح بالخفض اهـ (وقال) ابن حجر الهيتمى الشافعى يسنّ الوقف على أواخر الكلمات من الأذان لأنه روى موقوفا اهـ (قال) محشيه موهبة ذى فضل "قوله يسنّ الوقف على أواخر الكلمات" أى مطلقا سواء التكبير وغيره "وقوله روى موقوفا" أى ورد موقوفا على أواخر الكلمات ومبنى العبادات على الاتباع اهـ (وقال) الكردى وعبارة الإمداد تسكين راء التكبيرة التانية وكذا الأولى اهـ (وقال) في البداية للحنفية ويترسل في الأذان (قال) ابن الهمام هو "أى الترسل" أن يفصل بين كل كلمتين من كلمتى الأذان بسكتة اهـ (وقال) في البحر الرائق ويترسل فيه ويحدر فيها أى يتمهل في الأذان ويسرع في الإقامة. وحدّه أن يفصل بين كل كلمتي الأذان بسكتة بخلاف الإقامة للتوارث ولحديث الترمذى أنه ﵌ قال لبلال إذا أذنت فترسل في أذانك وإذا أقمت فاحدر فكان سنة فيكره تركه اهـ (وقال) ابن عابدين رأيت لسيدى عبد الغنى رسالة في هذه المسألة سماها تصديق من أخبر بفتح راء الله أكبر أكثر فيها النقل وحاصلها أن السنة أن يسكن الراء من الله أكبر الأولى أو يصلها بالله أكبر الثانية فإن سكنها كفى وإن وصلها نوى السكون فحرّك الراء بالفتحة فإن ضمها خالف السنة لأن طلب الوقف على أكبر الأول صيره كالساكن أصالة فحرّك بالفتح اهـ (وقال) في الإقناع وشرحه للحنابلة ولا يعربهما "أى الأذان والإقامة" بل يقف على كل جملة منهما اهـ فقد علمت من هذا كله أن المذاهب الأربعة
стр. 1223
على اختيار الوقف في جمل الأذان كلها من غير فرق بين التكبير الأول وغيره "فما يفعله" غالب المؤذنين من جمع التكبيرتين في نفس من غير سكتة بينهما المرتب عليه تحريك راء التكبيرة الأولى "في غير محله"
(قوله لا حول ولا قوّة إلا بالله) أى لا حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله. وقيل لا حول في دفع الشرّ ولا قوّة على تحصيل الخير إلا بالله. وقيل لا تحوّل عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوّة على طاعة الله. إلا بمعونة الله (والحديث صريح) في أن من سمع المؤذن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلتين فيبدلهما بلا حول ولا قوة إلا بالله فهو مخصص للروايات التي ذكر فيها الحيعلتين كما تقدم. وما رواه الحاكم عن أبي أمامة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُعن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا نادى المنادى فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء فمن نزل به كرب أو شدّة فليتحين المنادى فإذا كبر كبر وإذا تشهد تشهد وإذا قال حيّ على الصلاة قال حيّ على الصلاة وإذا قال حيّ على الفلاح قال حيّ على الفلاح "الحديث" قال المنذرى هو من رواية عفير بن معدان وهو واه اهـ أى فيكون ضعيفا فلا يعارض حديث الباب. وعلى تقدير صحته فلا يعارض أيضا لما تقدم من أنه يصح الإتيان بالحيعلتين تارة وبالحوقلتين أخرى ويصح الجمع بينهما (والحكمة) في إبدال الحعلتين بالحوقلتين أن الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن قى ثوابها. أما الحيعلة فالمقصود منها الدعاء إلى الصلاة وذلك يكون من المؤذن فقط فعوّض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة
(قوله من قلبه) أى من قال عقب قول المؤذن ما ذكر خالصا من قلبه فهو راجع إلى الجميع على الظاهر ويحتمل أنه راجع إلى كلمة التوحيد
(قوله دخل الجنة) أى يدخل ووضع الماضى موضع المستقبل لتحقق حصول الموعود به. والمراد أنه يدخل مع السابقين وإلا فكل مؤمن لا بدّ له من دخولها حيث مات على الإيمان وإن سبقه عذاب. واستحق دخول الجنة بما ذكر لأنه توحيد وثناء على الله وانقياد لطاعته وتفويض إليه في الحول والقوّة فمن حصل هذا فقد حاز حقيقة الإيمان وكمال الإسلام فإن هذه العبادة من أعظم شعائر الإسلام وأشهر معالمه. ووقعت المواظبة عليها منذ شرعها الله تعالى إلى أن توفي النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ليل ونهار وحضر وسفر ولم يسمع بأنه وقع الإخلال بها أو الترخيص في تركها وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأمر أمراء الجند في الغزو أنهم أذا سمعوا الأذان من قوم كفوا عن قتالهم وإن لم يسمعوه قاتلوهم. وناهيك بهذا حيث جعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علامة للإسلام ودلالة للتمسك به والدخول فيه
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب من السامع أن يجيب المؤذن في الأذان، وعلى أنه يقول كل كلمة عقب فراغ المؤذن منها، وعلى أن السامع يبدل الحيعلتين بالحوقلتين، وعلى أن حكاية الأذان فيها فضل عظيم حيث رتب عليها دخول الجنة، وعلى أن الأعمال لا بدّ فيها من الإخلاص
стр. 1224
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والبيهقى والنسائى والطحاوى في شرح معاني الآثار وأخرج البخارى نحوه من طريق عيسى بن طلحة قال دخلنا على معاوية فنادى مناد بالصلاة فقال الله أكبر الله أكبر فقال معاوية الله أكبر الله أكبر فقال أشهد أن لا إله إلا الله فقال معاوية وأنا أشهد أن لا إله إلا الله فقال أشهد أن محمدا رسول الله فقال معاوية وأنا أشهد أن محمدا رسول الله قال يحيى فحدثني صاحب لنا أنه لما قال حيّ على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال هكذا سمعنا نبيكم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول
(باب ما يقول إذا سمع الإقامة)
هكذا في بعض النسخ بالترجمة لهذا الحديث وهى الأنسب به وكذا في البيهقي، وفي بعضها إسقاط الترجمة وجعل الحديث تحت الترجمة السابقة. ولعله خطأ من النساخ أو أن في الترجمة حذفا والأصل باب ما يقول إذا سمع المؤذن والمقيم أو أراد بالمؤذن ما يشمل المقيم فإنه مؤذن في الجملة
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا» وَقَالَ: فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْأَذَانِ
(ش) (قوله العتكي) بفتح العين المهملة والمثناة الفوقية المخففة نسبة إلى عتيك على وزن أمير فخذ من الأزد
(قوله عن أبى أمامة) هو صدىّ بن عجلان الباهلى
(قوله أو عن بعض أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) شك من الراوى
(قوله أخذ في الإقامة فلما أن قال الخ) أى شرع بلال فيها فحين قال قد قامت الصلاة قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقامها الله وأدامها أى أثبت الله الصلاة وأظهرها وأدام فعلها وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حكاية بقية ألفاظ الإقامة نحو ما في حديث عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ المتقدم في حكاية السامع الأذان فكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول مثل قول المقيم إلا في الحيعلتين فكان يبدلهما بالحوقلتين (وهو صريح) في أن الإقامة تحكى كما يحكى الأذان وإلى ذلك ذهبت الشافعية والحنابلة (وذهبت) المالكية إلى عدم حكايتها. لكن الحديث يردّ عليهم وهو وإن كان ضعيفا لأن فيه محمد بن ثابت وهو ضعيف وشهر بن حوشب وهو مختلف في
стр. 1225
عدالته لكن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال باتفاق العلماء
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وقال قال الشيخ وهذا إن صح شاهد لما استحسنه الشافعى رحمه الله تعالى من قولهم اللهم أقمها وأدمها واجعلنا من صالحى أهلها عملا وبعض هذه اللفظة "فيما أخبرنا" أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا يحيى بن أبى طالب ثنا عبد الوهاب بن عطاء أنا شعبة عن عاصم الأحول عن أبي عيسى الأسوارى قال كان ابن عمر إذا سمع الأذان قال اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى توفني عليها وأحينى عليها واجعلنى من صالحى أهلها عملا يوم القيامة
(باب في الدعاء عند الأذان)
وفى نسخة باب الدعاء عند الأذان
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: "مَنْ قَالَ: حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِلَّا حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
(ش) (قوله من قال حين يسمع النداء) ظاهره أنه يقول هذا الدعاء حال الأذان. ويحتمل أن يكون المراد من النداء تمامه إذ المطلق يحمل على الكامل منه وهو الأولى لما تقدم في حديث عمرو بن العاصى من قوله فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ الخ فإنه يدلّ على أن الدعاء يكون عقب الفراغ من الأذان
(قوله اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامة) بفتح الدال المهملة في الأصل الطلب والمراد بها هنا الأذان لأنه دعاء إلى عبادة الله تعالى. والمراد بالرب الصاحب ويطلق أيضا على المالك والسيد والمدبر والمنعم. ووصفت بالتمام لما فيها من الثناء على الله تعالى وعلى رسوله ﵌ والدعاء إلى طاعته ونفى الشريك ولأنها لا يدخلها تغيير ولا تبديل بل هي باقية إلى يوم النشور ولذلك يهرب الشيطان عند سماعها دون غيرها من بقية العبادات
(قوله والصلاة القائمة) أى الدائمة التى لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة فإنها قائمة مادامت السماوات والأرض وأل في الصلاة للعهد والمعهود الصلاة المدعو لها
(قوله آت محمدا الخ) أى أعطه الوسيلة والمراد بها هنا أعلى منزلة في الجنة. والفضيلة خلاف النقيصة والنقص والمراد هنا المرتبة الزائدة
стр. 1226
على سائر الخلق فهى مرادفة للوسيلة. ويحتمل أن تكون منزلة أخرى. وزاد بعضهم في هذا الحديث بعد قوله والفضيلة قوله والدرجة الرفيعة (قال السخاوى) في المقاصد الحسنة لم أره في شيء من الروايات. وكأن من زادها اغترّ بما في بعض نسخ الشفاء في الحديث لكن مع زيادتها في هذه النسخة علم عليها كاتبها بما يشير إلى ما فيها ولم أرها في سائر نسخ الشفاء بل عقد لها في الشفاء فصلا في معان أخر ولم يذكر فيه حديثا صريحا وهو دليل لغلطها (وقال) الدميرى وقع في الروضة والمحرّر بعد والفضيلة زيادة والدرجة الرفيعة ولا وجود لها في كتب الحديث اهـ
(قوله وابعثه مقاما محمودا الخ) أى ابعثه يوم القيامة فأقمه في مقام محمود. فمقاما منصوب على الظرفية بفعل محذوف أو منصوب بابعثه على تضمينها معنى أقمه والمراد أوصله إلى مقام يحمده فيه الأولون والآخرون كما وعدته في كتابك بقولك "عسى أن يبعثك ربك مقاما حمودا" وأطلق عليه الوعد لأن عسى من الله للتحقق (والحكمة) في سؤال ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مع كونه واجب الوقوع له بوعد الله تعالى إظهار شرفه وعظم منزلته وتلذّذ بحصول مرتبته ورجاء لشفاعته. والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة في فصل القضاء قال ابن حجر الهيتمى وهو متفق عليه في الأذان أما المقام المحمود في الآية ففيه أقوال أشهرها ما ذكر
(قوله إلا حلت له الشفاعة) كذا في رواية الترمذى والنسائى أيضا بإثبات إلا للتأكيد ورواية البخارى بدونها ومع إلا تكون من في قوله من قال استفهامية للإنكار بمعنى النفي وقال بمعنى يقول أى ما من أحد يقول ذلك إلا حلت أى وجبت له الشفاعة ومثله قوله تعالى "من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان" والمعنى أن من قال هذه الكلمات عقب الأذان وجبت له شفاعة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واستحقها. وهى تختلف باختلاف المقامات. والشفاعة طلب التجاوز عن الذنوب وطلب الخير من الغير للغير (وقد جاءت أدعية) أخرى عقب الأذان غير ما ذكر (منها) ما رواه أحمد والطبرانى في الأوسط عن جابر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من قال حين ينادى المنادى اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صلّ على محمد وارض عنى رضا لا سخط بعده استجاب الله دعوته وفى إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف (ومنها) ما رواه الحاكم عن أبى أمامة مرفوعا كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا سمع المؤذن قال اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى توفنى عليها وأحينى عليها واجعلنى من صالحى أهلها عملا يوم القيامة (ومنها) ما رواه الطبرانى في الكبير والأوسط عن أبى الدرداء أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول إذا سمع المؤذن اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة صلّ على محمد وأعطه سؤله يوم القيامة وقال من قال مثل ذلك إذا سمع المؤذن وجبت له شفاعة محمد صلى الله تعالى
стр. 1227
عليه وعلى آله وسلم يوم القيامة وفي إسناده صدقة بن عبد الله السمين (ومنها) ما رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من سمع النداء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله اللهم صلّ على محمد وبلغه درجة الوسيلة عندك واجعلنا في شفاعته يوم القيامة وجبت له الشفاعة. وفيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان لين الحديث
(فقه الحديث) دلّ الحديث على الترغيب في الدعاء عقب الأذان به بالكلمات المذكورة وعلى أن الدعاء بها جالب للخير الكثير واستحقاق الشفاعة، وفيه البشرى بحسن الخاتمة للداعي بها، وعلى مشروعية دعاء المفضول للفاضل ليحصل للمفضول النفع الكثير
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى والنسائى وابن ماجه والطبرانى والبيهقي وابن حبان وابن خزيمة والطحاوى والترمذى وقال حديث جابر صحيح حسن غريب من حديث محمد ابن المنكدر لا نعلم أحدا رواه غير شعيب بن أبي حمزة اهـ
(فائدة) لم يذكر المصنف ما يقال عقب الإقامة من الأدعية ولكن قال النووى في الأذكار روينا في كتاب ابن السني عن أبى هريرة أنه كان إذا سمع المؤذن يقيم يقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة صلّ على محمد وآته سؤله يوم القيامة اهـ وهو وإن كان موقوفا على أبى هريرة يعمل به فإن مثله لا يقال من قبل الرأى
(باب ما يقول عند أذان المغرب)
(ص) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ، ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ: «اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ، فَاغْفِرْ لِي»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله مؤمل) بوزن محمد (بن إهاب) بكسر أوله ويقال يهاب بن عبد العزيز بن قفل أبو عبد الرحمن الربعى الكوفى نزل الرملة. روى عن أبى داود الطيالسي ويزيد ابن هارون وحمزة بن ربيعة والنضر بن محمد وعبد الله بن الوليد وآخرين. وعنه أبو بكر بن أبي الدنيا وأبو داود والنسائى وأبو حاتم وأبو يعلى وكثيرون. قال أبو داود كتبت عنه وقال أبو حاتم صدوق وقال النسائى لا بأس به وقال مسلمة بن قاسم ثقة صدوق وضعفه ابن معين. توفي بالرملة سنة أربع
стр. 1228
وخمسين ومائتين
(قوله عبد الله بن الوليد) بن ميمون بن عبد الله الأموى مولاهم أبو محمد المكي. روى عن الثورى والقاسم بن معن ومصعب بن ثابت. وعنه مؤمل بن إهاب وأحمد ابن حنبل وسعيد بن عبد الرحمن وزهير بن سالم ويعقوب بن حميد. ضعفه ابن معين وقال الأزدى يهم في أحاديث وهو عندى وسط وقال أبو زرعة صدوق وقال العقيلي ثقة معروف وقال الدارقطني ثقة مأمون وقال ابن حبان في الثقات مستقيم الحديث. روى له أبو داود والترمذى والنسائى والبخارى في التاريخ. و (العدني) نسبة إلى عدن بفتح العين والدال المهملتين بلدة علي ساحل بحر الهند من ناحية اليمن سميت بعدن بن سنان
(قوله القاسم بن معن) بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود المسعودى أبو عبد الله الكوفى. روى عن عاصم الأحول ومنصور ابن المعتمر وهشام بن عروة والأعمش وابن جريج. وعنه على بن نصر وأبو غسان النهدى وأبو نعيم وابن مهدى وغيرهم. قال ابن معين كان رجلا نبيلا وقال أحمد ثقة وكان أروى الناس للحديث والشعر وأعلمهم بالعربية والفقه وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة خمس وسبعين ومائة. و (المسعودى) هو عبد الرحمن بن عبد الله
(قوله عن أبى كثير مولى أم سلمة) روى عن أم سلمة. وعنه المسعودى وابنته حفصة. قال في التقريب مقبول وقال الترمذى لا يعرف روى له أبو داود والترمذى، و (أم سلمة) هى هند بنت أبى أمامة أم المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا
(معنى الحديث)
(قوله عند أذان المغرب) ظاهره أنه يكون عند الشروع في الأذان ويحتمل أن يكون بعد الفراغ منه كبقية الأدعية
(قوله اللهم إن هذا إقبال ليلك الخ) أى أوان إقبال ليلك وأوان إدبار نهارك وأصوات المؤذنين في الآفاق لأداء عبادتك فدعاة جمع داع كقضاة جمع قاض. والإشارة إلى مبهم في الذهن مفسر بالخبر أو أنه إشارة إلى الأذان وهو الظاهر لقوله وأصوات دعاتك. وأضاف هذه الأشياء الثلاثة إلى الله تعالى وإن كانت جميع الأشياء له لإظهار فضلها لأن المضاف يكتسب الفضل من المضاف إليه كما في قوله تعالى "ناقة الله"
(قوله فاغفر لى) رتب على ما قبله بالفاء لأنه كالوسيلة له لاشتماله على ذكر اسم الله والدعوة إلى طاعته لطلب الغفران وللتنبيه على صدور فرطات من القائل في نهاره السابق (قال القارى) ولعلّ وجه تخصيص المغرب بهذا الدعاء أنه بين طرفى النهار والليل وهو يقتضى طلب المغفرة اللاحقة والسابقة. ويمكن أن يؤخذ بالمقايسة عليه ويقال عند أذان الصبح أيضا لكن بلفظ اللهم إن هذا إدبار ليلك وإقبال نهارك اهـ واعترضه ابن حجر بأن هذه أمور توقيفية فلا يجوز فيها القياس
(فقه الحديث) دلّ الحديث على الحثّ على الدعاء بهذه الكلمات عند أذان المغرب لأنه آخر النهار وأول وقت الليل اللذين هما آيتان من آيات الله الدالة على وحدانيته وهو
стр. 1229
يقتضى طلب المغفرة السابقة واللاحقة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدعوات والترمذى وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
(باب أخذ الأجر على التأذين)
أهو جائز أم لا
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ: وَقَالَ مُوسَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا»
(ش) (قوله حماد) بن سلمة. و (سعيد الجريرى) هو ابن إياس. و (أبو العلاء) هو يزيد ابن عبد الله
(قوله قال قلت وقال موسى في موضع آخر الخ) أشار به إلى أنه اختلف لفظه في رواية الحديث بسنده إلى عثمان فمرّة نقل كلام عثمان بلفظه فقال قلت يا رسول الله ومرّة حكى قوله وجعله غائبا وقال أن عثمان قال يا رسول الله اجعلني إمام قومى أى كبيرا عليهم وقدوة لهم وقومه هم أهل الطائف لأنه لما أسلم في وفد ثقيف استعمله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الطائف وأقرّه أبو بكر ثم عمر. ولعله رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ طلب ذلك من النبى ﵌ لعلمه بأن في توليته صلاح القوم ولهذا لما توفي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأراد القوم الردّة منعهم وخطب فيهم فقال كنتم آخر الناس إسلاما فلا تكونوا أولهم ارتدادا "ولا يقال" إن هذا من باب طلب الرياسة وهو غير جائز "لأن ذلك" محمول على طلب الرياسة في أمور الدنيا
(قوله أنت إمامهم) أى جعلتك إماما لهم. وعدل إلى الجملة الاسمية للدلالة على الثبوت فكأن إمامته حاصلة وهو صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخبر عنها
(قوله واقتد بأضعفهم) المراد راع حال الضعيف منهم في تخفيف الصلاة من غير ترك شيء من الأركان والقراءة والتسبيحات حتى لا يملّ القوم. وعبر عن المراعاة بالاقتداء مشاكلة لاقتدائهم به فكأنه قال كما أن الضعيف يقتدى بصلاتك فاقتد أنت أيضا بضعفه واسلك سبيل التخفيف. وقيل لا تشرع في الانتقالات حتى يبلغك أضعف القوم ولا تطل حتى تثقل عليه
(قوله واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا) لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص (وظاهره يدلّ) على منع أخذ الأجرة على الأذان. وللعلماء
стр. 1230
في ذلك خلاف وتفاصيل. فذهب إلى التحريم الهادى والقاسم والناصر وأبو حنيفة إن كان الأجر مشروطا. مستدلين بحديث الباب وبما رواه ابن حبان عن يحيى البكالى قال سمعت رجلا قال لابن عمر إني لأحبك في الله فقال له ابن عمر إني لأبغضك في الله فقال سبحان الله أحبك في الله وتبغضنى في الله قال نعم إنك تسأل على أذانك أجرا. وبما روى عن ابن مسعود أنه قال أربع لا يؤخذ عليهن أجر الأذان وقراءة القرآن والمقاسم والقضاء ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذى وروى ابن أبي شيبة عن الضحاك أنه كره أن يأخذ المؤذن على أذانه جعلا ويقول إن أعطى بغير مسألة فلا بأس. ولأن الاستئجار على الأذان وكذا الإقامة سبب في تنفير الناس عن الصلاة في الجماعة لأن ثقل الأجر يمنعهم من ذلك (وللشافعية فيه أوجه) أصحها يجوز للإمام أن يعطي من مال بيت المال ومن مال نفسه ولآحاد الناس من أهل المحلة ومن غيرهم من مال نفسه "الثانى" لا يجوز الاستئجار لأحد "الثالث" يجوز للإمام دون آحاد الناس (وقال الشافعى) في الأمّ أحب أن يكون المؤذنون متطوّعين وليس للإمام أن يرزقهم وهو يجد من يؤذن متطوّعا ممن له أمانة إلا أن يرزقهم من ماله. ولا أحب أحدا ببلد كثير الأهل يعوزه أن يجد مؤذنا أمينا لازما يؤذن متطوّعا فإن لم يجد فلا بأس أن يرزق مؤذنا ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا يجوز أن يرزقه من غيره من الفيء لأن لكله مالكا موصوفا ولا يجوز أن يرزقه من الصدقات شيئا ويجوز للمؤذن أخذ الرزق إذا رزق من حيث وصفت أن يرزق ولا يجوز له أخذه من غيره اهـ (وذهبت الحنابلة) إلى عدم الجواز إن وجد متبرّع به وإلا رزق من بيت المال وقالوا بجواز الجعالة عليه وكذا قال الأوزاعي بالجعالة (وللمالكية فيه قولان) بالمنع والجواز (وقال) ابن العربى الصحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان والصلاة والقضاء وجميع الأعمال الدينية فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله وفي كل واحد منها يأخذ النائب أجره كما يأخذ المستنيب والأصل في ذلك قوله ﵌ ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملى فهو صدقة اهـ فقاس المؤذن على العامل. وهو قياس في مصادمة النصّ "وقد عقد" ابن حبان ترجمة على الرخصة في ذلك وأخرج عن أبى محذورة أنه قال فألقى عليّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأذان فأذنت ثم أعطانى حين قضيت التأذين صرّة فيها شيء من فضة "قال اليعمرى" ولا دليل فيه لوجهين "الأول" أن قصة أبى محذورة أول ما أسلم لأنه أعطاه حين علمه الأذان وذلك قبل إسلام عثمان بن أبى العاص فحديث عثمان متأخر "الثاني" أنها واقعة يتطرّق إليها الاحتمال. وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام كما أعطى حينئذ غيره من المؤلفة قلوبهم. ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيها من الإجمال اهـ (واختلفت المالكية)
следующие страницы →