Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ.
(ش) (قوله الدامغاني) نسبة إلى دامغان بلد بين الرى ونيسابور. و (قباء) قرية قريبة من المدينة على ميلين منها أو ثلاثة
(قوله فقلت لبلال الخ) وفي رواية النسائي وابن ماجه قال ابن عمر دخل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسجد قباء ليصلي فيه فجاءت رجال من الأنصار يسلمون عليه فسالت صهيبًا وكان معه في كيف كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصنع إذا سلم عليه
(قوله يقول هكذا وبسط الخ) أي يشير صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيده هكذا وبسط بلال كله تصويرًا لإشارته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وبسط جعفركفه تصويرًا الإشارة بلال التي وصلت إليه من شيوخه
(وفي هذا) بيان كيفية الإشارة التي يردّ بها المصلي السلام على من سلم عليه حال الصلاة وأنها تكون باليد باطنها إلى أسفل وظاهرها إلى أعلى. وتقدم في حديث ابن مسعود أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أشار بأصبعه. وفي حديثه عند البيهقي أنه أو مأ برأسه. ولا منافاة بين هذه الروايات لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك كله لبيان الجواز فلا حرج على من فعل أي إشارة منها
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه النسائي والترمذي وأحمد وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ "لاَ غِرَارَ في صَلاَةٍ وَلاَ تَسْلِيمٍ". قَالَ أَحْمَدُ يَعْنِي فِيمَا أُرَى أَنْ لاَ تُسَلِّمَ وَلاَ يُسَلَّمَ عَلَيْكَ وَيُغَرِّرُ الرَّجُلُ بِصَلاَتِهِ فَيَنْصَرِفُ وَهُوَ فِيهَا شَاكٌّ.
(ش) (رجال الحديث) (سفيان) الثوري. و (أبو حازم) سليمان الأشجعي الكوفي. روى عن أبي هريرة وابن عمر والحسن والحسين وابن الزبير. وعنه أبو مالك سعد ابن طارق الأشجعي والأعمش ومنصور بن المعتمر وابن عجلان وكثيرون. وثقه أبو داود وابن معين وأحمد والعجلي وقال ابن سعد كان ثقة وله أحاديث صالحة وقال ابن عبد البر أجمعنا على أنه ثقة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله لا غرار في صلاة) أي لا نقص في صلاة (قال) في النهاية الغرار في الصلاة نقصان هيئتها وأركانها وقيل النوم فيها (وقال) الخطابي الغرار في الصلاة على وجهين (أحدهما) أن لايتمّ ركوعه وسجوده (والآخر) أن يشك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا فيأخذ بالأكثر ويترك اليقين
стр. 1752
وينصرف بالشك اهـ
(قوله ولا تسليم) بالنفى وهو بمعنى النهى. وتسليم يروي بالنصب والجرّ فعلى الجرّ يكون معطوفًا على صلاة ويكون المعنى لا نقص في صلاة ولا في تسليم والنقص في السلام أن يقول في الردّ وعليك دون أن يقول وعليك السلام (وقال) الخطابي الغرار في السلام أن تقول لمن قال السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم أو عليكم فقط ولا تردّ التحية كما سمعتها من صاحبك فتبخسه حقه اهـ وعلى أنه منصوب يكون معطوفًا على غرار فيكون المعنى لا نقص في الصلاة ولا تسليم فيها أي لا يسلم المصلى على غيره ولا يسلم الغير عليه كما ذكره المصنف عن أحمد وهذا هو المناسب للترجمة
(قوله ويغرّر الرجل بصلاته الخ) تصير الإِمام أحمد للغرار في الصلاة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ -أُرَاهُ رَفَعَهُ- قَالَ "لاَ غِرَارَ في تَسْلِيمٍ وَلاَ صَلاَةٍ".
(ش) (قوله قال أراه رفعه) أي قال معاوية في روايته أظن أن أبا هريرة رفع الحديث إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ عَلَى لَفْظِ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
(ش) أي روى هذا الحدث محمَّد بن فضيل بلفظ عبد الرحمن بن مهدي موقوفُ اعلى أبى هريرة أي لا غرار في صلاة ولا تسليم لا على لفظ معاوية بن هشام فوافق ابن فضيل عبد الرحمن بن مهدي في اللفظ وخالفه في الرفع وخالف معاوية في لفظ الحديث وفي الشك في رفعه
(وحاصله) أن هذا الحديث رواه عن سفيان الثوري ثلاثة "أولهم" عبد الرحمن بن مهدي فرفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بلا شك "وثانيهم" معاوية بن هشام رواه عن سفيان مرفوعًا على الظن "وثالثهم" محمَّد بن فضيل رواه عن سفيان موقوفُ اعلى أبى هريرة
(باب في تشميت العاطس في الصلاة)
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى ح وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -الْمَعْنَى- عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه
стр. 1753
وعلى آله وسلم فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ الله فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ يُصَمِّتُونِي -فَقَالَ عُثْمَانُ- فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُسَكِّتُونِي لَكِنِّى سَكَتُّ قَالَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ -بِأَبِي وَأُمِّي- مَا ضَرَبَنِي وَلاَ كَهَرَنِي وَلاَ سَبَّنِي ثُمَّ قَالَ "إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَحِلُّ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ هَذَا إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ". أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا قَوْمٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَنَا الله بِالإِسْلاَمِ وَمِنَّا رِجَالٌ يَأْتُونَ الْكُهَّانَ. قَالَ "فَلاَ تَأْتِهِمْ". قَالَ قُلْتُ وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. قَالَ "ذَاكَ شَىْءٌ يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ فَلاَ يَصُدُّهُمْ". قُلْتُ وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ. قَالَ "كَانَ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ". قَالَ قُلْتُ جَارِيَةٌ لِي كَانَتْ تَرْعَى غُنَيْمَاتٍ قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ إِذِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهَا إِطْلاَعَةً فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْهَا وَأَنَا مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لَكِنِّى صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَعَظَّمَ ذَاكَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ أَفَلاَ أُعْتِقُهَا قَالَ "ائْتِنِي بِهَا". قَالَ فَجِئْتُهُ بِهَا فَقَالَ "أَيْنَ الله". قَالَتْ في السَّمَاءِ. قَالَ "مَنْ أَنَا". قَالَتْ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ "أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ".
(ش) (رجال الحديث) (يحيى) بن سعيد القطان. و (حجاج) بن أبي عثمان أبى الصلت الصواف تقدم في الجزء الرابع صفحة ٢٢٤. و (هلال بن أبي ميمونة) هو هلال بن علي بن أسامة العامري مولاهم المدني. روى عن أنس وأبى سلمة وعطاء بن يسار. وعنه يحيى ابن أبي كثير وزياد بن سعد وفليح وعبد العزيز بن الماجشون. وثقه الدارقطني ومسلمة بن قاسم وقال في التقريب ثقة من الخامسة وقال أبو حاتم شيخ يكتب حديثه وقال النسائي
стр. 1754
لا بأس به روى له الجماعة. و (معاوية بن الحكم السلمي) روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابن كثير وعطاء بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن. كان ينزل المدينة ويسكن في بني سليم. روى له مسلم وأبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله فعطس) بفتح الطاء المهملة من بابي ضرب ونصر والعطاس معروف
(قوله فقلت يرحمك الله) شمته لأنه سمعه يحمد الله تعالى كما تفيده الرواية الآتية
(قوله فرماني القوم بأبصارهم) وفي رواية مسلم فحدقني القوم بأبصارهم من التحديق وهو شدة النظر أي نظروا إليّ نظرة منكر كيلا أتكلم في الصلاة. وفي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه الأبصار بالسهام ثم حذف السهام وأشار إليها بالرمى
(قوله واثكل أمياه) بضم الثاء المثلثة وسكون الكاف وبفتحهما لغتان وهو فقدان المرأة ولدها يقال ثكلته أمه بكسر الكاف من باب تعب فقدته والواو فيه للندبة وأمياه بكسر الميم مضافا إلى ياء المتكلم المفتوحة والألف للندبة والهاء للسكت فكأنه قال وافقد ولدها يعني نفسه. وقال ذلك لما علم أنه خالف بكلامه في الصلاة
(قوله ما شأنكم تنظرون إليّ) أي ما خالكم تنظرون إليّ نظر غضب وإنكار. وفي رواية النسائي ما لكم تنظرون إليّ
(قوله فجعلوا يضربون بأيدههم على أفخادهم) وفي رواية النسائي فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم. وفعلوا ذلك لزيادة الإنكار ليسكتوه. وهو محمول على أن ذلك كان قبل مشروعية التسبيح لمن نابه شيء في الصلاة
(قوله فعرفت أنهم يصمتوني الخ) بتشديد الميم أي يسكتوني وهذا لفظ مسدد. ولفظ عثمان فلما رأيتهم يسكتوني وهي رواية النسائي
(قوله لكني سكتُ) استدراك على محذوف جواب لما أي لما رأيتهم يسكتوني غضبت لكني سكتّ ولم أسأل عن السبب امتثالًا لما أشاروا إليه لأنهم أعلم مني
(قوله بأبي وأمي) أي هو مفدي بأبي وأمي وفي رواية مسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه. وأتى به تعظيمًا له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله ما ضربني الخ) مرتب عل جواب الشرط المحذوف أي لما صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دعاني فعلمني برفق وما ضربني الخ وقوله بأبي وأمي معترض بين الشرط وجوابه. وقوله ولا كهرني ولا سبني أي ما انتهرني ولا أغلظ عليّ القول ولا استقبلني صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بوجه عبوس يقال كهر الرجل إذا انتهره
(قوله إن هذه الصلاة لا يحلّ فيها شيء من كلام الناس) صريح في تحريم الكلام في الصلاة وأضاف الكلام إلى الناس ليخرج التسبيح والذكر فإنه لا يراد بهما خطاب الناس وإفهامهم
(ويؤخذ منه) منع تشميت العاطس في الصلاة وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتفسد به إذا أتى به عامدًا عالمًا. ولعلّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يأمر معاوية بالإعادة لجهله بتحريم الكلام في الصلاة
(وإلى أن) تشميت العاطس مبطل للصلاة ذهبت الحنفية والشافعية
стр. 1755
والحنابلة قالوا لأنه خطاب للغير
(وقالت الحنفية) لو قال العاطس لنفسه يرحمك الله لا تفسد صلاته لأنه دعاء لنفسه
(وقال) النووي إذا قال يرحمه أو ﵀ لم تفسد صلاته باتفاق الأصحاب لأنه ليس بخطاب اهـ
(وعن أبي يوسف) لا تبطل الصلاة بالتشميت لأنه دعاء بالمغفرة والرحمة وبه قالت المالكية إلا أنهم قالوا يكره. والحديث حجة عليهم
(قوله إنما هو التسبيح الخ) أي ما يحل في الصلاة إنما هو التسبيح والتهليل وقراءة القرآن وأشباهها من الأذكار والدعاء
(قوله أو كما قال) من كلام معاوية بن الحكم ويؤتى بها تحرّيًا للصدق لاحتمال أن يكون الراوي أو بعض مشايخه قد التبس عليه بعض الألفاظ
(قوله إنا قوم حديثو عهد بجاهلية) وفي رواية مسلم إني حديث عهد بجاهلية أي قريب عهد بالجاهلية والمراد أنه أسلم جديدًا ولم يعرف أحكام الدين. وهو اعتذار منه على ما وقع له من الخطأ. والجاهلية ما قبل ورود الشرع سموا بذلك لكثرة جهالاتهم وفحشهم
(قوله ومنا رجال يأتون الكهان). جمع كاهن وهو من يدّعي معرفة الأخبار عن الأشياء في المستقبل ويدّعى معرفة السرائر بخلاف العرّاف فإنه يدّعي معرفة المسروق ومكان الضالة ونحوهما
(قوله فلا تأتهم) نهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن إتيان الكهنة لأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من الشرع ولأنهم قد يتكلمون بمغيبات قد يصادف بعضها الصواب فيخاف الفتنة على من رأى ذلك
(قال النووي) قد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهى عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون وتحريم ما يعطون من الحلوان وهو حرام بإجماع المسلمين وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة منهم أبو محمد البغوي وقال اتفق أهل العلم على تحريم حلوان الكاهن وهو ما أخذه المتكهن على كهانته لأن فعل الكهانة باطل لا يجوز أخد الأجرة عليه اهـ
(وقال). الخطابي حلوان الكاهن ما يأخذه المتكهن على كهانته وهو محرّم وفعله باطل وقال في حديث من أتى عرّافا أو كاهنا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رواه الإِمام أحمد بسند صحيح. وكان في العرب كهنة يدّعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور فمنهم من يزعم أن له رئيا من الجن يلقى إليه إلأخبار ومنهم من يدّعى استدراك ذلك بفهم أعطيه ومنهم يسمى عرّافًا وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدلّ بها كمعرفة من سرق الشيء الفلاني ومعرفة من تتهم به المرأة ونحو ذلك
(والحديث) يشتمل على النهى عن إتيان هؤلاء كلهم والرجوع إلى قولهم وتصديقهم فيما يدّعونه اهـ
(قوله ومنا رجال يتطيرون) أي يتشاءمون (قال) في النهاية الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن التشاؤم بالشئ وأصل التطير التفاؤل بالطير واستعمل لكل ما يتفاءل به ويتشاءم وكانت العرب تتطير بالطيور والظباء فيستبشرون بالسوانح وهي أن يمرّ الطير والصيد من اليسار إلى اليمين ويتشاءمون بالبوارح وهي مرور الطير والصيد من اليمين إلى اليسار وكان ذلك يصدّهم
стр. 1756
عن مقاصدهم ويمنعهم من السير إلى مطالبهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضرر اهـ بتصرّف
(قوله ذاك شيء يجدونه الخ) وفي نسخة ذلك شيء يعني وهم يقع في نفوسهم فلا يمنعهم من أعمالهم لأنه ليس له تأثير إنما هو شيء يسوّله الشيطان ويزينه لهم فيعملون عليه في ليوقعهم في اعتقاد أن هناك موثرا غير الله تعالى وهو كفر صريح بإجماع الأئمة فلذا نهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن العمل على مقتضاه
(وقال) النووي معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة ولا عتب عليكم في ذلك فإنه غير مكتسب لكم فلا تكليف به ولكن لا تمتنعوا بسببه التصرّف في أموركم فهذا هو الذي تقدرون عليه وهو مكتسب لكم فيقع به التكليف فنهاهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن العمل بالطيرة والامتناع من تصرّفاتهم بسببها
(وقد تظاهرت) الأدلة الصحيحة على النهى عن التطير والطيرة وهي محموله على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم اهـ
(قوله ومنا رجال يخطون) يعني في الرمل (قال) ابن عباس الخط هو الذي يخطه الحازى وهو علم قد تركه الناس يأتي صاحب الحاجة إلى الحازى فيعطيه حلوانًا فيقول له اقعد حتى أخط لك وبين يدي الحازى غلام له معه ميل ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطًا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين وغلامه يقول للتفاؤل ابنى عيان أسرعا البيان فإن بقي خطان فهو علامة النجاح وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة اهـ
(وقال) الحربي الخط هو أن يخط ثلاثة خطوط ثم يضرب عليهنّ بشعير أو نوى ويقول كذا وكذا وهو ضرب من الكهانة
(وقال) صاحب النهاية الخط المشار إليه علم معروف وللناس فيه تصانيف كثيرة وهو معمول به إلى الآن ولهم فيه أوصاف واصطلاح وأسام وعمل كثير يستخرجون به الضمير وغيره وكثيرا ما يصيبون فيه اهـ
(قوله كان نبىّ من الأنبياء يخط الخ) قيل المراد به إدريس وقيل دانيال. وقوله فمن وافق خطه أي من وافق من الناس خطه خط ذلك النبىّ فخط بالرفع فاعل والمفعول محذوف (ويحتمل) أن يكون خط بالنصب على المفعولية ويكون فاعل وافق ضميرا عائدا على من
(قوله فذاك) أي فهو مصيب وعالم بمثل ذلك النبي ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقينى بالموافقة
(وامتنعت) الموافقة لأن خطه كان معجزة ولأنه كان يعرف بالفراسة بواسطة تك الخطوط فلا يلحق به أحد من غير الأنبياء في صفة ذلك الخط لقوة فراسته وكمال علمه وورعه
(وقال) النووي المقصود أنه حرام لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة وليس لنا يقين بها وإنما قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمن وافق خطه فذاك ولم لقل هو حرام من غير تعليق على الموافقة لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهى يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط فحافظ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
стр. 1757
على حرمة ذلك النبي مع بيان الحكم في حقنا فالمعنى أن ذلك النبي لا مانع في حقه وكذا لوعلمت موافقته ولكن لا علم لكم بها اهـ وما ذكره من التوهم غير مسلم إذ لو صرّح بالحرمة من غير تعليق ما جاء هذا التوهم لأن كثيرًا من الأمور كانت مباحة في شريعة من قبلنا وهي حرام في شرعنا وغايته أن يكون منسوخًا في شرعنا
(وقال) الخطابي قوله فمن وافق خطه فذاك يشبه أن يكون أراد به الزجر وترك التعاطى له إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبي لأن خطه كان علمًا لنبوّته وقد انقطعت نبوّته فذهبت معالمها اهـ
ولذا قال المحرّمون لعلم الرمل وهم أكثر العلماء لا يستدلّ بهذا الحديث على إباحته لأنه علق الإذن فيه على موافقة خط ذلك النبي وموافقته غير معلومة إذ لا تعلم إلا من تواتر أو نصّ منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت لذلك النبي ولم يوجد ذلك فاتضح تحريمه
(قوله قلت جارية الخ) وفي نسخة قلت إن جارية لي كانت ترعى. وفي رواية مسلم كانت ترعى غنمًا والمراد بالجارية الخادمة. وأحد جبل معروف قرب المدينة سمى بذلك لانقطاعه عن جبال أخر والجوّانية بفتح أوله وتشديد ثانيه وكسر النون وتشديد المثناة التحتية المفتوحة موضع قرب أحد
(قال) النووي فيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرعي وإن كانت تنفرد في المرعى وإنما حرّم الشرع سفر المرأة وحدها لأن السفر مظنة الطمع فيها وانقطاع ناصرها والذبّ عنها بخلاف الراعية ومع هذا فإن خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها أولفساد ممن يكون في الناحية التي ترعى فيها أو نحو ذلك لم يسترعها وحينئذ لا تمكن الحرّة ولا الأمة من الرعي لأن الرعي في تلك الحالة يصير في معنى السفر فإن كان معها زوج أو محرم ممن تأمن معه على نفسها فلا منع من الرعى حينئذ كما أنه لا منع من السفر في تلك الحالة اهـ ببعض تصرّف
(قوله إذ اطلعت عليها إطلاعة الخ) أي نظرت إليها مرّة لأعلم خبرها وإذا بالذئب قد أخذ منها شاة وأنا من بني آدم أحزن لما يقع لي كما يحزنون لما يقع لهم لكني صككتها صكة وهو استدراك على محذوف أي فلم أصبر على ذلك وما اكتفيت بسبها لكني ضربتها بيدى مبسوطة ضربة فجعل رسول الله ﵌ صكى لها أمرًا عظيمًا عليّ لشفقته ﵌ عليها. ولعل معاوية ضرب الجارية على وجهها حتى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عظم عليه ذلك
(قوله أفلا اعتقها) طلب إعتاقها جبرًا لما وقع منه ولما رأى منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الغضب لأجلها
(قوله فقال أين الله الخ) أي قال ﵌ للجارية أين الله
(قال) النووي هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان
(أحدهما) الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنزيهه عن سمات المخلوقات
(والثاني) تأويله بما يليق به فمن قال بهذا قال كأن المراد امتحانها هل هي موحدة تقرّ
стр. 1758
بأن الخالق المدبر الفعال لما يريد هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما أنه إذا صلى المصلي استقبل الكعبة وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرًا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.
أو هي من عبدة الأوثان التي بين أيديهم فلما قالت في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ ملخصًا
(وقال) المازري أراد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معرفة ما يدلّ على إيمانها لأن معبودات الكفار من صنم ونار بالأرض وكل منهم يسأل حاجته من معبوده والسماء قبلة دعاء الموحدين فأراد كشف معتقدها وخاطبها بما تفهم فأشارت إلى الجهة التي يقصدها الموحدون ولا يدلّ ذلك على جهته ولا انحصاره في السماء كما لا يدلّ التوجه إلى القبلة على انحصاره في الكعبة اهـ
(وقيل) إنما سألها بأين عما تعتقده من عظمة الله تعالى. وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلاله جلّ وعزّ في نفسها وأنه في المنزلة العليا من التنزّه عن الحوادث وصفاتها وليست هي كأهل الشرك في عبادتهم لما لا عظمة له وإنما هو جماد يصنع باليد لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى شيئًا
(وفي هذا) كله صرف للفظ أين عما هي له فإنها موضوعة للاستفهام عن المكان وهي مصروفة عن ظاهرها باتفاق السلف والخلف لقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) إلا أن السلف قالوا نؤمن به وبمثله من المتشابه من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء وهو أسلم وهو مذهبنا (وأما) الخلف فأوّلوه بما تقدم
(قوله أعتقها فإنها مؤمنة) أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعتقها بعد تبين إيمانها دليل على أن عتق المؤمن أفضل من عتق الكافر تطوعًا لا لأن عتق الكافر لا يصح تطوعًا فإنهم قد اتفقوا على صحته واتفقوا على أنه لا يصح عتق الكافر في كفارة القتل
(واختلفوا) في عتقه في كفارة الظهار والأيمان وتعمد الفطر في رمضان فمنعه مالك والشافعي وأجازه الكوفيون وسيأتي تمام الكلام عليه في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن تشميت العاطس من الكلام الذي لا يجوز في الصلاة وعلى أن العمل القليل فيها لا يبطلها، وعلى ما كان عليه الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من عظيم الخلق ورفقه بالجاهل وشفقته على الأمة، وعلى تحريم الكلام في الصلاة. وتقدّم تمام الكلام عليه في باب العمل في الصلاة، وعلى تحريم إتيان الكهان، وعلى منع التطير والتشاؤم بالأشياء، وعلى منع التخطيط المسمى بضرب الرمل، وعلى جواز استخدام السيد جاريته في الرعى، وعلى الترغيب في الرأفة بالخدم والتنفير من إهانتهم، وعلى طلب تعظيم المؤمن وإكرامه والإحسان إليه
(والحديث) أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي والطبراني وابن أبي شيبة وأحمد
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائِيُّ نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو نَا فُلَيْحٌ عَنْ هِلاَلِ بْنِ
стр. 1759
عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عُلِّمْتُ أُمُورًا مِنْ أُمُورِ الإِسْلاَمِ فَكَانَ فِيمَا عُلِّمْتُ أَنْ قَالَ لِي "إِذَا عَطَسْتَ فَاحْمَدِ اللهَ وَإِذَا عَطَسَ الْعَاطِسُ فَحَمِدَ اللهَ فَقُلْ يَرْحَمُكَ الله". قَالَ فَبَيْنَمَا أَنَا قَائِمٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الصَّلاَةِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ فَحَمِدَ اللهَ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ الله رَافِعًا بِهَا صَوْتِى فَرَمَانِي النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ حَتَّى احْتَمَلَنِي ذَلِكَ فَقُلْتُ مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ بِأَعْيُنٍ شُزْرٍ قَالَ فَسَبَّحُوا فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلاَةَ قَالَ "مَنِ الْمُتَكَلِّمُ". قِيلَ هَذَا الأَعْرَابِيُّ فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِي "إِنَّمَا الصَّلاَةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ فَإِذَا كُنْتَ فِيهَا فَلْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَكَ". فَمَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَطُّ أَرْفَقَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(ش) (رجال الحديث) (محمَّد بن يونس) روى عن زيد بن الحباب وروح بن عبادة ووهب بن جرير وأبى عامر عبد الملك بن عمرو العقدى. وعنه فليح بن سليمان وأبو داود وقال كان ثقة وقال في التقريب ثقة من الحادية عشرة وقال الذّهبى لا يكاد يعرف. و (النسائي) نسبة إلى نساء مدينة بخراسان
(معنى الحديث)
(قوله حتى احتملني ذلك الخ) يعني أغضبنى فعلهم هذا فقلت ما لكم تنظرون
إلى بأعين شزر بضم الشين المعجمة وسكون الزاي في آخره راء مهملة جمع شزراء والشزر النظر عن
اليمين والشمال من غير استقامة فيه
(وقيل) هو النظر بمؤخر العين وأكثر مايكون النظر الشزر في حال
الغضب وإلى الأعداء
(قوله فسبحوا) لا منافاة بين هذه الرواية وما تقدّم من ضربهم على أفخاذهم لاحتمال أنهم سبحوا له ثم ضربوا على أفخاذهم. أو أن بعضهم سبح وبعضهم ضرب على فخذه
(قوله إنما الصلاة لقراءة القرآن الخ) الحصر إضافيّ بالنسبة إلى كلام الناس
(قوله فليكن ذلك شأنك) أي فليكن ما ذكر من القراءة والذكر قولك في الصلاة ولا تتجاوزه إلى كلام الناس
стр. 1760
(باب التأمين وراء الإِمام)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ حُجْرٍ أَبِي الْعَنْبَسِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَرَأَ (وَلاَ الضَّالِّينَ) قَالَ "آمِينَ". وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ.
(ش) (رجال الحديث) (سفيان) الثوري
(قوله عن حجر أبى العنبس) وفي نسخة حجر ابن العنبس وهو الذي ذكره المصنف في الرواية الآتية: صوّبه الترمذي. الحضرمي الكوفي روى عن وائل بن حجر. وعنه سلمة بن كهيل وعلقمة بن مرثد وموسى بن قيس والمغيرة بن الحرّ. قال ابن معين ثقة مشهور ووثقه الخطيب وصحح الدارقطني حديثه وقال في التقريب صدوق من الثانية. روى له أبو داود والترمذي والبخاري في جزء القراءة خلف الإِمام
(معنى الحديث)
(قوله إذا قرأ ولا الضالين قال آمين الخ) فيه دلالة على مشروعية تأمين الإِمام وجهره به
(قال الترمذي) وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والتابعين ومن بعدهم يرون الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها اهـ (وبذلك) قالت الشافعية وأحمد وإسحاق
(واختلفت) الروايات عن مالك في الصلاة الجهرية. فروى المصريون عنه عدم التأمين فيها قالوا لأن الإِمام داع ومن سنة المؤمن أن يكون غير الداعي. وروى عنه مطرّف وابن الماجشون التأمين للإمام في الجهرية لكنه يؤمن سرّ. وإذا أسرّ الإِمام القراءة فلم يختلف عندهم في أنه يؤمن فيها
(وقالت الحنفية) يؤمن الإِمام سرًّا قالوا لأن التأمين ليس فيه إلا زيادة الدعاء والداعى أولى به
(وآمين) ليست من الفاتحة بل ولا من القرآن. ولذا قال المفسرون يسنّ الإتيان بها مفصولة عن الفاتحة بسكتة ليتميز القرآن عن غيره وكذا يسنّ الإتيان بها لكل داع لما روى عن عليّ آمين خاتم رب العالمين ختم بها دعاء عبادة. وفيها لغات "أشهرها" مدّ الهمزة وتخفيف الميم "ثانيتها" قصر الهمزة وتخفيف الميم حكاها ثعلب وجماعة وأنكرها عليهم آخرون. وحكى الواحدى عن حمزة والكسائي مدّ الهمزة مع إمالتها وتخفيف الميم. وحكي عن الحسن البصري والحسين بن الفضل مدّ الهمزة وتشديد الميم
(قال) النووي في شرح المهذب ويؤيده أنه جاء عن جعفر الصادق أن تأويله قاصدين إليك وأنت الكريم من أن تخيب واحدًا. وحكى القاضي عياض هذا الأخير وقال إنها لغة شاذة مردودة. وحكى ابن السكيت وسائر أهل اللغة أنها من لحن العوام اهـ
стр. 1761
وآمين اسم فعل أمر بمعنى استجيب مبنى على الفتح. وقيل معناه لا تخيب رجاءنا إذ لا يقدر على هذا غيرك. وقيل هو كنز من كنوز العرش.
وحكى صاحب القاموس عن الواحدي أنها اسم من أسماء الله والتقدير يا آمين (لكن) قيل عليه إنه لو كان اسمًا لبُنِي على الضمّ لأنه منادى مفرد وأيضًا أسماء الله تعالى توقيفية ولم يثبت أن آمين منها
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والترمذي والدارقطني وابن حبان
(ص) حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيُّ نَا ابْنُ نُمَيْرٍ نَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حُجْرِ بْنِ عَنْبَسٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَهَرَ بِآمِينَ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ خَدِّهِ.
(ش) (ورجال الحديث) (الشعيرى) نسبة إلى الشعير إقليم من نواحي حمص بالأندلس. و (علي بن صالح) بن صالح بن حيّ الهمداني أبو محمَّد الكوفي. روى عن أبيه والأعمش وأبي إسحاق السبيعي وسلمة بن كهيل وجماعة. وعنه ابن عيينة وعبد الله بن نمير ومعاوية بن هشام ووكيع وأبو نعيم. وثقه النسائي وابن معين والعجلي وقال ابن سعد كان صاحب قرآن ثقة قليل الحديث. مات سنة إحدى وخمسين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(معنى الحديث)
(قوله فجهر بآمين) حجة أيضًا لمن قال إن الإِمام يجهر بالتأمين
(قوله وسلم عن يمينه وعن شماله) فيه مشروعية تسليم الإِمام على اليمين واليسار ويأتي الكلام عليه في باب في السلام
(ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ نَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَلاَ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) قَالَ "آمِينَ". حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الأَوَّلِ.
(ش) (رجال الحديث) (بشر بن رافع) الحارثي أبى الأسباط النجراني. روى عن أبى عبد الله الدوسي وعبد الله بن سيمان ويحيى بن أبي كثير وابن عجلان. وعنه عبد الرزاق بن همام
стр. 1762
وحاتم بن إسماعيل وصفوان بن عيسى. ضعفه أحمد والترمذي والنسائي وقال البخاري لا يتابع في حديثه وقال أبو حاتم منكر الحديث لا نرى له حديثًا قائمًا وقال ابن عبد البرّ اتفقوا على إنكار حديثه وطرح ما رواه وترك الاحتجاج به لا يختلف علماء الحديث في ذلك وقال ابن حبان يأتي بطامات عن يحيى بن أبي كثير. موضوعة يعرفها من لم يكن الحديث صناعته كأنه المتعمد لها وقال في التقريب فقيه ضعيف الحديث. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه والبخاري في الأدب
(قوله عن أبي عبد الله ابن عمّ أبى هريرة) هو عبد الرحمن بن هضاض ويقال. ابن هضهاض ويقال ابن الصامت الدوسي. روى عن أبي هريرة ووهب بن منبه. وعنه أبو الزبير وبشر بن رافع. قال في التقريب مقبول من الثالثة وقال ابن القطان لا يعرف وقال في الميزان أبو عبد الله الدوسي عن أبي هريرة لا يعرف ماحدث عنه سوى بشر بن رافع. روى له أبو داود وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله حتى يسمع من يليه من الصف الأول) بفتح الياء من الثلاثي أو بضمها من أسمع الرباعى. وفي رواية ابن ماجه حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتجّ لها المسجد وهو غاية لجهره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالتأمين
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي وكذا ابن ماجه عن أبي هريرة قال ترك الناس التأمين وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال آمين
(ص) نَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ "إِذَا قَالَ الإِمَامُ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فَقُولُوا "آمِينَ". فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
(ش) استدل به من قال إن الإِمام لا يؤمن لكن لا يدل له لأن غاية ما يفيده أن تأمين الإِمام مسكوت عنه وتقدم في حديث وائل وأبي هريرة أنه ﵌ كأن يؤمن ويجهر حتى يسمع من يليه من الصف وهو كان يصلي إمامًا. وقوله فقولوا آمين أي مع تأمين الإِمام ليوافق تأمينكم تأمين الملائكة فإنهم يؤمنون حال تأمين الإِمام
(قيل) في الحديث دلالة على أن المأموم يجهر بالتأمين (وقد ترجم) البخاري لهذا الحديث فقال "باب جهر المأموم بالتأمين" قال الزين بن المنير مناسبة الحديث للترجمة أن في الحديث الأمر بقوله آمين والقول إذا وقع به الخطاب مطلقًا حمل على الجهر ومتى أريد به الإسرار أو حديث النفس قيد بذلك اهـ
وروى البيهقي عن عطاء قال أدركت مائتين من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
стр. 1763
في هذا المسجد إذا قال الإِمام ولا الضالين سمعت لهم رجة آمين. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال قلت له أكان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن قال نعم ويؤمن من وراه حتى أن للمسجد للجة (وإلى أن) المأموم يجهر بالتأمين ذهبت الشافعية والحنابلة إذا كان في صلاة جهرية فإن كان في سرّية أسرّ به
(وذهبت) المالكية إلى أنه يسرّ بالتأمين مطلقًا في جهرية وسرية. والفذ كالمأموم عندهم
(وقالت الحنفية) يؤمن المأموم والفذ والإِمام سرًا. وقد علمت بسط الكلام على الإِمام في الحديث الأول من هذا الباب. وقوله فإنه من وافق قوله قول الملائكة تعليل لمحذوف أي فقولوا آمين توافقوا قول الملائكة وتأمينهم فتصيبوا خيرًا لأن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه فالمراد بالموافقة الموافقة في الزمن لما في الصحيحين عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء ووافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه
(وقال ابن حبان) في صحيحه فإن الملائكة تقول آمين ثم قال يريد أنه إذا أمن كتأمين الملائكة من غير إعجاب ولا سمعة ولا رياء خالصًا لله تعالى فإنه حينئذ يغفر له والمراد بالملائكة الحفظة وقيل غير ذلك وتقدم بسط الكلام على ذلك في باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
(والحديث) أخرجه البخاري ومالك في الموطأ والنسائي وابن حبان وعبد الرزاق وأحمد
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ "آمِينَ".
(ش) (قوله إذا أمن الإِمام فأمنوا) دليل على مشروعية تأمين الإِمام كالمأموم "ولا يقال" إن القضية شرطية لا تقتضى الوقوع "لأن" إذ التحقق الوقوع "وتؤيده" الروايات السابقة الصريحة في تأمينه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(وما رواه) النسائي عن أبي هريرة مرفوعًا إذا قال الإِمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين وإن الإِمام
стр. 1764
يقول آمين (وظاهر) حديث الباب أن تأمين المأموم متأخر عن تأمين الإِمام فإنه رتبه عليه بالفاء التي للتعقيب فيكون منافيًا لما تفيده الرواية السابقة وغيرها مما فيه أن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإِمام
(وأجيب) بأن المراد بقوله إذا أمن الإِمام أي أراد أن يؤمن جمعًا بين الروايات
(قال الجويني) لا تستحب مقارنة الإِمام في شيء من الصلاة غير التأمين اهـ وقيل يؤخذ من الخبرين تخيير المأموم في التأمين مع الإِمام أو بعده
(والأمر) بتأمين المأموم في الحديث للندب عند الجهور. وحكي ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوب التأمين على المأموم عملًا بظاهر الأمر في الحديث (وبه قالت) الظاهرية على كل مصلّ. أما الإِمام والمنفرد فالتأمين مندوب لهما عند الجهور أيضًا. وحكى المهدي في البحر عن العترة أن التأمين بدعة، واستدل صاحب البحر بحديث معاوية بن الحكم المتقدم وفيه إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس قالوا والتأمين من كلام الناس لأنه ليس بقراءة ولا ذكر و"يردّ" ما قالوه أحاديث الباب وأشباهها. وأما حديث معاوية المذكور فهو عام مخصوص بأحاديث التأمين. وعلى تقدير أن أحاديث التأمين لا تخصصه فالتأمين داخل في العمومات الدالة على مشروعية الدعاء في الصلاة على أن المراد بكلام الناس في هو تكليمهم والتأمين ليس بتكليم
(قوله قال ابن شهاب وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول آمين) أتى به ردّا على من يقول إن الإِمام لا يؤمن وأوّل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أمن الإِمام أي أراد للتأمين ولا يلزم من الإرادة التأمين بالفعل. وهو وإن كان مرسلًا لكن يعضده ما تقدم للمصنف من تأمينه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وما تقدم في رواية النسائي عن أبي هريرة
(والحديث) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك في الموطأ
(ص) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ بِلاَلٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ لاَ تَسْبِقْنِي "بِآمِينَ".
(ش) (رجال الحديث) (إسحاق بن إبراهيم بن راهويه) بن مخلد بن إبراهم الحنظلي المروزي أحد الأئمة. روى عن بشر بن المفضل ووكيع بن الجرّاح وابن عيينة وابن علية وحفص بن غياث وطوائف. وعنه البخاري ومسلم النسائي والترمذي وكثيرون. قال أحمد لا أعرف له نظيرًا بالعراق إمام من أئمة المسلمين وقال النسائي أحد الأئمة ثقة مأمون وقال أبو حاتم العجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ وقال ابن حبان كان من سادات أهل زمانه فقها وعلما وحفظا وصنف الكتب وفرّع على السنن وذبّ عنها وقمع من خالفها اهـ وأثنى عليه
стр. 1765
كثير من الحفاظ. ولد سنة إحدى أوست وستين ومائة. ومات سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين. و (عاصم) بن سليمان الأحول تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٧٤. و (أبو عثمان) عبد الرحمن بن ملّ النهدي في الرابع صفحة ٢٤٩
(معنى الحديث)
(قوله لا تسبقني بآمين) أراد بلال بذلك أن يدرك التأمين مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ولعله كان يقيم الصلاة في مؤخر المسجد قريبًا من محلّ الأذان وكان بعد فراغه من الإقامة يمشي حتى يصل إلى الصف وربما اشتغل بتعديل الصفوف فخشى أن يفوته التأمين معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال له ذلك
(قال) العيني هذا الحديث مرسل وقال الحاكم في الأحكام قيل إن أبا عثمان لم يدرك بلالًا وقال أبو حاتم الرازي رفعه خطأ ورواه الثقات عن عاصم عن أبي عمان مرسلًا وقال البيهقي وقيل عن أبي عثمان عن سليمان قال قال بلال وهو ضعيف ليس بشئ اهـ وروى البيهقي هذا الحديث موقوفًا على أبى هريرة من طريق حماد عن ثابت عن أبي رافع قال كان أبوهريرة يؤذن لمروان فاشترط أن لا يسبقه بالضالين حتى يعلم أنه دخل في الصف
(قال) في الفتح وكأنه كان يشتغل بالإقامة وتعديل الصفوف وكان مروان يبادر إلى الدخول في الصلاة قبل فراغ أبي هريرة وكان أبوهريرة ينهاه عن ذلك اهـ وقد وقع ذلك لأبي هريرة أيضًا مع العلاء بن الحضرمي كما رواه عبد الرزاق من طريق سعيد بن منصور عن محمَّد بن سيرين أن أبا هريرة كان مؤذنا بالبحرين وأنه اشترط علي الإِمام أن لا يسبقه بآمين وكان الإِمام بالبحرين العلاء بن الحضرمي
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البيهقي وعبد الرزاق. عن أبي هريرة موقوفًا عليه كما تقدم وأخرجه البخاري تعليقا عن أبي هريرة بلفظ كان أبوهريرة ينادى الإِمام لا تفتني بآمين
(ص) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ الدِّمَشْقِيُّ وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قَالاَ نَا الْفِرْيَابِيُّ عَنْ صُبَيْحِ بْنِ مُحْرِزٍ الْحِمْصِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو مُصْبِحٍ الْمَقْرَائِيُّ قَالَ كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ -وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ- فَيَتَحَدَّثُ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ فَإِذَا دَعَا الرَّجُلُ مِنَّا بِدُعَاءٍ قَالَ اخْتِمْهُ بِآمِينَ فَإِنَّ آمِينَ مِثْلُ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ. قَالَ أَبُو زُهَيْرٍ أُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلَحَّ في الْمَسْأَلَةِ فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَمِعُ مِنْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله تعالى عليه
стр. 1766
وعلى آله وسلم "أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ بِأَيِّ شَيءٍ يَخْتِمُ قَالَ "بِآمِينَ فَإِنَّهُ إِنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ". فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَى الرَّجُلَ فَقَالَ اخْتِمْ يَا فُلاَنُ بِآمِينَ وَأَبْشِرْ. وَهَذَا لَفْظُ مَحْمُودٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْمَقْرَاءُ قَبِيلٌ مِنْ حِمْيَرَ.
(ش) (رجال الحديث) (الوليد بن عتبة الدمشقي) الأشجعي أبو العباس. روى عن أبى ضرة وحمزة بن ربيعة ومروان بن محمَّد وأبى مسهر. وعنه أبو داود وأبو زرعة وسلمة بن شبيب وجعفر الفريابي. قال البخاري معروف الحديث وأثنى عليه محمَّد بن عون خيرًا وقال في التقريب ثقة من العاشرة. مات سنة أربعين ومائتين. و (الفريابي) هو محمَّد بن يوسف بن واقد منسوب إلى فرياب مدينة ببلاد الترك.
و(صبيح) ضبطه بعضهم بضم الصاد وبعضهم بفتحها (ابن محرز) بضم فسكون فكسر. روى عن عمرو بن قيس وأبي مصبح المقرائى. وعنه محمَّد بن يوسف الفريابي. ذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب مقبول من السابعة. و (أبو مصبح) الروياني الأوزاعي الحمصي روى عن ثوبان وأبي زهير وشداد بن أوس وشرحبيل بن السمط وغيرها. وعنه الأوزاعي وحريز بن عثمان وعبد الرحمن بن يزيد. قال أبو زرعة ثقة لا أعرف اسمه وذكره ابن حبان في الثقات وقال في القريب ثقة من الثالثة. روى له أبو داود
(قوله كنا نجلس إلى أبي زهير النميري) ويقال أبو الأزهر ولم يعرف اسمه وقيل اسمه يحيى بن نفير. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه خالد بن سعد وكثير بن مرّة وشريح بن عبيد
(معنى الحديث)
(قوله فتحدث أحسن الحديث) لعله كان يعلمهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة) تعليل لأمره بختم الدعاء بالتأمين. والطابع بفتح الباء الموحدة وكسرها ما يطبع به كالختم والصحيفة قطعة من جلد أو قرطاس كتب فيه
(قوله قال أبو زهير أخبركم الخ) أتى به دليلًا على ما قاله. وقوله ألحّ في المسألة يعني أقبل عل الدعاء وبالغ فيه
(قوله أوجب إن ختم) يعني أجيب دعاؤه إن ختمه بآمين
(قوله فأتى الرجل الخ) أي أتى الذي سأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الرجل الذي ألحّ) في المسألة فقال اختم يا فلان بآمين وأبشر بإجابة دعائك
(وفي هذا) دلالة على الترغيب في التأمين بعد الدعاء (وقد) جاء في فضله أحاديث أخر (منها)
стр. 1767
ما رواه أحمد وابن ماجه والطبراني عن عائشة مرفوعًا ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين
(وما رواه) ابن ماجه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما حسدتكم اليهود على شيء كحسدهم على قول آمين فأكثروا من قول آمين
(وما رواه) البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه
(والتأمين) من خصوصيات هذه الأمة "فقد" روى ابن خزيمة عن أنس قال كنا عند النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جلوسًا فقال إن الله قد أعطاني خصالًا ثلاثة أعطاني صلاة في الصفوف وأعطانى التحية إنها تحية أهل الجنة وأعطاني التأمين ولم يعطه أحدًا من النبيين قبلي إلا أن يكون الله قد أعطاه هارون يدعو موسى ويؤمن هارون
(قوله قال أبو داود والمقرائي قبيل من حمير) أتى به لبيان نسبة أبى مصبح. والمقرائي، بضم الميم وفتحها وسكون القاف وهمزة مكسورة بعد راء ممدودة وصوّب بعضهم فتح الميم (قال) المنذري هكذا ذكر غير المصنف وذكر أبو سعيد المروزي أن هذه النسبة إلى مقرا قرية بدمشق والأول أشهر وقال صاحب القاموس مقرأ كمكرم بلدة باليمن به معدن العقيق ومنه المقرئيون من المحدثين. وفي بعض النسخ المقرئ بإسقاط الألف بعد الراء والهمزة كالمعطي. وفي بعضها المقرئُ بإثبات الهمزة وإسقاط الألف
(باب التصفيق في الصلاة)
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ".
(ش) (سفيان) بن عيينة
(قوله التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) يعني إذا نابهم شيء في الصلاة صرّح به في رواية مسلم وابن ماجه
(وفيه دلالة) على مشروعية التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة إذا ناب من ذكر شيء حال الصلاة كإذنه لداخل وإنذاره لأعمى وتنبيهه لساه. وخصّ النساء بالتصفيق لأنهن مأمورات بخفض أصواتهنّ لما يخشى من الافتتان بهن ولم يجعل التصفيق للرّجال لأنه من شأن النساء
(وبظاهر الحديث) قالت الشافعية والحنابلة وقالوا لا يضرّ التسبيح ولو كثر لأنه قول من جنس الصلاة وإن كثر التصفيق أبطلها لأنه عمل من غير جنس الصلاة
(وقالت) المالكية والحنفية التسبيح للرجال والنساء. لعموم قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث الآتي من نابه شيء في صلاته فليسبح ولم يخصّ رجالًا من نساء (قال) الزرقاني هكذا نأوّله مالك وأصحابه ومن وافقهم على كراهة التصفيق
стр. 1768
للنساء "وتعقبه" ابن عبد البر بزيادة أبى داود وغيره عن حماد بن زيد عن أبي حازم عن سهل في آخر الحديث إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء قال فهذا قاطع في موضع الخلاف يرفع الإشكل لأنه فرق بين حكم الرجال والنساء
(وقال) القرطبي القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصحيح خبرًا أو نظرًا لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا لما يخشى من الافتتان. ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء اهـ
(وزادت الحنفية) إن صفقت المرأة بطلت صلاتها. لكن يردّ ما ذكر أحاديث الباب
(فالراجح) ما ذهبت إليه الشافعية والحنابلة لأحاديث الباب ولما ذكره ابن عبد البرّ والقرطبى
(والحديث) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ قَالَ نَعَمْ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ في الصَّلاَةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ في الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لاَ يَلْتَفِتُ في الصَّلاَةِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى في الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّىَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ التَّصْفِيحِ مَنْ
стр. 1769
نَابَهُ شَىْءٌ في صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ".
(ش) (أبو حازم) هو سلمة الأعرج
(قوله ذهب إلى بني عمرو بن عوف) هم بطن من الأوس فيه عدّة أحياء منهم بنو أمية بن زيد بن مالك بن عوف ومنهم بنو الضبيعة ابن زيد وبنو ثعلبة بن عمرو بن عوف
(قوله ليصلح بينهم) لاقتتال وقع كما في رواية البخاري من طريق محمَّد بن جعفر عن أبي حازم أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذلك فقال اذهب بنا نصلح بينهم وخرج معه ناس منهم أبىّ بن كعب "الحديث"
(قوله وحانت الصلاة الخ) أي جاء وقتها وكانت صلاة العصر كما في الرواية الآتية فجاء المؤذن إلى أبى بكر فقال أتصلى بالناس فأقيم وفي رواية مالك والبخاري أتصلى للناس. واستفهام بلال في هذه الرواية من أبي بكر لا ينافي ما في الرواية الآتية من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بلالًا أن يأمر أبا بكر أن يصلي لأنه استفهم هل يبادر أبو بكر أول الوقت أو ينتظر قليلًا ليأتي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(ورجح) عند أبى بكر المبادرة بالصلاة لأنها فضيلة متحققة فلا تترك لفضيلة متوهمة. وقوله فأقيم بالنصب جواب الاستفهام ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف أي فأنا أقيم. وفيه إشارة إلى أن الإقامة تكون متصلة بالصلاة ولذا استفهم بلال هل يصلي فيقيم إن أجابه أو يترك إن لم يجبه
(قوله قال نعم) وفي رواية للبخاري قال نعم إن شئت. وفوّض إليه ذلك لاحتمال أن يكون عنده زيادة علم بحضوره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله فصلى أبو بكر الخ) أي دخل في الصلاة وفي رواية الطبراني عن المسعودي عن أبي حازم فاستفتح أبو بكر الصلاة فجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان مجيئه عقب دخول أبى بكر في الصلاة
(وبهذا يفرق) بين ما هنا وبين استمراره رضي الله تعالى عنه على صلاته في مرض موته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح كما صرّح به موسى بن عقبة في المغازى عند البخاري فإنه امتنع هنا أن يكون إمامًا واستمرّ هناك على إمامته وكأنه لما مضى كثير من الصلاة هناك حسن الاستمرار ولما لم يمض هنا إلا اليسير منها لم يستمرّ. وهذا كله مبني على القول بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان مأمومًا في مرض موته
(قوله فتخلص حتى وقف في الصف) أي تخلص صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من بين الصفوف حتى وقف في الصف الأول فألـ في الصف للعهد كما تدل عليه رواية للبخاري فجاء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يمشي في الصفوف يشقها شقًا حق وقف في الصف الأول وكما تدل عليه رواية مسلم فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المتقدم
(قوله فصفق الناس الخ) وفي رواية البخاري فأخذ الناس بالتصفيق
стр. 1770
وصفقوا لما كبر في نفوسهم واستعظموه من تقدم أبى بكر إمامًا بحضرته ﵌ وقوله وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة لمزيد خشوعه واستغراقه في مناجاة وللنهى عن الالتفات فيها ولأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. وقوله فلما أكثر الناس التصفيق يريد أنه لما صفق منهم العدد الكثير التفت أبو بكر لينظر ما أوجب تصفيقهم فرأى رسول الله ﵌ فعلم أن التصفيق من أجله
(ويؤخذ منه) أن الالتفات اليسير في الصلاة لحاجة لا يبطلها لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينكر على أبي بكر التفاته. وقد التفت ﵌ لحاجه كما في قصة الفارس الذي أرسله للحراسة وتقدم بيانه
(قوله فأشار إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) لعل إشارته كانت حين أخذ أبو بكر في التأخر
(قوله فرفع أبو بكر يديه فحمد الله الخ) ظاهره أنه تلفظ بالحمد لكن في رواية الحميدي عن سفيان فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكرًا لله ورجع القهقرى
(وادعى) ابن الجوزي أنه أشار بالشكر والحمد بيده ولم يتكلم. وليس في رواية الحميدي هذه ما يمنع من أنه تلفظ بالحمد. وتقوّيه رواية أحمد عن أبي حازم يا أبا بكر لم رفعت يديك وما منعك أن تثبت حين أشرف إليك قال رفعت يدىّ لأنى حمدت الله على ما رأيت منك أي مما فضله به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من إرادة الاستمرار على الإمامة
(قوله ثم استأخر أبو بكر الخ) أي تأخر من غير استدبار للقبلة ولا انحراف عنها حتى وقف في الصف الذي يليه وتقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(وفيه جواز) صلاة واحدة بإمامين أحدهما بعد الآخر من غير عذر وأن الإِمام الراتب إذا غاب وأمّ نائبه القوم وحضر الراتب خير بين أن يأتمّ به أو يؤمّ هو ويرجع النائب مأمومًا من غير أن يقطع الصلاة ولا تبطل صلاة المأمومين (وإلى ذلك) ذهبت الشافعية في المشهور عنهم وابن القاسم من المالكية وقال في إمام أحدث فاستخلف ثم أتى فأخر المستخلف وأتمّ هو الصلاة إن ذلك ماض (واستدل) بفعل أبى بكر هذا (ونقل) ابن عبد البرّ عن الجمهور أن ذلك من خصائصه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأنه لا يساويه أحد في المأمومين ولأن الله تعالى أمر أن لا يتقدم أحد بين يديه وهذا على عمومه في الصلاة والفتوى والأمور كلها. ولأن فضيلة الصلاة خلفه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يدركها أحد وأما سائر الناس فلا ضرورة بهم إلى ذلك لأن الأول والثاني سواء ما لم يكن عذر
(قوله ما منعك أن تثبت إذ أمرتك) يعني أن تثبت على إمامتك إذ أشرت إليك (وفيه دلالة) على أن الإشارة تقوم مقام اللفظ حيث سماها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمرًا وعاتبه على مخالفته فيها
(وفيه دلالة) أيضًا على أن أبا بكر لو مضى بهم على صلاته لجاز ويكون محلّ النهى عن المتقدم بين يديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما لم يأذن به
(قوله ما كان لابن أبي قحافة الخ) يعني ما كان ينبغي لابن
стр. 1771
أبى قحافة أن يؤمّ النبي صل الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فكأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل عذره حيث لم يعنفه على مخالفة أمره
(وفيه) أن من أكرم بكرامة يخير فيها بين القبول والترك إذا علم أن الأمر بها ليس على طريق الإلزام
(قوله ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيح) التصفيح والتصفيق واحد وهو الضرب بالكفين مطلقًا
(وقال العيني) التصفيح الضرب بظاهر إحدى الكفين على باطن الأخرى. وقيل الضرب بأصبعين من اليمنى على باطن كفّ اليسرى للإنذار والتنبيه والتصفيق الضرب بالكفين للهو واللعب
(قوله من نابه شيء في صلاته فليسبح) أي من حدث له من الرجال شيء في صلاته فليقل سبحان الله كما صرحّ به في رواية للبخاري عن يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم (وهذا الأمر) عند الجمهور محمول على الندب
(قوله فإنه إذا سبح التفت إليه) تعليل للأمر بالتسبيح وفي رواية للبخاري من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت
(قوله وإنما التصفيق للنساء) أي من شأنهنّ في الصلاة خلافًا لما قالته المالكية من أنه من شأنهن في غير الصلاة وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك على جهة الذمّ فلا ينبغي في الصلاة فعله لرجل ولا امرأة بل التسبيح للرجال والنساء جميعًا لعموم قوله من نابه شيء ولم يخص رجالًا من نساء وقد علمت ما فيه.
وفي بعض النسخ زيادة "قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا في الْفَرِيضَةِ." يعني ما ذكر من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من نابه شيء في صلاة الخ في صلاة الفريضة وإذا ساغ هذا في الفريضة ففي النافلة بالأولى
(فقه الحديث) دلّ الحديث على الترغيب في الإصلاح بين الناس، وعلى مشروعية توجه الإِمام بنفسه لسماع دعوى بعض الخصوم إذا رجح عنده ذلك، وعلى أنه إذا تأخرالإمام عن الصلاة تقدم غيره.
ولعلّ محله إذا لم تخف فتنة، وعلى أنه ينبغي أن يكون المقدم أفضل القوم وأصلحهم، وعلى أن تقديم الصلاة أول وقتها أفضل من تأخيرها عنه لانتظار الراتب الأفضل وعلى جواز شقّ الصفوف والمشي بينها لقصد الوصول إلى الصف الأول
(قال) في الفتح لكنه مقصور على من يليق ذلك به كالإمام أو من كان بصدد أن يحتاج الإِمام إلى استخلافه أو من أراد سدّ فرجة في الصف الأول أو ما يليه مع ترك من يليه سدّها ولا يكون ذلك معدودًا من الأذى اهـ.
ودلّ الحديث أيضًا على أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها، وعلى جواز الالتفات في الصلاة والإشارة فيها للحاجة، وعلى استحباب حمد الله تعالى لمن تجدّدت له نعمة ولو كان في الصلاة، وعلى أنه إذا حضر الإِمام الراتب بعد دخول نائبه في الصلاة خير بين أن يكون مأمومًا أو يتقدم للإمامة
(قال النووي) واستدلّ به أصحابنا على جواز اقتداء المصلى بمن يحرم
стр. 1772
بالصلاة بعده فإن الصديق رضي الله تعالى عنه أحرم بالصلاة أولًا ثم اقتدى بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين أحرم بعده. هذا هو الصحيح في مذهبنا اهـ
ودلّ الحديث أيضًا على مشروعية التسبيح لمن نابه من الرجال شيء في صلاته ومشروعية التصفيق للنساء فيها
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي
(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهُمْ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَالَ لِبِلاَلٍ "إِنْ حَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أَذَّنَ بِلاَلٌ ثُمَّ أَقَامَ ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ قَالَ في آخِرِهِ "إِذَا نَابَكُمْ شَىْءٌ في الصَّلاَةِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ".
(ش) (قوله فمر أبا بكر فليصلّ بالناس) فيه إشارة إلى أحقية أبي بكر رضي الله تعالى عنه بالخلافة حيث اختاره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إمامًا في الصلاة التي أكبر شيء في الدين بعد الشهادتين فبالأولى أن يكون إمامًا في سائر الأعمال الدينية والدنيوية
(وهذا الحديث) من أدلة القائلين بأن التسبيح في الصلاة للرجال والتصفيق للنساء
(ويردّ) قول من قال إن التصفيح للنساء ذكر في الحديث على سبيل المذمة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والبخاري وابن حبان
(ص) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ نَا الْوَلِيدُ عَنْ عِيسَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ قَوْلُهُ "التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ". تَضْرِبُ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى كَفِّهَا الْيُسْرَى.
(ش) (رجال الأثر) (الوليد) بن مسلم الدمشقي. و (عيسى بن أيوب) أبى أحمد روى عن العلاء بن الحارث، وعنه الوليد بن مسلم. روى له أبو داود
(وفسر التصفيح) بهذا حتى لا يتوهم منه اللهو لأن الذي يصفح للهو يضرب بباطن كفّ على الأخرى كما تقدم. ففيه بيان كيفية تصفيق النساء في الصلاة
стр. 1773
(باب الإشارة في الصلاة)
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ الْمَرْوَزِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالاَ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُشِيرُ في الصَّلاَةِ.
(ش) (رجال الحديث) (أحمد بن محمَّد) بن ثابت بن عثمان بن مسعود بن يزيد (ابن شبوية) المروزي. روى عن ابن المبارك وأبى أسامة وابن عيينة وعبد الرزاق بن همام وغيرهم. وعنه ابن معين وأبو بكر بن أبي خيثمة وأبو زرعة وأبو داود. وثقه النسائي ومحمد ابن وضاح والعجلي وعبد الغنى بن سعيد وابن حبان وقال الإدريسى كان حافظًا فاضلًا ثبتًا متقنًا في الحديث. و (معمر) بن راشد تقدم في الجزء الأول صفحة ١٠٧
(معنى الحديث)
(قوله كان يشير في الصلاة) يعني لحاجة كردّ السلام كما صرحّ به في رواية مالك عن نافع عن ابن عمر أنه مرّ على رجل وهو يصلي فسلم عليه فردّ الرجل كلامًا فرجع إليه عبد الله بن عمر فقال إذا سلم على أحدكم فلا يتكلم وليشر بيده. وكما تقدم في رواية البخاري عن أم سلمة وفيها أنها أرسلت الجارية لتسأله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الركعتين بعد العصر فأشار إليها بيده. وكما تقدم للمصنف أنه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم صلى جالسًا وهو شاك فصلى القوم وراءه قيامًا فأشار إليهم بالجلوس
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه الدارقطني وابن حبان وابن خزيمة
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ نَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الأَخْنَسِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ". يَعْنِي في الصَّلاَةِ "وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ مَنْ أَشَارَ في صَلاَتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيَعُدْ لَهَا". يَعْنِي الصَّلاَةَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثُ وَهَمٌ.
(ش) (رجال الحديث) (يعقوب بن عتبة بن الأخنس) هو يعقوب بن عتبة بن المغيرة ابن الأخنس الثقفي المدني. روى عن عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان وسليمان بن يسار وعروة ابن الزبير وأبي غطفان سعد بن طريف وجماعة. وعنه ابنه محمَّد وعبد الواحد بن أبي عوف
стр. 1774
والحسن بن الحرّ وإبراهيم بن سعد. وثقه النسائي والدارقطني وابن معين وأبو حاتم وابن سعد وقًال كان له أحاديث كثيرة ورواية وعلم بالسيرة. توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد الخ) بضم المثناة التحتية من الإعادة والسلام في لها زائدة أي فليعد الصلاة لما في رواية البيهقي ومن أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعدها
(ويحتمل) أن تكون اللام أصلية والهاء في لها عائدة على الإشارة ومفعول يعد مقدّر أشار له يعني الصلاة أي فليعد الصلاة من أجل تلك الإشار
(ويحتمل) أن يعد بفتح أوله من العود أي فليعد الصلاة ثانيًا فهو بمعنى الأول
(قوله هذا الحديث وهو) يعني به قوله له من أشار في صلاته الخ. ولعل المصنف حكم عليه بالوهم لأن في سنده ابن إسحاق وقد عنعن وفيه أبو غطفان بفتحات اسمه سعد بن طريف قيل إنه مجهول قًال الدارقطني قًال لنا ابن أبي داود أبو غطفان هذا رجل مجهول وآخر الحديث زيادة في الحديث ولعله من قول ابن إسحاق. ونحوه للبيهقي
(وقال) العيني سئل أحمد عن حديث من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد الصلاة فقال لا يثبت إسناده ليس بشئ وكذا قال ابن الجوزي في التحقيق وأعله بابن إسحاق وقال أبو غطفان مجهول اهـ
(لكن) أبا غطفان وإن قال في ابن أبي داود مجهول فقد وثقه غير واحد كما علمت في ترجمته (والحديث) من أدلة القائلين بعدم ردّ السلام في الصلاة لا نطقا ولا إشارة (لكنه) معارض بالأحاديث الكثيرة الصحيحة الدالة على ثبوت الإشارة عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الصلاة.
وعلى فرض عدم المعارضة فتحمل الإعادة فيه على الاستحباب أو يراد بالإشارة الإشارة المفسدة في الصلاة (والحديث) أخرجه الدارقطني والبزّار
(باب في مسح الحصى في الصلاة)
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ -شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلاَ يَمْسَحِ الْحَصَى".
(ش) (سفيان) بن عيينة
(قوله عن أبي الأحوص شيخ من أهل المدينة) أتى بهذا الوصف لعدم معرفة اسمه
(قوله إذا قام أحدكم إلى الصلاة الخ) يعني وشرع فيها لأنه لا يكون منهيًا عن مسح الحصى فيها إلا بعد التلبس بها كما في الرواية الآتية وقوله فإن الرحمة تواجهه
стр. 1775
تعليل للنهي عن مسح الحصى مقدّم عليه اهتمامًا بالرحمة. وقوله فلا يمسح الحصى يعني الذي هو في محل سجوده فتنقطع عنه الرحمة الدائمة المسببة عن الإقبال على الصلاة. وذكر الحصى لا مفهوم له لأن مثله التراب والرمل. وخصه بالذكر لأنه كان الغالب في مساجدهم
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مزيد رحمة الله تعالى على المصلي. وعلى كراهة مسحه الحصى واشتغاله بغير أعمال الصلاة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن حبان وكذا ابن خزيمة بلفظ إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا تحرّكوا الحصى
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُعَيْقِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ "لاَ تَمْسَحْ وَأَنْتَ تُصَلِّى فَإِنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةَ الْحَصَى".
(ش) (رجال الحديث) (هشام) الدستوائي تقدم في الجزء الأول صفحة ١١٤ وكذا (يحيى) ابن أبي كثير صفحة ٦٢ و (معيقيب) بالتصغير هو ابن أبي فاطمة الدوسي حليف بني أمية وقيل حليف بني عبد شمس كان من ذي أصبح ويقال من بني سدوس أسلم قديمًا بمكة. وهاجر الهجرتين وشهد بيعة الرضوان والمشاهد بعدها وعمل لأبي بكر وعمر على بيت المال ثم كان على خاتم عثمان ومات في خلافته. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابناه محمَّد والحارث وابن ابنه إياس وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف
(معنى الحديث)
(قوله لا تمسح وأنت تصلى الخ) أي لا تمسح الحصى لتسويته في حال صلاتك. وفي نسخة ابن داسة لا تمسح الأرض وأنت تصلي فإن كنت لابدّ فاعلًا فواحدة أي إن كنت ماسحًا ولا بدّ لك من المسح فامسح مرة واحدة فلا نافية وبدّ اسمها والخبر محذوف وواحدة صفة لموصوف محذوف مفعول لفعل محذوف
(ويجوز) رفع واحدة على أنه صفة لفاعل محذوف لفعل محذوف أي فيكفيك مرّة واحدة. وقوله تسوية الحصى تعليل لإباحة المسح مرّة واحدة وأبيح له المسح مرة واحدة لئلا يتأذى به في سجوده ومنع من الزائد لئلا يكثر الفعل
(وفي حديثي الباب) دلالة على كراهة مسح المصلي الحصى حال صلاته. وهو قول عمر وجابر ومسروق وإبراهيم النخعي والحسن البصري وجمهور العلماء (وعن مالك) من صلى على تراب يؤذيه ينثر عل وجهه إذا رفع رأسه من السجدة لا بأس أن يمسحه (وروي) في الموطأ عن أبي جعفر القارئ أنه قال رأيت عبد الله بن عمر إذا أهوى للسجود مسح الحصباء لموضع
стр. 1776
جبهته مسحًا خفيفًا (وذهب) أهل الظاهر إلى تحريم مسح الحصى أخذًا بظاهر الأحاديث وهذا كله في غير المرّة الواحدة وأما هي فجائزة للحاجة من غيركراهة كما هو صريح الحديث
(وممن رخص) في المرّة ابن مسعود وأبوهريرة وحذيفة وأبو ذرّ وقال مسح واحدة وتركها خير من حمر النعم. وروى ابن خزيمة في صحيحه عن جابر قال سألنا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن مسح الحصى في الصلاة فقال واحدة ولأن تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدق
(والحكمة) في النهى عن مسح الحصى من موضع السجود أن لا يشتغل المصلي بشئ يلهيه عن الرحمة المواجهة له فيفوته حظه منها. وقيل لئلا يغطي شيئًا من الحصى فيفوته السجود عليه كما رواه ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال إذا سجدت فلا تمسح الحصى فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها
(وقيل) لأنه ينافي التواضع (وقد جاء) في ذمّ مسح الحصى أحاديث. فقد روى ابن ماجه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من مسح الحصى فقد لغا أي من مسحه فقد عبث. وروى ابن حبان عن أبي صالح مولى طلبة قال كنت عند أم سلمة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتى ذو قرابتها شاب ذوجمة فقام يصلي فلما أراد أن يسجد نفخ فقالت لا تفعل فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول لغلام لنا أسود يا رباح ترّب وجهك
(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على أنه يرخص للمصلي في مسح الحصى مرّة واحدة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي
(باب الرجل يصلي مختصرًا)
وبعض النسخ باب الاختصار في الصلاة
(ص) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الاِخْتِصَارِ فِى الصَّلاَةِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ يَعْنِى يَضَعُ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.
(ش) (هشام) بن حسان البصري. و (محمَّد) بن سيرين تقدما في الجزء الأول صفحه ٢٤٣
(قوله نهى رسول الله ﵌ عن الاختصار الخ أي عن وضع المصلي يدة على خاصرته كما فسره المصنف وذكره ابن أبي شيبة في مصنفه عن محمَّد بن سيرين وكذا فسره الترمذي. وفي رواية للبخاري نهى عن الخصر في الصلاة. وفي أخرى له نهى أن يصل الرجل
стр. 1777
مختصرًا. ونحوها للنسائي. وفي رواية البيهقي نهى عن التخصر. وتقدم بيان المذاهب فيه في باب التخصر والإقعاء
(وقيل) إن الاختصار أن يأخذ المصلي بيديه مخصرة أي عصا يتكئ عليها. وقيل هو أن يقرأ من آخر السورة آية أو آيتين ولا يقرأ السورة بتمامها. وحكى الهروى أن الاختصار أن يحذف من الصلاة فلا يمدّ قيامها ولا ركوعها ولا سجودها. وقيل أن يختصر الآيات التي فيها السجدة في الصلاة حتى لا يسجد لتلاوتها. والظاهر الأول
(ولعل) الحكمة في النهى عن الاختصار أنه راحة أهل النار كما رواه ابن حبان وابن خزيمة عن أبي هريرة. وروى ابن أبي شيبة عن إسحاق ابن عويمر عن مجاهد قال وضع اليدين على الحقو استراحة أهل النار. وروى أيضًا عن خالد بن معدان عن عائشة أنها رأت رجلًا واضعًا يده على خاصرته فقالت هكذا أهل النار
(وقيل) لأنه يشبه اليهود كما رواه ابن أبي شيبة عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة أنها كرهت أن يضع الرجل يده على خاصرته في الصلاة وقالت يفعله اليهود. وقيل لأن إبليس أهبط مختصرًا وقيل إنه فعل المختالين والمتكبرين
(فقه الحديث) دلّ الحديث على كراهة وضع اليد على الخاصرة في الصلاة، وعلى كراهة التشبه بالمخالفين
(والحديث) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والترمذي وقال حسن
(باب الرجل يعتمد في الصلاة على عصا)
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَابِصِيُّ نَا أَبِي عَنْ شَيْبَانَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِلاَلِ بْنِ يِسَافٍ قَالَ قَدِمْتُ الرَّقَّةَ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِي هَلْ لَكَ فِى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ قُلْتُ غَنِيمَةٌ فَدَفَعْنَا إِلَى وَابِصَةَ قُلْتُ لِصَاحِبِي نَبْدَأُ فَنَنْظُرُ إِلَى دَلِّهِ فَإِذَا عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ لاَطِئَةٌ ذَاتُ أُذُنَيْنِ وَبُرْنُسُ خَزٍّ أَغْبَرُ وَإِذَا هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى عَصًا فِى صَلاَتِهِ فَقُلْنَا بَعْدَ أَنْ سَلَّمْنَا. فَقَالَ حَدَّثَتْنِي أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَسَنَّ وَحَمَلَ اللَّحْمَ اتَّخَذَ عَمُودًا فِى مُصَلاَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.
(ش) (رجال الحديث) (عبد السلام بن عبد الرحمن) بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة الأسدي أبو الفضل الرقى. روى عن أبيه ووكيع وعبد الله بن جعفر. وعنه أبو حاتم
стр. 1778
وأبو الأصبغ وعمر بن شبة وعلي بن سعيد. أحسن أحمد القول فيه وقال ما بلغني عنه الأخير وقال في التقريب مقبول من الحادية عشرة. توفي سنة سبع وأربعين ومائتين. ووى له أبو داود ومسلم في مقدمة كتابه. و (الوابصي) نسبة إلى وابصة اسم موضع
(قوله حدثنا أبي) هو عبد الرحمن بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن معبد الأسدى الرّقى. روى عن قيس بن الربيع. وبشر بن لاحق وشيبان بن عبد الرحمن وطلحة بن زيد وجعفر بن برقان. وعنه ابنه عبد السلام. قال في التقريب مجهول من التاسعة. روى له أبو داود هذا الحديث لا غير. و (شيبان) بن عبد الرحمن تقدم في الجزء الرابع صفحة ٥١
(معنى الحديث)
(قوله قدمت الرّقة) بفتح الراء والقاف مدينة كبيرة كثيرة الخير من أعمال الجزيرة وغلب اسمها على الرامقة وهي على جانب الفرات
(قوله فقال لي بعض أصحابي) هو زياد بن أبي الجعد لما في رواية أحمد في مسنده عن هلال بن يساف قال أراني زياد بن أبي الجعد شيخا بالجزيرة يقال له وابصة بن معبد فأقامني عليه
(قوله هل لك في رجل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) يعني هل لك حاجة في لقائه قلت لقاؤه غنيمة والغنيمة في الأصل ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة. والمراد بها هنا مطلق الفائدة
(قوله فدفعنا إلى وابصة) أي ذهبنا إلى وابصة بن معبد بن الحارث الصحابي
(قوله فننظر إلى دله الخ) بفتح الدال وتشديد اللام أي ننظر إلى هيئته التي هو عليها من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة لنقتدي به فإذا عليه. قلنسوة. وهي ما يلبس على الرأس وجمعها قلانس وقلانيس وقلاسي وقلاس. وقوله لاطية أي منبسطة علي رأسه ليست بمرتفعة ذات أذنين.
ولعل المراد بهما عروتان في جانبي القلنسوة تمسك منهما. والبرنس ثوب رأسه منه ملتزق به وقال الجوهري هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإِسلام من البرس بكسر الموحدة وهو القطن ونونه زائدة وقيل إنه غير عربي. والخزّ ثياب تنسج من صوف وإبريسم وقوله خزّ أغبر يعني لونه يشبه الغبار
(قوله فقلنا له بعد أن سلمنا) يعني سألناه عن اعتماده على العصا حال الصلاة بعد أن سلمنا عليه
(قوله لما أسن وحمل اللحم الخ) أي لما كبر سنه وكثر لحمه اتخذ عمودًا في مصلاه يتكئُ عليه سأل صلاته لضعفه
(وفي هذا) دلالة على جواز الاعتماد في الصلاة على نحو عصا إذا كان لعذر وبه قالت الأئمة
(واختلفوا) في لزوم القيام مستندًا حينئذ (فذهبت) الحنفية والحنابلة وجماعة من الشافعية إلى وجوب القيام مستندًا (وقالت) المالكية لا يجب القيام مستندًا بل يستحب وبه قال القاضى حسين من الشافعية فإن كان الاعتماد لغير عذر (فقالت) المالكية إنه لوكان الاستناد قويًا بحيث لو أزيل المستند إليه لسقط بطلت صلاته وبه قال جمهور الشافعية والحنابلة (وذهبت) الحنفية إلى أن الصلاة حينئذ صحيحة مع الكراهة (وأجاز) ذلك أبو ذرّ
стр. 1779
وأبو سعيد الخدري وجماعة من الصحابة والسلف
(وهذا) كله في المكتوبة. أما التطوع فيجوز الاعتماد فيه من غير خلاف إلا ما حكى عن ابن سيرين من كراهته وهو قول للحنفية
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز الاعتماد في الصلاة على عصا ونحوها لضرَورة
(باب النهى عن الكلام في الصلاة)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى نَا هُشَيْمٌ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كَانَ أَحَدُنَا يُكَلِّمُ الرَّجُلَ إِلَى جَنْبِهِ فِى الصَّلاَةِ فَنَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلاَمِ.
(ش) (رجال الحديث) (هشيم) بن بشير. والحارث بن شبيل) مصغرًا ابن عوف البجلي أبى الطفيل. روى عن أبي عمرو الشيباني وعبد الله بن شداد وطارق بن شهاب. وعنه الأعمش وسعيد بن مسروق وإسماعيل بن أبي خالد. وثقه النسائي وقال ابن منصور وابن معين لا يسأل عن مثله لجلالته وقال في التقريب ثقة من الخامسة. روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
و(أبو عمرو الشيباني) هو سعد بن إياس الكوفي. روى عن علي وحذيفة وابن مسعود. وعنه الأعمش ومنصور وأبو إسحاق السبيعي وعيسى بن عبد الرحمن وغيرها. وثقه ابن معين والعجلي وابن سعد وقال في التقريب ثقة من الثانية. توفي سنة خمس أوست وتسعين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان أحدنا يكلم الخ) وفي رواية البخاري إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله ﵌ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته. وقوله قانتين أي صامتين عن الكلام وللقنوت معان أخر منها الطاعة والخشوع والعبادة والدعاء وطول القيام والصلاة
(واتفق) المفسرون على أن هذه الآية مدنية فتدلّ على أن نسخ الكلام في الصلاة كان بعد الهجرة. ويؤيده مارواه الترمذي عن زيد بن أرقم وفيه كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الصلاة فإن زيدًا مدنيّ وقد أخبر أنهم كانوا يتكلمون خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الصلاة "ولا منافاة" بين حديث الباب وحديث ابن مسعود المتقدم في "باب ردّ السلام في الصلاة" وفيه فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يرد علينا "لأن ابن مسعود" رجع من عند النجاشي مرّتين مرّة ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمكة ومرّة وهو بالمدينة. ومراد ابن مسعود رجوعه إلى المدينة لا إلى مكة (وأجاب) القاضي أبو الطيب وآخرون بأن ابن مسعود أراد بالرجوع في حديثه رجوعه الأول
стр. 1780
إلى مكة وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ وقالوا لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه
(لكن) ينافيه قول زيد بن أرقم في حديث الترمذي كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الصلاة فنزلت (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) "الحديث"
(وأجاب) ابن حبان بأن زيد بن أرقم أراد بقوله كنا نتكلم من كان يصلي خلفه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمكة من المسلمين
(وردّ) بما رواه الطبراني عن أبي أمامة قال كان الرجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل الذي إلى جنبه فيخبره بما فاته فيقضيه ثم يدخل معهم حتى جاء معاذ يوما فدخل في الصلاة "الحديث" وهذا كان بالمدينة قطعًا لأن أبا أمامة ومعاذًا أسلما بها
(قوله ونهينا عن الكلام) فيه دلالة على تحريم الكلام في الصلاة مطلقًا عمدًا أوجهلًا سواء أكان لمصلحة الصلاة أم لا وبه قالت الشافعية والحنابلة وهو ظاهر كلام الحنفية (وقالت) المالكية إن كان لمصلحة الصلاة وقلّ لا يبطل وإن كثر أبطل. وتقدم بيانه في باب ردّ السلام
(فقة الحديث) دلّ الحديث عل أن الأحكام شرعت بالتدريج، وعلى وقوع النسخ في الأحكام الشرعية، وعلى تحريم الكلام في الصلاة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي
(باب في صلاة القاعد)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ نَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلاَلٍ -يَعْنِي ابْنَ يِسَافٍ- عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ "صَلاَةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلاَةِ". فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى رَأْسِى فَقَالَ مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو قُلْتُ حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ قُلْتَ "صَلاَةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلاَةِ". وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا قَالَ "أَجَلْ وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ".
(ش) (أبو يحيى) مصدع الأنصاري تقدم في الجزء الأول صفحة ٣١٥
(قوله حدّثت) بالبناء للمفعول في الموضعين
(قوله صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة) أي ثواب صلاة الرجل قاعدًا نصف ثواب صلاته قائمًا
(وهو محمول) عند الجمهور على صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام
стр. 1781
(قال) النووي وهو تفصيل مذهبنا وبه قال الجمهور في تفسير الحديث وحكاه القاضي عن جماعة منهم الثوري وابن الماجشون اهـ
وإذا صلى النفل قاعدًا عاجزًا عن القيام فثوابه كثواب القائم أما الفرض فإن صلاته قاعدًا مع القدرة على القيام لا تصح ويكون آثمًا
(قال النووي) وإن استحله كفر وجرى عليه أحكام المرتدين لو استحلّ الزنا أو الربا أوغيره من المحرّمات الشائعة التحريم اهـ
وإن صلى الفرض قاعدًا لعجزه عن القيام أو مضطجعًا لعجزه عن القيام والقعود فثوابه كثواب صلاته قائمًا لم ينقص كما تؤيده رواية البخاري عن أبي موسى مرفرعًا إذا مرض العبد أوسافر كتب الله له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم
(قال الزرقاني) وشواهده كثيرة. ويؤيده قاعدة تغليب فضل الله تعالى وقبول عذر من له عذر اهـ
(وحمل) مالك حديث الباب على من رخص له في الجلوس لمشقة تلحقه في القيام ولو تكلفه لقدر بمشقة وقال هو يطرد في النفل والفرض
(وحمله) ابن الماجشون على المتنفل جالسًا لغير عذر فأما للعذر فأجره تامّ
(قوله فوضعت يدي على رأسي) فعل ذلك تعجبًا لما رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل خلاف ما سمع عنه وليلتفت إليه (قال) الطيبي هذا الوضع خلاف ما يجب له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من التوقير فلعله كان ذلك بغير قصد أو أنه لما وجده على خلاف ما سمع من الحديث عنه أراد تحقيق ذلك فوضع يده على رأسه لتحقيق الأمر ولذا أنكر عليه بقوله مالك اهـ
(قوله قال أجل ولكني الخ) أي قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نعم قلت ذلك ولكني لست كأحد منكم يعني أن صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم النفل قاعدًا مع القدرة على القيام ليست كنافلة غيره قاعدًا بل هي كنافلته قائمًا لا ينقص من أجره شيء وهذا من خصائصه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(وقال) القاضي عياض معناه ليس كأحدكم في السلامة من العذر لأنه إنما فعله للمشقة التي لحقته في آخر عمره من كبر سنه وحطم الناس وما كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليدع الأفضل لغير عذر اهـ وفيه نظر لأنه لا يبقى مع ذلك خصوصية له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأن غيره من ذوى الأعذار يكون أجره كاملًا أيضًا
(فقه الحديث) دل الحديث على أن من صلى قاعدًا يكون ثوابه على النصف من صلاته قائمًا. ومحل ذلك في النافلة مع القدرة على القيام كما عرفت، وعلى أن من علم حكمًا فوجد من هو أعلم منه يعمل على خلافه يطلب منه أن يسأله عن موجب فعله، وعلى أن المسئول ينبغي له أن يجيب السائل بلطف، وعلى أن الله تعالى اختص نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بتكميل ثوابه في تلك الحالة
(والحديث) أخرجه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي
стр. 1782
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ "صَلاَتُهُ قَائِمًا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِدًا وَصَلاَتُهُ قَاعِدًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاَتِهِ قَائِمًا وَصَلاَتُهُ نَائِمًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِدًا".
(ش) (مسدد) تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٤. وكذا في (يحيى) القطان صفحة ٢٤٨ و (حسين المعلم) في الجزء الثالث صفحة ١٠٦، و (عبد الله بن بريدة) في الثاني صفحة ١٢١ و (عمران بن حصين) في الرابع صفحة ٣٨
(قوله صلاته قائمًا أفضل من صلاته قاعدًا الخ) قيل إنه محمول على المتطوع وقيل على المفترض الذي تلحقه المشقة إذا صلى قائمًا بالنسبة للقعود وإذا صلى مضطجعًا بالنسبة للقعود
(قال الخطابي) كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به صلاة التطوع "يعني للقادر" لكن قوله وصلاته نائمًا يفسده لأن المضطجع لا يصلي التطوع كما يفعل القاعد لأني لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في ذلك فإن صحت هذه اللفظة "يعني قوله وصلاته نائمًا" ولم يكن بعض الرواة أدرجها قياسًا منه للمضطجع على القاعد كما يتطوع المسافر علي راحلته فالتطوع للقادرعلى القعود مضطجعًا جائز بهذا الحديث
(وفي القياس نظر) لأن القعود شكل من أشكال الصلاة بخلاف الاضطجاع وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده اهـ ببعض تصرّف (وقال ابن بطال) وأما قوله وصلاته نائمًا على النصف من صلاته قاعدًا فلا يصح معناه عند العلماء لأنهم مجمعون أن النافلة لا يصليها القادر على القيام إيماء قال وإنما دخل الوهم على ناقل الحديث اهـ
(قال) العراقي أما نفي الخطابي وابن بطال للخلاف في صحة التطوع مضطجعًا للقادر فمردود فإن في مذهب الشافعية وجهين الأصح منهما الصحة وعند المالكية ثلاثة أوجه حكاها القاضي عياض في الإكمال
(أحدها) الجواز مطلقًا في الاضطرار والاختيار للصحيح والمريض وقد روى الترمذي بإسناده عن الحسن البصري جوازه فكيف يدعي مع هذا الخلاف القديم والحديث الاتفاق اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على أن من جهل حكمًا يطلب منه أن يسأل عنه العارف به. وعلى جواز الصلاة علي الجنب مع القدرة علي الجلوس وقد علمت ما فيه
(والحديث) أخرجه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح
стр. 1783
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ نَا وَكِيعٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ كَانَ بِيَ النَّاصُورُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ".
(ش) (رجال الحديث) (وكيع) تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٢. و (إبراهيم بن طهمان) بن شعبة أبى سعيد الخراساني سكن مكة إلى أن مات بها. روى عن عبد العزيز بن صهيب وأبى إسحاق السبيعي وأبي إسحاق الشيباني والأعمش وجماعة. وعنه ابن المبارك وأبو عامر العقدى وحفص بن عبد الله ومحمد بن سنان وآخرون. وثقه أحمد وأبو داود وأبو حاتم وقال صدوق حسن الحديث وقال عثمان بن سعيد الدارمي كان ثقة في الحديث لم تزل الأئمة يشتهون حديثه ويرغبون فيه ويوثقونه وقال صالح بن محمَّد ثقة حسن الحديث يميل شيئًا إلى الإرجاء في الإيمان حديثه إلى الناس جيد الرواية وقال ابن حبان روى أحاديث مستقيمة تشبه أحاديث الأثبات وقد تفرّد عن الأثبات بأشياء معضلات وقال في التقريب ثقة يغرب وتكلم في الإرجاء ويقال رجع عنه من السابعة. مات سنة ثمان وستين ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان بي الناصور) وفي نسخة الباسور وفي رواية البخاري كانت بي بواسير. والناصور بالنون والصاد المهملة ويقال ناسور بالسين المهملة علة تحدث في ماقي العين وقد يحدث حوالى المقعدة وهو المراد هنا. والباسور بالموحدة علة تحدث في المقعدة وفي داخل الأنف أيضًا
(قوله فسألت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أي سألته عن صلاتي فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلّ قائمًا فإن لم تستطع الصلاة قائمًا فصلّ قاعدًا
(واستدلّ) به على أن المريض لا ينتقل إلى القعود إلا بعد تحقق العجز عن القيام وهو الذي حكاه القاضي عياض عن الشافعي فلو كان قادرًا على القيام بمشقة لا يجوز له القعود (وقالت) الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة عدم الاستطاعة أعمّ من تحقق العجز فتشمل حصول مشقة شديدة أو حدوث مرض أو زيادته أو بطء برئه. ومن المشقة الشديدة دوران الرأس في حق راكب نحو سفينة لو صلى قائمًا فيها
(قال النووي) لو جلس الغزاة في مكمن ولو قاموا لرآهم العدو وفسد التدبير فلهم الصلاة قعودًا وتجب الإعادة لندوره اهـ ومن المشقة أيضًا خوف الغرق كما رواه الدارقطني عن ابن عمر قال سئل النبي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كيف أصلي في السفينة قال صلّ فيها قائمًا إلا أن تخاف الغرق
(وكيفما) قعد المصلي أجزأه (واختلفوا) في الأفضل من هيئات القعود فقال أبو حنيفة والمزني وزفز الافتراش أفضل (وقال)
стр. 1784
مالك والثررى وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد التربيع أفضل وهو رواية البويطي عن الشافعي قالوا لأن التربيع بدل عن القيام والقيام يخالف قعود الصلاة فينبغي أن يكون القعود الذي هو بدل عن القيام مخالفًا لقعدات الصلاة
(قوله فإن لم تستطع فعلى جنب) أي الأيمن كما صرّح به في رواية الدارقطني عَن عليّ فلو قدم الأيسر على الأيمن جاز مع الكراهة (وبه قالت) المالكية والشافعية هو الحنابلة فإن لم يستطع على جنبيه صلى مستلقيًا على ظهره ورجلاه إلى القبلة كما صرّح به في رواية الدارقطني أيضًا عن عليّ وبه قالت الشافعية وقالوا إن الترتيب بين الجنبين والظهر واجب فلو صلى على طهره مع القدرة على الصلاة على أحد جنبيه لم تصح صلاته
(وقالت) المالكية والحنابلة إن الترتيب بين الظهر والجنب مستحب فلو صلى على ظهره مع القدرة على الصلاة على أحد جنبيه صحت مع الكراهة "قالوا" وقدم الجنب لأنه يكون مستقبل القبلة حينئذ. بجميع بدنه بخلاف الاستلقاء فإنه يستقبل القبلة برجليه
(وقالت الحنفية) إن تعذّر القعود صلى مستلقيًا عل ظهره أو عل جنبه والاستلقاء أفضل لأن إشارة المستلقى تقع إلى هواء الكعبة وهو قبلة إلى عنان السماء وإشارة المضطجع على الجنب تقع إلى جانب قدميه وبه لا تتأدى الصلاة إذ هو ليس بقبلة. وإن صلى على هيئة من الهيئات المذكورة وقدر على الركوع والسجود أو على أحدهما لزمه الإتيان بهما أو بما قدر عليه منهما وإلا أومأ وجعل إيماءه إلى السجود أخفض من إيمائه إلى الركوع
(زادت المالكية) فإن لم يقدر على ظهره فعلى بطنه ورأسه للقبلة وجعلوا الترتيب بينهما واجبًا فلو قدم بطنه على ظهره بطلت صلاته
(واختلف) فيمن عجز عما ذكر من هذه المراتب (فذهب) جماعة من الشافعية إلى أنه ينتقل إلى الإيماء بالرأس ثم إلى الإيماء بالطرف ثم إجراء القرآن والذكر على اللسان ثم إجراؤهما على القلب وجعلوا مناط التكليف بالصلاة حضور العقل فمتى كان حاضرًا لا تسقط عنه الصلاة ويأتي بما يستطيعه لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث مسلم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم (وبهذا قالت) الحنابلة وجماعة من المالكية
(وقالت) الحنفية وبعض الشافعية إن عجز عن الاستلقاء على الظهر سقطت عنه الصلاة وهو اختيار ابن عبد السلام وجماعة من المالكية
(فقه الحديث) دلّ الحديث على عظم شأن الصلاة، وعلى أن المكلف ملزم بأدائها على حسب استطاعته، وعلى رفع الحرج عن هذه الأمة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نَا زُهَيْرٌ نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِى شَيْءٍ
стр. 1785
مِنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ جَالِسًا قَطُّ حَتَّى دَخَلَ فِى السِّنِّ فَكَانَ يَجْلِسُ فِيهَا فَيَقْرَأُ حَتَّى إِذَا بَقِيَ أَرْبَعُونَ أَوْ ثَلاَثُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ سَجَدَ.
(ش) (أحمد بن عبد الله بن يونس) و (زهير) بن معاوية تقدما في الجزء الأول صفحة ١١٢. وكذا (عروة) بن الزبير صفحة ٧٢
(قوله قط) بضم الطاء مشددة ظرف لما مضى من الزمان
(قوله حتى دخل في السن) تعني كبر وفي رواية البخاري ما رأيت النبي ﷺ يقرأ في شيء في صلاة الليل جالسًا حتى إذا كبر قرأ جالسًا
(قوله حتى إذا بقى أربعون أو ثلاثون الخ) هكذا بالواو. وفي أكثر النسخ أربعين بالياء. وهي غير موافقة للقواعد ويمكن على بعد تصحيحها بأن تكون على تقدير حتى إذا بقي ما قدار أربعين أو ثلاثين آية ويؤيده ما في رواية البخاري فإذا بقى من قراءته نحو من ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم ثم ركع ثم سجد وقوله ثم سجد المراد به الركوع. وفي رواية للبخاري حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم يركع
(وفي هذا دليل) على جواز جعل بعض الركعة الواحدة من قعود وبعضها من قيام. وبذلك قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وكثير من العلماء وقالوا سواء أقعد ثم قام أم قام ثم قعد
(قال النووي) حكى القاضي عن أبي يوسف ومحمد كراهة القعود بعد القيام. ولو نوى القيام ثم أراد أن يجلس جاز عندنا وعند الجمهور (وجوّزه) من المالكية ابن القاسم ومنعه أشهب اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مزيد علوّ همة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في طاعة الله ، وعلى جواز الجمع بين القيام والقعود في الركعة الواحدة من النافلة. وعلى أنه ينبغي للإنسان أن يسلك في العبادة المسلك الأعلى ولا يتركه إلا عند العجز عنه تأسيًا بالنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(والحديث) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ وَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاَثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ يَفْعَلُ فِى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ.
стр. 1786
(ش) (القعنبي) تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٢. و (أبو النضر) سالم بن أبي أمية في الثاني صفحة ٢٦٠ وهذه الرواية أخرجها البخاري ومسلم والنسائي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
(ش) وفي بعض النسخ روى علقمة الخ وأتى به المصنف لتقوية الحديث. وهذا التعليق وصله سلم قال حدثنا ابن نمير حدثنا محمَّد بن بشر حدثنا محمَّد بن عمرو قال حدثنا محمَّد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص قال قلت لعائشة كيف كان يصنع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الركعتين وهو جالس قالت كان يقرأ فيهما فإذا أراد أن يركع قام فركع اهـ وظاهره أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يتمّ القراءة وهو جالس ثم يقوم فيركع. وحديث الباب صريح في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ جالسًا حتى إذا بقي قدر ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأها ثم ركع. ولعل هذا هو السرّ في قول المصنف في التعليق نحوه. هذا و (علقمة بن وقاص) هو ابن محصن بن كلدة المدني. روى عن عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب وابنه ومعاوية. وعنه الزهري وعمرو بن يحيى وابن أبي ملكية ويحيى بن النضر. وثقه النسائي وابن حبان وقال ابن سعد كان قليل الحديث. توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ وَأَيُّوبَ يُحَدِّثَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا.
(ش) (أيوب) السختياني تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٥٧
(قوله هذا صلى قائمًا ركع الخ) استدلّ به أشهب من المالكية وبعض الحنفية على أن من افتتح صلاة النافلة قائمًا يركع قائمًا ومن افتتحها قاعدًا يركع قاعدًا وقالوا لا يجوز خلاف ذلك (لكن) حديث الباب المتقدم يردّ عليهم وهو لا ينافي هذا الحديث لأنه ﵌ فعل تبعًا للقوة. وعدمها (قال ابن خزيمة) لا مخالفة عندي بين الخبرين لأن رواية عبد الله بن شقيق محمولة على ما إذا قرأ جميع القراءة قاعدًا أو قائمًا ورواية هشام بن عروة "يعني حديث عائشة المتقدم" محموله على ما إذا قرأ بعضها قائمًا اهـ
стр. 1787
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِى رَكْعَةٍ قَالَتِ الْمُفَصَّلَ. قَالَ قُلْتُ فَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا قَالَتْ حِينَ حَطَمَهُ النَّاسُ.
(ش) (كهمس بن الحسن) تقدم في الجزء الرابع صفحة ٢٢٨
(قوله يقرأ السور الخ) بصيغة الجمع أي أكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ في الركعة الواحدة سورًا متعددة. وفي بعض النسخ يقرأ السورة بالإفراد أي هل كان يقرأ السورة الواحدة في ركعة. والنسخة الأولى أولى لما رواه البيهقي من طريق يزيد بن زريع عن الجريري عن عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة هل كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرن بين السور قالت من المفصل وكذا أخرجه الطحاوي من طريق عثمان بن عمر. وفي رواية للبيهقي أيضًا كان يقرن بين السورتين
(قوله قالت المفصل) بنصب المفصل على نزع الخافض أي كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ السور أو السورة من المفصل
(وتقدم) بيان أوله ووسطه وآخره وافيًا في باب قدر القراءة في المغرب
(قوله حين حطمه الناس) هكذا بالنون في أكثر النسخ أي أثقلوه بأعمالهم وكثرة مصالحهم. والحطم كسر الشيء
(قال في النهاية) وفي حديث عائشة بعد ما حطمه الناس وفي رواية بعد ما حطموه يقال حطم فلان أهله إذا كبر فيهم كأنهم بما حملوه من أثقالهم صيروه شيخًا محطومًا اهـ
وفي بعض النسخ حين حطمه العباس بالباء الموحدة أي التعب والشدة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة من النافلة سورة أو أكثر من المفصل، وعلى أنه إذا ضعف عن القيام يصلي جالسًا (والحديث) أخرجه مسلم
(باب كيف الجلوس في التشهد)
وفي بعض النسخ تفريع أبواب التشهد باب كيف الجلوس في التشهد. وذكر في الباب حديث وائل ابن حجر وتقدم شرحه في باب رفع اليدين وأعاده هنا لمناسبة الكلام على هيئة الجلوس في التشهد
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ قُلْتُ لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 1788
كَيْفَ يُصَلِّي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا بِأُذُنَيْهِ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ -قَالَ- ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ وَحَلَّقَ حَلَقَةً وَرَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا وَحَلَّقَ بِشْرٌ الإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ.
(ش) (قوله ثم جلس فافترش رجله اليسرى) يعني في التشهد وظاهره عدم الفرق بين التشهد الأول والثاني لإطلاقه
(وإلى ذلك) ذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري والهادي والقاسم والمؤيد بالله محتجين بحديث الباب
(وبما رواه) أحمد عن رفاعة بن رافع أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال للأعرابي فإذا جلست فاجلس رجلك اليسرى
(وبما رواه) الترمذي عن أبي حميد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جلس "يعني للتشهد" فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته
(وبما رواه) أحمد ومسلم عن عائشة وفيه كان يفترش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى (ووجه استدلالهم) بهذه الأحاديث أن رواتها ذكروها لبيان صفة الجلوس في التشهد ولم يقيدوه بالأول واقتصارهم عليها مشعر بأنها هي الهيئة المشروعة في التشهدين جميعًا ولوكانت مختصة بالأول لذكروا صفة الجلوس في التشهد الأخير
(قوله وحدّ مرفقة الخ) بالرفع على الابتداء وخبره قوله على فخذه والجملة حالية، ويحتمل أن حدّ فعل ماض يعني رفع موفقه عن فخذه. وتقدم تمام الكلام على ذلك في باب افتتاح الصلاة
(تنبيه) يوجد في نسخة بعد هذا الحديث خمس روايات من غير رواية اللؤلؤي. ولذا لم يذكرها المنذري في مختصره ولم توجد في سائر النسخ وقد نسبها العيني في شرح البخاري في باب بيان سنة الجلوس في التشهد إلى أبي داود
(الأولى) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بْنِ عُمَرَ قَالَ سُنَّةُ الصَّلاَةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِىَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى.
وهذه الرواية أخرجها مالك في الموطأ والبخاري واللفظ قال حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عبد الله أنه أخبره أنه كان يرى عبد الله بن عمر ﵄ يتربع في الصلاة إذا جلس ففعلته وأنا يومئذ حديث السنّ فنهاني عبد الله بن عمر وقال إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى فقلت إنك تفعل ذلك فقال
стр. 1789
إن رجليّ لا تحملان
(قال الحافظ) قوله أنه أخبره صريح في أن عبد الرحمن بن القاسم حمله عن عبد الله بن عبد الله بلا واسطة وفي رواية معن وغيره عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أييه عن عبد الله بن عبد الله فكأن عبد الرحمن سمعه من أبيه عن عبد الله ثم لقيه أوسمعه منه مع أبيه وثبته فيه أبوه اهـ
(قوله وتثني رجلك اليسرى) لم يبين في هذه الرواية ما يصنع بعد ثنيها هل يجلس فوقها أو يتورّك. ووقع في رواية النسائي من طريق يحيى بن سعيد أن القاسم حدّثه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى
(فتبين) من رواية القاسم ما أجمل في رواية ابن عبد الرحمن "وهذه أقوى مما رواه مالك عن يحيى بن سعيد" أن القاسم بن محمَّد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ثم، قال أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر وحدثنى أن أباه كان يفعل ذلك "للتصريح في الأولى" بأنة من السنة المقتضية بالرفع بخلاف هذه فإنها من عمل ابن عمر
(ويمكن الجمع) بين الروايتين يحمل رواية النسائي على الجلوس في التشهد الأول ورواية مالك على الجلوس في التشهد الأخير
(الثانية) حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ -هو عبيد الله- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يَقُولُ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ مِنْ سُنَّةِ الصَّلاَةِ أَنْ تُضْجِعَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى وَتَنْصِبَ الْيُمْنَى.
"وهذه الرواية" أخرجها النسائي من طريق الليث عن يحيى بن سعيد وأخرجها الدارقطني من طريق المؤلف ومن طرق أخرى عن ابن عمر قال سنة الصلاة أن تفترش اليسرى وتنصب اليمنى قال الدارقطني هذه كما صحاح
(الثالثة) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ يَحْيَى بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى أَيْضًا مِنَ السُّنَّةِ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ.
(الرابعة) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمُ الْجُلُوسَ فِى التَّشَهُّدِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وهذه الرواية أخرجها مالك في الموطأ بلفظ تقدم وأخرجها الطحاوي
(الخامسة) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ -يعني ابن يزيد النخعي- قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِى الصَّلاَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى اسْوَدَّ ظَهْرُ قَدَمِهِ. وفي نسخة حتى أشوى ظهر قدمه
(وهذه الرواية) مرسلة ذكرها المزّي في كتاب المراسيل من رواية المصنف
(باب من ذكر التورّك في الرابعة)
أي في بيان مستند من ذكر التورّك في الجلسة للتشهد في الركعة الرابعة
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ يَعْنِي ابْنَ
стр. 1790
جَعْفَرٍ ح وَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ -يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ سَمِعْتُهُ فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -وَقَالَ أَحْمَدُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ- قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالُوا فَاعْرِضْ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ إِذَا سَجَدَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِى فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ. زَادَ أَحْمَدُ قَالُوا صَدَقْتَ هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي وَلَمْ يَذْكُرَا فِي حَدِيثِهِمَا الْجُلُوسَ فِي الثِّنْتَيْنِ كَيْفَ جَلَسَ
(ش) (يحيى) القطان. و (وأبو حميد الساعدي) تقدم في الجزء الرابع صفحة ٧٣ و (أبو قتادة) هو الحارث بن ربعي في الأول صفحة ١٢٠
(قوله فأعرض) بهمزة وصل من باب ضرب أي أظهر ما عندك من العلم
(قوله حتى إذا كانت السجدة الخ) أي السجدة التي في آخر الركعة والمراد الجلسة الأخيرة للتشهد الذي يعقبه السلام وعبر عنها بالسجدة لمجاورتها لها. وقوله أخر رجله اليسرى الخ يعني أخرجه من تحت ساق رجله اليمنى وقعد متورّكًا. والتورّك أن يجلس على ألييه مفضيا بوركه اليسرى إلى الأرض غير جالس على رجليه أو إحداهما وينصب قدمه اليمنى ويخرج اليسرى من تحتها. وروى ابن الزبير في تفسيره وجهًا آخر فقال إنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ويفرش قدمه اليمنى اهـ.
ويعنى بفرش قدمه اليمنى أن يجعل ظهرها إلى الأرض من غير جلوس عليها ولا ناصب لها
(قوله ولم يذكرا في حديثما الخ) من كلام المصنف يعني لم يذكر أحمد ومسدد في روايتهما كيفية الجلوس في التشهد الأول. وهذا الحديث تقدم ذكره مطوّلا في "باب افتتاح الصلاة"
следующие страницы →