Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
في السجود مع الجبهة فلا تستلزم أن يكونا عضوا واحدا حقيقة بحيث يكتفي بأحدهما كما يكتفي بوضع جزء من العضو الحقيقى (وما استدل) به الجمهور من الأحاديث قد علمت أنها ضعيفة وعلى تقدير صحتها فهى غير منافية للأحاديث المصرحة بالأنف مع الجبهة لأنها زيادة من ثقة فتقبل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرج أحمد نحوه وكذا البخارى عن أبى سلمة قال انطلقت إلى أبى سعيد الخدرى فقلت ألا تخرج بنا إلى النخل نتحدّث فخرج قال قلت حدثني ما سمعت من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ليلة القدر قال اعتكف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم العشر الأول من رمضان واعتكفنا معه فأتاه جبريل فقال إن الذى تطلب أمامك فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه فأتاه جبريل فقال إن الذى تطلب أمامك فقام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خطيبا صبيحة عشرين من رمضان فقال من كان اعتكف مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فليرجع فإني أريت ليلة القدر وإني نسيتها وإنها في العشر الأواخر في وتر وإنى رأيت كأني أسجد في طين وماء وكان سقف المسجد جريد النخل وما ترى في السماء شيئا فجاءت قزعة فأمطرنا فصلى بنا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأرنبته تصديق رؤياه
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ نَحْوَهُ
(ش) وفي بعض النسخ عن معمر عن يحيى نحوه أى روى معمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير نحو الحديث المتقدم. ولم نقف على من أخرج هذه الرواية
(باب صفة السجود)
وفي بعض النسخ "باب كيف السجود"
(ص) حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، نَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: وَصَفَ لَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ، وَقَالَ: «هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَسْجُدُ»
(ش) (شريك) بن عبد الله النخعى تقدم في الجزء الأول صفحة ١٦٤. و (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعى
(قوله وصف لنا البراء بن عازب الخ) أى وصف السجود كما صرّح به في رواية النسائى فوضع كفيه على الأرض واعتمد على ركبتيه أى اتكأ عليهما حال السجود
стр. 1717
ورفع عجيزته أى مؤخره والعجيزة المؤخر وهي خاصة بالمرأة فاستعيرت هنا للرجل
(قوله وقال هكذا الخ) أى قال البراء كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسجد مثل سجودى هذا (وأتى به) دليلا على ما فعله ليكون أدعي للقبول وفي رواية النسائى هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفعل (والحديث) أخرجه النسائى وابن أبي شيبة
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَفْتَرِشْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ»
(ش) (شعبة) بن الحجاج تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٢. وكذا (قتادة) بن دعامة صفحة ٣٤
(قوله اعتدلوا في السجود الخ) المراد توسطوا بين الافتراش والقبض ووضع الكفين على الأرض ورفع المرفقين عنها وعن الجنبين والبطن عن الفخذ ولا يفترش أى لا يبسط أحدكم ذراعيه على الأرض حال السجود كافتراش الكلب (وشبهه) بالكلب للتنفير من هذا الفعل (والنهى) فيه محمول على الكراهة فلو افترش ذراعيه صحت صلاته وأساء (قال) القرطبى لا شك في كراهة هذه الهيئات ولا في استحباب نقيضها اهـ (والحكمة) في النهى عن ذلك أن رفع ذراعيه عن الأرض أقرب إلى التواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض في السجود وأبعد عن هيئات الكسالى فإن الباسط يشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى والترمذى وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سعيد، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَجَدَ، جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّت»
(ش) (رجال الحديث) (سفيان) في عيينة. و (عبيد الله بن عبد الله) بن الأصم العامرى. روى عن عمه يزيد. وعنه مروان بن معاوية وابن عيينة وعبد الواحد بن زياد. ذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب مقبول من السادسة. روى له مسلم والنسائى وأبو داود وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله حتى لو أن بهمة الخ) مبالغة في تباعد يديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الأرض. والبهمة بفتح الموحدة وسكون الهاء ولد الضأن وتقدم بيانها
стр. 1718
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم من طريق سفيان ومن طريق مروان الفزارى وأخرجه النسائى وابن ماجه والحاكم والطبراني
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، الَّذِي يُحَدِّثُ بِالتَّفْسِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مِنْ خَلْفِهِ، فَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبِطَيْهِ وَهُوَ مُجَخٍّ، قَدْ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ»
(ش) (رجال الحديث) (زهير) بن معاوية. و (التميمي) هو أربدة بسكون الراء بعدها موحدة مكسورة ويقال أربد بدون هاء. روى عن ابن عباس. وعنه ابو إسحاق السبيعى. قال العجلى تابعى ثقة وقال في التقريب صدوق من الثالثة وقال ابن البرقى مجهول
(معنى الحديث)
(قوله فرأيت بياض إبطيه) تثنية إبط بسكون الموحدة وقد تكسر (واستدل) بعضهم بهذا الحديث ونحوه على أن بياض إبطي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان حقيقيا كبقية الجسم ولم ينبت فيه شعر وهو من خصائصه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (ونازعهم) العراقى بأن ذلك لم يثبت ولم يرد فيه شيء معتمد والخصائص لا تثبت بالاحتمال. وبأن الإبط إذا نتف شعره بقى مكان الشعر أبيض وإن بقى فيه أثر الشعر اهـ ويؤيده ما أخرجه الترمذى وحسنه عن عبد الله الأقرع الخزاعى وفيه قال فكنت أنظر إلى عفرتي إبطيه إذا سجد أرى بياضه "والعفرة بياض ليس بالناصع كلون عفرة الأرض أى وجهها" وهو يدل على أن أثر الشعر هو الذى جعل المحل أعفر إذ لو خلا عنه جملة لم يكن أعفر، نعم الذى ينبغى أن يعتقد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكن لإبطيه رائحة كريهة وهذا مع وجود الشعر أبلغ في الكرامة كما هو ظاهر. ولعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن عليه رداء أو كان صغيرا فانكشفت إبطاه
(قوله وهو مجخ قد فرج بين يديه) وفى نسخة وهو مجخ قد فرّج يديه أى وهو مفرّج عضديه عن جنبيه وهو اسم فاعل من جخى بالألف إذا فتح عضديه عن جنبيه وجافاهما
(من أخرّج الحديث أيضا) أخرجه البزار
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، نَا الْحَسَنُ، نَا أَحْمَرُ بْنُ جَزْءٍ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا سَجَدَ، جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، حَتَّى نَأْوِيَ لَهُ»
стр. 1719
(ش) (رجال الحديث) (عباد بن راشد) البصرى البزار التميمي مولاهم. روى عن الحسن البصرى وثابت البناني وقتادة وداود بن أبي هند. وعنه ابن المبارك وابن مهدى ووكيع وآخرون. قال أحمد ثقة صادق ووثقه العجلى وأبو بكر البزار وقال الساجى صدوق وقال النسائى ليس بالقوى وضعفه ابن معين وأبو داود وقال ابن حبان كان ممن يأتي بالمناكير عن المشاهير حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد فبطل الاحتجاج به. روى له البخارى وأبو داود والنسائى وابن ماجه. و (أحمر بن جزء) ويقال ابن شهاب بن جزء بن ثعلبة بن زيد بن مالك بن سنان. روى عنه الحسن البصرى. وجزء بفتح الجيم وسكون الزاى بعدها همزة. وضبطه بعضهم بفتح الجيم وكسر الزاى بعدها مثناة تحتية. روى له أبو داود وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله حتى نأوى له) أي نرقّ له ونترحم عليه مما يحصل له من المشقة حال سجوده من أجل مبالغته في التجافي حال السجود صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه وأحمد والترمذى والطحاوى وكذا أخرجه أبو بكر بن أبى شيبة عن وكيع عن عباد بن راشد عن الحسن عن أحمر صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن كنا لنأوى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مما يجافي فخذيه عن جنبيه إذا سجد
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَفْتَرِشْ يَدَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ، وَلْيَضُمَّ فَخْذَيْهِ»
(ش) (رجال الحديث) (ابن وهب) عبد الله تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٢٥. و (درّاج) بتشديد الراء آخره جيم هو ابن سمعان أبو السمح القرشى المصرى السهمى. روى عن عبد الرحمن بن حجيرة وعيسى بن هلال وعبد الله بن الحارث وآخرين. وعنه عمرو بن الحارث والليث بن سعد وسالم بن غيلان وحيوة بن شريح وجماعة. قال أحمد والنسائى منكر الحديث وقال ابن عدى عامة الأحاديث التي أمليتها عن درّاج مما لا يتابع عليها وضعفه الدارقطني وأبو حاتم. توفي سنة ست وعشرين ومائة روى له. أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه والبخارى في الأدب. و (ابن حجيرة) بالتصغير الأكبر هو عبد الرحمن الخولانى المصرى أبو عبد الله. روى عن أبي هريرة وأبى ذرّ وابن مسعود وعقبة بن عامر. وعنه ابنه عبد الله وعبد الله بن ثعلبة وزهرة بن معبد والحارث ابن يزيد. وثقه النسائى والدارقطني والعجلى وقال في التقريب ثقة من الثالثة. توفي سنة ثلاث
стр. 1720
وثمانين. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذى
(معنى الحديث)
(قوله وليضمّ فخذيه) هو محمول على الندب لما تقدم في بعض روايات حديث أبى حميد في صفة صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفيها وإذا سجد فرّج بين فخذيه وهو لبيان الجواز فلا تنافي بينهما. وما ذكر من ضمّ الفخذين يستوى فيه الرجل والمرأة بخلاف التجافي في السجود فإنه في حق الرجل وأما المرأة فتضم بعضها إلى بعض لما رواه أبو داود في المراسيل عن يزيد بن أبي حبيب أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرّ على امرأتين تصليان فقال إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض فإن المرأة في ذلك ليست كالرجل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن خزيمة
(باب الرخصة في ذلك)
أى في عدم تفريج اليدين عن الجنبين حال السجود . وفي نسخة باب الرخصة في ذلك للضرورة
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اشْتَكَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ إلى النبي صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ إِذَا انْفَرَجُوا، فَقَالَ: «اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ»
(ش) (سمى) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن
(قوله اشتكى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى اشتكوا تعب السجود عليهم إذا باعدوا أيديهما عن جنوبهم ورفعوا بطونهم عن أفخاذهم فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم استعينوا إذا طال السجود عليكم بوضع مرافقكم على ركبكم (قال الحاكم) في روايته قال ابن عجلان وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعياه اهـ (وقال النووى) قال صاحب التتمة إذا طول السجود ولحقه المشقة بالاعتماد على كفيه وضع ساعديه على ركبته لحديث سمى اهـ فإذا وضع المصلى مرفقيه على ركبتيه لم يكن مجافيا كثيرا بين اليدين عن الجنبين ولا بين البطن والفخذين (وفي هذا دلالة) على جواز ترك التجافي حال السجود للضرورة فيكون قرينة صارفه للأحاديث المتقدمة في تفريجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الوجوب إلى الندب. وكذا هو صارف لحديث مسلم عن البراء عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الحاكم والبيهقي وابن خزيمة والترمذى وقال هذا حديث لا نعرفه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا من
стр. 1721
هذا الوجه من حديث الليث عن ابن عجلان وقد روى هذا الحديث سفيان بن عيينة وغير واحد عن سميّ عن النعمان بن أبي عياش عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نحو هذا وكأن رواية هؤلاء أصح من رواية الليث
(باب التخصر والإقعاء)
وفي بعض النسخ باب في التخصر والإقعاء أى في بيان حكم التخصر. وهو وضع اليد على الخاصرة. والمناسب حذف لفظ الإقعاء من الترجمة لأنه لم يذكر في الحديث. وتقدم بيانه
(ص) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ صَبِيحٍ الْحَنَفِيِّ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى خَاصِرَتَيَّ، فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: «هَذَا الصَّلْبُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهُ»
(ش) (رجال الحديث) (وكيع) بن الجراح تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٢ و (سعيد بن زياد) الشيباني المكي، روى عن زياد بن صبيح. وعنه خالد بن الحارث وسفيان ابن حبيب ووكيع ويزيد بن هارون. وثقه ابن معين والعجلى وقال النسائى ليس به بأس وقال الدارقطني يعتبر به ولا يحتج به لا أعرف له إلا حديث التصليب وقال في التقريب مقبول من الثالثة. و (زياد بن صبيح) بالتصغير (الحنفى) المكي. روى عن ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير. وعنه منصور بن المعتمر والأعمش والمغيرة وسعيد بن زياد. وثقه النسائى والعجلى وإسحاق بن راهويه وقال في التقريب مقبول من الرابعة
(معنى الحديث)
(قوله فوضعت يديّ على خاصرتي) بالتثنية وقوله خاصرتي تثنية خاصرة. وهي من الإنسان وسطه المستدق فوق الوركين
(قوله هذا الصلب في الصلاة الخ) يعني وضع اليدين على الخاصرتين في الصلاة حالة القيام شبيه بالمصلوب فإن المصلوب يمدّ يديه على الجذع وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينهى عن التخصر الشبيه بالصلب (وفيه دلالة) على منع وضع اليدين على الخاصرتين في الصلاة (واختلف) في حكمه فذهب أهل الظاهر إلى تحريمه حملا للنهى على حقيقته (وذهب) ابن عباس وعائشة ومجاهد وإبراهيم النخعى ومالك والشافعى والحنفية والحنابلة وغيرهم إلى الكراهة (قال في النيل) والظاهر ما ذهب إليه أهل الظاهر لعدم قيام قرينة تصرف النهى عن التحريم الذى هو معناه الحقيقي اهـ وقال الترمذى وكره بعضهم أن يمشى الرجل مختصرا. ويروى أن إبليس إذا مشى مشى مختصرا اهـ
стр. 1722
(باب البكاء في الصلاة)
وفي بعض النسخ "باب في البكاء في الصلاة"
(ص) حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، نَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ، نَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ الْبُكَاءِ
(ش) (رجال الحديث) (عبد الرحمن بن محمد بن سلام) بتشديد اللام ابن ناصح أبو القاسم البغدادى مولى بني هاشم. روى عن أبي داود الطيالسى وزيد بن الحباب وإسحاق الأزرق وعبد الصمد بن عبد الوارث وآخرين. وعنه أبو داود والنسائى وأبو حاتم وحرب بن إسماعيل وجماعة. وثقه الدارقطنى والنسائى وقال في التقريب لا بأس به من الحادية عشرة و (ثابت) البناني تقدم في الجزء الثاني صفحة ٢٤٥
(قوله عن أبيه) هو عبد الله بن الشخير
(معنى الحديث)
(قوله وفي صدره أزيز الخ) وفي نسخة ورواية أحمد والنسائى وفي صدره أزيز كأزيز المرجل. والأزيز بفتح الهمزة الصوت. والمرجل القدر
(قوله من البكاء) بيان لسبب الأزيز والبكاء بالمد خروج الدمع مع الصوت (وفيه دلالة) علي جواز البكاء في الصلاة وأنه لا يبطلها. ويؤيده ما رواه ابن حبان بسنده إلى على بن أبي طالب قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تحت شجرة يصلى ويبكي حتى أصبح. وبوّب عليه ذكر الإباحة للمرء أن يبكي من خشية الله (وقد) اختلف فيه (فذهبت) الحنفية إلى أن البكاء غير مبطل للصلاة إذا كان من خشية الله تعالى أو لذكر الجنة والنار قالوا لأنه يدل على زيادة الخشوع وهو المقصود في الصلاة فكان بمعنى التسبيح والدعاء (واستدلوا) بحديث الباب. فإن كان البكاء لغير ذلك كأن كان لوجع أو مصيبة بطلت الصلاة لأن فيه إظهار الأسف والجزع فكأنه قال أعينوني فإني متوجع. والأنين والتأوّه كالبكاء عندهم (وعن أبي يوسف) أن هذا التفصيل إذا كان البكاء على أكثر من حرفين أو حرفين أصليين أما إذا كان على حرفين من حروف الزيادة أو أحدهما من حروف الزيادة والآخر أصلي فلا تفسد (وذهبت) المالكية إلي أن البكاء لخوف الله وللدار الآخرة غير مبطل للصلاة ولو بصوت وإن كان لغير ذلك فإن كان بلا صوت فيغتفر وإن كان بصوت فكالكلام فإن كان عمدا أبطل قليله وكثيره وإن كان سهوا أبطل كثيره دون يسيره (وقالوا) في التنهد إن كان غلبة فهو مغتفر
стр. 1723
وإن كان عمدا أو جهلا فبطل وإن كان سهوا يسجد غير المأموم (وقالوا) في الأنين إن كان لوجع لا يبطل الصلاة ولو بصوت ملحق بالكلام لأنه لضرورة (وذهبت) الشافعية إلى أنه إن ظهر من البكاء حرفان فبطل مطلقا سواء أكان لخشية الله تعالى أم لا (وقالت) الحنابلة إن كان لخشية الله تعالى فغير مبطل ظهر منه حرفان أم لا وإن كان لغيره فإن ظهر منه حرفان أبطل ما لم يكن غلبة وإلا فلا (والحديث) أخرجه أحمد والنسائى والترمذى
(باب كراهية الوسوسة وحديث النفس في الصلاة)
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، نَا هِشَامٌ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يَسْهُو فِيهِمَا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
(ش) (قوله من توضأ فأحسن وضوئه الخ) يعنى أتى به مستجمعا للشروط والأركان والسنن والآداب كما تقدم. وقوله لا يسهو فيهما أى لا يغفل عن شئ من أعمال الصلاة لاشتغال قلبه بأمور الدنيا بل يكون مقبلا على مناجاة ربه منقطعا عن جميع ما سواه في صلاته كلها فإذا فعل ذلك غفر له ما تقدم من ذنبه (قيل) ما خلا الكبائر وحقوق العباد "ولا يقال" إن الوساوس وأحاديث النفس غير اختيارية فكيف يتعلق بها الحكم "لأن وقوعها" في القلب غير اختيارى ولكن إبقاء سلسلتها وقطعها اختيارى وكذلك شغله في الصلاة وإقباله عليها اختيارى وهو يمنع وقوع الوساوس وحدوثها وتقدم بيانه في "باب صفة وضوء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ،
стр. 1724
وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ»
(ش) (أبو إدريس الخولاني) تقدم في الجزء الثانى صفحة ١٥٩، وكذا (جبير بن نفير) بالتصغير فيهما صفحة ١٥٥
(قوله يقبل بقلبه ووجهه عليهما) أى لا يشتغل قلبه بغيرها من الخواطر والوساوس ولا يلتفت بوجهه إلى غير جهة الصلاة
(قوله إلا وجبت له الجنة) أى ثبتت له (وهذا وعد) من الله تعالى ووعده لا يتخلف بشرط أن لا يوجد من العبد ما ينافيه وتقدم شرحه في "باب ما يقول الرجل إذا توضأ"
(تم الجزء الخامس)
(من المنهل العذب المورود. شرح سنن الإمام أبى داود)
(ويليه الجزء السادس وأوله)
(باب الفتح على الإمام في الصلاة)
стр. 1725
المنهل العذب المورود
«شرح سنن الإمام أبي داود»
تأليف
الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي
المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ
عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان
[الجزء السادس]
стр. 1726
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(باب الفتح على الإِمام في الصلاة)
أي في بيان جواز فتح المأموم على إمامه القراءة في الصلاة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِىُّ قَالاَ أَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ يَحْيَى الْكَاهِلِيِّ عَنِ الْمُسَوَّرِ بْنِ يَزِيدَ الْمَالِكِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَحْيَى وَرُبَّمَا قَالَ شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِى الصَّلاَةِ فَتَرَكَ شَيْئًا لَمْ يَقْرَأْهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَرَكْتَ آيَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "هَلاَّ أَذْكَرْتَنِيهَا". قَالَ سُلَيْمَانُ فِى حَدِيثِهِ قَالَ كُنْتُ أُرَاهَا نُسِخَتْ وَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ
(ش) (رجال الحديث) (يحيى) هو ابن كثير الأسدي الكوفي. روى عن المسور بن يزيد وصالح بن حبان. وعنه صالح بن إسحاق ومروان بن معاوية. وثقه ابن حبان وابن شاهين وضعفه النسائي وقال في التقريب لين الحديث من الخامسة. و (الكاهلى) نسبة إلى كاهلة قال أبو زياد من مياه عمرو بن كلاب. و (المسور) بكسر الميم وسكون السين المهملة وضبطه ابن ماكولا وعبد الغنى بن سعيد بضم الميم وفتح السين وفتح الواو مشدّدة (ابن يزيد) الأسدي (المالكي) قال البغوي من بني مالك له صحبة. روى عنه يحيى بن كثير الكاهلى روى له أبو داود
(معنى الحديث)
(قوله وربما قال شهدت إلخ) شك يحيى فيما سمعه من المسور أقال إن رسول الله
стр. 1727
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ أم قال شهدت رسول الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. والفرق بين العبارتين أن الثانية تفيد شهوده النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وسماعه منه فتثبت صحته بخلاف الأولى
(قوله هلا أذكرتنيها الخ) وفي نسخة هلا ذكرتنيها أي ذكرتنى الآية التي تركتها فقال الرجل ظننت أن تلك الآية المتروكة قد نسخت وما كنت أظنّ أنك نسيتها. وفي رواية ابن حبان فقال ظننت أنها نسخت فقال إنها لم تنسخ. وهذه الزيادة تفرّد بها سليمان بن عبد الرحمن. وفيه إشعار بأن الفتح على الإِمام كان معهودًا لهم. ويؤيده ما رواه الحاكم عن أنس قال كنا نفتح على الأئمة على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وفي هذ دلالة) على مشروعية فتح المأموم على الإِمام
(واختلف) في حكمه فذهب المنصور بالله إلى وجوبه
(وذهبت) العترة إلى أنه مستحب وبه قال عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن عمر وعطاء والحسن وابن سيرين ونافع ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وكذا الحنفية
(وقالوا) ينوى الفتح على الإِمام ولا ينوى القراءة على الصحيح لأن الفتح مرخص فيه والقراءة منهىّ عنها.
وقيل إن قرأ الإِمام القدر المجزئَ في الصلاة لا يفتح عليه وإلا فتح. وقيل إن انتقل الإِمام إلى آية أخرى ففتح عليه المأموم تفسد صلاته وكذا صلاة الإِمام إن أخذ بقوله
(ومحل) استحباب الفتح على الإِمام إذا كان في غير الفاتحة. أما إذا كان فيها فيكون واجبًا
(وأما الفتح) على غير الإِمام سواء أكان ذلك الغير مصليا أم تاليا وسواء أكان المصلى معه في تلك الصلاة أم في أخرى
(فقالت) الحنفية إنه مبطل للصلاة إلا إذا قصد به التلاوة
(وقالت) المالكية بالبطلان أيضًا قصد التلاوة أم لا (وقالوا) إذا فتح مأموم على مأموم آخر فيه خلاف والأصح البطلان
(وقالت) الحنابلة الفتح على غير الإِمام مكروه والصلاة صحيحة
(قوله وقال سليمان قال نا يحيى بن كثير) أي قال سليمان بن عبد الرحمن في روايته قال مروان حدثنا يحيى الخ فرواية سليمان بتحديث مروان عن يحيى ونسبة يحيى لأبيه وترك النسبة إلى القبيلة بخلاف رواية محمَّد بن العلاء فإنها بالعنعنة وبغير ذكر والد يحيى وفيها نسبته إلى قبيلته. وفي بعض النسخ
"قال سليمان قال نا يحيى بن كثير الأسدي قال حدثني المسور بن يزيد الأسدي المالكي" ففيها زيادة تحديث يحيى عن المسور أيضًا
(والحديث) أخرجه أحمد وابن حبان والأثرم
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ نَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاَءِ بْنِ زَبْرٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى صَلاَةً فَقَرَأَ فِيهَا فَلُبِسَ عَلَيْهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لأُبَيٍّ
стр. 1728
"أَصَلَّيْتَ مَعَنَا". قَالَ نَعَمْ. قَالَ "فَمَا مَنَعَكَ".
(ش) (رجال الحديث) (يزيد بن محمَّد) بن عبد الصمد بن عبد الله الهاشمي أبو القاسم (الدمشقي) روى عن علي بن عياش وأبى النضر وسليمان بن أبي إياس ومحمد بن المبارك وجماعة وعنه أبو داود والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم وكثيرون. قال النسائي صدوق ووثقه ابن أبي حاتم وابن يونس وقال في التقريب صدوق من الحادية عشرة. توفي سنة سبع وسبعين ومائتين و (هشام بن إسماعيل) بن يحيى بن سليمان بن عبد الرحمن الحنفي العطار أبو عبد الملك الدمشقي العابد. روى عن مروان بن محمَّد والوليد بن مسلم ومحمد بن شعيب بن شابور. وعنه البخاري وأبو مسعود الرازي وإبراهيم بن يعقوب وأبو زرعة وغيرهم. قال العجلي شيخ ليس ثقة صاحب سنة ولم يكن بدمشق أفضل منه ووثقه النسائي وقال في التقريب ثقة مقبول من العاشرة. مات سنة سبع عشرة ومائتين. روى له أبو داود والترمذي والنسائي. و (عبد الله بن العلاء بن زبر) بفتح الزاي وسكون الموحدة تقدم الموحدة تقدم في الجزء الثاني صفحة ٥٣
(معنى الحديث)
(قوله فلبس عليه) بضم اللام وكسر الموحدة المخففة من اللبس وهو الخلط كذا ضبطه المنذري. ويحتمل أن يكون بفتح اللام والباء الموحدة المخففة قاله ابن رسلان
(قوله فلما انصرف قال لأبيّ الخ) أي فلما خرج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الصلاة قال لأبي بن كعب أصليت معنا. وفي بعض الروايات أكنت معنا. وفي رواية ابن حبان فلما فرغ قال لأبيّ أشهدت معنا قال نعم قال فما منعك أن تفتح عليّ. وخص أبيا بالسؤال لأنه كان أقرأهم
(والحديث) أخرجه الحاكم وابن حبان
(باب النهى عن التلقين)
أي عن تلقين المأموم الإِمام القراءة في الصلاة
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِىُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "يَا عَلِيُّ لاَ تَفْتَحْ عَلَى الإِمَامِ في الصَّلاَةِ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْحَارِثِ إِلاَّ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا.
(ش) (رجال الحديث) (الحارث) هو ابن عبد الله الهمداني الأعور أبو زهير. روى عن ابن
стр. 1729
مسعود وعلي وزيد بن ثابت. وعنه أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي والشعبي وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن مرّة وجماعة. ضعفه الدارقطني وقال ابن عدي عامة ما يرويه غير محفوظ وقال ابن حبان كان غاليا في التشيع واهيا في الحديث وقال أبو حاتم ليس بالقوى ولا ممن يحتج بحديثه وقال أبو زرعة لا يحتج بحديثه وقال غير واحد إنه كذاب. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(معنى الحديث)
(قوله يا علي لا تفتح على الإِمام الخ) صريح في عدم جواز فتح المأموم على الإِمام. وهو حجة لزيد بن علي القائل بكراهة الفتح على الإِمام
(لكن) الحديث لا ينتهض للاحتجاج به لأنه من رواية الحارث الأعور وقد ضعفه غير واحد كما علمت وأبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الحارث كما ذكره المصنف فلا يقوى على معارضة الأحاديث الدالة على مشروعية الفتح: على أنه قد ورد عن علي موقوفًا إذا استطعمك الإِمام فأطعمه رواه أبو بكر بن أبي شيبة
(والحديث) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بلفظ يا على لا تفتحنّ على الإِمام في الصلاة (باب الالتفات في الصلاة)
باب الاِلْتِفَاتِ في الصَّلاَةِ
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ يُحَدِّثُنَا في مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "لاَ يَزَالُ الله مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ في صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ".
(ش) (رجال الحديث) (يونس) بن يزيد. و (أبو الأحوص) هو مولى بني ليث ويقال بني غفار قال النسائي لم نقف على اسمه ولا نعرفه ولا نعلم أن أحدًا روى عنه غير ابن شهاب الزهري. روى عن أبي ذرّ وأبى أيوب. قال ابن معين ليس بشئ وقال الحاكم ليس بالمتين عندهم وقال في التقريب مقبول من الثالثة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(معنى الحديث)
(قوله لا يزال الله مقبلًا على العبد الخ) أي بالرحمات والإحسان والغفران لا يقطع عنه ذلك ما لم يتعمد الالتفات في الصلاة بعنقه يمنه أو يسرة فإذا التفت قطع عنه ذلك الخير.
ومحل انقطاع الثواب عنه إذا التفت لغير حاجة أما إذا التفت لحاجة فلا ينقطع عنه الثواب. ويؤيده التفاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى من وراءه كما رواه الترمذي عن جابر قال اشتكى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى من وراءه كما رواه الترمذي عن جابر قال اشكى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد فالتفت إلينا وأشار بيده أن اجلسوا. والتفاته إلى الشعب كما سيأتي عن سهل ببن الحنظلية
стр. 1730
(وإلى جواز) الالتفات بعنقه في الصلاة وصدره إلى القبلة بدون كراهة إذا كان لحاجة وكراهته بدونها ذهبت الأئمة. أما لو التفت بجميع بدنه وتحوّل عن القبلة بطلت باتفاق وإن تحولّ بصدره بطلت عند الحنفية والشافعية.
ولا تبطل عند الحنابلة وكذا المالكية ما لم يكن في القبلة التي يضرّ فيها الانحراف اليسير كالمصلي إلى الكعبة فإن صلاته تبطل متى خرج عن سمتها بوجهه أو بشئ من بدنه ولو أصبعًا ولو بقيت رجلاه وبقي جسده لها
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَشْعَثِ -يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمٍ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْتِفَاتِ الرَّجُلِ في الصَّلاَةِ فَقَالَ "إِنَّمَا هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ".
(ش) (رجال الحديث) (أبو الأحوص) سلام بن سليم تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٤٠ و (الأشعث بن سليم) بن أسود الكوفي المحاربي. روى عن الأسود بن هلال والأسود بن يزيد ومعاوية بن سويد وعمرو بن ميمون وجماعة. وعنه شعبة وشريك وأبو الأحوص والثوري وزائدة وآخرون. وثقه النسائي وابن معين وأبو حاتم وأبو داود والبزّار وقال العجلي من ثقات شيوخ الكوفيين وليس بكثير الحديث. توفي سنة خمس وعشرين ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله فقال هو اختلاس الخ) وفي نسخة فقال إنما هو اختلاس الخ أي اختطاف يختطفه الشيطان من العبد. يقال خلست الشيء خلسًا من باب ضرب اختطفته بسرعة على غفلة واختلسته كذلك.
والمختلس هو الذي يختطف من غير غلبة ويهرب ولو مع معاينة الملك له بخلاف الناهب فإنه يأخذ بقوّة وقهر وبخلاف السارق فإنه يأخذ خفية ولما كان الشيطان قد يشغل المصلى عن صلاته بالالتفات إلى شيء مّا بغير حجة أشبه المختلس لأن المصلى إذا التفت في صلاته يظفر به الشطان في ذلك الوقت يشغله عن الصلاة فربما يغلط أو يسهو لعدم حضور قلبه باشتغاله بغير المقصود
(وقال الطيبي) سمى اختلاسًا لأن المصلي يقبل عليه الرب والشيطان مرتصد له ينتظر ذوات ذلك عليه فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة اهـ
(ويؤخذ) من الحديث ذمّ الالتفات في الصلاة وكراهته لكن محله ما لم يكن لحاجة كما تقدم
(وما يدل) على ذمّ الالتفات أيضًا ما رواه الترمذي عن أنس قال قال لي رسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة فإن كان لابدّ ففي التطوع لا في الفريضة
(وما رواه) أيضًا عن الحارث
стр. 1731
الأشعري بلفظ إن الله يأمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلفتوا فإن الله تعالى ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت
(وما رواه) أبو بكر بن أبي شيبة عن الحكم قال إن من تمام الصلاة أن لا تعرف من عن يمينك ولا من عن شمالك
(وفي رواية) عن عطاء قال سمعت أبا هريرة يقول إذا صليت فإن ربك أمامك وأنت مناجيه فلا تلتفت
(وقال عطاء) بلغني أن الرب يقول يا ابن آدم إلى من تلتفت أنا خير ممن تلتفت إليه
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري والنسائي وابن أبي شيبة وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي
باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ
(ص) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ نَا عِيسَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رُئِيَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَعَلَى أَرْنَبَتِهِ أَثَرُ طِينٍ مِنْ صَلاَةٍ صَلاَّهَا بِالنَّاسِ. قَالَ أَبُو عَلِىٍّ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَقْرَأْهُ أَبُو دَاوُدَ في الْعَرْضَةِ الرَّابِعَةِ.
(ش) تقدم هذا الحديث في (باب السجود على الأنف) والجبهة من طريق محمَّد بن المثنى نا صفوان بن عيسى نا معمر الخ. وقوله قال أبو على الخ أي قال أبو عليّ محمَّد بن عمر اللؤلؤي تلميذ المصنف هذا الحديث لم يثبته أبو داود في هذا الموضع في العرضة الأخيرة على أصحابه فإنه عرض النسخة عليهم أربع مرّات وتركه في المرّة الرابعة. ولعل وجه تركه إياه لأن ذكره هنا تكرار
(باب النظر في الصلاة)
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ح وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ -وَهَذَا حَدِيثُهُ وَهُوَ أَتَمُّ- عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ الطَّائِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -قَالَ عُثْمَانُ- قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسْجِدَ فَرَأَى فِيهِ نَاسًا يُصَلُّونَ رَافِعِى أَيْدِيهِمْ إِلَى السَّمَاءِ -ثُمَّ اتَّفَقَا- فَقَالَ "لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ يَشْخَصُونَ أَبْصَارَهُمْ
стр. 1732
إِلَى السَّمَاءِ -قَالَ مُسَدَّدٌ في الصَّلاَةِ- أَوْ لاَ تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ".
(ش) (أبو معاوية) محمَّد بن خازم الضرير تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٦. وكذا (جرير) بن عبد الحميد صفحة ٨٤. وكذا (الأعمش) سليمان بن مهران صفحة ٣٦
(قوله وهذا حديثه الخ) أي ما سيذكره المصنف لفظ حديث عثمان وهو أتمّ من حديث مسدد
(قوله عن الأعمش) أي كلاهما يروي عن الأعمش. و (الطائي) نسبة إلى طيّء على غير قياس
(قوله قال عثمان قال دخل الخ) أي قال عثمان بن أبي شيبة في روايته قال جابر دخل رسول الله ﵌.
وقوله رافعي أيديهم إلى السماء أي وأبصارهم كما يدل عليه الحديث
(قوله ثم اتفقا الخ) أي اتفق مسدد وعثمان شيخًا المصنف في الرواية على قوله ﵌ لينتهين الخ أي لينتهين رجال عن فتح أعينهم إلى السماء. فقوله يشخصون بفتح المثناة التحتية من باب فتح أي يفتحون أعينهم يقال شخص الرجل بصره إذا فتح عينيه لا يطرف وهو متعد بنفسه وقد يتعدى بالباء فيقال شخص الرجل ببصره فهو شاخص
(قوله أو لا ترجع إليهم أبصارهم) وفي رواية النسائي أو لتخطفن أبصارهم. وأو لأحد الشيئين يعني أن أحد الأمرين واقع إما الانتهاء عن رفع أبصارهم إلى السماء في صلاتهم أو أن الله يذهب أبصارهم عقوبة لهم على فعلهم
(وفي هذا) وعيد شديد على من فعل ذلك ويؤخذ منه حرمة رفع البصر إلى السماء حال الصلاة لأن العقوبة بالعمى لا تكون إلا عن محرّم. وبالغ ابن حزم فقال تبطل به الصلاة
(وقالت) الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم إنه مكروه. ولعل الوعيد بالعمى لا يلزم منه الحرمة عندهم
(فقه الحديث) دلّ الحديث على التحذير من رفع البصر إلى السماء حال الصلاة والحث على الخشوع فيها, وعلى أن من رأى منكرًا يطلب منه المباردة بإزالته
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه مسلم وابن ماجه مقتصرين على قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لينتهين رجال "الحديث"
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ في صَلاَتِهِمْ". فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ في ذَلِكَ فَقَالَ " لَيُنْتَهَنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ".
(ش) (قوله ما بال أقوام الخ) أي ما شأنهم وحالهم يرفعون أبصارهم في الصلاة ولم ينتهوا عن ذلك.
وفي رواية ابن ماجه صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يومًا بأصحابه
стр. 1733
فلما قضى الصلاة أقبل على القوم بوجهه فقال ما بال أقوام الخ وهاتان الروايتان تشعران أنهم رفعوا أبصارهم بعد النهى عن ذلك
(وروى) الحاكم عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) فطأطأ رأسه
(وروى) ابن ماجه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء يعني في الصلاة
(وفي هذا كله) النهى عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة مطلقًا سواء أكان حال الدعاء أم غيرها. وفي رواية مسلم عن أبي هريرة لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء (ولا تنافي) بينها لأن التقييد في رواية مسلم بحال الدعاء لا مفهوم له لأن الروايات المطلقة مشعرة بأن النهي عن رفع الأبصار في حالة الصلاة أعمّ من حالة الدعاء
(والحكمة) في النهى عن ذلك ما فيه من الإعراض عن القبلة والخروج عن هيئة الصلاة. أو أنه يخشى على الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلين
(قوله فاشتدّ قوله في ذلك الخ) أي في الزجر عن رفع البصر إلى السماء حال الصلاة فقال لينتهين بالبناء للمجهول ونائب الفاعل الجارّ والمجرور وكذا قوله لتخطفن
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وابن عدي في الكامل ورواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة مرسلًا
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ في خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ فَقَالَ "شَغَلَتْنِي أَعْلاَمُ هَذِهِ اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ".
(ش) (الزهري) محمَّد بن مسلم. و (عروة) بن الزبير
(قوله في خميصة الخ) هي ثوب خزّ أو صوف معلم ولعل المراد الثاني. والخزّ ثياب تنسج من صوف وإبريسم وقد تكون من إبريسم فقط. وقيل لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة سميت بذلك لرقتها وصغرها إذا طويت مأخوذة من الخمص وهو ضمور البطن. والأعلام جمع علم وهو رقم الثوب الذي في طرفه وتطلق أيضًا على المنار والجبل
(قوله شغلتني أعلام هذه) يعني كادت تشغله وتلهيه عن كمال الحضور في الصلاة وليس المراد أنها شغلته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالفعل وتؤيده رواية البخاري عن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كنت انظر إلى عليها وأنا في الصلاة فأخاف أن تفتننى. ورواية مالك في الموطأ وفيها فإني نظرت إلى عليها وأنا في الصلاة فكاد يفتنني. فإطلاق رواية الباب للمبالغة في القرب
стр. 1734
لا لتحقق وقوع الشغل. وعلى تقدير وقوعه له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فليس فيه نقص في حقه لأنه بشر يؤثر فيه ما يؤثر في البشر من الأمور التي لا تؤدي إلى نقص في مرتبته الشريفة صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله اذهبوا بها إلى أبى جهم) وفي بعض النسخ اذهبوا بها إلى أبى جهم بن أبي حذيفة. وفي رواية البخاري اذهبوا بخميصتي. وأمر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بإرسالها إلى أبي جهم لكراهته إياها لما يترتب على لبسها في الصلاة من الاشتغال بها ونقصان الخشوع. وخص صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبا جهم بذهاب الخميصة إليه لأنه كان أهداها للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما رواه مالك والطحاوي عن عائشة قالت أهدى أبو جهم إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم خميصة شامية لها علم فشهد فيها النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم الصلاة فلما انصرف قال ردّي هذه الخميصة إلى أبي جهم فإنها كادت تفتنني "ولا يقال" كيف أرسل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأبي جهم ما كرهه "لأنه لا يلزم" من إرسالها استعمالها في الصلاة. ونظيره ما سيأتي للمصنف في باب اللبس للجمعة ورواه البخاري عن ابن عمر وفيه ثم جاءت رسول الله ﵌ منها حلل فأعطى عمر بن الخطاب ﵁ منها حلة فقال عمر بن الخطاب ﵁ يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت فقال رسول الله ﵌ إني لم أكسكها لتلبسها فكساها عمر بن الخطاب أخا له بمكة مشركا.
و(أبو جهم) هو عامر وقيل عبيد بن حذيفة ابن غانم بن عامر بن عبد الله القرشي العدوي كان من مشايخ قريش وحضر بناء الكعبة مرّتين حين بنتها قريش وحين بناها ابن الزبير
(قوله وائتونى في بأنبجانيته) بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم كساء غليظ له خمل ولا علم له. وقال ثعلب يجوز فتح الهمزة وكسرها وكذا الموحدة وهو منسوب إلى موضع اسمه أنبجان. وطلبها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أبي جهم لئلا يؤثر في قلبه ردّ الهدية
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز لبس الثوب المعلم وجواز الصلاة فيه، وعلى طلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها وترك كل ما يشغل القلب فيها، وعلى المبادرة بالإعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها، وعلي جواز قبول الهدية من الأصحاب. وعلى أن الواهب إذا ردّت إليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها له أن يقبلها من غيركراهة. ودلّ بظاهره على أن اشتغال القلب في الصلاة غير قادح في صحتها وهو قول الجمهور
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه ومالك في الموطأ والطحاوي
(ص) حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نَا أَبِي نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِى ابْنَ أَبِي الزِّنَادِ- قَالَ
стр. 1735
سَمِعْتُ هِشَامًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ وَأَخَذَ كُرْدِيًّا كَانَ لأَبِي جَهْمٍ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْخَمِيصَةُ كَانَتْ خَيْرًا مِنَ الْكُرْدِيِّ.
(ش) (قوله حدثنا أبي) هو معاذ بن معاذ العنبري تقدم في الجزء الثاني صفحة ١١٦ و (هشام) بن عروة في الأول صفحة ١٤٩
(قوله بهذا الخبر) أي المتقدم عن الزهري
(قوله وأخذ كرديا الخ) بفتح الكاف كساء ساذج ليس له أعلام. والظاهر أن هو الأنبجانية المتقدمة آنفًا. وقوله كانت خيرًا من الكردي يعني أحسن منه لأن الكردي أدون من الخميصة
(باب الرخصة في ذلك)
أي في النظر والالتفات في الصلاة للضرورة. وفي بعض النسخ باب الرخصة في ذلك لعذر
(ص) حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ نَا مُعَاوِيَةُ -يَعْنِى ابْنَ سَلاَّمٍ- عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلاَّمٍ قَالَ حَدَّثَنِى السَّلُولِىُّ -هُوَ أَبُو كَبْشَةَ- عَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ -يَعْنِى صَلاَةَ الصُّبْحِ- فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إِلَى الشِّعْبِ مِنَ اللَّيْلِ يَحْرُسُ.
(ش) (رجال الحديث) (زيد) بن سلام بن ممطور الحبشي الدمشقي. روى عن جده وعدي بن أرطأة وعبد الله بن فرّوخ وعبد الله بن زيد الأزرق. وعنه أخوه معاوية ويحيى ابن كثير. وثقه النسائي وأبو زرعة والدارقطني وقال يعقوب بن شيبة ثقة صدوق وقال الذي التقريب ثقة من السادسة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب
و(أبو سلام) هو ممطور الأسود الأعرج الحبشي. روى عن أبي مالك الأشعري وعمرو بن عبسة وأبي أمامة وغيرهم. وعنه مكحول الشامي والأو زاعي وعبد الرحمن بن يزيد وعبد الله بن العلاء وجماعة. وثقه الدارقطني والعجلي. روى له مسم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه
و(السلولي) نسبة إلى سلول فخذ من قيس وهم بنو مرّة بن صعصعة. و (سهل بن الحنظلية) هي أمه. وأبوه عمرو ويقال الربيع بن عمرو بن عدي بن زيد بن جشم الخزرجي. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه بشر بن قيس ويزيد بن أبي مريم وأبو كبشة
стр. 1736
السلولي وغيرهم. شهد بيعة الرضوان وكان متعبدا متوحدًا لا يخالط الناس سكن دمشق وكانت داره بها. مات في أول خلافة معاوية. روى له أبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله ثوّب بالصلاة) أي أقيم لها
(قوله وهو يلتفت إلى الشعب) بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة هو الطريق في الجبل وجمعه شعاب (وفيه دليل) على أن الالتفات في الصلاة إذا كان لحاجة لا كراهة فيه كما تقدم بيانه
(قوله قال أبو داود وكان أرسل فارسًا الخ) بيان لسبب التفاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى الشعب. والفارس الذي أرسله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو أنس بن أبي مرثد الغنوي كما أخرجه الحاكم من طريق معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول حدثني أبو كبشة السلولي أنه حدثه عن سهل بن الحنظلية قال لما سار رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى حنين قال ألا رجل يكلؤنا الليلة فقال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا رسول الله قال انطلق فلما كان الغد خرج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي فقال هل حسستم فارسكم قالوا لا فجعل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي ويلتفت إلى الشعب فلما سلم قال إن فارسكم قد أقبل فلما جاء قال لعلك نزلت قال لا إلا مصليا أو قاضيًا حاجة ثم قال إني اطلعت الشعبين فإذا هوازن بظعنهم وشائهم ونعمهم متوجهون إلى حنين فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غنيمة للمسلمين غدا إن شاء الله تعالى. وسيأتي للمصنف بأطول من هذا في "باب فضل الحارس في سبيل الله تعالى" من كتاب الجهاد
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز الالتفات في الصلاة لعذر فلا منافاة يينه وبين الأحاديث المتقدمة الدالة على كراهية الالتفات
(باب العمل في الصلاة)
أي في بيان حكم العمل الذي ليس من جنس أعمال الصلاة في الصلاة
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ نَا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا.
(ش) (القعنبي) عبد الله بن مسلمة. و (أبو قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري
стр. 1737
تقدم في الجزء الأول صفحة ١٢٠
(قوله وهو حامل أمامة بنت زينب) بإضافة حامل إلى أمامة ويجوز تنوينه ونصب أمامة حيث أريد به حكايته الحال الماضية كقوله تعالى "إن الله بالغ أمره" قال الحافظ والتنوين هو المشهور في الروايات اهـ
وكانت زينب أكبر بنات رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفاطمة أصغرهنّ وأحبهنّ إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. توفيت زينب سنة ثمان من الهجرة. وأمامة تزوّجها علي بن أبي طالب بعد وفاة خالتها فاطمة بوصية منها ولم تعقب. ونسبت إلى أمها ولم تنسب إلى أبيها لأنه إذ ذاك كان مشركا والولد ينسب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبا ونسبت في الحديث الآتي إلى أبيها بيانًا لحقيقة نسبها
(قوله فإذا سجد وضعها الخ) أي إذا أراد أن يسجد وإذا أراد أن يقوم كما تدلّ عليه الرواية الآتية
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ -يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ- نَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ بَيْنَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ عَلَى عَاتِقِهِ يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ وَيُعِيدُهَا إِذَا قَامَ حَتَّى قَضَى صَلاَتَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا.
(ش) (قوله نحن في المسجد جلوس إذ خرج) وفي نسخة جلوسًا خرج بالنصب على الحال وفي المسجد خبر
(قوله يحمل أمامة بنت أبى العاص بن الربيع) وقيل ابن رييعة بن عبد العزّى بن عبد شمس وأبو العاص أسمه لقيط وقيل مقسم وقيل القاسم وقيل غيرذلك وكان من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة وتزوج بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبل البعثة وكانت خديجة رضي الله تعالى عنها هي التي سألت رسول الله ﵌ أن يزوجه زينب لأنه ابن أختها هالة ولما بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجاءه الوحي بعدم موالاة المشركين قال أبو لهب اشغلوا محمَّدًا بنفسه وكان ابنه عتبة متزوجا برقية بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأمره فطلقها وتزوجها عثمان رضي الله تعالى عنه وذهبوا إلى أبى العاص وقالوا له فارق صاحبتك ونحن نزوجك بأى امرأة من قريش شئتها قال لا والله لا أفارق صاحبتي
стр. 1738
وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش وكان أبو العاص في غزوة بدر مع المشركين ووقع في الأسرى وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام ولما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في فداء أبى العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص حين بني بها فلما رآها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رقّ لها رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها فافعلوا قالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردّوا عليها الذي لها وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب "يعني أن تهاجر إلى المدينة" فوفى أبو العاص بذلك ولما رجع أبو العاص إلى مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت ولحقت بأبيها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأقام أبو العاص بمكة على كفره واستمرّت زينب عند أبيها بالمدينة حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش فلما قفل من الشام لقيته سرية فأخذوا ما معه وأعجزهم هربًا وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته فلما خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لصلاة الصبح وكبر وكبر الناس خرجت من صفة النساء فقالت أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقبل على الناس فقال أيها الناس هل سمعتم الذي سمعت قالوا نعم قال أما والذي نفس محمَّد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم وإنه يجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فدخل على ابنته زينب فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له قالت إنه جاء في طلب ماله فجمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تلك السرية وقال إن هذا الرجل منا كما علمتم وقد أصبتم منه مالًا وهو مما أفاء الله عليكم وأنا أحب أن تحسنوا وتردّوا إليه الذي له فإن أبيتم فأنتم أحق به فقالوا بل نردّه عليه فردّوا عليه ماله أجمع فأخذه أبو العاص ورجع به إلى مكة فأعطى كل إنسان ماله ثم قال يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا فجزاك الله خيرًا فقد وجدناك وفيًا كريمًا قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله والله ما منعني عن الإِسلام عنده إلا تخوّف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم فلما أدّى الله إليكم وفرغت منها أسلمت ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وردّ عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بنته زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئًا
(قوله وهي صبية) أي صغيرة قيل إنها كانت لم تفطم من الرضاع
(قوله يحملها على عاتقه) أي بين منكبه وعنقه والعاتق يذكر ويؤنث وجمعه عواتق
(قوله يضعها إذا ركع الخ) وكذلك إذا سجد ويعيدها على عاتقه إذا رفع من السجود كما صرّح به في الرواية
стр. 1739
الآتية
(قوله حتى قضى صلاته الخ) أي ما زال يفعل ذلك بها حتى فرغ من صلاته
(قال الخطابي) يشبه أن تكون الصبية قد ألفته فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته فينهض في سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها اهـ
وفعل ذلك صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إما لعدم وجود من يحفظها أولبيان الشرع بالفعل وأن ذلك غير مفسد للصلاة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ نَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِىَّ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لِلنَّاسِ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَسْمَعْ مَخْرَمَةُ مِنْ أَبِيهِ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا.
(ش) (رجال الحديث) (مخرمة) بن بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي مولى بني مخزوم المدني أبى مسور المخزومي. روى عن أبيه وعامر بن عبد الله بن الزبير. وعنه مالك والواقدى وابن المبارك والقعنبي وغيرها. وثقه أحمد وأبو حاتم وقال النسائي ليس به بأس وقال أبو حاتم صالح الحديث وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وضعفه ابن معين وقال الساجي صدوق وكان يدلس. مات سنة ثمان وخمسين
(معنى الحديث)
(قوله يصلي للناس) أي بهم
(قوله قال أبو داود لم يسمع مخرمة الخ) لعله يشير به إلى أن مخرمة لم يسمع هذا الحديث من أبيه وقال أحمد أيضًا مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا إنما يروي من كتاب أبيه وقال ابن خيثمة وابن معين وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمع منه وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة أتيت مخرمة فقلت حدّثك أبوك فقال لم أدرك أبي وهذه كتبه وقال في تهذيب التهذيب قال أبو داود لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر
(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ نَا عَبْدُ الأَعْلَى نَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلاَةِ فِى الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ وَقَدْ دَعَاهُ بِلاَلٌ لِلصَّلاَةِ إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا وَأُمَامَةُ
стр. 1740
بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ بِنْتُ ابْنَتِهِ عَلَى عُنُقِهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى مُصَلاَّهُ وَقُمْنَا خَلْفَهُ وَهِىَ فِى مَكَانِهَا الَّذِى هِىَ فِيهِ قَالَ فَكَبَّرَ فَكَبَّرْنَا قَالَ حَتَّى إِذَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ ثُمَّ قَامَ أَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِى مَكَانِهَا فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
(ش) (رجال الحديث) (يحيى بن خلف) الباهلي البصري أبو سلمة. روى عن المعتمر بن سلمان وعبد الأعلي بن عبد الأعلى وعبد الوهاب الثقفي وبشر بن المفضل وآخرين. وعنه أبو داود ومسلم والترمذي وابن ماجه وأبو بكر البزار وكثيرون. ذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب صدوق من العاشرة. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين
(معنى الحديث)
(قوله في الظهر أو العصر) أي في وقت الظهر أو في وقت العصر بالشك من الراوي
(قوله فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في مصلاه) أي مكانه الذي يصلي فيه
(قوله وهي في مكانها الذي هي فيه) أي وأمامة في مكانها الذي هي فيه وهو عاتقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله قال فكبر وكبرنا) وفي بعض النسخ فكبر فكبرنا أي قال أبوقتادة فكبر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للإحرام فكبرنا خلفه
(قوله حق إذا أراد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يركع أخذها الخ) في هذا الحديث وما قبله دلالة على أن مثل هذا الفعل معفوّ عنه في الصلاة لا فرق بين أن يكون فرضا أو نفلًا وبين أن يكون المصلى إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا لأنه إذا جاز ذلك في الفريضة للإمام فبالأولى جوازه في النافلة وللمأموم والمنفرد
(وإلى ذلك) ذهبت الشافعية قالوا ويجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان الطاهر كالطير والشاة لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفوّ عنه لكونه في معدته وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتحقق نجاستها. والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو كثرت وتفرّقت. ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك
(وأما العمل) الكثير المتوالي فهو مبطل لها وضابط الكثرة العرف وضبط بثلاثة أفعال فأكثر
(واختلفت المالكية) في تأو يل هذه الأحاديث لأنهم رأوا ما وقع من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عملًا
стр. 1741
كثيرًا فروى ابن القاسم عن مالك أن ذلك كان في النافلة
(واستبعده) المازري وعياض والقرطبي لحديث الباب. ولما في رواية مسلم عن أبي قتادة قال رأيته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤمّ الناس وأمامة على عاتقه. وقال المازري إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة اهـ
وروى أشهب وعبد الله بن نافع عن مالك أن ذلك كان لضرورة لأنه لم يجد من يكفيه أمرها. ولا فرق بين الفرض والنفل لأن الضرورة تبيح للرجل الاشتغال في فرضه بكثير مما ليس له فعله في غيره
(ومما يدل) على أن ذلك كان للضرورة أن فيه التغرير والتعرّض في الصلاة لما لا يمكن الاحتراز منه من بول الصبي الذي لا يفهم الزجر
(وقال) بعضهم إنه لو تركها لبكت وشغلته في صلاته أكثر من شغله بحملها
(وقال الباجي) ما ملخصه إنه إن وجد من يكفيه أمر الصبي جاز في النافلة دون الفريضة وإن لم يجد جاز فيهما اهـ
(وقال) القرطبي وروى عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك أن الحديث منسوخ
(قال) الحافظ وروى ذلك عنه الإسماعيلي لكنه غير صريح
(وقال) ابن عبد البر لعلّ الحديث منسوخ بتحريم العمل في الصلاة. وذكر عياض عن بعضهم أنه من خصائصه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعصمته من أن تبول وهو حاملها (وردّ) بأن الأصل عدم الاختصاص. وبأنه لا يلزم من ثبوته في غيره بلا دليل. ولا دخل للقياس في مثله
(قال النووي) ادعى بعض المالكية أن الحديث منسوخ وبعضهم أنه خاص بالنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وبعضهم أنه كان لضرورة وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع لأن الآدمي طاهر وما في جوفه معفوّ عنه وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة. والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرّقت ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك وإنما فعل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك لبيان الجواز اهـ
(وقال) الفاكهاني وكان السرّ في حمله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمامة في الصلاة دفعًا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم. والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول اهـ قالوا والعمل الكثير في الصلاة مبطل لها. وضابطه عندهم أنه يخيل للناظر أن ذلك الشخص ليس في صلاة
(وذهبت الحنفية) إلى أن العمل الكثير مفسد للصلاة والقليل غير مفسد. واختلفوا في ضبطهما فقال صاحب البدائع العمل الكثير ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك حتى قالوا إذا زرّ قميصه في الصلاة فسدت صلاته وإذا حلّ أزراره لا تفسد. وقال بعضهم كل عمل لو نظر إليه الناظر من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة فهو كثير وكل عمل لو نظر إليه الناظر ربما يشتبه عليه أنه في الصلاة فهو قليل. قالوا وهذا الضابط أصح مما قبله. وعلى ذلك لو حملت
стр. 1742
المرأة ولدها ولم ترضعه لم تبطل صلاتها. وقالوا إذا كان العمل القليل لغير حاجة كره وإلا فلا كذا في العيني
(وقالت) الحنابلة إذا كثر العمل وتوالى بطلت الصلاة وإلا بأن كان قليلًا أو كثيرًا وتفرّق فإن كان لحاجة جاز وإلا كره. ومرجع الكثرة والقلة عندهم إلى العرف
(فقه الحديث) دلّ الحديث عل مزيد تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشفقته ورحمته بـ"الضعفاء" وعلى صحة صلاة من حمل صبيا، وعلى أن ثياب الصبيان وأجسادهم محمولة على الطهارة، وعلى أن العمل إذا تفرق ولم يتوال غير مبطل للصلاة
(والحديث) أخرجه مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وإبن حبان وعبد الرزاق في المصنف
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلاَةِ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ".
(ش) (رجال الحديث) (ضمضم) كزمزم (ابن جوس) بفتح الجيم وسكون الواو آخره سين مهملة وقيل جوش بالشين المعجمة ويقال ضمضم بن الحارث بن جوس اليمامى. روى عن أبي هريرة وعبد الله بن حنظلة. وعنه عكرمة بن عمار ويحيى بن أبي كثير. وثقه ابن معين والعجلي وقال أحمد لا بأس به وقال في التقريب ثقة من الثالثة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(معنى الحديث)
(قوله اقتلوا الأسودين الخ) تسمية الحية والعقرب بالأسودين من باب التغليب لأن المسمى بالأسود في الأصل الحية والمراد الحية والعقرب مطلقًا ولو غير أسودين
(وفيه دلالة) علي جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهة سواء أحصل القتل بضربة أم أكثر (وإلى) ذلك ذهبت المالكية إلا أنهم قالوا محل قتلها إذا قصدت أذاه والإكره قتلها فيها وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة
(وذهبت) الحنفية إلى جواز قتلهما في الصلاة من غيركراهة لا فرق بين قتلهما بعمل كثير أو قليل كما استظهره في المبسوط "قالوا" لأنه رخصة ولأن في قتلهما دفع الشغل وإزالة الأذى فأشبه درء المارّ وتسوية الحصى ومسح العرق "ولا ينافي" الإطلاق في العمل مارواه البيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كفاك للحية ضربة أصبتها أم أخطأتها "لأنه" كما قال البيهقي إن صح فإنما أراد والله أعلم وقوع الكفاية بها في الإتيان بالمأمور به فقد أمر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقتلها وأراد والله أعلم إذا امتنعت بنفسها عند الخطأ ولم يرد به المنع من الزيادة على ضربة
стр. 1743
واحدة (وقال في البدائع) هذا إذا أمكنه قتل الحية بضربة واحدة كما فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في العقرب وأما إذا احتاج إلى معالجة وضربات فسدت صلاته كما إذا قاتل في صلاته لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة
(وذهبت الشافعية) إلى أنه إن احتاج قتلهما إلى عمل كثير أبطل وإلا فلا (وظاهر) كلام الحنابلة أنه لا فرق في جواز قتلهما بين العمل القليل والكثير
(وحكى) الترمذي عن جماعة كراهة قتلهما في الصلاة إن كان بعمل كثير منهم النخعي. ويدل لهم ما رواه ابن أبي شيبة عن قتادة قال إذا لم تتعرّض لك فلا تقتلها
(وما سيأتي) للمصنف من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن في الصلاة لشغلا. وقوله اسكنوا في الصلاة. رواه المصنف في باب في السلام. لكن هذان الحديثان الأخيران عامان فيخصان بحديث الباب وأشباهه مما ورد فيه الإذن بعمله في الصلاة. ويلحق بالحية والعقرب ما ماثلهما من كل ضرّار مباح قتله
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة، وعلى جوازه في غيرها بالطريق الأولى، وعلى جواز العمل الكثير في الصلاة إذا دعت إليه الضرورة، وعلى طلب دفع الضرر عن النفس ولو حال الصلاة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ -وَهَذَا لَفْظُهُ- قَالَ نَا بِشْرٌ -يَعْنِى ابْنَ الْمُفَضَّلِ- ثَنَا بُرْدٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -قَالَ أَحْمَدُ- يُصَلِّي وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ -قَالَ أَحْمَدُ- فَمَشَى فَفَتَحَ لِى ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلاَّهُ. وَذَكَرَ أَنَّ الْبَابَ كَانَ فِى الْقِبْلَةِ.
(ش) (قوله وهذا لفظه) أي ما سيذكره المصنف لفظ حديث مسدد. و (برد) بضم فسكون هو ابن سنان تقدم في الجزء الثاني صفحة ٢٩٣
(قوله قال نا بشر) هكذا بصيغة الإفراد في جميع النسخ التي بأيدينا أي قال كل من أحمد ومسدد
(قوله يصلي والباب عليه مغلق) وفي رواية النسائي يصلي تطوعًا. وبوّب عليه الترمذي فقال باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع
(قوله فاستفتحت) أي طلبت فتح الباب. والظاهر أنها ظنت أنه ليس في صلاة وإلا لم تطلب منه الفتح كما هو اللائق بأدبها وعليها
(قوله فمشى ففتح لي) دليل على إباحة المشي في صلاة التطوع لحاجة قلّ أو كثر
(قال ابن الملك) مشيه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وفتحه الباب ثم رجوعه إلى
стр. 1744
الصلاة يدلّ على أن الأفعال الكثيرة إذا توالت لا تبطل الصلاة
(وإليه ذهب) بعضهم "وما قاله" ابن رسلان من أن هذا المشي محمول على أنه مشى خطوة أو خطوتين أو مشى أكثر من ذلك متفرّقًا "مردود" لأنه من تقييد الحديث بالمذهب ولا يخفى فساده
(قوله وذكر أن الباب كان في القبلة) أي ذكر عروة أن الباب كان إلى جهة القبلة. وهذا يدل على أنه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم لم يتحوّل عن القبلة حال ذهابه ويكون رجوعه إلى مصلاه على عقبيه إلى خلف ويؤيده ما رواه الدارقطني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي فإذا استفتح إنسان الباب فتح الباب ما كان في القبلة أو عن يمينه أو عن يساره ولا يستدبر القبلة. وهذا يردّ شبهة من قال إن هذا الفعل يستلزم ترك استقبال القبلة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والنسائي والترمذي والدارقطني
(باب ردّ السلام في الصلاة)
أي في بيان حكم ردّ السلام في الصلاة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ نَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ في الصَّلاَةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ "إِنَّ في الصَّلاَةِ لَشُغْلًا".
(ش) (رجال الحديث) (محمَّد بن عبد الله بن نمير) أبو عبد الرحمن الهمداني الكوفي روى عن أبيه ومحمد بن فضيل. وابن عيينة ووكيع وحفص بن غياث وآخرين. وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وجماعة. قال ابن الجنيد ما رأيت بالكوفة مثل ابن نمير وكان رجلًا نبيلًا قد جمع العلم والفهم والسنة والزهد وقال العجلي ثقة ويعدّ من أصحاب الحديث وقال أبو حاتم ثقة يحتج بحديثه وقال النسائي ثقة مأمون. وقال ابن حبان كان من الحفاظ. المتقنين وأهل الورع في الدين. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. روى له الجماعة. و (الأعمش) و (إبراهيم) النخعي تقدما في الجزء الأول صفحة ٣٦. وكذا (علقمة) صفحة ٢٨٦. وكذا (عبد الله) ابن مسعود صفحة ١٤٢
(معنى الحديث)
(قوله فلما رجعنا من عند النجاشي الخ) وكان رجوعهم في السنة الثالثة من الهجرة والنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتجهز لغزوة بدر وكانت هجرتهم إلى الحبشة
стр. 1745
حين كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمكة فارّين لما لحقهم من أذى المشركين ولما خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة وسمعوا بمهاجرته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هاجروا من الحبشة إلى المدينة فوجدوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الصلاة فسلموا عليه كما كانوا يسلمون قبل مهاجرتهم إلى الحبشة فلم يردّ عليهم وقال إن في الصلاة لشغلا بضمتين أي مانعا من الكلام في الصلاة وهو بزيادة اللام للتأكيد. وفي رواية للبخاري بدونها. والتنكير للتعظيم أي شغلًا عظيمًا لأنها مناجاة الله تعالى فلا يليق فيها الاشتغال بغيره ويحتمل أن يكون التنكير للتنويع أي إن في الصلاة لشغلا بقراءة القرآن والذكر والدعاء
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا أَبَانُ نَا عَاصِمٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ كُنَّا نُسَلِّمُ في الصَّلاَةِ وَنَأْمُرُ بِحَاجَتِنَا فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدُثَ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلاَةَ قَالَ "إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لاَ تَكَلَّمُوا في الصَّلاَةِ". فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ.
(ش) (أبان) بن يزيد العطار تقدم في الجزء الأول صفحة ١١٩. وكذا (عاصم) بن بهدلة صفحة ٩٠. وكذا (أبو وائل) شقيق بن سلمة صفحة ٨٩
(قوله كنا نسلم في الصلاة الخ) أي كان يسلم أحدنا على الآخر وهو في الصلاة فيردّ ﵇ وكان أحدنا إذا عرضت له حاجة وهو في الصلاة أمر بها
(قوله فأخذني ما قدم وما حدث) بضم الدال فيهما ومراده غلب عليّ التفكر في أحوالي السابقة واللاحقة أيها كان سببًا لتركه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ردّ السلام عليّ
(ويحتمل) أن المراد أخذني ما تقدم من التكلم في الصلاة وما حدث فيها من عدم التكلم
(قوله إن الله يحدث من أمره ما يشاء الخ) أي يظهر ويجدّد من الأحكام ما يشاء وإن الله تعالى قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة. وفي رواية كنا نسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذ كنا بمكة قبل أن نأتى أرض الحبشة فلما قدمنا من أرض الحبشة أتيناه فسلمنا عليه فلم يردّ فأخذني ما قرب وما بعد حتى قضى الصلاة فسألته فقال إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإنه قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة
(وفي هذا) دلالة على نسخ
стр. 1746
الكلام في الصلاة وتحريمه فيها (ويدل) على النسخ أيضًا بقية أحاديث الباب.
وما وواه البخاري وغيره وسيأتي للمصنف عند زيد بن أرقم قال كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة فنزلت "وقوموا لله قانتين" فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام
(ولا خلاف) بين أهل العلم أن من تكلم في صلاته عامدا فسدت صلاته لا فرق بين قليل الكلام وكثيره إلا لمصلحة الصلاة كما قاله ابن المنذر
(واختلف) في كلام الناسي والساهى فقال الثوري وابن المبارك والنخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة والهادوية إن كلام الناسي والجاهل مبطل للصلاة قلّ أو كثر كالعامد (واستدلوا) بحديث زيد بن أرقم المذكور وسائر الأحاديث المصرّحة بالنهى عن الكلام في الصلاة "قالوا" وظاهرها عدم الفرق بين العامد والناسي والجاهل (ووافقهم) المالكية في الجاهل (وكذا الشافعية) إلا أنهم قالوا يغتفر لقريب العهد بالإِسلام يسير الكلام (وفي المغني) للحنابلة إن تكلم جاهلًا لتحريم الكلام في الصلاة فقال القاضي في الجامع لا أعرف عن أحمد نصًا في ذلك. ويحتمل أن لا تبطل صلاته لأن الكلام كان مباحًا في الصلاة بدليل حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم ولا يثبت حكم النسخ في حق من لم يعلمه بدليل أن أهل قباء لم يثبت في حقهم حكم نسخ القبلة قبل علمهم فبنوا على صلاتهم اهـ
(وقالت) المالكية والشافعية كلام الناسي يبطل كثيره دون يسيره
(وقال) الحنابلة إن الناسي على نوعين (أحدهما) أن ينسى أنه في صلاة وفيه روايتان
(إحداهما). لا تبطل لأنه ﵌ تكلم في قصة ذى اليدين ولم يأمر معاوية بن الحكم بالإعادة إذ تكلم جاهلًا وما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان
(ثانيتهما) تبطل لعموم أحاديث المنع من الكلام في الصلاة ولأنه ليس من جنس ما هو مشروع فلم يسامح فيه بالنسيان كالعمل الكثير من غير جنس الصلاة
(النوع الثاني) أن يظن أن صلاته قد تمت فيتكلم فإن كان سلاما لم تبطل الصلاة رواية واحدة لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه فعلوه وبنوا على صلاتهم ولأن جنسه مشروع في الصلاة فأشبه الزيادة فيها منْ جنسها. وإن لم يكن سلاما فالمنصوص عن أحمد في رواية عن أصحابه أنه إذا تكلم بشئ بما تكمل به الصلاة أو شيء من شأن الصلاة مثل كلامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لذى اليدين لم تفسد صلاته وإن تكلم بشئ من غير أمر الصلاة كقوله يا غلام اسقني ماء بطلت صلاته اهـ من المغني
(وممن فرق) بين كلام العامد وغيره ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير من الصحابة ومن التابعين عروة وعطاء والحسن البصري وحكاه الحازمى عن عمرو بن دينار ونفر من أهل الكوفة وعن أكثر أهل الحجاز وحكاه النووي عن الجهور
(واستدلوا) على عدم فساد صلاة الناسي بما رواه ابن ماجه والدارقطني والطبراني والحاكم والبيهقي مرفوعًا رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (وبأن) النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تكلم حال السهو وبنى على صلاته كما في حديث ذى اليدين
(واستدلوا) على عدم فساد صلاة الجاهل بحديث معاوية بن الحكم الآتي
стр. 1747
(فقه الحديث) دلّ الحديث على وقوع النسخ في الأحكام الشرعية، وعلى أن من سلم عليه وهو الصلاة لا يردّ إلا بعد الفراغ منها
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والطحاوي والنسائي وابن حبان في صحيحه
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ نَابِلٍ صَاحِبِ الْعَبَاءِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ صُهَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ إِشَارَةً. قَالَ وَلاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ قَالَ إِشَارَةً بِأُصْبُعِهِ وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أن الليث حدثهم) أي أن الليث بن سعد حدث يزيد وقتيبة بن سعيد فأراد بالجمع ما فوق الواحد أو أنه حدثهما ومن معهما في مجلس التحديث
و(نابل) بالنون والموحدة المكسورة (صاحب العباء) ويقال صاحب الشمال الحجازي روى عن أبي هريرة وابن عمر. وعنه صالح بن عباد وبكير بن عبد الله بن الأشجّ. وثقه النسائي وابن حبان وقال الذي التقريب مقبول من الثالثة.
و(صهيب) بن سنان بن مالك بن عمرو ابن عقيل بن عامر النمري أبي يحيى الرومي نسب إلى الروم لأن أباه سنانًا كان عاملًا لكسرى على الأيلة وكانت منازلهم بأرض الموصل في قرية على شط الفرات مما يلي الجزيرة والموصل فأغارت الروم على تلك الناحية فسبى صهيب وهو غلام صغير فنشأ بالروم فابتاعه منهم كليب ثم قدم به مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي فأعتقه فأقام معه بمكة حتى هلك عبد الله بن جدعان
(وبعث) النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ابن عمر قال عمار بن ياسر لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيها فقلت له ما تريد فقال لي ما تريد أنت فقلت أردت أن أدخل على محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأسمع كلامه قال وأنا أريد ذلك فدخلنا عليه فعرض علينا الإِسلام فأسلمنا ثم مكثنا يومنا على ذلك حتى أمسينا ونحن مستخفون. أسلم رضي الله تعالى عنه بعد بضعة وثلاثين وكان من المستضعفين بمكة والمعذبين في الله تعالى. شهد المشاهد كلها وقال ما جعلت رسول الله ﵌ بيني وبين العدوّ وما كنت إلا عن يمينه أو أمامه أو عن شماله. وأخرج الحاكم عن سعيد بن المسيب عن صهيب قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة وخرج معه أبو بكر وكنت قد هممت بالخروج معه فصدّني فتيان من قريش فجعلت ليلتي تلك أقوم ولا أقعد
стр. 1748
فقالوا قد شغله الله عنكم ببطنه ولم أكن شاكيًا فقاموا فلحقني منهم ناس بعد ما سرت بريدًا ليردّوني فقلت لهم هل لكم أن أعطيكم أو اقى من ذهب وتخلون سبيلي وتفون لي فتبعتهم إلى مكة فقلت لهم احفروا تحت أسكفة الباب فإن تحتها الأو اقي واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين وخرجت. حتى قدمت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبل أن يتحوّل منها يعني قباء فلما رآني قال يا أبا يحيى ربح البيع ثلاثًا فقلت يا رسول الله ما سبقني إليك أحد وما أخبرك إلا جبريل. وفي رواية أخرى فنزلت عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) فتلا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليه الآية. روى عنه جابر وسعيد بن المجيب وابن أبي ليلى وجماعة. توفي سنة ثمان وثلاثين
(معنى الحديث)
(قوله فردّ إشارة) أي ردّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السلام عليّ بالإشارة لا باللفظ (وهذا) لا ينافي ما في الحديث السابق من تأخيره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ردّ السلام إلى ما بعد سلامه من الصلاة فإن هذا محمول على بيان الجواز والسابق محمول على الأفضل (وفي حديث الباب) دلالة على مشروعية سلام غير المصلى على المصلى من غيركراهة وفي أيضًا مشروعية ردّ المصلى السلام بالإشارة
(وقد اختلف) في كل منهما فقالت الشافعية والمالكية. يجوز ابتداء السلام على المصلى من غيركراهة وهو المعتمد عند المالكية وهو قول ابن عمر ومالك وأحمد
(قال النووي) وهو الذى تقتضيه الأحاديث الصحيحة. ويدلّ لهم حديث صهيب هذا فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقرّ صهيبًا عليه ولم ينكر عليه
(وقالت) الحنفية يكره ابتداء السلام على المصلي وهو قول جابر وعطاء والشعبي وأبي مجلز وإسحاق بن راهويه وقول عند المالكية. ويدلّ لهم ما سيأتي للمصنف لا غرار في صلاة ولا تسليم
(وأما ردّ) المصلي السلام فقالت المالكية والشافعية والحنابلة يردّ بالإشارة وهو قول ابن عمر وابن عباس وإسحاق وهو المنقول عن أكثر العلماء
(واستدلوا) بحديث الباب فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أشار بيده (وبما رواه) أحمد والترمذي والمصنف عن ابن عمر قال قلت لبلال كيف كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يردّ عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة قال يشير بيده
(وقال أبو ذرّ) وعطاء والنخعي والثوري يستحب أن لا يردّ المصلى السلام إلا بعد الفراغ من الصلاة. واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم وفيه فسلمت عليه فلم يردّ عليّ السلام فأخذني ما قدم وما حدث فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة قال إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن الله تعالى قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة فردّ عليّ السلام
(واستدلوا) أيضًا بما سيذكره المصنف عن أبي هريرة لا غرار في صلاة ولا تسليم وبما رواه البزّار والدارقطني وسيأتي للمصنف عن أبي هريرة موفوعا التسبيح للرجال والتصفيق
стр. 1749
للنساء من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها (لكن يجاب) عن حديث ابن مسعود بأن المنفي في قوله فلم يردّ عليّ السلام الردّ باللفقالا الردّ بالإشارة. وردّه بعد الفراغ من الصلاة لا ينافي الردّ بالإشارة حال الصلاة (وبأن حديث) لا غرار في صلاة ولا تسليم لا يدل عل عدم جواز ردّ السلام بالإشارة لأنه ظاهر تسليم الغير على المصلي وتسليم المصلي على الغير لا في الردّ من المصلى عل من سلم عليه (ولو سلم) شموله لردّ المصلى على من سلم عليه فيحمل على الردّ باللفظ جمعًا بين الأحاديث (وبأن حديث) من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها ضعيف سيأتي وعلى فرض صحته فتحمل الإشارة فيه على الإشارة لغير ردّ السلام أولغير الحاجة
(وذهب أبو حنيفة) إلى أنه لا يردّ لا لفظا ولا إشارة فإن ردّ باللفظ بطلت الصلاة وإن ردّ بالإشارة كره (وحكى) ابن المنذر عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب والحسن البصري وقتادة أنهم أباحوا ردّ السلام في الصلاة باللفظ (وهذا مردود) بالأحاديث الدالة على نسخ ذلك. ولعله لم يبلغهم النسخ (إذا علمت) ما تقدم تبين لك أن الراجح ما ذهب إليه الجمهور. من مشروعية ردّ السلام بالإشارة حال الصلاة
(قوله قال ولا أعلمه إلا الخ) أي قال قتيبة لا أعلم الليث إلا قال الذي روايته فردّ إشارة بأصبعه
(والحديث) أخرجه أحمد والنسائي والطحاوي والترمذي وقال حديث صحيح
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نَا زُهَيْرٌ نَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَرْسَلَنِي نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى بَعِيرِهِ فَكَلَّمْتُهُ فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا ثُمَّ كَلَّمْتُهُ فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَنَا أَسْمَعُهُ يَقْرَأُ وَيُومِئُ بِرَأْسِهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ "مَا فَعَلْتَ في الَّذِي أَرْسَلْتُكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُكَلِّمَكَ إِلاَّ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي".
(ش) (زهير) بن معاوية تقدم في الجزء الأول صفحة ١١٢. وكذا (أبو الزبير) صفحة ٢٤
(قوله أرسلني نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) وفي رواية مسلم أرسلني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو منطلق إلى بني المصطلق أي أرسلني إليهم لأتيه بخبرهم أولحاجة من الحاجات. وبنوا المصصلق هم بنو خزيمة بن سعد بطن من خزاعة
(قوله يصلي على بعيره) أي تطوعًا وفي رواية مسلم ثم أدركته وهو يسير زاد النسائي مشرّقًا أو مغرّبًا
(قوله فكلمته) يعني سلمت عليه كما صرّح به في رواية للنسائي ورواية لمسلم عن
стр. 1750
أبى الزبير عن جابر. ويحتمل أنه كلمه بغير السلام
(قوله فقال لي بيده هكِذا) أي أشار لي بيده هكذا نحو الأرض صرّح به في رواية مسلم وفيها ثم كلمته فقال لي بيده هكذا وأو مأ زهير بيده نحو الأرض
(وهذا يدلّ) على جواز الإشارة في الصلاة لحاجة (وبه قالت) المالكية والحنابلة وكذا الشافعية على الأصح عندهم وقيدوه بما إذا كانت الإشارة يسيرة فإن كانت كثيرة بطلت الصلاة
(وقالت الحنفية) تكره الإشارة في الصلاة. لكن الأحاديث على خلافه. وجاءت الإشارة لحاجة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في غير حديث الباب كحديث عائشة وجابر اللذين أخرجهما الشيخان والمصنف وغيرها لما صلى بهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جالسًا في مرض له فقاموا خلفه فأشار إليهم أن اجلسوا وحديث أم سلمة عندهم أيضًا أنها قالت سعمت النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم ينهى عن الركعتين بعد العمر ثم رأيته يصليهما وعندى نسوة من بني حرام فأرسلت إليه الجارية فقلت قومي بحنبه وقولي له تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما فإن أشار بيده فاستأخرى عنه ففعلت الجارية فأشار بيده
(قوله وأنا أسمعه يقرأ الخ) أي يقرأ القرآن ويومئُ برأسه للركوع والسجود
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه ينبغي للرئيس إذا أراد قتال قوم أن يرسل من يكشف له خبرهم قبل وصوله إليهم ليكون علي بصيرة من أمرهم، وعلى جواز الصلاة علي الدابة. وهي محمولة على التطوّع عرفت، وعلى أن الصلاة على الدابة يكتفى فيها بالإيماء إلى الركوع والسجود، وعلى جواز التسليم على المصلي والردّ عليه بالإشارة، وعلى أن من سلم عليه وهو يصلي ولم يفهم المسلم الردّ عليه بالإشارة يطلب منه أن يعتذر له بعد الفراغ من الصلاة. ومثل المصلى في ذلك من كان متلبسًا بما يمنعه من ردّ السلام كالتأذين والتلبية وقضاه الحاجة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه مسلم وأخرج الترمذي والطحاوي والنسائي نحوه
(ص) نَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْخُرَاسَانِيُّ الدَّامَغَانِيُّ نَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ نَا نَافِعٌ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ -قَالَ- فَجَاءَتْهُ الأَنْصَارُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي. قَالَ فَقُلْتُ لِبِلاَلٍ كَيْفَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي قَالَ يَقُولُ هَكَذَا وَبَسَطَ كَفَّهُ. وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ
стр. 1751
وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ.
(ش) (قوله الدامغاني) نسبة إلى دامغان بلد بين الرى ونيسابور. و (قباء) قرية قريبة من المدينة على ميلين منها أو ثلاثة
(قوله فقلت لبلال الخ) وفي رواية النسائي وابن ماجه قال ابن عمر دخل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسجد قباء ليصلي فيه فجاءت رجال من الأنصار يسلمون عليه فسالت صهيبًا وكان معه في كيف كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصنع إذا سلم عليه
(قوله يقول هكذا وبسط الخ) أي يشير صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيده هكذا وبسط بلال كله تصويرًا لإشارته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وبسط جعفركفه تصويرًا الإشارة بلال التي وصلت إليه من شيوخه
(وفي هذا) بيان كيفية الإشارة التي يردّ بها المصلي السلام على من سلم عليه حال الصلاة وأنها تكون باليد باطنها إلى أسفل وظاهرها إلى أعلى. وتقدم في حديث ابن مسعود أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أشار بأصبعه. وفي حديثه عند البيهقي أنه أو مأ برأسه. ولا منافاة بين هذه الروايات لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك كله لبيان الجواز فلا حرج على من فعل أي إشارة منها
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه النسائي والترمذي وأحمد وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ "لاَ غِرَارَ في صَلاَةٍ وَلاَ تَسْلِيمٍ". قَالَ أَحْمَدُ يَعْنِي فِيمَا أُرَى أَنْ لاَ تُسَلِّمَ وَلاَ يُسَلَّمَ عَلَيْكَ وَيُغَرِّرُ الرَّجُلُ بِصَلاَتِهِ فَيَنْصَرِفُ وَهُوَ فِيهَا شَاكٌّ.
(ش) (رجال الحديث) (سفيان) الثوري. و (أبو حازم) سليمان الأشجعي الكوفي. روى عن أبي هريرة وابن عمر والحسن والحسين وابن الزبير. وعنه أبو مالك سعد ابن طارق الأشجعي والأعمش ومنصور بن المعتمر وابن عجلان وكثيرون. وثقه أبو داود وابن معين وأحمد والعجلي وقال ابن سعد كان ثقة وله أحاديث صالحة وقال ابن عبد البر أجمعنا على أنه ثقة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله لا غرار في صلاة) أي لا نقص في صلاة (قال) في النهاية الغرار في الصلاة نقصان هيئتها وأركانها وقيل النوم فيها (وقال) الخطابي الغرار في الصلاة على وجهين (أحدهما) أن لايتمّ ركوعه وسجوده (والآخر) أن يشك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا فيأخذ بالأكثر ويترك اليقين
стр. 1752
وينصرف بالشك اهـ
(قوله ولا تسليم) بالنفى وهو بمعنى النهى. وتسليم يروي بالنصب والجرّ فعلى الجرّ يكون معطوفًا على صلاة ويكون المعنى لا نقص في صلاة ولا في تسليم والنقص في السلام أن يقول في الردّ وعليك دون أن يقول وعليك السلام (وقال) الخطابي الغرار في السلام أن تقول لمن قال السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم أو عليكم فقط ولا تردّ التحية كما سمعتها من صاحبك فتبخسه حقه اهـ وعلى أنه منصوب يكون معطوفًا على غرار فيكون المعنى لا نقص في الصلاة ولا تسليم فيها أي لا يسلم المصلى على غيره ولا يسلم الغير عليه كما ذكره المصنف عن أحمد وهذا هو المناسب للترجمة
(قوله ويغرّر الرجل بصلاته الخ) تصير الإِمام أحمد للغرار في الصلاة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ -أُرَاهُ رَفَعَهُ- قَالَ "لاَ غِرَارَ في تَسْلِيمٍ وَلاَ صَلاَةٍ".
(ش) (قوله قال أراه رفعه) أي قال معاوية في روايته أظن أن أبا هريرة رفع الحديث إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ عَلَى لَفْظِ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
(ش) أي روى هذا الحدث محمَّد بن فضيل بلفظ عبد الرحمن بن مهدي موقوفُ اعلى أبى هريرة أي لا غرار في صلاة ولا تسليم لا على لفظ معاوية بن هشام فوافق ابن فضيل عبد الرحمن بن مهدي في اللفظ وخالفه في الرفع وخالف معاوية في لفظ الحديث وفي الشك في رفعه
(وحاصله) أن هذا الحديث رواه عن سفيان الثوري ثلاثة "أولهم" عبد الرحمن بن مهدي فرفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بلا شك "وثانيهم" معاوية بن هشام رواه عن سفيان مرفوعًا على الظن "وثالثهم" محمَّد بن فضيل رواه عن سفيان موقوفُ اعلى أبى هريرة
(باب في تشميت العاطس في الصلاة)
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى ح وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -الْمَعْنَى- عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه
стр. 1753
وعلى آله وسلم فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ الله فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ يُصَمِّتُونِي -فَقَالَ عُثْمَانُ- فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُسَكِّتُونِي لَكِنِّى سَكَتُّ قَالَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ -بِأَبِي وَأُمِّي- مَا ضَرَبَنِي وَلاَ كَهَرَنِي وَلاَ سَبَّنِي ثُمَّ قَالَ "إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَحِلُّ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ هَذَا إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ". أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا قَوْمٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَنَا الله بِالإِسْلاَمِ وَمِنَّا رِجَالٌ يَأْتُونَ الْكُهَّانَ. قَالَ "فَلاَ تَأْتِهِمْ". قَالَ قُلْتُ وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. قَالَ "ذَاكَ شَىْءٌ يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ فَلاَ يَصُدُّهُمْ". قُلْتُ وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ. قَالَ "كَانَ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ". قَالَ قُلْتُ جَارِيَةٌ لِي كَانَتْ تَرْعَى غُنَيْمَاتٍ قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ إِذِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهَا إِطْلاَعَةً فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْهَا وَأَنَا مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لَكِنِّى صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَعَظَّمَ ذَاكَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ أَفَلاَ أُعْتِقُهَا قَالَ "ائْتِنِي بِهَا". قَالَ فَجِئْتُهُ بِهَا فَقَالَ "أَيْنَ الله". قَالَتْ في السَّمَاءِ. قَالَ "مَنْ أَنَا". قَالَتْ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ "أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ".
(ش) (رجال الحديث) (يحيى) بن سعيد القطان. و (حجاج) بن أبي عثمان أبى الصلت الصواف تقدم في الجزء الرابع صفحة ٢٢٤. و (هلال بن أبي ميمونة) هو هلال بن علي بن أسامة العامري مولاهم المدني. روى عن أنس وأبى سلمة وعطاء بن يسار. وعنه يحيى ابن أبي كثير وزياد بن سعد وفليح وعبد العزيز بن الماجشون. وثقه الدارقطني ومسلمة بن قاسم وقال في التقريب ثقة من الخامسة وقال أبو حاتم شيخ يكتب حديثه وقال النسائي
стр. 1754
لا بأس به روى له الجماعة. و (معاوية بن الحكم السلمي) روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابن كثير وعطاء بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن. كان ينزل المدينة ويسكن في بني سليم. روى له مسلم وأبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله فعطس) بفتح الطاء المهملة من بابي ضرب ونصر والعطاس معروف
(قوله فقلت يرحمك الله) شمته لأنه سمعه يحمد الله تعالى كما تفيده الرواية الآتية
(قوله فرماني القوم بأبصارهم) وفي رواية مسلم فحدقني القوم بأبصارهم من التحديق وهو شدة النظر أي نظروا إليّ نظرة منكر كيلا أتكلم في الصلاة. وفي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه الأبصار بالسهام ثم حذف السهام وأشار إليها بالرمى
(قوله واثكل أمياه) بضم الثاء المثلثة وسكون الكاف وبفتحهما لغتان وهو فقدان المرأة ولدها يقال ثكلته أمه بكسر الكاف من باب تعب فقدته والواو فيه للندبة وأمياه بكسر الميم مضافا إلى ياء المتكلم المفتوحة والألف للندبة والهاء للسكت فكأنه قال وافقد ولدها يعني نفسه. وقال ذلك لما علم أنه خالف بكلامه في الصلاة
(قوله ما شأنكم تنظرون إليّ) أي ما خالكم تنظرون إليّ نظر غضب وإنكار. وفي رواية النسائي ما لكم تنظرون إليّ
(قوله فجعلوا يضربون بأيدههم على أفخادهم) وفي رواية النسائي فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم. وفعلوا ذلك لزيادة الإنكار ليسكتوه. وهو محمول على أن ذلك كان قبل مشروعية التسبيح لمن نابه شيء في الصلاة
(قوله فعرفت أنهم يصمتوني الخ) بتشديد الميم أي يسكتوني وهذا لفظ مسدد. ولفظ عثمان فلما رأيتهم يسكتوني وهي رواية النسائي
(قوله لكني سكتُ) استدراك على محذوف جواب لما أي لما رأيتهم يسكتوني غضبت لكني سكتّ ولم أسأل عن السبب امتثالًا لما أشاروا إليه لأنهم أعلم مني
(قوله بأبي وأمي) أي هو مفدي بأبي وأمي وفي رواية مسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه. وأتى به تعظيمًا له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله ما ضربني الخ) مرتب عل جواب الشرط المحذوف أي لما صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دعاني فعلمني برفق وما ضربني الخ وقوله بأبي وأمي معترض بين الشرط وجوابه. وقوله ولا كهرني ولا سبني أي ما انتهرني ولا أغلظ عليّ القول ولا استقبلني صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بوجه عبوس يقال كهر الرجل إذا انتهره
(قوله إن هذه الصلاة لا يحلّ فيها شيء من كلام الناس) صريح في تحريم الكلام في الصلاة وأضاف الكلام إلى الناس ليخرج التسبيح والذكر فإنه لا يراد بهما خطاب الناس وإفهامهم
(ويؤخذ منه) منع تشميت العاطس في الصلاة وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتفسد به إذا أتى به عامدًا عالمًا. ولعلّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يأمر معاوية بالإعادة لجهله بتحريم الكلام في الصلاة
(وإلى أن) تشميت العاطس مبطل للصلاة ذهبت الحنفية والشافعية
стр. 1755
والحنابلة قالوا لأنه خطاب للغير
(وقالت الحنفية) لو قال العاطس لنفسه يرحمك الله لا تفسد صلاته لأنه دعاء لنفسه
(وقال) النووي إذا قال يرحمه أو ﵀ لم تفسد صلاته باتفاق الأصحاب لأنه ليس بخطاب اهـ
(وعن أبي يوسف) لا تبطل الصلاة بالتشميت لأنه دعاء بالمغفرة والرحمة وبه قالت المالكية إلا أنهم قالوا يكره. والحديث حجة عليهم
(قوله إنما هو التسبيح الخ) أي ما يحل في الصلاة إنما هو التسبيح والتهليل وقراءة القرآن وأشباهها من الأذكار والدعاء
(قوله أو كما قال) من كلام معاوية بن الحكم ويؤتى بها تحرّيًا للصدق لاحتمال أن يكون الراوي أو بعض مشايخه قد التبس عليه بعض الألفاظ
(قوله إنا قوم حديثو عهد بجاهلية) وفي رواية مسلم إني حديث عهد بجاهلية أي قريب عهد بالجاهلية والمراد أنه أسلم جديدًا ولم يعرف أحكام الدين. وهو اعتذار منه على ما وقع له من الخطأ. والجاهلية ما قبل ورود الشرع سموا بذلك لكثرة جهالاتهم وفحشهم
(قوله ومنا رجال يأتون الكهان). جمع كاهن وهو من يدّعي معرفة الأخبار عن الأشياء في المستقبل ويدّعى معرفة السرائر بخلاف العرّاف فإنه يدّعي معرفة المسروق ومكان الضالة ونحوهما
(قوله فلا تأتهم) نهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن إتيان الكهنة لأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من الشرع ولأنهم قد يتكلمون بمغيبات قد يصادف بعضها الصواب فيخاف الفتنة على من رأى ذلك
(قال النووي) قد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهى عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون وتحريم ما يعطون من الحلوان وهو حرام بإجماع المسلمين وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة منهم أبو محمد البغوي وقال اتفق أهل العلم على تحريم حلوان الكاهن وهو ما أخذه المتكهن على كهانته لأن فعل الكهانة باطل لا يجوز أخد الأجرة عليه اهـ
(وقال). الخطابي حلوان الكاهن ما يأخذه المتكهن على كهانته وهو محرّم وفعله باطل وقال في حديث من أتى عرّافا أو كاهنا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رواه الإِمام أحمد بسند صحيح. وكان في العرب كهنة يدّعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور فمنهم من يزعم أن له رئيا من الجن يلقى إليه إلأخبار ومنهم من يدّعى استدراك ذلك بفهم أعطيه ومنهم يسمى عرّافًا وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدلّ بها كمعرفة من سرق الشيء الفلاني ومعرفة من تتهم به المرأة ونحو ذلك
(والحديث) يشتمل على النهى عن إتيان هؤلاء كلهم والرجوع إلى قولهم وتصديقهم فيما يدّعونه اهـ
(قوله ومنا رجال يتطيرون) أي يتشاءمون (قال) في النهاية الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن التشاؤم بالشئ وأصل التطير التفاؤل بالطير واستعمل لكل ما يتفاءل به ويتشاءم وكانت العرب تتطير بالطيور والظباء فيستبشرون بالسوانح وهي أن يمرّ الطير والصيد من اليسار إلى اليمين ويتشاءمون بالبوارح وهي مرور الطير والصيد من اليمين إلى اليسار وكان ذلك يصدّهم
следующие страницы →