وإن لم يكن فيه إثم ويؤيده قوله تعالى (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) ويحتمل أن المراد مغفرة ما ترتب على الخطأ من نحو الإتلاف. ومعنى المغفرة حينئذ إرضاء الخصوم، وفي التنصيص على الأقسام كلها مع تداخلها حث على صلاة التسابيح بأبلغ وجه
(قوله عشر خصال) بالرفع خبرمبتدإ محذوف أي هذه عشر خصال وهي أول الذنب وآخره ويحتمل أن يكون منصوبًا بفعل محذوف أي خذ عشر خصال وقد اندرج فيها كل أنواع الذنوب فالمراد غفر جميع أنواع الذنوب ما عدا الشرك فإنه لا يغفر إلا بالدخول في الإسلام لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)
(قوله أن تصلي أربع ركعات الخ) أن مصدرية أوّلت ما بعدها بمصدر خبر مبتدإ محذوف والتقدير تلك العطية التي أعطيك إياها أو تلك المنحة هي صلاتك أربع ركعات بنية صلاة التسابيح في غير الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها والظاهر أنها بسلام واحد، وذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال إن صلاها ليلًا فأحب إليّ أن يسلم من كل ركعتين وإن صلاها نهارًا فإن شاء سلم وإن شاء لم يسلم
(قوله وسورة) أيّ سورة شئت. وقد قيل يقرأ فيها تارة بإذا زلزلت والعاديات والعصر والإخلاص وتارة بألهاكم والعصر والكافرون والإخلاص. وقيل الأفضل أن يقرأ فيها أربعًا من التسابيح وهي الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن
(قوله فإذا فرغت من القراءة وأنت قائم قلت الخ) أي قلت حال قيامك قبل الركوع سبحان الله الخ وفي رواية الترمذي من حديث أبي رافع فإذا انقضت القراءة فقل الله أكبر والحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله خمس عشرة مرة قبل أن تركع اهـ
وفيها دليل على أن الترتيب بين هذه الكلمات غير لازم. وفيها وفي رواية الباب أن التسبيح بعد القراءة لا قبلها وبه قال جمهور الفقهاء.
وعن ابن المبارك أنه كان يسبح قبل القراءة وبعدها. ففي الترمذي عن أحمد بن عبدة حدثنا أبو وهب قال سألت عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبح فيها فقال تكبر "يعني تكبيرة الإحرام" ثم تقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم تقول خمس عشرة مرة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم تتعوذ وتقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وفاتحة الكتاب وسورة ثم تقول عشر مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم تركع فتقولها عشرًا ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا ثم تسجد فتقولها عشرًا ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا ثم تسجد ثانيًا فتقولها عشرًا تصلي أربع ركعات على هذا فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة. تبدأ في كل ركعة بخمس عشرة تسبيحة ثم تقرأ ثم تسبح عشرًا اهـ
فعلم منه أنه كان يسبح قبل القراءة خمس عشرة مرة وبعدها عشرًا والباقي كما في الحديث
غير أنه لا يسبح بعد الرفع من السجدة الثانية بل يقوم للقراءة
"قال في المرقاة" قال السبكي. وجلالة
ابن المبارك تمنع من مخالفته وإنما أحب العمل بما تضمنه حديث ابن عباس ولا يمنعني من
стр. 2277
التسبيح بعد السجدتين الفصل بين الرفع والقيام فإن جلسة الاستراحة حينئذ مشروعة في هذا المحل. وينبغي للمتعبد أن يعمل بحديث ابن عباس تارة وبحديث ابن المبارك أخرى اهـ
وقال المنذري جمهور الرواة على الصفة المذكورة في حديث ابن عباس وأبى رافع والعمل بها أولى إذ لا يصح ضع غيرها اهـ
وحديث أبي رافع أخرجه ابن ماجه والترمذي بلفظ يأتي في التخريج
(قوله ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرًا) أي بعد تسبيح الركوع كما في الترمذي قال أبو وهب وأخبرني عبد العزيز بن أبي رزمة عن عبد الله، يعني ابن المبارك، أنه قال يبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم وفي السجود بسبحان ربي الأعلى ثلاثًا ثم يسبح التسبيحات اهـ
وكذا التسبيح حال الاعتدال من الركوع إنما يكون بعد التحميد. وكذا حال الجلوس بين السجدتين يكون بعد الدعاء بنحو رب اغفر لي وارحمني
(قوله ثم ترفع رأسك الخ) أي هما السجدة الثانية فتقولها عشرًا قبل أن تقوم كما صرّح به في رواية لابن ماجه والترمذي. وهو نص في مشروعية جلسة الاستراحة في هذه الصلاة. وتقدم عن ابن المبارك أنه أسقط التسبيح هنا وجعله بعد القراءة
(قوله فذلك خمس وسبعون الخ) أي ما ذكر من التسبيحات خمس وسبعون في كل ركعة فإن سها ونقص عددًا ما محله أتى به في محل آخر تكملة للعدد المطلوب. أما إن سها أثناء الصلاة بما يترتب عليه سجود السهو فلا يسبح في سجدتي السهو إلا تسبيح السجود المعلوم ففي الترمذي من طريق عبد العزيز بن أبي رزمة قال قلت لعبد الله بن المبارك إن سها فيها أيسبح في سجدتي السهو عشرًا عشرًا قال لا إنما ثلثمائة تسبيحة
(قوله إن استطعت أن تصليها الخ) الغرص منه الترغيب في فعلها مع وإنما التوسعة في وقتها
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه ابن ماجه والبيهقي في الدعوات وابن خزيمة والطبراني والحاكم والخطيب والآجرى وأبو سعيد السمعاني وأبو موسى المديني وابن حبان وأخرجه ابن ماجه والترمذي من طريق أبي رافع قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للعباس يا عم ألا أصلك ألا أحبوك ألا أنفعك قال بلى يا رسول الله قال يا عم صل أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة القرآن وسورة فإذا انقضت القراءة فقل الله أكبر والحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله خمس عشرة مرة قبل أن تركع ثم اركع فقلها عشرًا ثم ارفع رأسك فقلها عشرًا ثم اسجد فقلها عشرًا تم ارفع رأسك فقلها عشرًا ثم اسجد الثانية فقلها عشرًا ثم ارفع رأسك فقلها عشرًا قبل أن تقوم فتلك خمس وسبعون في كل ركعة وهي ثلثمائة في أربع ركعات فلو كانت ذنوبك مثل رمل عالج لغفرها الله لك قال يا رسول الله ومن يستطيع أن يقولها في يوم قال فإن لم تستطع أن تقولها في يوم فقلها في جمعة فإن لم تستطع أن تقولها في جمعة فقلها في شهر فلم يزل يقول له حتى قال قلها في سنة. قال الترمذي هذا حديث غريب
стр. 2278
من حديث أبي رافع اهـ وعالج بعين مهملة آخره جيم ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض، وهو اسم موضع أيضًا. قال الترمذي وقد ورد عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غير حديث في صلاة التسبيح ولا يصح منه كبير شئ. وقد روى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح وذكروا الفصل فيه اهـ.
وقد تكلم الحفاظ في هذا الحديث. والصحيح أنه حديث ثابت ينبغي العمل به وقد صححه ابن خزيمة والحاكم وحسنه جماعة. وقال العسقلاني هذا حديث حسن وقد أساء ابن الجوزي بذكره في الموضوعات. وقال الدارقطني أصح شئ ورد في فضائل السور فضل قل هو أحد. وأصح شئ ورد في فضائل الصلوات فضل صلاة التسبيح. وقال عبد الله بن المبارك صلاة التسبيح مرغب فيها يستحب أن يعتادها في كل حين ولا يتغافل عنها. وقال ابن حجر في الأمالي لا بأس بإسناد حديث ابن عباس وهو من شرط الحسن فإن له يشواهد تقويه قال وممن صحح هذا الحديث وحسنه ابن منده وأبو الحسن بن المفضل المنذري وابن الصلاح والنووي والسبكي وآخرون اهـ
وقال الزركشي غلط ابن الجوزي في إخراج حديث صلاة التسبيح في الموضوعات لأنه روى من ثلاث طرق "أحدها" حديث ابن عباس وهو صحيح ليس بضعيف فضلًا عن أن يكون موضوعًا وغاية ما علله بموسى بن عبد العزيز فقال مجهول وليس كذلك فقد روى عنه جماعة. ولو ثبتت جهالته لا يلزم أن يكون الحديث موضوعًا ما لم يكن في إسناده من يتهم بالوضع "والطريقان" الآخران في كل منهما ضعف. ولا يلزم من ضعفهما كون الحديث موضوعًا اهـ
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ الأُبُلِّيُّ نَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ أَبُو حَبِيبٍ نَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ نَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ يُرَوْنَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "ائْتِنِي غَدًا أَحْبُوكَ وَأُثِيبُكَ وَأُعْطِيكَ". حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُعْطِينِي عَطِيَّةً قَالَ "إِذَا زَالَ النَّهَارُ فَقُمْ فَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ". فَذَكَرَ نَحْوَهُ قَالَ "تَرْفَعُ رَأْسَكَ - يَعْنِي مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ - فَاسْتَوِ جَالِسًا وَلاَ تَقُمْ حَتَّى تُسَبِّحَ عَشْرًا وَتَحْمَدَ عَشْرًا وَتُكَبِّرَ عَشْرًا وَتُهَلِّلَ عَشْرًا ثُمَّ تَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ". قَالَ "فَإِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَعْظَمَ أَهْلِ الأَرْضِ ذَنْبًا غُفِرَ لَكَ بِذَلِكَ". قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُصَلِّيَهَا تِلْكَ السَّاعَةَ
стр. 2279
قَالَ "صَلِّهَا مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ خَالُ هِلاَلٍ الرَّأْيِ.
(ش) (رجال الحديث) (محمد بن سفيان) بن أبي الزرد بفتح الزاي وسكون الراء قيل اسمه يعقوب. روي عن حبان بن هلال وسعيد بن عامر الضبعي وبكير بن بكار وعثمان بن عمر بن فارس وأبي عاصم وغيرهم. وعنه أبو داود وابن أبي عاصم وسعيد بن موسي وابن خزيمة وطائفة. قال الآجري سمعت أبا داود يثني عليه وذكره بن حبان في الثقات و (الأبلي) بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام نسبة إلي أبلة بلدة علي شاطئ دجلة في زاوية الخليج الذي يدخل علي مدينة البصرة. و (حبان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة (ابن هلال) الباهلي أو الكناني البصري. وعنه أحمد بن سعيد الدارمي وإسحاق بن منصور وعبد بن حميد ومحمد ابن سفيان وجماعة. وثقة بن معين ووالترمذي والنسائي وقال ابن سعد وكان ثقة ثبتًا وقال البزار ثقة مأمون. روي له الجماعة. مات بالبصرة سنة عشر ومائتين. و (مهدي بن ميمون) أبو يحيي الأسدي البصري. روي عن أبي رجاء العطاردي والحسن البصري وابن سيرين وهشام بن عروة وآخرين. وعنه هشام بن حسن وابن مهدي وابن المبارك ووكيع وحبان بن هلال وأبو داود وأبو وليد الطيالسيان وغيرهم. وثقة شعبة وأحمد والنسائي وابن معين والعجلي وابن خراش وذكره بن حبان في الثقات. مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. و (عمرو بن مالك) أبو يحيي أو أبو مالك النكري. روي عن أبيه وأبي الجوزاء وعنه ابنه يحيي ونوح بن قيس ومهدي بن ميمون وعباد بن عباد وغيرهم. ذكره بن حبان في الثقات وقال يعتبر حديثه من غير رواية ابنه يخطئ ويغرب. مات سنة تسع وعشرين ومائة. روي له النسائي وابن ماجة والترمذي وأبو داود. و (أبو الجوزاء) بفتح الجيم وسكون الواو هو أوس بن عبد الله البصري تقدم بصفحة ١٨٩ من الجزء الخامس
(قوله يرون الخ) مبني للمجهول أي يظن أهل المعرفة بالرجال أنه عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي
(معنى الحديث)
(قوله ائتني غدًا) اسم لليوم بعد يومك. وإنما لم يعلمه في الحال لغرض التشويق والاهتمام لما سيلقى إليه
(قوله وأثيبك الخ) أي أعطيك جائزة من أثابه يثيبه إثابة والاسم الثواب ويكثر استعماله في الخير. وقوله حتى ظننت أنه يعطيني عطية يعني حسية لكنها معنوية
(قوله إذا زال النهار) أي مالت الشمس عن وسط السماء إلي جهة الغرب في رأي العين
(قوله فذكر نحوه) أي نحو الحديث المتقدم من قراءة الفاتحة والسورة ثم التسبيح خمس عشرة مرة الخ
(قوله قال ثم ترفع رأسك الخ) أعاده لما فيه من زيادة بيان لم يكن في الرواية السابقة دفعًا لما يستغرب من طول الجلوس في هذا المحل. وقد تقدم أن فيه نصًا علي مشروعية جلسة الاستراحة في هذه الصلاة
стр. 2280
(قوله
(ص) ولا تقم حتى تسبح عشرًا الخ) المراد أنه يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وليس المراد أنه يقول كل واحدة منها عشرًا على انفرادها
(قوله صلها من الليل والنهار) يعني ما عدا أوقات النهي
(وفي الحديث) دليل عل استحباب صلاة التسابيح وأن تفعل بعد الزوال قبل صلاة الظهر إن تيسر وإلا ففي وقت آخر غير وقت النهي
(قوله وحبان بن هلال خال هلال الرأى) غرض المصنف بهذا زيادة إيضاح لحبان في هلال فلعل هلالًا الرأى كان مشهورًا. ولقب بالرأى لسعة علمه وكثرة فقهه كما لقب ربيعة شيخ مالك بذلك وفي أكثر النسخ الرائي بصيغة اسم الفاعل. وفي بعضها الرازي وهو غلط من النساخ فإنه بصري كما ذكره في الميزان
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البيهقي من طريق أبي جناب الكلبي عن أبي الجوزاء عن ابن عمرو قال قال لي النبي صلى الله تعالي عليه وعلي آله وسلم ألا أحبوك ألا أعطيك فذكر الحديث باللفظ الذي تقدم للترمذي عن ابن المبارك. قال المنذري رواة هذا الحديث ثقات لكن قال ابن حجر في أمالي الأذكار اختلف فيه على أبي الجوزاء. فقيل عنه عن ابن عباس. وقيل عنه عن عبد الله بن عمرو. وقيل عنه عن ابن عمر، وروايته عن ابن عباس اختلف عليه فيها أيضًا، فروي عنه عن ابن عباس مرفوعًا، وروى عنه عن ابن عباس موقوفًا عليه. أما المرفوع فرواه الطبراني في الأوسط من طريق يحيي بن عقبة عن محمد بن جحادة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال يا أبا الجوزاء ألا أحبوك ألا أنحلك قلت بلي قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسم يقول من صلى أربعًا فذكر الحديث. قال ابن حجر في الأمالي كلهم ثقات إلا يحيى ابن عقبة فإنه منزوك. وأما الموقوف فذكره المصنف بعد التعليق الآتي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ الْمُسْتَمِرُّ بْنُ الرَّيَّانِ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا
(ش) أي روى هذا الحديث المستمر بن الريان بسنده إلى عبد الله بن عمرو حال كونه موقوفًا عليه وأشار المصنف بهذا الطريق والذي بعده إلى تقويه الحديث. فقد قال أبو بكر الخلاف في كتاب العلل قال علي بن سعيد سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسبيح فقال ما يصح عندى فيها شيء فقلت حديث عبد الله بن عمرو، قال كل يرويه عن عمرو بن مالك "يعني وفيه مقال" فقلت قد رواه المستمر ابن الريان عن أبي الجوزاء قال من حدثك قلت مسلم بن إبراهيم فقال المستمر شيخ ثقة، وكأنه أعجبه اهـ
قال الحافظ ابن حجر وكأن أحمد لم يبلغه إلا من رواية عمرو بن مالك النكري فلما أبلغه متابعة المستر أعجبه. فظاهره أنه رجع عن تضعيفه، وقد أخرج هذا التعيق والذي بعده البيهقي
стр. 2281
بلفظ المصنف. و (المستمر بن الريان) بالتحتانية هو الأيادي الزهراني أبو عبد الله البصري رأى أنسًا. روى عن أبي نضرة العبدي وأبي الجوزاء. وعنه شعبة ويحيى القطان ومسلم بن إبراهيم وأبو عاصم وأبو داود الطيالسي وغيرهم. وثقه يحيي القطان وأحمد وابن حبان والحاكم وقال أبو داود الطيالسي كان صدوقًا ثقة وقال أبو حاتم شيخ ثقة. روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
(ص) وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَجَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ النُّكْرِيِّ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَقَالَ فِي حَدِيثِ رَوْحٍ فَقَالَ حَدَّثْتُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) أي روى الحديثَ المذكور روح بن المسيب وجعفر بن سلمان الضبعي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس موقوفًا عليه. قال الحافظ في أمالي الأذكار ورواية روح وصلها الدارقطني في كتاب صلاة التسبيح من طريق يحيي بن يحيي النيسابوري عن رواح اهـ
وروح قال فيه ابن حبان روى الموضوعات الثقات لا تحل الرواية عنه. وجعفر بن سليمان صدوق له مناكير وضعفه يحيي القطان وغيره وأخرج له مسلم. ذكره الزبيدى
(قوله وقال في حديث روح الخ) أي قال يحيى بن يحيى تلميذ روح فقال ابن عباس حدثت بهذا الحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعني لا أقوله من عندي. وفي بعض النسخ فقال حديث النبي. صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أي قال ابن عباس بعد ذكر الحديث هذا حديث النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم
(فقد علم) أن صلاة التسبيح رويت عن ابن عباس. من طريقين "طريق" الحكم عن عكرمة عنه وهو أصح الطريقين "الثاني" طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس. وقد رواها عنه أيضًا عطاء ومجاهد. أما حديث عطاء فأخرجه الطبراني في الكَبير من طريق نافع أبي هرمز عن عطاء عن ابن عباس. قال ابن حجر في الأمالي ورواته ثقات إلا أبا هرمز فإنه متروك اهـ.
لكن الذي روى عن عطاء هو نافع مولى يوسف وهو الذي قال فيه أبو حاتم متروك الحديث. أما نافع أبوهرمز فإنه مشهور الرواية عن أنس وعنه سعدويه. قال فيه النسائي ليس بثقة. ولينه ابن معين. فإن ثبتت رواية أبي هرمز عن عطاء فذكره في رواية الطبراني صحيح وإلا فهو من خطأ النساخ. وأما حديث مجاهد فأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق موسى بن جعفر بن أبي كثير عن عبد القدوس بن حبيب عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له يا غلام ألا أحبوك ألا أنحلك فذكر لحديث. قال الحافظ في الأمالي وعبد القدوس شديد الضعف. وقال الذهبي في الديوان
стр. 2282
عبد القدوس بن حبيب عن التابعين تركوه. أفاده الزبيدي في شرح الإحياء
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ حَدَّثَنِي الأَنْصَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِجَعْفَرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَذَكَرَ نَحْوَهُمْ قَالَ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ.
(ش) (رجال الحديث) (عروة بن رويم) أبو القاسم اللخمي. روى عن أنس وأبي إدريس الخولاني وأبى كبشة الأنماري وجابر بن عبد الله وآخرين. وعنه سعد بن عبد العزيز وعاصم بن رجاء ومحمد بن المهاجر وأبو فروة ويزيد بن سنان وهشام بن سعد وكثيرون وثقه ابن معين ودحيم والنسائي وقال أبو حاتم يكتب حديثه وقال عامة أحاديثه مرسلة وقال الدارقطني لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة خمس وثلاثين أو أربع وأربعين ومائة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه
(قوله حدثني الأنصاري) قيل إنه جابر بن عبد الله بدليل أن ابن عساكر أخرج في ترجمة عروة بن رويم أحاديث عن جابر وهو الأنصاري فجوَّز أن يكون هو الذي هاهنا. لكن تلك الأحاديث من رواية غير محمد بن مهاجر عن عروة قال الحافظ في الأمالي وقد وجدت في ترجمة عروة هذا للطبراني حديثي أخرجهما من طريق أبي توبة الربيع بن نافع "شيخ أبي داود" بهذا السند بعينه فقال فيهما حدثني أبو كبشة الأنماري فلعل الميم كبرت قليلًا فأشبهت الصاد. فإن يكن كذلك فصحابي هذا الحديث أبوكبشة. وعلى التقديرين فسند هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن فكيف إذا ضم إلى رواية أبي الجوزاء اهـ
فتحصل أن المراد بالأنصاري إما جابر أو أبو كبشة وهما صحابيان وجهالة الصحابي لا تضر
(معنى الحديث)
(قوله قال لجعفر بهذا الحديث) أي أخبر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعفر بن أبي طالب بحديث صلاة التسبيح
(وقوله فذكر نحوهم) أي ذكر الأنصاري في
حديثه نحو ما ذكره ابن عباس وابن عمرو في حديثهما فأراد بالجمع ما فوق الواحد
(قوله قال في السجدة الثانية الخ) أي قال الأنصاري في روايته كما قال ابن عمرو بن العاص في حديثه الذي في سنده مهدي بن ميمون قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم ترفع رأسك من السجدة الثانية فاستو جالسًا ولا تقم حتى تسبح عشرًا وتحمد عشرًا وتكبر عشرًا وتههلل عشرًا إلى آخر ما تقدم
(تتميم) قد علمت أن حديث صلاة التسبيح رواه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم
стр. 2283
ابن عباس وابن عمرو بن العاصى والأنصاري وأبو رافع. وكذا رواه الفضل بن العباس والعباس وعبد الله بن عّمرو وعلي بن أبي طالب وأخوه جعفر وعبد الله بن جعفر وأم سلة.
أما حديث الفضل بن العباس فأخرجه أبو نعيم في كتاب القربات من رواية موسي بن إسماعيل عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الطائي عن أبيه عن أبي رافع عن الفضل بن العباس أن النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال فذكره. قال الحافظ في الأمالي والطائي المذكور لا أعرفه ولا أباه وأظن أن أبا رافع شيخ الطائي ليس أبا رافع الصحابي بل هو إسماعيل بن رافع أحد الضعفاء اهـ.
وأما حديث العباس فقد أخرجه الدارقطني في الأفراد وأبو نعيم في القربات وابن شاهين في الترغيب من طريق أبي رجاء الخراساني عن صدقه عن عروة بن رويم عن ابن الديلمي عن العباس قال قال لي رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألا أهب لك ألا أعطيك ألا أمنحك فظننت أنه يعطينى شيئًا من الدنيا لم يعطه أحدًا قبلي قال أربع ركعات إذا قلت فيهن ما أعلمك غفرالله لك تبدأ فتكبر ثم تقرأ فاتحة الكتاب وسورة ثم تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة "الحديث" قال الحافظ وصدقة الدمشقي هو ابن عبد الله المعروف بالسمين وهو ضعيف من قبل حفظه ووثقه جماعة فيصلح في المتابعات. وغلط ابن الجوزي في قوله صدقة هو ابن يزيد الخراساني اهـ
وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الحاكم المستدرك من طريق أحمد بن داود بن عبد الغفار بسنده إلى حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن نافع عن ابن عمر وقال وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعفر بن أبي طالب إلى بلاد الحبشة فلما قدم اعتنقه وقبله بين عينيه ثم قال ألا أهب لك ألا أبشرك ألا أمنحك ألا أتحفك قال نعم يا رسول الله قال تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة ثم تقول بعد القراءة وأنت قائم قبل الركوع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله خمس عشرة مرة ثم تركع فتقولهن عشر اتمام هذه الركعة قبل أن تبتدئَ بالركعة الثانية تفعل في الثلاث ركعات كما وصفت لك حتى تم أربع ركعات وقال الحاكم هذا إسناد صحيح لا غبار عليه اهـ.
وتعقبه الذهبي في التلخيص بأن أحمد بن داود كذبه الدارقطني وقوله تمام هذه الركعة منصوب على نزع الخافض أي وهكذا تفعل إلى تمام هذه الركعة فتسبح عشرًا في الاعتدال من الركوع وعشرًا في السجود وعشرًا في الجلوس بين السجدتين وعشرًا في السجدة الثانية وعشرًا في جلسة الاستراحة بعد الرفع من السجدة الثانية. وأما حديث على فأخرجه الدارقطني من طريق عمر مولى غفرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لعلي بن أبي طالب يا على ألا أهدى لك فذكر الحديث. وفي سنده ضعف وانقطاع. وله طريق آخر أخرجه الواحدى من طريق أبي علي بن الأشعث وهو مطعون فيه. وأما حديث جعفر بن
стр. 2284
أبي طالب فأخرجه الدارقطني من رواية عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن على عن جعفر قال قال لي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكر الحديث. وأما حديث عبد الله بن جعفر فأخرجه الدارقطني من وجهين عن عبد الله بن زياد وابن سمعان عن معاوية وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيهما قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا أعطيك فذكر الحديث. وابن سمعان ضعيف.
وأما حديث أم سلمة فأخرجه أبو نعيم من طريق عمرو بن جميع عن عمرو بن قيس عن سعيد بن جبير عن أم سلمة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم قال للعباس يا عماه فذكر الحديث. وعمرو بن جميع ضعيف. وقال ابن عدي متهم بالوضع. وفي إدراك سعيد بن جبير أم سلمة نظر. أفاده الزبيدى في شرح الإحياء
(وعلى الجملة) فقد ورد في صلاة التسبيح عدة أحاديث أمثلها وأصحها حديث عكرمة عن ابن عباس المتقدم أول الباب وقد علمت تصحيحه عن كثير من العلماء وقد قال فيه مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح لا يروي في هذا الحديث إسناد أحسن من إسناد حديث عكرمة ولذا نص علي استحبابها كثير من العلماء كالشيخ أبي حامد الأسفرايني والغزالي والمحاملي والجويني وإمام الحرمين والقاضي حسين والبغوي والمتولي والرافعي وتبعهم النووي في الروضة.
وقال الحاكم ومما يستدل به على صحة الحديث استعمال الأئمة من أتباع التابعين إلى عصرنا هذا إياه ومواظبتهم عليه وتعليمه الناس منهم عبد الله بن المبارك اهـ
وقال الحافظ في التلخيص قد اختلف كلام الشيخ محيي الدين فوهاه في شرح المهذب فقال حديثها ضعيف وفي استحبابها عندي نظر لأن فيها تغييرًا لهيئة الصلاة المعروفة فينبغي أن لا تفعل وليس حديثها بثابت. وقال في تهذيب الأسماء واللغات قد جاء في صلاة التسبيح حديث حسن في كتاب الترمذي وغيره. وذكره المحاملي وغيره من أصحابنا وهي سنة حسنة. ومال في الأذكار أيضًا إلى استحبابها بل قوّاه واحتج له. وقال التقي السبكي صلاة التسبيح من مهمات مسائل الدين "ثم قال" بعد كلام طويل وإنما أطلت الكلام في هذه الصلاة لإنكار النووي لها واعتماد أهل العصر عليه فخشيت أن يغتروا بذلك فينبغي الحرص عليها. وأما من سمع عظيم الثواب الوارد فيها ثم يتغافل عنها فما هو إلا متهاون غير مكترث بأعمال الصالحين لا ينبغي أن يعدّ من أهل العزم في شيء. أفادة الزبيدى في شرح الإحياء
(باب ركعتي المغرب أين تصليان)
أي في بيان المكان الذى تصلى فيه الركعتان بعد صلاة المغرب
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنِي أَبُو مُطَرِّفٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ نَا مُحَمَّدُ
стр. 2285
بْنُ مُوسَى الْفِطْرِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ فَلَمَّا قَضَوْا صَلاَتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ بَعْدَهَا فَقَالَ "هَذِهِ صَلاَةُ الْبُيُوتِ".
(ش) (رجال الحديث) (أبو بكر بن أبي الأسود) هو عبد الله بن محمد بن حميد بن الأسود البصري قاضي همدان. روى عن جده أبي الأسود وعبد الرحمن بن مهدي وحماد بن زيد ويحيى القطان وغيرها. وعنه البخاري وأبو داود ويعقوب بن شيبة ويعقوب بن سفيان وجماعة. قال الخطيب كان حافظًا متقنًا، وقال ابن معين لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين. روى له البخاري وأبو داود والتزمذى. و (أبو مطرف محمد بن أبي الوزير) هو محمد بن عمر بن مطرف بن أبي الوزير الهاشمي مولاهم. روى عن شريك وموسى بن عبد الملك وحاتم بن إسماعيل وعبد الله بن جعفر وطائفة. وعنه أبو بكر بن أبي الأسود ومحمد بن يونس ومحمد بن معمر وآخرون. قال ابن خزيمة كان من ثقات أهل المدينة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم ليس به بأس. روى له أبو داود وابن ماجه
(قوله عن أبيه) هو إسحاق ابن كعب بن عجرة القضاعي حليف بني سالم. روى عن أبيه وأبى قتادة. وعنه ابنه سعد. قال ابن القطان مجهول الحال ما روى عنه غير ابنه سعد، وقال في التقريب مجهول الحال من الثالثة. قتل يوم الحرة. روى له أبو داود والترمذي
(معنى الحديث)
(قوله أتى مسجد بني عبد الأشهل) بطن من الأنصار
(قوله رآهم يسبحون بعدها الخ) أي يتنفلون بعد صلاة المغرب فقال هذه صلاة البيوت. وهو خبر بمعنى الأمر ففي رواية النسائي عليكم بهذه الصلاة في البيوت. وفي رواية أحمد اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم "للسبحة بعد المغرب" وبظاهر الأمر أخذ ابن أبي ليلي فقال بعدم صحة سنة المغرب في المسجد واستحسنه أحمد. وحمل الجهور الأمر على الندب للحديث الآتي أي أن الأفضل صلاة النوافل ولا سيما راتبة المغرب البعدية في البيوت لأنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الإخلاص ولما فيه من حصول بركة الصلاة في البيوت. وهذا في حق غير المعتكف أما هو فإنه يؤديها في المسجد بلا كراهة اتفاقًا. ومن الحديث أخذ العلماء أن الأفضل تأدية النوافل في البيوت
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه النسائي وأحمد والطحاوي. وفي إسناده إسحاق بن كعب وهو مجهول تفرد بهذا الحديث. وأخرجه ابن ماجه عن عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل ابن عياش عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال أتانا
стр. 2286
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بني عبد الأشهل فصلى بنا المغرب في مسجدنا ثم قال اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم. وإسناده ضعيف لأن رواية إسماعيل بن عياش وعبد الوهاب عند الشاميين ضعيفة. وأخرجه الترمذي من طريق إبراهيم بن أبي الوزير عن محمد بن موسى وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والصحيح ما روي عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي الركعين بعد المغرب في بيته اهـ
(ص) حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَرْجَرَائِيُّ نَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ نَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ.
(ش) (رجال الحديث) (يعقوب بن عبد الله) بن سعد بن مالك أبو الحسن الأشعري القمي روى عن أخيه عبد الرحمن وسهل بن ثعلبة وزيد بن أسلم وجعفر بن أبي المغيرة والأعمش وحفص بن حميد وغيرهم. وعنه ابن مهدي ومنصور بن سلمة والحسين بن موسى وإسماعيل بن أبان ومحمد بن سعيد وجماعة. قال النسائي ليس به بأس، وقال الدارقطني ليس بالقوى استشهد به البخاري في كتاب الطب من صحيحه. ووثقه أبو القاسم الطبراني وابن حبان. مات سنة أربع وسبعين ومائة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي. و (جعفر بن أبي المغيرة) دينار الخزاعى القمي. روى عن سعيد بن جبير وعكرمة وشهر بن حوشب وأبي الزناد وسعيد في عبد الرحمن. وعنه ابنه الخطاب وحسان بن عليّ ومطرف بن طريف ويعقوب بن عبد الله القمي وثقه أحمد وابن حبان وقال ابن منده ليس بالقوي. روى له أبو داود والترمذي والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب) محمول على بعض الأوقات فلا ينافي أنه كان يقرأ فيهما بسورتي الكافرون والإخلاص. فقد أخرج الترمذي عن عبد الله ابن مسعود أنه قال ما أحصي ما سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بقل يأيها الكافرون وقل هو الله أحد.
وأخرجه ابن ماجه مقتصرًا على ركعتي المغرب (وفي الحديث) دليل على مشروعية تطويل القراءة في الركعتين بعد المغرب، وعلى جواز تأديتهما في المسجد. ويحتمل أنه كان يفعل ذلك وقت الاعتكاف أو كان ذلك لعذر منعه من دخول البيت. قال الترمذي وقد روى عن حذيفة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة.
ففي هذا الحديث دلالة أن النبي ﵌ صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد اهـ
стр. 2287
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البيهقي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ نَصْرٌ الْمُجَدَّرُ عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ وَأَسْنَدَهُ مِثْلَهُ.
(ش) أي روى هذا الحديث نصر بن زيد المجدر واسنده إلى عبد الله بن عباس كما أسنده طلق بن غنام. وغرض المصنف بذكر هذا وما بعده بيان أن الحديث روى من عدة طرق. وهذا الطريق معلق. وقد أخرجه البيهقي بلفظ المصنف. هذا و (نصر) هو ابن زيد أبو الحسن البغدادي مولى بني هاشم. روى عن مالك ويعقوب بن عبد الله وشريك. وعنه محمد بن الصباح الدولابي ومحمد بن عيسى بن الطباع، قال ابن معين لا بأس به وثقه ابن سعد وقال صاحب حديث. روى له أبو داود. و (المجدر) بصيغة اسم المفعول من قام به الجدري وهو جروح تنفط على الجلد ممتلئة ماء ثم تنفتح. و (القمي) بضم القاف وتشديد الميم نسبة إلى قم بلد بالعجم كان أكثر أهلها شيعًا
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ نَا نَصْرٌ الْمُجَدَّرُ عَنْ يَعْقُوبَ مِثْلَهُ.
(ش) أي حدثنا الحديث السابق محمد بن عيسى عن نصر عن يعقوب القمي مثل حديث طلق ابن غنام وهذا الطريق مسند ذكر المصنف فيه شيخه
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ قَالاَ نَا يَعْقُوبُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِمَعْنَاهُ مُرْسَلٌ.
(ش) هذا طريق رابع لحديث ابن عباس لكنه مرسل لعدم ذكر الصحابي فيه وقد أخرجه البيهقي أيضًا مرسلًا. وهذا باعتبار الظاهر. وأما في الواقع فموصول فقد بين المصنف الصحابي بأنه ابن عباس بقوله
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ يَعْقُوبَ يَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ حَدَّثْتُكُمْ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَهُوَ مُسْنَدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) قد أفاد أن كل ما حدث به يعقوب بن عبد الله عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن حبير عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهو مسند عن ابن عباس وإن كان ظاهره الإرسال
(وعلى الجملة) فقد ذكر المصنف لحديث ابن عباس أربع طرق يريد
стр. 2288
بذلك تقويته وفي كل منها يعقوب بن عبد الله، قال فيه الدارقطني ليس بالقوى، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء ووثقه غيرهما كما تقدم. هذا و (محمد بن حميد) بن حبان أبو عبد الله الرازي. روى عن يعقوب بن عبد الله وإبراهيم بن المختار وابن المبارك وهارون بن المغيرة وأبى داود الطيالسي. وعنه أحمد ويحيى بن معين وأبو داود والترمذي وابن ماجه وآخرون وثقه ابن معين وجعفر ابن أبي عثمان الطيالسي. وقال النسائي والجوزجاني غير ثقة. وقال صالح ابن محمد الأسدي كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه وما رأيت أحدًا أجرأ علي الله منه كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض، وقال أبو زرعة كان يتعمد الكذب وقال ابن حبان يتفرد عن الثقات بالمقلوبات
(باب الصلاة بعد العشاء)
وفي نسخة باب في الصلاة بعد العشاء
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ الْعُكْلِيُّ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ حَدَّثَنِي مُقَاتِلُ بْنُ بَشِيرٍ الْعِجْلِيُّ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ سَأَلْتُهَا عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَيَّ إِلاَّ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ وَلَقَدْ مُطِرْنَا مَرَّةً بِاللَّيْلِ فَطَرَحْنَا لَهُ نِطْعًا فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى ثُقْبٍ فِيهِ يَنْبُعُ الْمَاءُ مِنْهُ وَمَا رَأَيْتُهُ مُتَّقِيًا الأَرْضَ بِشَىْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ قَطُّ.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله العكلي) نسبة إلى عكل بضم العين المهملة وسكون الكاف قبيلة و (مالك بن مغول) بكسر فسكون ابن عاصم بن غزية بن حارثة بن خديج أبو عبد الله البجلي الكوفي. روى عن أبي إسحاق السبيعي ونافع مولى ابن عمر وسماك بن حرب والزبير بن عدي والشعبي وكثيرين. وعنه شعبة والثوري وزائدة وابن عيينة ووكيع ويحيى بن سعيد القطان وابن المبارك. وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وأبو نعيم، وقال ابن سعد كان ثقة مأمون الحديث فاضلًا خيرًا. وقال ابن حبان كان من عباد أهل الكوفة ومتقنيهم. مات سنة تسع وخمسين ومائة. روى له الجماعة. و (مقاتل بن بشير) روى عن شريح بن هانئ وموسى بن أبي موسى
стр. 2289
الأشعري. وعنه مالك بن مغول. ذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائي و (العجلي) نسبة إلى عجل بكسر المهملة وسكون الجيم أو بفتحهما قبيلة من ربيعة سميت باسم عجل بن لجيم بن صعب
(معنى الحديث)
(قوله سألتها عن صلاة رسول الله) أي عن تنفله بعد العشاء
(قوله إلا صلى أربع ركعات) هي راتبة العشاء البعدية مؤكدتان والباقي مستحب لحديث من ثابر على ثنتي عشرة ركعة وفيه وركعتين بعد العشاء، رواه ابن ماجه وغيره عن عائشة
(قوله أوست ركعات) الظاهر أن أوللتنويع أي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلي تارة أربعًا وتارة ستًا وهذا هو الغالب من أحواله، فلا ينافي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلي ركعتين كما في رواية مسلم من حديث عائشة وفيه ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين الخ ونحوه في حديث ابن عمر عند الشيخين
(قوله ولقد مطرنا الخ) أي أصابنا المطر فطرحنا له نطعًا وهو ما يتخذ من الجلد للصلاة عليه. وفيه أربع لغات كسر النون وفتحها مع سكون الطاء وفتحها وجمعه أنطاع ونطوع
(قوله فكأنى أنظر إلى ثقب فيه) أي إلى خرق في النطع، وذكرت ذلك للإشارة إلى أنها متأكدة من الحادثة ومستحضرة لها
(قوله ينبع الماء منه) أي يخرج منه الماء. وينبع من بابي قعد ونفع
(قوله وما رأيته متقيًا الأرض الخ) أي ما رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متجنبًا مباشرة الأرض لصون ثيابه من طين ونحوه فالباء في قوله بشيء تعليلية. وفي الحديث دلالة على مشروعية صلاة أربع ركعات أوست بعد صلاة العشاء. وعلى استحباب تأديتها في البيت. وعلى أنه يعفى عما يصيب ثوب المصلي من أثر المطر
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه النسائي وكذا أحمد مختصرًا عن عائشة قالت ما صلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم العشاء قط فدخل عليّ إلا صلى أربع ركعات أوست ركعات. وأخرج الطبراني نحوه عن ابن عباس مرفرعًا من صلى أربع ركعات خلف العشاء قرأ في الركعتين الأوليين قل يأيها الكافرون وقل هو الله أحد وفي الركعتين الأخيرتين تنزيل السجدة وتبارك الذى بيده الملك كتبن له كأربع ركعات من ليلة القدر وفي إسناده يزيد بن سنان ضعفه قوم ووثقه آخرون
(باب نسخ قيام الليل)
وفي بعض النسخ أبواب قيام - اللبل باب نسخ قيام الليل والتيسير فيه
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ابْنُ شَبُّويَةَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ
стр. 2290
عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْمُزَّمِّلِ (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا نِصْفَهُ) نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِى فِيهَا (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) وَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ أَوَّلُهُ وَكَانَتْ صَلاَتُهُمْ لأَوَّلِ اللَّيْلِ يَقُولُ هُوَ أَجْدَرُ أَنْ تُحْصُوا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَذَلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا نَامَ لَمْ يَدْرِ مَتَى يَسْتَيْقِظُ وَقَوْلُهُ (أَقْوَمُ قِيلًا) هُوَ أَجْدَرُ أَنْ يُفْقَهَ فِي الْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) يَقُولُ فَرَاغًا طَوِيلًا.
(ش) (رجال الأثر) (علي بن حسين) بن واقد المروزي. روى عن أبيه وهشام ابن سعد وابن المبارك وخارجة بن مصعب وأبي حمزة السكري. وعنه إسحاق بن راهويه ومحمود بن غيلان ومحمد بن رافع وسويد بن نصر وجماعة. قال النسائي لا بأس به وقال أبو حاتم ضعيف الحديث وقال البخاري لم أكتب عنه وكان إسحاق بن راهويه سيء الرأى فيه لعلة الإرجاء. توفي سنة إحدى أو اثنتي عشرة ومائتين. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب. و (يزيد النحوي) هو ابن أبي سعيد أبو الحسن القرشي مولاهم المروزي. روى عن مجاهد وعكرهة وعبد الله وسلمان ابني بريدة. وعنه أبو عصمة وحسين بن واقد ويسار المعلم ومحمد بن بشار وغيرهم. وثقه أبو زرعة وأبو داود والنسائي وابن معين، وقال الدارقطني حسبك به ثقة ونبيلًا. وقال ابن حبان كان متقنًا من العباد تقيًا من الرفعاء توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب. و (عكرمة) مولى ابن عباس تقدم بالجزء الأول صفحة ٢٤١
(المعنى)
(قوله قال في المزمل) أي في سورة المزمل وهي مكية إلا آية إن ربك يعلم أنك تقوم إلى آخرها فإنها مدنية. والمزمل أصله المتزمل ففيه قلب التاء زايًا وإدغامها في الزاي أي المتحمل للنبوة أو القرآن: وقيل المزمل المتلفف في ثيابه وذلك أن النبي ﵌ كان في بدء نزول الوحي في غار حراء قال فجاء في الملك فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارى فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) حتى بلغ (مَا لَمْ يَعْلَمْ)، فرجعت بها يرجف فؤادي فدخلت
стр. 2291
على خديجة بنت خويلد فقلت زملوني زملوني فزملوني حتى ذهب عني الروع "الحديث" رواه البخاري عن عائشة
(قوله قم الليل الخ) أي قم في الليل للصلاة فيه وقوله إلا قليلًا نصفه استثناء من الليل ونصفه وما عطف عليه بيان للقليل ففيه التخيير بين قيام نصف الليل بتمامه أو قيام أنقص منه قليلًا أو زيادة عليه. والضمير في منه وعليه عائد على النصف. فيكون المعنى قم نصف الليل وبه جزم الطبري وهو قول عطاء الخراساني "ولا يقال" إن النصف مساو للنصف الآخر لا أقل معه فكيف يسوغ كونه بيانًا للقليل "لأن النصف" يوصف بالقلة بالنظر لكل الليل لا بالنظر للنصف الآخر. ويحتمل أن يكون نصفه بدلًا من الليل وإلا قليلًا استثناء من النصف فكأنه قال قم أقل من نصف الليل أو زد على النصف فيَكون التخيير بين أمرين الاقتصار علي أقل من النصف وعدم الاقتصار عليه بأن يفعله أو يزيد عليه
(قوله نسختها الآية الخ) أي نسخت هذه الآية التي فيها الأمر بقيام الليل الآية التي في السورة وهي قوله تعالى إن ربك يعم أنك تقوم الخ
(قوله علم أن لن تحصوه الخ) أي علم الله عدم استطاعتكم تقدير أوقات القيام وضبط ساعاته فتاب عليكم أي خفف عليكم بعد الشدة ورخص لكم في ترك القيام المذكور فالمراد بالتوبة التوبة اللغوية لا التوبة من الذنوب
(قوله فاقرءوا ماتيسر من القرآن) يعني صلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل ولو ركعتين. وإطلاق القرأة علي الصلاة مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل. والأمر فيه للوجوب فيكون الواجب قيام بعض غير معين من الليل ثم نسخ وجوب القيام مطلقًا على ما يأتي. وقيل إن القراءة باقية على حقيقتها. وحمل جماعة الأمر فيه على الندب فيكون الله تعالى رخص في ترك جميع القيام وندب لقراءة شيء من القرآن ليلًا فكأنه قال فتاب عليكم ورخص في ترك القيام فاقرءوا ما تيسر من القرآن وبهذه القراءة تنالون ثواب القيام. فقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين. رواه المصنف في باب تحزيب القرآن وابن خزيمة وكذا ابن حبان إلا أنه قال ومن قام بمائتي آية كتب من المقنطرين أي ممن كتب له قناطير من الأجر. وعن معاذ أنه قال القنطار ألف ومائتا أوقية والأوقية خير مما بين السماء والأرض. وقد بين ابن عباس في تفسيره ما أجمله في هذا الحديث حيث قال قم الليل يعني قم الليل كله إلا قليلًا منه فاشتد ذلك على النبي صلي الله تعالى عليه وآله وسلم وعلي أصحابه وقاموا الليل كله ولم يعرفوا ما حد القليل، فأنزل الله تعالى نصفه أو انقص منه قليلًا، فاشتد ذلك أيضًا عليهم وقاموا حتى انتفخت أقدامهم ففعلوا ذلك سنة، فأنزل الله تعالى ناسختها فقال علم أن لن تحصوه يعني قيام الليل من الثلث والنصف، وكان هذا قبل فرض الصلوات الخمس. فلما فرضت نسخت هذه
стр. 2292
كما نسخت الزكاة كل صدقة وصوم رمضان كل صوم اهـ
وفي تفسير ابن الجوزي كان الرجل يسهر طول الليل مخافة أن يقصر فيما أمر به من قيام ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه فشق عليهم ذلك فخفف الله عنهم بعد سنة ونسخ وجوب التقدير بقوله علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر منه. أي صلوا ما تيسر من الصلاة ولو قدر حلب شاة. ثم نسخ وجوب قيام الليل بالصلوات الخمس بعد سنة أخرى، فكان بين وجوب تطويل قيام الليل وتخفيفه بالاقتصار على ركعتين سنة وبين وجوب تطويله ونسخه بالكلية سنتان.
وما قاله ابن عباس وتبعه ابن الجرزي وغالب المفسرين من أن نسخ وجوب قيام الليل وقع بالصلوات الخمس فيه نظر لأن وجوب الصلوات الخمس لا ينافي وجوب قيام الليل. شرط الناسخ أن يكون حكمه منافيًا لحكم المنسوخ. فالصواب أن يكون النسخ بحديث ضمام بن ثعلبة المتقدم في أول كتاب ألصلاة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبره بأن المفروض عليه خمس صلوات في اليوم والليلة فقال هل على غيرهن يا رسول الله قال لا إلا أن تطوع "الحديث" فقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا" ينفي وجوب أي صلاة كانت غير الخمس فينفي وجوب قيام الليل كثيرًا كان أو قليلًا. وقد يجاب بأن مراد ابن عباس وغيره بالنسخ الانتقال من حكم إلى حكم وإن لم يكن بينهما تناف.
والصحيح ما تقدم من أن آخر السورة نسخ أولها فصار قيام الليل تطوعًا بعد فرضيته وأن الأمر في قوله (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) للندب، وإليه ذهبت عائشة وغيرها كما سيأتي. وحكاه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل عن ابن عباس أيضًا واختاره
(قوله وناشثة الليل أوله) أي أول ساعاته يقال نشأ وأنشأ إذا خرج وابتدأ، وقيدها ابن عباس والحسن بما كان بعد العشاء، وكان زين العابدين يصلي بين العشاءين ويقول هذه ناشئة الليل، وقال ابن مسعود ناشئة الليل قيامه على أنها مصدر من نشأ إذا قام ونهض على وزن فاعلة كالعافية بمعنى العفو قاله الأزهري. وقال ابن قتيبة ناشئة الليل ساعاته لأنها تنشأ أي تبدو. ومنه نشأت السحابة إذا بدت. وقالت عائشة الناشئة القيام بعد النوم. وقيل هي القيام آخر الليل
(قوله وكانت صلاتهم لأول الليل) أي كانت صلاة الصحابة قيام الليل في أوله لئلا يستغرقهم النوم فلا يدركوا ما فرض عليهم من قيامه
(قوله يقول هو أجدر أن تحصوا الخ) أي يقول ابن عباس بيانًا لوجه ماذهب إليه من أن ناشثة الليل أوله إن القيام في أوله أحق بضبط مافرض عليهم من قيام الليل
(قوله هو أجدر أن يفقه في القرآن) هو تفسير من ابن عباس لقوله تعالى (وَأَقْوَمُ قِيلًا) ومعناه أن الليل أحق بأن يفهم فيه القرآن ما النهار لسكون الأصوات ولقلة الشواغل فيه. وقال مجاهد معناه أصون للقراءة وأثبت للقلب وقلة الرياء، وقرأ أنس أصوب قيلًا أي أصوب قراءة وأصح قولًا من النهار وفي رواية ابن جرير في تفسيره بسنده إلى ابن عباس قوله إن ناشئة الليل هي أشد وطأ يقول
стр. 2293
ناشئة الليل كانت صلاتهم أول الليل هي أشد وطأ يقول هو أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من القيام وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ اهـ
فجعل قوله هو أجدر تفسيرًا لقوله تعالى هي أشد وطأ، بخلاف ظاهر حديث الباب حيث جعله تفسيرًا لقوله تعالى (وَأَقْوَمُ قِيلًا)
(قوله يقول فراغًا طويلًا) أي يقول ابن عباس في تفسير قوله تعالى سبحًا طويلًا فراغًا طويلًا أي لك في النهار فراغ واتساع للأمور الدنيوية فاعملها فيه وتفرغ في الليل لطاعة ربك، والسبح مصدر سبح، الفراغ والتصرف في المعاش والتقلب والانتشار في الأرض كما في القاموس.
وفي المصباح سبح الرجل في الماء سبحًا من باب نفع والاسم السباحة بالكسر فهو سابح وسباح مبالغة وسبح في حوائجه تصرف فيها اهـ
وقرأ يحيى بن يعمر سبخًا بالخاء المعجمة الفراغ والنوم كما في القاموس. وقال الزمخشري أما السباخة بالخاء فاستعارة من سبخ الصوف وهو نفشه ونشر أجزاءه لانتشار الهم وتفرق القلب بالشواغل اهـ
(فقه الحديث) دل الحديث على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وعلى أن قيام الليل نصفه أو ثلثه أو ثلثيه كان فرضًا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وعلي أصحابه ثم خفف الله عنهم فنسخ وجوب قيام الليل في حقه وحقنا بقوله تعالى (فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ). قيل وليس في القرآن سورة نسخ آخرها أولها إلا هذه السورة. وقد اختلفت العلماء في قيام الليل على أقوال
(الأول) أنه ليس بفرض لقوله تعالى نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه. وبه قال بعضهم وقال التخيير ليس من شأن الفرض وإنما هو مندوب. ورد بأنه من باب الواجب المخير في مقداره ثم نسخ كما تقدم
(الثاني) أنه فرض على كل مسلم ولو قدر حلب شاة قاله الحسن البصري وابن سيرين لقوله تعالى (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ). وهو قول شاذ متروك لإجماع العلماء على أن قيام الليل نسخ بقوله تعالى (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) الآية وبحديث ضمام كما تقدم
(الثالث) أنه كان فرضًا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم وحده وهو قول مالك، وروى عن ابن عباس لظاهر قوله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك، أي فريضة زائدة على الصلوات الخمس خاصة بك دون أمتك. ولا يقال إن الخطاب له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خطاب لأمته, لأن محل هذا ما لم يقم دليل على الخصوصية كما هنا فإن قوله نافلة لك بعد قوله فتهجد دليل على أن الخطاب خاص به صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم دون أمته، قال في روح المعاني يدل على أن المراد ما ذكر ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال، ذلك خاصة للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر بقيام الليل وكتب عليه اهـ
(الرابع) أنه مندوب في حق النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وأمته وهو قول الجمهور وحكى عن ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم لما في مسلم والنسائي والبيهقي واللفظ له من طريق سعد بن هشام قال انطلقت إلى ابن عباس فسألته عن
стр. 2294
الوتر فقال ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم قال قلت من قال عائشة رضي الله تعالى عنها فأتها فسلها ثم أعلمني ما ترد عليك قال فانطلقت إليها فأتيت على حكيم بن أفلح فاستصحبته فانطلقنا إلى عائشة فاستأذنا فدخلنا فقالت من هذا قال حكيم بن أفلح فقالت من هذا معك قلت سعد بن هشام قالت ومن هشام قلت ابن عامر قال نعم المرء، كان عامر أصيب يوم أحد، قلت يا أم المؤمنين انبئيني عن خلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان القرآن قال فهممت أن أقوم فبدا لي فقلت أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أم المؤمنين، فقالت ألست تقرأ (يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) قال قلت بلى قالت فإن الله تعالى افترض القيام في أول هذه السورة فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة "الحديث". وفي العيني على البخاري قال الشافعي ﵀ سمعت بعض العلماء يقول إن الله تعالى أنزل فرضًا في الصلوات قبل فرض الصلوات الخمس فقال (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) فرضًا ثانيًا لقوله تعالى. ومن الليل فتهجد به نافلة لك فوجب طلب الدليل من السنة على أحد المعنيين فوجدنا سنة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن لا واجب من الصلوات إلا الخمس اهـ
"والحديث" أخرجه البيهقي
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ -يَعْنِي الْمَرْوَزِيَّ- نَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ أَوَّلُ الْمُزَّمِّلِ كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى نَزَلَ آخِرُهَا وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا سَنَةٌ.
(ش) (وكيع) بن الجراح تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٢. وكذا (مسعر) بن كدام بكسر ففتح صفحة ٢٠٦
(قوله كانوا يقولون الخ) أي كان النبي صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه يقومون لصلاة في صلاة الليل قيامًا طويلًا كقيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخر المزمل وهو قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) الخ وكان بين نزول أول سورة المزمل المنسوخ وآخرها الناسخ سنة. ويؤيده ما تقدم في حديث مسلم والنسائي والبيهقي عن عائشة وما أخرجه محمد بن نصر في قيام الليل بأسانيد صحيحة عن أبي عبد الرحمن السلمي والحسن
стр. 2295
وعكرمة وقتادة، قال وعن قتادة في قوله (يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)، افترض الله قيام الليل في أول هذه السورة فقام رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه حولًا فأمسك الله خاتمتها في السماء اثنى عشر شهرًا ثم أنزل الله التخفيف في آخرها صار قيام الليل تطوعًا من بعد فريضة اهـ.
وقيل كان بين الناسخ والمنسوخ ستة عشر شهرًا. ومقتضى هذين القولين أن النسخ وقع بمكة لأن إيجاب قيام الليل متقدم على فرض الخمس الذي كان ليلة الاسراء وكان الإسراء قبل الهجرة بأكثر من سنة علي الصحيح. واستشكل محمد بن نصر المروزي ذلك وقال الآية تدل على أن قوله تعالى (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) إنما نزل بالمدينة لقوله تعالى (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) والقتال إنما وقع بالمدينة لا بمكة اهـ
ورده الحافظ في الفتح فقال قبيل أبواب ستر العورة وما استدل به غير واضح لأن قوله تعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ) ظاهر في الاستقبال فكأنه امتن عليهم بتعجيل التخفيف قبل وجود المشقة التي علم أنها ستقع لهم اهـ
وقيل كانت مدة الفاصل بين أول السورة وآخرها عشر سنين، ففي تفسير ابن جرير الطبري حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد قال لما أنزل الله على نبيه يأيها (يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) قال مكث النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على هذا الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه فأنزل الله عليه بعد عشر سنين. (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ) إلى قوله (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) فخفف الله عنهم بعد عشر سنين اهـ
وعلى هذا فيكون الناسخ مدنيًا. وما دل عليه حديث الباب من أن الفاصل بين الناسخ والمنسوخ سنة أقوى لكثرة مايؤيده كما علمت
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البيهقي ومحمد بن نصر في كتاب قيام الليل وكذا ابن جرير الطبري في تفسيره من عدة طرق
(باب قيام الليل)
أي في بيان فضل قيام الليل والترغيب فيه.
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ
стр. 2296
نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ".
(ش) (أبو الزناد) هو عبد الله بن ذكوان تقدم بالأول صفحة ١٦٨.وكذا (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز
(قوله يعقد الشيطان) أي يربط الشيطان فالظاهر أن العقد باق على حقيقته لما في رواية ابن ماجه من طريق أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم بالليل بحبل فيه ثلاث عقد "الحديث".
وفي رواية محمد بن نصر على قافية رأس أحدكم بالليل حبل فيه ثلاث عقد. وروى أحمد إذا نام أحدكم عقد على رأسه بجرير. وفي رواية ابن حبان ما من ذكر ولا أنثى إلا ويعقد على رأسه بجرير، وهو حبل من جلد ويفعل الشيطان ذلك كما تفعل النفاثات في العقد، وأكثر ما يكون ذلك من النساء تأخذ إحداهن الخيط فتعقد فيه عقدًا وتقول عليها كلمات، ويحتمل أن العقد مجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم من منعه من الذكر والصلاة بفعل الساحر بالمسحور من منعه عن مراده، وقيل إنه قول يقوله الشيطان ينشأ عنه تأخير النائم عن القيام في الليل كتأثير السحر.
وقيل هو من عقد القلب وتصميمه فكأن الشيطان يوسوس في نفس النائم بأن عليك ليلًا طويلًا فتأخر عن القيام وقال في النهاية المراد تثقيله في النوم وإطالته فكأنه قد شد عليه شدًا وعقده ثلاث عقد. والشيطان يحتمل أن يراد به الجنس ويكون العاقد لذلك القرين أو غيره. ويحتمل أن يراد به إبليس ورده بعضهم بأن الغافلين عن قيام الليل كثيرون فلا يستطيع أن يعقد عليهم. وقد يقال لا مانع من ذلك لجواز أن يعطيه الله تعالى القدرة علي ذلك
(قوله على قافية رأس أحدكم) أي مؤخر عنقه، وقافية كل شيء مؤخره، ولعل تخصيص القفا لأنه محل الواهمة ومحل تصرفها وهي أطوع القوى للشيطان وأسرع إجابة لدعوته، وظاهر قوله أحدكم التعميم للمخاطبين ومن في معناهم لكن يخص منه الأنبياء، ولا يعارضه ما في رواية البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح" لامكان حمل حديث الباب على العقد المعنوي وحمل القرب في هذا الحديث على الحسي أو العكس أو حمل الحديثين على المعنوي أو الحسي، فيمكن تخصيص حديث الباب بحديث أبي هريرة أي فيعقد الشيطان على قافية رأس كل واحد إلا من قر أآية الكرسي عند نومه
(قوله يضرب مكان كل عقدة) وفي رواية للبخاري يضرب على مكان كل عقدة. وفي أخرى يضرب عند مكان كل عقدة أي يضرب بيده على العقدة تأكيدًا وإحكامًا لما يفعله. وقيل المراد أنه يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه فضربنا عن آذانهم أي حجبنا الحس أن في يلج آذانهم
(قوله عليك ليل طويل) أي يضرب قائلًا ذلك، وعليك
стр. 2297
خبر مقدم وليل مبتدأ مؤخر أي باق عليك ليل طويل فارقد، ويحتمل أن ليلًا فاعل لفعل محذوف أي بقى عليك ليل طويل. وفي رواية مسلم بالنصب علي الإغراء على تقدير مضاف أي الزم نوم ليل طويل، وعليه فقوله ارقد توكيد، ومقصود الشيطان بذلك التلبيس علي النائم وتثبيطه عن القيام للعبادة وظاهره اختصاص ذلك بنوم الليل. ولا يبعد حصول مثل ذلك من الشيطان لمن نام نهارًا
(قوله فذكر الله) أي بأى نوع من أنواع الذكر ومنه تلاوة القرآن وقراءة الحديث والعلم
(قوله فإن توضأ انحلت عقدة) هذا ظاهر فيمن كان محدثًا حدثًا أصغر أما الجنب فقيل لا تنحل العقدة بالوضوء بل بالغسل، وخص الوضوء بالذكر لأنه الغالب وقيل تنحل بوضوء الجنب لعموم الحديث
(قوله فإن صلى انحلت عقدة) هي بالإفراد في جميع الأقسام الثلاثة. وفي رواية مسلم فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان فإذا صلى انحلت العقد. وفي رواية البخاري بالإفراد في الأوليين وبالجمع في الثالثة والمؤدى واحد فإنه بانحلال العقدة الأخيرة تنحل العقد الثلاث، ويوافق رواية المصنف ما في حديث أحمد من قوله فإن ذكر الله انحلت عقدة واحدة وإن قام فتوضأ أطلقت الثانية فإن صلى أطلقت الثالثة. وظاهر رواية الجمع أن العقد تنحل كلها بالصلاة وهو كذلك في حق من لم يحتج للطهارة كمن نام متمكنًا ثم انتبه فصلى قبل الذكر والطهارة فإن الصلاة تجزئه في حل العقد كلها، أما من يحتاج إلى الطهارة فالمعنى علي رواية الجمع ثم انحلال عقده
(قوله فأصبح نشيطًا) أي خفيفًا راغبًا
في الطاعة نشيطًا في أحمال دينه ودنياه منشرح الصدر لما وفقه الله من الطاعة وبارك له في نفسه
وتصرفه في كل أموره وبما زال عنه من عقد الشيطان وبما وعد به من الثواب ورضا الرحمن
قال الله تعالى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(قوله وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) أي إن لم يفعل ما ذكر من الذكر والوضوء والصلاة ونام حتى فاتته صلاة الصبح أو صلاة التهجد علي الخلاف في ذلك أصبح محزون القلب كثير الهم متحيرًا في أمره ثقيل النفس غير منشرح الصدر متكاسلًا عن تحصيل مآربه لتركه فعل الخير وبعده عن الله تعالى وتمكن الشيطان منه. ومقتضى قوله وإلا أصبح الخ أن من لم يفعل الثلاثة "الذكر والوضوء والصلاة، داخل فيمن يصبح خبيثًا كسلان وإن أتى ببعضها وهو الظاهر لكنه متفاوت، فمن ذكر الله فقط كان في الخبث أخف ممن لم يذكر أصلًا. وهذا الذى مختص بمن لم ينو القيام إلى الصلاة وضيعها أما من نوى القيام أو كانت عادته القيام فغلبته عينه فقد ثبت أن الله يكتب له أجر صلاته ونومه عليه صدقة كما سيأتي للمصنف بعد. ولا يقال إن هذا الحديث يعارض حديث لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لَقِسَتْ نفسي أي ضعفت ذكره الحافظ في الفتح نقلًا عن ابن عبد البر
стр. 2298
لأن هذا الحديث فيه نهى الانسان أن يقول ذلك عن نفسه وحديث الباب إخبار عن صفة غيره للتنفير أو أن النهي في هذا الحديث محمول على ما إذا لم يكن هناك داع للوصف بذلك كالتنفير والتحذير وإلا جاز
(فقه الحديث) دل الحديث على الحث عل ذكر الله تعالى والوضوء والصلاة وإن قلت عند الاستيقاظ من النوم، فإن ذلك يبعد الشيطان ولا يكون له على من فعل ذلك سبيل. ولا يتعين للذكر لفظ مخصوص بل يكفي كل ما يصدق عليه ذكر الله، وأعظمه تلاوة القرآن، وأفضله ما ورد عن النبي صلي الله تعالى عليه وعليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت أنه صلى الله تعالى عليه وعليه آله وسلم قال من تعارّ من الليل فقال حين يستيقظ لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ولاحول ولا قوة إلا باللهِ. ثم دعا استجيب له. وما في حديث عائشة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا استيقظ من الليل قال لا إله إلا أنت سبحانك اللهم أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك. اللهم زدني علمًا ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة. إنك أنت الوهاب. وسيأتي ذلك في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى
(والحديث) أخرجه مالك في الموطأ وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ نَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ نَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَيْسٍ يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لاَ تَدَعْ قِيَامَ اللَّيْلِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ لاَ يَدَعُهُ وَكَانَ إِذَا مَرِضَ أَوْ كَسِلَ صَلَّى قَاعِدًا.
(ش) (رجال الحديث) (أبو داود) هو سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي و (عبد الله بن أبي قيس) وقيل ابن قيس أبو الأسود النصري الحمصي مولى عطية بن عازب روى عن مولاه وابن عمر وابن الزبير وأبى ذر وجماعة. وعنه محمد بن زياد ومحمد بن سليمان ومعاوية بن صالح وغيرهم، وثقه النسائي والعجلي، وقال أبو حاتم صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبخاري في الأدب
(معنى الحديث)
(قوله لا تدع قيام الليل) أي لا تترك التطوع في الليل اقتداء به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله أو كسل) من باب تعب أي أصابه فتور بنحو تعب
(قوله صلى قاعدًا) أي من غير أن ينقص من أجره شيء. فإن الله تعالى خصه بأن يكون ثواب تطوعه جالسًا كتطوعه قائمًا ولو بلا عذر كما تقدم بخلاف غيره. فإنه لو تنفل قاعدًا مع القدرة
стр. 2299
على القيام فله نصف أجر القائم. أما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلى جالسًا فله أجر القائم وقد تقدم تفصيل ذلك في باب الإمام يصلي من قعود
(وفي الحديث) الحث على صلاة الليل وأنها تجوز من قعود ولو مع القدرة على القيام وهو مجمع عليه
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البيهقي من طريق يونس بن حبيب عن أبي داود الطيالسي
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ نَا يَحْيَى نَا ابْنُ عَجْلاَنَ عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ".
(ش) (ابن بشار) هو محمد. و (يحيى) بن سعيد القطان. و (ابن عجلان) هو محمد و (القعقاع) بن حكيم. و (أبو صالح) هو ذكوان الزيات
(قوله رجم الله رجلًا) إخبار من الصادق صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم باستحقاق من فعل ذلك الرحمة. أو دعاء له بهما وثناء له بحسن ما فعله
(قوله فصلى) فرضًا أو نفلًا
(قوله وأيقظ امرأته) أي نبهها بالحكمة والموعظة الحسنة للصلاة. وكالمرأة غيرها من المحارم كما يدل عليه لفظ الأهل في الحديث الآتي. والواو في قوله وأيقظ لمطلق المجمع لا تفيد ترتيبًا فله إيقاظها قبل صلاته وبعدها، وذكر الصلاة في الحديث أولًا للإشارة إلى أنه ينبغي لمن يدعو غيره إلى خير أن يبادر بفعله. فإنه أدعى للامتثال
(قوله فإن أبت الخ) أي إن امتنعت عن القيام لا بعذر شرعي بل لنحو كسل نضح في وجهها الماء أي رش وجهها بماء. وخص الوجه بالنضح لأن رشه يذهب النوم أكثر من غيره
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز الدعاء للحي بالرحمة كما يدعى بها للميت، وعلي استحباب قيام الليل، وعلى حث الرجل أن يستيقظ أولًا ويأمر أهله بالخير، وعلى مشروعية إيقاظ النائم للتنفل، وعلى مشروعية حث من تكاسل عن الخير على فعله ولو بطريق الإزعاج من النوم وهو من باب التعاون على البر
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم. وقال حديث صحيح على شرط مسلم. وأخرجه البيهقي من طريق مسدد عن يحيى القطان
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ ح وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 2300
حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ -الْمَعْنَى- عَنِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالاَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ". وَلَمْ يَرْفَعْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَلاَ ذَكَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ جَعَلَهُ كَلاَمَ أَبِي سَعِيدٍ.
(ش) (ابن كثير) محمد تقدم في الجزء الأول صفحة ١٩٩. و (سفيان) الثوري و (مسعر) ابن كدام. و (شيبان) بن عبد الرحمن تقدم بالرابع صفحة ٥١. و (الأغرّ) أبو مسلم المدني نزل الكوفة روى عن أبي هريرة وأبي سعيد. وقد أعتقاه. وعنه علي بن الأقمر وأبو إسحاق السبيعي وطلحة بن مصرف وغيرهم. قال العجلي تابعي ثقة وقال البزار ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقر يب ثقة من الثالثة. روى له مسلم والأربعة والبخاري في الأدب
(قوله إذا أيقظ الرجل الخ) ومثله المرأة فلا مفهوم للرجل كما يدل عليه الحديث السابق، والمراد إذا استيقظ أحدهما فأيقظ الآخر وقيد بقوله إذا أيقظ الرجل نظر الغالب فلا ينافي أنهما إذا استيقظا معًا أو أيقظهما الغير وصليا يكون لهما هذا الأجر وأهله زوجته ومثلها غيرها ممن له به صلة من قرابة أو غيرها. إذ المقصود تنبيه الغير لفعل الخير
(قوله من الليل) أي فيه
(قوله أو صلى ركعتين الخ) أي صلى كل واحد منهما وهو شك من الراوي. وركعتين بيان لأقل ما يحصل به الاندراج في سلك الذاكرين الله كثيرًا سواء أكانتا نفلًا أم فرضًا
(قوله جميعًا) حال من ضمير التثنية في صليا أو من ضمير صلى، وقال الطيبي هي حال مؤكدة من فاعل صليا على التثنية لا الإفراد لأنه ترديد من الراوي فالتقدير فصليا ركعتين جميعًا ثم أدخل الراوي لفظ أو صلى بين المؤكد والمؤكد. فإن أريد تأكيد فاعله يقدر فصلى وصلت جميعًا فهو قريب من التنازع اهـ ببعض تصرف
(قوله كتب في الذاكرين الخ) وفي نسخة كتبًا بضمير التثنية أي أمر الله بكتابة من فعل ذلك مع من أثنى الله تعالى عليهم بقوله والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا. والمراد بالذكر ما يشمل أنواعه من تسبيح وتحميد وتهليل واستغفار وصلاة وسلام علي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتفكر في مصنوعات الله تعالى وتلاوة قرآن وقراءة الحديث ومذاكرة علم. وكثرة الذكر تختلف باختلاف الأشخاص ففي حق العامة أقله ثلثمائة في كل يوم وليلة وفي حق المريدين اثنا عشر ألفًا وفي حق العارفين عدم خطور غير الله على قلوبهم
(قوله ولم يرفعه ابن كثير الخ) أي لم يرفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شيخ المصنف محمد بن كثير في
стр. 2301
السند الأول ولم يذكر في السند أبا هريرة بل جعله موقوفًا على أبي سعيد الخدري
(فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب في قيام الليل والتعاون على فعل الخير والإكثار من ذكر الله تعالى رغبة فيما أعدة الله للذكرين والذاكرات من الغفران والأجر العظيم
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه النسائي مرفوعًا وابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا قال نا وكيع عن سفيان عن على بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا إذا أيقظ الرجل امرأته فصليا كتبًا من الذاكرين الله كثير والذاكرات
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ وَأُرَاهُ ذَكَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَحَدِيثُ سُفْيَانَ مَوْقُوفٌ.
(ش) أي روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري وقال أظن أن سفيان ذكر أبا هريرة في روايته كما ذكر أبا سعيد لكن لم يرفعه أيضًا بل جعله موقوفًا عليهما كما صرح به المصنف في قوله "وحديث سفيان موقوف" وغرض المصنف من هذا كله بيان أنه روى الحديث من ثلاث طرق
(الأول) طريق ابن كثير عن سفيان وهو موقوف على أبي سعيد
(الثاني) طريق محمد بن حاتم عن عبيد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش وهو مرفوع من رواية أبي هريرة وأبي سعيد. قال البيهقي في سننه الكبرى ورواه عيسى بن جعفر الرازي عن سفيان مرفوعًا نحو حديث الأعمش
(الثالث) طريق ابن مهدي عن سفيان وهو موقوف على أبي سعيد وأبي هريرة. والموقوف فيه مرفوع حكما إذ مثل هذا لا يقال من قبل الرأي
(باب النعاس في الصلاة)
وفي بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة. والنعاس أول النوم وهو ريح لطيفة تأتى من قبل الدماغ تغطي العين ولا تصل القلب فإذا وصلته كان نومًا
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ".
(ش) (العقنبي) هو عبد الله بن مسلمة
(قوله عن أبيه) هو عروة بن الزبير
(قوله
стр. 2302
إذا تعس أحدكم الخ) بفتح العين المهملة من بابي نفع وقتل أي أصابه النعاس، وأل في الصلاة للجنس فتصدق بأي صلاة كانت فرضًا أو نفلًا ليلًا أو نهارًا
(قوله فليرقد) أي فلينم وهو أمر استحباب على أن النعاس النوم الخفيف، وعليه ففي القطع الثواب، والتمادي في الصلاة مكروه، أما إذا أريد بالنعاس النوم الثقيل فالأمر بالرقاد للوجوب، ويؤيده التعليل بقوله فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس الخ وعليه فالقطع واجب والتمادى حرام. وللنسائي
من طريق أيوب عن هشام فلينصرف والمراد به التسليم من الصلاة إذا أدركه فيها النوم. ولا منافاة بين هذا وما في حديث ابن عباس عند مسلم وغيره حين بات عند خالته ميمونة من قوله فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني، ولم يأمره بالنوم لأنه جاء تلك الليلة ليتعلم من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قيام الليل ففعل ذلك معه لئلا يفوته مطلوبه فهى واقعة حال لا تعارض العام
(هذا) وقد حمل المهلب الحديث على ظاهره فقال كما في الفتح إنما أمره بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدل على أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك عفي عنه، قال وقد أجمعوا على أن النوم القليل لا ينقض الوضوء
(وخالف) المزني فقال ينقض قليله وكثيره فخرق الإجماع كذا قال المهلب وتبعه ابن بطال وابن التين وغيرهما، وقد تحاملوا على المزني في هذه الدعوى فقد نقل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتابعين المصير إلى أن النوم حدث ينقض قليله وكثيره وهو قول أبي عبيدة وإسحاق بن راهويه
(قال) ابن المنذر وبه أقول لعموم حديث صفوان بن عسال يعني الذي صححه ابن خزيمة وغيره وفيه إلا من غائط أو بول أو نوم فسوى بينهما في الحكم، والمراد بقليله وكثيره طول زمانه وقصره لا مباديه اهـ
وقد تقدم بيان المذاهب في ذلك في الجزء الثاني في باب الوضوء من النوم.
(قوله لعله يذهب يستغفر الخ) لعل هنا للإشفاق أي يخشى على أحدكم أن يقصد الاستغفار فيسبق لسانه إلى سب نفسه فيدعو عليها كما صرح به في رواية النسائي من طريق أيوب عن هشام بأن يريد اللهم اغفر فيقول اللهم اعفر فيكون دعاء على نفسه بالذل والهوان، ويسب بالنصب في جواب لعل ويجوز رفعه عطفًا على يستغفر، وسب الإنسان نفسه منهي عنه كما سيأتي للمصنف في باب النهي عن أن يدعو الإنسان علي أهله وماله عى جابر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة نيل فيها عطاء فيستجيب لكم "ولا يقال" إن حالة النوم لا يؤاخذ فيها الإنسان فإن ما يصدر منه فيها من غير اختياره كالناسي "لأن المرفوع" عنه وقتئذ إنما هو الإثم ألا أنه قد يكون سببًا في الضرر لأنه قد يصادف ساعة إجابة فيستجاب له كالسم إذا تناوله الإنسان خطأ فإنه لا يأثم لكن يترتب عليه الضرر
стр. 2303
(فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب قطع الصلاة عند غلبة النوم على المصلي حتى يذهب عنه النوم. وهو عام في صلاة الفرض والنفل ليلًا أو نهارًا، لكن محله في الفريضة إذا لم يخش خروج وقتها. وحمله مالك وجماعة على خصوص نفل الليل لأنه محل النوم غالبًا، وعليه تظهر مناسبة الحديث للترجمة الأولى وهي قيام الليل. وعلى طلب الخشوع وحضور القلب في العبادة لأن الناعس لا يحضر قلبه والخشوِع إنما يكون بحضور القلب وعلى كراهة الصلاة حال غلبة النوم. وعلى طلب إلاخذ بالأحوط لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علل الأمر بالخروج من الصلاة بما هو محتمل. وعلى التنفير من سب الإنسان نفسه
(والحديث) أخرجه مالك والشيخان والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ".
(ش) (عبد الرزاق) بن همام تقدم بالأول صفحة ١٠٦. وكذا (معمر) بن راشد صفحة ١٠٧
(قوله فاستعجم القرآن الخ) أي اشتد عليه ولم ينطق به لسانه لغلبة النعاس فصار كأن به عجمة
(قوله فليضطجع) أي فلينم حتى يذهب عنه النعاس لئلا يغير كلام الله تعالى وكذا الحكم إذا قرأ خارج الصلاة وغلبه النوم
(والحديث) أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ وَهَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ الأَزْدِيُّ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُمْ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- الْمَسْجِدَ وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ فَقَالَ "مَا هَذَا الْحَبْلُ". فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُصَلِّي فَإِذَا أَعْيَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لِتُصَلِّ مَا أَطَاقَتْ فَإِذَا أَعْيَتْ فَلْتَجْلِسْ". قَالَ زِيَادٌ فَقَالَ "مَا هَذَا".
فَقَالُوا لِزَيْنَبَ تُصَلِّي فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ. فَقَالَ "حُلُّوهُ". فَقَالَ "لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ".
(ش) (عبد العزيز) بن صهيب تقدم بالأول صفحة ٢٩
(قوله بين ساريتين) تثنية
стр. 2304
سارية وهي العمود وفي رواية البخاري بين الساريتين وكأنهما كانتا معهودتين فلذا عرفهما
(قوله هذا أعيت تعلقت به) أي إذا ضعفت لطول القيام تعلقت بالحبل لتستريح ويذهب عنها الفتور
(قوله لتصل ما أطاقت الخ) بلام الأمر المكسورة وحذف الياء للجازم أي لتصل قائمة ما دامت قادرة علي القيام، هذا ضعفت عنه فلتصل جالسة، وهذا لفظ هارون بن عباد، ويستفاد منه جواز القعود أثناء الصلاة بعد افتتاحها من قيام، وتقدم بيانه في باب صلاة القاعد بالجزء السادس ص ٦١، ويحتمل أن يكون المراد بقوله فلتجلس أي لتترك الصلاة وهو بعيد عن ظاهر السياق
(قوله قال زياد الخ) أي قال زياد بن أيوب في روايته فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم لما دخل المسجد ووجد الحبل ما هذا، قالوا هذا حبل لزينب بنت جحش فذكر أن صاحبة الحبل زينب، وأما هارون فقال إنها أختها حمنة، والاختلاف في الاسم لا يؤدي إلى الاختلاف في الحكم
(قوله فإذا كسلت) بكسر السين المهملة
(قوله أو فترت) شك من الراوي أي ضعفت عن القيام في الصلاة
(قوله ليصل أحدكم نشاطه الخ) أي مدة خفته وقوته عل العمل، فإذا كسل أو فتر هكهذا رواية مسلم بالشك. وفي رواية البخاري فإذا فتر فليقعد بدون شك
(فقه الحديث) دل الحديث عل طلب الاقتصاد والتوسط في العبادة والنهي عن التعمق فيها وعلي الترغيب في الإقبال علي الصلاة حال النشاط والقوة، وعلى أنه إذا ضعف الشخص في الصلاة يقعد حتى فذهب عنه الضعف والفتور، وعلى مشروعية إزالة المنكر، وعلي جواز تنفل النساء في المسجد، فإن حمنة وزينب كانتا تصليان فيه ولم ينكل عليهما ومحل ذلك إن أمنت الفتنة، وعلي كراهة التعلق بالحبل أثناء الصلاة وبه قال الجمهور.
وأما الاتكاء عل العصا لطول القيام في النافلة فلا خلاف في إباحته إلا ما روى عن ابن سيرين من كراهته. وأما الاعتماد في الفرض لغير عذر فنعه مالك والجمهور، وقالوا ببطلان الصلاة إذا كان بحيث لو أزيل المعتمد عليه لسقط، وأما للضرورة والعجز عن القيام فيجوز وتقدم بيانه بأتم وجه في "باب الرجل يعتمد في الصلاة على العصا"
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه
(باب من نام عن حزبه)
الحزب ما يعتاده الشخص من قراءة أو صلاة أو ذكر
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ح وَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ قَالاَ نَا ابْنُ وَهْبٍ -الْمَعْنَى- عَنْ يُونُسَ عَنِ
стр. 2305
ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ قَالاَ عَنِ ابْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ".
(ش) هذا الحديث رواه النسائي: قال. أخبرنا قتيبة بن سعيد ثنا أبو صفوان عبد الله ابن سعيد الخ عن يونس عن ابن شهاب أن السائب وعبيد الله أخبراه أن عبد الرحمن بن عبد القاريّ قال سمعت عمر الخ. ورواه ابن ماجه والبيهقي بسندهما إلى عبد الله بن وهب قال أنا يونس بسنده إلى عبد الرحمن بن عبد القاريّ: والمصنف رواه من طريقين إلى يونس
(الأول) طريق قتيبة مشيرًا إلى أنه ذكر في السند عبد الرحمن بن عبد بدون لفظ القاريّ لكنه مذكور في رواية النسائي كما ترى
(الثاني) طريق سليمان بن داود ومحمد بن سلمة وأشار إلى أنهما لم يذكرا في سندهما عن ابن وهب لفظ عبد الرحمن بل اقتصرا على ابن عبد القاري: لكن رواية ابن ماجه والبيهقي من طريق ابن وهب ذكر فيها لفظ عبد الرحمن كما ترى. ولعلّ هذا الاختلاف بين ما قاله المصنف وغيره من تصرف الرواة
(رجال الحديث) (عبد الله بن سعيد الخ) مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي الدمشقى. روى عبيد الله عن أبيه وابن جريج ويونس بن يزيد وأسامة بن زيد ومالك وغيرها. وعنه الشافعي وأحمد والحميدي وعلي بن المديني وأبو خيثمة، وثقه ابن معين وعلي ابن المديني وعبد الرحمن ابن يونس وابن حبان والدارقطني. وقال أبو زرعة لا بأس به صدوق. و (ابن وهب) هو عبد الله. و (يونس) بن يزيد
(قوله أن السائب بن يزيد) بن سعيد الليثي الصحابي شيخه هنا تابعي ففيه رواية الأكابرعن الأصاغر. و (عبيد الله) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود تقدم بالثاني صفحة ٢٢٨. و (عبد الرحمن بن عبد) قيل له صحبة أتى به إلى النبي ﵌ وهو صغير. روى عن عمر وأبي طلحة وأبي أيوب وأبي هريرة. وعنه ابنه محمد والسائب بن يزيد وعروة بن الزبير والأعرج والزهري وغيرهم، وثقه ابن معين وابن حبان والعجلي، وذكره مسلم وابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. مات سنة ثمان وثمانين وهو ابن ثمان وسبعين سنة
(قوله قالا عن ابن وهب الخ) أي قال سليمان بن داود ومحمد بن سلمة في روايتهما عن ابن وهب بن عبد القاريّ بدون ذكر لفظ عبد الرحمن وبزيادة لفظ القاري بتشديد
стр. 2306
الياء منسوب إلى القارة قبيلة سميت باسم أبيها القارة بن الديش، أما رواية قتيبة ففيها لفظ عبد الرحمن وليس فيها لفظ القارىّ. كما تقدم بيانه
(معنى الحديث)
(قوله من نام عن حزبه الخ) أي نام عنه كله أو بعضه في الليل فقراه في الوقت الذي بين صلاة الصبح وصلاة الظهر. والغرض منه الحث على المبادرة بفعل ما تركه ويحتمل أن الأداء مع المضاعفة مشروط بخصوص هذا الوقت
(قوله كتب كأنما قرأه من الليل) يعني أثبت له أجره كاملًا كثوابه لو أداه في الليل وهذا تفضل من الله تعالى. وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه النوم أو طرأ له عذر منعه من القيام وكانت نيته القيام. فقد روى مسلم وغيره عن عائشة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية اتخاذ الأوراد ليلًا، وعلى استحباب قضاء الورد إذا فات في الليل بنوم أو غيره من الأعذار
(واختلفت) الأئمة في ذلك. فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن من فاتته صلاة الليل أو شيء من النوافل الراتبة استحب له قضاؤه بين صلاة الصبح والظهر أخذًا بحديث الباب وذهبت الشافعية ومحمد وأحمد في رواية عنه إلى استحباب قضائه في النهار أخذًا برواية مسلم السابقة، وقالت المالكية من فاتته صلاة الليل لعذر كغلبة النوم عليه فإن تذكرها قبل صلاة الصبح صلاها قبل أن يصلي الصبح وإلا فليس له قضاؤها
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه النسائي مرفوعًا وموقوفًا، ولذا عاب الدارقطني على مسلم روايته، وزعم أنه معلل بروايته مرفوعًا وموقوفًا. ورده النووي بأن هذا التعليل فاسد والحديث صحيح وإسناده صحيح لأن الذي عليه الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين أنه إذا روى الحديث مرفوعًا وموقوفًا أو موصولًا ومرسلًا حكم بالرفع والوصل لأنها زيادة ثقة سواء أكان الرافع والواصل أكثر أم أقل في الحفظ والعدد
(باب من نوى القيام فنام)
أي فيمن عزم أول الليل على القيام آخره فغلبه النوم فلم يستيقظ أله أجر أم لا، وفي نسخة "باب فيمن نوى القيام فنام"
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ رَضِيٌّ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 2307
-صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "مَا مِنِ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلاَةٌ بِلَيْلٍ يَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ إِلاَّ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلاَتِهِ وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً".
(ش) (قوله عن رجل عنده رضي) أي مرضي عند سعيد بن جبير وفي نسخة رضا بكسر الراء مصدر بمعنى المفعول وهو الأسود بن يزيد النخعي كما في رواية للنسائى ولا يقدح في الحديث إبهامه في رواية المصنف خيث علم في طريق آخر وهو ثقة كما تقدم في ترجمته بالأول صفحة ١٢٧
(قوله ما من امرى تكون له صلاة الخ) أي ليس شخص يتعود صلاة الليل فمنعه نوم من أدائها إلا كتب له أجر ما كان يصليه غير مضاعف إن لم يقض ما فاته فإن قضاه كتب له الأجر مضاعفًا فما نافية للجنس ومن زائد
(قوله وكان نومه عليه صدقة) أي صدقة تصدق الله به علي العبد فله فيه أجر تفضلًا من الله تعالى عليه. وفي هذا تحريض على قيام الليل وعلى العزم عليه. وفيه دليل علي أن المرء يجازي على مان وى من الخير وإن لم يعمله تفضلًا من الله إذا لم يحبسه عنه شغل دنيوي، وأن نيته يثاب عليها كما يثاب على العمل إذا حيل بينه وبين العمل بنحو نوم أو نسيان
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه مالك في الموطأ، والنسائي والبيهقي، أخرجه الحاكم بنحوه من طريق سويد بن غفلة عن أبي الدرداء مرفوعًا بلفظ من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم بالليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى وكان نومه عليه صدقة من ربه
(باب أي الليل أفضل)
أي في بيان أي جزء من أجزاء الليل العبادة فيه أكثر ثوابًا
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ".
(ش) (قَوله ينزل ربنا كَل ليلة إلى سماء الدنيا الخ) هذا الحديث من أحاديث الصفات المتشابهة وللسلف والخلف فيه وأمثاله مذهبان مشهوران
(فجمهور السلف) الذين منهمم الأئمة المجتهدون الأربعة والزهري والأوزاعي وابن المبارك ومكحول وسفيان الثوري وابن عيينة والليث بن سعد والحمادان سلكوا في هذا الحديث ونحوه من أحاديث الصفات التي
стр. 2308
ظاهرها التشبيه الطريق الواضح السالم فأجروها على ظاهرها مصدقين بها على وجه الإجمال منزهين الله تعالى عن التشبيه والكيفية لقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وهذا مذهبنا وهو أسلم
(وأما جمهور) الخلف فيؤوّلون ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهة تأويلات عربية صحيحة تليق بجلال الله ، لما ثبت بالقواطع العقلية من أن الله تعالى منزه عن الجسمية والتميز والحركة والسكون والجهة فامتنع عليه النزول بمعنى الانتقال من جهة موضع أعلى إلى أخفض منه، فيقولون ينزل ملك ربنا فهو على تقدير مضاف كما يقال فعل الأمير إذا فعل بعض أتباعه، ويدل له ما في بعض طرق الحديث عند النسائي بلفظ يأمر مناديًا ينادي يقول هل من داع "الحديث" وقيل معنى ينزل ربنا يقبل على عبادة ويبسط عليهم رحمته ويعمهم بإحسانه ويجيب دعوتهم ويقبل معذرتهم كما هو شأن الملوك الكرماء إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين ينعمون عليهم ويزيلون كربهم ويتلطفون بهم
(وقال العيني) في شرح البخاري وحمل صاحب المفهم الحديث عل النزول المعنوي على رواية مالك عند مسلم فإنه قال فيها يتنزل ربنا بزيادة تاء بعد ياء المضارعة، فقال كذا صحت الرواية هنا وظاهرة في النزول المعنوي، وإليها يرد ينزل على أحد التأويلات. ومعنى ذلك أن مقتضى عظمة الله تعالى وجلاله واستغنائه أن لا يعبأ بحقير ذليل فقير لكن يتنزل بمقتضى كرمه ولطفه لأن يقول من يقرض غير عدوم ولا ظلوم ويكون قوله إلى السماء الدنيا عبارة عن الحالة القريبة إلينا والدنيا بمعنى القربى اهـ
وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض الثقات ضبط ينزل بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ربنا ملكًا (ويقويه) ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديًا لقول هل من داع فيستجاب له "الحديث" قال القرطبي وبهذا يرتفع الإشكال "ولا يعكر" عليه ما في رواية رفاعة الجهني ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول لا يسأل عن عبادى غيري "لأنه ليس" في ذلك ما يدفع التأويل المذكور أفاده الحافظ في الفتح
(ومذهب السلف) أسلم المذاهب وأولاها بالقبول والاتباع قال البيهقي بعد نقل المذاهب في ذلك. وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه، ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم أفاده الحافظ في الفتح
(وقال النووي) في شرح مسلم في هذا الحديث وشبهه من حديث الصفات مذهبان مشهوران
(أحدهما) مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين الإيمان بحقيقتها على ما يليق به تعالى وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد ولا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق من الانتقال والحركات وسائر صفات الخلق
(وثانيهما) مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي أنها مؤولة بما يليق بها بحسب
стр. 2309
مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث بتأويلين
(أحدهما) تأويل مالك وغيره بأن معناه تنزل رحمته وأمره أو ملائكته كما يقال فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره
(ثانيهما) أنه على الاستعارة ومعناه الاقبال على الداعي بالإجابة واللطف اهـ بتصرف.
وقال في شرح المرقاة بعد ذكر كلام النووي وبكلامه وبكلام الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهركالمجيء والصورة والشخص والرجل والقدم واليد والوجه والغضب والرحمة والاستواء على العرش والكون في السماء وغير ذلك مما يفهم ظاهره ما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان تستلزم أشياء يحكم بكفر معتقدها بالاجماع فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وإنما اختلفوا هل نصرفه عن ظاهره معتقدين اتصافه سبحانه بما يليق بجلاله وعظمته من غير أن نؤوله بشيء آخر. وهو مذهب أكثر السلف. وفيه تأويل إجماليّ. أو مع تأويله بشئ آخر وهو مذهب أكثر الخلف وهو تأويل تفصيلي، ولم يريدوا بذلك مخالفة السلف الصالح، معاذ الله أن يظن بهم ذلك، وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك لكثرة المجسمة والجهمية وغيرهما من فرق الضلال واستيلائهم على عقول العامة فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم، ومن ثم اعتذر كثيرٌ منهم وقالوا لو كنا على ما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقائد وعدم المبطلين في زمنهم لم نخض في تأويل شيء من ذلك. وقد علمت أن مالكًا والأوزاعي وهما من كبار السلف أولًا الحديث تأويل تفصيليًا.
وكذلك سفيان الثوري أول الاستواء على العرش بقصد أمره، ونظيره ثم استوى إلى السماء أي قصد إليها. ومنهم الإمام جعفر الصادق. بل قال جمع منهم ومن الخلف إن معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي وقال إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني. وقد اتفق سائر الفرق على تأويل آيات. (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ). (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) الآية، (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ). (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وأحاديث قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، والحجر الأسود يمين الله في الأرض ونحوها. وهذا الاتفاق يبين لك صحة ما اختاره المحققون أن الوقف على الراسخون في العلم لا الجلالة، قلت الجمهور على أن الوقف على إلا الله، وعدوه وقفا لازمًا، وهو الظاهر لأن المراد بالتأويل معناه الذي أراده الله تعالى، وهو في الحقيقة لا يعلمه إلا الله ﷻ ولا إله غيره، وكل من تكلم فيه تكلم بحسب ما ظهر، ولم يقدر أحد أن يقول إن هذا التأويل هو مراد الله جزمًا، ففي التحقيق الخلاف لفظي، ولهذا اختار كثير من محققي المتأخرين عدم تعيين التأويل في شيء معين من الأشياء التي تليق باللفظ ويكلون تعيين المراد بها إلى علمه تعالى، وهذا توسط بين المذهببن وتلذذ بين المشربين، واختار ابن دقيق العيد توسطًا آخر، فقال إن كان التأويل من
стр. 2310
المجاز البين الشائع فالحق سلوكه من غير توقف أو من المجاز البعيد الشاذ فالحق تركه، وإن استوى، الأمران فالاختلاف في جوازه وعدمه مسألة فقهية اجتهادية والأمر فيها ليس بالخطر بالنسبة للفريقين قلت التوقف فيها لعدم ترجيح أحد الجانبين مع أن التوقف مؤيد بقول السلف ومنهم الإِمام الأعظم اهـ كلام صاحب المرقاة ببعض تصوف، ومما تقدم تعلم
(أولا) بطلان كلام من احتج
بهذا الحديث على أن لله تعالى جهة لأن القول بالجهة يؤدي إلى تحيز وإحاطة وهما من صفات الحوادث تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا
(وثانيًا) بطلان دعوى من حمل الحديث على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم علوا كبيرًا (١)
(قوله حين يبقى ثلث الليل الآخر) بكسر الخاء المعجمة مرفوع على أنه صفة لثلث. وقد روى هذا الحديث من عدة أوجه عن أبي هريرة وغيره ورواية المصنف أصح الروايات. وفي رواية للترمذي ومسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، وفي رواية ابن ماجه من طريق عطاء بن يسار عن رفاعة الجهني إن الله يمهل حتى إذا ذهب من الليل نصفه أو ثلثاه وفي رواية لمسلم عن طريق ابن مرجانة عن أبي هريرة مرفوعًا ينزل الله تعالى في السماء الدنيا لشطر الليل أولثلث الليل الآخر الخ. وفي رواية الدارقطني من طريق يحيى بن أبي كثير عن عقبة بن عامر قال قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا مضى ثلث الليل أو قال نصف الليل ينزل الله إلى السماء الدنيا الخ، وفي رواية عن أبي سلمة عن أبي هريرة حين يبقى ثلث الليل الآخر. وفي رواية عند النسائي في عمل اليوم والليلة عن جبير بن مطعم أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا. ويجمع بين هذه الروايات بأن المطلق منها محمول على المقيد، والمقيد المختلف يحمل على اختلاف الأحوال، فإن أوقات الليل تختلف في الزمان والأوقات باختلاف تقديم دخول الليل عند قوم وتأخره عند آخرين. وقيل يحمل على أن النزول يتكرر عند الثلث الأول والنصف والثلث الآخر. ووجه تخصيص النزول بالثلث الآخر الذي كثرت روايته ورجحه الترمذي وغيره واقتصر عليه المصنف أنه وقت التعرض لنفحات رحمة الله تعالى وأنه زمان عبادة أهل الإخلاص الذين خصهم الله بالمدح في قوله (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)
(قوله من يدعوني فأستجيب له الخ) بالنصب بأن مضمرة بعد الفاء الواقعة في جواب من، وبالرفع على الاستئناف أي فأنا أجيب دعاءه، وكذا قوله فأعطيه وأغفر له. وقد قرئَ بالوجهين في قوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾
стр. 2311
قيل ذكر الدعاء وما بعده لأن المطلوب إما دفع ضرر أو جلب خير دينى أو دنيوى، ففي الاستغفار إشارة لدفع الضرر، وفي الدعاء إشارة إلى جلب الخير الديني. وفي السؤال إشارة إلى جلب الخير الدنيوى. والمعول عليه أن المقصود من الدعاء والسؤال واحد واختلاف العبارة لزيادة التأكيد. وقد روى الحديث عن الزهري من عدة طرق اتفقت على الاقتصار على الثلاثة المذكورة. قال الحافظ في الفتح وزاد سعيد عن أبي هريرة هل من تائب فأتوب عليه. وزاد أبو جعفر عنه من الذي يسترزقني فأرزقه من الذي يستكشف الضر فأكشف عنه. وزاد عطاء مولى أم حبيبة عنه ألا سقيم يستشفي فيشفى. ومعانيها داخلة فيما ذكر في الحديث. وزاد سعيد بن مرجانة عنه من يقرض غير عديم ولا ظلوم. وفيه تحريض على عمل الطاعة وإشارة إلى جزيل الثواب عليها اهـ
وزاد إبراهيم عن ابن شهاب في آخر رواية ابن ماجه حتى يطلع الفجر فلذا كانوا يستحبون صلاة آخر الليل
(فقه الحديث) دل الحديث على الحث والترغيب في صلاة الليل وتفضيل صلاة آخر الليل على أوله. وعلى الترغيب في الدعاء والاستغفار آخر الليل، وعلى تخصيص هذا الوقت بمزيد الشرف والفضل. وعلى أن الدعاء آخر الليل مجاب فإن وعد الله لا يتخلف. ولا يقال إن الدعاء قد يتخلف في بعض الأوقات لأن تخلفه جاء إما من وقوع خلل في شرط من شروط الدعاء كعدم الاحتراز في المطعم والمشرب أو استعجال الداعي، أولأن الدعاء بإثم أو قطيعة رحم. وإما من تأخر حصول المطلوب لمصلحة العبد أولوقت يريد الله وقوع الإجابة فيه
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه والبيهقي، وكذا الترمذي من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ تقدم وقال حديث حسن صحيح. وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال ينزل الله ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر وهذا أصح الروايات، وقال في الباب عن على وأبي سعيد ورفاعة الجهني وجبير بن مطعم وابن مسعود وأبي الدرداء وعثمان بن أبي العاص اهـ.
أما حديث علي فأخرجه الدارقطني في كتاب السنة من طريقين وأحمد في مسنده. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم والنسائي في اليوم والليلة من طريق الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد وأبى هريرة.
وأما حديث رفاعة الجهني فرواه ابن ماجه من طريق عطاء بن يسار عن رفاعة، وأما حديث جبير ابن مطعم فرواه النسائي في اليوم والليلة وأحمد في مسنده.
وأما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود.
وأما حديث أبي الدرداء فرواه الطبراني في معجمه الكبير والوسط من طريق فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء وقال هو حديث منكر.
وأما حديث عثمان بن أبي العاص فرواه أحمد والبزار من طريق الحسن عن عثمان بن أبي العاص
стр. 2312
والطبراني في الكبير. وفي الباب أيضًا عن جابر بن عبد الله وعبادة بن الصامت وعقبة بن عامر وعمرو بن عتيبة وأبي الخطاب رجل صحابي وأبى بكر الصديق وأنس بن مالك وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وأبي ثعلبة الخشني وعائشة وابن عباس وغيرهم.
أما حديث جابر فرواه الدارقطني وابن حبان في كتاب السنة من طريق عبد الرحمن بن كعب عن جابر وفي إسناده محمد بن إسماعيل الجعفري وهو منكر الحديث وعبد الله بن سلمة ضعفه الدارقطني.
وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه الطبراني في الكبير والأوسط من رواية يحيى بن إسحاق عن عبادة وفي إسناده فضيل بن سليمان أخرج له الشيخان لكن قال فيه ابن معين ليس بثقة.
وأما حديث عقبة بن عامر فرواه الدارقطني من رواية يحيى ابن أبي كثير وأما حديث عمرو بن عنبسة فرواه الدارقطني من طريق سليم بن عامر.
وأما حديث أبي الخطاب فرواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة.
وقد تقدم بعض ألفاظ هذه الأحاديث وساقها بتمامها العيني في شرح البخاري. وفيه عن أبي زرعة قال هذه الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا قد رواها عدة من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهي عندنا صحاح قوية قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينزل ولم يقل كيف ينزل فلا نقول كيف ينزل ونقول كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وروى البيهقي في كتاب الأسماء والصفات أخبرنا أبو عبد الله الحافظ سمعت أبا محمد بن أحمد بن عبد الله المزني يقول حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من وجوه صحيحة وورد في التنزيل ما يصدقه وهو قوله تعالى وجاء ربك والملك صفًا صفًا اهـ كلام العيني.
ومنه تعلم بطلان ما ذهب إليه الخوارج وأكثر المعتزلة من إنكار صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة. قال العيني وهو مكابرة، والعجب أنهم أوّلوا ما ورد في القرآن من ذلك وأنكروا ما ورد في الحديث إما جهلًا وإما عنادًا. وذكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن موسى بن داود قال قال لي عباد بن عوام قدم علينا شريك بن عبد الله من نحو خمسين سنة قال فقلت يا أبا عبد الله إن عندنا قومًا من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث قال فحدثني نحو عشرة أحاديث في هذا، وقال أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهم عمن أخذوا. وقد وقع بين إسحاق بن راهويه وإبراهيم بن صالح المعتزلي كلام عند عبد الله بن طاهر بن عبد الله المعتزلي، قال إسحاق ابن راهويه جمعني وهذا المبتدع
(يعني إبراهيم بن صالح) مجلس الأمير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها فقال إبراهيم كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء فقلت آمنت برب يفعل ما يشاء فرضي عبد الله كلامي وأنكر على إبراهيم اهـ ملخصًا.
وأخرج
стр. 2313
البيهقي عن إسحاق بن راهويه قال دخلت على عبد الله بن طاهر فقال لي يا أبا يعقوب تقول إن الله ينزل كل ليلة فقلت أيها الأمير إن الله بعث إلينا نبيًا نقل إلينا عنه أخبار بها نحلل الدماء وبها نحرم وبها نحلل الفروج وبها نحرم وبها نبيح الأموال فإن صح ذا صح ذاك وإن بطل ذا بطل ذاك قال فأمسك عبد الله اهـ
(باب وَقْتِ قِيَامِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِنَ اللَّيْلِ)
(ص) حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ نَا حَفْصٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لَيُوقِظُهُ اللَّهُ بِاللَّيْلِ فَمَا يَجِئُ السَّحَرُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حِزْبِهِ.
(ش) (رجال الحديث) (حسين بن يزيد) بن يحيى الطحان الأنصاري أبو علي الكوفي. روى عن حفص بن غياث ومحمد بن فضيل ووكيع وعبد الله بن إدريس وآخرين. وعنه أبو داود والترمذي وأبو زرعة وأبو يعلى والحسن بن سفيان، ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم لين الحديث. توفي سنة أربع وأربعين ومائتين و (حفص) بن غياث تقدم بالثاني صفحة ١٤٥
(معنى الحديث)
(قوله إن كان رسول الله الخ) أي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يوقظه الله وينبهه من الليل فيصلي ما كان يعتاده من الصلاة فما يحيء وقت السحر إلا وقد انتهى منه، فإن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والسحر بفتحتين قبيل الصبح وهو السدس الأخير من الليل. والحزب بالحاء المهملة والزاي الموحدة تقدم أنه ما يعتاده الشخص من صلاة أو غيرها، وقيل المراد به هنا ما كان يقرأه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من السور في صلاة الليل. وفي بعض النسخ حتى يفرغ من جزئه بالجيم المضمومة والهمزة وهي بمعنى الأولى وإن كان الجزء في الأصل النصيب والقطعة من الشيء، والمراد به هنا ما اعتاده صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من صلاة الليل أو غيرها
(فقه الحديث) دل الحديث على استحباب قيام الليل. وعلى أنه ينبغي للإنسان أن يجعل على نفسه حزبًا في العبادة يؤديه في الليل
(والحديث) أخرجه البيهقي
(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى نَا أَبُو الأَحْوَصِ ح وَنَا هَنَّادٌ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ -وَهَذَا حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ- عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ
стр. 2314
صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقُلْتُ لَهَا أَيُّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي قَالَتْ كَانَ إِذَا سَمِعَ الصُّرَاخَ قَامَ فَصَلَّى.
(ش) (أبو الأحوص) هو سلام بن سليم تقدم بالأول صفحة ٢٤٠ (وأشعث) بن أبي الشعثاء سليم تقدم بالسادس صفحة ٦ و (أبوه) سليم بن أسود الكوفي تقدم بالرابع صفحة ٢١٧ و (مسروق) بن الأجدع تقدم بالثاني صفحة ٢٥٤
(قوله وحديث إبراهيم الخ) يعني ما ذكره المصنف لفظ حديث إبراهيم بن موسى لا لفظ حديث هناد
(قوله أيُّ حين كان يصلي) وفي رواية البخاري متى كان يقوم
(قوله إذا سمع الصراخ) بضم ففتح الصوت الشديد والمراد به هنا صياح الديك. وفي رواية البخاري ومسلم إذا سمع الصارخ أي الديك سمي بذلك لكثرة صياحه. وقد جرت العادة بأنه يصيح عند نصف الليل أو قبله أو بعده بقليل كما قاله ابن عباس قال ابن بطال يصرخ عند ثلث الليل واختار النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا الوقت لأنه وقت نزول الرحمة وهدوء الأصوات
(فقه الحديث) دل الحديث على أن قيام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان في النصف الأخير من الليل أو قبله بقليل. وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقوم بعض الليل لما يترتب علي قيامه كله من الملل والسآمة وإضعاف البدن بالسهر
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي عن مسروق قال سألت عائشة أيّ العمل كان أحب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قالت الدائم قلت متى كان يقوم قالت كان يقوم إذا سمع الصارخ
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِى إِلاَّ نَائِمًا تَعْنِي النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) (أبو توبة) الربيع بن نافع تقدم بالأول صفحة ١٢٥
(قوله عن أبيه) هو سعد ابن إبراهيم تقدم بالثالث صفحة ٣٠٤. و (أبوسلمة) بن عبد الرحمن بن عوف تقدم بالأول صفحة ٢٣
(قوله ما ألفاه السحر الخ) أي ما أتى على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السحر وهو عندي إلا وجده نائمًا. فالضمير المنصوب في ألفاه عائد عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والسحر فاعل. والمراد نومه بعد قيامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الذي كان بعد سماع الصارخ جمعًا بينه وبين الحديث السابق. وظاهر الحديث والسياق
стр. 2315
يدل على أنه كان نائمًا حقيقة وأنه كان يداوم على ذلك. وهو مخصوص بغير رمضان فقد كانت عادته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جميع السنة أنه ينام عند السحر إلا في رمضان فإنه كان يتشاغل بالسحور في آخر الليل ثم يخرج إلى صلاة الصبح عقبة. فقد روى البخاري عن أنس أن نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وزيد بن ثابت تسحرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى الصلاة فصلى فقلنا لأنس كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة قال كقدر ما يقرأ الرجل خمسين آية اهـ.
ولذا ذكر البخاري حديث الباب تحت ترجمة من نام عند السحر وحديث أنس تحت ترجمة من تسحر فلم ينم حتى صلى الصبح "وما قاله" ابن التين من أن المراد من النوم في الحديث الاضطجاع على جنبه لأنها قالت في حديث آخر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع "صرف" للفظ عن حقيقته بلا مقتضى إذ الاضطجاع لا ينافي النوم وأما أنه كان يحدثها إذا كانت مستيقظة فكان في بعض الأحيان فهو مخصص لعموم حديث الباب
(فقه الحديث) دل الحديث على استحباب النوم عند السحر عقب قيام الليل ليستريح من نصب القيام، وهذا هو النوم الذي كان ينامه داود ﵇ فإنه كان ينام أول الليل ثم يقوم في الوقت الذي ينادي فيه الله هل من سائل ثم ينام عند السحر. وقد رغب في العمل على هذا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حيث قال: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يومًا ويفطر يومًا، أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو
(والحديث) أخرجه الشيخان وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى نَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدُّؤَلِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَخِى حُذَيْفَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى.
(ش) وجه مناسبة الحديث للترجمة أن الصلاة تشمل قيام الليل
(رجال الحديث)
(قوله محمد بن عبد الله) بن أبي قدامة الحنفي وقيل محمد بن عبيد أبو قدامة. روى عن عبد العزيز بن أخي حذيفة وعمر بن عبد العزيز. وعنه عكرمة بن عمار قال في التقريب مقبول. وقال الذهبي ما روى عنه فيما أعلم إلا عكرمة بن عمار. روى له أبو داود. وما في تهذيب التهذيب من أنه روى عن عبد العزيز بن أبي حذيفة مصحف والصواب ابن أخي حذيفة. و (الدؤلي) بضم الدال وفتح الهمزة نسبة إلى دئل بضم فكسر اسم لابن محلم