معها حتى أدخلها بيتها. وكان بيتها فى دار أسامة كما ذكره المصنف، أى الدار التى صارت لأسامة ابن زيد، لأنّ أسامة لم يكن له دار مستقلة وقتئذ. ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خص صفية بذلك لأنها جاءت متأخرة عن رفقتها فأخرها ليحصل لها التساوى فى مدّة جلوسهن عنده، أو لأنّ بيوت رفقتها كانت أقرب إلى المسجد من منزلها فخرج صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معها
(قوله فمرّ رجلان من الأنصار) قيل هما أسيد بن حضير وعباد بن بشر. وفى رواية للبخارى من طريق سفيان بن عيينة فأبصره رجل من الأنصار. قال ابن التين ولعل سفيان وهم، لأنّ أكثر الروايات على التثنية، ويحتمل أن أحدهما كان تبعا للآخر فلم يعول عليه, أو أن الراوى شك فى الرواية فمرة قال مر رجلان وأخرى مر رجل. وعلى فرض صحة رواية الإفراد يحمل على تعدد القصة
(قوله فلما رأيا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أسرعا) وفى رواية للبخارى فنظرا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم أجازا "أى مضيا فى طريقهما". وفى رواية لابن حبان فلما رأياه استحييا فرجعا
(قوله على رسلكما) بكسر الراء وفتحها أى امشيا على هيئتكما التي كنتما عليها ولا تسرعا
(قوله قالا سبحان الله يا رسول الله) أى تنزيها لله تعالى عن أن يكون رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متهما بما لا ينبغى، أو هو كناية عن التعجب من قوله صلى الله تعالى على وعلى آله وسلم لهما إنها صفية. وفى رواية للبخارى فكبر ذلك عليهما. وفى رواية له أيضا عن هشيم فقالا يا رسول الله وهل نظن بك إلا خيرا؟
(قوله إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم الخ) قيل هو على ظاهره وأن الله أقدره على ذلك، ويحتمل أن يكون على سبيل التشبيه لكثرة إغوائه ووسوسته فكأنه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دمه, وقوله فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا, أي ما ظننت بكما شرا لكن خفت أن يوسوس لكما الشيطان ما تهلكان به. وفى الفتح وفى رواية عبد الرحمن بن إسحاق "ما أقول لكماهذا أن تكونا تظنان شرا، ولكن قد علمت أن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم" ثم قال (والمحصل) من هذه الروايات أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءا لما تقرّر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك، لأنهما غير معصومين فقد يفضى بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما حسما للقيل وتعليما لمن بعدهما إذا وقع له مثل ذلك كما قاله الشافعى رحمه الله تعالى. فقد روى الحاكم أن الشافعي كان فى مجلس ابن عيينة فسأله عن هذا الحديث فقال الشافعى: إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنابه التهمة فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان فى نفوسهما شيئا يهلكان به اهـ
(الفقه) دل الحديث على جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره والحديث مع غيره. وعلى جواز زيارة المرأة زوجها المعتكف ليلا وخلوته بها. وعلى شفقته
стр. 3327
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأمته وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الحرج والإثم. وعلى مشروعية التحرز من التعرض لسوء الظن والتحصن من كيد الشيطان والاعتذار (قال ابن دقيق العيد) وهذا متأكد فى حق العلماء ومن يقتدى به فليس لهم أن يفعلوا ما يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك قد يؤدى إلى عدم الانتفاع بعلمهم، ولذا قال بعض العلماء ينبغى للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافيا نفيا للتهمة. وتمامه في الفتح. وفيه دليل. على مشروعية الذكر بقول "سبحان الله" عند وقوع ما يستعظم منه (وقال الخطابى) وفيه أنه خرج من المسجد معها ليبلغها منزلها. وفي هذا حجة لمن رأي أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج فى واجب وأنه لا يمنع المعتكف من إتيان معروف اهـ
(والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقى
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ نَا أَبُو الْيَمَانِ نَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا قَالَتْ: حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ الَّذِى عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ بِهِمَا رَجُلاَنِ. وَسَاقَ مَعْنَاهُ.
(ش) (أبو اليمان) الحكم بن نافع. تقدم بالثامن صفحة ٧٢. و (شعيب) بن أبى حمزة
(قوله بإسناده الخ) أي سند الحديث وهو عن على بن الحسين عن صفية. وقالت في هذه الرواية حتى إذا كان "أى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم" عند باب المسجد الذى عند باب أم سلمة مر بهما رجلان (وغرضه) بهذا بيان المكان الذي لقيه فيه الرجلان لا بيان مكان بيت صفية
(قوله وساق معناه) أي ساق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري معنى حديث معمر عنه. ولفظه عند البخاري ومسلم والبيهقي عن على بن الحسين أن صفية زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تزوره فى اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدث عنده ساعة ثم قامت تنقلب فقام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وفي رواية ثم نفذا "أي أسرعا" فقال لهما النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على رسلكما إنماهي صفية بنت حيى. فقالا سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما. فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم, وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا اهـ قال في البذل وليس فيه ما يدل على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج من المسجد لما قام يرد صفية ولذا ذكره البخاري تحت ترجمة "هل يخرج المعتكف لحوائجه إلي باب المسجد" ليدل على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يخرج من المسجد بل إلى بابه فقط اهـ ولكن قوله في رواية
стр. 3328
معمر عند البخاري لصفية "لا تعجلى حتى أنصرف معك" وقوله في رواية عبد الرزاق لصفية "أقلبك إلى بيتك فذهب معها حتى أدخلها بيتها" صريح في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج من المسجد. وترجمة البخاري لا تنافي ما ذكر.
باب المعتكف يعود المريض
أيجوز أم لا؟ والعيادة الزيارة
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالاَ نَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ حَرْبٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ أَبِى سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ النُّفَيْلِىُّ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ وَلاَ يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عِيسَى قَالَتْ: إِنْ كَانَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ.
(ش) (قوله فيمر كماهو ولا يعرج يسأل عنه) من التعريج وهو الإقامة تعنى أنه كان يعود المريض بالسؤال عنه إذا مر عليه ولا يقوم عنده. وهذا لفظ النفيلى: وفيه دليل على أنه ينبغى للمعتكف إذا خرج لحاجته ومرّ على مريض أن يسأل عنه ولا يقف عنده
(قوله وقال ابن عيسى الخ) أي قال محمد بن عيسى الطباع في روايته: قالت عائشة إن كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعود المريض الخ وإن مخففة من الثقيلة والمعنى أن الحال والشأن أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعود المريض وهو معتكف. والمراد بالعيادة السؤال عنه لا حقيقتها التى هى الزيارة. ويحتمل أن إن نافية بمعنى ما أى ما كان يعود المريض وهو معتكف ولكن كان إذا مر به يسأل عنه. فلا تنافي بين روايتى النفيلى وابن الطباع.
(والحديث) أخرجه أيضا البيهقى وهو ضعيف لأن في إسناده الليث بن أبي سليم وفيه مقال كما تقدم
(ص) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ أَنَا خَالِدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتِ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا وَلاَ يَشْهَدَ جَنَازَةً وَلاَ يَمَسَّ امْرَأَةً وَلاَ يُبَاشِرَهَا وَلاَ يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ مِنْهُ. وَلاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ بِصَوْمٍ
стр. 3329
وَلاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ فِى مَسْجِدٍ جَامِعٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ لاَ يَقُولُ فِيهِ قَالَتِ السُّنَّةُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ.
(ش) (خالد) بن عبد الله الواسطى
(قوله السنة على المعتكف ألا يعود مريضا ولا يشهد جنازة) قال الخطابي: أرادت بقولها لا يعود مريضا أي لا يخرج من معتكفه قاصدا عيادته ويضيق عليه أن يمر به فيسأل عنه غير معرج عليه كما ذكرته عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث القاسم بن محمد اهـ بتصرف. وبظاهره أخذ مالك وقال لا يجوز للمعتكف أن يخرج لعيادة المريض ولا لتشييع الجنازة ولا للصلاة عليها ولو تعينت، فإن خرج بطل اعتكافه. ولو مرض أحد أبويه أو هما خرج وبطل اعتكافه ولا إثم عليه، لأن في عدم خروجه عقوقا. أما جنازتهما معا فلا يخرج على مشهور المذهب بخلاف جنازة أحدهما فيخرج لئلا يكون عدم خروجه عقوقا للحي منهما. وهو قول عطاء والزهري وعروة ومجاهد وفرّقت الحنفية بين الاعتكاف المستحب والمسنون والواجب ففي الأخيرين يحرم الخروج من معتكفه ليلا أو نهارا إلا لحاجة "شرعية" كصلاة جمعة وعيد أو "طبيعية" كالطهارة ومقدّماتها من البول والغائط وإزالة نجاسة واغتسال من جنابة باحتلام أو "لحاجة ضرورية" كانهدام المسجد وإخراج ظالم كرها وخوف على نفسه أو ماله من ظالم فلا يفسد اعتكافه ولا يحرم عليه الخروج (أما) لو خرج لعيادة مريض أو شهود جنازة وإن تعينت عليه أو لإنقاذ غريق أو حريق أو جهاد تعين عليه فإنه يفسد اعتكافه ولا إثم عليه (أما) الاعتكاف المستحب فهو غير مقدَّر بمدَّة. فمن دخل المسجد ناويا الاعتكاف فهو معتكف مدّة وجوده في المسجد تاركا له إذا خرج. وفرقت الشافعية بين المنذور وغيره فالمنذور لا يجوز الخروج منه إلا لحاجة ضرورية كالأكل والبول والغائط فلا يجوز الخروج منه لعيادة المريض وشهود جنازة لم تتعين عليه، فإن تعينت خرج. وإذا خرج لما يجوز له الخروج فسأل في طريقه عن المريض ولم يعرج عليه لا ينقطع اعتكافه المنذور. أما غير المنذور فيجوز الخروج منه لعيادة المريض ونحوها (وقالت) الحنابلة إذا كان الاعتكاف واجبا لا يخرج لعيادة مريض ولا جنازة ولا غيرهما إلا إن شرط ذلك فيجوز. وإن كان غير واجب جاز له الخروج لأن كل واحد منهما تطوع. والأفضل المقام على اعتكافه، لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكن يعرج على المريض ولم يكن واجبا عليه. وإن خرج لما لا بد منه فسأل عن المريض في طريقه ولم يعرج جاز لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك (قال) في المغنى إذا وقعت فتنة خاف منها على نفسه إن قعد في المسجد أو على ماله نهبا أو حريقها فله ترك الاعتكاف والخروج، لأن هذا مما أباح الله تعالى لأجله ترك الواجب بأصل الشرع وهو
стр. 3330
الجمعة والجماعة، فأولى أن يباح لأجله ترك ما أوجبه على نفسه. وكذلك إن تعذر عليه المقام في المسجد لمرض لا يمكنه المقام معه فيه كالقيام المتدارك أو لسلس البول أو الإغماء أو لا يمكنه المقام إلا بمشقة شديدة مثل أن يحتاج إلى خدمة وفراش فله الخروج. وإن كان المرض خفيفا كالصداع ووجع الضرس ونحوهما، فليس له الخروج فإن خرج بطل اعتكافه. وله الخروج إلى ما يتعين عليه من الواجب مثل الخروج في النفير إذا عم، أو حضر عدو يخافون كلبه واحتيج إلى خروج المعتكف لزمه الخروج، لأنه واجب متعين فلزم الخروج إليه كالخروج إلى الجمعة وإذا خرج ثم زال عذره نظرنا. فإن كان تطوعا فهو مخير إن شاء رجع إلى معتكفه وإن شاء لم يرجع. وإن كان واجبًا رجع إلى معتكفه فبنى على ما مضى من اعتكافه. ثم لا يخلو النذر من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون نذر اعتكافًا في أيام غير متتابعة ولا معينة، فهذا لا يلزمه قضاء، بل يتم ما بقى عليه، لكنه يبتدئ اليوم الذى خرج فيه من أوّله ليكون متتابعا ولا كفارة عليه، لأنه أتى بما نذر على وجهه فلا يلزمه كفارة كما لو لم يخرج (الثاني) نذر أياما معينة كشهر رمضان فعليه قضاء ما ترك وكفارة يمين بمنزلة تركه المنذور في وقته. ويحتمل ألا يلزمه كفارة على ما سنذكره إن شاء الله (الثالث) نذر أياما متتابعة فهو مخير بين البناء والقضاء والتكفير وبين الابتداء ولا كفارة عليه لأنه يأتى بالمنذور على وجهه فلم يلزمه كفارة كما لو أتى به من غير أن يسبقه الاعتكاف الذى قطعه. ثم قال والمعتكف لا يتجر ولا يتكسب بالصنعة (وجملته) أن المعتكف لا يجوز له أن يبيع ولا يشترى إلا ما لا بد له منه. قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول: المعتكف لا يبيع ولا يشترى إلا ما لا بد له منه طعام أو نحو ذلك. فأما التجارة والأخذ والعطاء فلا يجوز شئ من ذلك (وقال الشافعى) لا بأس أن يبيع ويشترى ويخيط ويتحدّث ما لم يكن مأثما (ولنا) ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد. رواه الترمذى وقال حديث حسن. ورأى عمران القصير رجلا يبيع في المسجد فقال: ياهذا إن هذا سوق الآخرة فإن أردت البيع فاخرج إلى سوق الدنيا. وإذا منع من البيع والشراء في غير حال الاعتكاف ففي أولى فأما الصنعة فظاهر كلام الخرقى أنه لا يجوز منها ما يكتسب به لأنه بمنزلة التجارة بالبيع والشراء ويجوز ما يعمله لنفسه كخياطة قميصه ونحوه. وقد روى المروزي قال سألت أبا عبد الله عن المعتكف ترى له أن يخيط؟ قال لا ينبغى له أن يعتكف إذا كان يريد أن يفعل. وقال القاضى لا تجوز الخياطة في المسجد سواء أكان محتاجًا إليها أم لم يكن قل أم كثير، لأن ذلك معيشة تشغل عن الاعتكاف فأشبه البيع والشراء فيه. والأولى أن يباح له ما يحتاج إليه من ذلك إذا كان يسيرا مثل أن ينشق قميصه فيخيطه، أو ينحل شئ يحتاج إلى ربط فيربطه، لأن هذا يسير تدعو الحاجة إليه، فجرى مجرى لبس قميصه وعمامته وخلعهما اهـ وقال ابن حزم كل فرض على المسلم فإن الاعتكاف لا يمنع منه
стр. 3331
وعليه أن يخرج إليه ولا يضر ذلك باعتكافه، وكذلك يخرج لحاجة الإنسان من البول والغائط وغسل النجاسة وغسل الاحتلام وغسل الجمعة ومن الحيض إن شاء في حمام أو في غير حمام، ولا يتردد "لذلك" أكثر من تمام غسله وقضاء حاجته، فإن فعل بطل اعتكافه، وكذلك يخرج لابتياع ما لا بد له ولأهله منه من الأكل واللباس، ولا يتردد على غير ذلك. فإن تردد بلا ضرورة بطل اعتكافه وله أن يشيع أهله إلى منزلها. وإنما يبطل الاعتكاف خروجه لما ليس فرضا عليه. وقد افترض الله تعالى على المسلم ما رويناه من طريق البخارى. أن أباهريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" وأمر ﵊ من دعى إن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل بمعنى أن يدعو لهم. وقال تعالى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ وقال تعالى ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فهذه فرائض لا يحل تركها للاعتكاف. وبلا شك عند كل مسلم أن كل من أدى ما افترض الله تعالى عليه فهو محسن. قال الله تعالى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ففرض على المعتكف أن يخرج لعيادة المريض مرة واحدة يسأل عن حاله واقفا وينصرف، لأن ما زاد على هذا فليس من الفرض، وإنماهو تطويل فهو يبطل الاعتكاف. وكذلك يخرج لشهود الجنازة، فإذا صلى عليه انصرف، لأنه قد أدى الفرض، وما زاد فليس فرضا. وهو به خارج عن الاعتكاف. وفرض عليه أن يخرج إذا دعي فإن كان صائما بلغ إلى دار الداعى ودعا وانصرف ولا يزد على ذلك. وفرض عليه أن يخرج إلى الجمعة بمقدار ما يدرك أول الخطبة، فإذا سلم رجع. فإن زاد على ذلك خرج من الاعتكاف، فإن خرج كما ذكرنا ثم رأى أن في الوقت فسحة، فإن علم أنه إن رجع إلى معتكفه ثم خرج أدرك الخطبة فعليه أن يرجع وإلا فليتماد، وكذلك إن كان عليه في الرجوع حرج لقول الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وكذلك يخرج للشهادة إذا دعى سواء قبل أو لم يقبل، لأن الله تعالى أمر الشهداء بألا يأبوا إذا دعوا ولم يشترط من يقبل ممن لا يقبل ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. فإذا أداها رجع إلى معتكفه ولا يتردد، فإن تردد بطل اعتكافه. وإن نزل عدو كافر أو ظالم بساحة موضعه فإن اضطر إلى النفار نفر وقاتل، فإذا استغنى عنه رجع إلى معتكفه. فإن تردد لغير ضرورة بطل اعتكافه. وهذا كله قول أبي سليمان وأصحابنا. وروينا من طريق سعيد بن منصور إلى عاصم بن ضمرة قال: قال على بن أبي طالب: إذا عتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليحضر الجنازة، وليعد المريض، وليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم. قال: وروينا من طريق سعيد بن منصور أيضا إلى عمار بن عبد الله بن يسار عن أبيه أن على بن أبي طالب أعان ابن أخته جعدة بن هبيرة بسبعمائة درهم من عطائه أن يشترى بها خادما فقال: إنى كنت معتكفا. فقال له على: وما
стр. 3332
عليك لو خرجت إلى السوق فابتعت. وروينا من طريقه إلى عمرة عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت لا تعود المريض من أهلها إذا كانت معتكفة إلا وهى مارة. وروينا من طريقه أيضا إلى إبراهيم النخعى قال: كانوا يستحبون للمعتكف أن يشترط هذه الخصال وهن له وإن لم يشترط. قال إبراهيم: ولا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة. وروينا من طريقه أيضا إلى سعيد بن جبير قال: المعتكف يعود المريض ويشهد الجنازة ويجيب الإمام. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنه كان يرخص للمعتكف أن يتبع الجنازة ويعود المريض ولا يجلس. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: المعتكف يدخل الباب يعود المريض فيسلم ولا يقعد. وكان لا يرى بأسا إذا خرج المعتكف لحاجته فلقيه رجل، فسأله أن يقف عليه فيسائله. قال أبو محمد "يعنى ابن حزم" إن اضطر إلى ذلك أو سأله عن سنة من الدين "أى يقف لإجابته" وإلا فلا. وروينا من طريق شعبة عن أبي إسحاق الشيبانى عن سعيد بن جبير قال: للمعتكف أن يعود المريض ويتبع الجنازة ويأتى الجمعة ويجيب الداعى. ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: إن نذر جوارا أينوى في نفسه أنه لا يصوم وأنه يبيع ويبتاع ويأتى الأسواق ويعود المريض ويتبع الجنازة. وإن كان مطر فإنى أستكن في البيت، وإنى أجاور جوارا منقطعا، أو أن يعتكف النهار ويأتى البيت بالليل؟ قال عطاء: ذلك على نيته ما كانت ذلك له وهو قول قتادة أيضا. وروينا عن سفيان الثورى أنه قال: المعتكف يعود المرضى ويخرج إلى الجمعة ويشهد الجنائز. وهو قول الحسن بن حيى. وروينا عن مجاهد وعطاء وعروة والزهري لا يعود المعتكف مريضا ولا يشهد الجنازة. وهو قول مالك والليث. قال مالك لا يخرج إلى الجمعة قال أبو محمد: هذا مكان صح فيه عن على وعائشة ما أوردنا، ولا مخالف لهما يعرف من الصحابة. ثم ذكر بسنده حديث صفية المتقدم للمصنف، وقال في هذا كفاية. وما نعلم لمن منع من كل ما ذكرنا حجة لا من قرآن ولا من سنة ولا من قول صاحب ولا قياس اهـ بتصرف
(قوله ولا يمس امرأة) أي ولا يفضى بيده إلى امرأة بشهوة. أما بغير شهوة فلا بأس لما تقدم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يخرج إليها رأسه فتغسله وتسرحه. فإن كان بشهوة حرم عند الأئمة الأربعة وفسد اعتكافه وإن لم ينزل عند مالك، وهو قول للشافعى، وقال أبو حنيفة لا يفسد إلا إن أنزل وهو مشهور مذهب الشافعى. وقال عطاء لا يبطل الاعتكاف بالمس مطلقا أنزل أو لم ينزل. واختاره ابن المنذر والمحاملى وأبو الطيب. ولا يفسد اعتكافة بنظر أو فكر وإن أنزل خلافا للمالكية
(قوله ولا يباشرها) المباشرة في الأصل التقاء البشرتين. والمراد بهاهنا الجماع بقرينة ذكر المس قبله، ولأنه المراد بقوله تعالى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فإنه نهى لمن كان يخرج وهو معتكف فيجامع ويعود. واتفقوا على أن الجماع
стр. 3333
يفسد الاعتكاف إن كان عمدا. وإن كان عن نسيان فكذلك عند أبي حنيفة ومالك وأحمد. وقال الشافعى لا يفسد لأنه لا يفسد الصوم فكذلك لا يفسد الاعتكاف. وإذا فسد اعتكافه لزمه القضاء إن كان واجبا ولا كفارة عليه، وهو قول عطاء والنخعى وأهل المدينة ومالك وأهل العراق والثورى والأوزاعى ومشهور مذهب أحمد. وذهب الزهرى والحسن إلى أن من أفسد اعتكافه بالوطء يلزمه كفارة ظهار. قال في المغنى: وهو اختيار القاضى ورواية عن أحمد اهـ
(قوله ولا يخرج لحاجة إلا ما لا بد منه) كالغائط والبول وتقدم بيانه
(قوله ولا اعتكاف إلا بصوم) فيه اشتراط الصوم في الاعتكاف. وبه قال مالك سواء أكان الاعتكاف واجبا أم لا ويدل له أيضا ما في الحديث الآتى أن عمر نذر أن يعتكف في الجاهلية فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: اعتكف وصم. ولم يرو عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن اعتكف بلا صوم. وهو قول ابن عمر وابن عباس وعائشة والزهرى والليث والثورى والحسن بن حيى ورواية عن أحمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان الاعتكاف منذورا كان الصوم ركنا فيه وإلا فلا. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن الصوم شرط في الاعتكاف مطلقا لإطلاق حديث الباب. واختاره ابن الهمام كما تقدّم، وقال الشافعى وأحمد ليس الصوم شرطا فى الاعتكاف إلا إن نذر الصوم فيه. واستدلا بما رواه الشيخان أن عمر قال يا رسول الله: إنى نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: أوف بنذرك ولو كان الصوم شرطا فيه لما صح اعتكاف الليل، لأنه لا صيام فيه. وبما رواه الدارقطنى والحاكم عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه. ولأنه عبادة تصح بالليل فلا يشترط له الصيام كالصلاة. ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص ولا إجماع. وبصحة الاعتكاف بدون صوم قال على وابن مسعود وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وطاوس وإسحاق. قال في سبل السلام: أما اشتراط الصوم في الاعتكاف ففيه خلاف. وهذا الحديث الموقوف "يعنى حديث الباب" دل على اشتراطه وفيه أحاديث (منها) في نفي شرطيته (ومنها) في إثباته والكل لا ينهض حجة. إلا أن الاعتكاف عرف من فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يعتكف إلا صائما، واعتكافه في العشر الأول من شوال. الظاهر أنه صامها ولم يعتكف إلا من ثانى شوال لأن يوم العيد يوم شغله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالصلاة والخطبة والخروج إلى الجبانة. إلا أنه لا يقوم بمجرد الفعل حجة على الاشتراط اهـ والجبانة المصلى في الصحراء. وقد تطلق على المقبرة. وغرضه تقوية عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف. وهو الأولى وحديث عمر الآتى ضعيف لأنه تفرد به عبد الله بن بديل وفيه مقال. وقال النيسابورى حديث منكر. والنفى فى
стр. 3334
الحديث للكمال لحديث الدارقطنى المتقدم عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه. قال ابن حزم ليس الصوم من شروط الاعتكاف، لكن إن شاء المعتكف صام وإن شاء لم يصم. واعتكاف يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق حسن. وكذلك اعتكاف ليلة بلا يوم لا يوم بلا ليلة. روينا عن الحكم عن مقسم أن عليا وابن مسعود قالا جميعا: المعتكف ليس عليه صوم إلا أن يشترط ذلك على نفسه. وذكر بسنده إلى أبي سهيل بن مالك قال: اجتمعت أنا وابن شهاب عند عمر بن عبد العزيز، وكان على امرأتى اعتكاف ثلاث فى المسجد الحرام. فقال ابن شهاب: لا يكون اعتكاف إلا بصوم، فقال له عمر بن عبد العزيز: أمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ قال لا. قال فمن أبي بكر؟ قال لا. قال فمن عمر؟ قال لا. قال فمن عثمان؟ قال لا. قال أبو سهيل: فانصرفت فلقيت طاوسا وعطاء فسألتهما عن ذلك، قال طاوس: كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صياما إلا أن يجعله على نفسه، قال عطاء: ذلك رأيي. قال وصح عن طاوس وابن عباس خلاف ذلك. ومن طريق وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعى قال: المعتكف إن شاء لم يصم. ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبدة عن سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن قال: ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجب ذلك على نفسه. اهـ ببعض تصرف
(قوله ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) فيه دليل لمن قال باشتراط المسجد الجامع الذى تقام فيه الجمعة والجماعة للاعتكاف وتقدم تمام الكلام عليه
(قوله قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه الخ) يعنى أن كل من روى الحديث عن الزهرى لم يقل فى روايته "السنة" إلا عبد الرحمن بن إسحاق. فعلى روايته يكون الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعلى رواية غيره يكون موقوفا على عائشة قال الخطابي: قولها السنة إن كانت أرادت بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قولا أو فعلا. فهى نصوص لا يجوز خلافها، وإن كانت أرادت به الفتيا على معنى ما عقلت من السنة، فقد خالفها بعض الصحابة في بعض هذه الأمور. والصحابة إذا اختلفوا في مسألة كان سبيلها النظر. على أنّ أبا داود قد ذكر على إثر هذا الحديث أن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه إنها قالت السنة. فدل ذلك على احتمال أن يكون ما قالته فتوى منها وليس برواية عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ لكن "دعوى المصنف" أن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه إنها قالت السنة "غير مسلمة" فقد روى الحديث البيهقى من طريق الليث عن عقيل عن ابن شهاب وفيه يباشرها. ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. والسنة فيمن اعتكف أن يصوم" وأخرجه الدارقطنى عن عبد الملك بن جريج عن محمد بن شهاب عن سعيد بن المسيب عن عروة بن الزبير عن عائشة
стр. 3335
أنها أخبرته أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكفهن أزواجه من بعده، وأن السنة للمعتكف ألا يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضا، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع. ويأمر من اعتكف أن يصوم. قال الدارقطنى: يقال إن قوله وأن السنة للمعتكف ليس من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنه من كلام الزهرى، وإن من أدرجه في الحديث فقد وهم اهـ وقال الحافظ ابن حجر: الراجح وقف قوله لا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع (والحديث) أخرجه أيضا البيهقي والدارقطنى بلفظ تقدم
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَسَأَلَ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اعْتَكِفْ وَصُمْ.
(ش) (الرجال) (أبو داود) الطيالسى. و (عبد الله بن بديل) بالتصغير ابن ورقاء الخزاعي. روى عن الزهري وعمرو بن دينار. وعنه عبد الرحمن بن مهدى وزيد بن الحباب وأبو داود الطيالسى وغيرهم. قال ابن معين صالح، وقال ابن عدى له ما ينكر عليه من الزيادة في متن أو إسناد وفي التقريب صدوق يخطئ من الثامنة. وذكره ابن حبان في الثقات، وكذا ابن شاهين وقال مكي صالح. روى له أبو داود والنسائى والبخارى في التعاليق
(المعنى)
(قوله جعل عليه أن يعتكف الخ) يعنى نذر قبل الإسلام أن يعتكف في المسجد الحرام ليلة أو يوما بالشك. ورواية الشيخين من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال إن عمر قال يا رسول الله إنى نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال فأوف بنذرك. وفي رواية الحاكم ورواية لمسلم من طريق شعبة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن عمر جعل عليه يوما يعتكفه. قال الحافظ في الفتح رواية اليوم شاذة اهـ وجمع ابن حبان بينهما بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة فمن أطلق اليوم أراد بليلة ومن أطلق الليلة أراد بيومها
(قوله اعتكف وصم) أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالاعتكاف وفاء بنذره (والحديث) حجة لمن قال بوجوب الصيام فى الاعتكاف. وتقدم بيان المذاهب فيه (وفيه) دلالة أيضا على أن من نذر شيئا حال الكفر يلزمه الوفاء به إذا أسلم وكان ما نذره مشروعا وسيأتى تمام الكلام عليه في النذر إن شاء الله تعالى. وقال الخطابي: وفيه دليل على أن من حلف في كفره ثم أسلم فحنث تلزمه الكفارة. وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة وأصحابه "ومالك" لا تلزمه الكفارة
стр. 3336
لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله. وفيه دليل على وقوع ظهار الذمى ووجوب الكفارة عليه اهـ بتصرف
(والحديث) أخرجه أيضًا الدارقطني وهو ضعيف لأن في سنده عبد الله بن بديل, وأخرجه البيهقي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الجعرانة يا رسول الله إن على يوما أعتكفه فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اذهب فاعتكفه وصمه. وقال البيهقي عن الدارقطني تفرد به ابن بديل عن عمرو وهو ضعيف الحديث قال على "يعنى الدارقطنى" سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه "أي الصوم" منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد ابن زيد وغيرهم وابن بديل ضعيف الحديث اهـ. ولذا رواه البخاري ومسلم بدون ذكر الصيام فيه من عدة طرق.
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ الْقُرَشِىِّ نَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ يَعْنِى الْعَنْقَزِىَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ مُعْتَكِفٌ إِذْ كَبَّرَ النَّاسُ فَقَالَ مَا هَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ سَبْىُ هَوَازِنَ أَعْتَقَهُمُ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَتِلْكَ الْجَارِيَةُ فَأَرْسَلَهَا مَعَهُمْ.
(ش) (الرجال) (عبد الله بن عمر ... ) الأموى أبو عبد الرحمن الكوفي، روى عن أبي الأحوص وابن المبارك وعبدة بن سليمان ومحمد بن فضيل وجماعة. وعنه مسلم وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم والبغوى وغيرهم. قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات. وفي التقريب صدوق فيه تشيع من العاشرة. توفي سنة ثمان أو تسع وثلاثين ومائتين. و (عمرو ابن محمد العنقزى) بفتح المهملة والقاف بينهما نون ساكنة وبالزاى. وفي الخلاصة بكسر القاف القرشي أبو سعيد الكوفي. روى عن عيسى بن طهمان وأبي حنيفة وابن جريج وإسراءيل والثوري وجماعة. وعنه قتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وعليّ بن المديني وأحمد بن عثمان بن حكيم وكثيرون. وثقه أحمد والنسائى والعجلى وقال ابن معين ليس به بأس. وفي التقريب ثقة من التاسعة. مات سنة تسع وتسعين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذى والبخارى في التعاليق
(المعنى)
(قوله فبينما هو يعتكف الخ) أى بين أزمان وعمر معتكف إذ ارتفعت أصوات الناس بالتكبير فقال عمر ما هذا؟ فقال ابنه إن سبى هوازن أعتقهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلذلك علت أصواتهم. فقال لابنه تلك جارية عندى من سبى هوازن فأرسلها مع من أعتقوا
стр. 3337
باب المستحاضة تعتكف
أيجوز أم لا
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالاَ نَا يَزِيدُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ فَكَانَتْ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالْحُمْرَةَ فَرُبَّمَا وَضَعْتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِىَ تُصَلِّى.
(ش) (يزيد) بن زريع. و (خالد) بن مهران الحذاء
(قوله اعتكفت مع رسول الله امرأة من أزواجه) وفي رواية البخارى اعتكفت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم امرأة مستحاضة من أزواجه. وهى أم سلمة ففي رواية سعيد بن منصور عن خالد الحذاء عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهى مستحاضة وربما جعلت الطست تحتها
(قوله فكانت ترى الصفرة والحمرة) أى ترى الدم الأصفر مرة عند قلة الدم، ومرة ترى الأحمر عند كثرة الدم. وفي رواية للبخارى ترى الدم والصفرة. وفيه "زعم عكرمة أن عائشة رأت ماء العصفر فقالت: كان هذا شئ كانت فلانة تجده. فبين بهذا أن الصفرة تشبه ماء العصفر" (وفي هذا) دلالة على صحة اعتكاف المستحاضة وصلاتها وجواز مكثها في المسجد. لكن محله إن أمن تلويثه. ومثلها دائم الحدث ومن به قروح
(والحديث) أخرجه أيضا البخاى والنسائى وابن ماجه والبيهقى (تتميم) "قال النووى" فى شرح المهذب (فرع) في مسائل تتعلق بالاعتكاف وبعضها من الضروريات (أحدها) إذا نذر اعتكافا متتابعا وشرط الخروج منه إن عرض عارض مثل مرض خفيف أو عيادة مريض أو شهود جنازة أو زيارة أو صلاة جمعة أو شرط الخروج لاشتغال بعلم أو لغرض آخر من أغراض الدنيا والآخرة صح شرطه على المذهب نص عليه في المختصر وقطع به الأصحاب في جميع الطرق. ومنهم المصنف في التنبيه وإذا قضى الشغل الذى شرطه وخرج له لزمه العود والبناء على اعتكافه. فإن أخر العود بعد قضاء الشغل بلا عذر بطل تتابعه ولزمه استئناف الاعتكاف. ولو نذر اعتكافا متتابعا وقال في نذره إن عرض مانع قطعت الاعتكاف فحكمه حكم من شرط الخروج كما سبق إلا أنه إذا شرط الخروج يلزمه بعد قضاء الشغل الرجوع والبناء على اعتكافه حتى تنقضى مدته وفيما إذا شرط القطع لا يلزمه العود بل إذا عرض الشغل الذى شرطه انقضى نذره وبرئت ذمته منه وجاز الخروج ولا رجوع عليه. ولو قال علىّ أن أعتكف رمضان إلا أن أمرض أو أسافر
стр. 3338
فمرض أو سافر فلا شئ عليه ولا قضاء (المسألة الثانية) إذا نذر اعتكاف اليوم الذي يقدم فيه زيد: قال الشافعى فى المختصر. فإن قدم في أول النهار اعتكف باقي, فإن كان مريضا أو مجنونا، فإذا قدر قضاه: قال المزني. يشبه إذا قدم أول النهار أن يقضي مقدار ما مضى من ذلك اليوم من يوم آخر حتى يكون قد اعتكف يوما كاملا هذا ما ذكره الشافعي والمزني قال أصحابنا هذا النذر صحيح قولا واحدا. ونقل الماوردى وغيره اتفاق الأصحاب على صحته (المسألة الثالثة) إذا مات وعليه اعتكاف فهل يطعم عنه فيه خلاف (إلى أن قال) الصحيح أنه لا يطعم عنه في الاعتكاف وقال أبو حنيفة يطعم عنه وعن ابن عباس وعائشة وأبي ثور أنه يعتكف عنه (الرابعة) قال الأصحاب لو نذر أن يعتكف شهر رمضان من هذه السنة, فإن كان النذر في شوال لم ينعقد, وإن كان قبله انعقد. فإن لم يعتكف حتى فات رمضان لزمه القضاء ويقضيه كيف شاء متتابعا أو متفرقا والله أعلم اهـ
٦ - كتاب المناسك
جمع منسك بفتح السين وكسرها. وهو العبادة أو مكانها أو زمانها. فهو مصدر ميمي صالح للزمان والمكان والحدث. وجميعها مراد هنا إذ الكتاب مسوق لبيان أعمال الحج وأزمنته وأمكنته يقال: نسك ينسك نسكا من باب قتل إذا تعبد. وتسمى أفعال الحج كلها مناسك. قال الطيبى النسك العبادة والناسك العابد والمناسك مواقف النسك وأعمالها النسيكة مخصوصة بالذبيحة
١ - (باب فرض الحج)
وفى بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة. والحج بكسر الحاء المهملة وفتحها في اللغة القصد مطلقا وقال الخليل كثرة القصد إلى معظم. وفى عرف الشرع القصد إلي البيت الحرام على وجه التعظيم بأعمال مخصوصة من الطواف والسعي والوقوف بعرفة وغيرها محرما بنية الحج. وهو من العبادة البدنية المحضة لعدم أخذ المال في مفهومه وإنما هو شرط له. واختلف في ابتداء فرضيته فقيل سنة خمس وقيل سنة ستة لأنها هي السنة التي نزل فيها قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقيل أركان الإسلام. قال الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وحكمة مشروعيته تعظيم بيت الله الحرام, واجتماع الناس القاصى منهم والدانى فيتعارفون ويتعاونون ويتذكرون العرض على الله يوم القيامة
١ - (ص) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ الْمَعْنَى قَالاَ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ
стр. 3339
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سِنَانٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ فِى كُلِّ سَنَةٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قَالَ بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً, فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ
(ش) (الرجال) (أبو سنان) بكسر السين وتخفيف النون. يزيد بن أمية الدؤلي. وقيل اسمه ربيعة. روى عن على وابن عباس وأبي واقد الليثي. وعنه زيد بن أسلم ونافع والزهرى. وثقه أبو زرعة وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب ثقة من الثانية ومنهم من عده في الصحابة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه هذا الحديث. مات بين الثمانين والتسعين. و (الأقرع بن حابس) اسمه فراس. ولقب بالأقرع لقرع كان برأسه. وفد على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشهد فتح مكة وحنينا والطائف. وكان من المؤلفة قلوبهم. وقد حسن إسلامه. وكان شريفا في الجاهلية والإسلام. استعمله عبد الله بن عامر في عهد عثمان على جيش سيره إلى خرسان فأصيب بالجوزجان. وقيل قتل باليرموق في عشرة من بنيه (المعنى)
(قوله الحج في كل سنة أو مرة واحدة الخ) أي أيجب الحج في كل سنة أم يجب في العمر مرة واحدة؟ ومن زاد عليها فهو له تطوع. وفي رواية أحمد عن ابن عباس خطبنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يأيها الناس إن الله كتب عليكم الحج. فقال الأقرع بن حابس أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها. الحج مرة فمن زاد فتطوع. وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا. فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: فلو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه (وفي هذه الأحاديث) دلالة على أن الحج فرض في العمر مرة واحدة. وهذا مجمع عليه. وإنما يفرض على المستطيع لقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (قال الخطابي) لا خلاف في أن الحج لا يتكرر وجوبه إلا أن هذا الإجماع إنما حصل بدليل. أما نفس اللفظ فقد يوهم التكرار. ولذا سأل السائل, فإن الحج في اللغة قصد فيه تكرار. وفي الحديث دليل على أن المسلم إذا حج مرة ثم ارتد ثم أنه لا يلزمه إعادة الحج اهـ ملخصا, وما ذكره من أن المرتد لا يلزمه إعادة الحج هو مذهب الشافعي. وذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك إلى أن
стр. 3340
المرتد وعاد إلى الإسلام لا تعود إليه حسنات أعماله، ولكن لا يلزمه إعادة ما أدّاه منها قبل الردّة إلا الحج فيلزمه إعادته لأن وقته العمر، فلما حبط حجه بالردة ثم أدرك وقته مسلما لزمه وكذا يلزمه إعادة فرض أدّاه فارتد ثم أسلم في الوقت. وهل فرضه على الفور أو على التراخي؟ خلاف يأتى بيانه إن شاء الله تعالى (والحديث) أخرجه أيضا ابن ماجه والدارقطنى والحاكم
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ أَبُو سِنَانٍ الدُّؤَلِىُّ كَذَا قَالَ عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حُمَيْدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ وَقَالَ عُقَيْلٌ سِنَانٌ.
(ش) أى راوى الحديث عن ابن عباس هو ابن سنان الدؤلى "نسبة إلى دؤل أبى قبيلة" وقد تابع سفيان بن حسين فى هذا عبد الجليل بن حميد وسليمان بن كثير فقالا عن الزهرى عن أبى سنان باثبات لفظ أبى كما قال سفيان بن حسين. وخالفهم عقيل "بالتصغير" ابن خالد الأيلى فقال عن الزهرى عن سنان بحذف لفظ أبى (هذا). و (عبد الجليل بن حميد) أبو مالك اليحصبى المصرى. روى عن يحيى بن سعيد الأنصارى وأيوب السختيانى والزهرى وغيرهم. وعنه ابن عجلان وابن وهب وموسى بن سلمة ويحيى بن أيوب. قال أحمد بن صالح ثقة وقال النسائى ليس به بأس وذكره ابن حبان فى الثقات، وفى التقريب لا بأس به من السابعة. مات سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له النسائى (وحديثه) أخرجه الدارقطنى والنسائى من طريق موسى بن سلمة قال: حدثنى عبد الجليل بن حميد عن ابن شهاب عن أبى سنان الدؤلى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام فقال: إن الله تعالى كتب عليكم الحج فقال الأقرع بن حابس التميمى كل عام يا رسول الله؟ فسكت فقال لو قلت نعم لوجبت. ثم إذا لا تسمعون ولا تطيعون. ولكنه حجة واحدة (وحديث) سليمان بن كثير رواه الدارقطنى بلفظ "إن الأقرع بن حابس سأل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الحج كل عام؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الحج مرة واحدة فمن زاد فتطوع" وأخرجه البيهقى بسنده إلى سليمان بن كثير قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن أبى سنان عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: يأيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فقام الأقرع ابن حابس فقال أفى كل عام يا رسول الله؟ قال لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها الحج مرة. فمن زاد فتطوع. وقال البيهقى تابعه سفيان بن حسين ومحمد بن أبى حفصة عن الزهرى عن أبى سنان. وقال عقيل عن الزهرى عن سنان. وأخرجه أيضا الدارمى قال حدثنا محمد بن كثير نا سليمان بن كثير عن الزهرى عن سنان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: كتب عليكم الحج فقيل يا رسول الله فى كل عام؟ قال لا ولو قلتها لوجبت الحج مرة فما زاد فهو تطوع اهـ وأنت ترى أنه قال عن سنان بإسقاط لفظ أبي فلعله سقط من الناسخ
стр. 3341
أو رواية أخرى. وحديث عقيل لم نقف على من خرجه
٢ - (ص) حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ ابْنٍ لأَبِى وَاقِدٍ اللَّيْثِىِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لأَزْوَاجِهِ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ: هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصْرِ.
(ش) (الرجال) (النفيلى) عبد الله بن محمد. و (ابن أبى واقد) اسمه واقد كما صرح به فى رواية سعيد بن منصور والبخارى فى التاريخ. وفى مسند أحمد من طريق سعيد بن منصور قال ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن زيد بن أسلم عن واقد بن أبى واقد الليثي عن أبيه. روى عن أبيه هذا الحديث فقط. وعنه زي بن أسلم. ذكره ابن منده فى الصحابة ونقل عن أبى داود أن له صحبة، وقال ابن القطان لا يعرف حاله، وفى التقريب يقال إن له صحبة وقيل بل هو من الثالثة. روى له أبو داود و (أبو واقد) الحارث بن مالك وقيل ابن عوف وقيل عوف بن الحارث بن أسد بن جابر الليثى. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن أبى بكر وعمر. وعنه ابناه عبد الملك وواقد وعطاء بن يسار وعروة بن الزبير. قيل شهد بدرا ولا يثبت، ثم شهد صفين. توفى سنة ثمان وستين روى له الجماعة (المعنى)
(قوله فى حجة الوداع) أى فى الحجة التى حجها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى آخر حياته ولم يحج سواها كما ستعرفه إن شاء الله تعال
(قوله هذه ثم ظهور الحصر) أى هذه الحجة التى فرضها الله تعالى عليكن ثم الزمن البيوت بعدها ولا تخرجن إلى الحج مرة أخرى. فكنى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بظهور الحصر عن ملازمتهن البيوت وظهور جمع ظهر. والحصر بضمتين أو بضم فسكون جمع حصير ما يفرش فى البيوت. وعلى هذا عملت سودة بنت زمعة وزينب بنت جحش من أزواجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقالتا لا تحركنا دابة بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما أخرجه ابن سعد عن أبي هريرة. وفهمت عائشة وبقية أزواجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن المراد لا يجب عليهنّ الحج بعد هذه المرة. فلا ينافى أنه مستحب فى حقهن لما جاء من الترغيب فى الحج. فقد روى البخارى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال. قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لكن أفضل الجهاد حج مبرور. وروى أيضا عن أبى هريرة قال: سئل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أى الأعمال أفضل؟ قال إيمان بالله ورسوله. قيل ثم ماذا؟ قال جهاد فى سبيل الله. قيل ثم ماذا؟ قال حج مبرور. وروى أيضا عن حبيب بن أبى عمرة قال: حدثتنى عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: يا رسول الله
стр. 3342
ألا نغزوا أو نجاهد معكم؟ فقال لكن أحسن الجهاد وأجمله حج مبرور. فقالت عائشة فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ففهمت عائشة ومن وافقها من أزواج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من هذه الأحاديث المرغبة فى الحج إباحة تكريره لهن كما أبيح للرجال تكرير الجهاد. وكان عمر رضى الله تعالى عنه متوقفا فى حجهن. فلما تبين له قوة دليل عائشة، أذن لهن فى الحج كما أخرجه البخارى والبيهقى من طريق أحمد بن محمد قال: حدثنى إبراهيم عن أبيه عن جده قال: أذن عمر رضى الله تعالى عنه لأزواج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف. وعن إبراهيم ابن سعد عن أبيه عن جده قال: إن عمر رضى الله عنه أذن لأزواج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى الحج فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف فنادى الناس عثمان أن لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن إلا مد البصر وهن فى الهوادج على الإبل وأنزلهن صدر الشعب فلم يصعد إليهن أحد. ونزل عبد الرحمن وعثمان بذنب الشعب فلم يقعد إليهن أحد. رواه البيهقى. وأذن لهن عثمان أيضا فى خلافته كما رواه ابن سعد عن عائشة أنهن استأذن عثمان فى الحج فقال: أنا أحج بكن فحج بنا جميعا إلا زينب كانت ماتت وإلا سودة، فإنها لم تخرج من بيتها بعد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(الفقه) دل الحديث على ان الحج فرض على النساء مرة واحدة كالرجال. قال الحافظ وفيه دليل على الأمر بالقرار فى البيوت "يعنى فى قوله: وقرن فى بيوتكن" ليس على سبيل الوجوب
(والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبيهقى. وقال "فى حج" عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين رضى الله عنهن بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "دلالة" على أن المراد من هذا الخبر وجوب الحج عليهن مرة واحدة كما بين وجوبه على الرجال لا المنع من الزيادة عليه اهـ
٢ - باب فى المرأة تحج بغير محرم
أى يجوز لها ذلك أم لا؟
٣ - (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلاَّ وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا.
(ش) مناسبة الحديث للترجمة من حيث أن الحج يستلزم السفر (أبو سعيد) كيسان
стр. 3343
المقبرى. تقدم بصفحة ٣٥ من الخامس
(قوله مسيرة ليلة) لا مفهوم له عند أكثر العلماء كما ستعرفه آخر الباب
(قوله إلا ومعها رجل ذو حرمة منها) يعنى محرما. والمراد به من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها. لخرج بالتأييد أخت الزوجة وخالتها وعمتها فإن حرمة كل منهن ليست على التأبيد بل ما دامت تلك المرأة في عصمته. وخرج بالمباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها، فإن حرمتها ليست بسبب مباح. وخرج بحرمتها الملاعنة لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظا. واستثنى أحمد من المحرمة على التأييد بالصفات المذكورة مسلمة لها أب كتابي فقال لا يكون محرما لها، لأنه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها
(الفقه) دل الحديث على أن المرأة يحرم عليها أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا بذى محرم وأن لها أن تسافر في أقل من ذلك. وبه قال الأوزاعى والليث. وعلى أن المرأة لا يلزمها الحج إذا لم تجد رجلا محرما يخرج معها. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والحسن البصرى وأحمد وإسحاق (قال الخطابي) وقال مالك تخرج مع جماعة النساء. وقال الشافعى تخرج مع امرأة حرة مسلمة ثقة قلت المرأة الحرة المسلمة الثقة لا تكون رجلا ذا حرمة منها، وقد حظر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على أن تسافر إلا ومعها رجل ذو محرم منها. فإباحة الخروج لها في سفر الحج مع عدم الشريطة التى أثبتها النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خلاف السنة. فإذا كان خروجها مع غير ذى محرم معصية؟ لم يجز إلزامها الحج وهو طاعة بأمر يؤدى إلى معصية. وعامة أصحاب الشافعى يحتجون في هذا بما روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه سئل عن الاستطاعة فقال: الزاد والراحلة. قالوا فوجب إذا قدرت المرأة على هذه الاستطاعة أن يلزمه الحج ويتأولون خبر النهى على الأسفار التى هى متطوعة بها دون السفر الواجب. قلت وهذا الحديث إنما رواه إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر. وإبراهيم الخوازى متروك الحديث وقد روى ذلك من طريق الحسن مرسلا: والحجة عند الشافعى لا تقوم بالمراسيل اهـ. وسيأتى مزيد بيان لذلك آخر الباب
(والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخاري ومسلم. وأخرجه البيهقي في قصر الصلاة
٤ - (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ وَالنُّفَيْلِىُّ عَنْ مَالِكٍ ح وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ نَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ الْحَسَنُ فِى حَدِيثِهِ "عَنْ أَبِيهِ" ثُمَّ اتَّفَقُوا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ
стр. 3344
وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. قَالَ النُّفَيْلِيُّ "حَدَّثَنَا مَالِكٌ" قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَعْنَبِىُّ وَالنُّفَيْلِىُّ عَنْ أَبِيهِ
(ش) (النفيلى) عبد الله بن محمد
(قوله قال الحسن في حديثه عن أبيه) أى قال الحسن ابن على أحد شيوخ المصنف في روايته عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، بخلاف عبد الله بن مسلمة وعبد الله بن حمد النفيلى فإنهما قالا عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة. وكلا الروايتين متصل فإن سعيدا وأباه رويا عن أبي هريرة. فلعل سعيدا روى الحديث عن أبي هريرة مرة بواسطة أبيه ومرة بلا واسطة
(قوله فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم (ولفظه) عند مسلم "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذى محرم منها" ففي هذا بيان أن المرأة لا تسافر يوما وليلة إلا ومعها محرم. وإن اقتصر في الحديث السابق على ذكر الليلة. والتوفيق بينهما أن يقال المراد الليلة ويومها
(قوله قال النفيلى الخ) أى قال في روايته حدّثنا مالك. وأمّا عبد الله بن مسلمة فقال عن مالك (والحديث) أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك بلفظ تقدّم
(ص) رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ كَمَا قَالَ الْقَعْنَبِىُّ.
(ش) أي روى الحديث السابق عبد الله بن وهب وعثمان بن عمر بن فارس عن مالك مثل رواية القعنبى عنه بترك لفظ عن أبيه فقالا عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة. وأشار المصنف بهذا إلى أنه اختلف على مالك في سند حديث أبي هريرة. فرواه عبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد الله ابن محمد النفيلى وعبد الله بن وهب وعثمان بن عمر بن فارس عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة بلا ذكر عن أبيه. ورواه بشر بن عمر عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وتابع بشر بن عمر إسحاق القروى والوليد بن مسلم عند الدارقطنى "وقال" في استدراكه على الشيخين كونهما أخرجاه من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه "الصواب" سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه. واحتج بأنّ مالكا ويحيى بن أبي كثير وسهيل بن أبي صالح قالوا عن سعيد عن أبي هريرة. ولكن تقدم أن هذا الاختلاف لا يقدح في سند الحديث لأن كلا من سعيد وأبيه رويا عن أبي هريرة
٥ - (ص) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى عَنْ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ بَرِيدًا.
стр. 3345
(ش) (جرير) بن عبد الحميد. و (سهيل) بن أبي صالح
(قوله وذكر نحوه) وفي نسخة فذكر نحوه بالفاء. أى ذكر سهيل بن أبي صالح نحو حديث مالك والليث بن سعد إلا أنه قال: لا تسافر المرأة بريدا. بدل يوم وليلة في الرواية السابقة. وتقدم أن البريد أربعة فراسخ، وأن الفرسخ ثلاثة أميال (وحديث سهيل) أخرجه الطحاوى بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا تسافر امرأة بريدا إلا مع زوج أو ذى رحم محرم، وأخرجه البيهقي بلفظ لا تسافر امرأة بريدا إلا مع ذي محرم
٦ - (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَهَنَّادٌ أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعًا حَدَّثَاهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إِلاَّ وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا.
(ش) (هناد) بن السرى. و (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير. و (وكيع) بن الجراح
(قوله حدثاهم) أى حدثا عثمان وهنادا في آخرين وفي بعض النسخ حدثاهما. و (أبو صالح) عبد الله بن ذكوان السمان
(قوله فوق ثلاثة أيام فصاعدا) أى ثلاثة أيام فأزيد. فلفظ فوق زائدة. لما في رواية مسلم عن أبي سعيد لا يحل لامرأة أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا الخ. وصاعدا منصوب على الحال من فاعل فعل محذوف. أى فذهب العدد صاعدا
(قوله أو ذو محرم منها) يدخل فيه ما كان محرما بنسب أو رضاع أو مصاهرة. فيدخل زيادة على ما ذكره المصنف "العم والخال وابن الأخ وابن الأخت نسبا ورضاعا" والمحرم بالمصاهرة ابن الزوج وأبو الزوج والزوج بالنسبة لأم زوجته وبنتها من غيره وزوجة ابنه، إلا أن مالكا كره أن تسافر المرأة مع ابن زوجها. قال الباجى: وجهه ما ثبت للربائب من العداوة وقلة المراعاة والإشفاق والحرص على طيب الذكر اهـ
(والحديث) أخرجه أيضا أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه والطحاوي والبيهقي والدارمي
٧ - (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلاَثًا إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ.
(ش) (عبيد الله) بن عمر العمري
(قوله لا تسافر المرأة ثلاثا) أي ثلاثة أيام كما
стр. 3346
صرح به في الروايات الأخر (والحديث) أخرجه أيضا البخاري ومسلم والطحاوي والبيهقي
٨ - (ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ نَا أَبُو أَحْمَدَ نَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُرْدِفُ مَوْلاَةً لَهُ يُقَالُ لَهَا صَفِيَّةُ تُسَافِرُ مَعَهُ إِلَى مَكَّةَ.
(ش) مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن سيد الجارية كزوج المرأة ومحرمها. و (أبو أحمد) محمد بن عبد الله الزبيري. و (سفيان) الثوري
(قوله كان يردف مولاة الخ) أي كان يجعل جاريته خلفه على دابته. وذكر المصنف هذا الحديث لبيان أن ما تقدم في الأحاديث من ذكر المحرم والزوج ليس على سبيل التحديد. بل يجرى مجراهما السيد. فيجوز سفر الجارية مع سيدها كما يجوز للمرأة أن تسافر مع زوجها أو محرمها (تنبيه) علم أن روايات الباب اختلفت في مقدار المدة التى لا يجوز للمرأة أن تسافرها بدون محرم أو زوج أو سيد: ففي بعضها لا تسافر بريدا، وفي بعضها لا تسافر ليلة، وفي بعضها لا تسافر يوما وليلة، وفي بعضها ثلاثة أيام فصاعدا، وفي رواية الطبرانى عن ابن عباس مرفوعا لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذى محرم، وفي رواية الطحاوى عن أبي سعيد الخدرى قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لا تسافر المرأة مسيرة ليلتين إلا مع زوج أو ذى محرم، وفي رواية للبخارى ومسلم عن أبي سعيد أيضا يومين بدل ليلتين، وفي رواية البخارى عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم. ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم. فقال رجل يا رسول الله إنى أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج. فقال اخرج معها فهذه الرواية مطلقة وليست مقيدة بشئ مما ذكر. وبها أخذت الشافعية والحنابلة فقالوا لا يجوز للمرأة أن تسافر أىّ سفر كان ولو لحج بدون زوج أو محرم. واختلاف الروايات في التحديد لاختلاف السائلين واختلاف المواطن فلا مفهوم لها. فكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سئل عن المرأة تسافر ثلاثة أيام. فقال لا. وسئل عن سفرها يوما وليلة أو ليلتين أو ليلة أو بريدا فأدى كل راو ما سمعه "وما جاء" منها مختلفا عن راو واحد "يحمل" على أنه سمعه في مواطن فحدث به على حسب ما رواه في تلك المواطن. فلا تنافي الرواية المطلقة. ولا يقال إن المطلق يحمل على المقيد لما علمت من أن المقيد منها لا مفهوم له (قال في الفتح) وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقديرات. قال المنذرى يحتمل أن يقال إن اليوم المنفرد والليلة المنفردة بمعنى اليوم والليلة يعنى فمن أطلق يوما أراد بليلته أو ليلة أراد بيومها. ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلا لأوائل الأعداد. فاليوم أول العدد. والاثنان أول التكثير. والثلاث أول الجمع. وكأنه أشار إلى أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل فيه السفر فكيف بما زاد. ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل
стр. 3347
ذكر ما دونها فيؤخذ بأقل ما ورد في ذلك. وأقله الرواية التى فيها البريد اهـ (وقال في النيل) قد ورد من حديث ابن عباس عند الطبرانى ما يدل على اعتبار المحرم فيما دون البريد. ولفظه "لا تسافر امرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذى محرم" وهذا هو الظاهر أعنى الأخذ بأقل ما ورد، لأن ما فوقه منهى عنه بالأولى "والتنصيص" على ما فوقه كالتنصيص على الثلاث واليوم والليلة واليومين والليلتين "لا ينافيه" لأن الأقل موجود في ضمن الأكثر. وغاية الأمر أن النهى عن الأكثر يدل بمفهومه على أن ما دونه غير منهى عنه. والنهى عن الأقل منطوق وهو أرجح من المفهوم اهـ (وقالت الحنفية) لا يجوز للمرأة أن تسافر ثلاثة أيام فما فوقها إلا ومعها محرم أو زوج. ويجوز لها فيما دون ذلك بدونهما. قال الطحاوى في شرح معانى الآثار بعد أن ذكر أحاديث المبحث: اتفقت هذه الآثار كلها عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على تحريم السفر ثلاثة أيام على المرأة بغير ذى محرم. واختلفت فيما دون الثلاث. فنظرنا في ذلك فوجدنا النهى عن السفر بلا محرم مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا ثابتا بهذه الآثار كلها. وكان توقيته بثلاثة أيام في ذلك إباحة "دليل" السفر لها فيما دون الثلاث بغير محرم، ولولا ذلك لما كان لذكره الثلاث معنى ولنهى نهيا مطلقا. ولم يتكلم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بكلام يكون فضلا، ولكنه ذكر الثلاث ليعلم أن ما دونها بخلافها. فلما ذكر الثلاثة وثبت بذكره إياها إباحة ما هو دونها "ثم ما روى" عنه في منعها من السفر دون الثلاثة من اليوم واليومين والبريد "فكل واحد" من تلك الآثار ومن الأثر المروى في الثلاثة متى كان بعد الذى خالفه نسخه فإن كان النهى عن سفر اليوم بلا محرم بعد النهى عن سفر الثلاث بلا محرم فهو ناسخ له وإن كان خبر الثلاث هو المتأخر عنه فهو ناسخ له. فقد ثبت أن أحد المعاني التى دون الثلاث ناسخة للثلاث أو الثلاث ناسخة لها. فلم يخل خبر الثلاث من أحد وجهين: إما أن يكون هو المتقدم أو يكون هو المتأخر. فإن كان هو المتقدم فقد أباح السفر أقل من ثلاث بلا محرم، ثم جاء بعده النهى عن سفر ما دون الثلاث بغير محرم فحرم ما حرم الحديث الأول وزاد عليه حرمة أخرى وهو ما بينه وبين الثلاث، فوجب استعمال الثلاث على ما أوجبه الأثر المذكور فيه. وإن كان هو المتأخر وغيره هو المتقدم، فهو ناسخ لما تقدمه. والذى تقدم غير واجب العمل به. فحديث الثلاث واجب استعماله على الأحوال كلها. وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان هو المتأخر. ولا يجب إن كان هو المتقدم. فالذى قد وجب علينا استعماله والأخذ به في كلا الوجهين أولى مما قد يجب استعماله في حال ويترك في حال. وفي ثبوث ما ذكرنا دليل على أن المرأة ليس لها أن تحج إذا كان بينها وبين الحج مسيرة ثلاثة أيام إلا مع محرم. فإذا عدمت المحرم وكان بينها وبين مكة المسافة التى ذكرنا فهى غير واجدة للسبيل الذى يجب عليها الحج بوجوده اهـ بتصرف وفيما قاله من النسخ نظر فإنه إذا كان النهى عن الثلاث متأخرا عن بقية الروايات فهو يفيد بمنطوقه النهى عن الثلاث
стр. 3348
فما فوقها ويفيد بمفهومه إباحة السفر فيما دونها. وهذا المفهوم معارض بالروايات المفيدة بمنطوقها نهى المرأة عن السفر فيما دون الثلاث، فالعمل بها مقدم على ذلك المفهوم. وإن كانت رواية النهى عن الثلاث متقدمة على بقية الروايات؛ فهى تفيد أيضا بمفهومها إباحة السفر فيما دون الثلاث بدون زوج أو محرم. وأفادت الروايات الأخر بمنطوقها إبطال ذلك المفهوم، فعلى كل سواء تقدمت رواية النهى عن الثلاث أو تأخرت، فمفهومها معارض بمنطوق الروايات الأخر فهى مقدمة عليها ولا نسخ فى المسألة أصلا (قال) ابن حزم أما قول أبى حنيفة في التحديد الذى ذكره فلا نعلم له سلفا من الصحابة ولا من التابعين رضى الله تعالى عنهم أجمعين. وقد احتج هو وأصحابه على ذلك بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا تسافر امرأة ثلاثا إلا مع زوج أو ذى محرم. وقالوا قد روى أيضا ليلتين. وذكر بقية الروايات الواردة في تحديد سفر المرأة ثم قال: قالوا ونحن على يقين من تحريم سفرها ثلاثا. وعلى شك من تحريم سفرها أقل من ذلك لأنه قد يكون ذكر الثلاث متقدما، وقد يكون متأخرا. فالثلاث على كل حال محرم عليها سفرها إلا مع زوج أو ذى محرم. فنأخذ ما لا شك فيه وندع ما فيه الشك قال: ولا حجة لهم غير هذا أصلا وهو عليهم لا لهم بوجهين (أحدهما) أنه ليس صواب العمل ما ذكروا؛ لأنه إن كان خبر الثلاث متقدما أو متأخرا، فليس فيه إن تقدم إبطال لحكم النهى عن سفرها أقل من ثلاث، لكن النهى عن الثلاث بعض ما فى سائر الروايات، وسائر الروايات زائدة على النهى عن الثلاث. وليس هذا مكان نسخ أصلا بل كل تلك الأخبار حق يجب استعمالها وليس بعضها مخالفا لبعض أصلا ويقال لهم خبر ابن عباس عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم" جامع لكل سفر. وهذا الخبر لا اضطراب فيه بخلاف رواية النهى عن الثلاث وغيرها، فإنها مضطرب فيها عن أبى سعيد وأبى هريرة وابن عمر. فروى عن أبى سعيد لا تسافر فوق ثلاث وروى عنه لا تسافر يومين. وروى عن ابن عمر لا تسافر ثلاثا. وروى عنه لا تسافر فوق ثلاث وروى عن أبى هريرة لا تسافر ثلاثا. وروى عنه لا تسافر يوما وليلة. وروى عنه لا تسافر يوما قال: وعهدنا بكم أنكم تذمون الأخبار بالاضطراب وتحتجون بما لم يضطرب فيه. فعلى أصلكم هذا يلزمكم أن تحتجوا برواية ابن عباس المطلقة التى لا اضطراب فيها، وتتركوا ما عداها مما هو مضطرب فيه (الوجه الثانى) أنه قد روى عن ابن عمر وأبى سعيد وأبى هريرة "لا تسافر المرأة فوق ثلاث" كما ذكر فى الأخبار، فامنعوها مما زاد على مسيرة ثلاث لأنه اليقين وأبيحوا لها سفر الثلاث لأنه مشكوك فيه كسفر اليومين واليوم والبريد وهذا ما لا مخلص لهم منه اهـ "وقالت" المالكية لا يجوز للمرأة أن تسافر يوما وليلة إلا إذا كان معها محرم أو رفقة مأمونة رجالا كانوا أو نساء وسواء أكانت المرأة شابة أم هرمة وسواء أكان المحرم بالغا أم صبيا مميزا، لما رواه
стр. 3349
مالك فى الموطإ عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذى محرم منها. وتقدم نحوه للمصنف (وأجابوا) عن بقية الروايات المخالفة لرواية أبى هريرة المذكورة، بإمكان إرجاعها إليها فالرواية التى فيها ذكر اليوم فقط أراد منها اليوم والليلة. والتى فيها ذكر الليلة أراد منها الليلة واليوم لارتباط كل منهما بالآخر. والرواية التى فيها ذكر الليلتين أو اليومين. أراد بها مدة الذهاب والرجوع. وهكذا رواية الثلاث أراد بها يوم الذهاب ويوم الرجوع واليوم الوسط الذى تقضى فيه حاجتها التى سافرت لأجلها. قالوا وهذا كله فى حج الفرض. وأما حج التطوع أو السفر المباح فلا يجوز لها أن تسافر المدة المذكورة إلا مع زوج أو محرم ألبتة "وفيما أجابوا" به عن رواية اليوم والليلة واليومين والليلتين والثلاث "نظر" لأنه صرف لها عن ظاهرها بدون حاجة ويرد عليهم رواية البريد والثلاثة الأميال فلا يمكنهم أن يقولوا فيهما ما ذكروه. فالراجح العمل بالرواية المطلقة لما علمت من أن ما عداها من الروايات المقيدة يحتمل أنها لم ترد للتحديد. وإنما وردت طبقا لأسئلة فلا مفهوم لها (قال البيهقى) وهذه الروايات في الثلاثة واليومين واليوم صحيحة. وكأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم فقال لا. وسئل عن سفرها يومين بغير محرم فقال لا. وسئل عن سفرها يوما فقال لا. فأدى كل منهم ما حفظ. ولا يكون عدد من هذه الأعداد حدا للسفر. واستدل عليه بما رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم اهـ (قال النووى) فتحصل أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يرد تحديد ما يقع عليه السفر. بل أطلقه على ثلاثة أيام وعلى يومين وعلى يوم وليلة وعلى يوم وعلى بريد وهو مسيرة نصف يوم. فدل على أن الجميع يسمى سفرا اهـ (واختلف) هل الزوج أو المحرم شرط فى وجوب حج المرأة. فقال الحسن والنخعى وإسحاق وابن المنذر إنه شرط وهو رواية عن أحمد (وقالت الحنفية) يشترط وجود الزوج أو المحرم إذا كان بينها وبين مكة ثلاثة أيام فأكثر، لحديث ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: لا تسافر المرأة إلا مع ذى رحم محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم. رواه أحمد والشيخان والبيهقى. ولما تقدم للمصنف عن ابن عمر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم. ورواه أيضا الشيخان والطحاوى والبيهقى. فلا يجوز لها الخروج وحدها إذا لم يكن معها زوج أو محرم وإن كان معها امرأة أخرى أو أكثر، لأن خوف الفتنة عند اجتماع النساء أكثر (وقالت المالكية) يشترط فى وجوب الحج عليها أحد أمور ثلاثة: زوج أو محرم أو رفقة مأمونة كما تقدم إذا كان بينها وبين مكة يوم وليلة.
стр. 3350
(وقالت الشافعية) لا يجب الحج على المرأة إلا إذا كان معها زوج أو محرم أو نسوة ثقات بعدت المسافة أو قربت. واستدلت المالكية والشافعية على كفاية الرفقة المأمونة بما تقدم للبخارى من أن عمر أذن لعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف أن يخرجا مع نساء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى الحج، وبخروج عثمان ﵁ فى خلافته معهن. وهذا كان بإقرار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. واحتجوا أيضا بظاهر قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: وخطاب الناس يتناول الذكور والإناث والاستطاعة تتحقق بوجود الزاد والراحلة، ولأن الغرض من وجود المحرم معها الأمن عليها وهو يحصل بجماعة النساء فيلزم فرض الحج (ورد) بأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف محرمان لأمهات المؤمنين فلا يقاس عليهن غيرهن، وبأن الآية لا تتناول النساء حال عدم وجود الزوج والمحرم معها لأن المرأة لا تقدر على الركوب والنزول بنفسها فتحتاج إلى من يركبها وينزلها. ولا يجوز ذلك لغير الزوج والمحرم فلم تكن مستطيعة فى هذه الحالة. فلا يتناولها النص. وتقدم أن خوف الفتنة عند اجتماعهن غير مأمون، بل يزداد لأن النساء لحم على وضم (١) إلا ما ذب عنهن. وتقدم للخطابى كلام فى هذا أول الباب "وقال" الأوزاعى إن لم تجد محرما أو زوجا خرجت مع قوم عدول مأمونين تتخذ لها سلما تصعد به على الدابة وتنزل، ولا يقربها رجل إلا أنه يأخذ رأس البعير ويضع رجله على ذراعه
٣ - باب لا صرورة فى الإسلام
وفى نسخة باب لا صرورة. والصرورة الرجل الذى لم يحج والذى لم يتزوج. والتاء فيه ليست للتأنيث بل للمبالغة. ولذا يقال رجل صرورة وامرأة صرورة
٩ - (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ نَا أَبُو خَالِدٍ يَعْنِى سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الأَحْمَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: لاَ صَرُورَةَ فِى الإِسْلاَمِ.
(ش) (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز
(قوله لا صرورة فى الإسلام) أى لا يترك الحج فى الإسلام من استطاعه. وأصله من الصر وهو الحبس والمنع، فمن ترك الحج مع الاستطاعة
стр. 3351
فقد منع عن نفسه الخير. وتطلق الصرورة أيضا على التبتل والانقطاع عن الزواج كرهبانية النصارى، أى ليس لأحد فى الإسلام أن يقول لا أتزوج بل أنقطع للعبادة، لأن هذا ليس من أخلاق المؤمنين بل من أعمال الرهبان والنصارى. وقيل أراد من قتل فى الحرم قتل ولا يقبل منه أن يقول إنى صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم: كان الرجل فى الجاهلية إذا أحدث حدثا فلجأ إلى الكعبة لم يهج "أى لم يزعج وينفر" فكان إذا لقيه ولى الدم فى الحرم قيل له هو صرورة فلا تهجه اهـ نهاية (الفقه) دل الحديث على التشديد فى الحج على المستطيع وأنه لا ينبغى له تأخيره. قال الخطابي: وقد يستدل به من يزعم أن الصرورة لا يجوز له أن يحج عن غيره. ويكون المعنى أن الصرورة إذا شرع في الحج عن غيره صار الحج عنه وانقلب عن فرضه وهذا مذهب الأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق. وقال مالك والثورى وأصحاب الرأى حجه على ما نواه. وروى هذا عن الحسن وعطاء والنخعى اهـ بتصرف وسيأتى تمام الكلام على ذلك فى باب الرجل يحج عن غيره (والحديث) أخرجه أيضا الحاكم وقال صحيح الإسناد
٤ - باب التزود فى الحج
أى الأمر باتخاذ الزاد للحج. وهذه الترجمة ثابتة فى بعض النسخ هكذا للحديث الآتى. وذكر الحديث الذى بعده تحت "باب التجارة فى الحج" وفى بعضها ذكرهما تحت هذه الترجمة وهى غير واضحة. وفى بعضها ذكرهما تحت "باب التزوّد والتجارة فى الحج" وهى واضحة
١٠ - (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ يَعْنِى أَبَا مَسْعُودٍ الرَّازِىَّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِىُّ وَهَذَا لَفْظُهُ قَالاَ نَا شَبَابَةُ عَنْ وَرْقَاءَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ. قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ "كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ أَوْ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ" وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾
(ش) (شبابة) بن سوّار الفزارى. و (ورقاء) بن عمر اليشكرى تقدم ص ١٥٤ ج ٧
(قوله كانوا يحجون ولا يتزودون) أى كان أهل اليمن يقصدون الحج ولا يأخذون معهم زادا اتكالا على سؤالهم الناس ويقولون عن المتوكلون ففى رواية البخارى كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون، فإذا قدموا المدينة سألوا الناس (الحديث) وفى رواية "فإذا قدموا مكة" قال الحافظ وهو الأصوب اهـ وليس هذا بتوكل. وإنما التوكل المحمود ألا يستعين بأحد غير الله تعالى بل يفوض الأمر إليه مع الأخذ فى الأسباب. فإن التوكل مع الأخذ
стр. 3352
فى الأسباب أفضل من التوكل مع عدم الأخذ فيها، فقد قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اعقلها وتوكل. رواه الترمذى عن أنس
(قوله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ أى تزودوا ما يبلغكم لسفركم ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ أى ما بقى به الإنسان نفسه عن سؤال غيره وعن النهب والغصب. وأمر الله تعالى بذلك ليكف الحاج عن سؤال الناس. قال العوفى عن ابن عباس قال: كان أناس يخرجون من أهليهم ليس معهم زاد يقولون نحج بين الله ولا يطعمنا؟ فقال الله تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس. وذكر ابن جرير أن المراد به زاد الآخرة كما رواه عن نافع عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها واستأنفوا زادا آخر، فأنزل الله تعالى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق. ثم لما أمرهم بالزاد للسفر فى الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى
(الفقه) دلّ الحديث على أن ترك سؤال الناس من تقوى الله . وعلى الترغيب فى التعفف والقناعة بالقليل. وعلى أن التوكل لا يكون مع سؤال الناس. وإنما التوكل على الله التفويض إليه بدون استعانة بأحد غيره (والحديث) أخرجه أيضا البخارى والنسائى وابن المنذر وابن حبان والبيهقى
٥ - باب التجارة فى الحج
أى أهى جائزة أم لا؟
١١ - (ص) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى نَا جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قَالَ: كَانُوا لاَ يَتَّجِرُونَ بِمِنًى فَأُمِرُوا بِالتِّجَارَةِ إِذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ.
(ش) (جرير) بن عبد الحميد (ومجاهد) بن جبر
(قوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ الخ) أى ليس عليكم إثم وحرج فى أن تطلبوا فضلا من ربكم أى رزقا منه بالتجارة ونفعا بها
(قوله كانوا لا يتجرون بمنى) أشار به إلى سبب نزول هذه الآية والتقييد بمنى لا مفهوم له. فقد قال ابن عباس كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا فى الجاهلية فتأثموا أن يتجروا فى المواسم فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فى مواسم الحج. رواه البخارى والبيهقى ويأتى للمصنف فى الباب الآتى نحوه. وكانوا يقيمون فى عكاظ عشرين يوما من ذى القعدة. ثم ينتقلون إلى مجنة فيقيمون بها ثمانية عشر يوما: عشرة أيام من آخر ذى القعدة. وثمانية من أول ذى الحجة. ثم
стр. 3353
يخرجون إلى عرفة فى يوم التروية. وعكاظ بوزن غراب سوق من أعظم أسواق الجاهلية بصحراء بين نخلة والطائف على مرحلة منها. ومجنة بفتح الميم وكسرها وفتح الجيم موضع بأسفل مكة على بريد منها. وذو المجاز موضع على فرسخ من عرفة
(قوله فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات) وفى نسخة إذا انصرفوا من عرفات (وظاهره) أنّ التجارة أبيحت لهم بعد الوقوف بعرفات. ومفهومه أنها لم تبح قبل ذلك. لكن هذا المفهوم ينافيه رواية البخارى السابقة وما سيأتى للمصنف، فإنّ فيهما أنهم كانوا يتحرجون من التجارة قبل عرفات وبعدها فأبيح لهم التجارة فى كل ذلك (وفى الحديث) دلالة على إباحة التجارة فى الحج، لمن كان حاجا وأنّ ذلك لا يحبط عملا ولا ينقص ثوابا وهذا لا خلاف فيه؛ غير أنّ أبا مسلم الخولانى منع ذلك وحمل الآية على ما بعد الحج وقال. المراد اتقونى فى كل أعمال الحج. ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح الخ كقوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ لكنه غير مسلم للأحاديث المذكورة، ولأنّ حمل الآية على محل الشبهة التى هى التجارة فى زمن الحج أحق من حملها على ما بعد الفراغ منه. لأنّ نفى الحرج عما بعد الفراغ من أعمال الحج لا شك فيه. وقياس الحج على الصلاة فاسد. فإن أعمال الصلاة متصلة لا يحل فى أثنائها التشاغل بغيرها بخلاف أعمال الحج فإنها متفرقة تحتمل التجارة فى أثنائها (والحديث) أخرجه أيضا مسلم متابعة
٦ - باب
بالتنوين أى باب فى تعجيل الحج. وفى نسخة إسقاط لفظ باب ولا وجه له
١٢ - (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِهْرَانَ أَبِى صَفْوَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ.
(ش) (الرجال) (الأعمش) سليمان بن مهران. و (الحسن بن عمرو) الفقيمى بضم الفاء وفتح القاف "نسبة إلى فقيم بطن من تميم" التيمى الكوفى. روى عن مجاهد بن جبر والحكم ابن عتيبة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعى وغيرهم. وعنه الثورى وابن المبارك وحفص بن غياث ومحمد بن فضيل وجماعة. وثقه أحمد والنسائى والدارقطنى والعجلى وابن المدينى وابن معين وقال حجة. وفى التقريب ثقة ثبت من السادسة. مات سنة اثنين وأربعين ومائة. روى له البخارى والنسائى وأبو داود وابن ماجه. و (مهران أبى صفوان) روى عن ابن عباس هذا الحديث
стр. 3354
وعنه الحسن بن عمرو. قال الحاكم لا يعرف بجرح وفى التقريب مجهول من الرابعة. وفى الميزان لا يدرى من هو؟ وقال أبو زرعة لا يعرف إلا فى هذا الحديث، وذكره ابن حبان فى الثقات. روى له أبو داود هذا الحديث فقط (المعنى)
(قوله من أراد الحج فليتعجل) خشية أن يمنعه مانع منه. ففى رواية أحمد وابن ماجه والبيهقى "من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة" (وفى هذا دليل) على أن الحج واجب على الفور ويأثم المستطيع إذا أخره. وبه قال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف وأحمد وبعض الشافعية. ويدل لهم أيضا ما رواه أحمد عن ابن عباس مرفوعا "تعجلوا إلى الحج (يعنى الفريضة) فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له" ورواه البيهقى بلفظ عجلوا الخروج إلى مكة فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له مرض أو حاجة وقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والأمر على الفور. وما رواه سعيد بن منصور فى سننه عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أى حال شاء يهوديا أو نصرانيا. ولأن وجوبه على التراخى يخرجه عن رتبة الواجبات لأنه يؤخر إلى غير غاية ولا يأثم بالموت قبل فعله لكون الشارع رخص له فى تأخيره. وليس على الموت أمارة يقدر بعدها على فعله (وقال الشافعى) والأوزاعى والثورى ومحمد بن الحسن: الحج واجب على التراخى فلا يأثم بتأخيره إذا كان مستطيعا. قال النووى ونقله الماوردى عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس اهـ واستدلوا بأن الحج فرض سنة ست من الهجرة وفتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مكة فى رمضان سنة ثمان وانصرف عنها فى شوال من سنته فأقام الناس الحج بأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصحابه ثم غزا غزوة تبوك سنة تسع وانصرف عنها قبل الحج فأقام الناس الحج فى تلك السنة بأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر أمير عليهم. ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه قادرون على الحج غير مشتغلين بقتال ولا غيره. ثم حج هو وأزواجه وأصحابه سنة عشر. فدل ذلك على أنّ الحج واجب على التراخى، ولو كان على الفور ما أخره. قال النووى: هذا دليل الشافعى وجمهور الأصحاب (وقال البيهقى) هذا الذى ذكره الشافعى مأخوذ من الأخبار. فأما نزول فرض الحج فكما قال. واستدلّ أصحابنا له بحديث كعب بن عجرة قال: وقف علىّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالحديبية ورأسى يتهافت قملا. فقال يؤذيك هوامّك؟ قلت نعم يا رسول الله. فقال قد أذاك هوام رأسك؟ قلت نعم، قال فاحلق رأسك قال ففى نزلت هذه الآية "فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية الخ" رواه البخارى ومسلم. قال أصحابنا فثبت بهذا الحديث أن قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا
стр. 3355
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الخ "نزلت" سنة ست من الهجرة. وهذه الآية دالة على وجوب الحج ونزل بعدها قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقد أجمع المسلمون على أنّ الحديبية كانت سنة ست من الهجرة فى ذى القعدة، وثبت بالأحاديث الصحيحة واتفاق العلماء أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غزا حنينا بعد فتح مكة وقسم غنائمها واعتمر من سنته فى ذى القعدة وكان إحرامه بالعمرة من الجعرانة، ولم يكن بقى بينه وبين الحج إلا أياما يسيرة، فلو كان على الفور لم يرجع من مكة حتى يحج مع أنه هو وأصحابه كانوا حينئذ موسرين فقد غنموا الغنائم الكثيرة ولا عذر لهم ولا قتال ولا شغل آخر. وإنما أخره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن سنة ثمان بيانا لجواز التأخير وليتكامل الإسلام والمسلمون فيحج بهم حجة الوداع ويحضرها الخلق فيبلغوا عنه المناسك، ولهذا قال حجة الوداع "ليبلغ الشاهد منكم الغائب ولتأخذوا عنى مناسككم". واحتجوا أيضا بما رواه عن أنس قال: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أنّ الله أرسلك. قال صدق. قال فمن خلق السماء؟ قال الله. قال فمن خلق الأرض؟ قال الله. قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال الله. قال فبالذى خلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال نعم. قال وزعم رسولك أنّ علينا خمس صلوات فى يومنا وليلتنا. قال صدق. قال فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قال وزعم رسولك أنّ علينا زكاة فى أموالنا قال صدق. قال فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قال وزعم رسولك أنّ علينا صوم شهر رمضان فى سنتنا. قال صدق. قال فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قال وزعم رسولك أنّ علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال صدق اهـ (قال النووى) وفى رواية البخارى أنّ هذا الرجل هو ضمام بن ثعلبة وقدومه على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان سنة خمس من الهجرة. قاله محمد بن حبيب وآخرون. وقال غيره سنة سبع، وقال أبو عبيد سنة تسع اهـ وقالوا إنه إذا تمكن من الحج وأخره ثم فعله لا ترد شهادته بالاتفاق. ولو حرم التأخير لردت شهادته (قال النووى) المختار أنّ الأمر المجرد عن القرائن لا يقتضى الفور، وإنما المقصود منه الامتثال المجرد (وأجابوا) عن حديث الباب بأنه ضعيف، لأن في سنده مهران وفيه مقال. وعلى فرض صحته فالأمر فيه للندب جمعا بين الأدلة. وكذا القول فى حديث تعجلوا الحج، فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له" (وقال النووى) فى شرح المهذب. إن الحديث لنا لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوض الحج إلى إرادة الشخص واختياره، ولو كان على الفور لم يفوض تعجيله إلى اختياره اهـ
стр. 3356
وعن آية وأتموا الحج الخ بأن الأمر المطلق المجرد عن القرائن لا يقتضى الفور بل هو للتراخى. وعلى فرض أنه للفور "فتأخيره" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الحج إلى السنة العاشرة "قرينة" صارفة له عن الفورية. وعن حديث عبد الرحمن بن سابط بأنه ضعيف كما قال النووى فى شرح المهذب. وبأن الذم لمن أخره إلى الموت وهذا أمر متفق عليه. وبأن الحديث محمول على من تركه معتقدا عدم وجوبه مع الاستطاعة "ولا يقال" إنّ من أخره مستطيعا حتى مات أثم اتفاقا فيدل على الوجوب فورا "لأنّ الإثم" إنما جاء من تفريطه بالتأخير. وإنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة، كما إذا ضرب ولده أو زوجته، أو المعلم الصبى أو عذّر السلطان إنسانا فمات، فإنه يجب الضمان لأنه مشروط بسلامة العاقبة. والعمدة فى هذا تأخيره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد إمكان التعجيل. إذا علمت هذا علمت أن الراجح القول بوجوب الحج على التراخى
(والحديث) أخرجه أيضا أحمد وابن ماجه والبيهقى والدارمى والحاكم وقال صحيح الإسناد
٧ - باب الكرى
بتشديد الياء على وزن صبى، أى من يكرى دابته، وقد يطلق على المكترى فهو فعيل بمعنى مفعول
١٣ - (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ نَا الْعَلاَءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ نَا أَبُو أُمَامَةَ التَّيْمِىُّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً أُكْرِى فِى هَذَا الْوَجْهِ, وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ لِى إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ, فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى رَجُلٌ أُكْرِى فِى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ لِى إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَلَيْسَ تُحْرِمُ وَتُلَبِّى وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَتَرْمِى الْجِمَارَ؟ قَالَ قُلْتُ بَلَى. قَالَ فَإِنَّ لَكَ حَجًّا. جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِى عَنْهُ, فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ وَقَالَ لَكَ حَجٌّ.
(ش) (الرجال) (العلاء بن المسيب) بن رافع الأسدى الكاهلى الكوفى. روى عن عكرمة وعطاء والحكم بن عتيبة وسهيل بن أبى صالح وغيرهم. وعنه زهير بن معاوية وحفص
стр. 3357
ابن غياث وجرير بن عبد الحميد ومروان بن معاوية وجماعة، وثقه العجلى وابن سعد ويعقوب ابن سفيان وابن معين وقال مأمون، وقال عمار ثقة يحتج بحديثه، وفى التقريب ثقة ربما وهم من السادسة. روى له البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه. و (أبو أمامة التيمى) الكوفى لم يعرف اسمه. روى عن ابن عمر هذا الحديث. وعنه العلاء بن المسيب والحسن بن عمرو وشعبة. وثقه ابن معين وقال أبو زرعة لا بأس به، وفى التقريب مجهول من الرابعة. روى له أبو داود (المعنى)
(قوله كنت أكرى فى هذا الوجه) أى أكرى دابتى فى سفر الحج
(قوله ليس لك حج الخ) يعنى حيث اشتغلت بالكراء فإن سيرك لأجل دابتك لا لأعمال الحج
(قوله أليس تحرم الخ) أى ألست تؤدى أعمال الحج مع كرائك لدابتك فقال بلى. أى أعمل، فقال له ابن عمر إن لك حجا، أى إن كراءك لدابتك مع أدائك لأعمال الحج لا يخل بحجك
(قوله جاء رجل إلى النبى الخ) ساقه ابن عمر استدلالا على ما أفتى به أبا أمامة. وابتغاء الفضل فى الآية طلب الرزق بالكسب، أعم من أن يكون بطريق الكراء أو بطريق التجارة (والحديث) دليل على جواز كراء الدابة فى الحج والاشتغال بالكسب فيه وهو مجمع عليه
(والحديث) أخرجه أيضا الدارقطنى والبيهقى والحاكم وقال صحيح الإسناد
١٤ - (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ نَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّاسَ فِى أَوَّلِ الْحَجِّ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِمِنًى وَعَرَفَاتٍ وَسُوقِ ذِى الْمَجَازِ وَمَوَاسِمِ الْحَجِّ فَخَافُوا الْبَيْعَ وَهُمْ حُرُمٌ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِى مَوَاسِمِ الْحَجِّ. قَالَ: فَحَدَّثَنِى عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا فِى الْمُصْحَفِ.
(ش) (ابن أبى ذئب) محمد بن عبد الرحمن
(قوله أن الناس فى أول الحج الخ) يعنى أنهم كانوا فى الجاهلية يبيعون ويشترون فى هذه الأماكن. ويحتمل أنهم كانوا فى مبدأ مشروعية الحج يتجرون فى الأماكن المذكورة فى مواسم الحج على ما اعتادوه فى الجاهلية ثم تحرجوا عن البيع والشراء فى زمن الحج، فنزل ليس عليكم جناح الآية. ومواسم الحج جمع موسم بفتح الميم وسكون الواو وكسر السين المهملة. وهو وقت يجتمع فيه الحاج كل سنة مأخوذ من السمة وهى العلامة سمى بذلك لأنه معلم يجتمع فيه الناس
(قوله فخافوا البيع الخ)
стр. 3358
أي خافوا من البيع والشراء وهم محرمون أن تفسد أعمالهم أو ينقص ثوابهم، فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ الآية
(قوله قال فحدثنى عبيد بن عمير إلخ) أي قال عطاء بن أبي رباح فحدثنى عبيد بن عمير أن ابن عباس كان يقرأ هذه الآية في المصحف بزيادة قوله "فى مواسم الحج" أي أن هذه الكلمة ليست تفسيرا بل هى في قراءة ابن عباس من القرآن. وهي قراءة شاذة وكذلك رواه الطبراني عن أيوب عن عكرمة بهذه الزيادة. ويحتمل أن المعنى قال ابن أبي ذئب فحدثني عبيد بن عمير أن ابن عباس كان يقرأ كلمة في مواسم الحج في المصحف. يعني أنها من القرآن. وعليه فيكون ابن أبي ذئب روى الحديث عن عطاه بن أبى رباح عن عبيد بن عمير وليس فيه أن ابن عباس كان يقرؤها في المصحف. ثم رواه ابن أبي ذئب عن عبيد بن عمير مباشرة. وفيه أن ابن عباس كان يقرأ هذة الكلمة في المصحف (وفى هذا) دلالة على جواز التجارة والكسب في الحج للمحرم به. وتقدم بيانه (والحديث) أخرجه أيضا الحاكم وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه البيهقي من طريق آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب
١٥ - (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ كَلاَمًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّاسَ فِى أَوَّلِ مَا كَانَ الْحَجُّ كَانُوا يَبِيعُونَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِهِ مَوَاسِمِ الْحَجِّ.
(ش) (الرجال) (ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل بن مسلم. و (عبيد بن عمير) مولى ابن عباس ويقال مولى أم الفضل. روى عن ابن عباس. وعنه ابن أبي ذئب. وفي التقريب مجهول من الرابعة. وهو غير عبيد بن عمير الليثى، فإن ابن أبي ذئب لم يدرك الليثى. روى له أبو داود هذه الحديث فقط (المعنى)
(قوله كانوا يبيعون) وفي نسخة يتبايعون
(قوله فذكر معناه) أى ذكر ابن أبي فديك معنى حديث حماد بن مسعدة
٨ - باب الصبى يحج
أى أيجوز حجه أم لا؟
١٦ - (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِالرَّوْحَاءِ فَلَقِىَ رَكْبًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا الْمُسْلِمُونَ. فَقَالُوا فَمَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 3359
تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. فَفَزِعَتِ امْرَأَةٌ فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِىٍّ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ مِحَفَّتِهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ.
(ش) (الرجال) (إبراهيم بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي المدني. روى عن كريب وأبي الزناد وعروة بن الزبير وعدة. وعنه السفيانان ومالك وابن المبارك وآخرون. وثقه أحمد وابن معين والنسائي وأبو داود والدارقطني وابن سعد وقال قليل الحديث. وفي التقريب ثقة من السادسة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (المعنى)
(قوله كان رسول الله بالروحاء) بفتح الراء وسكون الواو وحاء مهملة ممدودة موضع بين مكة والمدينة على نحو أربعين ميلا من المدينة
(قوله فلقى ركبا فسلم عليهم) أي لقى جماعة فسلم عليهم وكان ذلك حين رجوعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من مكة إلى المدينة بعد الحج. ففي رواية النسائي عن ابن عباس قال: صدر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما كان بالروحاء الحديث وصرح به ابن القيم في الهدى قال: ثم ارتحل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم راجعا إلى المدينة فلما كان بالروحاء لقى ركبا إلخ
(قوله فقال من القوم) أي قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من القوم؟
(قوله ففزعت امرأة الخ) أي خافت فوت الجواب وبادرت فأخذت بساعد صبي "وهو من المرفق إلى الكتف" فأخرجته من محفتها بكسر الميم وتشديد الفاء مركب للنساء كالهودج غير أنه ليس له قبة
(قوله نعم) أي له فضل الحج دون أن يكون محسوبا عن فرضه لو بقى حتى يبلغ. وهذا كالصلاة يؤمر بها إذا أطاقها وهي غير واجبة عليه. ولكن يكتب له أجرها تفضلا من الله تعالى ويكتب لمن يأمره بها ويرشده إليها أجر
(قوله ولك أجر) يعني لحملها إياه وتحملها المشاق من أجله وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم وفعلها به ما يفعل المحرم (وفي هذا) الحديث دليل على أنّ حج الصبي ولو غير مميز صحيح منعقد ويحرم الولى عن غير المميز ويجرده ويلبي عنه ويطوف به ويسعى ويقف به بعرفة ويرمي عنه. وبه قال مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء ومنهم الحنفية. قال العلامة بن عابدين: ففي الولو الجية وغيرها الصبي يحج به أبوه وكذا المجنون لأن إحرامه عنهما وهما عاجزان كإحرامهما بنفسهما اهـ واستدلوا بحديث الباب. وحديث السائب بن يزيد قال: حج بي مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين رواه أحمد والبخاري وبحديث جابر قال: حججنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم. أخرجه أحمد وابن ماجه. ولكن على الصبي حجة أخرى إذا بلغ، لما رواه أحمد عن محمد بن كعب القرظي أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه. فإن أدرك فعليه الحج
стр. 3360
ولما رواه الحاكم والبيهقي من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعيله أن يحج حجة أخرى (وقال داود) وأصحابه وطائفة من أهل الحديث إن الصبي إذا حج قبل بلوغه كفاه عن حجة الإسلام، وليس عليه أن يحج حجة أخرى أخذا بظاهر حديث الباب. لكن الحديث ليس فيه ما يدل على أن الصبي إذا حج يجزئه عن حجة الإسلام، لا سيما وأن حديثي أحمد والحاكم المذكورين صريحان في أن الصبي إذا حج قبل بلوغه لا يكفيه ذلك عن حجة الإسلام (قال في النيل) قال ابن بطال أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ إلا أنه إذا حج كان له تطوعا عند الجمهور وقال الطحاوي: لا حجة في قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نعم، على أنه يجزئه عن حجة الإسلام. بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له، لأن ابن عباس راوي الحديث قال "أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى" وأخرج ابن عدي من حديث جابر قال "لو حج صغير حجة لكان عليه حجة أخرى" فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث أنه يصح حج الصبي ولا يجزئه عن حجة الإسلام إذا بلغ. وهذا هو الحق فيتعين المصير إليه جمعا بين الأدلة اهـ ملخصا وعليه فكل ما يترتب على الكبير المحرم من هدى وفدية وجزاء صيد يترتب على الصبي ويطالب به وليه (قال) الخطابي: فإذا كان له حج فقد علم أن من سنته أن يوقف به في المواقف ويطاف به محمولا إن لم يطق المشي وكذلك السعي بين الصفا والمروة ونحوها من أعمال الحج. وفي معناه المجنون إذا كان ميئوسا من إفاقته. وفي ذلك دليل على أن حجه إذا فسد ودخله نقص، فإن جبرانه واجب عليه كالكبير. وإن اصطاد صيدا لزمه الفداء كالكبير. وقال بعض أهل العراق لا يحج بالصبي الصغير. والسنة أولى ما اتبع اهـ ملخصا. ما روى عن أبي حنيفة من أنه لا يصح إحرام الصبي بالحج، فمعناه أنه لا يصح صحة يترتب عليها وجوب الكفارة عليه إذا فعل محظورا من محظورات الإحرام زيادة في الرفق، لا أنه لا يثاب عليه. وعليه فلو ارتكب الصبي محظورا في الحج فلا دم فيه عند الحنفية لا في ماله ولا في مال وليه. وقالت المالكية فدية اللبس والطيب ونحوهما على وليه، وجزاء الصيد في غير الحرم على وليه مطلقا. أما ما صاده فى الحرم فعلى وليه إن كان لا يخاف على الصبي بتركه ضياعا وإلا ففي مال الصبي. وقالت الشافعية لو ارتكب الصبي غير المميز محظورا فلا ضمان مطلقا. وإن كان مميزا فالضمان على وليه. وإن أتلف بإرشاد غيره فالضمان على المرشد. وقالت الحنابلة نفقة حج الصبي وكفاراته في مال وليه على الصحيح
(والحديث) أخرجه أيضا أحمد ومسلم والنسائي
٩ - باب المواقيت
وفي نسخة "باب في المواقيت" أي الأماكن التي يحرم منها الحاج والمعتمر. جمع ميقات مثل
стр. 3361
ميعاد ومواعيد. وهو لغة الحد مأخوذ من الوقت الذي هو مقدار من الزمن. ثم استعير للمكان توسعا ثم صار حقيقة شرعية في كل من الزمان والمكان. والمراد به هنا المكان الذي عينه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للإحرام فلا يجوز لمريد مكة مجاوزته بلا إحرام على ما يأتي
١٧ - (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ عَنْ مَالِكٍ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا. وَبَلَغَنِى أَنَّهُ وَقَّتَ لأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ.
(ش) (قوله وقت رسول الله لأهل المدينة ذا الحليفة) بضم الحاء المهملة مصغرًا، أي عين لأهل المدينة ذا الحليفة يحرمون منه. وهو مكان في الجنوب الغربي من المدينة بينهما ستة أميال وبه مسجد يعرف بمسجد الشجرة وآبار يقال لها آبار علىّ. تزعم العامة أنه قاتل الجن بها وهو كذب. ويطلق على موضع آخر بأرض تهامة. ففي حديث رافع بن خديج قال: كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذي الحليفة من تهامة فأصبنا نهب غنم
(قوله ولأهل الشام الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، قرية في الشمال الغربي لمكة على أربعة مراحل منها "أو ٣٢ ميلا" قريب من رابغ وكانت تسمى مهيعة. وسميت الجحفة لأن السيل أجحف بأهلها. وذلك أن العماليق كانوا يسكنون يثرب "المدينة" فوقع بينهم وبين بني عبيد وهم إخوة عاد حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا بمهيعة فجاء سيل فاجتحفهم "أي استأصلهم" فلذلك سميت الجحفة وقد ذهبت أعلامها ولذا صار الناس يحرمون الآن من رابغ مدينة في شمالها احتياطا
(قوله ولأهل نجد قرنا) وفي نسخة القرن. والنجد في الأصل ما ارتفع من الأرض. ويجمع على نجود كفلس وفلوس. والمراد بها هنا بلاد معروفة من ديار العرب مما يلي العراق. وليست من الحجاز وإن كانت من جزيرة العرب. وقرن بفتح القاف وسكون الراء هو قرن المنازل، ويقال له قرن الثعالب. جبل مطل على عرفات في الشمال الشرقي لمكة على يوم وليلة. وأصل قرن، الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير. ورواه بعضهم بفتح الراء وهو غلط لأن قرنا بفتح الراء قرية باليمن. وقيل إن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين مسجد منى خمسمائة وألف ذراع. وعليه فهو ليس من المواقيت
(قوله وبلغني أنه وقت لأهل اليمن الخ) أي قال ابن عمر: بلغني أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعل مكان الإحرام لأهل اليمن يلملم. وقال هنا بلغني دون ما قبله إشارة إلى أنه لم يسمع هذا من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مباشرة، وإنما وصل إليه بواسطة ففي رواية الدارمي "قال ابن عمر: أماهذه الثلاث فقد سمعتهن من رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 3362
وعلى آله وسلم. وبلغني الخ" "ويلملم" بفتح المثناة التحتية واللامين وسكون الميم بينهما. ويقال فيه ألملم بالهمزة وهو الأصل. وقلبت في المشهور ياء "جبل" جنوب مكة على مرحلتين منها. وقيل بينهما ثلاثون ميلا (وظاهر الحديث) أن يلملم ميقات جميع أهل اليمن وليس كذلك فإن لأهل اليمن طريقين طريق لأهل تهامة يمرون فيه على يلملم ميقات أو يحاذونه، فيلملم ميقاتهم لا يشاركهم فيه أحد إلا من أتى عليه من غيرهم. والثاني طريق نجد اليمن وهم أهل الجبال وهؤلاء يمرون على قرن أو يحاذونه، فهو ميقاتهم دون يلملم. فأطلق اليمن في الحديث وأريد بعضه وهو تهامة خاصة أفاده في الفتح (والحديث) أخرجه أيضا الشيخان والنسائي وابن ماجه والدارمي
١٨ - (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالاَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ قَالَ أَحَدُهُمَا: وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ. وَقَالَ أَحَدُهُمَا أَلَمْلَمَ. قَالَ فَهُنَّ لَهُمْ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ "مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ" قَالَ وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا.
(ش) (حماد) بن زيد
(قوله وعن ابن طاوس) عطف على عن عمرو بن دينار أي حدث حماد بن زيد عن عمرو بن دينار وعن عبد الله بن طاوس
(قوله قالا) أى عمرو بن دينار وعبد الله ابن طاوس بسندهما وذكرا معنى الحديث السابق. والحاصل أن حديث حماد هذا له طريقان "أحدهما" عن عمرو بن دينار رواه مسندا "وثانيهما" عن عبد الله بن طاوس عن أبيه مرسلا. وأخرجه الدارقطني من الطريقين كالمصنف قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز نا خلف بن هشام نا حماد بن زيد عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس. وعبد الله بن طاوس عن أبيه رفعاه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرنا. قال ابن طاوس قرن المنازل. ولأهل اليمن يلملم، أو قال ألملم، قال فهن لهم ولمن أتى عليهن من غيرهم ممن كان يريد الحج والعمرة ممن كان دونهن. قال عمرو من أهله. وقال ابن طاوس من حيث أنشأ كذلك فكذلك حتى أهل مكة يهلون منها اهـ. فالمرسل من طريق خلف بن هشام عن حماد. قال الدارقطني وتابعه "أي على إرساله" سليمان بن حرب. وغير واحد وخالفهم يحيى بن حسان فأسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس
(قوله فهن لهم الخ) أي فالمواقيت المذكورة
стр. 3363
لمن ذكر من أهل تلك الجهات ولمن أتى عليها من غير أهلها. سواء فى ذلك من كان له ميقات معين أم لا. أما من ليس له ميقات معين فأى ميقات يمر عليه فهو ميقاته، ويلزمه الإحرام منه. وأمّا من له ميقات معين وفى طريقه ميقات قبل ميقاته كالشامي يحج من المدينة فمر بذى الحليفة. فعند الشافعى وأحمد وإسحاق يجب أن يحرم من ذى الحليفة وهو قول لأبي حنيفة. وعند مالك يندب له الإحرام من ذى الحليفة وهو مشهور مذهب الحنفية. ويلزمه الإحرام من الجحفة إن لم يحرم من ذى الحليفة. قال فى البدائع من جاوز ميقاتا من هذه المواقيت من غير إحرام إلى ميقات آخر جاز إلا أن المستحب أن يحرم من الميقات الأول. روى عن أبى حنيفة أنه قال فى غير أهل المدينة إذا مروا على المدينة فجاوزوها إلى الجحفة فلا بأس بذلك، وأحب إلىّ أن يحرموا من ذى الحليفة اهـ وقالت الحنفية أيضا: يجوز للمدنى أن يجاوز ذا الحليفة بلا إحرام، فإذا فعل ذلك وأحرم من الجحفة أو عند محاذاتها فلا شيء عليه. ومن سلك طريقا بين ميقاتين برا أو بحرا فعند الحنفية يجتهد ويحرم إذا حاذى ميقاتا منهما. والأبعد من مكة أولى بالإحرام منه وهو ظاهر مذهب المالكية. وعند أحمد يتعين الإحرام من أبعدهما. وهو الأصح عند الشافعية
(قوله ممن كان يريد الحج والعمرة) ظاهره أن الإحرام من هذه المواقيت إنما على من مر بها قاصدا حجا أو عمرة دون من لم يرد شيئا منهما، فلو أن مدنيا مر بذى الحليفة لا وهو لا يريد حجا ولا عمرة فسار حتى قرب من الحرم ثم أراد حجا أو عمرة فإنه يحرم حينئذ ولا يجب عليه دم. وهو مروى عن ابن عمر وابن عباس والأخير من قولى الشافعى. وذهب الأوزاعى وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق والجمهور إلى أن عليه دما إن لم يرجع إلى الميقات، لأنه لا يجوز لمريد مكة مجاوزة الميقات بغير عذر بلا إحرام من غير فرق بين من أراد مكة لأحد النسكين أو لغيرهما. ومن فعل أثم ولزمه دم، لحديث ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: لا يجاوز الوقت الا يإحرام. رواه ابن أبى شيبة والطبراني فى معجمه. وعن أبى الشعثاء جابر بن زيد أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم. رواه الشافعى والبيهقى فى المعرفة وابن أبى شيبة. وعن عطاء عن ابن عباس قال إذا جاوز الوقت فلم يحرم حتى دخل مكة رجع إلى الوقت فأحرم، فإن خشى إن رجع الى الوقت فوت الحج، فإنه يحرم ويهرق لذلك دما. رواه إسحاق بن راهويه فى مسنده. فهذه المنطوقات أولى من المفهوم المخالف فى قوله "من أراد الحج والعمرة" إن ثبت أنه من كلامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دون كلام الراوى "وأما حديث جابر" أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل يوم الفتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. رواه مسلم والنسائى "فيجاب عنه" بأنه كان لعذر الحرب وهو مختص بتلك الساعة بدليل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى ذلك اليوم: مكة حرام لم تحل لأحد قبلى ولا لأحد بعدى، إنما حلت لى ساعة من نهار ثم عادت
стр. 3364
حراما. وهذا فى حق من كان خارج الميقات. أما من كان فيه أو داخله فيحل له دخول مكة لحاجة غير محرم لكثرة دخوله. وفى إلزامه بالإحرام كلما دخل حرج وهو مدفوع بقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (قال العيني) على البخاري: من أراد دخول مكة لقتال مباح أو لخوف أو لحاجة متكررة كالحشاش والحطاب وناقل الميرة ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها. فهؤلاء لا إحرام عليهم، لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل يوم فتح مكة حلالا وعلى رأسه المغفر، وكذلك أصحابه. ولو وجب الإحرام على من يكرر دخولها لأفضى إلى أن يكون جميع زمنه محرما. وبهذا قال الشافعى وأحمد. وكذا من جاوز الميقات مريدا حاجة فى غير مكة فهذا لا يلزمه الإحرام بلا خلاف، ومتى بدا له الإحرام يحرم من موضعه ولا شيء عليه. وبه يقول مالك والثوري والشافعى وصاحبا أبي حنيفة. وعن أحمد وإسحاق أنه يلزمه الرجوع من الميقات والإحرام منه اهـ بتصرف
(قوله ومن كان دون ذلك) أى من كان دون هذه المواقيت بأن كان مسكنه بين مكة. وأحد هذه المواقيت، فإحرامه من بلده. والأفضل أن يحرم من الطرف الأبعد منها إلى مكة. وهكذا الحال فى المواقيت. وكذا إذا كان ساكنا فى خيام يستحب أن يحرم من الطرف الأبعد بالنسبة إلى مكة. وكذا إذا كان ساكنا فى واد يقطع طرفيه محرما. فإن تعدى هذه الأمكنة حلالا ثم أحرم وجب عليه الرجوع وإلا أثم وعليه دم. فإن كان ساكنا فى برية منفردا بين الميقات ومكة فإحرامه من مسكنه
(قوله من حيث أنشأ قال وكذلك الخ) أي قال ابن طاوس: يحرم من حيث ابتدأ سفره وكذا كل من كان داخل الميقات ودخل الحرم يفعل ذلك حتى أهل مكة يحرمون منها. وهذا لفظ ابن طاوس ولفظ عمرو بن دينار كما فى رواية للبخاري "فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها" وأهل بالرفع مبتدأ خبره يهلون. وفى الدارقطني فمن كان دونهن قال عمرو: من أهله. وقال ابن طاوس: وحيث أنشأ اهـ ومنه يتبين موضع الخلاف فى لفظهما (وهذا) صريح فى أن من كان ساكنا مكة فإحرامه منها. وهو محمول على من أراد الإحرام بالحج فقط أو بالحج مع العمرة. أمّا من أراد الإحرام بالعمرة فقط، فلا بد أن يخرج إلى الحل ويحرم منه ليجمع فى إحرامه بين الحل والحرم كما سيأتى فى باب العمرة (الفقه) دل الحديث على أنه لا يجوز لمريد الحج أو العمرة مجاوزة الميقات بلا إحرام وهو متفق عليه. وأجمعوا على أنه لو أحرم قبل الميقات أجزأه. قال الخطابي: وفى حديث بيان أن المدني إذا جاء من الشام على طريق الجحفة، فإنه يحرم من الجحفة ويصير كأنه شامى. وإذا أتى اليمن على ذى الحليفة أحرم منه وصار كأنه مدنى. وفيه أن من كان منزله وراء هذه المواقيت مما يلى مكة، فإنه يحرم من منزله. وفيه أن ميقات أهل مكة فى الحج خاصة مكة. والمستحب للمكى أن يحرم قبل أن يخرج إلى الصحراء. فأما إذا أراد العمرة فإنه يخرج
стр. 3365
إلى أدنى الحل فيحرم منه، ألا ترى أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر عبد الرحمن بن أبى بكر أن يخرج بعائشة فيعمرها من التنعيم اهـ بحذف
(والحديث) أخرجه أيضا الدارقطنى بلفظ تقدم. وأخرجه الشيخان والنسائى والدارمى والبيهقى من طريق وهيب عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة (الحديث) وأخرجه الشيخان من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار
١٩ - (ص) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامَ الْمَدَائِنِىُّ نَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ عَنْ أَفْلَحَ يَعْنِى ابْنَ حُمَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ.
(ش) (الرجال) (المعافى بن عمران) بن نفيل بن جابر الأزدى أبو مسعود. روى عن ابن جريج والثورى والأوزاعى وسليمان بن بلال وكثيرين. وعنه وكيع وبقية وهشام بن بهرام ويحيى بن مخلد وآخرون. وثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلى وابن خراش وابن سعد وقال كان خيرا فاضلا صاحب سنة، وفى التقريب عابد فقيه من كبار التاسعة. روى له البخارى وأبو داود والترمذى والنسائى. و (أفلح بن حميد) بن نافع الأنصارى النجارى أبو عبد الرحمن. روى عن القاسم ابن محمد وأبى بكر بن حزم وسليمان بن عبد الرحمن. وعنه ابن وهب ووكيع وأبو نعيم والثورى وغيرهم. وثقه أبو نعيم وأبو حاتم وقال النسائى لا بأس به، وقال ابن عدى أرجو أن تكون أحاديثه مستقيمة، وفى التقريب ثقة من السابعة. روى له البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه
(المعنى)
(قوله وقت لأهل العراق ذات عرق) أى جعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ميقات أهل العراق ذات عرق "بكسر فسكون" موضع فى الشمال الشرقى لمكة بينه وبينها نحو ستة وأربعين ميلا. والعراق إقليم معروف يذكر ويؤنث (والحديث) صريح فى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى وآله سلم الذى جعل ذات عرق ميقاتا لأهل العراق. وإليه ذهب الجمهور وعطاء بن أبى رباح: فقد أخرج البيهقى بسنده الى ابن جريج قال: أخبر عطاء أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "وقت لأهل المدينة ذا الحليفة. ولأهل المغرب الجحفة، ولأهل المشرق ذات عرق (الحديث) وأخرج من طريق الحجاج عن عطاء عن جابر بن عبد الله وعن أبى الزبير عن جابر قال: وقت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن وأهل تهامة يلملم، ولأهل الطائف وهي نجد قرن، ولأهل العراق ذات عرق. ويؤيده ما فى رواية لمسلم والطحاوى والبيهقى من طريق ابن جريج قال: أخبرنى