← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

شعبة عن ابن الزبير عن جابر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر سنته. قال جابر: جربناه فوجدناه كذلك. وأخرج العراقى نحوه عن عمر موقوفا عليه. قال البيهقي: أسانيد هذا الحديث وإن كانت ضعيفة فهى إذا ضم بعضها إلى بعض أخذت قوة اهـ (قال فى المدخل) يوم عاشوراء موسم من المواسم الشرعية. والتوسعة فيه على الأهل والأقارب واليتامى والمساكين وزيادة النفقه والصدقة مندوب إليها، ولكن بشرط عدم التكلف، وألا يصير ذلك سنة يسنن بها لا بد من فعلها. فإن وصل إلى هذا الحد فيكره أن يفعله، سيما إذا كان الفاعل له من أهل العلم وممن يقتدى به لأن تبيين السنن وإشاعتها وشهرتها أفضل من النفقة فى ذلك اليوم. ولم يكن السلف يعتادون فيه طعاما مخصوصا, وقد كان بعض العلماء رحمة الله عليهم يترك التوسعة قصدا، لينبه على أنها ليست بواجبة. أمّا ما يفعله الناس اليوم من أن عاشوراء يختص بذبح الدجاج وغيره وطبخ الحبوب وغير ذلك، فلم يكن السلف يتعرضون لذلك فى هذه المواسم، ولا يعرفون تعظيمها إلا بكثرة العبادة والصدقة والخير، لا بالتوسعة فى المأكول. ومن البدع المحدثة فيه تخصيصه بزيارة القبور للرجال والنساء (ومن) البدع التي أحدثها النساء فى هذا اليوم استعمال الحناء على كل حال. فمن لم تفعلها منهن فكأنها ما قامت بحق عاشوراء (ومما) أحدثنه أيضا من البدع البخور، فمن لم يشتره منهن فى ذلك اليوم ويتبخر به فكأنه ارتكب أمرا عظيما، وكونه سنة عندهن لا بد من فعلها وادخارهن له طول السنة يتبركن به ويتبخرن إلى أن يأتي مثله يوم عاشوراء الثاني، ويزعمن أنه إذا بخر به المسجون خرج من سجنه وأنه يبرئ من العين والنظرة والمصاب والموعوك. وهذا أمر خطر لأنه مما يحتاج فيه إلى توقيف من صاحب الشريعة (يعنى ولم يثبت فيه شيء عنه ﵌ فلم يبق إلا أنه باطل فعلنه من تلقاء أنفسهن اهـ باختصار (أما) ما يذكر فى بعض كتب المتأخرين من طلب الاغتسال وزيارة العلماء وعيادة المريض ومسح رأس اليتيم وتقليم الأظفار وقراءة سورة الإخلاص ألف مرة وصلة الرحم فى يوم عاشوراء "فليس له" أصل يدل عليه فهو من المحدثات "وأما" ما رواه الحاكم والبيهقى من حديث ابن عباس مرفوعا "من اكتحل يوم عاشوراء بالإثمد لم ترمد عينه أبدا" "فهو"، حديث موضوع أورده ابن الجوزى فى الموضوعات قاله ابن حجر وقال الحاكم حديث منكر. والاكتحال يوم عاشوراء لم يرد عن النبى صل الله تعالى عليه وآله وسلم فيه أثر, وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين رضى الله تعالى عنه باب فى صوم يوم وفطر يوم وفى نسخة إسقاط لفظ باب (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ وَالإِخْبَارُ فِى حَدِيثِ أَحْمَدَ قَالُوا

стр. 3292

نَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرًا قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ أُوَيْسٍ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُدَ. وَأَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ. كَانَ يَنَامُ نِصْفَهُ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ. وَكَانَ يُفْطِرُ يَوْمًا وَيَصُومُ يَوْمًا. (ش) (قوله والإخبار) بكسر الهمزة (فى حديث أحمد) يعنى لفظ الحديث المذكور ما فى لفظ أحمد. و (سفيان) بن عيينة. و (عمرو) بن دينار كما فى رواية ابن ماجه (قوله أحب الصيام إلى الله صيام داود) أى أفضل صيام التطوع صيام داود ﵇، وهو كما بينه فى آخر الحديث صيام يوم وفطر يوم، وإنما كان أفضل الصيام لأنه أشد على النفس. فإنه لا يعتاد الصيام ولا الفطر (وظاهر) الحديث أنه أفضل من صيام يومين وفطر يوم، ومن صيام الدهر. وهو الراجح كما تقدم (قوله أحب الصلاة إلى الله الخ) أى أفضل صلاة التطوع صلاة داود. كان ينام نصف الليل الأول من الوقت المعتاد للنوم لا من المغرب، ثم يقوم ثلث الليل الذى يلى النصف الأول، ثم ينام السدس الأخير وكانت هذه أحب الصلاة إلى الله تعالى لما فى القيام فى هذا الوقت من المشقة الزائدة على النفس والبعد عن الرياء وحضور القلب لهدوء الأصوات وبعده عن الشواغل كما تقدم (والحديث) أخرجه أيضا مسلم والنسائي وابن ماجه وأخرجه الدارمى عن عبد الله بن عمرو يرفعه قال: أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما. وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود. كان يصلى نصفا وينام ثلثا ويسبح سدسا. قال أبو محمد: هذا اللفظ الأخير غلط أو خطأ، إنماهو أنه كام ينام نصف الليل ويصلى ثلثه ويسبح سدسه اهـ وأخرجه البيهقي من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أويس عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود, كان يرقد شطر الليل، ثم يقوم ثلثه بعد شطره، ثم يرقد آخره. وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما اهـ باب فى صوم الثلاث من كل شهر أى فى بيان فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَنَسٍ أَخِى مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مِلْحَانَ الْقَيْسِىِّ عَنْ أَبِيهِ

стр. 3293

قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ. قَالَ وَقَالَ: هُنَّ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ. (ش) (الرجال) (همام) بن يحيى. و (أنس أخو محمد) يعني ابن سيرين. و (ابن ملحان) بكسر فسكون عبد الملك بن قتادة أو قدامة بن ملحان (القيسى) نسبة إلى قبيلة قيس. روى عن أبيه حديث الباب. وعنه أنس بن سيرين. قال ابن المدينى لم يرو عنه غيره، ذكره ابن حبان فى الثقات، وفى التقريب مقبول من الثالثة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. و (أبوه) قتادة بن ملحان القيسي الجريرى البصرى، روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث الباب. وعنه ابنه عبد الملك ويزيد بن عبد الله بن الشخير، وأخرج ابن شاهين من طريق سلمان التيمي عن حبان بن عمير قال. مسح النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجه قتادة بن ملحان ثم كبر فبلى منه كل شئ غير وجهه لخضرته عند الوفاة فرت امرأة فرأيتها في وجهه كما أراها في المرآة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. (المعنى) (قوله يأمرنا أن نصوم البيض) أى يأمرنا أمر استحباب أن نصوم أيام الليالى البيض (قوله هنّ كهيئة الدهر) أى أجر صيام الثلاثة الأيام البيض من كل شهر كأجر صيام الدهر، فإن الحسنة بعشر أمثالها. ووصفت بالبيض لأنّ لياليها تكون مضيئة بالقمر من أولها إلى آخرها "وفي الحديث" دلالة على الترغيب في صيام الأيام البيض. وبذلك قالت الشافعية والحنابلة والحنفية وابن حبيب من المالكية "وقالت" المالكية يستحب صوم ثلاثة أيام من كل شهر. ويكره تخصيصها بالبيض. وحديث الباب وأشباهه حجة عليهم. قال ابن رشد إنما كره مالك صومها؛ لسرعة أخذ الناس بقوله فيظن الجاهل وجوبها. وقد روى أنّ مالكا كان يصومها وحض الرشيد على صيامها (وذهب) بعض الشافعية إلى أن الأيام البيض من كل شهر هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر. لكنه مردود بحديث الباب، وبما رواه أحمد والترمذي والنسائي والبيهقي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبيهقى. (ص) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ نَا أَبُو دَاوُدَ نَا شَيْبَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ يَعْنِى مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ.

стр. 3294

(ش) (أبو كامل) محمد بن فضيل الجحدرى. و (أبو داود) الطيالسى. و (شيبان) ابن عبد الرحمن. و (عاصم) بن بهدلة. و (زر) بكسر الزاي ابن حبيش (قوله كان رسول الله يصوم يعنى من غرة كل شهر ثلاثة أيام) أى من أول الشهر، فإن غرة كل شئ أوله. وكأنّ الراوي لم يحفظ لفظ شيخه فزاد لفظ يعني لبيان أن مراده ما ذكر. وفي رواية البيهقى "كان يصوم ثلاثة من غرة كل شهر. ويحتمل أن المراد بالغرة الأيام البيض. وهى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. وهو الأنسب للحديث السابق. ويؤيده رواية النسائي عن عبد الملك بن قدامة ابن ملحان عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأمرنا بصوم أيام الليالى الغر البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. وفي رواية له أيضًا عن ابن الحوتكية قال: قال أبي جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومعه أرنب قد شواها وخبز فوضعها بين يدي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال: إني وجدتها تدمى "أي تحيض" فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأصحابه لا يضر كلوا. وقال للأعرابي كل. قال: إنى صائم قال صوم ماذا؟ قال صوم ثلاثة أيام من الشهر. قال إن كنت صائما فعليك بالغر البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي والبيهقى والترمذي وقال حديث عبد الله بن مسعود حسن غريب اهـ باب من قال الاثنين والخميس أى من قال إن الثلاثة الأيام التى كان يصومها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من كل شهر هي الاثنين والخميس والاثنين الذي بعده (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ سَوَاءٍ الْخُزَاعِىِّ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ: الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَالاِثْنَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. (ش) (الرجال) (حماد) بن سلمة. و (سواء الخزاعى) روى عن حفصة وأم سلمة وعائشة. وعنه معبد بن خالد وعاصم بن بهدلة والمسيب بن رافع. ذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب مقبول من الثالثة، روى له أبو داود والنسائي (المعنى) (قوله يصوم ثلاثة أيام من الشهر الاثنين الخ) أى يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس في الأسبوع الأول ويوم الاثنين من الأسبوع الثانى. وفيه دلالة على جواز تفريق صيام الثلاثة الأيام المرغب في

стр. 3295

صيامها من كل شهر. وعلى فضل صيام الاثنين والخميس. (والحديث) أخرجه أيضا البيهقى (ص) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ نَا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ هُنَيْدَةَ الْخُزَاعِىِّ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلْتُهَا عَنِ الصِّيَامِ فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنِى أَنْ أَصُومَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلُهَا الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَالْخَمِيسِ. (ش) (أم هنيدة) لم نقف على اسمها. وتقدم أنها كانت تحت عمر (قوله فسألتها عن الصيام) أي عن كيفية صيامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم التطوع (قوله أولها الاثنين والخميس والخميس) أى أمرنى أن أصوم يوم الاثنين ويوم الخميس من الأسبوع الأوّل ويوم الخميس من الأسبوع الثانى وهو هكذا في بعض النسخ بتكرار الخميس. ويؤيده ما أخرجه النسائي من طريق الحر بن الصباح عن هنيدة عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه كان يصوم تسعا من ذى الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر اثنين من الشهر وخميسين. وفي بعض النسخ بدون تكرار الخميس. فيحتمل أن أل في الاثنين للجنس فتصدق بالمتعدد لما في رواية للنسائى عن هنيدة عن أمه عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأمر بصيام ثلاثة أيام أول خميس والاثنين والاثنين. وتقدم نحو هذا الحديث عن هنيدة في "باب صوم العشر" ويخالفهما ما أخرجه أحمد بسنده إلى هنيدة قال: دخلت على أم سلمة فسألتها عن الصيام فقالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأمرنى أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والجمعة والخميس. وقوله أولها الاثنين على تقدير مضاف أى أولها يوم الاثنين أو مفعول لفعل محذوف أى اجعل أولها الاثنين. (والحديث) أخرجه أيضا النسائي. وكذا البيهقى عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأمرنى أن أصوم ثلاثة أيام من الشهر الاثنين والخميس والخميس باب من قال لا يبالى من أي الشهر أى في بيان دليل من قال إن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر لا يتقيد بأوله أو آخره أو وسطه وفي نسخة إسقاط لفظ باب. (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ أَكَانَ

стр. 3296

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ نَعَمْ. قُلْتُ مِنْ أَىِّ الشَّهْرٍ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ مَا كَانَ يُبَالِى مِنْ أَىِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ. (ش) (الرجال) (عبد الوارث) بن سعيد. و (يزيد) بن أبي يزيد الضبعى "بضم ففتح" مولاهم أبو الأزهر البصرى، روى عن مطرف بن عبد الله وعبد الله بن أنس وأبي المليح ومعاذة العدوية. وعنه شعبة ومعمر وحماد بن زيد وابن علية وغيرهم. وثقه الترمذى وأبو حاتم وأبو زرعة. وقال أحمد صالح الحديث، روى له الجماعة. وفى بعض النسخ عن يزيد الرشك بكسر الراء وسكون الشين في الأصل الكبير اللحية، وقال الترمذى والرشك القسام في لغة أهل البصرة. و (معاذة) بنت عبد الله العدوية. (المعنى) (قوله ما كان يبالى من أى أيام الشهر كان يصوم) أى ما كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتقيد في صوم الثلاثة الأيام بزمن معين كأول الشهر أو وسطه أو آخره، بل كان يصومها كيفما اتفق (والحديث) من أدلة المالكية القائلين بكراهة تخصيص صيام ثلاثة من الشهر بعينها. لكن يعارضه ما تقدم من أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بصيام الأيام البيض (ويمكن) الجمع بينهم بأن ما تقدم أمر للأمة، وماهنا من فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وهو لا يعارض القول الخاص بالأمة، أو أنه ﵌ كان يعرض له ما يشغله عن صيام الأيام البيض، أو ما كان يتقيد بالأيام البيض إشارة إلى بيان الجواز، فالظاهر ما تقدم من أفضلية الصيام في الأيام البيض على الصيام في غيرها من بقية الأيام (والحاصل) أنه يؤخذ من مجموع الروايات السابقة، استحباب صيام الثلاثة الأيام البيض، وصيام ثلاثة أيام في أى زمن من الشهر، وصيام الاثنين والخميس من أول الشهر والاثنين الذى بعدهما، وصيام الخميس والاثنين من أول الشهر والخميس الذى بعدهما. وفي الترمذى عن عائشة قالت: كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس. وتقدّم في رواية أحمد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر أم سلمة أن تصوم الخميس والجمعة والاثنين. فينبغى أن يعمل بهذه الروايات كلها: قال البيهقى كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالى من الشهر صام، فكل من رآه فعل نوعا ذكره. وعائشة رأت جميع ذلك فأطلقت اهـ. وقال في الفتح: وفي كلام غير واحد من العلماء أن استحباب صيام الأيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر اهـ وهذاهو الأولى. وحمل المطلق من الأحاديث على المقيد منها لا حاجة إليه فإن الباب باب تطوع وهو واسع. (والحديث) أخرجه أيضا مسلم وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن صحيح

стр. 3297

باب النية فى الصيام وفى نسخة فى الصوم. وفى أخرى حذف لفظ باب، أي هل يلزم تبييتها (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِى ابْنُ لَهِيعَةَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ. (ش) (ابن لهيعة) عبد الله (قوله من لم يجمع الصيام الخ) أى من لم ينو الصيام قبل الفجر فلا يصح صيامه. يقال أجمعت الأم أى نويته وعزمت عليه (وفي هذا) دلالة على وجوب تبييت نية الصوم بإيقاعها في جزء من الليل. وبه قال ابن عمرو جابر بن يزيد ومالك والليث وابن أبي ذئب ولم يفرقوا بين صيام الفرض والنفل أخذا بظاهر الحديث. فإن قوله فلا صيام له نكرة ويجب في الفرض واستدلوا بحديث الباب وقصروه عل الفرض لحديث عائشة فى الباب الآتي. وقال أبو حنيفة وأصحابه يصح الصوم بنية في الليل والنهار قبل الزوال إذا تعلق بزمن معين كرمضان ونذر معين والنفل مطلقا (واستدلوا) بقوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ قالوا فقد أباح الله تعالى الأكل والشرب إلى طلوع الفجر، ثم أمر بالصيام بعد بكلمة ثم التى للتراخى فتصير النية عزيمة بعد الفجر لا محالة واستدلوا أيضا بما أخرجه الشيخان عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله ﵌ أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء. ويحديث عائشة قالت: دخل على رسول الله ﵌ ذات يوم فقال: هل عندك من شئ؟ قلت لا فقال فإنى إذا صائم (الحديث) رواه مسلم والترمذى والنسائي والبيهقى ويأتى نحوه في الباب الآتى للمصنف، وحملوا حديث الباب ونحوه على نفي الفضيلة، فهو نظير قوله ﵌ "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" رواه الدارقطنى والبيهقى عن جابر. أو هو نهى عن تقديم النية على الليل. فلو نوى قبل غروب الشمس أن يصوم غدا لا يصح. أو أنه محمول على غير المتعين من الصيام كالقضاء والكفارة والنذر المطلق (وأجيب) عن الآية بأنها ليست نصًا في دعواهم، بل محتملة لأن تكون النية من النهار، ولأن تكون من

стр. 3298

الليل بأن يكون المعنى ثم أتموا الصيام الذى نويتموه وعزمتم عليه قبل الفجر. وحديث الباب ناطق بأن النية من الليل. فيتعين المصير إليه. (وأجيب) عن حديث الشيخين بأنه منسوخ بحديث الباب لتأخره. وعلى فرض عدم النسخ فالنية إنما صحت فى نهار عاشوراء لأنه ما بلغهم فرضية صومه إلا نهارا، والرجوع إلى الليل حينئذ متعذر والنزاع فيما كان ممكنا، فيخص جواز النية بالنهار لمن ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار كالمجنون يفيق والصبي يحتلم والكافر يسلم (وأجيب) عن حديث عائشة بأنه يحتمل أنّ النبي ﵌ كان قد نوى الصوم من الليل وأراد الفطر لعذر. ولو سلم عدم الاحتمال فإن غايته تخصيص صوم التطوع من عموم قوله فلا صيام له. وقال عطاء ومجاهد وزفر والزهرى: لا تجب النية في صيام رمضان حيث كان الصائم صحيحا مقيما، لأن الوقت يصرفه إلى رمضان فلا يدخل غيره. لكن يرد عليهم حديث إنما الأعمال بالنيات. وحديث الباب لأنه يعم كل صيام (ويشعر) حديث الباب بان النية تجب لكل يوم. وبه قال عمر وابنه والحسن البصرى وأبي حنيفة والشافعى وجمهور العلماء. وهو أصح الروايتين عن أحمد، لأن كل يوم عبادة مستقلة فقد تخلل بين كل يومين زمان لا يصلح للصوم. فصار صيام كل يوم كصلاة من الصلوات (وقال مالك) وأصحابه وإسحاق إذا نوى أول ليلة من رمضان صيام جميعه كفاه، ولا يحتاج لنية لكل يوم. ويستحب تجديدها فقط قياسا على الحج وركعات الصلاة، فإن كل واحد منهما تكفيه نية واحدة. واستدلوا أيضا بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث "وإنما لكل امرئ ما نوى" قالوا وهذا قد نوى جميع الشهر فوجب أن يكون له (لكن) هذا غير مسلم لأن كل أعمال الحج والصلاة اعتبرها الشارع عملا واحدا، والإخلال بأي ركن من أركانهما يستلزم الإخلال بجميع الأركان، بخلاف رمضان فإن فساد أى يوم منه لا يستلزم فساد البقية "ولا ينافى" هذا قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "وإنما لكل امرئ ما نوى" لأن معناه كل عبادة تحتاج إلى نية، وقد علمت أن كل يوم من أيام رمضان عبادة مستقلة (إذا علمت) هذا تعلم أن الراجح قول من قال بوجوب تبييت النية فى الليل. وقول من قال بوجوبها فى كل ليلة من ليالى الصيام (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والنسائى وابن ماجه والدارقطنى وابن خزيمة وابن حبان وصححاه مرفوعا والترمذى. وقال حديث حفصة لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه وقد روى عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح اهـ وأخرجه الدارمى والبيهقى وقال هذا حديث قد اختلف على الزهرى فى إسناده وفى رفعه إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعبد الله بن أبى بكر أقام إسناده ورفعه وهو من الثقات الأثبات. (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ اللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ أَيْضًا جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى

стр. 3299

بَكْرٍ مِثْلَهُ. وَأَوْقَفَهُ عَلَى حَفْصَةَ مَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِىُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ الأَيْلِىُّ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ. (ش) أشار بهذه التعاليق إلى أنه قد اختلف فى رفع الحديث ووقفه. فرواه الليث بن سعد وإسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبى بكر مرفوعا مثل رواية ابن لهيعة ويحيى بن أيوب عنه. وحديث الليث لم نقف على من أخرجه (هذا). و (إسحاق بن حازم) المدنى البزاز. روى عن عبد الله بن أبى بكر وأبى الأسود ومحمد بن كعب وعبيد الله بن مقسم وغيرهم. وعنه خالد بن مخلد وابن وهب وأبو القاسم. وثقه أحمد وابن معين وقال الساجى صدوق يرى القدر، وذكره ابن حبان فى الثقات، وفى التقريب صدوق من السابعة تكلم فيه للقدر. روى له ابن ماجه (وحديثه) أخرجه الدارقطنى عن عبد الله بن أبى بكر عن سالم ابن عمر عن حفصة قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "لا صيام لمن لم يفرضه قبل الفجر". وأخرجه ابن ماجه بلفظ "لا صيام لمن لم يفرضه من الليل" (ورواه) عن الزهرى موقوفا على حفصة معمر بن راشد ومحمد بن الوليد الزبيدى وسفيان ابن عيينة ويونس بن يزيد الأيلى. ورواية معمر ويونس أشار إليها البيهقى قال (ورواه) معمر عن الزهرى عن سالم عن أبيه عن حفصة من قولها. وقيل عنه عن الزهرى عن حمزة بن عبد الله عن أبيه عن حفصة (ورواه) يونس عن الزهرى عن سالم عن ابن عمر من قوله (ورواه) عقيل عن الزهرى عن سالم أن عبد الله وحفصة قالا ذلك. وقيل غير ذلك اهـ ولم نقف على من أخرج رواية الباقين. ورجح الترمذى والنسائى الوقف. وكذا البيهقى وقال رواته ثقات. وصحح الحاكم وابن حزم وابن خزيمة وابن حبان رفعه (والحديث) وإن كان فيه اختلاف فى الرفع والوقف فهو صالح للاحتجاج به، لأن له شاهدا من رواية الدارقطنى والبيهقى عن يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له. قال الدارقطنى إسناده كلهم ثقات. وروى أيضا من طريق محمد بن هلال عن أبيه أنه سمع ميمونة بنت سعد تقول سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: من أجمع الصوم من الليل فليصم. ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم وروى البيهقى عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر باب فى الرخصة فيه أى فى ترك نية الصوم بالليل (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ ح وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ جَمِيعًا عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى

стр. 3300

اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَىَّ قَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا قُلْنَا لاَ. قَالَ إِنِّى صَائِمٌ. زَادَ وَكِيعٌ فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِىَ لَنَا حَيْسٌ فَحَبَسْنَاهُ لَكَ. فَقَالَ أَدْنِيهِ فَأَصْبَحَ صَائِمًا وَأَفْطَرَ. (ش) (سفيان) الثورى (قوله قال إنى صائم) فيه دليل على جواز نية صوم التطوع نهارا. وبه قال أبو حنيفة والشافعى كما تقدم. وروى عن على وأبى أيوب الأنصارى وحذيفة وابن مسعود وأبى طلحة وسعيد بن جبير والنخعى (قالوا) ومحل ذلك إذا كان قبل الزوال ولم يتناول مفطرا. وقال أحمد وسعيد بن المسيب يجوز صوم النفل بنية من النهار سواء قبل الزوال أم بعده، لأنه نوى فى جزء من النهار فأشبه ما نوى فى أوله، ولأن جميع الليل وقت لنية الفرض فكذا جميع النهار وقت لنية النفل، وجعلوا حديث الباب مخصصا لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "من لم يجمع الصوم قبل الفجر فلا صيام له" وقال ابن عمر لا يصوم تطوعا حتى يجمع من الليل أو يتسحر. وقال مالك فى النافلة لا يصوم إلا أن يبيت إلا إن كان يسرد الصوم فلا يحتاج إلى التبييت وقال زفر والمزنى وأبو يحيى البلخى وجابر بن زيد وداود لا يجوز صيام التطوع إلا بنية من الليل كالفرض أخذا بظاهر حديث "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" (وأجابوا) عن "حديث الباب" بأن قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيه هل عندكم طعام؟ فقلنا لا. فقال إنى صائم. "ليس نصا" فى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نوى نهارا، بل هو محتمل لأن يكون بيت النية. والمحتمل يرد إلى الصريح فى تبييت النية، وهو الأصل. ولا فرق في بين الفرض والنفل. ولم يقم دليل على رفع هذا الأصل فيتعين البقاء عليه. على أن فى بعض روايات حديث عائشة "إنى كنت أصبحت صائما" وهو ظاهر فى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيت النية قبل الفجر (قال) النووى فى هذا الحديث دليل للجمهور فى أن صوم النافلة يجوز نيته فى النهار قبل زوال الشمس. وتأوله الآخرون على أن سؤاله. هل عندكم شيء؟ لكونه كان نوى الصوم من الليل ثم ضعف عنه وأراد الفطر لذلك، وهو تأويل فاسد وتكلف بعيد اهـ (قوله أهدى لنا حيس) بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وسين مهملة، هو الطعام يتخذ من التمر والسمن والأقط "أى اللبن الذى أخذ زبده" وقد يجعل الدقيق بدل الأقط (قوله أدنيه) أمر من الإدناء أى قربيه. وفى رواية لمسلم أرنيه من الإراءة (قوله فأصبح صائما وأفطر) وفى نسخة فأفطر. وفيه جواز الفطر من صيام التطوع. ويأتى بيانه بعد (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والنسائى وابن ماجه والدارقطنى والبيهقى. وأخرجه الترمذى من طريق وكيع ولم يذكر فيه ما زاده

стр. 3301

المصنف عنه. وأخرجه من طريق سفيان بسنده إلى عائشة قالت: إن كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأتينى فيقول: أعندك غداء؟ فأقول لا فيقول إنى صائم. قالت فأتانى يوما فقلت يا رسول الله إنه قد أهديت لناهدية قال وماهى؟ قلت حيس قال. أما إنى أصبحت صائما: قالت ثم أكل. وقال حديث حسن (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ نَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَأُمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ قَالَتْ فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَنَاوَلَتْهُ فَشَرِبَ مِنْهُ, ثُمَّ نَاوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً. فَقَالَ لَهَا أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟ قَالَتْ لاَ. قَالَ فَلاَ يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا. (ش) (قوله لما كان يوم الفتح فتح مكة) المراد به الأيام التى أقامها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمكة التى كان منها أيام من شوال. لا اليوم الخاص الذى وقع فيه الفتح، فلا يقال إن يوم الفتح كان فى رمضان، فكيف يقل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأم هانئ أكنت تقضين شيئا؟ (قوله وأم هانئ عن يمينه) إظهار فى مقام الإضمار وكان القياس أن تقول وأنا عن يمينه، ويحمل على التجريد فكأنها تحكى عن نفسها، أو أن الراوى وضع كلامه مكان كلامها فنقله بالمعنى. ففى رواية الدارمى جاءت فاطمة فجلست على يسار النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأم هانئ عن يمينه فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه، ثم ناوله أم هانئ فشربت منه (قوله فجاءت الوليدة الخ) أى جاءت الأمة "ولم نقف عل اسمها" بإناء فيه شراب أى من ماء لأنه المراد عند الإطلاق (قوله ثم ناوله أم هانئ) كان القياس أن نقول ناولنى إياه، ففيه إظهار فى مقام الإصمار. وقدمها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكونها على يمينه (قوله لقد أفطرت وكنت صائمة) أى فما الحكم؟ وإنما لم تسأل قبل شربها إيثارا لتناول سؤره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الصوم. وقد استشعرت بأنها عملت ما لا ينبغى. ففى رواية الترمذى "ثم ناولنى فشربت منه فقلت إنى أذنبت فاستغفر لى. فقال وما ذاك؟ قالت كنت صائمة فأفطرت" (قوله فلا يضرك إن كان تطوعا) أى فلا حرج عليك فى فطرك إن كان صومك تطوعا (وفى الحديث) دلالة على جواز

стр. 3302

الفطر لمن كان صائما تطوعا ولا قضاء عليه. وبه قال عمر وعلى وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وجابر وحذيفة وأبو الدرداء والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق (مستدلين) بحديث الباب وبما رواه مسلم عن عائشة قالت: دخل علىّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذات يوم فقال هل عندكم شئ؟ قلنا لا. قال فإنى إذا صائم. ثم أتانا يوما آخر فقلنا: يا رسول الله أهدى لنا حيس. فقال أرنيه فلقد أصبحت صائما فأكل. وفى رواية له فأكل ثم قال: لقد كنت أصبحت صائما. وبما رواه الترمذى والنسائى والدارقطنى والبيهقى عن أم هانئ قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر. قال النووى فى شرح المهذب: ألفاظ رواياتهم متقاربة المعنى وإسنادها جيد. وقال الترمذى فى إسناده مقال اهـ وبما رواه البيهقى عن ابن مسعود قال: إذا أصبحت وأنت ناوى الصوم فأنت بخير النظرين إن شئت صمت وإن شئت أفطرت. وبما رواه الدارقطنى والبيهقى بإسناد صحيح عن جابر أنه لم يكن يرى بإفطار المتطوع بأسا. وروى الشافعى والبيهقى بإسناد صحيح عن ابن عباس مثله. وبما رواه البخارى عن أبى جحيفة قال: آخى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين سلمان وأبى الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة. فقال لها ما شأنك؟ قالت أخوك أبو الدرداء ليس له فى الدنيا حاجة. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال كل فإنى صائم. قال ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال نم فنام، ثم ذهب يقوم فقال نم فنام، ثم ذهب يقوم قال نم فنام: فلما كان من آخر الليل قال سلمان. قم الآن فَصَلِّيَنْ فقال له سلمان إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذى حق حقه، فأتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكر ذلك له فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: صدق سلمان. وبذلك قالت الشافعية والحنابلة. وقالوا إذا دخل فى صوم التطوع استحب له إتمامه، وإذا أفطر بعذر أو بغير عذر فلا إثم عليه ولا يجب عليه القضاء لكن يكره له الفطر بدون عذر لعموم قوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وخروجا من خلاف من أوجب الإتمام. وإذا أفطر بعذر فلا كراهة. وعلى كل فيستحب قضاؤه (وذهب أبو حنيفة) فى ظاهر الرواية ومالك إلى أنه يجب إتمام ما شرع فيه من نفل ولا يجوز فطره بلا عذر لقوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فإن أفطر بلا عذر أثم وعليه القضاء، وإن أفطر لعذر كأن أمره أحد والديه أو شيخه بالفطر شفقة عليه وكطرو الحيض على المتطوعة فأفطر فلا إثم عليه ولا قضاء عند المالكية. ويلزمه القضاء عند الحنفية لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام فأكلنا منه فدخل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت حفصة: يا رسول الله إنا كنا صائمتين متطوعتين فأهدى لنا طعام فأفطرنا عليه فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: اقضيا مكانه يوما آخر. رواه مالك والترمذى

стр. 3303

وغيرهما من عدّة طرق كما يأتى فى الباب بعد. واختار صاحب المنتقى والكمال بن الهمام وتاج الشريعة من الحنفية أنه يباح الفطر فيما شرع فيه من صوم النفل ولو بلا عذر وهو الأوجه لتضافر الأدلة عليه. ومنها أحاديث الباب، وقول مجاهد إنما ذلك بمنزلة رجل يخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها. رواه مالك وأحمد والستة إلا البخارى (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والدارمى والدارقطنى والبيهقى والطبرانى. وأخرجه الترمذى من طريق سماك بن حرب عن ابن أمّ هانئ عن أم هانئ قالت: كنت قاعدة عند النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتى بشراب فشرب منه ثم ناولنى فشربت منه فقلت: إنى أذنبت فاستغفر لى قال وما ذاك؟ قالت كنت صائمة فأفطرت فقال أمن قضاء كنت تقضينه؟ قالت لا قال فلا يضرك. وقال فى إسناده مقال اهـ أى لأن فى سنده سماك وقد اختلف فيه. قال النسائى سماك ليس يعتمد عليه إذا انفرد وفى سنده أيضاهارون بن أمّ هانئ. قال ابن القطان لا يعرف، وقال الحافظ فى التقريب مجهول. باب من رأى عليه القضاء أى فى بيان دليل من رأى القضاء على من أفطر فى صيام التطوع (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ زُمَيْلٍ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُهْدِىَ لِى وَلِحَفْصَةَ طَعَامٌ وَكُنَّا صَائِمَتَيْنِ فَأَفْطَرْنَا, ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ فَاشْتَهَيْنَاهَا فَأَفْطَرْنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: لاَ عَلَيْكُمَا. صُومَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ. (ش) (الرجال) (ابن الهاد) يزيد وفى نسخة ابن الهادى بإثبات الياء. و (زميل) بالتصغير (مولى عروة) ابن عباس المدنى الأسدى: روى عن مولاه: وعنه يزيد بن الهاد. قال الخطابى مجهول. وقال النسائى ليس بالمشهور. وقال أحمد لا أدرى من هو. وقال البخارى لا يعرف لزميل سماع من عروة. ولا ليزيد سماع من زميل، ولا تقوم به الحجة، وفى التقريب مجهول من السادسة. وقال ابن عدى إسناده لا بأس به. روى له أبو داود والنسائى (المعنى) (قوله أهدى لى ولحفصة طعام) هى شاة كما جاء فى رواية أحمد عن عائشة (قوله فقلنا

стр. 3304

له يا رسول الله) القائلة حفصة كما فى رواية مالك فى الموطإ وفيها "قالت عائشة قالت حفصة بدرتنى بالكلام وكانت بنت أبيها يا رسول الله الخ" والمراد أنها كانت مسارعة فى الخير كأبيها، فهو مدح لها (قوله لا عليكما) أى لا إثم عليكما (قوله صوما مكانه يوما آخر) وفى رواية مالك اقضيا مكانه يوما آخر (وبالحديث) استدل أبو حنيفة ومالك وأبو ثور على أن من شرع فى صيام التطوع ثم أفطر فعليه القضاء وجوبا. قالوا والحديث وإن كان ضعيفا، لأن فيه زميلا وفيه مقال، فقد روى من طرق أخرى. فقد رواه ابن حبان عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين (الحديث) ورواه ابن أبى شيبة عن خصيف عن سعيد بن جبير عن عائشة وحفصة. ورواه الطبرانى عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس أن عائشة وحفصة الخ. ورواه أيضا عن أم سلمة عن أبى هريرة قال: أهديت لعائشة وحفصة هدية الخ واستدلوا أيضا بقوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وبقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وهو يعم الفرض والنفل. وبقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليدع بالبركة. رواه الطبرانى عن ابن مسعود ولو جاز الفطر فى التطوع لكان فى إجابة الدعوى أولى. وبقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ومن تعمد الفطر فليس بمعظم لحرمة الصوم. قال الزرقانى. قال ابن عمر ذلك المتلاعب بدينه أو المتلاعب بصومه اهـ واستدلوا أيضا بالقياس على الحج والعمرة النفلين فإنهما إن فسدا وجب قضاؤهما بالإجماع (وأجابوا) عن حديث أم هانئ السابق وحديث عائشة بأنهما واقعتا عين لا عموم فيهما. وعن حديث "الصائم المتطوع أمير نفسه" بأن معناه مريد الصوم جمعا بين الأدلة والمختار أن الأمر بالقضاء فى حديث الباب للندب لقوله فيه لا عليكما. إذ لو كان القضاء واجبا لكان الفطر حراما (قال الخطابى) ولو ثبت الحديث أشبه أن يكون إنما أمرهما بذلك استحبابا؟ لأن بدل الشيء فى أكثر أحكام الأصول يحل محل أصله وهو فى الأصل مخير فكذلك فى البدل اهـ ويؤيده رواية البيهقى عن أبى سعيد قال. صنعت للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم طعاما. فلما وضع قال رجل إنى صائم. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: دعاك أخوك وتكلف لك. أفطر وصم يوما مكانه إن شئت. وما تقدم عن أبى جحيفة فى قصة أبى الدرداء وسلمان "وما قالوه" فى حديث عائشة وحديث أم هانئ من أنهما واقعتا عين لا عموم فيهما "غير مسلم" فإن الخصوصيات لا تثبت إلا بدليل. ولا دليل هنا "وحملهم" حديث الصائم المتطوع أمير نفسه على مريد الصوم "صرف" للفظ عن ظاهره بدون قرينة" وقياس صوم التطوع على الحج والعمرة النفلين قياس مع الفارق، فإنه لا يخرج منهما بإفسادهما بخلاف صوم التطوع. ولم يثبت التخيير فى قضائهما بخلاف الصوم

стр. 3305

(والحديث) أخرجه أيضا مالك فى الموطإ والنسائى. قال الخطابى: الحديث إسناده ضعيف وزميل مجهول. والمشهور من هذا الحديث رواية ابن جريج عن الزهرى عن عروة، قال ابن جريج قلت للزهرى أسمعته من عروة؟ قال لا إنما أخبرنيه رجل بباب عبد الملك بن مروان. فيشبه أن يكون ذلك الرجل هو زميل اهـ ورواه ابن حبان والطبرانى وابن أبى شيبة من طرق أخرى كما تقدم. وأخرجه البيهقى والترمذى وهذا لفظه من طريق جعفر بن برقان عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فبدرتنى إليه حفصة، وكانت ابنة أبيها فقالت: يا رسول الله إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه قال: اقضيا يوما آخر مكانه. وقال الترمذى: وروى مالك ابن أنس ومعمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهرى عن عائشة مرسلا ولم يذكروا فيه عن عروة وهذا أصح، لأنه روى عن ابن جريج قال: سألت الزهرى فقلت أحدثك عروة عن عائشة؟ قال لم أسمع من عروة فى هذا شيئا اهـ وقال ابن عيينة فى روايته سئل الزهرى عنه أهو عن عروة؟ فقال لا. وقال الخلال اتفق الثقات على إرساله، وشذ من وصله وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة. قاله فى الفتح باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها أيجوز لها أم لا؟ (ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَصُومُ امْرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ غَيْرَ رَمَضَانَ, وَلاَ تَأْذَنُ فِى بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ. (ش) (معمر) بن راشد (قوله لا تصوم امرأة الخ) أى لا تصوم المرأة نفلا وزوجها حاضر فى بلدها إلا بإذنه صريحا أو ضمنا كأن تعلم رضاه بذلك. والنفى هنا بمعنى النهى. وفى رواية مسلم لا تصم. وفى رواية للبخارى "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" أى لا يجوز لها أن تصوم تطوعا وزوجها حاضر إلا أن يأذن لها فيجوز حينئذ (وفى هذا الحديث) دلالة على أنه يحرم على المرأة أن تصوم تطوعا بغير إذن زوجها، وذلك لأن للزوج حق الاستمتاع بها فى كل وقت وحقه واجب على الفور، فلا يفوت بالتطوع كما أنه لا يفوت بالواجب على التراخى كقضاء رمضان والكفارات والنذر المطلق. وإلى هذا ذهب الجمهور. وقال النووى فى شرح المهذب: قال جماعة من

стр. 3306

أصحابنا يكره والصحيح الحرمة. فلو صامت بغير إذن زوجها صح باتفاق أصحابنا وإن كان الصوم حراما لأن تحريمه لمعنى آخر لا لمعنى يعود لنفس الصوم، فهو كالصلاة فى دار مغصوبة اهـ ويفهم من الحديث أن الزوج لو كان غائبا جاز لها الصوم. وهذا لا خلاف فيه لزوال سبب النهى (قوله غير رمضان) فتصومه من غير إذنه لأنه يكون صائما حينئذ فلا يخشى احتياجه إليها. ويلحق برمضان النذر المعين (قوله ولا تأذن فى بيته وهو شاهد إلا بإذنه) أى لا يحل للمرأة أن تأذن لأحد ولو نساء فى دخول بيت زوجها وهو حاضر إلا بإذنه، فإذا أذن لها جاز. وقيد حضور الزوج هنا لا مفهوم له بل خرج مخرج الغالب، لأن غيبته لا تقتضى الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل بيته بل يتأكد عليها المنع حال غيابه. لما رواه الترمذى عن جابر مرفوعا: لا تدخلوا على المغيبات، فإن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم. ولما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا. لا يدخل رجل على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان: والمغيبة بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية من غاب عنها زوجها. ويحتمل أن يكون له مفهوم لأنه إذا حضر الزوج تيسر استئذانه وإذا غاب تعذر فيجوز لها حينئذ أن تأذن لمن كان محرما وعلمت رضا الزوج بدخوله أو لم تعلم شيئا أو كان المستأذن امرأة، وقوله إلا بإذنه أى الصريح أو الضمنى كما لو علمت رضاه. وقال النووى فى شرح مسلم فى هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج بالإذن فى بيته إلا بإذنه. وهو محمول على ما لم تعلم رضا الزوج به. أما لو علمت رضا الزوج بذلك فلا حرج عليها كمن جرت عادته بإدخال الضيفان موضعا معدا لهم سواء كان حاضرا أو غائبا. فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاص لذلك اهـ (الفقه) دل الحديث على أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج عن طاعة زوجها حتى فى أمور العبادة غير الفرض لأن حقه آكد عليها من التطوع. وعلى أنه لا يجوز لها أن تتصرف فى شيء من ماله إلا بإذنه. (والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم. وأخرجه البيهقى والدارمى مقتصرين فيه على النهى عن الصيام (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِى صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِى إِذَا صَلَّيْتُ وَيُفَطِّرُنِى إِذَا صُمْتُ, وَلاَ يُصَلِّى صَلاَةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. قَالَ وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ. قَالَ فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا قَوْلُهَا يَضْرِبُنِى إِذَا صَلَّيْتُ, فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ وَقَدْ نَهَيْتُهَا. قَالَ فَقَالَ لَوْ كَانَتْ سُورَةً

стр. 3307

وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ. وَأَمَّا قَوْلُهَا يُفَطِّرُنِى فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلاَ أَصْبِرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ: لاَ تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا. وَأَمَّا قَوْلُهَا إِنِّى لاَ أُصَلِّى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَاكَ لاَ نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَالَ: فَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ (ش) (جرير) بن عبد الحميد (قوله جاءت امرأة) لم نقف على اسمها (قوله إن زوجى صفوان ابن المعطل) بفتح الطاء المشدّدة ابن ربيعة مصغرا ابن خزاعى بلفظ النسب ابن محارب بن مرة السلمى شهد الخندق والمشاهد. وأول مشاهده غزوة المريسيع التى جرى ذكره فيها فى حديث الإفك المشهور. وفيه قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى حقه: ما علمت عليه إلا خيرا. قتل فى خلافة عمر فى غزاة أرمينية سنة تسع عشرة (قوله فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها الخ) يعنى أنها تقرأ فى الصلاة بسورتين طويلتين وقد نهيتها عن ذلك فلم تنته فضربتها. فقال لها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لو كانت سورة واحدة من القرآن لكفت الناس. يريد بذلك أنها تقصر القراءة فى الصلاة. وفى بعض النسخ فإنها تقرأ بسورتى بإضافة سورة إلى ياء المتكلم، يعنى بالسورة التى أقرأها. وعليها "فقوله" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لو كانت سورة واحدة" أى من القرآن لكفت الناس قراءتها فى الصلاة "ردّ له" عن نهيه لها عن قراءة تلك السورة (قوله فإنها تنطلق فتصوم) يعنى أنها تكثر من الصيام تطوعا وأنا فى حاجة إليها للجماع "ولا ينافيه" ما فى حديث الإفك عن عائشة قالت: إنّ صفوان ما كشف كنف أنثى قط "لأن المراد" ما كشف كنف أنثى حراما فلا ينافى أنه كان يكشف كنف زوجته (قوله فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك) يعنى أننا جماعة تتثاقل رءوسنا من كثرة النوم فلا نستيقظ إلا بعد الشمس "ولم يلمه" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ذلك "لأن غلبة" النوم عليه صارت كالطبيعة يعجز عن دفعها. فكان بمنزلة من يغمى عليه (قال) الخطابى: ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى ملكة الطبع واستيلاء العادة فصار كالشيء المعجوز عنه، وكان صاحبه فى ذلك بمنزلة من يغمى عليه فعذر فيه ولم يؤنب عليه اهـ "وما قيل" من أن المراد إنا أهل صنعة نقوم بها فى الليل فلا نستيقظ إلا بعد طلوع الشمس "فغير مسلم" إذ لو كان كذلك لالتمست زوجته له عذرا ولم تشكه لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (الفقه) دل الحديث على أنه يجوز للمرأة أن تشكو زوجها لكبير القوم إذا منعها من فعل الخير، أو رأت عليه تقصيرا فى الواجب. وعلى أن للزوج أن يمنع امرأته من صيام التطوع

стр. 3308

إذا كان يفوت حقه. قال الخطابي: فيه من الفقه أنّ منافع المتعة والعشرة من الزوجة مملوكة الزوج فى عامة الأحوال. وأنّ الزوج أن أن يضربها ضربًا غير مبرح إذا امتنعت عليه من إيفاء الحق وإجمال العشرة. وفيه دليل على أنها لو أحرمت بالحج كان له منعها لأنّ حقه عليها معجل، وحق الحج متراخ. وإلى هذا ذهب عطاء ابن أبى رباح. ولم يختلف العلماء فى أنّ له منعها من حج التطوّع اهـ وفيه دليل على حسن ملاطفته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ورفقه بأمّته، فينبغى لمن يكون واليا على قوم أو رئيسا عليهم أن يقتدى به. وعلى أن الإنسان مخاطب بالصلاة ولو خرج وقتها. (والحديث) أخرجه أيضا أحمد وابن ماجه والبيهقى بلفظ المصنف. وأخرجه أيضا بلفظ: جاءت امرأة صفوان بن معطل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قالت إن صفوان يفطرني إذا صمت. ويضربنى إذا صليت. ولا يصلى الغداة حتى تطلع الشمس فأرسل إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: ما تقول هذه؟ قال: أما قولها يفطرني فإنى رجل شاب وقد نهيتها أن تصوم. قال فيومئذ نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن تصوم المرأة إلا بإذن زوجها وأما قولها إنى أضربها على الصلاة فإنها تقرأ بسورتى فتعطلنى قال: لو قرأها الناس ما ضرك. وأما قولها لا أصلى حتى تطلع الشمس فإنى ثقيل الرأس وأنا من أهل بيت يعرفون بذاك ثقل الرءوس. قال: فإذا قمت فصل (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَمَّادٌ يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ أَوْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِى الْمُتَوَكِّلِ. (ش) أى روى حديث أبى سعيد فى قصة صفوان بن المعطل حماد بن سلمة عن حميد الطويل أو عن ثابت البنانى عن أبى المتوكل "على بن داود الناجي" (وغرضه) بهذا تقوية الحديث حيث لم ينفرد به أبو صالح عن أبى سعيد بل تابعه أبو المتوكل. ولم نقف على من وصل هذا التعليق باب فى الصائم يدعى إلى وليمة أى أيجوز له الفطر أم لا؟ وفى نسخة يدعى إلى الوليمة وفى أخرى حذف لفظ باب (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ نَا أَبُو خَالِدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ, فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ, وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ. قَالَ هِشَامٌ: وَالصَّلاَةُ الدُّعَاءُ. (ش) (أبو خالد) الأحمر سليمان بن حيان "بالمثناة". و (هشام) بن حسان و (ابن سيرين) محمد (قوله إذا دعى أحدكم فليجب) أى فليجب دعوة الداعى له سواء أكانت وليمة

стр. 3309

عرس أم غيرها. فالأمر فيه للوجوب مطلقا. وبه قال بعض الشافعية، ونقله ابن عبد البر عن عبيد الله بن الحسن العنبرى. وذهب ابن حزم إلى انه قول جمهور الصحابة والتابعين. ويدل لهم أيضا البخارى ومسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها. ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. وفى رواية لهما عن أبى هريرة موقوفا: شر الطعام طعام الوليمة. تدعى لها الأغنياء وتترك الفقراء. ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. فإن العصيان لا يكون إلا لترك واجب (وذهبت) المالكية والحنابلة وجمهور الشافعية إلى وجوب الإجابة فى وليمة العرس واستحبابها فى غيرها (وذهبت) الحنفية إلى أن الإجابة إلى وليمة العرس سنة مؤكدة قريبة من الواجب لما رواه الشيخان عن ابن عمر مرفوعا: إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليأتها (قال ابن عابدين) وفى الاختيار وليمة العرس سنة قديمة إن لم يجبها أثم، لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" فإن كان صائما أجاب ودعا، وإن لم يكن صائما أكل ودعا، وإن لم يأكل ولم يجب أثم وجفا، لأنه استهزاء بالضيف. وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لو دعيت إلى كراع لأجبت. ومقتضاه أنها سنة مؤكدة بخلاف غيرها. وصرح شراح الهداية بأنها قريبة من الواجب اهـ كلام ابن عابدين. ونقل عن الينابيع لو دعى إلى دعوة، فالواجب الإجابة إن لم يكن هنالك معصية ولا بدعة، والامتناع أسلم فى زماننا إلا إذا علم يقينا أن لا بدعة ولا معصية اهـ وقد أشار بهذا إلى بعض الأعذار التى تبيح التخلف عن الإجابة. ومنها بعد محل المدعو بحيث يشق عليه الذهاب إلى مكان الداعي فلا يطالب بالإجابة (قوله فإن كان مفطرا فليطعم الخ) بفتح العين المهملة مضارع طعم من باب علم، أى فليأكل من الوليمة. والأمر للندب وإن كان صائما فليدع لرب الوليمة كما ذكره هشام. أو أن المراد فليصل ركعتين. ولا مانع من الجمع بين الصلاة والدعاء كما فعل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى بيت أم سليم، فقد روى البخارى عن أنس قال: دخل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على أم سليم فأتته بتمر وسمن فقال: أعيدوا سمنكم فى سقائه وتمركم فى وعائه، فإنى صائم ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة, فدعا لأم سليم وأهل بيتها (والحديث) أخرجه أيضا مسلم والنسائى. وكذا الترمذى من طريق أيوب عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان صائما فليصل يعنى الدعاء. وقال حسن صحيح (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ أَيْضًا

стр. 3310

(ش) أى روى هذا الحديث حفص بن غياث عن هشام بن حسان كما رواه عنه أبو خالد والغرض منه تقوية الحديث. ولم نقف على من وصل هذا التعليق باب ما يقول الصائم إذا دعى إلى تناول الطعام وفى نسخة إسقاط لفظ باب. وفى أخرى إسقاط هذه الترجمة (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إِنِّى صَائِمٌ. (ش) (سفيان) بن عيينة و (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان. و (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (قوله فليقل إنى صائم) أى يعتذر للداعي له بقوله إنى صائم، وإن كان يستحب إخفاء النوافل لئلا يؤدى امتناعه إلى العداوة والبغضاء. فإن سامحه الداعى سقط عنه الحضور وإلا لزمه، لأن الصوم ليس عذرا فى التأخر عن إجابة الدعوة. وإذا حضر فلا يلزمه الأكل إلا إذا كان الداعي يتأذى بامتناعه فيأكل (الفقه) دل الحديث على أنه لا بأس بإظهار نوافل الصوم إذا دعت الحاجة إليه. وعلى الإرشاد إلى حسن المعاشرة وتأليف القلوب وحسن الاعتذار عند سببه (والحديث) أخرجه أيضا مسلم والدارمي والنسائى وابن ماجه والترمذى وقال حسن صحيح باب الاعتكاف وفى نسخة إسقاط لفظ باب. ومناسبته للصوم من حيث أن الصوم شرط من شروط الاعتكاف الواجب اتفاقا وكذا فى غيره على الأصح كما يأتى وأن الاعتكاف مؤكد فى العشر الأواخر من رمضان وهو فى اللغة اللبث والحبس على الشيء سواء أكان خيرا كقوله تعالى ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ أى الملازم للمسجد الحرام والطارئ عليه، أم كان شرا كقوله تعالى ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ أى يلازمون عبادتها. وفى عرف الشرع المكث فى مسجد جماعة "وهو ما له إمام ومؤذن ولو لم تصل فيه الخمس" مع النية فاللبث ركن والنية شرط. وكذا المسجد لحديث ابن عباس أن أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع، وإن من البدع الاعتكاف فى المساجد التي فى الدور. رواه البيهقى. وقال على الاعتكاف إلا فى مسجد جماعة رواه عبد الرزاق وابن أبى شيبة. وهذا فى حق الرجل. أما المرأة فتعتكف فى مسجد بيتها. ويكره اعتكافها فى مسجد جماعة

стр. 3311

(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. (ش) (عقيل) بالتصغير ابن خالد (وفى الحديث) دليل على مشروعية الاعتكاف ولا سيما فى العشر الأواخر من رمضان. وقد اتفق العلماء على ذلك. واختلفوا فى حكمه: فقال مالك وأصحابه إنه مستحب من نوافل الخير. وقيل سنة. وقال ابن عبد السلام: مقتضى الأحاديث أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم داوم على فعله، فيكون سنة وهو وجيه (وقال) ابن العربى إنه سنة مؤكدة وعند الحنفية ثلاثة أقسام "الأول" سنة مؤكدة "فى العشر الأواخر من رمضان" لحديث الباب "الثاني" واجب بالنذر المطلق كقوله لله علىّ أن أعتكف كذا، أو المعلق كقوله إن شفى الله فلانا لأعتكفن كذا، لحديث ابن عمر رضى الله عنهما أنّ عمر نذر فى الجاهلية أن يعتكف يوما فى المسجد الحرام فسأل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فقال أوف بنذرك. رواه الشيخان. والصوم شرط فيه دون غيره على المذهب، حتى لو قال لله علىّ نذر أن أعتكف يوما بلا صوم لزماه "الثالث" مستحب فى غير ذلك للإجماع. وقال الشافعى وأحمد إنه سنة لمواظبته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليه. وعن أحمد لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أنه مسنون. وعن أبى المنذر نجوه. ومحل هذا الخلاف فى غير المنذور. أما المنذور فاتفقوا على وجوبه. واختلف فى أقل زمن الاعتكاف. فقال مالك أقله يوم وليلة وهو مشهور المذهب. وقيل ثلاثة أيام. وقال ابن القاسم عنه أقله عشرة. وعند البغداديين من أصحابه أن العشرة مستحب وأن أقله يوم وليلة (وقال) الشافعى وأصحابه: أقله لحظة وهو قول داود الظاهرى والمشهور عن أحمد. والمستحب ألا ينقص عن يوم خروجا من خلاف من أوجبه (وقالت) الحنفية أقل النفل منه ساعة على المفتى به. وقيل يوم. وأقل الواجب يوم لاشتراط الصوم فيه. وقال عطاء بن أبى رباح: إذا جلس الشخص فى المسجد يقصد الخير فهو معتكف ما دام فيه. وهو قول يعلى من أمية. وقال سويد بن غفلة من جلس فى المسجد وهو طاهر فهو عاكف فيه ما لم يحدث. قال ابن حزم: يعلى صحابى. وسويد من كبار التابعين أفتى أيام عمر بن الخطاب. ولا يعرف ليعلى فى هذا مخالف من الصحابة اهـ (قوله حتى قبضه الله الخ) فيه دليل على أن الاعتكاف لم ينسخ وأن النساء فيه كالرجال غير أنهن يعتكفن فى مساجد بيوتهن على ما يأتى بيانه (والحديث) أخرجه أيضا البخارى مسلم والترمذي والنسائي والدارقطنى وكذا البيهقى من طريق أبى معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله

стр. 3312

صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ أَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا, فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةً. (ش) (حماد) بن سلمة. و (ثابت) البنانى. و (أبو رافع) نفيع بن رافع (قوله فلم يعتكف عاما) لأنه كان مسافرا كما فى رواية النسائى وابن ماجه والبيهقى عن أبى بن كعب قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عاما فلم يعتكف، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يوما. ويحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تركه حين أراد أزواجه الاعتكاف معه فى المسجد كما فى الحديث بعد (قوله اعتكف عشرين ليلة) أى من رمضان: عشرة قضاء عما فاته فى الماضى، وعشرة عن الحاضر. وهذا إما لأن الاعتكاف كان واجبا عليه بخصوصه، أو لتأكد سنيته (ويؤخذ منه) أن من اعتاد الاعتكاف أياما ثم لم يمكنه أداؤه فيها فله قضاؤه. قال الترمذى: واختلف أهل العلم فى المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى فقال بعض أهل العلم إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء. واحتجوا بالحديث أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج من اعتكافه فاعتكف عشرا من شوال وهو قول مالك, وقال بعضهم إن لم يكن عليه نذر اعتكاف أو شيء أوجبه على نفسه وكان متطوعا فخرج؛ فليس عليه شيء يقضى إلا أن يحب ذلك اختيارا منه ولا يجب ذلك عليه وهو قول الشافعى. قال الشافعى: كل عمل لك ألا تدخل فيه، فإذا دخلت فيه فخرجت منه فليس عليك أن تقضى إلا الحج والعمرة اهـ ومذهب الحنفية فى هذا كمذهب مالك (قال) الخطابى: فيه أنّ النوافل المعتادة تقضى إذا فاتت. وفيه دليل لمن أجاز الاعتكاف بغير صوم ينشئه له لأنّ صومه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى رمضان إنما كان للشهر (وقد اختلف) فى هذا. فقال الحسن البصرى: إن اعتكف من غير صوم أجزأه، وإليه ذهب الشافعي وروى عن علىّ وابن مسعود. وقال الأوزاعي ومالك لا اعتكاف إلا بصوم، وروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة. وهو قول ابن المسيب وعروة وابن الزبير والزهرى اهـ بتصرف وتقدّم أن الصوم شرط فى الاعتكاف الواجب دون غيره فى ظاهر الرواية عند الحنفية. وعن الحسن بن زياد أنه شرط للاعتكاف مطلقا؛ لحديث عائشة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: لا اعتكاف إلا بصوم. رواه الدارقطني والبيهقى. وذكر فى فتح القدير عدة أدلة ثم

стр. 3313

قال فهذه تؤيد إطلاق اشتراط الصوم اهـ (والحديث) أخرجه أيضا النسائى وابن ماجه والبيهقي. وأخرجه الترمذى عن أنس وقال: حديث حسن غريب صحيح اهـ وصححه ابن حبان والحاكم (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. قَالَتْ وَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَعْتَكِفَ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. قَالَتْ فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِى فَضُرِبَ. قَالَتْ وَأَمَرَ غَيْرِى مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ. فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إِلَى الأَبْنِيَةِ فَقَالَ مَاهَذِهِ؟ آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟ قَالَتْ فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ. وَأَمَرَ أَزْوَاجُهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقُوِّضَتْ ثُمَّ أَخَّرَ الاِعْتِكَافَ إِلَى الْعَشْرِ الأُوَلِ يَعْنِى مِنْ شَوَّالٍ. (ش) (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير. و (عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية (قوله إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه) أى المكان الذي يريد المكث فيه للعبادة. وهو يدل على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح (واختلف) العلماء فيمن نوى اعتكاف يوم وليلة أو أكثر متى يدخل معتكفه (فذهب) الأوزاعى والثورى والليث بن سعد إلى أنه يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح (وقال) جماعة منهم الأئمة الأربعة: يدخل معتكفه قبل غروب الشمس، لما رواه البخارى ومسلم عن أبى سعيد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهى الليلة التى يخرج فى صبيحتها من اعتكافه قال: من كان معى فليعتكف العشر الأواخر. قالوا فإن العشر بدون هاء عدد الليالى قل تعالى ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ وأوّل الليالى العشر ليلة إحدى وعشرين (وأجابوا) عن حديث الباب بأنه صلى الله تعلى عليه وعلى آله وسلم دخل المسجد أول الليل، ولكنه لم يخل بنفسه فى المكان الذي أعده للاعتكاف إلا بعد صلاة الصبح. إنما لم يدخله ليلا لأن الدخول فيه للخلوة. والليل وقت خلوة بنفسه فلم يحتج فيه إلى الخلوة (وأجاب) القاضى أبو يعلى من الحنابلة بحمل الحديث على أنه كان يفعل ذلك فى العشرين ليعتكف بعض يوم قبل العشر. وعليه يلزم أن تكون السنة فى

стр. 3314

الشروع في الاعتكاف من صبح العشرين استظهارا باليوم الأول، ولا مانع منه، وكلام الجمهور لا ينافيه، فإنهم ما تعرضوا له إثباتا ولا نفيا (وهذا) فى غير المنذور. أما المنذور فقال أبو حنيفة ومالك والشافعى: يدخل قبل غروب الشمس إذا نذر اعتكاف شهر مثلا. وبه قال مالك فيمن نذر يوما أيضا (وقال) الشافعى يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب شمسه. وفرق أبو ثور بين نذر الليالى والأيام. فقال إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام دخل قبل طلوع الفجر. وإذا نذر عشر ليال دخل قبل غروب الشمس. قال ابن رشد فى البداية: السبب فى اختلافهم معارضة الأقيسة بعضها بعضا ومعارضة الأثر لجميعها. وذلك أن من رأى أن أول الشهر ليلة واعتبر الليالى قال: يدخل قبل مغيب الشمس. ومن لم يعتبر الليالى قال يدخل قبل الفجر. ومن رأى أن اسم اليوم يقع على الليل والنهار معا أوجب إن نذر يوما أن يدخل قبل غروب الشمس. ومن رأى أنه إنما ينطلق على النهار أوجب الدخول قبل طلوع الفجر. ومن رأى أن اسم اليوم خاص بالنهار واسم الليل بالليل فرق بين أن ينذر أياما أو ليالى (والحق) أن اسم اليوم فى كلام الغرب قد يقال على النهار مفردا وقد يقال على الليل والنهار معا، لكن يشبه أن يكون دلالته الأولى إنما على النهار ودلالته على الليل بطريق اللزوم (وأما الأثر) المخالف لهذه الأقيسة كلها فهو ما أخرجه البخارى وغيره من أهل الصحيح عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعتكف فى رمضان، وإذا صلى الغداة دخل مكانه الذى كان يعتكف فيه (وأما وقت خروجه) فعند مالك يستحب لمعتكف العشر الأواخر من رمضان البقاء فى المسجد حتى يخرج منه إلى صلاة العيد وإن خرج بعد غروب الشمس أجزأه (وقال أبو حنيفة والشافعى) يخرج بعد غروب الشمس. وقال سحنون وابن الماجشون إن رجع إلى بيته قبل صلاة العيد فسد اعتكافه (وسبب) الاختلاف هل الليلة الباقية هى من حكم العشر أم لا اهـ بتصرف (قوله فأمر ببنائه فضرب) أى أمر بخيمته التى يعتكف فيها فنصبت له، وفى رواية البخارى فكنت أضرب له خباء (قوله أمرت ببنائى فضرب) أى بعد أن استأذنت النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأذن لها. ففى رواية للبخارى فاستأذنت عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت قبة، فسمعت بها حفصة فضربت قبة، وفى رواية للنسائى ثم استأذنته حفصة فأذن لها، وفى رواية للبخارى وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت ولا تنافى بينهما لحمل قوله فى رواية النسائى ثم استأذنته حفصة على معنى استأذنته بواسطة عائشة (قوله وأمر غيرى من أزواج النبى ببنائها) أى بقبتها، وفى نسخة ببنائه بالتذكير باعتبار أن المرجع لفظ غيرى. والمراد بالغير حفصة وزينب كما فى رواية للبخارى من طريق محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: كان رسول الله صىل الله، تعالى عليه وعلى آله وسلم يعتكف فى كل رمضان فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذى اعتكف فيه فاستأذنته

стр. 3315

عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت فيه "أى فى المسجد" قبة، فسمعت بها حفصة فضربت قبة، وسمعت زينب بها فضربت قبة أخرى الخ (قوله آلبر تردن) بهمزة الاستفهام الإنكارى ممدودة بمعنى النفى، ونصب البر على أنه مفعول تردن مقدم، أى لا تردن البر بهذا. بخطاب جمع المؤنث. وفى لفظ مسلم آلبرّ يردن بصيغة الغيبة. وفى رواية البخارى "آلبر ترون بهنّ" أى تظنون الخير بهنّ. وهو خطاب للحاضرين من الرجال (قوله فأمر ببنائه فقوض الخ) بالبناء للمجهول أى هدم وأزيل. وكذا أمر أزواجه ببنائهنّ فهدم. ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك خشية أن يكون الحامل لهن على الاعتكاف المباهاة والتنافس الناشئ عن الغيرة حرصا على القرب منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خاصة، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه. أو لأنه يضيق المسجد عن المصلين بسبب كثرة القباب فيه. وأمر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بهدم بنائه ولم يقتصر على هدم بناء أزواجه، لأن ذلك أدعى إلى امتثالهنّ، (وصرح) فى هذه الرواية بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخر الاعتكف إلى العشر الأول من شوال. وفى رواية للبخارى من طريق محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة "فلم يعتكف فى رمضان حتى اعتكف فى آخر العشر من شوال" (ولا منافاة) بينهما لأن المراد بقوله فى رواية البخارى "حتى اعتكف فى آخر العشر من شوال" أنه جعل نهاية اعتكافه آخر العشر الأول من شوال، فيكون قد اعتكف من أولها، أو أن لفظ آخر وقع غلطا من النساخ. والأصل حتى اعتكف فى العشر من شوال، وهى مطلقة، فتحمل على العشر الأول التىى صرح بها فى رواية المصنف (الفقه) دل الحديث على أن أول وقت الاعتكاف بعد صلاة الصبح وتقدم بيانه، وعلى جواز ضرب الأخبية فى المسجد. وعلى جواز اعتكاف النساء فى المساجد. وعلى أنه ليس للمرأة أن تعتكف إلا بإذن زوجها. وعلى أنها إذا اعتكفت ولو بإذنه كان لزوجها أن يمنعها وإليه ذهب الجمهور وقال مالك ليس له ذلك بعد الإذن. وعلى جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه إذا كان لمصلحة. ولكنه يقضى وجوبا عند مالك، قال فى الموطإ سئل مالك عن رجل دخل المسجد لعكوف فى العشر الأواخر من رمضان فأقام يوما أو يومين ثم مرض فخرج من المسجد أيجب عليه أن يعتكف ما بقى من العشر إذا صح أم لا يجب ذلك عليه؟ وفى أى شهر يعتكف إن وجب ذلك عليه؟ فقال مالك يقضى ما وجب عليه من عكوف بنذر أو دخول إذا صح فى رمضان وغيره اهـ وقال أبو حنيفة والشافعى وأحمد: إن كان الاعتكاف واجبا لزم قضاؤه وإلا فلا، لأنّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يأمر أزواجه بالقضاء. وقضاؤه صلى الله تعالى وعلى آله وسلم لهذا الاعتكاف لم يكن لوجوبه عليه، وإنما لأنه كان إذا عمل عملا أثبته، وكان فعله لقضائه كفعله لأدائه على سبيل التطوع

стр. 3316

لا على سبيل الإيجاب كما قضى السنة التى فاتته بعد الظهر. وتركه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للاعتكاف دليل على عدم وجوبه. وقضاؤه له لا يدل على الوجوب لأن قضاء السنن مشروع (قال) الخطابى: وفيه كالدلالة على أن اعتكاف المرأة فى بيتها جائز. وحكى عن أبى حنيفة فأما الرجل فلم يختلفوا أن اعتكافه فى بيته غير جائز. وإنما شرع الاعتكاف فى المساجد اهـ ويأتى تمامه فى الباب الآتى (والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم وابن ماجه والنسائى وكذا البيهقى بسنده إلى عمرة عن عائشة قالت: كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه. وإنه أمر بخبائه فضرب. أراد الاعتكاف فى العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب رضى الله عنها بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بخبائه فضرب. فلما صلى الفجر نظر فإذا الأخبية. فقال آلبر يردن فأمر بخبائه فقوض. ثم ترك الاعتكاف فى شهر رمضان حتى اعتكف فى العشر الأول من شوال (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالأَوْزَاعِىُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوَهُ (ش) أى روى الحديث المذكور محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن عمر والأوزاعي عن يحيى ابن سعيد بذكر العشر كما رواه عنه أبو معاوية ويعلى بن عبيد. والغرض منه تقوية رواية العشر (ص) وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: اعْتَكَفَ عِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ. (ش) ذكر العشرين فى هذه الرواية مخالف لما رواه البخارى عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة أنّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذى أراد أن يعتكف إذا أخبية: خباء عائشة وخباء حفصة وخباء زينب، فقال: آلبر تقولون بهن؟ ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شول. ومخالف أيضا لما فى الموطإ عن زياد عن مالك عن ابن شهاب عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة بلفظ "فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال" وهو هكذا فى أكثر الروايات عن عمرة عن عائشة وسقط قوله عن عائشة فى رواية. قال الترمذى: رواه غير واحد عن مالك عن يحيى مرسلا. وقال ابن عبد البر فى التمهيد: رواة الموطإ اختلفوا فى قطعه وإسناده. فمنهم من يرويه عن مالك عن يحيى ابن سعيد لا يذكر غيره. ومنهم من يرويه عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة. وخالفهم يحيى بن يحيى فرواه عن مالك عن ابن شهاب عن عمرة وهو غلط وخطأ مفرط لم يتابعه أحد على ذلك، ولا يعرف هذا الحديث لابن شهاب لا من حديث مالك ولا غيره من أصحاب ابن شهاب بل هو من حديث يحيى بن سعيد اهـ (هذا) ولم نقف على رواية مالك عن يحيى بن سعيد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اعتكف يوما من شوال لغير أبى داود

стр. 3317

باب أين يكون الاعتكاف ؟ أى فى أى مكان يكون الاعتكاف (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ نَافِعٌ: وَقَدْ أَرَانِى عَبْدُ اللَّهِ الْمَكَانَ الَّذِى يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَسْجِدِ. (ش) (ابن وهب) عبد الله. و (يونس) بن يزيد (قوله وقد أرانى عبد الله المكان الخ) بينه ابن ماجه فى رواية له عن ابن عمر أيضا أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا اعتكف، طرح له فراشه ويوضع له سريره وراء أسطوانة التوبة. وفى رواية للبيهقى بسند حسن أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا اعتكف يطرح له فراشه أو سريره إلى اسطوانة التوبة مما يلى القبلة يستند إليها (وفى الحديث) أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعتكف فى المسجد ولم يثبت أنه اعتكف فى غيره. ومن هذا اتفق العلماء على أنه يشترط المسجد فى الاعتكاف إلا ما حكى عن محمد بن عمر بن لبابة المالكى من أن الاعتكاف يصح فى كل مكان. واستدلوا على اشتراط المسجد أيضا بقوله تعالى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وجه الدلالة أنه لو صح الاعتكاف فى غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة حال التلبس به بالمسجد لأن الجماع مناف للاعتكاف ومحرم فيه مطلقا بالإجماع، فلو لم يكن المراد من الآية أن الاعتكاف لا يكون إلا فى المساجد لم يكن لذكرها وجه. والمراد بالمباشرة فى الآية الجماع دون غيره من معانى المباشرة كما رواه الطبرى عن ابن عباس وعطاء والضحاك وقتادة وغيرهم قال: حدثنا بشر ابن معاذ ثنا يزيد ثنا سعيد عن قتادة فى قوله تعالى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قال كان الرجل إذا خرج من المسجد وهو معتكف ولقى امرأته باشرها إن شاء، فنهاهم الله عن ذلك وأخبرهم أن ذلك لا يصلح حتى يقضى اعتكافه اهـ (قال النووى) بعد ذكر أحاديث الاعتكاف: وفى هذه الأحاديث أن الاعتكاف لا يصح إلا فى المسجد، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأزواجه وأصحابه إنما اعتكفوا فى المسجد مع المشقة فى ملازمته، فلو جاز فى البيت لفعلوه ولو مرة ولا سيما النساء لأن حاجتهن إليه فى البيوت أكثر اهـ. واختلفوا فى المسجد الذى يصح في الاعتكاف فقال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور لا يكون إلا فى مسجد تقام فيه الجماعة، لأن الجماعة واجبة عند

стр. 3318

أحمد وسنة عند أبى حنيفة. ولو اعتكف فى المسجد لا تقام فيه جماعة, لأدى إما إلى ترك الجماعة الواجبة أو المسنونة على سبيل التأكيد, وإما إلى خروجه إلى الجماعة كثيرا وذلك مناف للاعتكاف واستدلوا بما رواه الطبرانى عن إبراهيم النخعى أن حذيفة قال لابن مسعود: ألا تعجب من قوم بين دارك ودار أبى موسى يزعمون أنهم عكوف؟ فقال ابن مسعود فلعلهم أصابوا وأخطأت أو حفظوا ونسيت. فقال حذيفة: أما أنا فقد علمت أنه لا اعتكاف إلا فى مسجد جماعة. وروى ابن أبى شيبة وعبد الرزاق فى مصنفيهما عن على: لا اعتكاف إلا فى مسجد جماعة. وروى عن أبى حنيفة أنه لا يجوز الاعتكاف إلا فى مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس. وعن أبى يوسف أن الاعتكاف الواجب لا يجوز فى غير مسجد جماعة. وأما غير الواجب فيجوز فى المسجد وفى غيره. وقال مالك يصح الاعتكاف فى كل مسجد مباح لعموم الناس إلا إن نوى أياما فيها الجمعة فيجب أن يكون فى مسجد تقام فيه الجمعة. فلا يصح الاعتكاف فى مساجد البيوت. وقالت الشافعية لا يجوز الاعتكاف إلا فى المسجد. والأفضل أن يكون فى المسجد الجامع. وقال ابن حزم يجوز فى كل مسجد جمعت فيه الجمعة أو لم تجمع سواء كان مسقفا أو مكشوفا, فإن كان لا يصلى فيه جماعة ولا له إمام لزمه الخروج لكل صلاة إلى مسجد يصلى فيه جماعة إلا أن يبعد منه بعدا يكون عليه فيه حرج فلا يلزمه اهـ وقال الزهرى والحكم لا يصح الاعتكاف إلا فى المسجد الجامع: وحكى ابن المنذر عن حذيفة أنه لا يصح الاعتكاف إلا فى أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوى والمسجد الأقصى. وعن عطاء أنه لا يكون إلا فى مسجد مكة والمدينة. وعن ابن المسيب لا اعتكاف إلا فى مسجده صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا تخصيص بلا مخصص. وعن الشعبى أن الرجل يعتكف فى مسجد بيته "وما ذهب" إليه ابن حزم من تعميم المساجد "هو الظاهر" لعموم قوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وهذا كله فى حق الرجل, وأمّا المرأة فقال مالك والشافعى وأحمد لا تعتكف إلا فى مسجد مباح لعموم الناس, وليس لها أن تعتكف فى مسجد بيتها. وبه قال ابن حزم. وعن أبى حنيفة إن اعتكفت فى مسجد الجماعة جاز واعتكافها فى مسجد بيتها أفضل. قال فى الكفاية وهو الصحيح, لأن مسجد الجماعة يدخل فيه كل أحد وهى طول النهار لا تقدر أن تكون مستترة ويخاف عليها الفتنة من الفسقة اهـ لكن إذا خيف عليها الفتنة امتنع اعتكافها فى المسجد المباح للناس اتفاقا. ومسجد بيتها المكان المهيأ لصلاتها فيه (فائدة) قال ابن قدامة الحنبلى فى المغنى ويجوز للمعتكف صعود سطح المسجد لأنه من جملته, ولهذا يمنع الجنب من اللبث فيه. وهذا قول أبى حنيفة ومالك والشافعى ولا نعلم فيه مخالفا. ويجوز أن يبيت فيه. وظاهر كلام الخرقى أن رحبة المسجد ليست منه, وليس للمعتكف الخروج إليها, لقوله فى الحائض يضرب لها خباء فى الرحبة والحائض ممنوعة من المسجد. وقد روى عن أحمد ما يدل على هذا, وروى عنه المروزى أن المعتكف

стр. 3319

يخرج إلى رحبة المسجد وهى من المسجد. وقال القاضى إن كان عليها حائط وباب فهى كالمسجد لأنها منه وتابعة له. وإن لم تكن محوطة لم يثبت لها حكم المسجد. فكأنه جمع بين الروايتين وحملهما على اختلاف الحالين. فإن خرج إلى منارة خارج المسجد للأذان بطل اعتكافه. قال أبو الخطاب ويحتمل ألا يبطل لأن منارة المسجد كالمتصلة به اهـ وقال النووى فى شرح المهذب: قد ذكرنا أنّ المنارة التى فى رحبة المسجد يجوز للمؤذن وغيره صعودها ولا يبطل الاعتكاف بذلك. نص عليه الشافعى واتفق الأصحاب عليه. ومن المهم بيان حقيقة هذه الرحبة. قال صاحب الشامل والبيان: المراد بالرحبة ما كان مضافا إلى المسجد محجرا عليه. قالوا والرحبة من المسجد. قال صاحب البيان وغيره: وقد نص الشافعى على صحة الاعتكاف فى الرحبة. قال القاضى أبو الطيب فى المجرد قال الشافعى: يصح الاعتكاف فى رحاب المسجد لأنها من المسجد. وقال المحاملى فى المجموع: للمنارة أربعة أحوال (إحداها) أن تكون مبنية داخل المسجد فيستحب الأذان فيها لأنه طاعة (الثانية) أن تكون خارج المسجد إلا أنها فى رحبة المسجد, فالحكم فيها كالحكم لو كانت فى المسجد لأن رحبة المسجد من المسجد, ولو اعتكف فيها صح اعتكافه (الثالثة) أن تكون خارج المسجد وليست فى رحبته إلا أنها متصلة ببناء المسجد ولها باب إلى المسجد, فله أن يؤذن فيها لأنها متصلة بالمسجد ومن جملته (الرابعة) أن تكون خارج المسجد غير متصلة به ففيها خلاف اهـ وقال ابن قدامة فى المغنى: يستحب للمعتكف التشاغل بالصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة. ويجتنب ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال ولا يكثر الكلام لأن من كثر كلامه كثر سقطه وفى الحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش, فإن ذلك مكروه فى غير الاعتكاف ففيه أولى. ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك لأنه لما لم يبطل بمباح الكلام لم يبطل بمحظوره. ولا بأس بالكلام لحاجته ومحادثة غيره, فإن صفية زوج النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت. الحديث. وقال على رضى الله عنه: أيما رجل اعتكف فلا يسب ولا يرفث فى الحديث ويأمر أهله بالحاجة أى وهو يمشى ولا يجلس عندهم. رواه الإمام أحمد. فأما إقراء القرآن وتدريس العلم ودرسه ومناظرة الفقهاء ومجالستهم وكتابة الحديث ونحو ذلك مما يتعدى نفعه, فأكثر أصحابنا على أنه لا يستحب حال الاعتكاف وهو ظاهر كلام أحمد. وقال أبو الحسن الآمدى فى استحباب ذلك روايتان. واختار أبو الخطاب أنه مستحب إذا قصد به طاعة الله تعالى لا المباهاة. وهذا مذهب الشافعى لأن ذلك أفضل العبادات ونفعه يتعدى, فكان أولى من تركه كالصلاة. واحتج أصحابنا بأن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعتكف فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به

стр. 3320

ولأن الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد فلم يستحب فيها ذلك كالطواف. وما ذكروه يبطل بعيادة المرضى وشهود الجنازة. فعلى هذا القول فعله لهذه الأفعال أفضل من الاعتكاف. قال المروزى قلت لأبى عبد الله إن رجلا يقرئ فى المسجد وهو يريد أن يعتكف ولعله أن يختم فى كل يوم. فقال إذا فعل هذا كان لنفسه, وإذا قعد فى المسجد كان له ولغيره يقرئ أحب إلى ثم قال: وليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام. وظاهر الأخبار تحريمه. قال قيس بن مسلم دخل أبو بكر الصديق رضى الله عنه على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال ما لها لا تتكلم؟ قالوا حجت مصمتة. فقال لها تكلمى فإن هذا لا يحل, هذا من أعمال الجاهلية فتكلمت. رواه البخارى. وروى أبو داود بإسناده عن على رضى الله عنه قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال "لا صمات يوم إلى الليل" وروى عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه نهى عن صوم الصمت, فإن نذر ذلك فى اعتكافه أو غيره لم يلزمه الوفاء به. وبهذا قال الشافعى وأصحاب الرأى وابن المنذر ولا نعلم فيه مخالفا, لما روى ابن عباس قال: بينا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب إذاهو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسراءيل. نذر أن يقوم فى الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" رواه البخارى ولأنه نذر فعل منهى عنه, فلم يلزمه كنذر المباشرة فى المسجد. وإن أراد فعله لم يكن له ذلك سواء نذره أو لم ينذره. وقال أبو ثور وابن المنذر له فعله إذا كان أسلم (ولنا) النهى عنه وظاهره التحريم والأمر بالكلام ومقتضاه الوجوب, وقول أبى بكر الصديق رضى الله عنه: إن هذا لا يحل, هذا من عمل الجاهلية. وهذا صريح ولم يخالفه أحد من الصحابة فيما علمناه. واتباع ذلك أولى. ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلا من الكلام, لأنه استعمال له فى غير ماهو له, فأشبه استعمال المصحف فى التوسد ونحوه, وقد جاء "لا تناظروا بكتاب الله" قيل معناه لا تتكلم به عند الشيء تراه كأن ترى رجلا قد جاء فى وقته فتقول "وجئت على قدر يا موسى" أو نحوه ذكر أبو عبيدة نحو هذا المعنى قال ولا بأس أن يتزوج فى المسجد ويشهد النكاح. وإنما كان كذلك لأن الاعتكاف عبادة لا تحرم الطيب, فلم تحرم النكاح كالصوم, ولأن النكاح طاعة وحضوره قربة ومدته لا تتطاول فيتشاغل به عن الاعتكاف, فلم يكره فيه كتشميت العاطس ورد السلام. ولا بأس أن يتنظف بأنواع التنظف لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يرجل رأسه وهو معتكف؛ وله أن يتطيب ويلبس الرفيع من الثياب وليس ذلك بمستحب اهـ (والحديث) أخرجه أيضا مسلم وابن ماجه والبيهقى بزيادة نافع. وأخرجه البخارى بدونها

стр. 3321

(ص) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ عَنْ أَبِى بَكْرٍ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ كُلَّ رَمَضَانَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِى قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا. (ش) مناسبته للترجمة باعتبار ما علم من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما كان يعتكف إلا فى المسجد. وإلا فهو غير مناسب للترجمة, ولذا ذكره البيهقى تحت "باب الاعتكاف" وذكره البخارى فى "باب الاعتكاف العشر الأوسط من رمضان" (هناد) بن السرى. و (أبو بكر) ابن عياش. و (أبو حصين) بفتح الحاء المهملة عثمان بن عاصم. و (أبو صالح) ذكوان السمان (قوله فلما كان العام الذى قبض فيه اعتكف عشرين يوما) لعل السبب أن جبريل كان يدارسه القرآن فى كل عام مرة, وفى العام الذى قبض فيه دارسه مرتين, أو لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم انقضاء حياته, فأراد أن يستكثر من الخير تعليما للأمة فيجتهدون فى العمل إذا بلغوا أقصى العمر ليلقوا الله على خير أحوالهم. وقال ابن العربى: يحتمل أن يكون سبب ذلك أنه لما ترك الاعتكاف فى العشر الأخير من رمضان بسبب ما وقع من أزواجه واعتكف بدله عشرا من شوال اعتكف فى العام الذى يليه عشرين ليتحقق قضاء العشر فى رمضان اهـ. ويحتمل أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم سافر عاما فلم يعتكف فاعتكف فى العام الذى يليه, لما أخرجه النسائى وابن حبان وصححه من حديث أبى بن كعب أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاما فلم يعتكف, فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين (والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والدارمى والبيهقى باب المعتكف يدخل البيت لحاجته وفى نسخة يدخل البيت للحاجة (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِى إِلَىَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ, وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ.

стр. 3322

(ش) (عروة) بن الزبير (قوله يدنى إلى رأسه) أى يخرج رأسه من المسجد ويقربه إلىّ لأرجله وأسرحه, ففى رواية ابن ماجه كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدنى إلىّ رأسه وهو مجاور فأغسله وأرجله وأنا فى حجرتى وأنا حائض وهو فى المسجد (قوله إلا لحاجة الإنسان) تعنى البول والغائط كما فسره الزهرى بهما. والإجماع على استثنائهما. ويلحق بهما القئ والحجامة إن احتاج إليها. واختلف فى الخروج للطعام والشراب فذهبت المالكية إلى أنه لا يخرج من المسجد لتعاطى شيء منهما. ويجوز له الخروج لشرائهما إن احتاج. قالوا ولا يقف مع أحد بعد قضاء حاجته فإن فعل بطل اعتكافه. ويكره له أن يعتكف غير مستوف لما يحتاج إليه. وبهذا قالت الحنابلة قالوا: ويضع سفرة يسقط عليها ما يقع منه لئلا يلوث المسجد ويغسل يده فى الطست ليفرغ خارج المسجد. ولا يجوز أن يخرج لغسل يده, لأن ذلك ميسور له فى المسجد. ولا يكره تجديد الطهارة فيه, فقد قال أبو العالية حدثنى من كان يخدم النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أنا حفظت لكم منه أنه كان يتوضأ فى المسجد. وعن ابن عمر أنه قال كان يتوضأ فى المسجد الحرام على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجال والنساء. وعن ابن سيرين كان أبو بكر وعمر والخلفاء يتوضئون فى المسجد. وروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وطاوس وابن جريج. وفى رواية عن أحمد يكره تجديد الوضوء فى المسجد لأنه لا يسلم من أن يبصق أو يتمخط فيه. والبصاق فى المسجد خطيئة. أما إذا كان الوضوء عن حدث لم يبطل الاعتكاف بالخروج إليه سواء أكان فى وقت الصلاة أم قبلها اهـ من المغنى. وقالت الحنفية يحرم على المعتكف اعتكافا واجبا أو مؤكدا الخروج من معتكفه ليلا أو نهارا إلا لحاجة شرعية أو طبيعية أو ضرورية. فالشرعية كصلاة جمعة وعيد فيخرج فى وقت يمكنه إدراكها ويصلى سنتها البعدية: أربعا عند الإمام وستا عند الصاحبين. ولو أتم اعتكافه فى مسجد الجمعة صح مع الكراهة التنزيهية لمخالفته ما التزمه بلا ضرورة. والطبيعية كالطهارة ومقدماتها والضرورية كانهدام المسجد وإخراج غارم له كرها وخوفا على نفسه أو ماله من ظالم (وأما) أكله وشربه ونومه فلا يكون إلا فى المسجد, فلو خرج لشيء منها بطل اعتكافه لأنه خروج بلا ضرورة "وما قيل" من أنه يخرج بعد الغروب للأكل "محمول" على ما إذا لم يجد من يقوم له به فحينئذ يكون الخروج لضرورة قالوا ولا بأس بأن يعقد فى المسجد أى عقد احتاج إليه حاجة أصلية كالزواج والبيع والشراء فيه من غير أن يحضر السلعة لأنه قد يحتاج إلى ذلك بأن لا يجد من يقوم بحاجته. ويكره ذلك لغير المعتكف ولو بلا إحضار السلعة, لحديث عبد الله بن عمرو أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الشراء والبيع فى المسجد وأن ينشد فيه ضالة أو ينشد فيه شعر ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة. رواه الأربعة وحسنه الترمذى. وقالت الشافعية يجوز للمعتكف

стр. 3323

أن يخرج للأكل في بيته وأن يأكل في المسجد. أما الخروج للشرب فإن وجد من يسقيه فلا يجوز له أن يخرج على أصح القولين, وإن لم يجد يخرج من غير خلاف (قال الخطابي) فيه بيان أن المعتكف لا يدخل بيته إلا لغائط أو بول, فإن دخله لغيرهما من طعام وشراب, فسد اعتكافه وقد اختلف في ذلك. فقال أبو ثور لا يخرج إلا لحاجة الوضوء الذي لا بد منه. وقال إسحاق بن راهويه لا يخرج إلا لغائط أو بول, وله أن يخرج في التطوع لعيادة مريض وشهود جنازة إن اشترطه في بدء الاعتكاف. وقال أصحاب الرأي لا يخرج إلا للجمعة والغائط والبول. ولا يخرج لعيادة مريض وشهود جنازة. وبه قال مالك والشافعي وعطاء ومجاهد. وعن على وسعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي أن يجوز الخروج لهما اهـ ملخصا ويأتي مزيد لهذا بعد (والحديث) أخرجه أيضا مالك في الموطإ ومسلم بعنعنة عروة عن عمرة. ورواه الترمذي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة وعمرة برواية ابن شهاب عنهما جميعا. وقال حديث حسن صحيح (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالاَ نَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ. (ش) (قوله نحوه) أي نحو حديث مالك عن ابن شهاب إلا أن حديث الليث فيه أن ابن شهاب روى عن عروة وعمرة جميعا (وغرضه) بسوق هذا بيان الاختلاف في سند الحديث. فرواه مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة مبينا أن شيخه عروة فقط. ورواه الليث عنه مبينا أن شيخه عروة وعمرة معا. ولا تنافي بينهما لاحتمال أنه رواه مرة عن عروة فقط ومرة عنهما معا (وحديث) الليث أخرجه مسلم وابن ماجه والبيهقي عن عائشة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قالت: إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة. وإن كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليدخل عليّ رأسه وهو في المسجد فارجله. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا. وأخرجه البخاري عن عائشة قالت: إن كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليدخل عليّ رأسه وهو في المسجد فأرجله. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ وَلَمْ يُتَابِعْ أَحَدٌ مَالِكًا عَلَى عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ (ش) أي أنّ يونس بن يزيد. روى هذا الحديث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن

стр. 3324

عائشة كما رواه الليث بن سعد عن ابن شهاب (قوله ولم يتابع أحد مالكا الخ) أى لم يوافق أحد مالكا فى قوله "عن عروة عن عمرة عن عائشة" وغرض المصنف بهذا تضعيف ما قاله مالك. لكن قال فى الفتح: وذكر البخارى أن عبيد الله بن عمر تابع مالكا. وذكر الدارقطنى أن أبا أويس رواه كذلك عن الزهرى. واتفقوا على أنّ الصواب قول الليث. وقد رواه بعضهم عن مالك فوافق الليث اهـ يعنى عن عروة وعمرة عن عائشة. ويؤيد هذا رواية الترمذى عن مالك عن ابن شهاب عن عروة وعمرة وقال: هكذا روى غير واحد عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة. والصحيح عن عروة وعمرة عن عائشة اهـ فتحصل من هذا أن ما أشار إليه المصنف من تضعيف ما قاله مالك هو الأولى، وإن تابع مالكا عبيد الله وأبو أويس (ص) وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. (ش) أى روى الحديث معمر بن راشد وزياد بن سعد وآخرون بإسقاط عمرة من السند (ورواية معمر) أخرجها البخارى والنسائى عنه عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى الله عنها أنها كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهي حائض وهو معتكف فيناولها رأسه وهي فى حجرتها. والحاصل أن المصنف ذكر للحديث طرقا ثلاثة "أحدها" طريق مالك عن ابن شهاب بزيادة عمرة بين عروة وعائشة "ثانيها" طريق يونس والليث عن الزهرى بجعل عروة وعمرة شيخين للزهرى. وهذاهو الصواب كما علمت "ثالثها" طريق معمر وزياد بن سعد عن الزهرى عن عروة عن عائشة بإسقاط عمرة (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالاَ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ مُعْتَكِفًا فِى الْمَسْجِدِ فَيُنَاوِلُنِى رَأْسَهُ مِنْ خَلَلِ الْحُجْرَةِ فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ "فَأُرَجِّلُهُ" وَأَنَا حَائِضٌ. (ش) (قوله من خلل الحجرة) الخلل بفتحتين جمعه خلال مثل جبل وجبال، الفرجة بين الشيئين. والمراد بهاهذا باب الحجرة. ففى رواية أحمد والنسائي: كان يأتيني وهو معتكف فى المسجد فيتكئ على باب حجرتى فأغسل رأسه وسائره فى المسجد (وقوله وقال مسدد فأرجله الخ) أى قال فى روايته فيناولنى رأسه من خلل الحجرة فأرجله أى أسرحه "وقوله" وأنا حائض مذكور فى كل من رواية سليمان ومسدد (وفى الحديث) دلالة على أن للمعتكف أن يلازم المسجد. وعلى أنه إذا أخرج بعض بدنه من المسجد لا يضر. وعلى أنه يجوز له أن يغسل رأسه ويسرحه.

стр. 3325

ويلحق بذلك حلق الرأس ونتف الإبط وتقليم الأظافر وتنظيف البدن. قال الخطابى: وفيه أن بدن الحائض طاهر وأن من حلف لا يدخل بيتا فأدخل رأسه فيه وسائر بدنه خارج لم يحنث اهـ (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخارى ومسلم. وأخرجه الترمذى والنسائي وابن ماجه بألفاظ متقاربة. وأخرجه البيهقي من طريق إبراهيم النخعى عن الأسود عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله صل الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فأغسله وأنا حائض (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ الْمَرْوَزِىُّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ صَفِيَّةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِى لِيَقْلِبَنِى وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِى دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا, فَقَالَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ. قَالاَ سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ. فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَيْئًا, أَوْ قَالَ شَرًّا. (ش) (عبد الرزاق) بن همام. و (معمر) بن راشد (قوله فأتيته أزوره ليلا) ظاهره أنها أتت وحدها. وفى رواية للبخارى من طريق معمر كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى المسجد وعنده أزواجه فرحن "أى انصرفن إلى بيوتهن" فقال لصفية بنت حيى لا تعجلي حتى أنصرف معك (قوله فحدّثته) وفى رواية البخارى من طريق شعيب أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تزوره فى اعتكافه فى المسجد فى العشر الأواخر من رمضان فتحدّثت عنده ساعة (قوله فانقلبت فقام معى ليقلبنى) بفتح الياء وسكون القاف، أى رجعت إلى بيتي فقام صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معى ليردنى إلى بيتي كما يشعر بذلك رواية البخارى المذكورة, وكما صرح به فى رواية عبد الرزاق من طريق مروان ابن سعيد بن المعلى أنّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان معتكفا فى المسجد فاجتمع إليه نساؤه ثم تفرّقن. فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لصفية: أقلبك إلى بيتك فذهب

стр. 3326

معها حتى أدخلها بيتها. وكان بيتها فى دار أسامة كما ذكره المصنف، أى الدار التى صارت لأسامة ابن زيد، لأنّ أسامة لم يكن له دار مستقلة وقتئذ. ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خص صفية بذلك لأنها جاءت متأخرة عن رفقتها فأخرها ليحصل لها التساوى فى مدّة جلوسهن عنده، أو لأنّ بيوت رفقتها كانت أقرب إلى المسجد من منزلها فخرج صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معها (قوله فمرّ رجلان من الأنصار) قيل هما أسيد بن حضير وعباد بن بشر. وفى رواية للبخارى من طريق سفيان بن عيينة فأبصره رجل من الأنصار. قال ابن التين ولعل سفيان وهم، لأنّ أكثر الروايات على التثنية، ويحتمل أن أحدهما كان تبعا للآخر فلم يعول عليه, أو أن الراوى شك فى الرواية فمرة قال مر رجلان وأخرى مر رجل. وعلى فرض صحة رواية الإفراد يحمل على تعدد القصة (قوله فلما رأيا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أسرعا) وفى رواية للبخارى فنظرا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم أجازا "أى مضيا فى طريقهما". وفى رواية لابن حبان فلما رأياه استحييا فرجعا (قوله على رسلكما) بكسر الراء وفتحها أى امشيا على هيئتكما التي كنتما عليها ولا تسرعا (قوله قالا سبحان الله يا رسول الله) أى تنزيها لله تعالى عن أن يكون رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متهما بما لا ينبغى، أو هو كناية عن التعجب من قوله صلى الله تعالى على وعلى آله وسلم لهما إنها صفية. وفى رواية للبخارى فكبر ذلك عليهما. وفى رواية له أيضا عن هشيم فقالا يا رسول الله وهل نظن بك إلا خيرا؟ (قوله إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم الخ) قيل هو على ظاهره وأن الله أقدره على ذلك، ويحتمل أن يكون على سبيل التشبيه لكثرة إغوائه ووسوسته فكأنه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دمه, وقوله فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا, أي ما ظننت بكما شرا لكن خفت أن يوسوس لكما الشيطان ما تهلكان به. وفى الفتح وفى رواية عبد الرحمن بن إسحاق "ما أقول لكماهذا أن تكونا تظنان شرا، ولكن قد علمت أن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم" ثم قال (والمحصل) من هذه الروايات أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءا لما تقرّر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك، لأنهما غير معصومين فقد يفضى بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما حسما للقيل وتعليما لمن بعدهما إذا وقع له مثل ذلك كما قاله الشافعى رحمه الله تعالى. فقد روى الحاكم أن الشافعي كان فى مجلس ابن عيينة فسأله عن هذا الحديث فقال الشافعى: إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنابه التهمة فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان فى نفوسهما شيئا يهلكان به اهـ (الفقه) دل الحديث على جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره والحديث مع غيره. وعلى جواز زيارة المرأة زوجها المعتكف ليلا وخلوته بها. وعلى شفقته

стр. 3327

صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأمته وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الحرج والإثم. وعلى مشروعية التحرز من التعرض لسوء الظن والتحصن من كيد الشيطان والاعتذار (قال ابن دقيق العيد) وهذا متأكد فى حق العلماء ومن يقتدى به فليس لهم أن يفعلوا ما يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك قد يؤدى إلى عدم الانتفاع بعلمهم، ولذا قال بعض العلماء ينبغى للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافيا نفيا للتهمة. وتمامه في الفتح. وفيه دليل. على مشروعية الذكر بقول "سبحان الله" عند وقوع ما يستعظم منه (وقال الخطابى) وفيه أنه خرج من المسجد معها ليبلغها منزلها. وفي هذا حجة لمن رأي أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج فى واجب وأنه لا يمنع المعتكف من إتيان معروف اهـ (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقى (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ نَا أَبُو الْيَمَانِ نَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا قَالَتْ: حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ الَّذِى عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ بِهِمَا رَجُلاَنِ. وَسَاقَ مَعْنَاهُ. (ش) (أبو اليمان) الحكم بن نافع. تقدم بالثامن صفحة ٧٢. و (شعيب) بن أبى حمزة (قوله بإسناده الخ) أي سند الحديث وهو عن على بن الحسين عن صفية. وقالت في هذه الرواية حتى إذا كان "أى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم" عند باب المسجد الذى عند باب أم سلمة مر بهما رجلان (وغرضه) بهذا بيان المكان الذي لقيه فيه الرجلان لا بيان مكان بيت صفية (قوله وساق معناه) أي ساق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري معنى حديث معمر عنه. ولفظه عند البخاري ومسلم والبيهقي عن على بن الحسين أن صفية زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تزوره فى اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدث عنده ساعة ثم قامت تنقلب فقام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وفي رواية ثم نفذا "أي أسرعا" فقال لهما النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على رسلكما إنماهي صفية بنت حيى. فقالا سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما. فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم, وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا اهـ قال في البذل وليس فيه ما يدل على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج من المسجد لما قام يرد صفية ولذا ذكره البخاري تحت ترجمة "هل يخرج المعتكف لحوائجه إلي باب المسجد" ليدل على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يخرج من المسجد بل إلى بابه فقط اهـ ولكن قوله في رواية

стр. 3328

معمر عند البخاري لصفية "لا تعجلى حتى أنصرف معك" وقوله في رواية عبد الرزاق لصفية "أقلبك إلى بيتك فذهب معها حتى أدخلها بيتها" صريح في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج من المسجد. وترجمة البخاري لا تنافي ما ذكر. باب المعتكف يعود المريض أيجوز أم لا؟ والعيادة الزيارة (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالاَ نَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ حَرْبٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ أَبِى سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ النُّفَيْلِىُّ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ وَلاَ يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عِيسَى قَالَتْ: إِنْ كَانَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ. (ش) (قوله فيمر كماهو ولا يعرج يسأل عنه) من التعريج وهو الإقامة تعنى أنه كان يعود المريض بالسؤال عنه إذا مر عليه ولا يقوم عنده. وهذا لفظ النفيلى: وفيه دليل على أنه ينبغى للمعتكف إذا خرج لحاجته ومرّ على مريض أن يسأل عنه ولا يقف عنده (قوله وقال ابن عيسى الخ) أي قال محمد بن عيسى الطباع في روايته: قالت عائشة إن كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعود المريض الخ وإن مخففة من الثقيلة والمعنى أن الحال والشأن أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعود المريض وهو معتكف. والمراد بالعيادة السؤال عنه لا حقيقتها التى هى الزيارة. ويحتمل أن إن نافية بمعنى ما أى ما كان يعود المريض وهو معتكف ولكن كان إذا مر به يسأل عنه. فلا تنافي بين روايتى النفيلى وابن الطباع. (والحديث) أخرجه أيضا البيهقى وهو ضعيف لأن في إسناده الليث بن أبي سليم وفيه مقال كما تقدم (ص) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ أَنَا خَالِدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتِ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا وَلاَ يَشْهَدَ جَنَازَةً وَلاَ يَمَسَّ امْرَأَةً وَلاَ يُبَاشِرَهَا وَلاَ يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ مِنْهُ. وَلاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ بِصَوْمٍ

стр. 3329

وَلاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ فِى مَسْجِدٍ جَامِعٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ لاَ يَقُولُ فِيهِ قَالَتِ السُّنَّةُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ. (ش) (خالد) بن عبد الله الواسطى (قوله السنة على المعتكف ألا يعود مريضا ولا يشهد جنازة) قال الخطابي: أرادت بقولها لا يعود مريضا أي لا يخرج من معتكفه قاصدا عيادته ويضيق عليه أن يمر به فيسأل عنه غير معرج عليه كما ذكرته عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث القاسم بن محمد اهـ بتصرف. وبظاهره أخذ مالك وقال لا يجوز للمعتكف أن يخرج لعيادة المريض ولا لتشييع الجنازة ولا للصلاة عليها ولو تعينت، فإن خرج بطل اعتكافه. ولو مرض أحد أبويه أو هما خرج وبطل اعتكافه ولا إثم عليه، لأن في عدم خروجه عقوقا. أما جنازتهما معا فلا يخرج على مشهور المذهب بخلاف جنازة أحدهما فيخرج لئلا يكون عدم خروجه عقوقا للحي منهما. وهو قول عطاء والزهري وعروة ومجاهد وفرّقت الحنفية بين الاعتكاف المستحب والمسنون والواجب ففي الأخيرين يحرم الخروج من معتكفه ليلا أو نهارا إلا لحاجة "شرعية" كصلاة جمعة وعيد أو "طبيعية" كالطهارة ومقدّماتها من البول والغائط وإزالة نجاسة واغتسال من جنابة باحتلام أو "لحاجة ضرورية" كانهدام المسجد وإخراج ظالم كرها وخوف على نفسه أو ماله من ظالم فلا يفسد اعتكافه ولا يحرم عليه الخروج (أما) لو خرج لعيادة مريض أو شهود جنازة وإن تعينت عليه أو لإنقاذ غريق أو حريق أو جهاد تعين عليه فإنه يفسد اعتكافه ولا إثم عليه (أما) الاعتكاف المستحب فهو غير مقدَّر بمدَّة. فمن دخل المسجد ناويا الاعتكاف فهو معتكف مدّة وجوده في المسجد تاركا له إذا خرج. وفرقت الشافعية بين المنذور وغيره فالمنذور لا يجوز الخروج منه إلا لحاجة ضرورية كالأكل والبول والغائط فلا يجوز الخروج منه لعيادة المريض وشهود جنازة لم تتعين عليه، فإن تعينت خرج. وإذا خرج لما يجوز له الخروج فسأل في طريقه عن المريض ولم يعرج عليه لا ينقطع اعتكافه المنذور. أما غير المنذور فيجوز الخروج منه لعيادة المريض ونحوها (وقالت) الحنابلة إذا كان الاعتكاف واجبا لا يخرج لعيادة مريض ولا جنازة ولا غيرهما إلا إن شرط ذلك فيجوز. وإن كان غير واجب جاز له الخروج لأن كل واحد منهما تطوع. والأفضل المقام على اعتكافه، لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكن يعرج على المريض ولم يكن واجبا عليه. وإن خرج لما لا بد منه فسأل عن المريض في طريقه ولم يعرج جاز لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك (قال) في المغنى إذا وقعت فتنة خاف منها على نفسه إن قعد في المسجد أو على ماله نهبا أو حريقها فله ترك الاعتكاف والخروج، لأن هذا مما أباح الله تعالى لأجله ترك الواجب بأصل الشرع وهو

стр. 3330

الجمعة والجماعة، فأولى أن يباح لأجله ترك ما أوجبه على نفسه. وكذلك إن تعذر عليه المقام في المسجد لمرض لا يمكنه المقام معه فيه كالقيام المتدارك أو لسلس البول أو الإغماء أو لا يمكنه المقام إلا بمشقة شديدة مثل أن يحتاج إلى خدمة وفراش فله الخروج. وإن كان المرض خفيفا كالصداع ووجع الضرس ونحوهما، فليس له الخروج فإن خرج بطل اعتكافه. وله الخروج إلى ما يتعين عليه من الواجب مثل الخروج في النفير إذا عم، أو حضر عدو يخافون كلبه واحتيج إلى خروج المعتكف لزمه الخروج، لأنه واجب متعين فلزم الخروج إليه كالخروج إلى الجمعة وإذا خرج ثم زال عذره نظرنا. فإن كان تطوعا فهو مخير إن شاء رجع إلى معتكفه وإن شاء لم يرجع. وإن كان واجبًا رجع إلى معتكفه فبنى على ما مضى من اعتكافه. ثم لا يخلو النذر من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون نذر اعتكافًا في أيام غير متتابعة ولا معينة، فهذا لا يلزمه قضاء، بل يتم ما بقى عليه، لكنه يبتدئ اليوم الذى خرج فيه من أوّله ليكون متتابعا ولا كفارة عليه، لأنه أتى بما نذر على وجهه فلا يلزمه كفارة كما لو لم يخرج (الثاني) نذر أياما معينة كشهر رمضان فعليه قضاء ما ترك وكفارة يمين بمنزلة تركه المنذور في وقته. ويحتمل ألا يلزمه كفارة على ما سنذكره إن شاء الله (الثالث) نذر أياما متتابعة فهو مخير بين البناء والقضاء والتكفير وبين الابتداء ولا كفارة عليه لأنه يأتى بالمنذور على وجهه فلم يلزمه كفارة كما لو أتى به من غير أن يسبقه الاعتكاف الذى قطعه. ثم قال والمعتكف لا يتجر ولا يتكسب بالصنعة (وجملته) أن المعتكف لا يجوز له أن يبيع ولا يشترى إلا ما لا بد له منه. قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول: المعتكف لا يبيع ولا يشترى إلا ما لا بد له منه طعام أو نحو ذلك. فأما التجارة والأخذ والعطاء فلا يجوز شئ من ذلك (وقال الشافعى) لا بأس أن يبيع ويشترى ويخيط ويتحدّث ما لم يكن مأثما (ولنا) ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد. رواه الترمذى وقال حديث حسن. ورأى عمران القصير رجلا يبيع في المسجد فقال: ياهذا إن هذا سوق الآخرة فإن أردت البيع فاخرج إلى سوق الدنيا. وإذا منع من البيع والشراء في غير حال الاعتكاف ففي أولى فأما الصنعة فظاهر كلام الخرقى أنه لا يجوز منها ما يكتسب به لأنه بمنزلة التجارة بالبيع والشراء ويجوز ما يعمله لنفسه كخياطة قميصه ونحوه. وقد روى المروزي قال سألت أبا عبد الله عن المعتكف ترى له أن يخيط؟ قال لا ينبغى له أن يعتكف إذا كان يريد أن يفعل. وقال القاضى لا تجوز الخياطة في المسجد سواء أكان محتاجًا إليها أم لم يكن قل أم كثير، لأن ذلك معيشة تشغل عن الاعتكاف فأشبه البيع والشراء فيه. والأولى أن يباح له ما يحتاج إليه من ذلك إذا كان يسيرا مثل أن ينشق قميصه فيخيطه، أو ينحل شئ يحتاج إلى ربط فيربطه، لأن هذا يسير تدعو الحاجة إليه، فجرى مجرى لبس قميصه وعمامته وخلعهما اهـ وقال ابن حزم كل فرض على المسلم فإن الاعتكاف لا يمنع منه
следующие страницы →