← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر) أى في بيان ما يدلّ على جواز ذكر الله تعالى حال عدم الطهارة، ومثل الرجل في هذا المرأة (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ يَعْنِي الْفَأْفَاءَ، عَنِ الْبَهِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن العلاء) بن كريب أبو كريب الهمدانى الكوفى الحافظ أحد الأثبات المكثرين. روى عن ابن المبارك وابن عيينة ووكيع ويحيى بن زكريا وكثيرين وعنه الشيخان والأربعة وأبو حاتم وغيرهم، قال أبو حاتم صدوق وقال أبو عمرو الخفاف ما رأيت من المشايخ بعد إسحاق بن إبراهيم أحفظ منه وقال النسائى ثقة لا بأس به. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين (قوله ابن أبى زائدة) هو يحيى بن زكرياء بن أبى زائدة أبو سعيد الكوفى الحافظ. روى عن أبيه وعاصم الأحول وعكرمة وداود بن أبى هند وكثيرين. وعنه أحمد وابن معين وابن المديني وأحمد بن منيع وآخرون، وثقه النسائى وأبو حاتم وابن معين وقال لا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد. ووثقه أحمد والعجلى وابن المدينى وقال لم يكن بالكوفة بعد الثورى أثبت منه وإليه انتهى العلم في زمانه وقال ابن نمير كان في الإتقان أكثر من ابن إدريس وقال أبو حاتم مستقيم الحديث ثقة صدوق يعدّ من حفاظ الكوفيين للحديث وكان متقنا ثبتا صاحب سنة وقال أبو زرعة قلما يخطئُ فإذا أخطأ أتى بالعظائم. مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة (قوله عن أبيه) هو زكريا بن أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيروز الهمدانى الوداعي الكوفي الحافظ. روى عن الشعبى وخالد بن سلمة وعبد الرحمن بن الأصبهانى وأبى إسحاق وغيرهم. وعنه شعبة والثورى ويحيى القطان ووكيع وآخرون، وثقه أحمد والنسائى وأبو داود وقال يدلس وقال ابن معين صالح. روى له الجماعة. مات سنة ثمان وأربعين ومائة (قوله عن خالد بن سلمة) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومى القرشى أبو سلمة الكوفي. روى عن سعيد بن المسيب وأبى بردة وعروة بن الزبير وعبد الله بن رافع وغيرهم. وعنه شعبة والسفيانان ويحيى الأنصارى وآخرون، وثقه ابن المدينى وأحمد ويعقوب بن شيبة وابن معين والنسائى وقال أبو حاتم شيخ يكتب حديثه وذكره ابن حبان في الثقات. روى له البخارى في الأدب ومسلم والترمذى والنسائي وأبو داود وابن ماجة، قتل بواسط مظلوما سنة اثنتين وثلاثين ومائة (قوله يعني الفأفاء) هو لقب يعرف به خالد بن سلمة، وهذا التفسير يحتمل أن يكون من يحيى أو ممن دونه وهو ساقط في بعض النسخ

стр. 72

(قوله (ص) عن البهى) بفتح الموحدة وكسر الهاء آخره ياء تحتية مشدّدة وهو لقب لعبد الله بن بشار مولى مصعب بن الزبير أبى محمد. روى عن عائشة وفاطمة بنت قيس وابن عمر وابن الزبير وعنه إسماعيل السدّى وأبو إسحاق السبيعى ويزيد بن أبى زياد، قال ابن معين وغيره هو من الطبقة الأولى من الكوفيين صدوق يخطئُ وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه ابن سعد وقال أبو حاتم لا يحتج به وهو مضطرب الحديث. روى له مسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه (قوله عروة) بن الزبير بن العوام أبو عبد الله المدنى التابعى أحد الفقهاء السبعة، روى عن خالته عائشة وعليّ وأبى هريرة وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين. وعنه عطاء وعمر بن عبد العزيز وجعفر الصادق وابن أبى مليكة وطائفة، قال ابن سعد ثقة كثير الحديث فقيه عالم ثبت مأمون وقال العجلى لم يدخل نفسه في شيء من الفتن قال عروة لو ماتت عائشة اليوم ما ندمت على حديث عندها فقد وعيت كل حديثها وقال الزهرى عروة بحر لا تكدّره الدّلاء. روى له الجماعة ولد سنة تسع وعشرين. ومات سنة نيف وتسعين (قوله عائشة) أم المؤمنين أم عبد الله بنت أبى بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما كانت من أعلم الناس وأفقههم وأحسنهم رأيا فقد أخرج الترمذى عن موسى بن طلحة قال ما رأيت أحدا أفصح من عائشة، وأخرج أيضا عن أبي موسى قال ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما وقال حديث حسن صحيح، وفى الإصابة عن مسروق رأيت مشيخه أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال هشام بن عروة عن أبيه ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطبّ ولا بشعر من عائشة وكان مسروق إذا حدّث عن عائشة قال حدّثتني الصدّيقة بنت الصدّيق البريئة المبرّأة، وقال الزهرى لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل وفى البخارى عن أبي موسى الأشعرى مرفوعا فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وقد حسنه الترمذي وفى الصحيح عن عروة عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت كان الناس يتحرّون بهداياهم يومى الحديث وفيه فقال لأم سلمة لا تؤذينى في عائشة فإن الوحى لم يأتنى وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة، وأخرج الترمذى عن أبى سلمة عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام قلت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى ما لا نرى وقال حديث حسن صحيح، وكانت رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا في الجود كالريح المرسلة فقد أخرج ابن سعد من طريق أم درّة قالت أتيت عائشة بمائة ألف ففرّقتها وهى يومئذ صائمة، ولدت سنة أربع أو خمس من البعثة. وتزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهى بنت ست ودخل بها وهي بنت تسع في شوال في السنة الأولى من الهجرة ففى

стр. 73

الصحيح عنها قالت تزوّجنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا بنت ست سنين وبنى بي وأنا بنت تسع وقبض وأنا بنت ثمانى عشرة سنة، وكانت أحب النساء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فعن عمرو بن العاص قال سألت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك قال عائشة قال من الرجال قال أبوها رواه الترمذى وقال حديث حسن صحيح، روت عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الكثير الطيب، لها عشرة ومائتان وألفا حديث اتفق الشيخان على أربعة وسبعين ومائة حديث وانفرد البخارى بأربعة وخمسين ومسلم بمانية وستين. ماتت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين عند الأكثر وقيل سنة سبع وخمسين ودفنت بالبقيع (قوله يذكر الله تعالى على كل أحيانه) وفى نسخة يذكر الله الخ أى في كل أوقاته فعلى بمعنى في، وعموم الأحيان يستلزم عموم الأحوال وهي حالة التطهر والحدث أصغر أو أكبر والقيام والقعود وغير ذلك. والمراد بالذكر الذكر اللسانى وعليه فيستثنى من عموم الأحوال حال الجنابة فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لا يقرأ القرآن حينئذ لحديث على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال كان سول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا رواه أحمد والأربعة وهذا لفظ الترمذى وحسنه وصححه وابن حبان وابن السكن وعبد الحق والبغوى، وكذا يستثنى حال كشف العورة للجماع وقضاء الحاجة فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آلة وسلم ما كان يتكلم حينئذ إلا لداع. وأما ما تقدم في الباب السابق مما يدلّ على كراهته ذكر الله تعالى إلا على طهر فحمول على الأفضل كما تقدم. ويحتمل أن يراد بالذكر الذكر القلبي فيبقى العموم على حاله لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان دائم التفكر لا يفتر عن الذكر القلبى لا في يقظة ولا نوم. قال في المرقاة الذكر نوعان قلبى ولسانى والأول أعلاهما وهو المراد في الحديث وفى قوله تعالى (اذكروا الله ذكرا كثيرا) وهو أن لا ينسى الله تعالى في كل حال وكان للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حظ وافر من هذين النوعين إِلا في حالة الجنابة ودخول الخلاء فإنه كان يقتصر. في الأول على ما عدا القرآن وفي الثانية على الذكر القلبى ولذلك كان إذا خرج من الخلاء قال غفرانك اهـ بتصرف (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يذكر الله تعالى متطهرا ومحدثا ولو حدثا أكبر وقائما وقاعدا ومضطجعا وماشيا وراكبا، والذكر عام يشمل جميع أنواعه من تهليل وتكبير وتحميد وتسبيح واستغفار ومثله الصلاة والسلام على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلى آله، وهذا مشروع بإجماع المسلمين من غير محل القاذورات وحال الجماع فإنه يكره فيهما كما تقدم، وأما قراءة القرآن فحكمها كما ذكر إلا في حق الجنب والحائض فالجمهور على تحريمها عليهما، وسيأتى تمام الكلام على ذلك في باب الجنب يقرأ القرآن. وفى الحديث

стр. 74

تنبيه على طلب ذكر الله تعالى في جميع الأوقات الممكنة وذلك لأنه أعظم وسيلة إلى الحصول على خيرى الدنيا والآخرة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم وأحمد وابن ماجه والبيهقى والترمذى وقال حديث حسن غريب وذكره البخارى تعليقا (باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء) وفى نسخة باب الخاتم يكتب فيه ذكر الله الخ أى في بيان حكم دخول الخلاء بالخاتم الذى يكون مكتوبا عليه اسم الله تعالى. والخاتم بفتح المثناة الفوقية وكسرها والكسر أشهر هو حلقة ذات فص من غيرها فإن لم يكن لها فص فهي فتحة بفتحات كقصبة (ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ» (ش) (رجال الحديث) (قوله نصر بن علي) بن نصر بن على بن صهبان الأزدى أبو عمرو الصغير الجهضمى البصرى الحافظ أحد أئمة البصرة. روى عن المعتمر وابن عيينة ووهب بن جرير ويحيى بن سعيد وغيرهم. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم وعبد الله بن أحمد والأئمة الستة وكثيرون قال أبو حاتم هو عندى أوثق من الفلاس وأحفظ وقال النسائى وابن خراش ثقة وقال أحمد ما به بأس، مات سنة خمسين ومائتين (قوله عن أبى علىّ الحنفىّ) هو عبد الله بن عبد المجيد الحنفي أبو على البصرى مشهور بكنيته وهو من نبلاء المحدّثين. روى عن هشام الدستوائى وقرّة ابن خالد وعباد بن راشد ومالك بن أنس وغيرهم. وعنه محمد بن بشار والدارمى ومحمد بن المثنى وعلى بن المدينى، قال ابن معين وأبو حاتم لا بأس به ووثقه العجلي والدارقطنى وغير واحد وضعفه العقيلى. مات سنة تسع ومائتين (قوله عن همام) بن يحيى بن دينار الأزدى أبى عبد الله البصرى أحد الأئمة وثقاتهم. روى عن عطاء ونافع ويحيى بن أبى كثير وثابت البنانى وغيرهم. وعنه الثورى وابن المبارك وأبو نعيم وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان وآخرون، قال ابن سعد كان ثقة ربما غلط في الحديث وقال يزيد بن هارون كان همام قويًّا في الحديث وقال أبو حاتم ثقة صدوق في حفظه شئ وقال أحمد بن حنبل ثبت في كل المشايخ وقال ابن معين ثقة صالح وكان ابن مهدى حسن الرأى فيه. روى له الجماعة. قيل مات سنة أربع وستين ومائة (قوله ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموى المكي الفقيه أبو الوليد أو أبو خالد أحد الأئمة الأعلام. روى عن نافع وعطاء بن أبى رباح والزهرى وهشام بن عروة وغيرهم. وعنه

стр. 75

الأوزاعي والسفيانان ويحيى بن سعيد الأنصارى ويحيى القطان وجماعة، قال ابن المدينى لم يكن في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج وقال أحمد إذا قال أخبرنا أو سمعت فحسبك به وإذا قال قال فلان وقال فلان وأخبرت جاء بمناكير وقال الدارقطني تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح وقال ابن حبان كان من فقهاء أهل الحجاز وقرّائهم ومتقنيهم وكان يدلس وقال ابن خراش كان صدوقا وسئل عنه أبو زرعة فقال بخ من الأئمة وقال ابن معين ثقة إذا روى من الكتاب. مات سنة تسع وأربعين أو خمسين ومائة روى له الجماعة (قوله إذا دخل الخلاء) أى أراد دخوله (قوله وضع خاتمه) أى ألقاه يقال وضع الشئ من يده يضعه وضعا إذا ألقاه. وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يضع خاتمه وقتئذ صيانة لاسم الله تعالى واسم رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن محل القاذورات لأن نقشه (محمد رسول الله) (فقة الحديث) دلّ الحديث على أنه يندب لمن يريد التبرّز أن ينحى عنه كل ما عليه معظم من اسم الله تعالى أو اسم نبيّ أو ملك، وبهذا قالت الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة فإن خالف كره له ذلك إلا لحاجة كأن يخاف عليه الضياع وهذا في غير القرآن أما القرآن فقالوا يحرم استصحابه في تلك الحالة كلا أو بعضا إلا إن خيف عليه الضياع أو كان حرزا فله استصحابه ويجب ستره حينذ إن أمكن (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى والنسائى وقال هذا حديث غير محفوظ والترمذى وقال حديث حسن صحيح غريب وأخرجه ابن حبان والحاكم والدارقطنى وذكر الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه وقال المنذرى الصواب عندى تصحيحه فإن رواته ثقات أثبات (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ» وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هَمَّامٌ " (ش) أشار المصنف إلى أن علة إنكار الحديث السابق أمران (الأول) ترك الواسطة بين ابن جريج والزهرى فقد قيل إن ابن جريج لم يسمع من الزهرى وإنما رواه عن زياد بن سعد (الثانى) تغيير المتن بآخر. وردّ الأول بأن المنكر ما رواه الضعيف مخالفا الثقة أو ما تفرّد به الضعيف وإن لم يخالف غيره كما تقدم، وهمام ثقة حافظ خرّج له الشيخان واحتجا به وقال أحمد ثبت في كل المشايخ فليس بضعيف فلا يعدّ حديثه منكرا. على أن هماما لم ينفرد بهذه الرواية

стр. 76

فقد تابعه عليها يحيى بن المتوكل البصرى. عن ابن جريج عن الزهرى كما عند البيهقى. ويحيى ابن المتوكل أخرج له الحاكم في المستدرك وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ في التقريب صدوق يخطئُ وقال ابن معين لا أعرفه. وليس هو المعروف بأبى عقيل فإنه ضعيف، وتابعه أيضا يحيى بن الضريس البجلى عن ابن جريج عن الزهرى كما ذكره الدارقطنى في كتاب العلل وابن الضريس ثقة ولذا لما قويت رواية همام بمتابعة من ذكر حكم الترمذى بصحة الحديث أما حكمه بغرابته فلعله مبنىّ على الاختلاف في يحيى بن المتوكل فعلى رأى من وثقه حكم بالصحة وعلى رأى من ضعفه كابن المدينى والنسائى وابن معين فكأن وجوده كالعدم ولم يقف على متابعة ابن الضريس فحكم بالغرابة. وردّ الثانى بأن الحديثين مختلفان متنا وسندا لأن الأول رواه ابن جريج عن الزهرى بلا واسطة والثانى بواسطة، فدعوى المصنف أن الرواية الثانية هى المعروفة وأن ذهن همام انتقل منها إلى الأولى مع اختلافهما متنا وسندا مردودة لأن ذلك لا يكون إلا عن غفلة شديدة لا يحتملها حال همام، والقواعد تقتضى قبول حديثه. ولو قال المصنف إن الحديث الأول مدلس لعدم سماع ابن جريج من الزهرى لكان له وجه. قال السيوطي في درجات مرقاة الصعود شرح سنن أبى داود لا مانع أن يكون هذا متنا آخر وقد مال إليه ابن حبان فصححهما معا فلا علة له عندى إلا تدليس ابن جريج فإن وجد عنه تصريحه بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته اهـ. أقول قد نقل الحافظ في تهذيب التهذيب عن قريش ابن أنس عن ابن جريج لم أسمع من الزهري شيئا إنما أعطانى جزءا فكتبته وأجاز له اهـ وقد وجه ابن القيم في تهذيب السنن كلام المصنف وجمع بينه وبين كلام الترمذى حيث قال وهمام وإن كان ثقة صدوقا احتج به الشيخان فإن يحيى بن سعيد كان لا يحدّث عنه ولا يرضى حفظه قال أحمد ما رأيت يحيى أسوأ رأيا منه في حجاج يعنى ابن أرطاة وابن إسحاق وهمام لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم وقال يزيد بن زريع وقد سئل عن همام كتابه صالح وحفظه لا يساوى شيئا وقال عفان كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه وكان يكره ذلك قال ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال يا عفان كنا نخطئُ كثيرا فنستغفر الله ، ولا ريب أنه ثقة صدوق ولكنه خولف في هذا الحديث فلعله مما حدّث به من حفظه فغلط فيه كما قال أبو داود والنسائى والدارقطنى وكذا ذكر البيهقي أن المشهور عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهرى عن أنس أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه، وعلى هذا فالحديث شاذ أو منكر كما قال أبو داود وغريب كما قال الترمذى "فان قيل" فغاية ما ذكر في تعليله تفرّد همام به وجوابه من وجهين (أحدهما) أن هماما لم ينفرد به كما سيأتي (الثانى) أنه ثقة وتفرّد الثقة لا يوجب نكارة الحديث فقد تفرّد عبد الله بن

стр. 77

دينار بحديث النهى عن بيع الولاء وهبته وبه يكون غريبا كما قال الترمذى لا منكرا أو شاذا "قلت" التفرّد نوعان: تفرّد لم يخالف فيه الثقة كتفرد عبد الله بن دينار بحديث بيع الولاء، وتفرّد خولف فيه المتفرّد كتفرّد همام بهذا المتن على هذا السند فقد خولف فيه كما ذكره المصنف فتفرّد همام يوجب نكارة الحديث وليس كتفرّد عبد الله بن دينار (فإن قيل) هذا الحديث قد روى عن الزهرى من وجوه كثيرة كلها قد رويت عنه في قصة الخاتم فالظاهر أن الزهرى حدّث بها في أوقات فما الموجب لتغليط همام وحده (قلت) الروايات كلها تدلّ على غلط همام لأنها مجمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولبسه وليس في شئ منها نزعه إذا دخل الخلاء فهذا هو الذى حكم لأجله هؤلاء الحفاظ بنكارة الحديث وشذوذه، والمصحح له لما لم يمكنه دفع هذه العلة حكم بغرابته لأجلها فلعل الترمذى موافق للجماعة فإنه صححه من جهة السند لثقة الرواة واستغربه لهذه العلة وهي التى منعت أبا داود من تصحيح متنه فلا اختلاف بينهم بل هو صحيح السند لكنه معلول اهـ بتصرف. أقول قد علمت أن هماما قد تابعه على رواية نزع الخاتم عند دخول الخلاء يحيى بن المتوكل البصرى عند البيهقي ويحيى بن الضريس البجلى فدعوى أن الروايات تدلّ على غلط همام لأنها مجمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولبسه غير مسلمة (قوله وإنما يعرف) بالبناء للمفعول أى إنما يعرف حديث وضع الخاتم عن ابن جريج عن زياد باللفظ الآتى دون ما ذكره همام عنه وقد عرفت ما فيه (قوله زياد بن سعد) ابن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الخراسانى المكي ثم اليمنى. روى عن أبى الزبير المكي وعمرو بن دينار والزهرى وحمزة بن سعيد المازنى وغيرهم. وعنه ابن جريج ومالك ابن أنس وابن عيينة وأبو معاوية الضرير وآخرون، وثقه النسائى وأحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم. روى له الشيخان وأبو داود والنسائى (قوله من ورق) بفتح فكسر أو سكون وبكسر فسكون هو الفضة، وهذا الحديث أخرجه المصنف في باب ترك الخاتم عن إبراهيم ابن سعد وزياد بن سعد وشعيب وابن مسافر كلهم عن الزهرى عن أنس أنه رأى في يد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خاتما من ورق يوما واحدا فصنع الناس فلبسوا وطرح النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فطرح الناس. وغلط جميع أهل الحديث الزهرى في هذا اللفظ وقالوا إن المعروف أن المطروح خاتم الذهب كما جاء في حديث ابن عمر عند المصنف وغيره قال اتخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خاتما من ذهب وجعل فصه مما يلى بطن كفه ونقش فيه محمد رسول الله فاتخذ الناس خواتيم الذهب فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال لا ألبسه أبدا ثم اتخذ خاتما من فضة نقش فيه محمد رسول الله الحديث، وسيأتى تمام الكلام عليه في كتاب الخاتم إن شاء الله تعالى (قوله والوهم فيه من همام) أى

стр. 78

الغلط في الإتيان في هذا الحديث. بجملة إذا دخل الخلاء وضع خاتمه إنما هو من همام ابن يحيى بن دينار يعنى أن أصحاب ابن جريج أخرجوا عنه عن زياد بن سعد عن الزهرى عن أنس أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه فغير همام هذا المتن بمتن آخر هو كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه ولم يروه بهذا اللفظ إلا همام فكان غالطا. لكن قد علمت أنهما حديثان مختلفان سندا ومتنا وأن هماما لم ينفرد برواية الحديث الأول بل تابعه في روايته عن ابن جريج يحيى بن المتوكل البصرى وقد أخرج البيهقى من طريق يعقوب بن كعب الأنطاكي قال ثنا يحيى بن المتوكل البصرى عن ابن جريج عن الزهرى عن أنس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لبس خاتما نقشه محمد رسول الله فكان إذا دخل الخلاء وضعه وتابعه أيضا يحيى بن الضريس فقد روى الحديث عن ابن جريج كرواية همام فدعوى غلط همام وتفرّده غير مسلمة، فالوهم الغلط يقال وهم في الحساب يوهم وهما مثل غلط وزنا ومعنى (قوله ولم يروه إلا همام) أي لم يرو حديث أنس باللفظ الذى ذكره المصنف أولا إلا همام فقد خالف همام جميع الرواة عن ابن جريج (باب الاستبراء من البول) أى في بيان ما ورد في طلب البراءة من أثر البول. والاستبراء استفراغ بقية البول وإنقاء موضعه ومجراه يقال استبرأ ذكره من بقية بوله بالنتر والتحريك حتى يعلم أنه لم يبق فيه شيء واستبرأت من البول تنزّهت عنه، وفى بعض النسخ باب الاستنزاه من البول وهو بمعنى الاستبراء (ص) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَا: ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: " إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَقَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا "، قَالَ هَنَّادٌ: يَسْتَتِرُ مَكَانَ يَسْتَنْزِهُ، (ش) (رجال الحديث) (قوله هناد بن السرىّ) بن مصعب بن أبى بكر بن شبر بفتح الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة التميمي الكوفى الدارمى الحافظ الصالح أبو السرىّ. روى عن ابن عيينة وأبى الأحوص ووكيع ويونس بن بكير وغيرهم. وعنه أصحاب السنن الأربعة ومسلم وكثيرون، وثقه النسائي وأبو زرعة وأبو حاتم. مات في جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين

стр. 79

ومائتين (قوله وكيع) بن الجراح (قوله الأعمش) هو سليمان بن مهران (قوله مجاهد) ابن جبر (قوله طاوس) بن كيسان اليمانى الإمام العلم أبو عبد الرحمن الحميرى. روى عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وأبى هريرة وكثيرين، قال طاوس أدركت خمسين من الصحابة. وعنه الزهرى وعمرو بن دينار وسليمان الأحول ومجاهد وغيرهم. روى له الجماعة قال ابن عباس إنى لأظن طاوسا من أهل الجنة وقال عمرو بن دينار ما رأيت مثله وقال الليث ابن أبى سليم يعدّ الحديث حرفا حرفا ووثقه أبو زرعة وابن معين وغيرهما مات بمكة سنة ست ومائة (قوله مرّ على قبرين) تثنية قبر وهو موضع دفن الميت وأقله حفرة توارى الميت وأكمله اللحد، وفي رواية ابن ماجه بقبرين جديدين (قوله إنهما يعذبان) أى اللذين في القبرين من إطلاق المحل وإرادة الحالّ لأن المعذب حقيقة صاحبا القبرين، ويحتمل عود الضمير على معلوم من المقام وهو من في القبر لأن سياق الكلام يدلّ عليه فهو على حذف مضاف على حدّ واسأل القرية، ويعذبان في محل رفع خبر إن، وفي رواية ليعذبان باللام ففيه التأكيد بها أيضا، وإنما سيق الكلام مؤكدا على خلاف مقتضى الظاهر لما فيه من الإخبار بمغيب وما كان هكذا شأنه أن ينكر بقطع النظر عن الخبر به ولتأكيد التنفير من هذا الصنيع الشنيع المؤدّى إلى العذاب والعذاب أصله في كلام العرب الضرب ثم استعمل في كل عقوبة مؤلمة (قوله في كبير) أى بسبب أمر كبير ففى للسببية على حدّ دخلت امرأة النار في هرّة، ومعناه أنهما لا يعذبان في أمر كبير يشق عليهما تركه فإنه لا يشق على أحدهما التنزّه من البول وعلى الآخر ترك المنيمة وإلا لكانا معذورين كصاحب سلس البول، أو أنهما لا يعذبان في أمر يستعظمه الناس بل يتهاونون به ويجترئون عليه ولم يرد أن الذنب فيهما هين غير كبير في الدّين كيف لا يكون كبيرا وقد جاء في رواية البخارى في كتاب الوضوء وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير وفى كتاب الأدب في باب النميمة وما يعذبان في كبير وإنه لكبير، أى عظيم عند الله تعالى ومصداقه قوله تعالى (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) وقال القاضى عياض معناه أنه ليس بأكبر الكبائر، وعليه يكون المراد الزجر والتحذير عن ارتكاب أىّ معصية أى لا يتوهم أحد أن التعذيب لا يكون إلا في أكبر الكبائر كالقتل والزنا بل يكون في غيرها. وسبب كونهما كبيرتين أن عدم التنزّه من البول يلزم منه بطلان الصلاة فتركه كبيرة والمشى بالنميمة والسعى بالفساد من القبائح فهو كبيرة ولا سيما مع قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يمشى بلفظ كان التى هي للحالة المستمرّة غالبا وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يدخل الجنة قتات أى نمام رواه الشيخان عن حذيفة (قوله أما هذا) أما هنا للتفصيل وفيها معنى الشرط بدليل لزوم الفاء بعدها والإشارة لمن في أحد القبرين على ما تقدم (قوله لا يستنزه) بنون ساكنة

стр. 80

فزاى فهاء، هذه رواية المصنف والنسائى وابن ماجه ورواية لمسلم، وفي رواية ابن عساكر لا يستبرئ بالموحدة وهمزة بعد الراء أى لا يستفرغ بقية بوله ولا ينقى موضعه ومجراه حتى يبينه عنهما فالروايتان بمعنى، قال في النهاية وفى حديث المعذّب في قبره كان لا يستنزه من البول أى لا يستبرئُ ولا يتطهر ولا يستبعد منه اهـ وفي رواية للشيخين والمؤلف لا يستتر بمثناتين فوقيتين وهو يحتمل أن يكون من الاستتار أى لا يستتر حال البول عن الأعين ويكون العذاب على كشف العورة والأقرب أن معنى يستتر لا يجعل بينه وبين البول سترا أي مانعا يمنع وصوله إليه حتى لا يصيبه فيكون المراد بعدم الاستتار عدم التنزّه عن البول والاستبراء منه فتكون موافقة للروايات الأخر. وروى لا يستنتر بنون بين تاءين من النتر وهو جذب فيه قوّة وفى الحديث إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث نترات رواه أحمد وأبو داود مرسلا عن يزداد. وروى لا يستنثر بتاء مثناة من فوق مفتوحة ونون ساكنة وثاء مثلثة مكسورة أى لا ينثر بوله من قناة الذكر كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه. وفى رواية أبى نعيم في المستخرج من طريق وكيع عن الأعمش كان لا يتوقى وهي تفسر المراد من كل الروايات (قوله يمشى بالنميمة) أى يسعى بالفساد بين القوم بأن ينقل لكل واحد منهم ما يقوله الآخر من الشتم والأذى، والنميمة نقل الحديث من قوم إلى قوم لقصد الإفساد والشرّ يقال نمّ الرجل الحديث نما من بابى قتل وضرب سعى به ليوقع فتنة أو وحشة فالرجل نمّ تسمية بالمصدر ونمام مبالغة والاسم النميمة والنميم أيضا (قوله ثم دعا بعسيب) بفتح فكسر الجريدة والغصن من النخل، وقيل الجريدة التى لم ينبت عليها خوص فإن نبت فهى السعفة كقصبة (قوله رطب) بفتح فسكون خلاف اليابس (قوله فشقه باثنين) أى جعل العسيب مشقوقا اثنين فالباء زائدة للتأكيد واثنين حال (قوله فغرس) يعنى غرز بالزاى كما في رواية للبخارى، وموضع الغرس كان بإزاء الرأس، قال في الفتح وقع في مسند عبد بن حميد من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش ثم غرز عند رأس كل واحد منهما قطعة (قوله وقال) أى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما قيل له لم صنعت هذا كما في رواية البخارى (قوله لعله) أى العذاب الذى دلّ عليه قوله يعذبان (قوله يخفف) بضم المثناة التحتية وفتح الفاء الأولى أو كسرها فالضمير لله أو للغرس مجازا (قوله عنهما) أى عن المقبورين قال الحافظ في الفتح لم يعرف اسمهما ولا أحدهما والظاهر أن ذلك كان على عمد من الرواة لقصد الستر عليهما وهو عمل مستحسن فينبغى أن لا يبالغ في الفحص عن اسم من وقع في حقه ما يذمّ به، ثم قال وقد اختلف فيهما فقيل كانا كافرين وبه جزم أبو موسى المدينى واحتج بما رواه من حديث جابر بسند فيه ابن لهيعة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرّ على قبرين من بنى النجار هلكا في الجاهلية فسمعهما يعذبان في البول

стр. 81

والنميمة قال أبو موسى هذا وإن كان ليس بقويّ لكن معناه صحيح لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنى ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فشفع لهما إلى المدّة المذكورة لكن الحديث ضعيف وقد رواه أحمد بسند صحيح على شرط مسلم وليس فيه سبب التعذيب فهو من تخليط ابن لهيعة، وجزم ابن العطار في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمين وهو الظاهر من مجموع طرق حديث الباب ففى رواية ابن ماجه مرّ بقبرين جديدين، فانتفى كونهما في الجاهلية، وفى حديث أبى أمامة عند أحمد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرّ بالبقيع فقال من دفنتم اليوم ها هنا، فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين لأن البقيع مقبرة المسلمين والخطاب لهم لجريان العادة بأن كل فريق يتولاه من هو منهم اهـ بتصرف (قوله ما لم ييبسا) ما مصدريّة زمانية وييبس يجف يقال يبس ييبس من باب تعب وفى لغة بالكسر فيهما إذا جف بعد رطوبته فهو يابس وشئ يبس ساكن الباء بمعنى يابس والمعنى يخفف عنهما العذاب مدّة عدم يبس العسيب، وفى رواية للبخارى ما لم تيبسا بالمثناة الفوقية أى الشقتان، قال في الفتح قال المازرى يحتمل أن يكون أوحى إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة اهـ وعلى هذا فلعل هنا للتعليل اهـ ووضع العسيب على القبر إما لأنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام سأل الشفاعة للقبرين فأجيب إليها كما في رواية مسلم عن جابر قال فأجيبت شفاعتى أن يرفعا عنهما ما دام الغصنان رطبين. وإما لأنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام يدعو لهما تلك المدّة. وقيل لكونهما يسبحان ما داما رطبين وليس لليابس تسبيح قالوا في قوله تعالى (وإن من شئ إلا يسبح بجمده) معناه وإن من شئ حىّ، وحياة كل شئ بحسبه فحياة الخشب ما لم ييبس والحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون إلى أن الآية على عمومها. ثم اختلفوا في الجمادات والحيوانات العجم. فذهب الجمهور إلى أنها تسبح حقيقة لمجئ النص به والعقل لا يحيل جعل التمييز فيها فيترجح المصير إليه عملا بظاهر الآية مع عدم المقتضى للعدول عنه. وقيل إنها تسبح بلسان الحال فهى دالة على أن لها صانعا متصفا بالكمالات منزّها عن النقائص فكان ذلك تسبيحا لها، وعلى هذا فليس التقييد بالرطب لمعنى يخصه ليس في اليابس بل التخفيف لدعاء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم به فكأنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدّا لما وقع له الدعاء من تخفيف العذاب عنهما (قوله قال هناد) هو أحد شيخى المؤلف (قوله يستتر مكان يستنزه) قد سبق ذكر هذه الرواية وتفسيرها وأن المراد بالروايتين واحد (فقه الحديث) دل الحديث على أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به وهو مذهب أهل السنة والجماعة والمحققين من المعتزلة فقد قال القاضى عبد الجبار رئيس المعتزلة في كتاب الطبقات

стр. 82

إن قيل مذهبكم أدّاكم إلى إنكار عذاب القبر وقد أطبقت عليه الأمة. قيل إن هذا الأمر إنما أنكره أولا ضرار بن عمرو لما كان من أصحاب واصل فظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة وليس الأمر كذلك بل المعتزلة رجلان أحدهما يجوّز ذللك كما وردت به الأخبار، والثانى يقطع بذلك وأكثر شيوخنا يقطعون به وإنما ينكرون قول بعض الجهلة إنهم يعذبون وهم موتى. والعقل يمنع ذلك اهـ بتصرف. فيجب الإيمان بأن الله تعالى يحيى العبد ويردّ إليه الحياة والعقل كما نطقت به الأخبار وكذا يكمل العقل للصغار ليعلموا منزلتهم وسعادتهم وقد جاء أن القبر ينضم عليه كالكبير، والمعذب عند أهل السنة الجسد كله أو بعضه بعد إعادة الروح إلي إليه أو إلى جزئه أفاده العينى في شرح البخارى، وقد جاء في عذاب القبر أحاديث كثيرة (منها) حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر قالت عائشة فسألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن عذاب القبر فقال نعم عذاب القبر حق قالت فما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوّذ من عذاب القبر رواه البخارى ومسلم (ومنها) حديث ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الموتى ليعذبون في قبورهم حتى أن البهائم لتسمع أصواتهم رواه الطبرانى في الكبير بإسناد حسن (ومنها) حديث أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر رواه مسلم. وخلاف بعض المعتزلة في ذلك من الأباطيل التى لا مستند لها إلا لمجرد الهوى. ودلّ الحديث أيضا على نجاسة بول الإنسان قليله وكثيره وهو مذهب عامة الفقهاء غير أنه يعفى عما لا يمكن الاحتراز عنه، وليس فيه دليل على نجاسة بول الحيوان مطلقا من مأكول اللحم وغيره. قال الحافظ في الفتح قال ابن بطال أراد البخارى أن المراد بقوله في رواية الباب كان لا يستتر من البول بول الناس لا بول سائر الحيوان فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان وكأنه (يعنى ابن بطال) أراد الردّ على الخطابىّ حيث قال فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، ومحصل الردّ أن العموم في رواية من البول أريد به الخصوص لقوله في الرواية الأخرى من بوله، أو الألف واللام عوض عن الضمير لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس لعدم الفارق وكذا غير المأكول وأما المأكول فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بنجاسة بوله ولمن قال بطهارته حجج أخرى اهـ ببعض تصرف، ودلّ أيضا على وجوب الاستبراء من البول لما يترتب على تركه من بطلان الصلاة والعذاب في القبر. فعن أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أكثر عذاب القبر من البول رواه ابن خزيمة في صحيحه وأحمد وابن ماجه واللفظ له والحاكم وقال صحيح على

стр. 83

شرط الشيخين، وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عامة عذاب القبر من البول استنزهوا من البول رواه البزار والطبرانى في الكبير والحاكم والدارقطنى، وعن أبى أمامة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال اتقوا البول فإنه أوّل ما يحاسب به العبد في القبر رواه الطبرانى في الكبير بسند لا بأس به. وعلى غلظ تحريم النميمة وأنها من أعظم أسباب عذاب القبر قال ابن دقيق العيد هو محمول على النميمة المحرّمة فإن النميمة إذا اقتضى تركها مفسدة تتعلق بالغير أو فعلها مصلحة يستضرّ الغير بتركها لم تكن ممنوعة كما نقول في الغيبة إذا كانت للنصيحة أو لدفع المفسدة لم تمنع فلو أن شخصا اطلع من آخر على قول يقتضى إيقاع ضرر بإنسان فإذا نقل إليه ذلك القول احترز عن ذلك الضرر لوجب ذكره له اهـ وليس في الحديث دليل على استحباب ما اعتيد من وضع الرّيحان والجريد على القبور لأنه واقعة حال خاصة لا تفيد العموم ولذا قال الخطابى في كتابة معالم السفن وأما غرسه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شقة العسيب على القبر وقوله يخفف عنهما ما لم ييبسا فإنه من ناحية التبرّك بأثر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما فكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعل مدّة بقاء النداوة فيهما حدّا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان يغرسون الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه والله تعالى أعلم اهـ. وقال الحافظ في الفتح قد استنكر الخطابى ومن تبعه وضع الناس الجريد ونحوه في القبر عملا بهذا الحديث قال الطرطوشى لأن ذلك خاص ببركة يده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وقال القاضى عياض لأنه علل غرزهما على القبر لأمر مغيب وهو قوله ليعذبان. ثم قال الحافظ وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسى بريدة بن الحصيب الصحابى بذلك فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان كما سيأتى في الجنائز من هذا الكتاب وهو أولى أن يتبع من غيره اهـ. وفيه أن الحديث صريح في أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو الذى شق الجريدة اثنتين ووضع على كل قبر منهما قطعة ولم يثبت أنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام فعل هذا الوضع على قبر أحد غير هذين فدلّ ذلك على أنها واقعة حال وشفاعة خاصة وليست سنة عامة، ويدل على ذلك أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة غير بريدة ولا سيما الخلفاء الراشدين أنه وضع جريدا ولا غيره على القبور ولو كان ذلك سنة ما تركه أولئك الأئمة وقد قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ الحديث رواه المصنف وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والترمذى وقال حديث حسن

стр. 84

صحيح. ووصية بريدة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ليست حجة على غيره كما هو معلوم فما قاله الخطابى ومن ذكر معه هو الأولى ولا سيما أن غالب الناس اعتقد في وضع هذا الجريد ونحوه اعتقادا تأباه الشريعة المطهرة كما هو معروف من حالهم ونطقهم (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى وكذا الترمذى مختصرا لم يذكر ثم دعا بعسيب الخ وقال هذا حديث حسن صحيح (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ، قَالَ: «كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» (ش) هذا طريق آخر لحديث ابن عباس أشار المصنف بذكره إلى أن مجاهدا روى الحديث عن ابن عباس بلا واسطة كما رواه عنه بواسطة طاوس، وكذا أخرجه البخارى من الطريقين وهو يقتضى صحة الطريقين عندهما فيحمل على أن مجاهدا سمعه من طاوس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرّح ابن حبان بصحة الطريقين معا ويؤيده أيضا كما في العينى أن شعبة بن حجاج رواه عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس ولم يذكر طاوسا اهـ وقال الترمذى ورواية الأعمش أصح أى روايته بذكر طاوس بين مجاهد وابن عباس، وقال في العلل سألت محمدا يعنى البخارى أيهما أصح فقال رواية الأعمش أصح اهـ (رجال الحديث) (قوله جرير) هو ابن عبد الحميد بن قرط بضم فسكون فطاء مهملهَ ابن هلال الضبى أبو عبد الله الرازى. روى عن عبد الملك بن عمير ويحيى بن سعيد ومالك بن أنس والثورى وغيرهم. وعنه ابن المبارك وأبو داود الطيالسى وأحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبى شيبة وآخرون، قال في تهذيب الهذيب ثقة يرحل إليه وقال أبو القاسم اللالكائى مجمع على توثيقه وقال ابن عمار حجة وقال ابن المدينى كان صاحب ليل. مات سنة ثمان وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وسبعين. روى له الجماعة (قوله منصور) بن المعتمر ابن عبد الله بن ربيعة بضم الراء السلمى أبو عتاب الكوفى أحد الأعلام المشاهير. روى عن زيد بن وهب وإبراهيم النخعى والحسن البصرى والشعبى وغيرهم. وعنه أيوب السختيانى والأعمش وسليمان التيمى وهم من أقرانه والثورى وهو أثبت الناس فيه وسفيان ابن عيينة وآخرون، قال أبو حاتم متقن لا يخلط ولا يدلس وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث كان أثبت أهل الكوفة وقال أبو داود لا يروى إلا عن ثقة. توفى سنة اثنتين وثلاثين ومائة (قوله مجاهد) بن جبر (قوله بمعناه) أى بمعنى حديث الأعمش المتقدم، ولفظه عند البخارى عن

стр. 85

ابن عباس قال مرّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشى بالنميمة ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة فقيل له يا رسول الله لم فعلت هذا قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا (قوله قال كان لا يستتر من بوله) أى قال منصور في روايته بسنده إلى ابن عباس قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان أحدهما لا يستتر من بوله بدل لا يستنزه في رواية الأعمش السابقة (ص) وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: «يَسْتَنْزِهُ» (ش) أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير. وهذا تعليق وصله البخارى قال حدثنا محمد ابن المثنى ثنا محمد بن خازم ثنا الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال مرّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة تم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة قالوا يا رسول الله لم فعلت قال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا. ووصله ابن ماجه قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال مرّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقبرين جديدين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة. وظاهر صنيع المصنف أن رواية أبى معاوية عن منصور وليس كذلك بل هى عن الأعمش كما رأيت في روايتي البخارى وابن ماجه فكان الأنسب له أن يذكرها بعد رواية وكيع عن الأعمش السابقة ولعله ذكرها هنا ليقابل بها رواية جرير عن منصور فإن فيها لا يستتر وفى هذه يستنزه (قوله يستنزه) أى أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله كما في رواية ابن ماجه المتقدمة والذى في رواية البخارى أما أحدهما فكان لا يستتر من البول (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ ثُمَّ اسْتَتَرَ بِهَا، ثُمَّ بَالَ، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا لَقِيَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ

стр. 86

قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ، فَنَهَاهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ» (ش) (رجال الحديث) (قوله عبد الواحد بن زياد) العبدى مولاهم أبو بشر ويقال أبو عبيدة البصرى أحد الأعلام. روى عن يونس بن عبيد وعاصم الأحول والأعمش وعمارة ابن القعقاع وغيرهم. وعنه عفان بن مسلم وقتيبة بن سعيد وأبو هشام المخزومى وأبو داود الطيالسي وكثيرون، قال ابن معين أثبت أصحاب الأعمش شعبة وسفيان ثم أبو معاوية ثم عبد الواحد ابن زياد وهو ثقة. ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم وابن سعد والنسائى وأبو داود والعجلى والدارقطنى حتى قال ابن عبد البرّ لا خلاف بينهم أنه ثقة ثبت وقد احتج به الجماعة. مات سنة ست أو سبع وسبعين ومائة (قوله الأعمش) سليمان بن مهران (قوله عن زيد بن وهب) الجهنى أبى سليمان الكوفى هاجر إلى المدينة فمات النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو في الطريق. روى عن عمر وعثمان وعلى وجماعة. وعنه حبيب بن أبى ثابت وإسماعيل بن أبى خالد والأعمش ومنصور بن المعتمر وكثيرون. وثقه ابن معين وابن خراش وابن حبان والعجلى وابن سعد وقال كان كثير الحديث وقال في التقريب لم يصب من قال في حديثه خلل وقال الأعمش إذا حدّثك زيد بن وهب عن أحد فكأنك سمعته من الذى حدّثك عنه. روى له الجماعة. مات سنة ست وتسعين (قوله عبد الرحمن بن حسنة) قيل هو أخو شرحبيل بن حسنة وحسنة أمهما واسم أبيه على الصحيح عبد الله بن المطاع بن عبد الله الغطريف تفرّد بالرواية عنه زيد بن وهب قاله مسلم وابن عبد البر والحاكم وغيرهم من الحفاظ، وتعقب بأنه روى عنه أيضا إبراهيم بن عبد الله ابن قارظ وروايته عنه في معجم الطبرانى قال في تهذيب التهذيب لكن في الإسناد ابن لهيعة ولا تقوم به حجة (قوله عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سعيد بضم السين وفتح العين المهملتين ابن سعد القرشى السهمى يكنى أبو عبد الله ويقال أبو محمد أسلم عند النجاشى وقدم مهاجرا في صفر سنة ثمان وكان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرّ به لمعرفته ولشجاعته وبعثه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أميرا على سرية إلى ذات السلاسل، وأخرج أحمد بسند حسن عن عمرو بن العاص قال قال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا عمرو استزد عليك سلاحك وثيابك وائتنى ففعلت فجئته وهو يتوضأ فصعد فىّ البصر وصوّبه وقال يا عمرو إنى أريد أن أبعثك وجها فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة قال قلت يا رسول الله إنى لم أسلم رغبة في المال إنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك قال يا عمرو نعما بالمال الصالح للرجل الصالح. وروى عن عقبة بن عامر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص أخرجه الترمذى وقال حديث

стр. 87

غريب وقال إبراهيم بن مهاجر عن الشعبى عن قبيصة بن جابر صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا أبين قرآنا ولا أكرم خلقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه كان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حادّ الذكاء عظيم الدّهاء قال الشعبى دهاة العرب في الإسلام أربعة فعدّ منهم عمرا وقال فأما عمرو فللمعضلات وهو الذى افتتح مصر وولاه عمر عليها، وأخرج مسلم في صحيحه عن ابن شماسة المهرى قال حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت فبكى طويلا وحوّل وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول ما يبكيك أما بشرك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بكذا فأقبل بوجهه فقال إن أفضل ما نعدّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إني كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتنى وما أحد أشدّ بغضا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منى ولا أحب إلىّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلا جعل الله الإسلام في قلبى أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسم فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدى قال مالك يا عمرو قال قلت أردت أن أشترط قال تشترط بماذا قلت أن يغفر الله لى قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن الهجرة تهدم ما قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا أجلّ في عينى منه وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالا ولو شئت أن أصفه ما أطقت لأنى لم أكن أملأ عينى منه ولو مت على تلك الحالة لرجوت أن أكون من أهل الجنة ثم ولينا أشياء ما أدرى ما حالى فيها فإذا مت فلا تصحبنى نائحة ولا نار فإذا دفنتمونى فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبرى قدر ما يذبح جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربى (وعلى الجملة) ففضائله أكثر وأشهر من أن تذكر. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعة وثلاثون حديثا اتفق الشيخان على ثلاثة أحاديث ولمسلم حديثان وللبخارى طرف من حديث. روى عنه أبو عثمان النهدى وعروة بن الزبير وقيس مولاه وابنه عبد الله وقبيصة بن ذؤيب وغيرهم. مات بمصر سنة اثنتين وقيل ثلاث وأربعين يوم الفطر ودفن بالمقطم وعمره تسعون أو تسع وتسعون سنة، روى له الجماعة (قوله ومعه درقة) هذه الجملة حال من فاعل خرج والدرقة بفتحات الترس من جلد ليس فيه خشب ولا عصب وهو ما تعمل منه الأوتار، وإنما استتر بها لئلا يطلع أحد على عورته (قوله فقلنا انظروا الخ) أى قال بعض القوم كما في رواية أحمد والنسائى، وفي رواية ابن ماجه فقال بعضهم وقالوا ذلك تعجبا لما رأوه مخالفا لما عليه عادتهم في الجاهلية من بول الرجال قياما وكانوا قريب العهد بها، ولم يقولوا هذا استهزاء وسخرية لأن الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم لا يقع منهم ذلك (قوله كما تبول المرأة) فإنهم كانوا يزعمون أن شهامة الرجل لا تقتضى التستر على ما كانوا

стр. 88

عليه في الجاهلية، وفى رواية البغوى في معجمه فقال بعضنا لبعض يبول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما تبول المرأة وهو قاعد، ورواية الطبرانى في معجمه يبول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو جالس (قوله فقال) أى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مجيبا لهم بقوله "ألم تعلموا الخ" فكأنهم قالوا نعم أخبرنا، هذا على أن الاستفهام حقيقى فلذلك بين لهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقوله كانوا الخ. ويحتمل أن يكون للتوبيخ والتقريع نظرا لشناعة مقالتهم فيكون بيانه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من باب التنبيه علي ما هو معلوم رأفة بهم (قوله صاحب بنى إسراءيل) برفع صاحب على أنه فاعل لقى ويكون نظم الكلام عليه ألم تعلموا العذاب الذى لقيه صاحب بنى إسرائيل هذا على كون ما موصولة، أما على كونها موصوفة فيكون التقدير ألم تعلموا عذابا لقيه صاحب بنى إسراءيل ويجوز نصبه على أنه مفعول لقى وتقدير الكلام عليه ألم تعلموا العذاب الذى لقى (أى هو) صاحب بنى إسرائيل والمتبادر أن المراد بصاحب بنى إسرائيل واحد منهم وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، وقيل المراد به موسى ﵊ كما ذكره العينى، وعلى هذا يشكل قوله فنهاهم فعذّب في قبره، وطريق دفعه أن يقال فنهاهم عن التهاون في البول فعذّب في قبره من لم ينته عنه، ولا يخفى بعده وبنو إسرائيل أولاد يعقوب بن إسحاق وإسرائيل هو يعقوب ومعناه بالسريانية عبد الله لأن إسرا بمعنى عبد وإيل بمعنى الله (قوله إذا أصابهم البول الخ) أى أصاب جسدهم أو ثيابهم البول قطعوا الموضع الذى أصابه يعنى أنهم ما كان يجوز لهم أن يطهروا موضع النجاسة بالماء إنما كان التطهير في دينهم بقطع المتنجس (قوله فنهاهم الخ) أى نهى الرجل المذكور بنى إسراءيل عن هذا القطع وقال هذا تكليف شديد فاتركوا العمل به فعذّبه الله تعالى بسبب هذه المخالفة فحذر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أصحابه من إنكار ما هو مقرّر في الشرع فكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لهم لا تستثقلوا ما أبينه لكم من الأحكام ولو كان على خلاف معتادكم في الجاهلية كما استثقل صاحب بنى إسراءيل وإلا فيخشى أن يصيبكم مثل ما أصابه وهذا على أن القائل انظروا الخ من الصحابة أما على أنه مشرك أو منافق كما قاله في المرقاة فيكون قصد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذلك توبيخه وتهديده وأنه من أصحاب النار حيث عيره بالحياء وفعل النساء (فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز ترك التباعد عن الناس عند قضاء الحاجة مع التستر وإن كان غالب أحواله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم التباعد كما تقدم. وعلى أنه لا يجوز لأحد التكلم في شئ من أمر الدين حتى يعلم حكم الله فيه، وعلى طلب التلطف في المخاطبة عند التعليم فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما سمع مقالتهم لم يقابلهم بالغلظة بل تلطف بهم

стр. 89

شفقة عليهم ورحمة بهم. وعلى طلب التحرز عن النجاسات والاحتياط في ذلك، وعلى طلب التستر عند قضاء الحاجة ولا سيما إذا كان قريبا من الناس. وعلى أن المخالفة سبب في الضرر والهلاك خصوصا في الدار الاخرة فقد نبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن صاحب بنى إسرائيل نهاهم عن المعروف في دينهم فتسبب عنه عذابه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن حبان في صحيحه وأبو بكر بن أبى شيبة والنسائى ولفظه عن عبد الرحمن بن حسنة قال خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفى يده كهيئة الدّرقة فوضعها ثم جلس خلفها فبال إليها فقال بعض القوم انظروا يبول كما تبول المرأة فسمعه فقال أو ما علمت ما أصاب صاحب بنى إسراءيل كانوا إذا أصابهم شئ من البول قرضوه بالمقاريض فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره، وأخرجه البيهقى ولفظه عن عبد الرحمن بن حسنة قال كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين فخرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في يده درقة فبال وهو جالس فتكلمنا فيما بيننا فقلنا يبول كما تبول المرأة فأتانا فقال أما تدرون ما لقى صاحب بني إسرائيل كان إذا أصابهم بول قرضوه فنهاهم فتركوه فعذب في قبره (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَنْصُورٌ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: جِلْدِ أَحَدِهِمْ (ش) هذا تعليق وصله مسلم قال حدثنا يحيى بن يحيى قال أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل قال كان أبو موسى يشدّد في البول ويبول في قارورة ويقول إن بنى إسراءيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض. والقارورة الزجاجة (قوله قال منصور) بن المعتمر (قوله عن أبى وائل) هو شقيق بن سلمة الأسدى أدرك النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يره وهو أحد سادة التابعين قال ابن عبد البر أجمعوا على أنه ثقة قال ابن معين ثقة لا يسأل عن مثله. روى عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وابن مسعود وآخرين. وعنه الشعبى وعمرو بن مرة والأعمش وجماعة. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين (قوله عن أبى موسى) عبد الله أبن قيس الأشعرى، وعلى هذه الرواية يحتمل أن يكون المراد بالجلد الجلود التى كانوا يلبسونها إليه ذهب القرطبى، ويحتمل إبقاء اللفظ على ظاهره فيكون من الأمر الشاق الذى حملوه. والذى في رواية البخارى من طريق شعبة عن منصور عن أبى وائل قال كان أبو موسى الأشعرى يشدّد في البول ويقول إن بنى إسراءيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه. الحديث: والمراد بالقرض القطع ويؤيده رواية الأصيلي قرضه بالمقراض. خلافا لمن حمل القرض على الغسل بالماء (ص) وَقَالَ عَاصِمٌ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «جَسَدِ أَحَدِهِمْ»

стр. 90

(ش) هذا تعليق لم نقف على من وصله من المحدثين. وعاصم هو ابن بهدلة المعروف بابن أبى النجود الأسدى مولاهم أبو بكر الكوفى أحد القراء السبعة. روى عن أبى صالح السمان وحميد الطويل وأبى وائل وغيرهم. وعن شعبة والحمادان والسفيانان وزائدة وآخرون، وثقه أحمد والعجلي وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان وقال الدارقطنى في حفظه شئ وقال ابن سعد كان ثقة إلا أنه كثير الخطأ في حديثه وقال ابن خراش في حديثه نكرة وقال العقيلى لم يكن فيه إلا سوء الحفظ وقال أبو حاتم محله عندى الصدق صالح الحديث ولم يكن بذاك الحافظ. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. مات سنة تسع وعشرين ومائة (قوله جسد أحدهم) أى إذا أصاب البول جسد أحدهم الخ. ومراد المصنف بذكر هذين التعليقين بيان الاختلاف في سند الحديث ومتنه فرواية عبد الرحمن بن حسنة مرفوعة وفيها قطعوا ما أصابه بلا بيان المقطوع من ثوب أو جلد أو جسد. ورواية منصور عن أبى وائل عن أبى موسى موقوفة عليه وفيها أن المقطوع جلد أحدهم، وفى رواية البخارى أن المقطوع ثوب أحدهم، ورواية عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى مرفوعة بلفظ جسد أحدهم. ولا تنافى بين هذه الروايات لأنهم كانوا يقطعون ما أصابته نجاسة من ثوب أو جسد (باب البول قائما) أى في بيان حكم البول قائما (ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ، ح وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ وَهَذَا لَفْظُ حَفْصٍ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ سُبَاطَةَ قَوْمٍ «فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: فَذَهَبْتُ أَتَبَاعَدُ فَدَعَانِي حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ (ش) (رجال الحديث) (قوله حفص بن عمر) بن الحارث الأزدىّ أبو عمر الحوضى البصرى. روى عن شعبة وهمام وحماد بن زيد وأبى عوانة وطائفة. وعنه أبو حاتم والبخارى وأبو داود وإبراهيم بن يعقوب الجوزجانى وغيرهم، قال أحمد ثقة ثبت متقن لا يؤخذ عليه حرف واحد ووثقه أيضا ابن قانع وابن وضاح ومسلمة والدارقطنى ويحيى بن معين مات سنة خمس وعشرين ومائتين (قوله مسلم بن إبراهيم) الأزدى الفراهيدى مولاهم أبو عمرو القصاب البصرى الحافظ

стр. 91

ووى عن مالك بن مغول وشعبة وهشام وابن المبارك وغيرهم. وعنه البخارى وأبو داود وأبو إسحاق وأبو زرعة ويحيى بن معين وطائفة، قال الترمذى سمعت مسلم بن إبراهيم يقول كتبت عن ثمانمائة شيخ وقال ابن معين ثقة مأمون وقال العجلى وأبو حاتم ثقة زاد أبو حاتم صدوق، روى له الجماعة. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين (قوله شعبة) بن الحجاج (قوله أبو عوانة) اسمه الوضاح بن عبد الله الواسطىّ أحد الأئمة قال الحاكم هو أحد المشاهير وثقه الجماهير وقال أحمد وأبو حاتم كان يغلط كثيرا إذا حدّث من حفظه وقال ابن المدينى في أحاديثه عن قتادة لين لأن كتابه كان قد ذهب وقال ابن عبد البر أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما حدّث من كتابه وقال إذا حدث من حفظه ربما غلط قال أحمد ويحيى كان ثقة روى عن محمد بن المنكدر وعمرو بن دينار وقتادة وأيوب السختيانى وغيرهم وعنه شعبة ووكيع وأبو داود الطيالسى ومسدّد وجماعة. مات سنة ست وقيل خمس وسبعين ومائة. روى له الجماعة (قوله وهذا لفظ حفص) أى اللفظ المذكور فيما بعد هو لفظ حفص بن عمر، ورواه مسلم بن إبراهبم ومسدد بالمعنى (قوله عن سليمان) بن مهران الأعمش شيخ شعبة وأبى عوانة (قوله عن أبى وائل) هو شقيق بن سلمة (قوله حذيفة) ابن حسيل مصغرا أو حسل بكسر فسكون المعروف باليمان ابن جابر بن ربيعة بن فروة بن الحارث أبى عبد الله الكوفى حليف بنى عبد الأشهل صحابى جليل من السابقين شهد أحدا والخندق وفتوح العراق وله بها آثار شهيرة. روى مسلم عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعلمه بما كان ويكون إلى يوم القيامة من الفتن والحوادث. وعنه أيضا قال سألتنى أمى متى عهدك برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قلت منذ كذا وكذا فدعينى آتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأصلى معه المغرب وأسأله أن يستغفر لى ولك فأتيته فصليت معه المغرب ثم قام فصلى حتى صلى العشاء فتبعته فسمع صوتى فقال من هذا حذيفة قلت نعم قال ما حاجتك غفر الله تعالى لك ولأمك الحديث، وعنه أيضا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال قالوا يا رسول الله لو استخلفت فقال إنى إن استخلفت فعصيتم خليفتى عذبتم ولكن ما حدّثكم به حذيفة فصدّقوه وما أقرأكم عبد الله بن مسعود فاقرأوه أخرجهما الترمذي وفى الصحيحين أن أبا الدرداء قال لعلقمة أليس فيكم صاحب السرّ الذى لا يعلمه غيره يعنى حذيفة، وفى صحيح مسلم عن إبراهيم التيمى عن أبيه قال كنا عند حذيفة فقال رجل لو أدركت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قاتلت معه وأبليت فقال له حذيفة أنت كنت تفعل ذلك لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقرّ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معى يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا

стр. 92

أحد فقال ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معى يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال قم يا حذيفة وائتنا بخبر القوم فلم أجد بدّا إذ دعانى باسمى أن أقوم قال اذهب فأتنى بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ فلما وليت من عنده جعلت كأنى أمشى في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصطلى علي النار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تذعرهم علىّ ولو رميته لأصبته فرجعت وأنا أمشى في مثل الحمام فلما أتيته فأخبرته خبر القوم وفرغت قررت فألبسنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلى فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال قم يا نومان، قال ورواه ابن إسحاق بزيادات وفيه فلما رأى أبو سفيان ما فعل الريح وجنود الله بهم لا تقرّ لهم قدرا ولا بناء قام فقال يا معشر قريش ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه فلينظر من هو قال حذيفة فأخذت بيد جليسى فقلت من أنت فقال سبحان الله أما تعرفنى أنا فلان بن فلان فإذا رجل من هوازن فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذى نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون فارتحلوا فإنى مرتحل ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم فسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم قال فرجعت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كأنى أمشى في حمام فأتيته وهو قائم يصلى فلما سلم أخبرته فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل فلما أخبرته وفرغت قررت وذكر بعد ذلك تمام القصة بنحو ما تقدم في حديث مسلم. وله مائة حديث اتفق الشيخان على اثنى عشر وانفرد البخارى بثمانية ومسلم بسبعة عشر. وروى عن عمر. وعنه جابر وجندب وعبد الله بن يزيد وأبو الطفيل وابنه بلال وزيد بن وهب وأبو وائل وغيرهم. روى له الجماعة. مات رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سنة ست وثلاثين قبل وفاة عثمان بأربعين ليلة (قوله سباطة قوم) بضم السين المهملة وبعدها موحدة مخففة هي الموضع الذى يرمى فيه التراب والأوساخ، وقيل هى الكناسة نفسها وإضافتها إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك لأنها كانت مواتا مباحة والسباطة في العادة تكون قريبة من البيوت مرفقا لأهلها والشأن فيها أن تكون رخوة غير صلبة لا يعود البول منها على البائل فيها، وكون السباطة مواتا غير مملوكة لأحد هو الظاهر، ويحتمل أنها كانت مملوكة لأولئك القوم وأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم رضاهم بذلك ولو بطريق المسامحة العاديّة خصوصا وأنهم كانوا يتبرّكون بآثاره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له أن يتصرف في ملك أمته بدون إذن لأنه أولى بهم من أنفسهم وأموالهم قال الحافظ وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وبما تقدم من

стр. 93

الاحتمالات يسقط ما يقال كيف يبول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ملك أولئك القوم بدون إذنهم (قوله فبال قائما) اختلف العلماء في سبب بوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قائما فقال الشافعى إن العرب كانت تستشفى لوجع الصلب بالبول قائما فلعله كان به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذ ذاك، وقيل إنه لم يجد مكانا للقعود لامتلاء السباطة بالنجاسة، وقيل فعل ذلك لبيان الجواز، وكانت عادته المستمرّة البول قاعدا، وقيل غير ذلك قال في الفتح وسلك أبو عوانة في صحيحه وابن شاهين فيه مسلكا آخر فزعما أن البول عن قيام منسوخ واستدل عليه بما رواه أبو عوانة في صحيحه والحاكم عن عائشة قالت ما بال قائما منذ أنزل عليه القرآن، وبما رواه أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه عنها أيضا قالت من حدّثكم أنه كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان بيول إلا قاعدا، والصواب أنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه وقد حفظه حذيفة وهو من كبار الصحابة وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة فتضمن الردّ على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن وقد ثبت عن على وعمر وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قياما وهو دالّ على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش ولم يثبت عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في النهى عنه شئ اهـ بتصرف، وقال الترمذى في جامعه وقد رخص قوم من أهل العلم في البول قائما ومعنى النهى عن البول قائما على التأديب لا على التحريم، وقال الدارمى في سننه قال أبو محمد لا أعلم فيه كراهة، وقال النووى وقد روى في النهى عن البول قائما أحاديث لا تثبت ولكن حديث عائشة هذا ثابت فلهذا قال العلماء يكره البول قائما إلا لعذر وهي كراهة تنزيه لا تحريم. قال ابن المنذر في الأشراف اختلفوا في البول قائما فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما قال وروى ذلك عن أنس وعلي وأبى هريرة وفعل ذلك ابن سيرين وعروة بن الزبير وكرهه ابن مسعود والشعبى وإبراهيم بن سعد، وكان إبراهيم بن سعد لا يجيز شهادة من بال قائما، وقال ابن المنذر البول جالسا أحب إلىّ وقائما مباح وكل ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ وقال مالك إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شئ فلا بأس به وإلا فمكروه، "فإن قلت" قد روى أنه علية الصلاة والسلام كان إذا أراد حاجة أبعد فكيف بال في السباطة التى بقرب الدور "قلت" لعله كان مشغولا بأمور المسلمين والنظر في مصالحهم وطال عليه المجلس حتى اضطرّه البول ولم يمكنه التباعد فلو أبعد لتضرر، وقصد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السباطة لدمثها (قوله ثم دعا بماء) أى بعد أن فرغ من البول طلب ماء ليتوضأ (قوله فمسح على خفيه) أى فتوضأ به ومسح على خفيه كما في رواية أحمد وهذا المسح بدل عن الغسل

стр. 94

وسيأتى بيان ذلك في باب المسح على الخفين (قوله قال مسدّد الخ) أى قال مسدّد في روايته زيادة على رواية حفص بن عمر فذهبت أتباعد أى شرعت أتباعد عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لئلا يسمع شيئا مما يقع حال قضاء الحاجة (قوله فدعاني) أى فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا حذيفة استرنى كما في رواية الطبرانى من حديث عصمة بن مالك قال خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بعض سكك المدينة فانتهى إلى سباطة قوم فقال يا حذيفة استرنى فذكر الحديث (قوله حتى كنت عند عقبه) أى فأتيت إلى أن كنت عند عقبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعقب بالإفراد، وفى بعض الروايات عقبيه بالتثنية. واستتر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحذيفة لأن السباطة إنما تكون في أفنية البيوت المسكونة أو قريبا منها، وهي لا تكاد تخلو عن مارّ. قال النووى في شرح مسلم وجاء في حديث آخر لما أراد قضاء الحاجة قال تنحّ لكونه كان يقضيها قاعدا ويحتاج إلى الحدثين جميعا فتحصل الرائحة المستكرهة وما يتبعها ولهذا قال بعض العلماء، في هذا الحديث من السنة القرب من البائل إذا كان قائما فإذا كان قاعدا فالسنة الإبعاد عنه اهـ وقوله الرائحة المستكرهة أى ما شأنه ذلك بحسب العادة وإلا ففضلات النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليست مستكرهة وقوله من السنة القرب من البائل إذا كان قائما محله إذا دعت الحاجة لذلك وطلبه البائل (فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز البول من قيام لسبب من الأسباب المتقدمة، وعلى مشروعة المسح على الخفين في الحضر لأن السباطة كانت بالمدينة كما أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بإسناد صحيح، وعلى جواز استخدام الغير والاستعانة به عند الدّاعية، وعلى طلب التستر عند قضاء الحاجة ولو بآدمىّ، وعلى جواز البول بقرب الديار إذا دعت الحاجة إلى ذلك وعلى جواز قرب الإنسان من البائل وقت الاحتياج (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبخارى ومسلم والنسائى والترمذى وابن ماجه وأبو بكر بن أبى شيبة في مصنفه بألفاظ متقاربة وأخرجه البيهقى من عدّة طرق (منها) طريق الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى سباطة قوم فبال قائما فتنحيت عنه فقال ادنه فدنوت ثم توضأ ومسح على خفيه، وروى نحوه من طريق منصور بن المعتمر عن أبى وائل، وأخرجه الترمذى من طريق الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتى سباطة قوم فبال عليها قائما فأتيته بوضوء فذهبت لأتأخر عنه فدعانى حتى كنت عند عقبيه فتوضأ ومسح على خفيه قال أبو عيسى وهكذا روى منصور وعبيدة الضبىّ عن أبي وائل عن حذيفة مثل رواية الأعمش وروى حماد بن أبى سليمان وعاصم بن بهدلة عن أبى وائل عن المغيرة بن شعبة عن النبى صلى الله

стр. 95

تعالى عليه وعلى آله وسلم وحديث أبى وائل عن حذيفة أصح اهـ (باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده) وفى نسخة في الإناء يضعه عنده أى في بيان حكم ذلك (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ، يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ» (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن عيسى) بن نجيح أبو جعفر بن الطباع البغدادى روى عن محمد بن مطرّف وابن المبارك ومالك بن أنس وحماد بن زيد وغيرهم. وعنه أبو داود والدارمى والبخارى تعليقا وأبو حاتم الرازى وكثيرون، قال أبو حاتم ثقة مأمون وقال أبو داود كان يحفظ نحوا من أربعين ألف حديث وكان ربما دلس وقال النسائي ثقة. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه مات سنة أربع وعشرين ومائتين (قوله حجاج) بن محمد مولى سليمان بن مجالد البغدادى الحافظ الأعور أبو محمد المصيصى بكسر فشدّ. روى عن شعبة وابن جريج والليث بن سعد وحمزة الزيات وطائفة. وعنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقتيبة ويحيى بن يحيى وغيرهم، قال أبو داود بلغنى أن يحيى كتب عنه نحوا من خمسين ألف حديث ووثقه ابن المدينى والنسائى والعجلى وابن قانع ومسلمة بن قاسم وابن حبان. مات ببغداد في ربيع الأول سنة ست ومائتين وكان تغير بعد أن اختلط قال ابن سعد وكان تغير في آخر عمره وكان ثقة صدوقا وقال الحربى منع يحيى بن معين ابنه أن يدخل عليه أحدا بعد أن اختلط. روى له الجماعة (قوله ابن جريج) بالتصغير هو عبد الملك بن عبد العزيز (قوله حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة) كلهنّ بالتصغير واسم أبيها حكيم نقل الذهبى أنها لم ترو إلا عن أمها ولم يرو عنها سوى ابن جريج ذكرها ابن حبان في الثقات وقال في التقريب إنها غير معروفة (قوله عن أمها) أميمة بنت رقيقة أبوها عبد الله بن بجاد بكسر الموحدة ابن عمير بن الحارث الأنصارى ورقيقة أمها بنت أبى صيفى ابن هاشم بن عبد مناف أخرج أبو نعيم في ترجمتها تبعا للطبرانى حديث ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة بنت رقيقة قالت كان للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قدح من عيدان يبول فيه "الحديث" خلافا لما قالة ابن منده من أن أمها رقيقة بنت خويلد ولا بن السكن القائل إنهما واحدة. روت عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن أزواجه وروى عنها محمد بن المنكدر وابنتها حكيمة. روى لها أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه

стр. 96

وكانت ممن بايع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيعة النساء. روى الترمذى وغيره من طريق ابن عيينة عن محمد بن المنكدر أنه سمع أميمة بنت رقيقة تقول بايعت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في نسوة فقال لنا فيما استطعتن وأطقتن قلن الله ورسوله أرحم منا بأنفسنا (قوله قدح) بفتحتين إناء يكون من خشب أو غيره وجمعه أقداح (قوله من عيدان) بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية جمع عيدانة هي الطوال من النخيل المتجرّدة من السعف قال في القاموس والعيدان بالفتح الطوال من النخل واحدتها بهاء ومنها كان قدح يبول فيه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقيل بكسر العين وسكون الياء جمع عود قال الزركشى اختلف في ضبطه أهو بالكسر والسكون جمع عود أو بالفتح والسكون جمع عيدانة بالفتح وقيل الكسر أشهر رواية، وردّ بأنه خطأ معنى لأنه جمع عود وإذا اجتمعت الأعواد لا يتأتى منها قدح لحفظ الماء بخلاف من فتح العين فإن المراد حينئذ قدح من خشب هذه صفته ينقر ليحفظ ما يجعل فيه اهـ بتصرف، أقول دعوى أن الأعواد لا يتأتى منها قدح يحفظ فيه الماء غير مسلمة بل هو متأتّ وواقع كما هو مشاهد (قوله بالليل) الباء بمعنى في ويفهم من التقييد بالليل أن البول نهارا غير مشروع في القدح إلا لضرورة لأن الليل محل الأعذار غالبا، وإنما اتخذ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قدحا للبول رفقا بنفسه وتعليما لأمته، قال المناوى والظاهر كما قال العراقى أن هذا كان قبل اتخاذ الكنف في البيوت فإنه لا يمكنه التباعد بالليل للمشقة أما بعد اتخاذها فكان يقضى حاجته فيها ليلا ونهارا اهـ وفيه نظر لأن الليل محل مشقة غالبا فالأولى إبقاء الحديث على إطلاقه فيجوز اتخاذ إناء للبول فيه ليلا ولو مع وجود الكنيف. وحديث الباب وإن كان فيه مقال لكنه تقوّى بطرق أخر فقد أخرج الحسن بن سفيان في مسنده والحاكم والدارقطنى والطبرانى وأبو نعيم من حديث أبى مالك النخعى عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزىّ عن أم أيمن قالت قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الليل إلى فخارة له في جانب البيت فبال فيها فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر فلما أصبح النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يا أم أيمن قومى فأهريق ما في تلك الفخارة قلت قد والله شربت ما فيها قالت فضحك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال أما والله إنه لا تبجعن بطنك أبدا، وتبجعنّ بالموحدة، ورواه أبو أحمد العسكرى بلفظ لن تشتكي بطنك، وأبو مالك ضعيف ونبيح لم يدرك أم أيمن، وله طريق أخرى رواها عبد الرزاق عن أبي جريج أخبرت أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره فجاء فإذا القدح ليس فيه شئ فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة أين البول الذى كان في القدح قالت شربته قال صحة يا أم يوسف

стр. 97

وكانت تكنى أم يوسف فما مرضت قط حتى كان مرضها الذى ماتت فيه كذا في التلخيص الحبير وفيه وصحح ابن دحية أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين وهو واضح من اختلاف السياق ووضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن مولاته "فإن قيل" يعارض حديث الباب ما أخرجه أبو يعلى الموصلى في مسنده وابن أبى حاتم في العلل والعقيلى في الضعفاء وابن عدىّ في الكامل وابن السنى وأبو نعيم معا في الطب وأبو نعيم أيضا في الحلية وابن مردويه في تفسيره والرامهرمزي في الأمثال والمستغفرى في الطب النبوى وعثمان الدارمى في الأطعمة عن علىّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من فضلة طينة أبيكم آم وليس من الشجر شجرة أكرم على الله تعالى من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران فأطعموا نساءكم الولد الرطب فإن لم يكن رطب فتمر لأن اتخاذ القدح منها للبول ينافى الإكرام يجاب عنه بأن طرق حديث على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كلها ضعيفة حتى أورده ابن الجوزى في الموضوعات كما ذكره المناوى في شرحه الكبير فلا يعارض حديث الباب. وعلي فرض صحته فاتخاذ القدح منها للبول فيه لا ينافى إكرامها إذ إكرامها سقيها وتلقيحها ونحو ذلك فإذا انفصلت واتخذت قدحا زال اسم النخلة عنها "فإن قلت" يعارضه أيضا ما رواه الطبرانى في الأوسط بسند جيد كما قاله العراقى عن عبد الله بن زيد عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا ينقع البول في طست في البيت فإن الملاكة لا تدخل بيتا فيه بول منتقع. وما رواه ابن أبى شيبة في مصنفه عن ابن عمر قال لا تدخل الملائكة بيتا فيه بول. أى منتقع "قلنا" المراد بانتقاعه طول مكثه يقال نقع الماء نقعا من باب نفع طال مكثه، وما يجعل في الإناء لا يطول مكثه غالبا (فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز إعداد الآنية واتخاذها للبول فيها بالليل في البيوت وعلى جواز بول الرجل بقرب أهل بيته للحاجة. وعلى جواز اتخاذ السرير وأنه لا ينافى الزهد والتواضع (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وابن حبان والحاكم وأبو ذرّ الهروى في مستدركه والدارقطنى والبيهقى. والحديث ضعيف لأن فيه حكيمة وفيها جهالة لكنه تقوّى بطرق أخر تقدم بيانها ولذا حسنه النووى والحافظ ابن حجر والمناوى في شرحه الكبير. وصححه الحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه (باب المواضع التى نهى عن البول فيها) وفى نسخة باب المواضع التى نهى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن البول فيها أى في بيان الأماكن التى نهى الشارع عن قضاء الحاجة فيها فالمراد بالبول ما يشمل الغائط (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ

стр. 98

أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ»، قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ» (ش) (رجال الحديث) (قوله قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف بن عبد الله أبو رجاء الثقفي مولاهم وقال ابن عدى اسمه يحيى بن سعيد وقتيبة لقب وقال ابن منده اسمه علىّ أحد أئمة الحديث. روى عن مالك والليث وإسماعيل بن جعفر وأبى عوانة وغيرهم. وعنه يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو بكر بن أبى شيبة وأحمد بن حنبل وكثيرون، وثقه ابن معين وابن حبان ومسلمة ابن قاسم وأبو حاتم والنسائى وقال صدوق والحاكم وقال ثقة مأمون. روى له الشيخان والنسائى والترمذى وابن ماجه. مات في شعبان سنة أربعين ومائتين (قوله إسماعيل بن جعفر) بن أبى كثير الزرقى الأنصارى مولاهم المدنى القارئُ أحد الأئمة الكبار. روى عن عبد الله بن دينار وربيعة وحميد الطويل ومالك بن أنس وغيرهم. وعنه على بن حجر ويحيى بن يحيى النيسابورى وقتيبة ابن سعيد ويحيى ابن أيوب وجماعة. له نحو خمسمائة حديث. وثقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة والنسائى وابن سعد وابن المدينى وابن حبان. وقال ابن معين ثقة مأمون قليل الخطأ صدوق. روى له الأئمة الستة. مات ببغداد سنة ثمانين ومائة (قوله العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحرقى بضم الحاء المهملة وفتح الراء الجهنى المدنى مولاهم أبو حنبل أحد الأئمة. روى عن أبيه وابن عمر وأنس وسالم بن عبد الله وغيرهم. وعنه ابن جريج وشعبة وابن عيينة ومالك وآخرون وثقه أحمد وقال لم أسمع أحدا يذكره بسوء وقال النسائى ليس به بأس وقال ابن معين وابن عدى ليس بالقوى وقال أبو حاتم صالح روى عنه الثقات ولكنه أنكر من حديثه أشياء وذكره ابن حبان في الثقات وحسن الترمذى حديثه في مواضع وقال هو ثقة عند أهل الحديث وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث ثبت وقال الذهبى في الميزان هو صدوق مشهور احتج به الأئمة الستة إلا البخارى مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (قوله عن أبيه) هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهنى المدنى مولى الحرقة بفتحات. روى عن أبيه أبى هريرة وأبى سعيد وابن عباس وابن عمر وهانئ مولى على وغيرهم. وعنه ابنه العلاء ومحمد بن إبراهيم التيمى وسالم أبو النضر ومحمد بن عجلان ومحمد بن عمرو بن علقمة وغيرهم. وثقه ابن حبان والعجلى وقال النسائى لا بأس به (وقوله اتقوا اللاعنين) اتقوا من الوقاية وهي الحفظ فتاؤه الأولى بدل من واو أى احفظوا أنفكسم من الوقوع في الفعل الذى يترتب عليه اللعن وهو التغوط في طريق الناس أو ظلهم واللاعنين تثنية لا عن من اللعن وهو الطرد والإبعاد أو السبّ قال في المصباح لعنه لعنا من باب نفع طرده وأبعده أو سبه. وفى رواية مسلم اللعانين تثنية لعان بصيغة المبالغة واللاعنان يحتمل أن يراد بهما الملعونان فيكون من باب إسناد الفاعل

стр. 99

للملفعول على حدّ قولهم سرّ كاتم أى مكتوم وعيشة راضية أى مرضية أى اتقوا الفعلين الملعون فاعلهما ويحتمل أن يكون المراد بهما الأسباب الموجبة للعن وهي قضاء الحاجة في طريق الناس أو ظلهم لأن من فعل هذا سُبّ ولُعن عادة فهو من باب المجاز العقلى على كلا الاحتمالين (قوله وما اللاعنان) الواو عاطفة على محذوف فكأنهم قالوا سمعنا وأطعنا وما اللاعنان يا رسول الله (قوله قال الذى يتخلى الخ) أى قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مجيبا لهم أحدهما الذى يتخلى في طريق الناس وثانيهما الذى يتخلى في ظلهم هذا على أن المراد باللاعنين الملعونان وأما على أن المراد بهما الأسباب الموجبة للعن فيكون الكلام على تقدير مضاف أى أحدهما تخلى الذى يتخلى في الطريق والثانى تخلى الذى يتخلى في الظلّ ويتخلى من التخلى وهو التفرّد لقضاء الحاجة من غائط أو بول. وإلى التعميم في الحاجة ذهب الأكثر وهو الظاهر من الحديث لأن التأذى بالرائحة والاستقذار والتنجس يحصل بهما وذهب النووى إلى أن المراد بالتخلى التغوّط فقط ولعل وجهه أن التضرر في الغائط محقق بخلاف البول فقد لا يحصل به التضرر (قوله في طريق الناس) الطريق فعيل بمعنى مفعول أى مطروق وسمى موضع المرور به لطرقه بالأرجل والحوافر وتذكر في لغة نجد وبها جاء القرآن فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا وتؤنث في لغة الحجاز تقول الطريق سلكته وسلكتها وجمعه طرق وأطرق وأطرقة والمراد بها المسلوكة غالبا لا المهجورة (قوله أو ظلهم) قال في النهاية الظل الفئ الحاصل من الحاجز بينك وبين الشمس أىّ شئ كان وقيل هو مخصوص بما كان منه إلى زوال الشمس وما كان بعده فهو الفئ اهـ وهو عام يتناول، كل ظل وعومه ليس مرادا بل هو مخصوص بما يتخذ مقيلا ومنزلا ينزلونه يؤيده ما في رواية أحمد أو ظل يستظل به وما ورد من أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قعد لحاجته تحت حائش من النخل وللحائش لا محالة ظل والحاثش النخل الملتف المجتمع (فقه الحديث) دلّ الحديث على تحريم قضاء الحاجة فيما ذكر من المواضع لما فيه من إيذاء المسلمين بالتنجيس والاستقذار والنتن. وإليه ذهب النووى والرافعى من الشافعية وقال المناوى قال الذهبى إنه من الكبائر وعدّه ابن حجر في الزواجر من الكبائر وذهب جماعة إلى الكراهة والظاهر الأول نظرا للنهى المستفاد من الأمر في الحديث ولحديث من سلّ سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه البيهقى والطبرانى في الأوسط عن أبى هريرة بسند رجاله ثقات وفيه محمد بن عمرو الأنصارى وثقه ابن معين والسخيمة بفتح السين المهملة العذرة. ولحديث من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم رواه الطبرانى بإسناد حسن واللعنة من أمارات التحريم. ومحل الخلاف إذا كانت تلك المواضع

стр. 100

مباحة كما تفيده إضافتها إلى الناس فإن الإضافه للمنفعة لا للملك أما إذا كانت مملوكة فيحرم اتفاقا حيث لا إذن. ودلّ الحديث على جواز لعن من فعل ذلك إذا لم يكن معينا أما إذا كان معينا ففى جواز لعنه خلاف والأصح عدمه قال في الخازن أما العصاة من المؤمنين فلا يجوز لعن أحد منهم على التعيين وأما على الإطلاق فيجوز لحديث لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل فتقطع يده رواه أحمد والشيخان وفيه قال العلماء لا يجوز لعن كافر معين لأن حاله عند الوفاة لا يعلم فلعله يموت على الإسلام وقيل يجوز لعن كافر معين بدليل جواز قتاله اهـ أما لعن الكفار بلا تعيين فجائز اتفاقا لحديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه الشيخان عن أبى هريرة، وعلى أنه يطلب من المتعلم أن يسأل عن الشئ الذى يخفى عليه ولا تمنعه مهابة المعلم من السؤال، وعلى أنه يحوز للمعلم الإجمال في عباراته تشويقا للمتعلم ليثبت الحكم عنده وعلى أنه يطلب البعد مما يؤذى الناس ويدعوهم إلى السبّ واللعن (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد ومسلم في صحيحه والبيهقى وابن حبان بلفظ وفى أفنيتهم بدل ظلهم وابن الجارود في صحيحه بلفظ أو مجالسهم (ص) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبُو حَفْصٍ، وَحَدِيثُهُ أَتَمُّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ، حَدَّثَهُمْ أَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْحِمْيَرِيَّ، حَدَّثَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: " اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ " (ش) (رجال الحديث) (قوله إسحاق) بن إبراهيم (بن سويد) أبو يعقوب (الرملى) روى عن آدم بن أبى إياس وسعيد بن الحكم بن أبي مريم وإسماعيل بن أبى أويس والوليد بن نصر وعنه أبو داود ومحمد بن محمد الباغندى ومكحول البيروتى والنسائى ووثقة هو ومسلمة بن قاسم وأبو بكر بن أبى داود، مات في المحرم سنة أربع وخمسين ومائتين (قوله عمر بن الخطاب أبو حفص) السجستانى نزيل الأهواز. روى عن عبيد الله بن موسى ومحمد بن يوسف الفريابي وسعيد بن الحكم بن أبى مريم ومحمد بن كثير وغيرهم. وعنه أبو داود وأبو بكر بن أبى عاصم وأحمد بن عبد الكريم وجماعة قال ابن حبان مستقيم الحديث وقال في التقريب صدوق من الحادية عشرة. مات سنة أربع وستين ومائتين (قوله سعيد بن الحكم) بن محمد أبو محمد بن أبى مريم الجمحى المصرى الحافظ الفقيه. روى عن مالك بن أنس والليث بن سعد وابن وهب

стр. 101

وسفيان بن عيينة وغيرهم. وعنه البخارى وأبو حاتم وابن معين ومحمد بن يحيى وجماعة وثقه العجلى وأبو حاتم وقال أبو داود حجة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين عن ثمانين سنة. روى له الجماعة (قوله حدّثهم) أى حدّث إسحاق وعمر وغيرهما أو المراد بالجمع ما فوق الواحد (قوله نافع بن يزيد) الكلاعي بفتحتين أبو يزيد المصرى روى عن يزيد بن عبد الله بن الهاد وأبى سفيان وأبى هانئ الخولانى وقيس بن الحجاج. وعنه بقية وابن وهب وعبد الله بن صالح وجماعة. روى له الجماعة إلا الترمذى. وثقه أحمد بن صالح وقال أبو حاتم والنسائى لا بأس به مات سنة ثمان وستين ومائة (قوله حيوة بن شريح) بضم الشين المعجمة ابن صفوان بن مالك التجيبى بالتصغير أو بفتح فكسر أبو زرعة المصرى الزاهد العابد الفقيه أحد الأئمة. روى عن أبيه وربيعة بن يزيد ويزيد بن أبى حبيب وحميد بن هانئ وغيرهم. وعنه الليث وابن المبارك وأبو زرعة ونافع بن يزيد وآخرون. وثقة أحمد وابن معين قال ابن وهب كان يأخذ عطاء كل سنة ستين دينارا فما يطلع منزله حتى يتصدق بها ثم يجيء منزله فيجدها تحت فراشه. روى له الجماعة مات سنة ثمان أو تسع وخمسين ومائة (قوله أن أبا سعيد الحميرى) قال الذهبى في الميزان أبو سعيد الحميرى روى عن معاذ في النهى عن البراز في الموارد لا يدرى من هو روى عنه حيوة بن شريح اهـ وقال الحافظ هو شامى مجهول من الثالثة. روى له أبو داود وابن ماجه وروايته عن معاذ بن جبل مرسلة (قوله عن معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس بن عائذ بن كعب الخزرجى الأنصارى ثم الجشمى أبى عبد الرحمن أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة وشهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أميرا على اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضى بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من عمال اليمن وقال له لما ودّعه حفظك الله من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك ومن فوقك ومن تحتك وردّ عنك شرور الإنس والجن وقد كتب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأهل اليمن إنى بعثت إليكم خير أهلى، وعدّه أنس بن مالك فيمن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيح، وفيه عن عبد الله بن عمرو رفعه اقرأوا القرآن من أربعة فذكر معاذا فيهم. قال الشعبي عن مسروق كنت جالسا مع ابن مسعود فقال إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين فقلت يا أبا عبد الرحمن إنما قال الله تعالى (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا) فأعاد قوله إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا فلما رأيته أعاد عرفت أنه تعمد الأمر فسكتّ فقال أتدرى ما الأمة وما القانت قلت الله أعلم قال الأمة الذى يعلم الخير ويؤتم به ويقتدى والقانت الطيع لله وكذلك كان معاذ بن جبل معلما للخير مطيعا لله ولرسوله اهـ وقال أبو نعيم في الحلية كان معاذ إمام الفقهاء وكنز العلماء وكان

стр. 102

أفضل شباب الأنصار حلما وحياء وسخاء جميلا وسيما اهـ وقال عبد الرزاق كان معاذ شابا جميلا سمحا لا يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه اهـ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأتى معاذ يوم القيامة إمام العلماء، وقال ابن عمر حدّثونا عن العالمين العاقلين قيل ومن هما قال معاذ بن جبل وأبو الدرداء، وعن أنس عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أرحم أمتى بأمتى أبو بكر وأشدّهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبىّ بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح رواه أحمد والترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح. له سبعة وخمسون ومائة حديث اتفق الشيخان على حديثين وانفرد البخارى بثلاثة ومسلم بواحد. روى عنه من الصحابة ابن عباس وابن عمروا بن عمرو وأنس، ومن التابعين ابن عدى وابن أبى أوفى الأشعرى وعبد الرحمن بن سمرة وجابر بن أنس وآخرون، قدم من اليمن في خلافة أبى بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وكانت وفاته بناحية الأردن في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة وقيل ثمان وعشرين وقيل ثلاث وثلاثين. وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس (قوله الملاعن) جمع ملعنة والمواضع التى يرتفق الناس بها فيلعنون من يقضى حاجته فيها ويسبونه قال في المصباح والملعنة بفتح الميم والعين موضع لعن الناس لما يؤذيهم كقارعة الطريق ومتحدثهم والجمع الملاعن اهـ والمعنى اجتنبوا مجالب اللعن لأن أصحابها تلعنهم المارّة على فعلهم القبيح ولأنهم يفسدون على الناس منفعتهم وهو ظلم والظالم ملعون ويحتمل أن يراد بها الفعلات التى يتسبب عنها اللعن فيكون مجازا مرسلا أطلق فيه اسم المسبب على السبب قال في النهاية والملاعن جمع ملعنة وهي الفعلة التى يلعن بها فاعلها كأنها مظنة للعن ومحل له وهي أن يتغوّط الإنسان على قارعة الطريق أو ظلّ الشجر أو جانب النهر فإذا مرّ بها الناس لعنوا فاعلها اهـ. وقيل إنه جمع ملعن مصدر ميمى والمعنى اتقوا اللعنات أى أسبابها أو المصدر بمعنى الفاعل أى الحاملات على اللعن (قوله الثلاثة) كذا في أكثر النسخ وهو واضح على القول بأن الملاعن جمع ملعن أما على أنها جمع ملعنة فإن مقتضى القياس حذف التاء كما في بعض النسخ ورواية ابن ماجه لأن المعدود مؤنث فتحذف التاء من اسم العدد ولكنه ليس بواجب إلا إذا ذكر المعدود مؤخرا وهنا ذكر مقدما (قوله البراز) بفتح الموحدة وقيل بكسرها منصوب على البدلية من الملاعن ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف أى أحدها البراز وهو في الأصل الفضاء الواسع الخالى من الشجر أطلق على العذرة لأنهم كانوا يقضونها فيه إطلاقا لاسم المحل على الحالّ فهو مجاز مرسل كما تقدم (قوله في الموارد) أى المجارى والطرق إلى الماء واحدها مورد يقال وردت الماء إذا حضرته لتشرب والورد

стр. 103

الماء الذى ترد عليه اهـ من النهاية وقال الخطابى هي طرق الماء واحدها موردة اهـ وقال الطيبى المورد هو الماء الذى ترد عليه الناس من عين أو نهر اهـ ويؤيده ما في رواية أحمد أو نقع ماء بدل الموارد والنقع الماء المجتمع وقيل الموارد الأمكنة التى تأتيها الناس كالأندية ولا مانع من إرادة جميعها (قوله وقارعة الطريق) بالجر عطفا على الموارد أى والبراز في قارعة الطريق أى وسطه وقيل أعلاه والمراد بها هنا نفس الطريق وقارعة مشتقة من القرع وهو الضرب فهى قارعة بمعنى مقروعة فاعلة بمعنى مفعولة سميت بذلك لقرعها وضربها بالنعال والحوافر فالإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف أى الطريق المقروعة (قوله والظلّ) بالجر عطفا على الموارد أيضا وتقدم بيانه والمراد منه (فقه الحديث) دلّ الحديث على تحريم قضاء الحاجة في مجارى الماء والطرق التى تمرّ فيها الناس والأمكنة التى يؤخذ منها الماء لما فيه من الإيذاء للناس بالتقذير ونحوه وتقدمت بقية الفوائد في الحديث الذى قبله (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه، وقال هو مرسل والحاكم وابن السكن والطبرانى والبيهقى. ثم قيل إن الحديث ضعيف لأنه من رواية أبى سعيد الحميرى وهو لم يدرك معاذا فهو منقطع ولا يعرف بغير هذا الإسناد كما قاله الحافظ ابن حجر وبه ردّ تصحيح الحاكم وابن السكن له، وقال العراقى ارتقى إلى درجة الحسن بوجود الشواهد اهـ فمن الشواهد ما رواه أحمد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اتقوا الملاعن الثلاث أن يقعد أحدكم في ظلّ يستظلّ به أو في طريق أو نقع ماء وقوْله أن يقعد أحدكم أى لحاجته كما في بعض الروايات وفيه ضعف لأجل ابن لهيعة والراوى عن ابن عباس مبهم، وما رواه ابن ماجه عن جابر بإسناد حسن مرفوعا إياكم والتعريس على جواد الطريق فإنها مأوى الحيات والسباع وقضاء الحاجة عليها فإنها الملاعن، وما روى عن ابن عمر نهى أن يصلى على قارعة الطريق أو يضرب عليها الخلاء أو يبال فيها وفى إسناده ابن لهيعة إلى غير ذلك مما تقدّم من الأحاديث (باب في البول في المستحم) أى في بيان حكم البول في المستحم وهو بضم الميم وفتح الحاء المهملة في الأصل الموضع الذى يغتسل فيه بالحميم وهو الماء الحارّ ثم أطلق على مكان الاغتسال بأى ماء كان وهو المراد بالمغتسل المصرحّ به في رواية الطبرانى في الأوسط بإسناد حسن وفي رواية الحاكم بإسناد صحيح بلفظ ولا تبولن في مغتسلك وفى رواية المصنف الآتية بعد وفى بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة

стр. 104

(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا مَعْمَرٌ، أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: " لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ قَالَ أَحْمَدُ: ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ " (ش) (رجال الحديث) (قوله أحمد بن محمد بن حنبل) هو الإمام الجليل أبو عبد الله الشيبانى المروزى البغدادى الحافظ الحجة الفقيه المجتهد إمام أهل السنة والجماعة قال فيه الشافعى خرجت من بغداد وما خلفت فيها أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أعلم من أحمد وقال إبراهيم الحربى رأيت أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين وقال قتيبة خير أهل زماننا هذا الشاب يعنى أحمد بن حنبل وقال لولا أحمد لأحدثوا في الدين وقال أو مسهر لما قيل له هل تعرف أحدا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها قال لا أعلمه إلا شابا في ناحية المشرق يعنى أحمد ابن حنبل وعن إسحاق أحمد حجة بين الله وخلقه. وكان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يقول لا تكتبوا العلم عمن يأخذ عليه عرضا من الدنيا وكان يضرب به المثل في اتباع السنة واجتناب البدعة وكان لا يدع قيام الليل قط وله في كل يوم وليلة ختمة وقال أبو عصمة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بتّ ليلة عند أحمد بن حنبل فجاء بماء فوضعه فلما أصبح نظر إلى الماء كما هو فقال يا سبحان الله رجل يطلب العلم ولا يكون له ورد. وكان مجلسه خاصا بالآخرة لا يذكر فيه شئ من أمر الدنيا وتعرّت أمه من الثياب فجاءته زكاة فردّها وقال العرى لهم خير من أوساخ الناس وإنها أيام قلائل ثم نرحل من هذه الدار. وكان إذا جاع أخذ الكسرة اليابسة فنفضها من الغبار ثم صبّ عليها الماء حتى تبتلّ ثم يأكلها بالملح. وكان أكثر إدامه الخلّ. وكان من أصبر الناس على الوحدة لا يراه أحد إلا في المسجد أو جنازة أو عيادة. وكان ورده في كل يوم وليلة ثلثمائة ركعة فلما ضرب بالسياط ضعف فكان يصلى مائة وخمسين ركعة. وكان سبب ضربه بالسياط امتناعه عن القول بخلق القرآن وسبب هذه الفتنة أن القاضى أحمد بن أبى دؤاد كان ممن نشأ في العلم وتضلع بعلم الكلام وصحب فيه هياج بن العلاء السلمى صاحب واصل بن عطاء أحد رءوس المعتزلة وكان ابن أبى دؤاد رجلا فصيحا معظما عند المأمون يقبل شفاعاته ويصغى إلى كلامه فدسّ له القول بخلق القرآن وحسنه عنده وصيره يعتقده حقا مبينا فجمع رأيه سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه فكتب إلى نائبه على بغداد كتابا يقول فيه سل العلماء عن القرآن

стр. 105

أهو مخلوق أم غير مخلوق فمن أجاب بخلقه فخلّ سبيله ومن لم يجب فاحمله إلينا فأجاب إلى خلقه جماعة وامتنع آخرون وكان ممن امتنع أحمد بن حنبل رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فحمل إلى المأمون مسلسلا بالقيود قال أحمد بن عسان لما حملت مع أحمد بن حنبل إلى المأمون تلقانا الخادم وهو يبكي ويقول عزّ علىّ يا أبا عبد الله ما نزل بك قد جرّد أمير المؤمنين سيفا لم يجرّده قط وبسط نطعا لم يبسطه قط ثم قال وقرابتى من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لارفعت السيف عن أحمد وصاحبة حتى يقولا القرآن مخلوق فجثا أحمد على ركبتيه ولحظ السماء بعينيه ودعا فما مضى الثلث الأول من الليل إلا ونحن بصيحة وضجة فأقبل علينا خادمه وهو يقول صدقت يا أحمد القرآن كلام الله غير مخلوق قد مات والله أمير المؤمنين. وكان قد لقيه قبل أن يدخل المدينة رجل من العباد فقال احذر يا أحمد أن يكون قدومك مشئوما على المسلمين فإن الله تعالى قد رضى بك لهم وافدا والناس إنما ينظرون إلى ما تقول فيقولون به فقال أحمد حسبنا الله ونعم الوكيل. وقال الربيع بن سليمان إن الشافعى قال يا ربيع خذ كتابى هذا فامض به وسلمه إلى أبى عبد الله وأتنى بالجواب قال الربيع فدخلت بغداد ومعى الكتاب فصادفت أحمد في حنبل في صلاة الصبح فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت هذا كتاب أخيك الشافعى من مصر فقال لى أحمد نظرت فية فقلت لا فكسر الختم فقرأ وتغرغرت عيناه فقلت (إيش) فيه أبا عبد الله فقال يذكر فيه أنه رأى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في النوم فقال له اكتب إلى أبى عبد الله فاقرأ ﵇ وقل له إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم فيرفع الله لك علما إلى يوم القيامة قال الربيع فقلت له البشارة يا أبا عبد الله فخلع أحد قميصيه الذى يلى جسده فأعطانيه فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر وسلمته إلى الشافعى فقال (إيش) الذى أعطاك فقلت قميصه فقال لست أفجعك فيه ولكن بله وادفع إليّ الماء أتبرّك به. ولما سجنوه وضعوا في رجليه أربعة قيود. وكان ابن أبى دؤاد هو الذى تولى جدال أحمد عن الخليفة وقال للخليفة إن أحمد ضال مبتدع ثم يلتفت إلى أحمد ويقول له قد حلف الخليفة أن لا يقتلك بالسيف وإنما هو ضرب بعد ضرب إلى أن تموت فما زالوا بأحمد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يناظرونه بالليل والنهار إلى أن ضجر الخليفة فلما طال بهم الحال قال ابن أبى دؤاد يا أمير المؤمنين اقتله ودمه في أعناقنا فرفع الخليفة يده ولطم بها وجه أحمد فخرّ مغشيا عليه فخاف الخليفة على نفسه ممن كان من الشيعة مع أحمد فدعا بماء فرش منه على وجه أحمد ولما قدم إلى السياط أغاثه الله تعالى برجل يقال له أبو الهيثم العيار فوقف عنده وقال يا أحمد أنا فلان اللص ضربت ثمانية عشر ألف سوط لأقرّ فما أقررت وأنا أعرف أنى على الباطل فاحذر أن تتقلق وأنت على الحق من حرارة السوط فكان أحمد كلما أوجعه الضرب تذكر كلام اللص. وقال الفضيل بن عياض حبس الإمام

стр. 106

أحمد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ثمانية وعشرين شهرا وكان فيها يضرب كلّ قليل إلى أن يغمى عليه وينخس بالسيف ويرمى بالأرض ويداس عليه ولم يزل كذلك إلى أن مات المعتصم وتولى بعده الواثق فاشتد الأمر على أحمد حتى مات الواثق وتولى المتوكل فرفع المحنة عن أحمد وأمر بإحضاره وإكرامه وإعزازه وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة وأن القرآن غير مخلوق وخمدت المعتزلة (وبالجملة) ففضائله كثيرة. روى عن إبراهيم بن سعد وعبد الرزاق ووكيع ويحيى بن سعيد القطان وكثيرين. وعنه الشافعى من شيوخه والشيخان وأبو داود وأكثر عنه في كتابه هذا وابن معين وآخرون. ولد ببغداد ونشأ بها ومات فيها ودخل الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة. ولما مرض رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اجتمع الناس على بابه لعيادته حتى امتلأت الشوارع. ولما قبض صاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء وارتجت الدنيا لموته وخرج أهل بغداد إلى الصحراء يصلون عليه فحزروا من حضر جنازته من الرجال ثمانمائة ألف ومن النساء ستين ألفا سوى من كان في الأطراف والسفن والأسطحة فإنهم بذلك يكونون أكثر من ألف ألف. وأسلم يوم وفاته عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس. وكانت وفاته رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سنة إحدى وأربعين ومائتين وقد استكمل سبعا وسبعين سنة (قوله الحسن بن علي) بن محمد الهذلى أبو على الخلال المكي الحافظ. روى عن عبد الصمد ووكيع وعبد الرّزاق بن همام وأبى أسامة وآخرين. وعنه إبراهيم الحربى والبخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه وكثيرون، قال يعقوب بن شيبة كان ثقة ثبتا متقنا ووثقه النسائى والخطيب وابن حبان وقال الترمذى كان حافظا. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين (قوله عبد الرزاق) بن همام ابن نافع أبو بكر الحميرى مولاهم الصنعاني أحد الحفاظ الأثبات صاحب التصانيف. روى عن ابن جريج والأوزاعي ومالك وسعيد بن مسلم وكثيرين. وعنه ابن عيينة وإسحاق وأحمد ابن حنبل وابن معين وغيرهم .. ووثقه الأئمة كلهم إلا العباس بن عبد العظيم العنبرى وحده فتكلم بكلام أفرط فيه ولم يوافقه عليه أحد وقال ابن معين كان عبد الرزّاق أثبت في حديث معمر من هشام بن يوسف وقال هشام بن يوسف كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا وقال الذهلى كان أيقظهم في الحديث وكان يحفظ وقال ابن عدىّ رحل إليه ثقات المسلمين وكتبوا عنه إلا أنهم نسبوه إلى التشيع وهو أعظم ما رموه به وقال إبراهيم بن عباد كان يحفظ نحوا من سبعة عشر ألف حديث وقال الأثرم عن أحمد من سمع منه بعد ما عمى فليس بشئ. روى له الجماعة. مات سنة إحدى عشرة ومائتين (قوله قال أحمد حدثنا معمر الخ) فيه إشارة إلى بيان الاختلاف في السندين بأن رواية أحمد فيها التصريح بتحديث عبد الرزاق عن معمر وبإخبار معمر عن أشعث بخلاف رواية الحسن فإنها بالعنعنة فيهما وبأن الأشعث في رواية الحسن منسوب إلى أبيه بخلاف رواية

стр. 107

أحمد. أما ما في النسائى من قوله عن الأشعث بن عبد الملك فهو خطأ أو سهو من النساخ والصحيح ما في المصنف وكتب الرجال من أنه ابن عبد الله (ومعمر) هو ابن راشد الأزدى أبو عروة البصرى ثم اليماني أحدا الأئمة الأعلام. روى عن الزهرى وهمام بن منبه وقتادة وعمر وبن دينار وغيرهم. وعنه سفيان الثورى من أقرانه وأيوب من شيوخه وشعبة وابن عيينة وآخرون، قال العجلى ثقه صالح وقال النسائى ثقة مأمون وقال أبو حاتم حدّث من حفظه بالبصرة بأحاديث غلط فيها وقال يحيى بن معين حديث معمر عن ثابت البنانى ضعيف. مات سنة ثلاث أو أربع وخمسين ومائة وله ثمان وخمسون سنة. روى له الجماعة (قوله عن أشعث بن عبد الله) بن جابر الأعمى أبى عبد الله البصرى. روى عن أنس وشهر بن حوشب والحسن بن أبى الحسن ومحمد بن سيرين وغيرهم. وعنه معمر وشعبة ونصر بن على ويحيى القطان وطائفة. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه. وثقه النسائى وابن معين وقال الدارقطنى يعتبر به وقال البزار ليس به بأس مستقيم الحديث وأورده العقيلى في الضعفاء وقال في حديثه وهم لكن قال الذهبى في الميزان قول العقيلى في حديثه وهم ليس بمسلم وأنا أتعجب كيف لم يخرج له الشيخان (قوله الحسن) بن يسار البصرى (قوله عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة ابن عبد نهم بن عفيف المزنى أبو سعيد كان من أصحاب بيعة الشجرة قال الحسن البصرى كان أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر يفقهون الناس وكان من البكائين في غزوة تبوك الذين أنزل الله تعالى فيهم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم إلى قوله تعالى وأعينهم تفيض من الدمع حزنا. وفضائله كثيرة. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثلاثة وأربعون حديثا اتفق الشيخان منها على أربعة وانفرد البخارى بحديث ومسلم بآخر وروى عن أبى بكر وعثمان وعبد الله بن سالم، وعنع أبو العالية وسعيد بن جبير والحسن البصرى وثابت البنانى وغيرهم. سكن المدينة ثم تحوّل إلى البصرة وابتنى بها دارا ومات بها سنة تسع وخمسين أو ستين. روى له الجماعة (قوله لا يبولنّ أحدكم) النهى فيه متوجه لجميع الأمة وإن كان ظاهر الخطاب لمن كان حاضرا من الصحابة (قوله في مستحمه) الإضافة فيه لأدنى ملابسة لأن المراد مكان الاغتسال ولو غير مملوك (قوله ثم يغتسل فيه) ثم استبعادية يعنى يستبعد من العاقل أن يغتسل أو يتوضأ في محل بال فيه لما يترتب على ذلك من الوسوسة ونظيره قوله تعالى (الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) أى يستبعد كفر من كفر بعد قيام الأدلة على وحدانية الله تعالى ويغتسل الرواية فيه بالرفع فيكون خبرا لمبتدإ محذوف أى ثم هو يغتسل فيه والمعنى عليه لينته أحدكم عن البول في المستحم وله أن يغتسل فيه وإن لم ينته فليس له أن يغتسل فيه، ويجوز نصبه

стр. 108

في جواب النهى على أن ثم بمعنى الواو، وقول النووى لا يجوز النصب لأنه يقتضى أن المنهى عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقل به أحد بل البول منهيّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا غير مسلم فإن النهى عن الجمع بين البول والاغتسال في مكان واحد لا مانع من إرادته في الحديث بدليل التعليل الآتى وكونه يترتب عليه جواز البول في المستحم ولم يقل به أحد هذا وإن كان مسلما إلا أنه جاء من طريق المفهوم وهو معارض بالتعليل المذكور في الحديث فإنه لو بال في المغتسل أحد واغتسل فيه آخر أورثه ذلك الوسوسة ومعارض أيضا بنحو قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا ضرر ولا ضرار رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس، وقال ابن دقيق العيد النهى عن الجمع بينهما يؤخذ من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب ويؤخذ النهى عن الإفراد من حديث آخر اهـ وأما لو بال في المستحم وهجره من الاغتسال فيه جاز له ذلك، ويجوز جزم يغتسل عطفا على يبولنّ والمعنى عليه النهى عن البول في المستحم وهو ظاهر وعن الاغتسال فيه على معنى الانغماس فيه لما يترتب عليه من قذارة الماء وعليه فالنهى للتنزيه (قوله قال أحمد ثم يتوضأ) أى قال أحمد بن محمد بن حنبل في روايته ثم يتوضأ بدل يغتسل في رواية الحسن وهذا ظاهر كلام المصنف والذى في رواية البيهقى من طريق أحمد ثم يغتسل فيه ثم يتوضأ (قوله فإن عامة الوسواس منه) أى من الغسل أو الوضوء في محل البول، وهو علة للنهى وعامة الشئ جميعه أو أكثره وهو المراد هنا والوسواس حديث النفس بما لا خير فيه أو بما فيه شرّ وهو مصدر وسوس يقال وسوس يوسوس وسوسة ووسواسا بكسر الواو ووسواسا بفتحها والوسواس بالفتح اسم للشيطان أيضا وكل منهما يصح إرادته هنا أما الأول ظاهر وأما الثانى فعلى تقدير مضاف أى فإن عامة فعل الوسواس منه والمراد بفعل الوسواس وسوسته. قال العراقى علل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا النهى بأن هذا الفعل يورث الوسواس ومعناه أن المغتسل يتوهم أنه أصابه شئ من رشاشه فيحصل له وسواس. وروى ابن أبى شيبة في مصنفه عن أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أنه قال إنما يكره البول في المغتسل مخافة اللمم، وذكر صاحب الصحاح وغيره أن اللمم طرف من الجنون وهذا يقتضى أن العلة في النهى عن البول في المغتسل خشية أن يصيبه شئ من الجن وهو معنى مناسب لأن المغتسل محل حضور الشياطين لما فيه من كشف العورة فهو في معنى البول في الجحر. لكن المعنى الذى علل به النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أولى بالاتباع قال ويمكن جعله موافقا لقول أنس بأن يكون المراد بالوسواس في الحديث الشيطان وفيه حذف تقديره فإن عامة فعل الوسواس أى الشيطان منه وفعل الوسواس هنا اللمم لكنه خلاف ما فهمه العلماء من الحديث ولا مانع من التعليل بهما فكل منهما علة مستقلة اهـ وقال السيوطي هما علة واحدة ولا منافاة فإن اللمم الذى ذكره أنس هو الوسواس بعينه وذلك طرف من الجنون فإنه قد كثر في الحديث والآثار وأشعار العرب إطلاق الوسواس مرادا به الجنون فمن ذلك حديث أحمد عن عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُقال لما توفى النبى صلى

стр. 109

الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حزن أصحابه حتى كاد بعضهم يوسوس أى يجنّ، وقيل لولا مخافة الوسواس لكنت بأرض ليس فيها ناس، فالذى قاله أنس هو عين الذى قاله النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ قال الشيخ العراقى حمل جماعة من العلماء هذا الحديث على ما إذا كان المغتسل لينا وليس فيه منفذ بحيث إذا نزل فيه البول شربته الأرض واستقرّ فيها فإن كان صلبا ببلاط ونحوه بحيث يجرى عليه البول ولا يستقر أو كان فيه منفذ كالبالوعة فلا نهى. فقد روى ابن أبى شيبة عن عطاء قال إذا كان يسيل فلا بأس، وقال ابن المبارك فيما نقله عنه الترمذي قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء، وقال النووى إنما نهى عن الاغتسال فيه إذا كان صلبا يخاف منه إصابة رشاشه فإن كان لا يخاف ذلك بأن يكون له منفذ أو غير ذلك فلا كراهة اه ونحوه لابن الأثير والخطابى. قال الشيخ ولى الدين وهو عكس ما ذكره الجماعة فإنهم حملوا النهى على الأرض اللينة وحمله هو على الصلبة وقد لمح هو معنى آخر وهو أنه في الصلبة يخشى عود الرشاش وهم نظروا إلى أنه في الرخوة يستقرّ موضعه وفى الصلبة بحرى ولا يستقرّ فإذا صب عليه الماء ذهب أثره بالكلية، والحديث ليس مقيدا بشئ مما ذكر بل الظاهر إبقاؤه على عمومه ما بقى أثر النجاسة لينقطع سبيل الوسواس فلا فرق في المستحم بين أن يكون صلبا أو رخوا له منفذ أو لا. أما إذا زال أثرها فلا نهى (واعلم) أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان أحرص الناس على هداية الأمة وإرشادهم إلى ما فيه فلاحهم دنيا وأخرى فلم يدع سبيلا يرشد إلى الخير إلا وقد أمر به ولا طريقا يوصل إلى الشرّ إلا وقد نهى عنه كما قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما تركت شيئا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به ولا شيئا يبعدكم عن الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه رواه الطبرانى في الكبير عن زيد بن أرقم، وقد امتن الله على أمته ببعثته فقال تعالى (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين) فهو صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رحمة عامة ونعمة تامة فمن هدايته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشفقته علينا نهيه لنا عن البول في محل الطهارة وإعلامه أن عامة الوسواس منه ذلك الأمر الذى يترتب عليه الخروج عن هدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واستحواذ الشيطان على من قام به حتى يوقعه في المشقة والعناء فيخيل لمن رآه أن به جنونا وحسبك أن فحول العلماء المحققين قد ألفوا في ذم الوسواس كتبا مستقلة وأطالوا الكلام بما يشفى ويكفي، فمن ذلك ما ذكره ابن قدامة المقدسى في كتابه ذمّ الموسوسين قال إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان حيث اتصفوا بوسوسته وقبلوا قوله وأطاعوه ورغبوا عن اتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وصحابته حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو صلى كصلاته فوضوؤه باطل وصلاته غير صحيحة ويرى أنه إذا فعل مثل فعل

стр. 110

رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في مؤاكلة الصبيان وأكل طعام عامة المسلمين أنه قد صار نجسا يجب عليه تسبيع يده وفمه كما لو ولغ فيهما كلب، ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون ويقارب مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات والأمور المحسوسات وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غسلا يشاهده ببصره ويكبر ويقرأ بلسانه بحيث تسمعه أذناه ويعلمه قلبه بل يعلمه غيره منه ويتيقنه ثم يشك هل فعل ذلك، وكذلك يشككه الشيطان في نيته التى يعلمها من نفسه يقينا بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله ومع هذا يقبل قول إبليس له إنه ما نوى الصلاة ولا أرادها مكابرة منه لعيانه وجحدا ليقين نفسه حتى تراه متردّدا متحيرا كأنه يعالج شيئا يجتذبه أو يجد شيئا في باطنه يستخرجه كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس وقبول وسوسته، ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية في طاعته، ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه ويطيعه في الإضرار بجسده تارة بالغوص في الماء البارد وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك وربما فتح عينيه في الماء البارد وغسل داخلهما حتى يضرّ ببصره وربما أفضى إلى كشف عورته للناس وربما صار إلى حال يسخر منه الشيطان ويستهزئُ به من يراه (وذكر) أبو الفرج بن الجوزى عن أبي الوفاء بن عقيل أن رجلا قال له أنغمس في الماء مرارا كثيرة وأشك هل صح لى الغسل فما ترى في ذلك فقال له الشيخ اذهب فقد سقطت عنك الصلاة قال وكيف قال لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ والنائم حتى يستيقظ والصبى حتى يبلغ رواه أحمد وأبو داود عن على وعمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما، ومن ينغمس في الماء مرارا وشك هل أصابه الماء فهو مجنون، قال وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة وربما فاته الوقت ويشغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى وربما فوّت عليه ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذه ويكذب، وحكى لى من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا يكرر عقد النية مرارا فيشق على المأمومين مشقة كبيرة فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة فلم يدعه إبليس حتى زاد ففرّق بينه وبين امرأته فأصابه لذلك غمّ شديد وأقاما متفرقين دهرا طويلا حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر وجاءه منها ولد ثم إنه حنث في يمين حلفها ففرّق بينهما وردّت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها، وبلغنى عن آخر كان شديد التنطع في التلفظ بالنية فاشتدّ به التنطع والتشديد يوما إلى أن قال أصلى أصلى مرارا صلاة كذا وكذا وأراد أن يقول أداء فأعجم الدال وقال أذاء لله فقطع الصلاة رجل إلى جانبه فقال ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين. قال ومنهم من يتوسوس في إخراج الحرف حتى يكرّره مرارا قال فرأيت منهم من يقول لله أكككبر. قال
следующие страницы →