Полный текст (3 378 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وقيل لكونها من الشياطين والملائكة ضدّ الشياطين، وقيل لأنها تأكل النجاسة وتتلطخ بها فينجس ما تعلقت به وعلى هذا يحمل قول من قال إن الكلب غير نجس العين ينضح موضعه على الاحتياط لأن النضح مشروع لتطهير المشكوك فيه، ولقائل أن يقول إن امتناع الملائكة من دخول البيت الذى فيه كلب أمر غير معقول لنا إذ كل التعليلات التي ذكرت غير مسلمة إذ الخنزير أولى بامتناع الملائكة بوجوده وكذلك النجاسات الأخر مع أنه لم يرد نص عن الشارع يدل على امتناع دخول الملائكة بشئ من ذلك
(قوله ولا جنب) ظاهره العموم أيضا فيشمل من أصابته الجنابة أول الليل وأخر الغسل إلى آخره لكن هذا العموم ليس مرادا بل المراد به من يتعوّد ترك الغسل ويتهاون فيه إلى أن يخرج وقت الصلاة (قال) الخطابي لم يرد بالجنب ها هنا من أصابته جنابة فأخر الاغتسال إلى حضور الصلاة ولكن يجنب فلا يغتسل ويتهاون به ويتخذ تركه عادة فإن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يطوف على نسائه في غسل واحد وفي هذا تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوده اهـ، أما الجنب الذى لا يتخذ ذلك عادة له ولا يترك الاغتسال إلى أن يخرج وقت الصلاة فلا يمنع دخول الملائكة البيت لما تقدم من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل تارة أول الليل وتارة آخره ومن أنه رخص للجنب أن ينام قبل أن يغتسل ولما سيأتى للمصنف عن عائشة من أنه كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء (والحكمة) في امتناع الملائكة من دخول البيت الذى فيه الجنب المتهاون بالجنابة أنه بعيد عن العبادة ممتنع من التلاوة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على التنفير من اتخاذ الكلب والتصاوير على ما تقدم بيانه وعلى أن التهاون في الغسل من الجنابة مانع للخير الكثير والبركة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم وابن ماجه ومالك في الموطأ والطحاوى في شرح معاني الآثار بدون ذكر الجنب وأخرجه النسائى والبيهقي بلفظ المصنف
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً».
(ش) (قوله سفيان) الثورى. و (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعى و (الأسود) بن يزيد
(قوله من غير أن يمسّ ماء) أى لا لغسل ولا لوضوء وهو لا ينافي ما تقدّم من استحباب الوضوء قبل النوم لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك مسّ
стр. 632
الماء لبيان الجواز (قال) النووى في شرح مسلم إن صح هذا الحديث لم يكن مخالفا للروايات الأخر من أنه كان يتوضأ ثم ينام بل كان له جوابان "أحدهما" جواب الإمامين الجليلين أبى العباس ابن شريح وأبى بكر البيهقى أن المراد لا يمس ماء للغسل "والثاني" وهو عندى حسن أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ماء أصلا لبيان الجواز إذ لو واظب عليه لتوهم وجوبه
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز نوم الجنب من غير وضوء ولا غسل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه والطحاوى والبيهقى وقد علمت أن فيه مقالا وأن جماعة قد صححوه
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، يَقُولُ: «هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ» يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ
(ش) غرض المصنف بهذا بيان حال الحديث السابق
(قوله الحسن بن على) بن راشد نزيل البصرة. روى عن المعتمر بن سليمان وابن المبارك ويزيد بن هارون وجماعة. وعنه أبو زرعة وأبو بكر البزار والحسن بن سفيان والساجى وآخرون. قال ابن حبان مستقيم الحديث جدّا وقال ابن عدى لم أر بحديثه بأسا إذا حدّث عنه ثقة ولم أسمع أحدا قال فيه شيئا فنسبه إلى ضعف غير عباس العنبرى. مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. روى له أبو داود والنسائى. و (الواسطى) نسبة إلى واسط وهي عدة مواضع واسط الحجاج وواسط الحجاز وواسط الجزيرة وواسط اليمامة وواسط العراق ولعلّ التى نسب إليها الحسن بن على واسط الحجاج كما تقدم من أنه نزل البصرة
(قوله هذا الحديث وهم) أى الحديث السابق غلط وكذا قال جماعة ففى الترمذي "وقد" روى غير واحد عن الأسود عن عائشة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه كان يتوضأ قبل أن ينام وهذا أصح من حديث أبى إسحاق عن الأسود وقد روى عن أبى إسحاق هذا الحديث شعبة والثورى وغير واحد ويرون أن هذا غلط من أبى إسحاق اهـ ووجه غلط أبى إسحاق أنه اختصر حديثه هذا من حديث طويل فأخطأ في اختصاره "وقد" ذكره الطحاوى مطوّلا عن أبى إسحاق قال أتيت الأسود بن يزيد وكان لى أخا وصديقا فقلت يا أبا عمرو حدثني ما حدثتك عائشة أم المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا عن صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينام أول الليل ويحيى آخره ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمسّ ماء فإذا كان عند النداء الأول وثب وما قالت قام فأفاض عليه الماء وما قالت اغتسل وأنا أعلم ما تريد وإن كان جنبا توضأ
стр. 633
وضوء الرجل للصلاة "وأخرج" مسلم والبيهقى نحوه (قال) الطحاوى فهذا الأسود بن يزيد قد أبان في حديثه أنه كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وأما قولها فإن كان له حاجة قضاها ثم ينام قبل أن يمسّ ماء فيحتمل أن يكون مرادها أنه لم يغتسل فلا ينافي أنه كان يتوضأ وقد بين ذلك غير أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة وذلك ما حدثنا ابن مرزوق قال حدثنا بشير بن عمر قال ثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن ينام أو يأكل وهو جنب يتوضأ ثم روى عن الأسود من رأيه مثل ذلك ثنا روح بن الفرج ثنا يوسف بن عدى ثنا أبو الأحوص عن مغيرة عن إبراهيم قال قال الأسود إذا أجنب الرجل فأراد أن ينام فليتوضأ فاستحال عندنا أن تكون عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قد حدثته عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه كان ينام ولا يمسّ ماء ثم يأمرهم بعد ذلك بالوضوء. ولكن الحديث في ذلك ما رواه إبراهيم وبعد ما ذكر ما يؤيد رواية إبراهيم السابقة قال فثبت بما ذكرنا فساد ما روى عن أبى إسحاق عن الأسود مما ذكرنا وثبت ما روى إبراهيم عن الأسود اهـ ببعض تصرّف (وقال) ابن العربى في العارضة بعد أن ذكر حديث أبى إسحاق بطوله فهذا الحديث الطويل فيه وإن نام وهو جنب توضأ وضوء الصلاة فهذا يدلك على أن قوله فإن كان له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمسّ ماء يحتمل أحد وجهين إما أن يريد بالحاجة حاجة الإنسان من البول والغائط فيقضيها ثم يستنجى ولا يمسّ ماء وينام فإن وطئَ توضأ كما في آخر الحديث، ويحتمل أن يريد بالحاجة حاجة الوطء وبقوله ثم ينام ولا يمسّ ماء يعنى ماء الاغتسال ومتى لم يحمل الحديث على أحد هذين الوجهين تنافض أوله وآخره فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة هي حاجة الوطء فنقل الحديث على معنى ما فهم اهـ كلام ابن العربى (أقول) لكن الحديث رواه ابن ماجه عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة من عدّة طرق كرواية المصنف (منها) أنها قالت إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن كانت له إلى أهله حاجة قضاها ثم ينام كهيئته لا يمسّ ماء (ومنها) أنها قالت إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يجنب ثم ينام ولا يمسّ ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل، وقد صحح جماعة هذا الحديث منهم الدارقطني فإنه قال يشبه أن يكون الخبران صحيحين لأن عائشة قالت ربما قدّم الغسل وربما أخره كما حكى ذلك غضيف وعبد الله بن أبي قيس وغيرهما عن عائشة وأن الأسود حفظ ذلك عنها فحفظ أبو إسحاق عنه تأخير الوضوء والغسل وحفظ إبراهيم وعبد الرحمن تقديم الوضوء على الغسل (وعنهم) البيهقى وملخص كلامه أن حديث أبى إسحاق صحيح من جهة الرواية وذلك أنه
стр. 634
بين فيه سماعه من الأسود في رواية زهير عنه والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لردّه. وتقدم الجمع بين الروايتين (ومنهم) ابن قتيبة فإنه قال يمكن أن يكون الأمران جميعا وقعا فالفعل لبيان الاستحباب والترك لبيان الجواز ومع هذا قالوا إنا وجدنا لحديث أبى إسحاق شواهد ومتابعين (فمن) تابعه عطاء والقاسم وكريب والسوائى فيما ذكره أبو إسحاق الجرمى في كتاب العلل قال وأحسن الوجوه في ذلك إن صح حديث أبى إسحاق فيما رواه ووافقه هؤلاء أن تكون عائشة أخبرت الأسود أنه كان ربما توضأ وربما أخر الوضوء والغسل حتى يصبح فأخبر الأسود إبراهيم أنه كان يتوضأ وأخبر أبا إسحاق أنه كان يؤخر الغسل وهذا أحسن وأوجه اهـ
(باب في الجنب يقرأ القرآن)
أى في بيان حكم قراءة الجنب للقرآن، وفي بعض النسخ باب الجنب يقرأ
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَا وَرَجُلَانِ، رَجُلٌ مِنَّا وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَحْسَبُ، فَبَعَثَهُمَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَجْهًا، وَقَالَ: إِنَّكُمَا عِلْجَانِ، فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْمَخْرَجَ ثُمَّ خَرَجَ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَخَذَ مِنْهُ حَفْنَةً فَتَمَسَّحَ بِهَا، ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الخَلَاءِ فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ، وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ -أَوْ قَالَ: يَحْجُزُهُ- عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ ".
(ش) (رجال الحديث)
(قوله شعبة) بن الحجاج
(قوله عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق بن الحارث المرادى أبو عبد الله الكوفي أحد الأعلام. روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأبى وائل وإبراهيم النخعى وسعيد بن المسيب وغيرهم. وعنه ابنه عبد الله ومنصور وأبو إسحاق السبيعى وهو أكبر منه والأعمش والثورى وشعبة وآخرون. وثقه ابن معين وابن نمير ويعقوب بن سفيان وقال أبو حاتم ثقة كان يرى الإرجاء وقال الأعمش كان مأمونا على ما عنده وقال ابن المدينى له نحو مائتى حديث. مات سنة ست أو ثمانى عشرة ومائة. روى له الجماعة
стр. 635
(قوله
(ص) عبد الله بن سلمة) بكسر اللام المرادى الكوفى. روى عن عمر وعلى ومعاذ وابن مسعود وسلمان الفارسى وآخرين. وعنه عمرو بن مرّة وأبو إسحاق السبيعى وأبو الزبير المكي، قال البخارى لا يتابع في حديثه وقال العجلى تابعى ثقة وقال يعقوب بن شيبة ثقة يعدّ من الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة وقال أبو حاتم يعرف وينكر وقال ابن عدىّ أرجو أنه لا بأس به. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله رجل منا) أى من مراد قبيلة من اليمن
(قوله أحسب) أى أظن أن الرجل الآخر من بني أسد وهي قبيلة من مضر وأسد أبو تلك القبيلة
(قوله وجها) أى جهة من الجهات ونصب على الظرفية أى أرسلهما على عاملين أو لأمر آخر إلى جهة من الجهات
(قوله علجان) أى قويان وهو تثنية علج وفيه لغات فتح العين وكسرها مع سكون اللام وبفتح العين وكسر اللام وهو الرجل القوى الضخم كما في النهاية
(قوله فعالجا عن دينكما) أى دافعا عنه ويحتمل أن تكون عن للتعليل أى جاهدا لأجل دينكما على حدّ قوله تعالى "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة" ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف حال أى جاهدا حال كونكما مدافعين عن دينكما
(قوله ثم قام فدخل المخرج) بفتح الميم أى دخل علىّ موضع قضاء الحاجة وسمى بالمخرج لأنه موضع خروج البول والغائط
(قوله فتمسح بها) أى غسل بتلك الحفنة يديه كما صرّح به في رواية الدارقطنى
(قوله ثم جعل يقرأ القرآن) أى شرع في قراءته من غير أن يتوضأ
(قوله فأنكروا ذلك الخ) أى قراءته القرآن من غير وضوء كامل لاعتقادهم أن قراءة القرآن لا تجوز من غير وضوء فأجابهم علىّ بقوله إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يخرج من الخلاء الخ
(قوله فيقرئنا القرآن) من الإقراء أى يعلمنا القرآن عقب خروجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الخلاء من غير وضوء
(قوله ويأكل معنا اللحم) أى قبل أن يتوضأ كما يدل عليه التعبير بالفاء في رواية ابن ماجه وفيها ثم يخرح فيأكل معنا الخبز واللحم (قال) الطيبى لعل انضمام أكل اللحم مع قراءة القرآن للإشعار بجواز الجمع بينها من غير وضوء أو مضمضة كما في الصلاة اهـ
(قوله ولم يكن يحجبه الخ) أى يمنعه وحجب وحجز من باب نصر بمعنى منع
(قوله ليس الجنابة) أى إلا الجنابة فليس أداة استثناء وهي فعل واسمها عائد على البعض المفهوم من الشئ والجنابة خبرها أى ليس بعض الشئ الجنابة، والمعنى كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يمنعه شيء من أنواع الحدث عن قراءة القرآن إلا الجنابة (والحديث) يدلّ على عدم جواز قراءة القرآن للجنب وإليه ذهب الجمهور، واستدلوا بحديث الباب، وبما رواه الترمذى وابن ماجه عن ابن عمر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن. وسيأتى للمصنف وفى إسناده إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة. وبما رواه
стр. 636
الدارقطني وصححه عن أبى الغريف الهمدانى قال كنا مع علىّ في الرحبة فخرج إلى أقصى الرحبة فوالله ما أدرى أبولا أحدث أم غائطا ثم جاء فدعا بكوز من ماء فغسل كفيه ثم قبضهما إليه ثم قرأ صدرا من القرآن ثم قال اقرءوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة فإن أصابته جنابة فلا ولا حرفا واحدا، وفى الباب روايات كثيرة تدل على ما ذهب إليه الجمهور وهي إن كان في بعضها مقال لكن يقوّى بعضها بعضا (واستثنت) المالكية اليسير لنحو تحصن كآية الكرسى والإخلاص والمعوّذتين (وقالت) الشافعية يجوز ما كان بقصد الذكر لا بقصد القرآن (وقال) أحمد يرخص للجنب أن يقرأ آية ونحوها (وأجاز) أبو حنيفة قراءة بعض آية (قال) الخطابى في الحديث من الفقه أن الجنب لا يقرأ القرآن وكذا الحائض لا تقرأ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة (وقال) مالك في الجنب يقرأ الآية ونحوها. وقد حكى عنه أنه قال تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب لأن الحائض إن لم تقرأ نسيت القرآن لأن أيام الحيض تتطاول ومدة الجنابة لا تطول. وروى عن ابن المسيب وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأسا بقراءة الجنب القرآن (وأكثر) العلماء على تحريمه اهـ (وذهب) ابن المنذر والطبرى وابن عباس وداود الظاهرى إلى جواز قراءة الجنب القرآن واستدلوا بحديث عائشة كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يذكر الله على كل أحيانه رواه مسلم والمصنف قالوا والقرآن ذكر وبأن الأصل عدم التحريم (وأجيب) بأن المراد بالذكر غير القرآن لأنه المتبادر عند الإطلاق. وقولهم إن الأصل عدم التحريم محله ما لم يرد ناقل عن الأصل وقد وردت الأحاديث الناقلة الدالة على التحريم وما تقدم في قراءة الجنب (أما مسه) المصحف فيحرم ولو من فوق حائل أو بعود وبه قال أكثر الأئمة وجمهور العلماء واستدلوا بقوله تعالى "لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين" "فإن قيل" المراد به اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة ولهذا قال يمسه بضم السين على الخبر ولو كان المصحف لقال يمسه بفتح السين على النهى "أجيب" بأن قوله تعالى "تنزيل" ظاهر في إرادة المصحف فلا يحمل على غيره إلا لدليل صريح صحيح ولا دليل كذلك. والاحتجاج برفع السين مردود لأنه خبر بمعنى النهى. ونظائره كثيرة مشهورة في العربية ألا ترى قوله صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم "لا يبيع أحدكم على بيع أخيه" رواه البخارى بإثبات الياء وقوله تعالى"لا تضارّ والدة بولدها" على قراءة الرفع "فإن قيل" أيضا لو أريد المصحف لقال المتطهرون لا المطهرون "أجيب" بأنه يقال لغير المحدث متطهر ومطهر فلا فرق بينهما. واستدلوا أيضا بما رواه الدارقطني عن سليمان بن موسى قال سمعت سالما يحدّث عن أبيه قال قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يمس القرآن إلا طاهر. وبما رواه أيضا عن حسان بن بلال عن حكيم ابن حزام أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له لا تمسّ القرآن إلا وأنت على طهر وبما رواه أيضا عن الزهرى عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله
стр. 637
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه لا يمسّ القرآن إلا طاهر (وذهب) داود إلى أنه يجوز للجنب مسّ المصحف وحمله مستدلا بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كتب إلى هرقل كتابا فيه قرآن وهرقل محدث ويمسه وأصحابه. وبأن الصبيان يحملون الألواح محدثين. بلا إنكار وبأنه إذا لم تحرم القراءة فالمسّ أولى وقاس حمله على حمله في المتاع (وأجاب) الجمهور بأن الكتاب الذى كتب إلى هرقل كان فيه القليل من القرآن نحو الآية فلا يسمى مصحفا. وبأن حمل الصبيان قد أبيح للضرورة وكذا القراءة. وبأن قياسه على المتاع قياس مع الفارق فإن حمله مع المتاع غير مقصود بخلاف حمله وحده (ويحرم) على المحدث حدثا أصغر أيضا مسّ المصحف إلا إذا كان متعلما أو معلما كما قالت المالكية (وقالت) الشافعية والحنفية والحنابلة لا يجوز للمحدث مسّ المصحف ولو معلما أو متعلما وقالوا يجوز للصغير مس الألواح للضرورة وكذا يحرم عليه مسّ جلده المتصل به والبياض الذى بهامشه وما بين السطور ويحرم حمله ولو بأمتعة غير مقصودة بالحمل أو بعلاقة أو كرسىّ فيحرم حمله به لا مسه خلافا للشافعية القائلين بحرمة مسّ الكرسى الذى عليه المصحف (وقالت) الحنفية والحنابلة وللمحدث مطلقا حمله بعلاقته وغلافه المنفصل وفي خرج فيه متاع وفي كمه من غير مسّ له وله تصفحه بكمه أو بعود وله أيضا مسه من فوق حائل كحمل رقيا وتعاويذ فيها قرآن (ومحل) امتناع مس المحدث للمصحف ما لم يخف عليه من نحو حرق أو غرق أو استيلاء كافر عليه أو كان ملقى في قاذورات وإلا فيجب عليه أخذه ولو جنبا للإجماع على حفظه واحترامه فلو أبقاه حتى حرق أو غرق أو استولى عليه الكافر كان آثما ولو أبقاه في القاذورات كان كافرا (ويحرم) أيضا على المحدث كتابة القرآن ولو آية منه بالخط العربيّ وغيره كما تحرم قراءته بغير اللسان العربي مطلقا خلافا للحنفية، وقيل إن حمله أو مسه فحال كتابته حرم وإلا فلا، وقيل يحرم على الجنب دون المحدث حدثا أصغر (وذهب) داود الظاهرى وجماعة إلى جواز مسّ المصحف وحمله للمحدث حدثا أصغر واستدلوا بما تقدم وقد علمت ردّه (فوائد) "الأولى" قال النووى: قال القاضى حسين وغيره يكره للمحدث حمل التعاويذ "يعنون الحروز" (قال) أبو عمرو ابن الصلاح في الفتاوى كتابة الحروز واستعمالها مكروه وترك تعليقها هو المختار (وقال) في فتوى أخرى يجوز تعليق الحروز التي فيها قرآن على النساء والصبيان والرجال ويجعل عليها شمع ونحوه ويستوثق من النساء وشبههن بالتحذير من دخول الخلاء بها. والمختار أنه لا يكره إذا جعل عليه شمع ونحوه لأنه لم يرد فيه نهى (ونقل) ابن جرير الطبرى عن مالك نحو هذا فقال قال مالك لا بأس بما يعلق على النساء الحيض والصبيان من القرآن إذا جعل في كنّ كقصبة حديد أو جلد يخرز عليه، وقد يستدل للإباحة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعلمهم من الفزع كلمات أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشرّ عباده
стр. 638
ومن همزات الشياطين أن يحضرون قال وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه رواه أبو داود والترمذى وقال حديث حسن اهـ. "الثانية" لا يجوز كتابة القرآن بشئ نجس (قال) البغوى ويكره نقش الحيطان والثياب بالقرآن وبأسماء الله تعالى اهـ ولا يجوز توسد المصحف ولو خيف عليه الضياع كما اختاره النووى وكذا كتب العلم إلا إن خيف عليها الضياع ولا يمكن الصبى والمجنون الذى لا يميز من حمل المصحف لئلا ينتهكه. وكذا لا يمكن الصبي من محو اللوح باللعاب ويجب على الولى منعه "الثالثة" لا يجوز السفر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم لحديث ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما في الصحيحين أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ. ويجوز أن يكتب إليهم الآية والآيتان أثناء كتاب لحديث أبى سفيان أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابا فيه "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" الآية ولا يمنع الكافر سماع القرآن ويمنع مس المصحف (قال) النووى وهل يجوز تعليمه القرآن ينظر إن لم يرج إسلامه لم يجز وإن رجى جاز في أصح الوجهين وبه قطع القاضى حسين ورجحه البغوى وغيره والثاني لا يجوز كما لا يجوز بيعه المصحف وإن رجى إسلامه. قال البغوى وحيث رآه معاندا لا يجوز تعليمه. بحال اهـ وأما الدراهم والدنانير والخواتيم المنقوشة بقرآن ففى جواز مسها وحملها خلاف
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية إرسال رئيس القوم من يرى فيه القوّة من الرعية لبعض الجهات للقيام بأمر الدين، وعلى أن من رأى شيئا مخالفا ينبغى أن ينكر على من وقع منه ولو كان كبيرا. وعلى أن من أنكر عليه شئ وكان يعلم صحته يطلب منه أن يبين مستنده فيه. وعلى جواز قراءة القرآن للمحدث حدثا أصغر وهو مجمع عليه لكن الأفضل الطهارة. وعلى عدم جوازها للجنب وتقدم بيانه مستوفي
(من أخرح الحديث أيضا) أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم والبزار والدارقطني والبيهقي والنسائى وابن ماجه وصححه الترمذى وابن السكن وعبد الحق والبغوى. قال المنذرى ذكر أبو بكر البزار أنه لا يروى عن عليّ إلا من حديث عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سلمة وحكى البخارى عن عمرو بن مرّة كان عبد الله يعنى ابن سلمة يحدثنا فنعرف وننكر وكان قد كبر لا يتابع في حديثه وذكر الإمام الشافعى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هذا الحديث وقال لم يكن أهل الحديث يثبتونه قال البيهقي وإنما توقف الشافعى في ثبوت هذا الحديث لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر قاله شعبة هذا آخر كلامه، وذكر الخطابي أن الإمام أحمد بن حنبل رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كان يوهن
стр. 639
حديث علىّ هذا ويضعف أمر عبد الله بن سلمة اهـ كلام المنذرى (أقول) قد علمت أن عبد الله ابن سلمة قد وثقه غير واحد ولذا صحح الحديث الترمذى وغيره كما تقدم
(باب في الجنب يصافح)
أى أيجوز أم لا، والمصافحة والتصافح الأخذ باليد وإلصاق باطن الكف بباطن الكف الآخر
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ لَقِيَهُ فَأَهْوَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي جُنُبٌ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله يحيى) القطان. و (مسعر) بن كدام
(قوله واصل)
ابن حيان الأحدب الأسدى الكوفي. روى عن إبراهيم النخعى وشريح القاضى وأبى وائل ومجاهد وآخرين. وعنه مسعر والثورى وجرير بن حازم وشعبة وجماعة، وثقه النسائى وأبو داود وابن معين والعجلى ويعقوب بن سفيان والبزار وقال أبو حاتم صدوق صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. توفى سنة عشرين ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن أبي وائل) هو شقيق ابن سلمة. و (حذيفة) بن اليمان
(معنى الحديث)
(قوله فأهوى إليه) أى أمال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يده نحو حذيفة. ولا منافاة بين هذه الرواية ورواية ابن ماجه عن حذيفة قال خرج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلقينى وأنا جنب فحدت عنه فاغتسلت ثم جئت فقال مالك قلت كنت جنبا لاحتمال أن يكون حينما أهوى إليه جاد عنه ولما أتى قال له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك فقال إني كنت جنبا ففى رواية المصنف اختصار. ويؤيده ما رواه النسائى عن أبى بردة عن حذيفة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له قال فرأيته يوما بكرة فحدت عنه ثم أتيته حين ارتفع النهار فقال إني رأيتك فحدت عني فقلت إنى كنت جنبا فخشيت أن تمسنى
(قوله فقال إني جنب) وصف بهذا لأنه مجانب للصلاة ومواضعها وهذا الوصف يستوى فيه الواحد والمتعدد مذكرا كان أو مؤنثا، ولعل حذيفة قال ذلك لظنه أنه صار نجسا بالجنابة
(قوله إن المسلم لا ينجس) وفي بعض النسخ ليس بنجس وينجس بضم الجيم وفتحها وفي ماضيه لغتان نجس بكسر الجيم ونجس بضمها فمن كسرها في في الماضى فتحها في المضارع ومن ضمها في الماضى ضمها في المضارع أيضا والمراد أنه لا يصير متنجسا بالجنابة فلا ينجس ما لاقاه، وخص هذا بالجنابة أخذا من المقام فلا ينافي أنه
стр. 640
يتنجس بإصابة النجاسات له، ويحتمل أن المعنى لا يصير بالجنابة نجس العين كالبول والغائط، ولا مفهوم للمسلم إذ لا فرق بينه وبين الكافر في الجنابة، وخصّ المسلم بالذكر إما لأن المقام مقام خطاب المسلم أو لأنه أشار به إلى أن الكفار يجب أن يتجنب منهم كما يتجنب من النجاسات الظاهرة أو لأن فيه إشارة إلى أنهم لا يتطهرون ولا يتباعدون عن النجاسات بخلاف المسلم (قال) النووى هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا فأما الحى فطاهر بإجماع المسلمين حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها، قال بعض أصحابنا هو طاهر بإجماع المسلمين قال ولا يجئ فيه الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة فرج المرأة ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه فإن فيه وجهين بناء على رطوبة الفرج هذا حكم المسلم الحىّ، وأما الميت ففيه خلاف للعلماء (وللشافعى) فيه قولان الصحيح منهما أنه طاهر لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن المسلم لا ينجس. وذكر البخارى في صحيحه عن ابن عباس تعليقا المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا. هذا حكم المسلم (وأما الكافر) فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف (وأما قول) الله "إنما المشركون نجس" فالمراد نجاسة الاعتقاد والاستقذار وليس المراد أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما. فإذا ثبتت طهارة الآدمى مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات سواء أكان محدثا أم جنبا أم حائضا أم نفساء وهذا كله بإجماع المسلمين وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة فتجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه. ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة اهـ (وقال الحافظ) في الفتح تمسك بمفهوم الحديث بعض أهل الظاهر فقال إن الكافر نجس العين وقوّاه بقوله تعالى "إنما المشركون نجس" وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة. بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجتهم أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة فدلّ على أن الآدمى الحىّ ليس بنجس العين إذ لا فرق بين النساء والرجال اهـ (وقال العينى) في شرح البخارى "فإن قلت" على ما ذكر من أن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا ينبغى أن لا يغسل الميت لأنه طاهر "قلت" اختلف العلماء من أصحابنا في وجوب غسله. فقيل إنما وجب لحدث يحله باسترخاء المفاصل لا لنجاسته فإن الآدمى لا ينجس بالموت كرامة إذ لو نجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات وكان الواجب الاقتصار على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة لكن ذلك إنما كان نفيا للحرج فيما يتكرّر كل يوم والحدث لسبب
стр. 641
الموت لا يتكرّر فكان كالجنابة لا يكتفى فيها بغسل الأعضاء الأربعة بل يبقى على الأصل وهو وجوب غسل البدن لعدم الحرج فكذا هذا (وقال العراقيون) يجب غسله لنجاسته بالموت لا بسبب الحدث لأن للآدمى دما سائلا فيتنجس بالموت قياسا على غيره ألا ترى أنه لو مات في البئر نجسها ولو حمله المصلى لم تجز صلاته ولو لم يكن نجسا لجازت كما لو حمل محدثا اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن العالم إذا رأى من تابعه خلاف الصواب أرشده وبين له الحكم، وعلى جواز تأخير الغسل من الجنابة عن أول وقت وجوبه ما لم يخف خروج وقت الصلاة، وعلى أن الجنابة ليست من النجاسات التي يتنجس بها ملاقيها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى والبيهقى وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، وَبِشْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَأَنَا جُنُبٌ، فَاخْتَنَسْتُ فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ » قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ» وَقَالَ فِي حَدِيثِ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنا بَكْرٌ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله بشر) بن المفضل. و (حميد) الطويل. و (بكر) بن عبد الله المزني
(قوله عن أبي رافع) هو نفيع الصائغ
(قوله فاختنست) بالخاء المعجمة فالمثناة الفوقية أى تأخرت يقال خنس خنسا من باب ضرب واختنس بالتاء والنون على المطاوعة أى تأخر وانقبض وانزوى. وفي رواية البخاري فانخنست ومعناهما واحد إلا أن الأولى من باب الافتعال والثانية من باب الانفعال وفي رواية له أيضا فانسللت أى ذهبت. وفي رواية الترمذى وابن السكن وابن عساكر فانبجست بالموحدة والجيم أى اندفعت على حدّ قوله تعالى "فانبجست منه اثنتا عشرة عينا" أى جرت واندفعت. وفي رواية المستملى فانتجست من النجاسة أى اعتقدت نفسي نجسا. وفي رواية له فانبخست بالموحدة والخاء المعجمة من البخس وهو النقص فكأنه ظهر له نقصانه عن مجالسته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما اعتقده في نفسه من النجاسة. وفي رواية فاحتبست من الاحتباس أى منعت نفسى من مجالسته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وسبب اختناس أبي هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا لقي أحدا من أصحابه ماسحه ودعا
стр. 642
له بالبركة كما تقدّم في رواية النسائى عن حذيفة فلما ظنّ أبو هريرة أن الجنب ينجس بالحدث خشى أن يماسحه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كعادته فبادر بالذهاب ليغتسل
(قوله أين كنت) وفي رواية مسلم فذهب فاغتسل فتفقده النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما جاء قال أين كنت يا أبا هريرة، ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم حاله بطريق الوحى فسأله ليبين له الحكم
(قوله سبحان الله) مصدر معناه التنزيه وقد يستعمل في التعجب كما هنا وتقدم بيانه. وتعجب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من اعتقاد أبى هريرة التنجس بالجنابة حيث خفى عليه مثل هذا الظاهر
(قوله وقال في حديث بشر الخ) أى قال مسدد في رواية بشر قال حدثنا حميد قال حدثنا بكر فرواية بشر عن حميد عن بكر بالتحديث ورواية يحيى عن حميد عن بكر بالعنعنة وفي نسخة حدثني بكر
(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدّم على جواز انصراف الجنب في قضاء حوائجه قبل الاغتسال ما لم يخف فوات وقت الصلاة، وعلى أنه ينبغى للرئيس أن يصنع مع أتباعه ما يؤلف به قلوبهم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى والبيهقى من طريق المصنف ومن طريق عياش بن الوليد عن عبد الأعلى وأخرجه مسلم في كتاب الطهارة وكذا ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وأخرجه الترمذى فيه عن إسحاق بن منصور وأخرجه النسائى فيه أيضا عن حميد بن مسعدة
(باب في الجنب يدخل المسجد)
أيجوز أم لا
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، ثَنَا أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَسْرَةُ بِنْتُ دَجَاجَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ». ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ تَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدُ فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ فُلَيْتٌ الْعَامِرِيُّ
стр. 643
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أفلت) بهمزة مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقية بعد اللام (ابن خليفة) أبو حسان الكوفي ويقال فليت العامرى كما ذكره المصنف. روى عن جسرة بنت دجاجة ودهيمة بنت حسان. وعنه الثورى وعبد الواحد بن زياد. قال أحمد ما أرى به بأسا وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني صالح وقال أبو حاتم شيخ وقال ابن حزم غير مشهور ولا معروف بالثقة. روى له أبو داود والنسائى
(قوله جسرة) بفتح الجيم وسكون السين المهملة (بنت دجاجة) بكسر الدال العامرية الكوفية. روت عن على وأبى ذرّ وعائشة وعنها الأفلت بن خليفة ومحدوج الذهلى، وثقها العجلى وقال تابعية وذكرها ابن حبان في الثقات. روى لها أبو داود والنسائى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله ووجوه بيوت أصحابه الخ) تعنى أن أبواب بيوتهم مفتوحة إلى المسجد والوجوه جمع وجه وهو مستقبل كل شئ ووجه البيت جانبه الذى فيه الباب والمراد به هنا نفس الباب
(قوله وجهوا هذه البيوت الخ) أى اصرفوا أبوابها عن المسجد واجعلوها إلى جانب آخر وكان أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسدّ الأبواب في آخر حياته لما رواه البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال خطب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الناس وقال إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فقلت في نفسى ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو العبد وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أبا بكر لا تبك إن أمنّ الناس علىّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا من أمتى غير ربى لاتخذت أبا بكر ولكن أخوّة الإسلام ومودّته لا يبقين في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبى بكر. وروى الطبراني نحوه وقد وردت أحاديث في سدّ الأبواب المفتحة في المسجد يخالف ظاهرها ما تقدم من أن المستثنى باب أبى بكر (منها) ما أخرجه أحمد والنسائى بإسناد قوىّ عن سعد بن أبى وقاص قال أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علىّ (ومنها) ما أخرجه أحمد والنسائى والحاكم عن زيد بن أرقم قال كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبواب شارعة في المسجد قال فقال يوما سدّوا هذه الأبواب إلا باب علىّ فتكلم الناس في ذلك فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فإني قد أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب عليّ فقال فيه قائلكم وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكن أمرت بشئ فاتبعته، ولا مخالفة بين هذه الروايات وبين الرواية الدالة على استثناء باب أبي بكر لأنه يمكن الجمع بينهما بتعدّد
стр. 644
الواقعة ففى المرّة الأولى أمر بسدّ الأبواب كلها حتى باب أبى بكر واستثنى باب على لأنه لم يكن له باب غيره، ولما رواه البزار عن عليّ قال أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيدى فقال إن موسى سأل ربه أن يطهر مسجده بهارون وإني سألت ربى أن يطهر مسجدى بك وبذريتك ثم أرسل إلى أبى بكر أن سدّ بابك فاسترجع ثم قال سمع وطاعة فسدّ بابه ثم أرسل إلى عمر ثم أرسل إلى العباس بمثل ذلك ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب عليّ ولكن الله فتح باب عليّ وسدّ أبوابكم. وفي المرة الأخرى استثنى باب أبى بكر والمراد به الخوخة، وكأنهم لما أمروا بسدّ الأبواب أوّلا فتحوا خوخا يستقربون الدخول إلى المسجد منها فأمروا بسدّها إلا خوخة أبي بكر ويؤيد ذلك ما رواه مسلم من طريق مالك بن أنس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يبقينّ في المسجد خوخة إلا خوخة أبى بكر، وبهذا جمع الطحاوى في مشكل الآثار والكلاباذى في معاني الأخبار بين القصتين وصرّح الكلاباذى بأن بيت أبى بكر كان له باب من خارج المسجد وخوخة إلى داخله وبيت علىّ لم يكن له باب إلا من داخل المسجد، والخوخة طاقة في الجدار تفتح لأجل الضوء
(قوله رجاء أن تنزل فيهم رخصة) وفي بعض النسخ أن ينزل فيهم. وفى بعضها أن ينزل لهم أى تأخروا عن سدّ الأبواب المفتوحة نحو المسجد رغبة في أن ينزل الله تعالى على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسهيلا لهم بعدم سدّها فرجاء منصوب على أنه مفعول له وأن مصدرية مصدرها مجرور بالإضافة ورخصة نائب فاعل تنزل
(قوله فخرج إليهم الخ) أى خرج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى القوم بعد زمن وأعاد لهم القول ثانيا فبعد مبنية على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه
(قوله فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) تعليل للأمر بتوجيه بيوتهم إلى جانب آخر وأحلّ من الإحلال ضدّ التحريم وأسند الإحلال إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأنه المبلغ له لأن التحليل والتحريم من الله تعالى، وأل في المسجد للعهد، والمعهود مسجده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وحكم غيره من المساجد كحكمه ويحتمل أن تكون للجنس فيدخل في هذا الحكم جميع المساجد وهذا أولى، وقدّم الحائض للاهتمام في المنع والحرمة لأن حدثها أغلظ لأنها لا تخلو من النجاسات غالبا والنفساء مثل الحائض (والحديث) يدل بظاهره على أنه يحرم على الحائض والجنب دخول المسجد مطلقا لا فرق بين المرور والمكث لكنه مخصوص بما دلّ على جواز مرور الجنب مطلقا. فقد روى سعيد في سننه وابن أبي شيبة عن جابر قال كان أحدنا يمرّ في المسجد جنبا مجتازا. وروى ابن المنذر عن زيد بن أسلم قال كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يمشون في المسجد وهم جنب اهـ أى وكان ذلك في عهده صلى الله تعالى
стр. 645
عليه وعلى آله وسلم ولم ينكره فهذان الحديثان يدلان على جواز مرور الجنب مطلقا سواء أكان لحاجة أم لا بوضوء أم لا (وإلى ذلك) ذهب ابن مسعود وابن عباس وأحمد والشافعى وأصحابه (واستدلوا) بقوله تعالى "ولا جنبا إلا عابرى سبيل" قالوا والعبور إنما يكون في محل الصلاة وتقييد جواز ذلك بالسفر لا دليل عليه بل الظاهر أن المراد مطلق المارّ لأن المسافر ذكر بعد ذلك ولو كان المراد بعابرى السبيل المسافر لكان تكرارا ويصان القرآن عن مثله (وقد) أخرج ابن جرير عن يزيد بن أبى حبيب أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم إلى المسجد فكانت تصيبهم جنابة فلا يجدون الماء ولا طريق إليه إلا من المسجد فأنزل الله تعالى "ولا جنبا إلا عابرى سبيل" وهذا من الدلالة على الإطلاق بمكان لا يبقى بعدها ريب (قال) في النيل حمل الآية على من كان بالمسجد وأجنب تعسف لم يدل عليه دليل اهـ (وذهب) أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يحرم على الجنب والحائض دخول المسجد ولو للمرور بلا مكث لإطلاق حديث الباب إلا إن كان هناك ضرورة فإن كانت كأن يكون باب البيت إلى المسجد ولم يمكن تحويله ولا السكنى في غيره فلا حرمة. ولو أجنب فيه تيمم وخرج من ساعته إن لم يقدر على استعمال الماء وكذا لو دخله جنبا ناسيا ثم تذكر وإن خرج مسرعا بلا تيمم جاز وإن لم يقدر على الخروج تيمم ومكث لكنه لا يصلى به ولا يقرأ. قالوا أما قوله تعالى "ولا جنبا إلا عابرى سبيل" فمعناه ولا عابرى سبيل على حدّ قوله تعالى "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ" أى ولا خطأ لكن هذا بعيد عن ظاهر اللفظ (وذهب) إسحاق بن راهويه وسفيان الثورى إلى أنه لا يجوز للجنب العبور مطلقا إلا لضرورة فيتوضأ ثم يمرّ (وكذا) قال أكثر المالكية إلا أنهم قالوا عند الضرورة يتيمم (واستدلوا) بحديث الباب قالوا لأنه عامّ. وبما رواه الترمذى عن سالم بن أبى حفصة عن عطية بن سعد العوفي عن أبى سعيد الخدرى قال قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعلى بن أبى طالب يا علي لا يحلّ لأحد يجنب في هذا المسجد غيرى وغيرك (وأجيب) بأن هذين الحديثين فيهما مقال ولا سيما الثانى فإن مداره على سالم وعطية وهما شيعيان متهمان، وعلى تقدير صحتهما فهما عامان مخصوصان بما ذكر من الأدلة الدالة على جواز العبور (وأما مكث) الجنب والحائض في المسجد فهو باق على المنع وعليه جمهور العلماء إلا أن الحنابلة وإسحاق قالوا بجوازه للجنب إذا كان متوضئا مستدلين بما روى عن زيد بن أسلم قال كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتحدثون في المسجد على غير وضوء وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث وبما روى عن الصحابة أنهم كانوا يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة، وفي إسناده هشام بن سعد قال أبو حاتم لا يحتج به وضعفه ابن معين وأحمد والنسائى وأبو داود هو أثبت الناس في زيد بن أسلم، وعلى تسليم صحته لا يكون ما وقع من الصحابة حجة ولا سيما
стр. 646
إذا خالف المرفوع إلا أن يكون إجماعا (وقال) المزني وداود وابن المنذر يجوز للجنب الحائض المكث في المسجد مطلقا بوضوء وبغير وضوء واستدلوا بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "المسلم لا ينجس" رواه البخارى ومسلم وغيرهما عن أبى هريرة، وبقياس الجنب على المشرك قالوا إن المشرك يجوز له المكث في المسجد فالمسلم الجنب أولى (وأجيب) عن الحديث بأنه لا يلزم من عدم نجاسته جواز لبثه في المسجد. وعن القياس من وجهين (أحدهما) أن الشرع فرّق بينهما فقد قام الدليل على تحريم مكث الجنب وثبت أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حبس بعض المشركين في المسجد. وإذا فرّق الشرع بينهما لم يجز التسوية (والثاني) أن الكافر لا يعتقد حرمة المسجد فلا يكلف بها بخلاف المسلم وهذا كما أن الحربى لو أتلف على المسلم شيئا لم يلزمه ضمانه بخلاف المسلم والذمى (وأما الحائض) والنفساء فعند الحنفية يمنع دخولهما المسجد كالجنب وكذا عند المالكية إلا لضرورة من خوف على نفس أو مال (وقالت) الشافعية والحنابلة يجوز عبورهما إن أمنتا من تلويثه ويمنع مكثهما مطلقا عند الشافعية ويجوز عند الحنابلة إن انقطع الدم وتوضأتا (فوائد) "الأولى" لو احتلم أحد في المسجد وجب عليه الخروج فورا إلا أن يعجز عن الخروج لإغلاق المسجد أو خوف على نفس أو مال فيجوز له البقاء للضرورة، ولو احتلم في مسجد له بابان أحدهما أقرب من الآخر خرج من الأقرب إلا لحاجة فيخرج من الأبعد "الثانية" يجوز للمحدث حدثا أصغر المكث في المسجد اتفاقا سواء لغرض شرعي كانتظار صلاة أو تعلم علم أو لغير غرض. وقيل يكره إن كان لغير غرض. والحق خلافه لأنه لم ينقل عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا عن أحد من أصحابه كراهة ذلك "الثالثة" اختلف العلماء في النوم في المسجد (فذهب) إلى جوازه مطلقا بغير كراهة سعيد بن المسيب والحسن البصرى وعطاء ومحمد ابن سيرين والشافعية وقالوا محله ما لم يضيق على مصلّ أو يشوّش عليه وإلا حرم ويدلّ لهم قول ابن عمر كنا نبيت فيه ونقيل على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رواه ابن ماجه وما رواه البخارى عن ابن عمر أيضا أنه كان ينام وهو شابّ أعزب لا أهل له في مسجد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وما رواه أيضا عن أبى حازم عن سهل بن سعد قال جاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت فقال أين ابن عمك قالت كان بيني وبينه شئ فغاضبنى فخرج فلم يقل عندى فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لإنسان انظر أين هو فجاء فقال يا رسول الله هو راقد في المسجد فجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب فجعل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يمسحه عنه ويقول قم أبا تراب (قال النووى) ثبت أن أصحاب الصفة والعرنيين وصفوان ابن أمية وجماعات آخرين من الصحابة كانوا ينامون في المسجد وأن ثمامة بن إثال كان يبيت في
стр. 647
المسجد قبل إسلامه وكل ذلك كان في زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قال الشافعى) في الأم وإذا بات المشرك في المسجد فكذا المسلم اهـ (وقال العينى) قد سئل ابن المسيب وسليمان ابن يسار عن النوم فيه فقالا كيف تسألون عنه وقد كان أهل الصفة ينامون فيه وهم قوم كان مسكنهم المسجد، وذكر الطبرى عن الحسن قال رأيت عثمان بن عفان نائما فيه ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين اهـ (وقال مالك) لا أحب لمن له منزل أن يبيت في المسجد أو يقيل فيه اهـ وكذا قال أحمد وإسحاق، وما ثبت عن مالك من أن أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم كانوا ينامون في المسجد فمراده من لا بيوت لهم، وقال ابن عباس لا تتخذوه مرقدا، وروى عنه إن كنت تنام للصلاة فلا بأس، وكره النوم فيه ابن مسعود وطاوس ومجاهد والأوزاعي "الرابعة" قال ابن المنذر أباح كل من يحفظ العلم الوضوء في المسجد إلا أن يبله ويتأذى به الناس فإنه يكره اهـ (وقال) النووى نقل أبو الحسن بن بطال المالكي الترخيص في الوضوء في المسجد عن ابن عمر وابن عباس وطاوس وعطاء والنخعى وابن القاسم المالكي وأكثر أهل العلم (وعن) ابن سيرين ومالك وسحنون كراهيته تنزيها للمسجد "الخامسة" يحرم على كل من أكل شيئا مما له رائحة كريهة من ثوم أو بصل أو كرّاث أو غيرها وبقيت رائحته ولم يزلها أن يدخل المسجد للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك (منها) ما رواه البخارى ومسلم عن ابن عمر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من أكل من هذه الشجرة "يعنى الثوم" فلا يقربنّ مسجدنا (ومنها) ما رواه الشيخان من حديث جابر مرفوعا من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا وليعقد في بيته (ومنها) ما رواه مسلم أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من أكل البصل أو الثوم أو الكرّاث فلا يقربنّ مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم (قال) بعضهم ومثل الثوم والبصل خروج الريح في المسجد إذا كان عن غير حاجة وتكلف إخراجه وإلا فلا يحرم، ومثل الثوم أيضا رائحة الدخان والتمباك ونحوهما "السادسة" تكره الخصومة ورفع الصوت في المسجد لما رواه البخارى عن السائب بن يزيد قال كنت في المسجد فحصبنى رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال اذهب فأتني بهذين فجئته بهما فقال من أين أنتما فقالا من أهل الطائف فقال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ولما رواه ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع مرفوعا جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع، ويكره جعله مقعدا للحرف كالخياطة والحياكة أما نسخ العلم فيه فلا بأس به إن أمن التلويث بنحو مداد. وحائط المسجد من داخله وخارجه كالمسجد في وجوب صيانته وتعظيم حرماته وكذا سطحه ورحبته "السابعة" قال النووى المصلى المتخذ للعيد وغيره الذى ليس بمسجد لا يحرم المكث فيه على الجنب والحائض على المذهب
стр. 648
وبه قطع الجمهور وذكر الدارمى فيه وجهين وأجراهما في منع الكافر من دخوله بغير إذن وقد يحتج له بحديث أم عطية في الصحيحين أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر الحيض أن يحضرن يوم العيد ويعتزلن المصلى (ويجاب) عنه بأنهن أمرن باعتزاله ليتسع على غيرهنّ ليتميزن اهـ وسيأتي تمام ما يتعلق بالمساجد في أبوابها إن شاء الله تعالى
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب تغيير ما لم يكن موافقا للشرع، وعلى طلب تكرار الأمر لإزالة المخالفة إذا لم يحصل المقصود بالأمر الأول، وعلى حرمة دخول الجنب والحائض المسجد وقد تقدم تفصيله
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه عن جسرة عن أم سلمة بلفظ دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته إن المسجد لا يحل لجنب ولا حائض وأخرجه الطبرانى قال المنذرى وأخرجه البخارى في التاريخ الكبير قال البيهقي ليس هذا الحديث بالقوى اهـ وقال الخطابي ضعف جماعة هذا الحديث وقالوا أفلت راويه مجهول لا يصح الاحتجاج بحديثه اهـ وقال البخارى عند جسرة عجائب وخالفها غيرها في سدّ الأبواب اهـ لكن قد علمت توثيقها فيما تقدم. وصحح هذا الحديث ابن خزيمة وحسنه ابن القطان والمصنف قد رواه وسكت عليه فهو عنده صالح قال ابن سيد الناس إن التحسين لأقلّ مراتبه لثقة رواته ووجود الشواهد له من خارج فلا حجة لابن حزم في ردّه اهـ
(باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناس)
وفي بعض النسخ يصلى بالقوم وهو ساه. والنسيان ضدّ الذكر والحفظ. والسهو الغفلة عن الشئ والتفات القلب إلى غيره
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ «دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله حماد) بن سلمة كما سيصرّح به المصنف بعد
(قوله زياد الأعلم) ابن حسان بن قرة البصرى الباهلى. روى عن أنس بن مالك والحسن البصرى ومحمد بن سيرين وعنه عبد الله بن عون وشعبة والحمادان وسعيد بن أبى عروبة وآخرون. وثقه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائى وقال أبو زرعة شيخ وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطنى قليل الحديث
стр. 649
روى له البخارى وأبو داود والنسائى
(قوله عن أبى بكرة) هو نفيع بالتصغير ابن الحارث بن كلدة الثقفي. كنى أبا بكرة لأنه تدلى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ببكرة من الطائف فكناه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بها وأعتقه. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اثنان وثلاثون ومائة حديث اتفق البخارى ومسلم على ثمانية وانفرد البخارى بخمسة ومسلم بخمسة. روى عنه أولاده عبد الرحمن ومسلم وعبيد الله وعبد العزيز وكذا الحسن البصرى وكثيرون، كان ممن اعتزل يوم الجمل وصفين ولم يقاتل مع أحد الفريقين مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين، روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله دخل في صلاة الفجر) ظاهره أنه أحرم بها ويؤيده ما رواه الدارقطنى عن أنس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل في الصلاة فكبر وكبرنا معه. وما رواه ابن ماجة في باب ما جاء في البناء على الصلاة من حديث أبى هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام إلى الصلاة وكبر ثم أشار إليهم فمكثوا ثم انطلق فاغتسل وكان رأسه يقطر ماء فصلى بهم فلما انصرف قال إني خرجت إليكم جنبا وإني نسيت حتى قمت في الصلاة. لكن في حديث أبى هريرة الآتي فلما قام في مصلاه وانتظرنا أن يكبر انصرف. وفي حديثه الثاني أقيمت الصلاة وصفّ الناس صفوفهم فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى إذا قام في مقامه ذكر أنه لم يغتسل فقال للناس مكانكم ثم رجع إلى بيته، ونحوه للبخارى والنسائى ومسلم، وفي رواية له في باب متى يقوم الناس للصلاة من حديث أبى هريرة قال أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف فهذه الروايات صريحة في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم انصرف قبل أن بكبر فتكون منافية للروايات الأولى. ويمكن الجمع بينهما إما بتعدد الواقعة كما استظهره النووى وجزم به ابن حبان في صحيحه وقال حديث أبى هريرة وحديث أبى بكرة فعلان في موضعين متباينين خرج صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرّة فكبر ثم ذكر أنه جنب فانصرف فاغتسل ثم جاء فاستأنف بهم الصلاة وجاء مرة أخرى فلما وقف ليكبر ذكر أنه جنب قبل أن يكبر فذهب فاغتسل ثم رجع فأقام بهم الصلاة من غير أن يكون بين الخبرين تضادّ. وقول أبى بكرة فصلى بهم أراد بذلك بدأ بتكبير محدث لا أنه رجع فبنى على صلاته إذ محال أن يذهب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليغتسل ويبقى الناس كلهم قياما على حالتهم من غير إمام إلى أن يرجع اهـ أو بأن الواقعة متحدة وأن المراد بقوله في رواية المصنف دخل في الصلاة أى في موضع الصلاة لما سيذكره المصنف وهى رواية البخارى من قوله فلما قدم في مصلاه ذكر أنه جنب الخ وبقوله في الروايات الأخر فكبر أرأد أن يكبر
стр. 650
وعلى فرض عدم إمكان الجمع فروايات الصحيحين مقدّمة
(قوله فأومأ بيده أن مكانكم) وفي رواية البخارى فقال لنا مكانكم. وفي رواية ابن ماجه ثم أشار إليهم فمكثوا. وأن مفسرة ومكانكم منصوب بفعل محذوف أى الزموا مكانكم
(قوله ثم جاء ورأسه يقطر الخ) عطف على محذوف أى فذهب واغتسل ثم جاء ورأسه يقطر من ماء الغسل وابتدأ صلاته بإحرام جديد كما قاله ابن حبان ونسبة القطر إلى الرأس مجاز من قبيل ذكر المحلّ وإرادة الحالّ (وقد تمسك) بظاهر هذا الحديث من قال بصحة صلاة المأموم الذى تبين فساد صلاة إمامه لنسيان الحدث (منهم) مالك وأصحابه والشافعى والأوزاعي والثورى وأحمد وحكى عن الأثرم وأبي ثور وإسحاق والحسن البصرى وإبراهيم النخعى وسعيد بن جبير قالوا لأن القوم أحرموا عقب إحرامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأول واستمرّوا حتى رجع إليهم. وقد جرى على ذلك الخطابى فقال في شرح الحديث فيه دلالة على أنه إذا صلى بالقوم وهو جنب وهم لا يعلمون بجنابته أن صلاتهم ماضية ولا إعادة عليهم وعلى الإمام الإعادة وذلك أن الظاهر من حكم لفظ الخبر أنهم قد دخلوا في الصلاة معه ثم استوقفهم إلى أن اغتسل وجاء فأتمّ الصلاة بهم وإذا جاز جزء من الصلاة حتى يصح البناء عليه جاز سائر أجزائها. والاقتداء بالإمام طريقه الاجتهاد وإنما كلف الإمام الظاهر من أمره وليس عليه الإحاطة لأنه يتعذر عليه دركها فإذا أخطأ فيما حكمه الطاهر لم ينقض عليه فعله كالحاكم لا ينقض عليه حكمه فيما طريقه الاجتهاد إن أخطأ فيه ولا سبيل للمأموم إلى معرفة طهارة الإمام فلا عتب عليه إن عزب عليه علمها وهو قول عمر بن الخطاب ولا يعلم له مخالف من أصحابه في ذلك وإليه ذهب الشافعى، وفي الحديث دليل على أن افتتاح المأموم صلاته قبل الإمام لا يبطل صلاته. وفيه حجة لمن ذهب إلى البناء على الصلاة في الحدث اهـ (وقد) ردّ العيني كلام الخطابى مما ملخصه. أما قوله وذلك أن الظاهر من لفظ الخبر أنهم قد دخلوا في الصلاة الخ فمردود بأن الظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى بهم بتحريمة مبتدأة فقد قال ابن حبان في صحيحه أراد أنه صلى بهم بتكبير محدث لا أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى بالشروع الذى قبله كما زعمه البعض اهـ على أنه تقدم التصريح في رواية مسلم أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم انصرف قبل أن يكبر. وقوله إذا صح جزء من الصلاة الخ مردود أيضا بأنا لا نسلم أن هذا الجزء وقع صحيحا لأنه بمجرّد ذهابه عليه وعلى آله الصلاة والسلام بطل حكم ذلك الشروع على تقدير صحة وجود المشروع لأنه ذهب بلا استخلاف وخلا مكانه وذا مما يفسد الشروع فإذا فسد ذلك الجزء يصير البناء عليه فاسدا لأن البناء على الفاسد فاسد والصلاة لا تتجزّأ صحة وفسادا بل الحق أنه ﵊ صلى بهم بتحريمة مبتدأة كما ذكرنا فإذاً لم يبق لدعواه حجة. وقوله وهو قول عمر ولا يعلم له مخالف من الصحابة غير
стр. 651
صحيح لأن الدارقطنى أخرج في سننه عن عمرو بن خالد عن حبيب بن أبى ثابت عن عاصم بن حمزة عن علىّ أنه صلى بالقوم وهو جنب فأعاد ثم أمرهم فأعادوا. وروى عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي عن عمرو بن دينار عن ابن جعفر أن عليا صلى بالناس وهو جنب أو على غير وضوء فأعاد وأمرهم أن يعيدوا. وروى عبد الرزاق أيضا أخبرنا حسين بن مهران عن مطرح عن أبي المهلب عن عبيد الله بن زخر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال صلى عمر بالناس وهو جنب فأعاد ولم يعد الناس فقال له علىّ قد كان ينبغى لمن صلى معك أن يعيدوا قال فرجعوا إلى قول على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال القاسم وقال ابن مسعود مثل قول على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما. وقوله وفي الحديث دليل على أن افتتاح المأموم صلاته قبل الإمام لا يبطل صلاته مردود بأنه لا دليل فيه على ذلك لأنه لا يخلوا إما أن يكون ذهابه ﵊ للاغتسال قبل التحريمة كما هو الصحيح أو بعدها على زعمهم فإن كان قبلها فليس فيه افتتاح لا من الإمام ولا من القوم وإن كان بعدها فهم افتتحوا بافتتاحه ﵊ الجديد (وقال) الشافعى من أحرم قبل الإمام فصلاته باطلة اهـ وكذا قال غير الشافعى من الأئمة (وتمسك) أيضا من أخذ بظاهر الحديث بما رواه البخارى وأحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم. وبما رواه الدارقطني عن الضحاك ابن مزاحم عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أيما إمام سها فصلى بالقوم وهو جنب فقد مضت صلاتهم ثم ليغتسل هو ثم ليعد صلاته وإن صلى بغير وضوء فمثل ذلك. وبما رواه عن ابن المنكدر عن الشريد الثقفي أن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا. وبما رواه عن خالد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار أن عثمان صلى بالناس وهو جنب فلما أصبح نظر في ثوبه احتلاما فقال كبرت والله ألا أراني أجنب ثم لا أعلم ثم أعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا (وقال) أبو حنيفة والشعبي وحماد بن أبي سليمان بفساد صلاة المأموم الذى تبين حدث إمامه بعد تلبسه بالصلاة، واستدلوا بما رواه أحمد عن أبى هريرة مرفوعا "الإمام ضامن" وأخرجه أيضا الطبراني عن أبي أمامة قالوا إن الإمام إنما جعل ليؤتمّ به وهو ضامن لصلاة المأموم وصلاة المأموم مشمولة لصلاة الإمام وصلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم فصحة صلاة المأموم بصحة صلاة الإمام وفسادها بفسادها وصلاة الإمام في هذه الحالة فاسدة لعدم إحرامه فكذا صلاة المأموم لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم، ويدلّ لهم أيضا ما رواه الدارقطني عن أبي جابر البياضى عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى بالناس وهو جنب فأعاد وأعادوا قال الدارقطنى هو مرسل وأبو جابر البياضى متروك الحديث اهـ وما رواه أيضا عن عمرو
стр. 652
ابن خالد عن حبيب بن أبى ثابت عن عاصم بن حمزة عن على أنه صلى بالقوم وهو جنب فأعاد ثم أمرهم فأعادوا قال الدارقطنى عمرو بن خالد متروك الحديث رماه أحمد بالكذب اهـ (والظاهر) ما ذهب إليه الأولون وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الإمام ضامن أى لما يقع من المأمومين من الأعمال التى لا تبطل صلاتهم ما دام إماما لهم وهذا لا يستلزم أنه إذا بان حدثه فسدت صلاة من خلفه. أما قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم فهو على فرض ثبوته محمول على غير نسيان الحدث
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز النسيان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في العبادات للتشريع، وعلى جواز انتظار الجماعة إمامهم لكن محله ما دام الوقت متسعا، وعلى جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث، وعلى أن من دخل المسجد ناسيا الجنابة ثم تذكر يخرج مسرعا بلا تيمم، وعلى أنه إذا ظهر أن الإمام محدث وذهب ليتطهر وأتى لا تعاد الإقامة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن حبان والبيهقي وصححاه
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ: فِي أَوَّلِهِ: «فَكَبَّرَ». وَقَالَ فِي آخِرِهِ: " فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا».
(ش) (قوله بإسناده ومعناه) أى بسند الحديث السابق وهو عن زياد عن الحسن عن أبى بكرة وبمعناه دون لفظه. ولفظه عند ابن حبان عن أبى بكرة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل في صلاة الفجر فكبر ثم أومأ إليهم "الحديث"
(قوله قال في أوله فكبر) أى قال أبو بكرة في أول الحديث الذى رواه عنه بالسند السابق يزيد بن هارون إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل في صلاة الفجر فكبر، وهو يدل على أنه أحرم بالصلاة ثم انصرف
(قوله إنما أنا بشر) إخبار منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه مثل القوم في النسيان وأنه يعرض له مثل ما يعرض لهم من الأمور التى لا تنافي العصمة
(قوله وإنى كنت جنبا) أى فنسيت أن أغتسل كما في رواية الدارقطنى والبيهقى. وهذا بيان لسبب ذهابه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وطلب انتظارهم له. وهذه الرواية أخرجها ابن حبان
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَانْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ، ثُمَّ قَالَ: «كَمَا أَنْتُمْ».
стр. 653
(ش) أى روى الحديث السابق محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى عن أبي سلمة عبد الله ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال فلما قام النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في موضع صلاته وقد انتظرنا تكبيره ذهب ليغتسل الخ وهذا صريح في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذهب قبل أن يكبر وتقدم بيانه. وهذا التعليق لم يذكر في بعض النسخ وعدم ذكره هو المناسب لأن الكلام في حديث أبى بكرة وهذا من حديث أبي هريرة وقد وصله البخارى في باب هل يخرج من المسجد لعلة قال حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج وقد أقيمت الصلاة وعدّلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف قال على مكانكم فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء وقد اغتسل
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَهِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «فَكَبَّرَ ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَوْمِ أَنِ اجْلِسُوا، فَذَهَبَ وَاغْتَسَلَ».
(ش) أى روى حديث أبى بكرة أيضا أَيوب السختياني وابن عون وهشام بن حسان كلهم عن محمد بن سيرين مرسلا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحرم بالصلاة ثم إشار إليهم بالجلوس. وغرض المصنف بذكر هذا التعليق بيان أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم انصرف بعد أن أحرم وأنه أشار إليهم بالجلوس فهو مخالف لما تقدم من الروايات وقد علمت الجمع بينهما، و (ابن عون) هو عبد الله بن عون البصرى أبو عون المزني. رأى أنس بن مالك ولم يسمع منه. وروى عن ثمامة بن عبد الله ومحمد بن سيرين والشعبي وإبراهيم النخعى والحسن البصرى وكثيرين. وعنه الأعمش وشعبة والثورى ووكيع وابن المبارك ويحيى القطان وآخرون. قال أبو حاتم ثقة وهو أكبر من التيمى وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث ورعا وقال ابن حبان في الثقات كان من سادات أهل زمانه عبادة وفضلا وورعا ونسكا وصلابة في السنة وشدّة على أهل البدع. وقال يعقوب بن شيبة ثقة صحيح الكتاب. ولد سنة ست وستين وتوفي سنة إحدى وخمسين ومائة. روى له الجماعة
(قوله ثم أومأ بيده إلى القوم أن اجلسوا) فيه دليل على أنهم لم يكونوا في الصلاة (قال) العينى وبهذا سقط قول من قال إن قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مكانكم دليل على أنهم كانوا في الصلاة بل معناه لا تتفرقوا حتى أرجع إليكم "فإن قيل" قد جاء في رواية أيضا ولم نزل قياما ننتظره "قلنا" فعل القوم لا يعارض قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ويحتمل أن الذين فهموا منه أن اجلسوا جلسوا ومن لم يفهم بقى قائما اهـ لكن قد علمت أن المعوّل عليه تعدّد الواقعة فلا تنافي بين الروايات
стр. 654
(ص) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ «كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ».
(ش) أى كما روى ابن سيرين حديث أبى بكرة مرسلا رواه بالإرسال مالك بن أنس عن إسماعيل بن أبى حكيم عن عطاء بن يسار. وأورد المصنف هذا التعليق وما بعده لتقوية الروايات الدالة على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم انصرف بعد أن دخل في الصلاة وأخرجه مالك في الموطأ بلفظ إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا فذهب ثم رجع وعلى جلده أثر الماء. و (إسماعيل بن أبى حكيم) القرشي مولاهم الأموى المدنى. روى عن القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب وآخرين وعنه مالك بن أنس ويحيى بن سعيد الأنصارى وهو من أقرانه ومحمد بن إسحاق. قال ابن معين ثقة وقال أبو حاتم يكتب حديثه ووثقه النسائى وابن سعد وقال كان قليل الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. توفى سنة ثمانين ومائة. روى له مسلم والنسائى وابن ماجه
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَاه مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ «أَنَّهُ كَبَّرَ».
(ش) أى أن مسلم بن إبراهيم حدّث أبا داود بهذا الحديث مرسلا أيضا كما حدّثه أيوب و (أبان) بن يزيد العطار، و (يحيى) بن أبى كثير
(قوله الربيع بن محمد) روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسلا. وعنه يحيى بن أبى كثير. روى له أبو داود
(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، ح وثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْأَزْرَقِ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، ح وثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ إِمَامُ مَسْجِدِ صَنْعَاءَ، ثَنَا رَبَاحٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، ح وثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كُلُّهُمْ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مَقَامِهِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ فَقَالَ لِلنَّاسِ: «مَكَانَكُمْ»، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَنْطُفُ رَأْسُهُ، وَقَدِ اغْتَسَلَ
стр. 655
وَنَحْنُ صُفُوفٌ وَهَذَا لَفْظُ ابْنُ حَرْبٍ، وَقَالَ عَيَّاشٌ فِي حَدِيثِهِ «فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدِ اغْتَسَلَ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن حرب) المعروف بالأبرش الخولانى الحمصى أبو عبد الله. روى عن الأوزاعي والزبيدى وابن جريج ومحمد بن زياد. وعنه حيوة بن شريح وإسحاق بن راهويه وإبراهيم بن موسى وآخرون، وثقه العجلي وابن معين والنسائى وقال أبو حاتم صالح الحديث وقال أحمد ليس به بأس. مات سنة أربع وتسعين ومائة
(قوله الزبيدى) بضم الزاى وفتح الموحدة هو محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الحمصى القاضى أحد الأعلام. روى عن مكحول ونافع وهشام بن يزيد وسعيد المقبرى وكثيرين. وعنه الأوزاعي وشعيب بن أبى حمزة وبقية بن الوليد وإسماعيل بن عياش وآخرون، قال ابن سعد كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث وكان ثقة وقال أحمد كان لا يأخذ إلا عن الثقات وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من الحفاظ المتقنين ووثقه ابن معين والعجلى والنسائى وقال أبو داود ليس في حديثه خطأ. مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة. روى له الجماعة إلا الترمذى
(قوله عياش بن الأزرق) ويقال عياش بن الوليد بن الأزرق البصرى أبو النجم. روى عن عبد الله بن وهب. وعنه أبو داود وجعفر بن محمد وأحمد بن صالح، قال العجلى ثقة وقد كتبت عنه، و (يونس) بن يزيد الأيلى
(قوله مخلد) بوزن مكتب (ابن خالد) بن يزيد الشعيرى أبو محمد العسقلانى نزيل طرسوس. روى عن أبى معاوية وابن عيينة وابن نمير وأبي سلمة وإبراهيم بن خالد. وعنه أبو عوف ومحمد بن خالد الخلال ومحمد بن إسحاق وآخرون. قال أبو حاتم لا أعرفه ووثقه أبو داود وقال الذهبى صدوق فاضل. روى له مسلم وأبو داود
(قوله إبراهيم ابن خالد) بن عبيد الصنعانى أبو محمد القرشى. روى عن عمرو بن عبد الرحمن ومعمر ورباح ابن زيد وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل وابن المدينى وسلمة بن شبيب وأبو داود والنسائى. وثقه أحمد وابن معين والبزّار والدارقطنى. مات على رأس المائتين، و (صنعاء) بفتح الصاد المهملة وسكون النون وبالعين المهملة هي عاصمة اليمن
(قوله رباح) بن زيد القرشى مولاهم الصنعاني روى عن معمر وعمر بن حبيب وعبد الله بن بحير. وعنه ابن المبارك وإبراهيم بن خالد وأبو ثور وآخرون، قال أبو حاتم جليل ثقة وأثنى عليه أحمد وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان شيخا صالحا فاضلا ووثقه النسائى والعجلى والبزّار ومسلم. توفي سنة سبع وثمانين ومائة عن إحدى وثمانين. روى له أبو داود والنسائى، و (معمر) بن راشد، و (الوليد) بن مسلم و (الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو
(قوله كلهم عن الزهرى) أى روى كل من
стр. 656
الزبيدى ويونس ومعمر والأوزاعي هذا الحديث عن محمد بن مسلم الزهرى
(معنى الحديث)
(قوله وصفّ الناس صفوفهم) أى سوّى الناس صفوفهم وعدّلوها كما صرّح به في روايات البخارى
(قوله فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) ظاهر هذه الرواية أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج بعد إقامة الصلاة وتسوية الصفوف وتؤيده رواية مسلم عن أبى هريرة أيضا قال أقيمت الصلاة فقمنا فعدّلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكن في رواية مسلم عن جابر بن سمرة أن بلالا كان لا يقيم حتى يخرج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفى رواية للبخارى وستأتي للمصنف أيضا إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني. ولا منافاة بين هذه الروايات لاحتمال أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقرّهم على ما فعلوا قبل خروجه لبيان الجواز وإلا فكان الغالب من أحوالهم عدم الإقامة حتى يخرج أو أن فعلهم هذا كان سببا لقوله لا تقوموا حتى تروني فإنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يبطئَ عن الخروج فيشقّ عليهم انتظاره
(قوله فقال للناس مكانكم) أى قال لهم أو أشار إليهم أن اثبتوا مكانكم ففيه على هذا إطلاق القول على الإشارة فإن أكثر الروايات فأشار بيده أو فأومأ بيده. ويحتمل أن يكون جمع بين القول والإشارة
(قوله ينطف رأسه) بكسر الطاء المهملة وضمها من بابى ضرب وقتل أى يقطر
(قوله ونحن صفوف) يعنى أنهم لم يتحوّلوا عن الهيئة التى تركهم عليها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى اغتسل وجاء إليهم فكبر وصلى بهم
(قوله فلم نزل قياما ننتظره الخ) مقول قول عياش ومرتبط بقوله ثم رجع أى ثم رجع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى بيته فلم نزل ننتظره حال كوننا قائمين إلى أن خرج فهو غاية للانتظار وجملة اغتسل حال، وفي هذه الرواية مخالفة لرواية محمد بن سيرين المرسلة فإن فيها ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا وفى هذه فلم نزل قياما ننتظره وهذه أصح لاتصالها، ويمكن الجمع بينهما بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أشار إليهم ففهم بعضهم أنه أشار إليهم بالبقاء على حالهم من القيام وفهم البعض أنه أشار إليهم بالجلوس فروى كلّ ما فهم، وسكت المصنف عن ألفاظ بقية الرواة ولعلها كانت نحو لفظ ابن حرب
(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدّم على مشروعية تعديل الصفوف (قال) العينى في شرح البخارى وهو مستحب بالإجماع (وقال) ابن حزم فرض على المأمومين تعديل الصفوف الأول فالأول والتراصّ فيها والمحاذاة بالمناكب والأرجل اهـ ودلّ على جواز الفصل بين الإقامة والصلاة لأن قولهم صلى بهم في رواية أبى بكرة المتقدمة وفي رواية الشيخين عن
стр. 657
أبى هريرة ظاهر في أن الإقامة لم تعد، والظاهر أن جواز الفصل مقيد بالضرورة وبأمن خروج الوقت (وعن) مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إذا بعدت الإقامة من الإحرام تعاد ما لم يكن لعذر
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى في كتاب الغسل والنسائى والدارقطنى في الإمامة وابن ماجه في باب ما جاء في البناء على الصلاة ومسلم عن أبي هريرة من عدّة طرق وأخرجه النسائى وابن ماجه عنه أيضا
(باب في الرجل يجد البلة في منامه)
يعنى يجد البلل بعد الاستيقاظ من النوم ولا يذكر احتلاما أيجب عليه الغسل أم لا. والبلل بالفتح والبلة والبلال بالكسر فيهما والبلالة بالضم الرطوبة. وفى بعض النسخ يجد البلل الخ
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا. قَالَ: «يَغْتَسِلُ»، وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ. قَالَ: «لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» فَقَالَتْ: أُمُّ سُلَيْمٍ الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ. إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله حماد بن خالد الخياط) أبو عبد الله القرشي المدني ثم البصرى. روى عن مالك بن أنس وابن أبى ذئب وأفلح بن حميد. وعنه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو بكر بن أبى شيبة وآخرون، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائى وابن المديني وقال أبو حاتم صالح الحديث ثقة. روى له الجماعة إلا البخارى
(قوله عبد الله) بن عمر ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن القرشي العدوى. روى عن زيد بن أسلم ونافع وحميد الطويل وأبى الزبير والزهرى وآخرين. وعنه ابنه عبد الرحمن وابن وهب وابن مهدى وأبو نعيم ووكيع وجماعة، قال النسائى وابن المدينى ضعيف وقال ابن معين ليس به بأس يكتب حديثه وقال صالح بن محمد لين مختلط الحديث وقال يعقوب بن شيبة صدوق في حديثه اضطراب وقال الحاكم ليس بالقوى. توفي بالمدينة سنة إحدى وسبعين ومائة، و (العمرى) بضم ففتح نسبة إلى جدّه الأعلى عمر بن الخطاب
стр. 658
و (عبيد الله) بن عمر بن حفص أخو عبد الله المذكور، و (القاسم) بن محمد بن أبى بكر الصديق
(معنى الحديث)
(قوله ولا يذكر احتلاما) أى لا يتذكر أنه رأى ما يوجب الغسل والاحتلام افتعال من الحلم بضم المهملة وسكون اللام ما يراه النائم في نومه يقال حلم بالفتح من باب قتل واحتلم رأى في منامه رؤيا والمراد به هنا أمر خاص وهو الجماع ونحوه
(قوله قال يغتسل) خبر بمعنى الأمر أى ليغتسل (وظاهره) يدلّ على وجوب الغسل بوجود البلل مطلقا وإلى ذلك ذهب ابن عباس والشعبى وابن جبير والنخعى قال الترمذى وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والتابعين أنه إذا استيقظ الرجل فرأى بلة أنه يغتسل اهـ (وقال) أبو إسحاق وعطاء ومجاهد يغتسل إذا كانت بلة نطفة (وذهبت) الحنفية إلى أنه إن تذكر احتلاما وتيقن أنه منيّ أو مذى أو شك أمنىّ أم مذى أو ودى فعليه الغسل وإن تيقن أنه ودى فلا غسل عليه وإن لم يتذكر احتلاما فإن تيقن أنه ودى فلا غسل عليه وإن تيقن أنه منىّ فعليه الغسل وإن شك أمنىّ أم مذى أم ودى فكذلك عند أبى حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف لا يجب عليه حتى يتذكر الاحتلام لأن الأصل براءة الذمة فلا يجب إلا بيقين وهو القياس. وأبو حنيفة ومحمد أخذا بالاحتياط لأن النائم غافل والمنىّ قد يرقّ بالهواء فيصير مثل المذى فيجب عليه احتياطا (وقالت) المالكية من انتبه من نومه فوجد بللا في ثوبه أو بدنه فإن تيقن أنه منيّ أو شك أمنيّ أم غيره وجب عليه الغسل وإن تيقن أنه غير منيّ أو شك أمنيّ أم مذى أم ودى فلا غسل عليه (وقالت) الحنابلة إن أفاق نائم ونحوه كمغمى عليه بالغ أو ممكن بلوغه فوجد ببدنه أو ثوبه بللا فإن تحقق أنه منىّ اغتسل وجوبا ولو لم يذكر احتلاما ولا يغسل ما أصابه لطهارة المنىّ وإن تحقق أنه مذى غسل ما أصابه ولا غسل عليه وإن لم يتحقق أنه مذى ولا منىّ ولم يسبق نومه سبب كملاعبة أو نظر أو فكر أو برد لزمه الغسل وتطهير ما أصابه البلل وإن تقدم نومه سبب لم يجب الغسل لأن الظاهر أنه مذى لوجود سببه إن لم يتذكر احتلاما وإلا وجب الغسل "أفاده في شرح المنتهى" (وقالت) الشافعية من انتبه من نومه فوجد بللا وشك أهو منيّ أم مذى فله أن يختار أنه منىّ فيغتسل وله أن يختار أنه مذى فيتوضأ ويغسل ثوبه. والتحقيق في هذا أنه إن تيقن أن البلة منىّ وجب عليه الغسل ذكر احتلاما أم لا وإن تيقن أنها بول أو مذى أو ودى فلا غسل عليه وإن شك أهو منيّ أم غيره اغتسل احتياطا
(قوله قال لا غسل عليه) أى واجب وهذا مجمع عليه (قال) الخطابى ظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى بلة وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق وروى هذا القول عن جماعة من التابعين منهم عطاء والشعبى والنخعى (وقال) أحمد بن حنبل أعجب إلىّ أن يغتسل (وقال) أكثر أهل العلم لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنها من الماء الدافق واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط ولم يختلفوا أنه إذا لم ير الماء
стр. 659
وإن كان رأى في النوم أنه قد احتلم فإنه لا يجب عليه الاغتسال اهـ وإنما أدار الحكم على البلل دون الرؤيا لأن الرؤيا تكون تارة حديث نفس ولا تأثير له وتارة تكون قضاء شهوة ولا تكون بغير بلل غالبا فلا يصلح لإدارة الحكم إلا البلل وأيضا فإن البلل شئ ظاهر يصلح للانضباط أما الرؤيا فكثيرا ما تنسى
(قوله فقالت أم سليم) بضم السين المهملة وفتح اللام بنت ملحان بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة ابن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصارية أم أنس خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. اشتهرت بكنيتها واختلف في اسمها فقيل سهلة وقيل رميلة وقيل مليكة. تزوّجت مالك بن النضر فولدت أنسا في الجاهلية وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار فغضب مالك وخرج إلى الشام فمات وتزوّجت بعده أبا طلحة "فقد" روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك أن أبا طلحة خطب أم سليم قبل أن يسلم فقالت يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذى تعبد نبت من الأرض قال بلى قالت أفلا تستحيى تعبد شجرة إن أسلمت فإني لا أريد منك صداقا غيره قال حتى أنظر في أمرى فذهب ثم جاء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقالت يا أنس زوجّ أبا طلحة فزوّجها. وفي رواية أخرى له عن أنس أيضا قال خطب أبو طلحة أم سليم فقالت إني قد آمنت بهذا الرجل وشهدت بأنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن تابعتنى تزوّجتك قال فأنا على ما أنت عليه فتزوّجته وكان صداقها الإسلام. وكانت تغزو مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولها قصص مشهورة (منها) أنها اتخذت خنجرا يوم حنين فقال أبو طلحة يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر فقالت اتخذته إن دنا منى أحد من المشركين بقرت به بطنه (ومنها) أنها لما مات ولدها ابن أبى طلحة قالت لا يذكر أحد ذلك لأبى طلحة قبلى فلما جاء وسأل عن ولده قالت هو أسكن ما كان فظن أنه عوفي وقام فأكل ثم تزينت وتطيبت فنام معها وأصاب منها فلما أصبح قالت احتسب ولدك فذكر ذلك للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال بارك الله لكما في ليلتكما فجاءت بعبد الله فأنجب. روت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحاديث كثيرة. روى عنها ابنها أنس وابن عباس وزيد بن ثابت وأبو سلمة وآخرون. روى لها البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى
(قوله إنما النساء شقائق الرجال) جملة مستأنفة فيها معنى التعليل وكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما فهم من أم سليم استبعاد الاحتلام من النساء ذكر لها علة ذلك. والشقائق جمع شقيقة وهي في الأصل أخت الرجل لأمه وأبيه والمراد هنا أنهن نظائر الرجال في الخلق والطبائع والأحكام كأنهن شققن منهم فما ثبت من الأحكام للرجال يثبت للنساء إلا ما قام عليه دليل الخصوصية (قال) ابن الأثير أى نظائرهم وأمثالهم كأنهن شققن منهم ولأن حوّاء خلقت من آدم ﵇. وشقيق الرجل أخوه لأبيه ولأمه أى فيجب الغسل على المرأة
стр. 660
برؤية البلل بعد النوم كالرجل اهـ (وقال) الخطابى فيه من الفقه إثبات القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير فإن الخطاب إذا ورد بلفظ المذكر كان خطابا للنساء إلا مواضع الخصوص التى قامت أدلة التخصيص فيها اهـ
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على وجوب الغسل بوجود بلل بعد النوم وإن لم يتذكر احتلاما، وعلى أنه يطلب ممن جهل حكما شرعيا أن يسأل عنة ولا يمنعه الحياء عن ذلك، وعلى أن المرأة تحتلم كما يحتلم الرجل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى والترمذى وقال إنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر وعبد الله ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه اهـ وأخرجه البيهقى أيضا وابن ماجه بدون ذكر قول أم سليم بلفظ قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا استيقظ أحدكم من نومه ورأى بللا ولم ير أنه احتلم اغتسل وإذا رأى أنه قد احتلم ولم ير بللا فلا غسل عليه، وأخرجه أحمد والدارمى وابن أبي شيبة وقد تفرّد به عبد الله العمرى ولم نجده عن غيره فالحديث معلول بعلتين ضعفه وتفرّده به ولذا قصر عن درجة الحسن والصحة
(باب المرأة ترى ما يرى الرجل)
أى ترى في منامها مثل ما يرى الرجل
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَنْبَسَةُ، ثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ الْأَنْصَارِيَّةَ وهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ فِي المنامِ مَا يَرَى الرَّجُلُ أَتَغْتَسِلُ أَمْ لَا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «نَعَمْ. فَلْتَغْتَسِلْ إِذَا وَجَدَتِ الْمَاءَ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: أُفٍّ لَكِ وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَقَالَ: «تَرِبَتْ يَمِينُكِ يَا عَائِشَةُ، وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ »
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عنبسة) بن خالد بن يزيد بن أَبى النجاد الأيلي الأموى مولاهم أبو عثمان. روى عن يونس بن يزيد ورجاء بن جميل وابن جريج وابن المبارك، وعنه ابن وهب ومحمد ابن مهدى وأحمد بن صالح وقال صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال يحيى بن بكير إنما يحدّث عن عنبسة مجنون أحمق. توفى بأيلة سنة ثمان وتسعين ومائة. روى له البخارى وأبو داود
стр. 661
(معنى الحديث)
(قوله إن الله لا يستحيى من الحق) قدّمت أم سليم هذا القول تمهيدا لبسط عذرها في ذكرها ما تستحيى النساء من ذكره لأن الذى يعتذر به إذا كان متقدّما على المعتذر منه أدركته النفس صافيا من العتب وإذا تأخّر العذر استثقلت النفس المعتذر منه فتأثرت بقبحه ثم يأتي العذر رافعا وعلى الأول يأتى دافعا ودفع الشئ المستكره قبل وقوعه أيسر من رفعه بعد وقوعه ويستحيى بياءين على الأصل من الحياء وهو تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به أو يذمّ وهو مستحيل على الله تعالى فيحمل على أن المراد لازمه وهو المنع أى إن الله تعالى لا يمنع من ذكر الحق. أو أن المراد لا يأمر بالحياء في الحق ولا يبيحه (قال) ابن دقيق العيد ولعل قائلا يقول إنما يحتاج إلى تأويل الحياء إذا كان الكلام مثبتا كما جاء إن الله حيّ كريم وأما في النفى فالمستحيلات على الله تعالى تنفى ولا يشترط في النفى أن يكون المنفى ممكنا (وجوابه) أنه لم يرد النفى على الاستحياء مطلقا بل على الاستحياء من الحق وبطريق المفهوم يقتضى أنه يستحيى من غير الحق فيعود بطريق المفهوم إلى جانب الإثبات اهـ
(قوله فلتغتسل إذا وجدت الماء) أى المنىّ بعد الاستيقاظ. وأتى به بعد الجواب بنعم لأنها ليست نصا في الجواب على وجوب الغسل. وفي رواية البخارى إذا رأت الماء وفيه ردّ على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز وإنما تعرف إنزالها بشهوتها. وحمله الوجود والرؤية في الروايتين على العلم مردود لأن العلم حال النوم متعذر ولأن الرجل إذا رأى أنه جامع وعلم أنه أنزل في النوم ثم استيقظ فلم ير بللا لا يجب عليه الغسل فكذلك المرأة
(قوله فقلت أفّ لك) هذه كلمة تستعمل في الاحتقار والإنكار وهو المناسب هنا فإن الظاهر من قول عائشة الإنكار على أم سليم كما يدل عليه قوله وهل ترى ذلك المرأة وقولها في بعض الروايات فضحت النساء تربت يمينك، وأفّ اسم صوت إذا صوّت به الإنسان علم أنه متضجر وقيل أصل الأفّ وسخ الأصبع إذا فتل ويقال أففت بفلان تأفيفا إذا قلت له أفّ لك وفيها لغات أفضحها وأكثرها استعمالا ضم الهمزة وتشديد الفاء مكسورة منوّنة
(قوله وهل ترى ذلك المرأة) الاستفهام للإنكار بمعنى النفى أى لا ترى المرأة ذلك (قال العراقى) أنكرت عليها بعد جواب المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لها لأنه لا يلزم من ذكر حكم الشئ تحقق وقوعه فالفقهاء يذكرون الصور الممكنة ليعرفوا حكمها وإن لم تقع بل قد يصوّرون المستحيل لتشحيذ الأذهان اهـ (وقال) ابن عبد البرّ فيه دليل على أنه ليس كل النساء يحتلمن وإلا لما أنكرت عائشة وأم سلمة ذلك وقد يوجد عدم الاحتلام في بعض الرجال إلا أن ذلك في النساء أكثر (وعكس) ذلك ابن بطال فقال فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن (قال) الحافظ والظاهر أن مراده الجواز لا الوقوع أى فيهن قابلية ذلك اهـ (قال) السيوطى وأى مانع أن يكون ذلك خصوصية لأزواجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنهن لا يحتلمن كما أن من خصائص الأنبياء أنهم لا يحتلمون لأنه من الشيطان فلم يسلطه عليهم وكذا لا يسلط على أزواجه تكريما له اهـ
стр. 662
(قال) الزرقانى المانع من ذلك أن الخصائص لا تثبت بالاحتمال وهو كغيره لم يثبت للأنبياء إلا بالدليل (وقال) العراقى بحث بعض أصحابنا فمنع وقوعه من أزواجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنهن لا يطعن غيره لا يقظة ولا مناما والشيطان لا يتمثل به. وفيه نظر لأنهن قد يحتلمن من غير رؤية كما يقع لكثير من الناس أو يكون سبب ذلك شبعا أو غيره. والذى منعه بعض العلماء هو وقوع الاحتلام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اهـ
(قوله تربت يمينك) هذه الكلمة معناها الأصلى التصقت اليد بالتراب وهو كناية عن الفقر لكن العرب اعتادت استعمالها كثيرا في غير المعنى الأصلى فليس المراد بها هنا الدعاء على عائشة بل المراد الإنكار عليها (وقال) الباجى يحتمل أنه قال ذلك تأديبا لها لإنكارها ما أقرّ عليه وهو لا يقرّ إلا على الصواب وقد قال "اللهم أيما مؤمن سببته فاجعل ذلك قربة إليك" فلا يمتنع أن يقول لها ذلك لتؤجر وليكفر لها ما قالته اهـ
(قوله ومن أين يكون الشبه) أى مشابهة الولد أمه. وفي رواية البخارى فبم يشبهها ولدها. وفي رواية لمسلم وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، والشبه بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة أو بكسر الشين وسكون الباء بمعنى المشابهة وهى الاشتراك ولو في بعض الصفات وذلك أن ماء الرجل إذا غلب ماء المرأة يكون شبه الولد للأب وبالعكس للأم ولو لم يكن للأم ماء ما كان يشبهها الولد أصلا. وفي صحيح مسلم إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه اهـ وهو يشبه أخواله لشبهه بأمه ويشبه أعمامه لشبهه بأبيه. وفي رواية له أيضا ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة أذكرا بإذن الله تعالى وإذا علا منىّ المرأة منيّ الرجل أنثا بإذن الله تعالى. وقوله أذكرا بضم فسكون أى صار المنيان أصلا لذكر وقوله أنثا بضم الهمزة وتشديد النون أى صارا أصلا لأنثى
(فقه الحديث) دلّ الحديث على ترك الاستحياء من السؤال عما فيه مصلحة، وعلى مشروعية زجر من يلوم على من يسأل عما جهله وإن كان مما يستحيى منه عادة. وعلى وجوب الغسل على المرأة إذا احتلمت ووجدت الماء، وعلى أن المرأة تحتلم ولها ماء كالرجل، وعلى أن المولود قد يشبه أمه كما قد يشبه أباه. وهذا الحديث لم نقف على من أخرجه غير المصنف
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَى الزُّبَيْدِيُّ، وَعُقيْلٌ، وَيُونُسُ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وبْنُ أَبِي الْوَزِيرِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَوَافَقَ الزُّهْرِيُّ: مُسَافِعٌ الْحَجَبِيُّ قَالَ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَقَالَ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
стр. 663
أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ
(ش) (قوله وكذلك روى الزبيدى الخ) أى كما روى الحديث يونس عن ابن شهاب الزهرى رواه الزبيدى وعقيل بن خالد ومن معهما عن الزهرى وكذا رواه ابن أبى الوزير عن مالك عن الزهرى عن عروة عن عائشة فالزهرى جعل الحديث من مسند عائشة ووافقه في ذلك مسافع الحجبى وأما هشام بن عروة فرواه عن عروة عن زينب بنت أبى سلمة عن أم سلمة ولم يتابعه أحد وعليه فالحديث من مسند أم سلمة فعلى الأول تكون المراجعة بين عائشة وأم سليم وعلى الثاني تكون بين أم سلمة وأم سليم (وقد اختلف) العلماء في ذلك فمنهم من رجح ومنهم من جمع فالمصنف أشار إلى ترجيح رواية الزهرى حيث ذكر أن يونس تابعه في الرواية عن الزهرى أربعة وأن الزهرى تابعه في الرواية عن عروة مسافع الحجبى. ونقل القاضى عياض عن أهل الحديث أن الصحيح أن القصة وقعت لأم سلمة لا لعائشة وهذا يقتضى ترجيح رواية هشام بن عروة على رواية الزهرى وهو ظاهر صنيع البخارى حيث اقتصر على إخراج حديث أم سلمة من عدّة طرق عن هشام. ويؤيده أيضا أن حديث أم سلمة اتفق على تخريجه الشيخان وأصحاب السنن (وقال) النووى في شرح مسلم يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعا أنكرتا على أم سليم اهـ (قال) الحافظ في الفتح وهو جمع حسن لأنه لا يمتنع حضور أم سلمة وعائشة عند النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في مجلس واحد اهـ وفيه وقد سألت عن هذه المسألة أيضا خولة بنت حكيم عند أحمد والنسائى وابن ماجه وفي آخره كما ليس على الرجل غسل إذا رأى ذلك فلم ينزل وسهلة بنت سهيل عند الطبراني وبسرة بنت صفوان عند ابن أبى شيبة اهـ
(قوله الزبيدى) بالتصغير هو محمد بن الوليد وروايته أخرجها النسائى قال أخبرنا كثير بن عبيد عن محمد بن حرب عن الزبيدى عن الزهرى عن عروة أن عائشة أخبرته أن أم سليم كلمت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعائشة جالسة فقالت له يا رسول الله إن الله لا يستحيى من الحق "الحديث"
(قوله وعقيل) بالتصغير ابن خالد مولى عثمان بن عفان وروايته أخرجها البيهقى ومسلم قال حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبى عن جدّى قال حدثنى عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال أخبرني عروة الخ
(قوله ويونس) بن يزيد وذكره هنا تصحيف من النساخ
(قوله وابن أخى الزهرى) اسمه محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب المدني. روى عن عمه وأبيه وصالح بن عبد الله. وعنه معن والقعنبى وأمية بن خالد ومحمد بن إسحاق وطائفة، قال ابن معين ضعيف لا يحتج به وقال ابن عدى لم أر بحديثه بأسا ولا رأيت له حديثا منكرا وقال أبو حاتم ليس بالقوى يكتب حديثه وقال ابن حبان كان ردئ الحفظ كثير الوهم وقال الساجى صدوق تفرّد عن عمه بأحاديث لم يتابع عليها ووثقه أبو داود وقال سمعت
стр. 664
أحمد يثني عليه وأخبرني عباس عن يحيى بالثناء عليه، مات سنة سبع وخمسين ومائة، روى له الجماعة. وروايته لم نقف على من وصلها من المحدّثين
(قوله وابن أبى الوزير) هو إبراهيم بن عمر بن مطرّف الهاشمى مولاهم المكي أبو عمرو ويقال أبو إسحاق نزل البصرة، روى عن مالك وشريك ونافع الجمحى وابن عيينة، وعنه على بن المدينى وابن المثني وعبد الله الجعفي وابن بشار وغيرهم. قال أبو حاتم والنسائى لا بأس به، وقال الدارقطنى ثقة ليس في حديثه ما يخالف الثقات ووثقه الترمذى مات سنه ثلاث وثلاثين ومائتين. روى له الجماعة إلا مسلما. وقد أخرج حديثه ابن عبد البرّ قال الزرقاني كل من رواه عن مالك لم يذكر فيه عن عائشة إلا ابن نافع وابن أبي الوزير فروياه عن مالك عن الزهرى عن عروة عن عائشة أن أم سليم أخرجه ابن عبد البر اهـ
(قوله ووافق الزهرى مسافع) الزهرى مفعول لوافق ومسافع فاعله ومسافع بضم الميم وبالسين المهملة ابن عبد الله بن شيبة بن عثمان بن أبى طلحة العبدرى أبو سليمان. روى عن عمته صفية وابن عمرو بن العاص وعروة بن الزبير ومعاوية بن أبى سفيان. وعنه مصعب بن شيبة ومنصور ابن عمته صفية والزهرى وجويرة بن أسماء. وثقه العجلى وقال تابعى وقال ابن سعد كان قليل الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود ومسلم والترمذى، و (الحجبى) نسبة إلى الحجبة جمع حاجب على غير قياس والقياس النسبة إلى المفرد فيقال حاجبى والمراد بهم حجبة الكعبة المكرّمة من بنى عبد الدار بن قصى، وحديثه أخرجه مسلم والبيهقى من طريق ابن أبي زائدة عن أبيه عن مصعب ابن شيبة عن مسافع بن عبد الله عن عروة بن الزبير عن عائشة أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء فقال نعم فقالت لها عائشة تربت يداك وألت قالت فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دعيها وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله "الحديث" وألت بضم الهمزة وفتح اللام المشددة وسكون التاء أى أصابتها الألة بفتح الهمزة وتشديد اللام وهي الحربة
(قوله قال عن عروة عن عائشة) أى قال مسافع في روايته عن عروة الخ وهو بيان لمحل الموافقة
(قوله زينب بنت أبي سلمة) المحزومية وأمها أم سلمة يقال ولدت بأرض الحبشة وكان اسمها برّة فسماها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم زينب وهي ربيبته. روت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن أمها وعائشة وزينب بنت جحش وأم حبيبة. وعنها ابنها أبو عبيدة وعلى بن الحسين والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبو سلمة والشعبي. وكانت أفقه امرأة بالمدينة. توفيت سنة ثلاث وسبعين. روى لها أبو داود والترمذى والنسائى
(قوله أم سلمة) اسمها هند بنت أبي أمية حذيفة ويقال سهيل بن المغيرة القرشية الخزومية أم المؤمنين كانت قبله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تحت أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد وكانت ممن
стр. 665
أسلم قديما هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة فولدت له سلمة ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة فولدت له عمر ودرّة وزينب. وعن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة قال لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل بعيرا له وحملنى وحمل معى ابنى سلمة ثم خرج يقود بعيره فلما رآه رجال بنى المغيرة قاموا إليه فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد ونزعوا خطام البعير من يده وأخذوني فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد وأهووا إلى سلمة وقالوا والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا فتجاذبوا ابنى سلمة حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الأسد رهط أبى سلمة وحبسنى بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجى أبو سلمة حتى لحق بالمدينة ففرّق بينى وبين زوجى وابنى فكنت أخرج كل غداة وأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسى سبعا أو قريبها حتى مرّ بى رجل من بنى عمى فرأى ما في وجهى فقال لبنى المغيرة ألا تخرجون من هذه المسكينة فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها فقالوا ألحقى يزوجك إن شئت وردّ علىّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابنى فرحلت بعيرى ووضعت ابني في حجرى ثم خرجت أريد زوجى بالمدينة وما معى أحد من خلق الله فكنت أبلغ من لقيت حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بنى عبد الدار فقال أين يا بنت أبي أمية قلت أريد زوجى بالمدينة فقال هل معك أحد فقلت لا والله إلا الله وابنى هذا فقال والله مالك من مترك فأخذ بحطام البعير فانطلق معى يقودني فوالله ما صحبت رجلا من العرب أراه كان أكرم منه إذا نزل المنزل أناخ بى ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها فإذا دنا الرواح قام إلى بعيرى قدّمه ورحله ثم استأخر عني وقال اركبى فإذا ركبت واستويت على بعيرى أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى نزلت فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بى المدينة فلما نظر إلى قرية بنى عمرو بن عوف بقباء قال إن زوجك في هذه القرية وكان أبو سلمة نازلا بها، ولما مات زوجها وانقضت عدّتها خطبها أبو بكر فلم تتزوّجه فبعث النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطبها فقالت أخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أني امرأة غيرى وأني امرأة مصبية وليس أحد من أوليائى شاهدا فقال قل لها أما قولك غيرى فسأدعو الله فتذهب غيرتك وأما قولك إني امرأة مصيبة فسأقوم بأمر صبيانك وأما قولك ليس أحد من أوليائى شاهدا فليس أحد من أوليائك شاهد أو غائب يكره ذلك فقالت لابنها عمر قم فزوّج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فزوّجه. روى لها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثمانية وسبعون وثلثمائة حديث اتفق البخارى ومسلم على ثلاثة عشر حديثا وانفرد البخارى بثلاثة ومسلم بمثلها. وعنها ابنها عمر وابنتها زينب ونافع وأبو عثمان النهدى وسعيد بن المسيب وكريب مولى ابن عباس وآخرون. توفيت سنة تسع وخمسين وصلى عليها أبو هريرة. قال الذهبى هى آخر
стр. 666
أمهات المؤمنين وفاة. روى لها الجماعة
(قوله أن أم سليم جاءت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) لفظه عند الشيخين وغيرهما قالت يعني أم سلمة جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصارى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحيى من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت فقال نعم إذا رأت الماء فقالت أم سلمة يا رسول الله وتحتلم المرأة فقال تربت يداك فبم يشبهها ولدها اهـ وهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائى وابن ماجه والترمذى وقال حديث حسن صحيح
(باب في مقدار الماء الذى يجزئُ به الغسل)
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ «يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ -هُوَ الْفَرَقُ- مِنَ الجَنَابَةِ»
(ش) (قوله هو الفرق) الجملة صفة مبينة للمراد من الإناء والفرق بفتح الفاء وفتح الراء وإسكانها لغتان حكاهما ابن دريد وجماعة والفتح أفصح قال النووى وزعم الباجى أنه الصواب وليس كما قال بل هما لغتان اهـ قال الحافظ ولعل مستند الباجى ما حكاه الأزهرى عن ثعلب وغيره الفرق بالفتح والمحدّثون يسكنونه وكلام العرب بالفتح اهـ وحكى في القاموس الوجهين وقال الفتح أفصح. وسيأتى للمصنف أن الفرق يسع ستة عشر رطلا، وليس المراد أنه كان يغتسل بملئه لحديث كان يغتسل بالصاع ولحديث عائشة كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من إناء يقال له الفرق
(فقه الحديث) والحديث يدل على طلب الاعتدال في ماء الغسل بترك الإسراف والتقتير اقتداء بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد تقدم بيان ذلك وافيا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى ومالك في الموطأ والطحاوى في شرح معانى الآثار
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ: مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِيهِ قَدْرُ الْفَرَقِ»
(ش) أى قال معمر بن راشد في روايته لحديث مقدار الماء الذى يكتفي به في الغسل
стр. 667
قالت عائشة كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من إناء فيه ماء قدر الفرق. وغرض المصنف بهذا بيان الاختلاف بين رواية معمر ورواية مالك فرواية مالك فيها أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل وحده من الفرق نفسه ورواية معمر فيها أن عائشة كانت تغتسل معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من إناء غير الفرق فيه قدر الفرق. وليس في كل من الروايتين دلالة صريحة على تحديد المقدار الذى كان يأخذه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى يطابق الحديث الترجمة إلا أن يقال إنهما اغتسلا بجميع ما في الإناء المقدّر بالفرق فيكون قدر الماء الذى استعمله كل منهما ثمانية أرطال وهذا لا ينافي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل بالصاع لأن الغسل بالصاع أو الفرق ليس للتحديد بل كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ربما اقتصر على الصاع وربما زاد. والقدر المجزى في الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر سواء أكان صاعا أم أقل أم أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلا وفي الزيادة إلى مقدار يدخل فاعله في حدّ الإسراف وتقدم بيان ذلك وافيا في باب ما يجزئُ من الماء في الوضوء. ورواية معمر أخرجها النسائى قال أخبرني سويد بن نصر ثنا عبد الله عن معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من إناء واحد وهو قدر الفرق وفي هذا دلالة على جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وعلى جواز تطهر المرأة بفضل الرجل وبالعكس
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالكٍ
(ش) أى روى سفيان بن عيينة نحو حديث مالك. والغرض منه تقوية رواية مالك وترجيحها على رواية معمر. ورواية سفيان هذه أخرجها مسلم من عدة طرق بسنده إلى سفيان والليث كلاهما عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يغتسل في القدح وهو الفرق وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد وفي حديث سفيان من إناء واحد
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: الْفَرَقُ: سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: صَاعُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ. قَالَ: فَمَنْ قَالَ: ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِمَحْفُوظٍ قَالَ: وسَمِعْت أَحْمَد يَقُولُ: مَنْ أَعْطَى فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِرِطْلِنَا هَذَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا فَقَدْ أَوْفَى قِيلَ الصَّيْحَانِيُّ ثَقِيلٌ. قَالَ: الصَّيْحَانِيُّ أَطْيَبُ قَالَ: لَا أَدْرِي
стр. 668
(ش) (قوله الفرق ستة عشر رطلا) بالغدادى وهو ثلاثون ومائة درهم بالدرهم المتعارف على ما تقدم بيانه وعلى هذا أهل اللغة والجمهور (قال) الجوهرى الفرق مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلا وفى صحيح مسلم في رواية ابن عيينة عن الزهرى قال سفيان الفرق ثلاثة آصع اهـ (قال) النووى وكذا قال الجماهير اهـ (وقيل) الفرق صاعان لكن نقل أبو عبيد الاتفاق على أن الفرق ثلاثة آصع وعلى أنه ستة عشر رطلا ويؤيده ما رواه ابن حبان عن عائشة بلفظ الفرق قدر ستة أقساط، والقسط بكسر القاف نصف صاع باتفاق أهل اللغة ولا اختلاف بينهم أن الفرق ستة عشر رطلا وأن الصاع خمسة أرطال وثلث
(قوله وسمعته يقول الخ) أى قال أبو داود وسمعت أحمد بن حنبل حال كونه يقول صاع ابن أبى ذئب خمسة أرطال وثلث (وابن أبى ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، وقد وافق أحمد على هذا القول أهل المدينة وأهل الحجاز كافة ويدلّ لهم ما أخرجه البيهقي عن الحسين بن الوليد القرشي قال قدم علينا أبو يوسف من الحج فقال إنى أريد أن أفتح عليكم بابا من العلم أهمنى ففحصت عنه فقدمت المدينة فسألت عن الصاع فقالوا صاعنا هذا صاع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قلت لهم ما حجتكم في ذلك فقالوا نأتيك بالحجة غدا فلما أصبحت أتانى نحو من خمسين شيخا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه وكل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنظرت فإذا هي سواء فقال فعبرته فإذا هو خمسة أرطال وثلث بنقصان يسير فرأيت أمرا قويا فتركت قول أبي حنيفة في الصاع وأخذت بقول أهل المدينة اهـ قال صاحب التنقيح هذا هو المشهور من قول أبى يوسف
(قوله قال فمن قال الخ) أى قال أبو داود لأحمد فماذا ترى في قول من قال إن الصاع ثمانية أرطال فقال أحمد ليس تقدير الصاع بثمانية أرطال محفوظا (وأما) ما أخرجه النسائى والطحاوى عن موسى الجهنى قال أتى مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال فقال حدثتنى عائشة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل بمثل هذا (فقد أجيب) عنه بوجوه (الأول) أن الحزر لا يعارض به التحديد (الثانى) أن مجاهدا لم يصرّح بأن الإناء المذكور كان صاعا حتى يكون معارضا لقول أحمد (الثالث) أن مجاهدا قد شك في هذا الحزر والتقدير فقال ثمانية أرطال تسعة أرطال عشرة أرطال كما أخرجه الطحاوى فكيف يعارض الحزر المشكوك فيه التحديد المتيقن (هذا) وقد تقدم في باب ما يجزئُ من الماء في الوضوء بيان أن الخلاف بين العلماء في وزن الصاع لفظيّ
(قوله قيل له الصيحانى ثقيل) أى قيل لأحمد الصيحانى ثقيل في الوزن فيقلّ مقداره في الكيل عن الصاع فهل يكفى منه خمسة أرطال وثلث في صدقة الفطر. والصيحانى تمر معروف بالمدينة (قال) الأزهرى الصيحانى ضرب من التمر أسود صلب
стр. 669
المضغة نسبة إلى صيحان وهو كبش كان يربط في نخلة بالمدينة فأثمرت ثمرا فنسب إلى صيحان اهـ (وقال) في القاموس الصيحاني من تمر المدينة نسب إلى صيحان كبش كان يربط إليها إذ اسم الكبش الصياح وهو من تغييرات النسب كصنعاني اهـ
(قوله قال الصيحاني أطيب الخ) الكلام على تقدير همزة الاستفهام أى الصيحاني أجود من غيره من أنواع التمر حتى يكفي منه خمسة أرطال وثلث وإن لم تملأ الصاع فقال السائل لا أعلم أنه أجود من غيره حتى يكفى منه ما ذكر. ويحتمل على بعد أن الكلام من قبيل الإخبار والمعنى الصيحاني أطيب أنواع التمر وأعلاها فيكفي منه خمسة أرطال وثلث وإن لم تف الصاع كيلا، وفهم الإمام أحمد أن جودة التمر وثقله تقوم مقام نقصه في الكيل فأجاب بقوله الصيحاني أطيب ثم بدا له أن المنصوص عليه الصاع فلم يحضره الجواب عن كلام السائل فقال لا أدرى: لكن المذكور في كتب الحنابلة أنه لا عبرة بوزن تمر وغيره مما يخرجه سوى البرّ لأن الصاع مكيال فإذا بلغ المخرج من غير البرّ صاعا بالبرّ أجزأ وإن لم يبلغ الوزن ويحتاط في الثقيل فيزيد على وزن الصاع شيئا يعلم أنه قد بلغ صاعا كيلا ليسقط الفرض باليقين (وذهبت) الحنفية والمالكية إلى أن المعتبر من الكيل ما يسع وزن الصاع من التمر أو الشعير فمن أدى من غيرهما لا يكون مؤديا حتى يستوفي مقدار هذا الصاع
(تمّ الجزء الثانى)
(من المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود)
(ويليه الجزء الثالث وأوّله)
(باب في الغسل من الجنابة)
стр. 670
المنهل العذب المورود
«شرح سنن الإمام أبي داود»
تأليف
الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي
المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ
عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان
[الجزء الثالث]
следующие страницы →