← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

(ش) هكذا في أكثر النسخ. وفي النسخة الخطية إسقاط لفظ عن المقداد وهو الصواب لأن المقداد قد سمع الحديث بنفسه من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما أمره علىّ أن يسأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فكيف يرويه عن على. أى روى حديث زهير بن معاوية سفيان الثورى وغيره كالمفضل بن فضالة وابن عيينة عن هشام كما يأتى للمصنف وهذا التعليق لم نقف على من وصله. والغرض من ذكره وما بعده تقوية حديث زهير حيث ذكر فيه غسل الأنثيين، وفي أكثر النسخ إسقاط قوله والأنثيين (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَدِيثٍ حُدِّثَهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلْمِقْدَادِ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. (ش) (رجال الحديث) (قوله حدثنا أبي) هو مسلمة بن قعنب الحارثى البصرى. روى عن نافع وهشام بن حسان وبهز بن حكيم وأيوب. وعنه ابناه إسماعيل وعبد الله ويوسف بن خالد، قال أبو داود كان له شأن وقدر وذكره ابن حبان في الثقات وقال مستقيم الحديث. روى له أبو داود وقال في التقريب ثقة (قوله عن حديث حدثه الخ) أى حدث عروة هشاما عن راوى حديث حدّثه به عن على فحدّث مبني للمجهول نائب فاعله يعود على عروة والفاعل الأصلى الواسطة بينه وبين على وهذا يؤيد ما تقدم من أن عروة لم يسمع من علىّ وفي الكلام مضاف محذوف، ويحتمل أن عن في قوله عن حديث بمعنى من فيكون المعنى أن عروة حدّث هشاما من حديث حدّثه به من روى عن علىّ، ويجوز أن حدّثه مبنى للمعلوم والمعنى أن عروة حدّث هشاما من حديث حدّثه به عن على وعليه فلا واسطة بين عروة وعلى (قوله فذكر معناه) أى ذكر مسلمة القعنبي معني حديث زهير بن معاوية السابق (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. (ش) لم نقف على من وصل هذا التعليق، والغرض من ذكره بيان من ذكر مع سفيان الثورى في التعليق السابق وهو يدل على أن ذكر المقداد بين عروة وعلىّ فيه غير صحيح (ص) وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِقْدَادِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْ أُنْثَيَيْهِ

стр. 597

(ش) لم نقف على من وصل هذا التعليق أيضا. والغرض من ذكره بيان أن رواية عروة عن على فيها الأمر بغسل الأنثيين مع الذكر. وروايته عن المقداد ليس فيها هذا. لكن قد تقدم أن بين على وعروة واسطة (والحاصل) أن المصنف رحمه الله تعالى ذكر حديث أحمد بن يونس وما بعده من التعاليق الثلاثة وحديث عبد الله بن مسلمة لأغراض (أحدها) بيان اختلاف السائل للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أهو علىّ أم المقداد، فحديث أحمد وحديث عبد الله ابن مسلمة وتعليق محمد بن إسحاق بين فيها أن السائل هو المقداد، وتعليق الثورى والمفضل ومن معهما لم يبين فيهما السائل (ثانيها) أن حديث أحمد وتعليق الثورى فيهما التصريح بالأمر بغسل الذكر والأنثيين، وحديث عبد الله بن مسلمة وتعليق المفضل ومن معه فيهما الإشارة إليه، وتعليق محمد بن إسحاق ليس فيه ذكر الأنثيين (ثالثها) الإشارة إلى أن في الحديث اضطرابا فأحمد يرويه عن زهير عن هشام عن أبيه بلفظ إن علىّ بن أبي طالب قال للمقداد الخ وفيه الأمر بغسل الأنثيين. والثورى وجماعة يروونه عن هشام عن أبيه عن المقداد عن علىّ وفيه الأمر بغسل الأنثيين على ما في بعض النسخ. ومسلمة القعنبى والمفضل والثورى وابن عيينة يروونه عن هشام عن أبيه عن على عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يذكروا فيه المقداد وابن إسحاق يرويه عن هشام عن أبيه عن المقداد ولم يذكر عليا ولا الأنثيين (رابعها) تقوية حديث أحمد بتعليق الثورى وحديث عبد الله بن مسلمة وتعليق المفضل لاتفاقهم على ذكر الأمر بغسل الأنثيين، وهذا كله على النسخة التي اعتمدناها. وفي بعض النسخ مخالفة (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى مِنَ المَذْيِ شِدَّةً، وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنَ الِاغْتِسَالِ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: «يَكْفِيكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ، حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ» (ش) (رجال الحديث) (قوله إسماعيل يعنى ابن إبراهيم) بن مقسم الأسدى القرشي مولاهم أبو بشر البصرى المعروف بابن علية وهى أمه، أحد الأئمة الأعلام. روى عن عبد العزيز ابن صهيب وأيوب السختيانى وحميد الطويل وعاصم الأحول وغيرهم. وعنه إبراهيم بن طهمان وأحمد والشافعى وإسحاق بن راهويه وشعبة وابن جريج وهما من شيوخه، قال شعبة

стр. 598

ابن علية ريحانة الفقهاء وسيد المحدّثين وقال أحمد إليه المنتهى في التثبت بالبصرة وقال ابن معين كان ثقة مأمونا صدوقا ورعا تقيا وقال ابن سعد كان ثبتا في الحديث حجة وقال النسائى ثبت ثقة. ولد سنة عشر ومائة. ومات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومائة. روى له الجماعة (قوله سعيد بن عبيد بن السباق) بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة الثقفى المدنى أبو السباق. روى عن أبيه وأبى هريرة وأبى سعيد الخدرى. وعنه الزهرى وإسماعيل بن محمد وابن إسحاق وآخرون، وثقه النسائى وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه (قوله عن أبيه) هو عبيد بن السباق الثقفى المدنى. روى عن ابن عباس وابن مسعود وسهل ابن حنيف وأسامة بن زيد وزيد بن ثابت. وعنه ابنه سعيد وأبو أمامة والزهرى وآخرون، قال العجلي تابعى ثقة وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعى أهل المدينة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة (قوله سهل بن حنيف) بالتصغير ابن واهب بن عكيم بن ثعلبة الأنصارى الأوسى المدنى أبو ثابت أو أبو عبد الله، شهد بدرا والمشاهد كلها وكان من السابقين وثبت يوم أحد حين انكشف الناس وبايع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يومئذ على الموت وكان ينفح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالنبل فيقول نبلوا سهلا فإنه سهل وكان عمر بن الخطاب يقول سهل غير حزن واستخلفه عليّ على البصرة بعد وقعة الجمل ثم شهد معه صفين ويقال آخى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بينه وبين على بن أبى طالب. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربعون حديثا اتفق الشيخان على أربعة وانفرد مسلم بحديثين. روى عنه ابناه أبو أمامة وعبد الله وأبو وائل وعبد الرحمن بن أبى ليلى وآخرون. توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين وصلى عليه على بن أبى طالب. روى له الجماعة (معنى الحديث) (قوله كنت ألقى من المذى شدّة الخ) أى أجد من خروجه مثسقة الاغتسال منه وقوله وكنت أكثر الاغتسال من عطف العلة على المعلول وكان ذلك باجتهاد منه (قوله يكفيك بأن تأخذ كفا من ماء الخ) أى يكفيك أخذ كفّ من ماء فترش به ثوبك حتى تظن أن الماء أصاب المذى الذى في الثوب فالباء زائدة والنضح الرش بالماء (قال) في المصباح نضحت الثوب نضحا من باب ضرب ونفع وهو البلّ بالماء والرش اهـ وفي رواية الأثرم يجزئك أن تأخذ حفنة من ماء فترش عليه، وعند مسلم بلفظ وانضح فرجك (قال) النووى معناه اغسله فإن النضح يكون غسلا ويكون رشا وقد جاء في الرواية الأخرى يغسل ذكره فتعين حمل النضح عليه اهـ (وقال) في النيل قد ثبت من رواية الأثرم بلفظ فترش عليه وليس المصير إلى الأشدّ بمتعين بل ملاحظة التخفيف من مقاصد الشريعة المألوفة فيكون الرّش

стр. 599

مجزئا كالغسل اهـ (وقال) الترمذى قد اختلف أهل العلم في المذى يصيب الثوب (فقال) بعضهم لا يجزئه إلا الغسل وهو قول الشافعى وإسحاق (وقال) بعضهم يجزئه النضح (وقال) أحمد أرجو أن يجزئه النضح بالماء اهـ والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد بالنضح الغسل ولا يكفي فيه الرش الخفيف وأن معنى الرش في رواية الأثرم صب الماء قليلا قليلا فهو لا ينافي الغسل قال في المجمع في الحديث رشّ على رجله أى صب الماء قليلا قليلا تنبيها على الحذر عن الإسراف ثم قال ومنه كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا أى ينضحونه بالماء بمعنى أنهم لا يصبون عليه الماء لا قليلا ولا كثيرا فلفظ الرشّ لا يقتضى كونه مجزيا اهـ (قوله من ثوبك) أى بعض ثوبك الذى أصابه المذى فمن للتبعيض (قوله حيث ترى أنه أصابه) أى في المكان الذى تظن أو تعلم أن المذى أصابه (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب من الجاهل بالحكم أن يسأل عنه العالم به وعلى أن المسئول يطلب منه الإجابة إذا كان عالما بالحكم، وعلى أن خروج المذى لا يوجب الغسل وإنما يوجب الوضوء، وعلى أنه يكفي نضح المحل الذى أصابه المذى من الثوب بكفّ أو حفنة من ماء (قال) في النيل واتفق العلماء على أن المذى نجس ولم يخالف في ذلك إلا بعض الإمامية محتجين بأن النضح لا يزيله ولو كان نجسا لوجبت الإزالة، ويلزمهم القول بطهارة العذرة لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم أمر بمسح النعل منها بالأرض والصلاة فيها والمسح لا يزيلها وهو باطل بالاتفاق اهـ (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه والترمذى وقال حديث حسن صحيح ورواه الأثرم بلفظ كنت ألقى من المذى عناء فأتيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكرت ذلك له فقال يجزئك أن تأخذ حفنة من ماء فترشّ عليه ورواه الطحاوى في شرح معاني الآثار عن سهل أيضا بلفظ إنه سأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن المذى فقال فيه الوضوء (ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَعَنِ المَاءِ يَكُونَ بَعْدَ الْمَاءِ، فَقَالَ: «ذَاكَ الْمَذْيُ، وَكُلُّ فَحْلٍ يَمْذِي، فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِك فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ، وَتَوَضَّأْ

стр. 600

وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ». (ش) (رجال الحديث) (قوله معاوية بن صالح) بن معاوية بن عبد الله أبو عبيد الله الأشعرى الدمشقى. روى عن زكريا بن عدى وأبي مسهر وأبى نعيم ويحيى بن معين وغيرهم. وعنه أبو حاتم وأبو زرعة وأبو عوانة والنسائي وقال لا بأس به وقال مسلمة والنسائى أيضا أرجو أن يكون صدوقا. توفي بدمشق سنة ثلاث وستين ومائتين (قوله العلاء بن الحارث) بن عبد الوارث الحضرمى أبو وهب ويقال أبو محمد الدمشقى أحد الأئمة. روى عن مكحول والزهرى وعمرو بن شعيب وأبي الأشعث وآخرين. وعنه الأوزاعي ويحيى بن حمزة ومعاوية ابن صالح وعبد الرحمن بن ثابت وغيرهم، قال أحمد بن حنبل صحيح الحديث وقال ابن المديني ثقة ووثقه أبو داود ودحيم وكذا ابن معين ورماه بالقدر وقال أبو حاتم كان يرى القدر صدوق في الحديث ثقة وقال ابن سعد كان قليل الحديث وكان يفتي حتى اختلط. توفي سنة ست وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة. روى له الجماعة إلا البخارى (قوله حرام ابن حكيم) بن خالد بن سعد الأنصارى ويقال العبشمى أو العنسى بالنون ويقال هو حرام ابن معاوية قال الخطيب وهم البخارى في فصله بين حرام بن حكيم وبين حرام بن معاوية لأنه رجل واحد اختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه اهـ روى عن عمه عبد الله ابن سعد وأبي مسلم الخولاني وأبي ذرّ الغفارى وأنس بن مالك. وعنه العلاء بن الحارث وزيد بن واقد وعبد الله بن العلاء وجماعة. وثقه العجلى ودحيم. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه (قوله عبد الله بن سعد الأنصارى) ويقال القرشى ويقال الأزدى وهو عم حرام بن حكيم ويقال هو عبد الله بن خالد بن سعد سكن دمشق. روى عنه حرام وخالد بن معدان، قال أبو حاتم وابن حبان له صحبة لم يرو له إلا هذا الحديث وقال البغوى لا أعلم له غيره، روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عما يوجب الغسل) أى عن الشئ الذى يجب بسببه الغسل ولم يذكره في رواية المصنف (قوله وعن الماء يكون بعد الماء) قيل المراد به المذى يكون بعد البول متصلا به وقيل المراد به المذى يكون بعد المذى لأن شأن المذى أن يسترسل في خروجه ويستمرّ بخلاف المني فإنه إذا دفق انقطع ولا يعود إلا بعد مضيّ زمن أو تجديد جماع. وهذا هو الظاهر لأن الذى يخرج عقب البول إنما هو الودى أما المذى فيكون عند الملاعبة ونحوها كما ذكره أئمة اللغة وأكثر الفقهاء (قوله وكل فحل يمذى) الفحل الذكر من الحيوان ويمذى من أمذى يمذى كأعطى يعطى أو مذى بالتخفيف مثل مضى يمضى أو مذى بالتشديد مثل غطى يغطى، وزاده صلى الله تعالى عليه

стр. 601

وعلى آله وسلم في الجواب لبيان أن المذى عام يكون من السائل وغيره، وتخصيص الفحل بالذكر لا ينافي أن للمرأة مذيا وغايته أنه يقال للرجل يمذى والمرأة تقذى (قوله فتغسل من ذلك الخ) مضارع مرفوع بمعنى الأمر أى اغسل من المذى الذكر والأنثيين (قوله وتوضأ) بصيغة الأمر عطف على تغسل ويحتمل أن يكون مضارعا حذفت منه إحدى التائين للتخفيف (فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب غسل الذكر والأنثيين من خروج المذى، وعلى أنه ناقض للوضوء، وعلى أنه يطلب من الإنسان أن يسأل عن أحكام دينه، وعلى جواز زيادة المسئول على ما سئل عنه لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال وكل فحل يمذى بدون أن يسأل عنه (من روى الحديث أيضا) رواه البيهقي وكذا أحمد في مسنده عن عبد الله بن سعد بلفظ إنه سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عما يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء وعن الصلاة في بيتى وعن الصلاة في المسجد وعن مؤاكلة الحائض فقال إن الله لا يستحيي من الحق أما أنا فإذا فعلت كذا وكذا فذكر الغسل قال أتوضأ وضوئى للصلاة أغسل فرجى ثم ذكر الغسل وأما الماء يكون بعد الماء فذلك المذى وكل فحل يمذى فأغسل من ذلك فرجى وأتوضأ وأما الصلاة في المسجد والصلاة في بيتي فقد ترى ما أقرب بيتي من من المسجد ولأن أصلى في بيتى أحب إلىّ من أن أصلى في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة وأما مؤاكلة الحائض فأواكلها، وفي العينى قال عبد الحق في إحكامه إسناده لا يحتج به اهـ (باب مباشرة الحائض ومؤاكلتها) هكذا في نسخة وهي المناسبة، وفي أكثر النسخ إسقاط الترجمة وعليها فمناسبة هذا الحديث للباب أن الاستمتاع بالمرأة سبب لخروج المذى (ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ، ثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، ثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: «لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ»، وَذَكَرَ مُؤَاكَلَةَ الْحَائِضِ أَيْضًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ (ش) (رجال الحديث) (قوله هارون بن محمد بن بكار) العاملى الدمشقى. روى عن أبيه وأبى مسهر ومروان بن محمد ومحمد بن عيسى وآخرين. وعنه أبو داود والنسائى ومحمد بن

стр. 602

الحسن وأبو حاتم وقال صدوق وقال النسائى ومسلمة بن قاسم لا بأس به (قوله مروان يعنى ابن محمد) بن حسان أبو بكر الأسدى الدمشقى. روى عن سعيد بن عبد العزيز ومالك بن أنس وسليمان بن بلال والليث وجماعة. وعنه بقية بن الوليد وصفوان بن صالح وسلمة بن شبيب وهشام بن خالد وآخرون، قال صالح بن محمد والدارقطنى وأبو حاتم ثقة وقال ابن معين لا بأس به وكان مرجئا. ولد سنة سبع وأربعين ومائة ومات سنة عشر ومائتين. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجة (قوله الهيثم بن حميد) أبو أحمد الغسانى مولاهم الدمشقى، روى عن العلاء بن الحارث ويحيى بن الحارث الذماري والنعمان بن المنذر والأوزاعي وآخرين. وعنه مروان بن محمد والوليد بن مسلم وابن المبارك وأبو مسهر وأبو توبة وغيرهم، وثقه ابن معين ودحيم وقال أبو مسهر لم يكن من الأثبات ولا من أهل الحفظ وكان ضعيفا وقال أبو داود قدرىّ ثقة وقال النسائى لا بأس به. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله ما يحلّ لى الخ) أى أىّ موضع من امرأتى يحل لى الاستمتاع به حال حيضها، وحائض اسم فاعل من حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا فهى حائض وحائضة وجمع الحائض حيض كراكع وركع وجمع الحائضة حائضات مثل قائمة وقائمات. والحيض في اللغة السيلان يقال حاضت السمرة إذا سال منها الصمغ وحاضت الأرنب إذا خرج منها الدم، وفى الشرع جريان دم المرأة من موضع مخصوص في أوقات معلومة (قوله لك ما فوق الإزار) أى يحلّ لك منها أن تستمتع بما فوق موضع الإزار وهو أعلاها وموضع الإزار ما بين السرّة والركبة (وقال) الباجى قوله ما يحلّ لى من امرأتى وهي حائض وإن كان لفظا عاما فهو خاص بالاستمتاع بالوطء لأنه إذا وقع السؤال على عين من الأعيان انصرف بالعرف والعادة إلى المنافع المقصودة منه والمقصود من المرأة الاستمتاع والوطء فكان السؤال على ما يحل له من وطئها في حال حيضها لما علم أنه ممنوع من وطئها في الفرج لقول الله تعالى "ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض" وانصرف الاعتزال أيضا إلى اعتزال الوطء لما تقدم ذكره، وعلم هذا السائل أن الاستمتاع بالنظر إليها والمباشرة لها والقبل وغير ذلك من الاستمتاع مباح فطلب تحديد المباح وتمييزه من المحظور اهـ ومفهوم قوله لك ما فوق الإزار أن ما تحته لا يحل الاستمتاع به وإلى هذا ذهب جماعة وسيأتى الكلام عليه إن شاء الله تعالى، ومثل السائل غيره من المكلفين كما يدلّ عليه حديث معاذ الآتى (قوله وساق الحديث) أى حديث مؤاكلة الحائض وهو ما رواه الترمذى عن حرام بن معاوية عن عمه عبد الله بن سعد قال سألت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن مؤاكلة الحائض فقال واكلها قال الترمذى حديث عبد الله ابن سعد حديث حسن غريب وهو قول عامة أهل العلم لم يروا بمؤاكلة الحائض بأسا اهـ

стр. 603

(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أنه يطلب من الجاهل بالحكم أن يسأل العالم به، وعلى أن السؤال عما شأنه أن يستحيا منه مشروع (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مالك في الموطأ والدارمى عن زيد بن أسلم بلفظ إن رجلا سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال ما يحل لى من امرأتى وهي حائض فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تشدّ عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها وأخرجه الترمذى مختصرا وأحمد مطوّلا كما تقدم. (ص) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْيَزَنِيُّ، ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سَعْدٍ الْأَغْطَشِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ، قَالَ: هِشَامٌ وَهُوَ ابْنُ قُرْطٍ - أَمِيرُ حِمْصَ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: «مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هُوَ، يَعْنِي: الْحَدِيثَ بِالْقَوِيِّ (ش) هذا الحديث ساقط من بعض النسخ (رجال الحديث) (قوله هشام بن عبد الملك) بن عمران أبو تقى الحمصى. روى عن بقية وإسماعيل بن عياش ومحمد بن حرب ومحمد بن حميد القضاعي وغيرهم. وعنه أبو داود والنسائى وابن ماجه وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان وكثيرون، قال أبو حاتم كان متقنا وقال النسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو داود شيخ ضعيف. مات سنة إحدى وخمسين ومائتين روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه و (اليزني) بفتح المثناة التحتية والزاى نسبة إلى يزن اسم واد باليمن نسب إليه عامر بن أسلم بن غوث ملك من ملوك حمير فقل ذويزن (قوله سعد الأغطش) بمعجمتين بينهما طاء مهملة ساكنة كأعمش وزنا ومعنى قال الجوهرى الغطش في العين شبه العمش اهـ ويقال سعيد الأغطش الخزاعي مولاهم الشامى. روى عن عبد الرحمن الثمالى والهيثم بن مالك. وعنه إسماعيل بن عياش وبقية، ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين وقال عبد الحق ضعيف. روى له أبو داود هذا الحديث فقط و (الأزدى) نسبة إلى أزد حىّ باليمن (قوله قال هشام الخ) أى قال هشام بن عبد الملك شيخ أبي داود هو أى عائذ والد عبد الرحمن أبوه قرط بضم القاف وسكون الطاء والى حمص بكسر الخاء المهملة وسكون الميم بلد بالشام، وغرضه بهذا بيان جدّ عبد الرحمن

стр. 604

(معنى الحديث) (قوله والتعفف عن ذلك أفضل) أى الامتناع عن الاستمتاع من الحائض بما فوق الإزار أكمل لأنه قد يجرّ إلى الجماع في الفرج وهو حرام في تلك الحالة (قال) العراقى هذا يقوى ما تقرّر من ضعف الحديث فإنه خلاف المنقول من فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يستمتع بما فوق الإزار وما كان ليترك الأفضل وعلى ذلك عمل الصحابة والتابعين والسلف الصالح اهـ وفيه أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد يفعل خلاف الأفضل أو المكروه في حقنا وهو في حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مطلوب للتشريع وبيان الجواز (وقال) السيوطى لعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم من حال السائل غلبة شهوته فرأى أن تركه لذلك أفضل في حقه لئلا يوقعه في محظور اهـ (قوله وليس هو يعنى الحديث بالقوىّ) وفي بعض النسخ وليس هو بقوىّ يعنى لأن فيه بقية وهو ضعيف إذا روى بالعنعنة وسعد الأغطش فيه لين وعبد الرحمن بن عائذ قال أبو حاتم لم يدرك معاذا وقال روايته عن علىّ مرسلة وإذا كان كذلك فروايته عن معاذ أشدّ إرسالا اهـ (فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز الاستمتاع بالحائض فيما عداها بين السرّة والركبة وعلى أن ترك الاستمتاع حال الحيض أفضل (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الطبرانى (باب في الإكسال) أى في حكم الجماع من غير إنزال يقال أكسل الرجل، إذا جامع ثم حصل له فتور فلم ينزل (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي بَعْضُ، مَنْ أَرْضَي، أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ «إِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِلنَّاسِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ الثِّيَابِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي الْمَاءَ مِنَ المَاءِ (ش) (رجال الحديث) (قوله ابن وهب) عبد الله. و (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهرى (قوله بعض من أرضى) قال العينى الظاهر أنه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج لأن البيهقي روى الحديث ثم قال وروينا بإسناد آخر موصول عن أبى حازم عن سهل بن سعد والحديث محفوظ عن سهل عن أبىّ كما أخرجه أبو داود (وقال) ابن عبد البرّ في الاستذكار إنما رواه ابن شهاب عن أبى حازم اهـ (وقال) ابن حبان قد تتبعت طرق هذا الخبر على أن

стр. 605

أجد أحدا رواه عن سهل بن سعد فلم أجد في الدنيا أحدا إلا أبا حازم فيشبه أن يكون الرجل الذى قال الزهرى حدثنى بعض من أرضى عن سهل هو أبو حازم اهـ ويؤيد ما ذكر رواية أبىّ الآتية فإنه قد صرّح فيها بأبي حازم عن سهل (قوله سهل بن سعد) بن مالك بن خالد بن ثعلبة الأنصارى أبو العباس المدني كان من مشاهير الصحابة كان اسمه حزنا فغيره النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سهلا. روى له عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثمانية وثمانون ومائة حديث اتفق الشيخان على ثمانية وعشرين وانفرد البخارى بأحد عشر. روى عن أبى عاصم وعمرو بن عنبسة ومروان. وعنه الزهرى وابن العباس وأبو حازم وأبو سهل الأصبحى وآخرون، قال الزهرى مات النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو ابن خمسة عشرة سنة وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. مات سنة إحدى وتسعين بالإسكندرية وقيل غير ذلك و (الساعدى) نسبة إلى الساعد قرية من أرض اليمن كانت لحكم بن سعد العشيرة (قوله أخبره) أى أخبر سهل البعض الذى رضيه ابن شهاب (قوله أبىّ بن كعب) بن قيس بن عبيد ابن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصارى النجارى أبو المنذر سيد القرّاء، كان من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدرا والمشاهد وبشره النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالعلم (فقد) روى الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن رباح عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أبا المنذر اىّ آية في كتاب الله أعظم معك قال قلت "الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم" قال فضرب على صدرى وقال ليهنأك العلم أبا المنذر، وكان من أصحاب الفتيا وسماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سيد الأنصار فلم يمت حتى قالوا سيد المسلمين وآخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بينه وبين سعيد بن زيد وعمرو بن نوفل وهو أوّل من كتب للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وممن روى عنه من الصحابة عمر وكان يسأله عن النوازل ويتحاكم إليه في المعضلات وروى عنه أيضا أبو أيوب وعبادة بن الصامت وسهل بن سعد وأبو موسى وابن عباس وأبو هريرة وأنس وكثيرون، وروى عن أبى سعيد الخدرى أن رجلا من المسلمين قال يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا وما لنا فيها قال كفارات فقال أبىّ بن كعب يا رسول الله وإن قلت قال وإن شوكة فما فوقها فدعا أبىّ أن لا يفارقه الوعك حتى يموت وأن لا يشغله عن حج ولا عن عمرة ولا جهاد ولا صلاة مكتوبة في جماعة قال فما مسّ إنسان جسده إلا وجد حرّه حتى مات رواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي الدنيا وصححه ابن حبان ورواه الطبرانى عن أبىّ، قيل مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين (معنى الحديث) (قوله إنما جعل ذلك رخصة للناس الخ) أى جعل الماء من الماء تسهيلا وتوسعة على الناس بعدم إيجاب الاغتسال عند عدم الإنزال في ابتداء الإسلام لقلة

стр. 606

ثيابهم لئلا يسرع إليها البلى من كثرة مماسة الماء ولئلا يصيبهم الضرر من كثرة الاغتسال فلو كان الإيلاج بلا إنزال موجبا للغسل في ذلك الزمان لتحرّج أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولوقعوا في المشقة العظيمة وشريعتنا تأبى ذلك حيث قال الله تعالى "وما جعل عليكم في الدين من حرج" وفي بعض الروايات لقلة الثبات بدل الثياب فيكون معناه أن الناس كانوا في أوائل الإسلام ضعفاء الإيمان قليلى الاستقامة والثبات في أمور الدين فخفف الله تعالى عنهم رحمة بهم وترغيبا لهم في الإسلام والثبات عليه ولعلّ أبيا قال ذلك ردًّا على من سمعه يقول إن الإكسال لا يوجب الغسل لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الماء من الماء (قوله ثم أمر بالغسل الخ) أى أمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالغسل من التقاء الختانين وإن لم يحصل إنزال ونهى عن ترك الغسل عند عدم الإنزال (قوله قال أبو داود يعنى الخ) أى يقصد أبى بن كعب أن المشار إليه في قوله إنما جعل ذلك هو الماء من الماء والماء الأول ماء الغسل والماء الثاني المنىّ أى أن إيجاب الغسل إنما يكون بإنزال المنىّ فأل فيهما للعهد الذهني (والحديث) يدلّ على أن الجماع موجب للغسل مطلقا حصل إنزال أم لا (وقد اختلف) العلماء في ذلك فذهبت طائفة من الصحابة والتابعين إلى أن الجماع بدون إنزال ليس موجبا للغسل منهم أبو أيوب الأنصارى وأبو سعيد الخدرى وابن مسعود وسعد بن أبى وقاص وأبيّ بن كعب ورافع بن خديج وزيد بن خالد وهو قول عطاء بن أبى رباح وأبي سلمة وسليمان الأعمش والظاهرية، واستدلوا بأحاديث (منها) ما رواه مسلم عن أبى سعيد الخدرى قال خرجت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الاثنين إلى قباء حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على باب عتبان فصرخ به فخرج يجرّ إزاره فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعجلنا الرجل فقال عتبان أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما الماء من الماء، وقالوا إن التنصيص على الشئ باسمه العلم يوجب نفى الحكم عما عداه (ومنها) ما رواه البخارى بسنده إلى يحيى بن أبى كثير قال أخبرنى أبو سلمة أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد الجهنى أخبره أنه سأل عثمان بن عفان فقال أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن قال عثمان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره قال عثمان سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسألت عن ذلك علىّ بن أبى طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبىّ بن كعب فأمروه بذلك (ومنها) حديث أبى هريرة قال بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى رجل من الأنصار فأبطأ فقال ما حبسك قال كنت أصبت من أهلى فلما جاءني رسولك اغتسلت من غير أن أحدث شيئا فقال

стр. 607

رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الماء من الماء والغسل على من أنزل أخرجه الطحاوى (إلى غير) ذلك من الأحاديث الدالة على عدم وجوب الغسل إلا من الإنزال (وإلى إيجاب) الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل ذهب الخلفاء الأربعة والعترة وجمهور الصحابة والفقهاء (قال) النووى في شرح مسلم اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب الغسل إلا بالإنزال ثم رجع بعضهم وانعقد الإجماع بعد الآخرين اهـ واستدلوا ببعض أحاديث الباب وبأحاديث أخر (منها) حديث أبي هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا جلس بين شغبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل أخرجه الشيخان وزاد مسلم في رواية وإن لم ينزل (ومنها) حديث عائشة قالت إن رجلا سأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليهما الغسل وعائشة جالسة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل أخرجه مسلم (ومنها) ما رواه الطحاوى عن جابر هو ابن يزيد عن أبي صالح قال سمعت عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يخطب فقال إن نساء الأنصار تفتين أن الرجل إذا جامع فلم ينزل فإن على المرأة الغسل ولا غسل عليه وإنه ليس كما أفتين وإذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل (وأجابوا) عن الأحاديث التى استدلّ بها الفريق الأول بأنها منسوخة بحديثى أبيّ بن كعب في الباب وبما رواه الطحاوى عن يزيد بن أبي حبيب عن معمر بن أبي حبيبة عن عبيد بن رفاعة عن أبيه قال إني لجالس عند عمر بن الخطاب إذ جاء رجل فقال يا أمير المؤمنين هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في الغسل من الجنابة برأيه فقال عمر أعجل علىّ به فجاء زيد فقال عمر قد بلغنى من أمرك أن تفتي الناس بالغسل من الجنابة برأيك في مسجد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال له زيد أما والله يا أمير المؤمنين ما أفتيت برأيي ولكنى سمعت من أعمامي شيئا فقلت به فقال من أىّ أعمامك فقال من أبيّ بن كعب وأبي أيوب ورفاعة بن رافع فالتفت إلىّ عمر فقال ما يقول هذا الفتى قال قلت إنا كنا لنفعله على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم لا نغتسل قال أفسألتم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ذلك فقلت لا قال علىّ بالناس فاتفق الناس أن الماء لا يكون إلا من الماء إلا ما كان من علىّ ومعاذ بن جبل فقالا إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فقال يا أمير المؤمئين لا أجد أحدا أعلم بهذا من أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أزواجه فأرسل إلى حفصة فقالت لا علم لى فأرسل إلى عائشة فقالت إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فتحطم عمر "أى تغيظ" وقال لئن أخبرت بأحد يفعله ثم لا يغتسل لأنهكته عقوبة، وبما رواه أيضا عن عبيد الله بن عدىّ بن الخيار قال تذاكر أصحاب

стр. 608

رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة فقال بعضهم إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل وقال بعضهم إنما الماء من الماء فقال عمر قد اختلفتم عليّ وأنتم أهل بدر الأخيار فكيف بالناس بعدكم فقال عليّ بن أبي طالب يا أمير المؤمنين إن أردت أن تعلم ذلك فأرسل إلى أزواج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسلهن عن ذلك فأرسل إلى عائشة فقالت إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فقال عمر عند ذلك لا أسمع أحدا يقول الماء من الماء إلا جعلته نكالا (قال) الطحاوى فهذا عمر قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم ينكر ذلك عليه منكر اهـ وبما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعرى قال اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريون لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء وقال المهاجرون بل إذا خالط وجب الغسل قال أبو موسى فأنا أشفيكم من ذلك فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لى فقلت لها يا أماه أو يا أم المؤمنين إنى أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك فقالت لا تستحيى أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك فإنما أنا أمك قلت فما يوجب الغسل قالت على الخبير سقطت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا جلس بين شعبها الأربع ومسّ الختان الختان فقد وجب الغسل "فإن قيل" إن المنسوخ لا بدّ أن يكون حكما شرعيا وعدم وجوب الغسل بالإيلاج من غير إنزال ثابت بالبراءة الأصلية فلا نسخ فيه "أجيب" بأنه ثابت بالشرع إذ مفهوم الحصر المستفاد من الجملة المعرّفة الطرفين "الماء من الماء" كما في بعض الروايات أو من "إنما" كما في البعض الآخر يفيد إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه فكأنه قال لا غسل من غير إنزال المنيّ فهو مستفاد من الأحاديث لا من البراءة الأصلية، وهناك روايات أخر تدلّ على نسخ حديث الماء من الماء وما في معناه وقد صح أن بعض من روى عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الرخصة أفتى بوجوب الغسل ورجع عن الأول (قال) في سبل السلام حديث الغسل وإن لم ينزل أرجح لو لم يثبت النسخ لأنه منطوق في إيجاب الغسل وذلك مفهوم والمنطوق مقدّم على العمل بالمفهوم وإن كان المفهوم موافقا للبراءة الأصلية والآية تعضد المنطوق في إيجاب الغسل فإنه تعالى قال "وإن كنتم جنبا فاطهروا" قال الشافعى إن كلام العرب يقتضى أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع وإن لم يكن فيه إنزال قال فإن كل من خوطب بأن فلانا أجنب عن فلانه عقل أنه أصابها وإن لم ينزل، ولم يختلف أن الزنا الذى يجب به الجلد هو الجماع ولو لم يكن معه إنزال فتعاضد الكتاب والسنة على إيجاب الغسل من الإيلاج اهـ (فقه الحديث) دلّ الحديث على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يحصل إنزال، وعلى أن

стр. 609

تخصيص وجوب الغسل بالإنزال كان في أول الإسلام ثم نسخ، وعلى أن الأحكام الشرعية ينسخ بعضها بعضا، وعلى جواز نسخ السنة بالسنة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وأحمد والدارمي وكذا الترمذى بلفظ إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهى عنها، وأخرجه ابن ماجه بلفظ إنما كانت رخصة في أول الإسلام ثم أمرنا بالغسل بعد (وقال) الحافظ في الفتح إسناده صالح لأن يحتج به وصححه ابن خزيمة وابن حبان وقال الترمذى حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أنه إذا جامع الرجل امرأته في الفرج وجب عليهما الغسل وإن لم ينزلا اهـ (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، ثَنَا مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَبِي غَسَّانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قال حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ، أَنَّ الْمَاءَ مِنَ المَاءِ، كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ» (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن مهران) بكسر الميم وسكون الهاء أبو جعفر (الرازى) الحافظ. روى عن المعتمر بن سليمان وعيسى بن يونس والدراوردى والوليد بن مسلم وآخرين. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم والبخارى ومسلم وأبو داود، قال أبو حاتم صدوق ووثقه ابن حبان ومسلمة بن قاسم وقال ابن معين ليس به بأس. مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (قوله مبشر) بن إسماعيل أبو إسماعيل الكلبي مولاهم. روى عن الأوزاعي وجعفر بن برقان وشعيب بن أبي حمزة وتمام بن نجيح وغيرهم. وعنه عثمان بن أبى شيبة وأحمد ودحيم وزياد بن أيوب ومحمد بن مهران وجماعة، قال ابن سعد كان ثقة مأمونا وقال النسائى ليس به بأس ووثقه أحمد وابن معين وابن حبان وقال الذهبي تكلم فيه بلا حجة. مات بحلب سنة مائتين. روى له الجماعة. و (الحلبي) نسبة إلى حلب مدينة عظيمة معروفة بالشام (قال) الزجاجى سميت حلب لأن إبراهيم ﵊ كان يحلب فيها غنمه في الجمعات ويتصدق به فيقول الفقراء حلب حلب فسمى به اهـ (قوله عن محمد أبى غسان) هو ابن مطرّف بن داود بن مطرّف الليثى التيمى أحد العلماء الأثبات. روى عن أبى حازم وزيد بن أسلم وصفوان بن سليم وابن عجلان. وعنه الثورى وابن المبارك ويزيد بن هارون وآخرون، قال أحمد وأبو حاتم ثقة وقال ابن معين ثبت ثقة وقال النسائى وأبو داود لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال يغرب. روى له الجماعة

стр. 610

(قوله (ص) عن أبي حازم) هو سلمة بن دينار (معنى الحديث) (قوله أن الفتيا التي كانوا يفتون الخ) أى أن الفتيا التي كان يفتى بها فقهاء الصحابة كأبى سعيد الخدرى وأبى أيوب وأبىّ بن كعب فقوله يفتون بضم الياء والتاء مبنىّ للمعلوم. ويحتمل أن يكون بضم الياء وفتح التاء مبنيا للمفعول أى أن الفتيا التي كان يفتى بها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أصحابه من أنه لا غسل إلا بالإنزال لا من الإيلاج بدون إنزال كانت رخصة أى تسهيلا وتوسعة سهلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بوحى من الله تعالى فنسبة الترخيص إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لظهور الأحكام على لسانه وقد سهلها لما تقدم من قلة الثياب أو الثبات ثم أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالاغتسال من الإيلاج وإن لم يحصل إنزال بعد ظهور الإسلام وانتشاره وكثرة الفتوحات على الصحابة وتمكن الإيمان من قلوبهم. والفتيا بضم الفاء وسكون المثناة الفوقية وكذا الفتوى بفتح الفاء والواو مقصوران اسم من أفتى العالم إذا أجاب السائل وبين له الحكم والجمع الفتاوى بكسر الواو على الأصل ويجوز فتحها للتخفيف، وفي بعض النسخ زيادة "قال أبو داود ومحمد أبو غسان بن مطرّف" وأتى به ليتميز ذلك الرجل عن غيره ممن يشاركه في الكنية (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والدارقطني وصححه وأخرجه ابن حبان في صحيحه وابن خزيمة وابن أبى شيبة والبيهقي (ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَرَاهِيذِيُّ، ثَنَا هِشَامٌ، وَشُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (ش) (رجال الحديث) (قوله الفراهيذى) بفتح الفاء وتخفيف الراء وكسر الهاء وسكون المثناة التحتية وبالذال المعجمة منسوب إلى فراهيذ من أولاد فهم بن غنم بن دوس بطن من الأزد كما في جامع الأصول، وفي كثير من النسخ الفراهيدى بالدال المهملة (قوله هشام) بن أبى عبد الله الدستوائى. و (شعبة) بن الحجاج. و (قتادة) بن دعامة. و (الحسن) البصرى (قوله عن أبي رافع) هو نفيع بن رافع الصائغ المدني. أدرك الجاهلية ولم ير النبي صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، روى عن أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلى وابن مسعود وأبى موسى الأشعرى وآخرين. وعنه الحسن البصرى وثابت البنانى وحمد بن هلال وغيرهم، قال ابن سعد كان ثقة وقال أبو حاتم ليس به بأس وقال العجلى تابعى ثقة من كبار التابعين. روى له الجماعة

стр. 611

(معنى الحديث) (قوله إذا قعد بين شعبها) والضمير فيه عائد على الرجل الواطئ المفهوم من المقام وقد وقع مصرّحا به في رواية لابن المنذر من وجه آخر عن أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال إذا غشى الرجل امرأته فقعد بين شعبها، والشعب جمع شعبة قال في المصباح الشعبة من الشجر الغصن المتفرّع منها والجمع شعب مثل غرفة وغرف وفي الحديث "إذا جلس بين شعبها الأربع" يعنى يديها ورجليها على التشبيه بأغصان الشجرة وهو كناية عن الجماع لأن القعود كذلك مظنة الجماع فكنى بها عن الجماع والشعبة من الشئ الطائفة منه اهـ وقيل المراد بها رجلاها وشفراها وقيل غير ذلك (قوله وألزق الختان بالختان) أى موضع الختان منه بموضع الختان منها فهما على تقدير مضاف لأن الختان اسم للفعل. وفى رواية البخارى ثم جهدها. وفي رواية النسائى ثم اجتهد. وفي رواية مسلم ومسّ الختان الختان. وفي رواية الترمذى إذا جاوز الختان الختان. وفى رواية البيهقى إذا التقى الختانان، والختان اسم من ختن من بابى ضرب ونصر وقد يؤنث بالهاء فيقال ختانة ويقال للغلام مختون وللجارية مختونة ويقال غلام وجارية ختين كما يقال فهما قتيل. فالختان يقال للرجل والمرأة بخلاف الخفاض فلا يقال إلا للمرأة وهو بالنسبة للرجل قطع جلدة الكمرة. وبالنسبة للمرأة قطع جلدة من أعلا الفرج تشبه عرف الديك مجاورة لمخرج البول بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة. والمراد بإلزاق الختان إدخال الذكر في القبل وتحاذى الختانين لأن ختان المرأة من أعلى الفرج ولا يمسه في الجماع ويؤيده رواية ابن ماجه إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل. أما مجرّد إلزاق الختان بالختان من غير غيبوبة الحشفة فلا يوجب الغسل اتفاقا (قوله فقد وجب الغسل) أى على الفاعل والمفعول إذا كانا بالغين وإلا فعلى البالغ منهما وإن لم يحصل إنزال منيّ (قال) الترمذى وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعائشة والفقهاء من التابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق قالوا إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل اهـ ومثل غيبوبة الحشفة في قبل المرأة غيبوبتها في دبر أو فرج بهيمة أو دبرها حيا كان المغيب فيه أو ميتا فلا مفهوم لذكر الختان بل هو للغالب (قال) النووى في شرح مسلم قال أصحابنا لو غيب الحشفة في دبر امرأة أو دبر رجل أو فرج بهيمة أو دبرها وجب الغسل سواء أكان المولج فيه حيا أم ميتا صغيرا أم كبيرا وسواء أكان ذلك عن قصد أم عن نسيان وسواء أكان مختارا أم مكرها أو استدخلت المرأة ذكره وهو نائم وسواء انتشر الذكر أم لا وسواء أكان مختونا أم أغلف فيجب الغسل في كل هذه الصور على الفاعل والمفعول به إلا إذا كان الفاعل أو المفعول به صبيا أو صبية فإنه لا يقال وجب عليه لأنه ليس مكلفا ولكن يقال صار جنبا فإن كان مميزا وجب على الولىّ أن يأمره بالغسل كما يأمره بالوضوء فإن

стр. 612

صلى من غير غسل لم تصح صلاته وإن لم يغتسل حتى بلغ وجب عليه الغسل وإن اغتسل في الصبا ثم بلغ لم يلزمه إعادة الغسل، قال أصحابنا والاعتبار في الجماع بتغييب الحشفة من صحيح الذكر بالاتفاق فإذا غيبها بكمالها تعلقت به جميع الأحكام ولا يشترط تغييب جميع الذكر بالاتفاق ولو غيب بعض الحشفة لا يتعلق به شئ من الأحكام إلا وجها شاذا ذكره بعض أصحابنا أن حكمه حكم جميعها وهذا الوجه غلط منكر متروك. وأما إذا كان الذكر مقطوعا فإن بقى منه دون الحشفة لم يتعلق به شيء من الأحكام وإن كان الباقى قدر الحشفة فحسب تعلقت الأحكام بتغييبه بكماله وإن كان زائدا على قدر الحشفة ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا أصحهما أن الأحكام تتعلق بقدر الحشفة منه والثانى لا يتعلق شيء من الأحكام إلا بتغييب جميع الباقى، ولو لفّ على ذكره خرقة وأولجه في فرج المرأة ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح منها والمشهور أنه يجب عليهما الغسل والثاني لا يجب لأنه أولج في خرقة والثالث إن كانت الخرقة غليظة تمنع وصول اللذّة والرطوبة لم يجب الغسل وإلا وجب والله أعلم، ولو استدخلت المرأة ذكر بهيمة وجب عليها الغسل ولو استدخلت ذكرا مقطوعا فوجهان أصحهما يجب عليها الغسل اهـ كلام النووى (وبما ذكره) في الصغيرة والبهيمة والميتة قالت المالكية والحنابلة إلا أنهم اشترطوا في وجوب الغسل على من أولج في الصغيرة أن تكون مطيقة وإلا فلا يجب إلا بالإنزال (وإلى) هذا ذهبت الحنفية واشترطوا في وجوب الغسل على من أولج في البهيمة والميتة الإنزال والأصح عندهم فيمن لفّ ذكره بخرقة وأولجه ولم ينزل أنه إن وجد حرارة الفرج واللذة لزم الغسل وإلا فلا والأحوط لزوم الغسل فيهما (فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن إيجاب الغسل لا يتوقف على الإنزال بل يجب بمجرّد إدخال الحشفة وقد تقدم بيانه مفصلا (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان والنسائى والبيهقى وابن ماجه والترمذى والدارقطني والطحاوى في شرح معانى الآثار (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمَاءُ مِنَ المَاءِ»، وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (ش) (قوله ابن وهب) عبد الله بن وهب بن مسلم. و (عمرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصارى و (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهرى (قوله الماء من الماء) أى إنما يجب الغسل من إنزال المنيّ

стр. 613

فمن جامع ولم ينزل فلا غسل عليه، وقد علمت أن هذا كان في صدر الإسلام ثم نسخ (وذهب) ابن عباس إلى أنه ليس بمنسوخ بل المراد به نفى وجوب الغسل بالرؤيا في النوم إذا لم ينزل ففى الترمذى حدثنا علىّ بن حجر أنا شريك عن أبى الجحاف عن عكرمة عن ابن عباس قال إنما الماء من الماء في الاحتلام "قال" أبو عيسى سمعت الجارود يقول سمعت وكيعا يقول لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك اهـ (وقد) ذكر النسائى حديث الماء من الماء تحت ترجمة "باب الذى يحتلم ولا يرى الماء" مشيرا إلى تأويل ابن عباس بأن الحديث محمول على ما يقع في المنام من الاحتلام وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير تعارض (وردّ) بأن مورد حديث الماء من الماء الجماع لا الاحتلام "فقد" أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبى سعيد الخدرى قال خرجت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الاثنين إلى قباء حتى إذا كنا في بنى سالم وقف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على باب عتبان فصرخ به فخرج يجرّ إزاره فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعجلنا الرجل فقال عتبان يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما الماء من الماء اهـ ولعل ابن عباس لم يبلغه هذا الحديث ولو بلغه ما أوّله هذا التأويل. وقد يقال إن قوله هذا ليس إخراجا للحديث عن كونه منسوخا بل غرضه بيان حكم المسألة بعد كونه منسوخا بأن عموم الحديث منسوح فبقى الحكم في الاحتلام على الأصل (قوله وكان أبو سلمة يفعل ذلك) أى كان أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن يعتقد وجوب الغسل من إنزال المنيّ وكان لا يرى وجوب الغسل على من أولج في الفرج ولم ينزل أخذا بظاهر هذا الحديث وقد علمت ما فيه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والترمذى والبيهقي والطحاوى وكذا النسائى وابن ماجه عن أبى أيوب (باب في الجنب يعود) أي إلى الجماع قبل أن يغتسل (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ». (ش) (قوله إسماعيل) بن علية (قوله طاف ذات يوم على نسائه) أى دار عليهن وهو كناية عن الجماع لقوله في غسل واحد ولقوله في رواية البخارى عن قتادة عن أنس قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة

стр. 614

من الليل والنهار وهن إحدى عشرة قال قلت لأنس أو كان يطيقه قال كنا نتحدّث أنه أعطى قوّة ثلاثين رجلا، وفي رواية له أيضا عن أنس تسع نسوة، وجمع بينهما بأن ذلك كان في حالتين فمرّة طاف عليهن وهنّ إحدى عشرة وأخرى وهن تسع، أو بأنه كان تحته من الزوجات تسع وسريتان مارية وريحانة على أنها كانت أمة وقيل كانت زوجة، وأزواج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اللاتى دخل بهن خديحة بنت خويلد ثم سودة بنت زمعة ثم عائشة بنت أبى بكر ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب ثم أم سلمة هند بنت أبى أمية بن المغيرة ثم جويرية بنت الحارث سباها النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في غزوة المريسيع ثم زينب بنت جحش ثم زينب بنت خزيمة ثم ريحانة بنت زيد من بني قريظة وقيل من بنى النضير سباها النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم أعتقها وتزوّجها سنة ست وماتت بعد عوده من حجة الوداع ودفنت بالبقيع وقيل ماتت بعده سنة ست عشرة، والأول أصح ثم أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان ثم صفية بنت حييّ بن أخطب من سبط هارون ﵊ وقعت في السبى يوم خيبر سنة سبع فاصطفاها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم ميمونة بنت الحارث تزوّجها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذى القعدة سنة سبع في عمرة القضاء بسرف على عشرة أميال من مكة، وتزوّج أيضا فاطمة بنت الضحاك وأسماء بنت النعمان وقد عقد على نساء أخر ولم يدخل بهن تبلغ ثمانيا وعشرين ذكرها العينى على البخارى (والحكمة) في كثرة أزواجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حفظهن الأحكام الداخلية لينقلنها للمستفيدين وإظهار أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حاز قصب السبق في ميادين أسباب المدح والفخر فإن التمادح بكثرة النكاح عادة معروفة والتفاخر بها طريقة مأثورة "فقد" روى البخارى عن ابن عباس أنه قال أفضل هذه الأمة أكثرها نساءا. مشيرا إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "وعن" ابن عمر مرفوعا تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة ذكره ابن مردويه في تفسيره. وبيان أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد بلغ الدرجة العليا والمرتبة القصوى في القيام بواجب ربه فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم تشغله كثرتهن عن طاعة ربه وحضور قلبه بل زاده كثرتهن عبادة لتحصينه إياهن وقيامه بحقوقهن وهدايته إياهن ومن ينتمى إليهن. وقد صرّح أن كثرتهن ليست من حظوظ دنياه فقال "حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرّة عينى في الصلاة" أخرجه الحاكم والنسائى عن أنس. فدلّ على أن حبه النساء والطيب ليس لدنياه بل لآخرته ولذلك ميز بين الحبين فقال وجعلت قرّة عينى في الصلاة فقد ساوى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام في كفايته فتنتهن وزاد عليهما فضيلة بالقيام بحقوقهن ولم يشغله ذلك عن القيام بحقوق الله فهذا الحال أكمل لمن قدر عليه. وقد أعطى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم القدرة على كثرة الجماع

стр. 615

ولذا أبيح له من الحرائر ما لم يبح لغيره "فقد" قال أنس كنا نتحدّث أنه أعطى قوّة ثلاثين رجلا "وقال" طاوس أعطى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قوّة أربعين رجلا في الجماع "وعن" مجاهد قوّة أربعين رجلا كل رجل من رجال أهل الجنة "وروى" الترمذى أن رجال أهل الجنة قوّة كل رجل منهم بقوّة سبعين رجلا (قوله في غسل واحد) أى بنية غسل واحد ففيه حذف مضاف وفى بمعنى الباء (فقه الحديث) والحديث يدل على أن الغسل لا يجب بين الجماعين سواء أكان الجماع الثانى لتلك المرأة المجامعة أم لغيرها وهذا لا ينافى أنه يستحب الغسل بينهما. وعلى أن غسل الجنابة ليس على الفور لكنه يتضيق عند القيام إلى الصلاة، وعلى عدم كراهة كثرة الجماع عند الطاقة، وعلى عدم كراهة التزوّج بأكثر من واحدة إلى أربع عند مظنة القيام بالعدل بينهن وعلى ما أعطى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من عظيم القوّة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي والنسائى (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَمَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ش) غرض المصنف بذكر هذه التعاليق بيان أن زيادة في غسل واحد ثابتة محفوظة وإن لم يذكرها بعض الرواة في حديث أنس، وبيان أن حديث أنس روى من عدّة طرق فهو أرجح من حديث أبى رافع الآتى على ما فهمه المصنف من أن بينهما تعارضا ولذا قال بعد الحديث الآتي "وحديث أنس أصح من هذا" وسيأتى ما فيه (قوله هشام بن زيد) بن أنس بن مالك الأنصارى البصرى. روى عن جده. وعنه عبد الله بن عون وشعبة وحماد بن سلمة. قال ابن معين ثقة وقال أبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة. وروايته وصلها البيهقى ومسلم قال حدثنا الحسن بن أحمد ثنا مسكين بن أبي بكر الحذّاء عن شعبة عن هشام بن زيد عن أنس أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "وذكر الحديث" ورواية معمر بن راشد وصلها ابن ماجه والترمذى والنسائى قال أخبرنا محمد بن عبيد ثنا عبد الله بن المبارك أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "وذكر الحديث" (قوله صالح بن أبى الأخضر) اليمامى مولى هشام بن عبد الملك نزيل البصرة. روى عن نافع والزهرى ومحمد بن المنكدر

стр. 616

والوليد بن هشام وطائفة. وعنه حماد بن زيد وابن المبارك ووكيع وابن عيينة وآخرون، قال ابن معين ليس بالقوى وقال العجلى يكتب حديثه وليس بالقوى وضعفه البخارى والنسائى والترمذى ويحيى القطان وقال ابن عدى في حديثه بعض مناكير وهو من الضعفاء الذين يكتب حديثهم. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه، توفي سنة بضع وخمسين ومائة، وروايته وصلها ابن ماجه قال حدّثنا على بن محمد ثنا وكيع عن صالح بن أبى الأخضر عن الزهرى عن أنس قال وضعت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غسلا فاغتسل من جميع نسائه في ليلة (قوله كلهم عن أنس عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) قد علمت أن المذكور في الروايات السابقة عن أنس أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وفي رواية ابن أبي الأخضر عن أنس قال وضعت الخ فذكر عن هنا بعد أنس لعله غلط من النساخ والصواب أنّ. وأتى المصنف بهذه الجملة ليبين أن هذه التعاليق مرفوعة إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (باب الوضوء لمن أراد أن يعود) أى لمن أراد أن يعود إلى الجماع أهو مطلوب أم لا، وفي نسخة باب الوضوء إذا أراد أن يعود (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَمَّتِهِ سَلْمَى، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا، فَقَالَ: «هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا (ش) مناسبة الحديث للترجمة باعتبار أن الغسل مشتمل على الوضوء (رجال الحديث) (قوله حماد) بن سلمة (قوله سلمى) هى أخت أبي رافع. روى عنها ابن أخيها عبد الرحمن وأيوب بن الحسن وزيد بن أسلم والقعقاع بن حكيم، ذكرها ابن حبان في الثقات وقال الحافظ في التقريب مقبولة من الثالثة وقال ابن القطان لا تعرف. روى لها أبو داود وابن ماجه والنسائى (قوله عن أبي رافع) مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قيل اسمه إبراهيم وقيل أسلم وقيل ثابت، كان مولى العباس بن عبد المطلب فوهبه للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأعتقه لما بشره بإسلام العباس بن عبد المطلب، وكان إسلامه قبل بدر ولم يشهدها وشهد أحدا وما بعدها. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن عبد الله بن مسعود وعنه أولاده رافع والحسن وعبيد الله والمغيرة وأبو سعيد المقبرى وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار

стр. 617

وآخرون، قيل مات في خلافة علىّ بن أبى طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (معنى الحديث) (قوله طاف ذات يوم) تقدم أن الإضافة فيه من إضافة العام إلى الخاص ويقال لها إضافة البيان ويحتمل أن لفظة ذات مقحمة. وفى رواية ابن ماجه طاف على نسائه في ليلة (قوله يغتسل عند هذه الخ) أى يغتسل عند كل واحدة منهن كما صرّح به في رواية ابن ماجه، ولا تنافي بين هذا الحديث والذى قبله لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الغسل بين الجماعين بيانا للجواز وتخفيفا على الأمة وفعله لكونه أطيب كما ذكر في الحديث. قال النسائي ليس بينه وبين حديث أنس اختلاف بل كان يفعل هذا تارة وذلك أخرى اهـ، وقال النووى هو محمول على أنه فعل الأمرين في وقتين مختلفين اهـ (قوله ألا تجعله غسلا واحدا) أى ألا تكتفى بغسل واحد عن هذه الاغتسالات، ولعل أبا رافع قال ذلك شفقة منه عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مخافة أن يصيبه الضرر من تكرار الغسل "ولا يقال" كيف اطلع أبو رافع على هذا وهو من شأنه الخفاء "لأنه" كان خادما له إذ ذاك يأتي له بالماء (قوله هكذا أزكى وأطيب وأطهر) أى ما فعلته من الغسل عند كل جماع أزيد في الخير والثواب عند الله وأطيب للقلب وأطهر للبدن، وفى نسخة هذا أزكى الخ (قوله وحديث أنس أصح من هذا) أى من حديث أبي رافع لأن حديث أنس مروىّ من طرق متعدّدة ورواته أوثق وأثبت من رواة حديث أبي رافع. وأراد المصنف بهذا بيان أن حديث أبي رافع لا يعارض حديث أنس لأنه أصح منه وهذا على ما ظن من التعارض بينهما بناء على أن الحادثة واحدة وقد علمت أنها متعددة فلا تعارض. على أن قوله هذا ليس بطعن وحديث أبي رافع لأنه لم ينف الصحة عنه (فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على استحباب الغسل عند كل جماع وهذا مما لا خلاف فيه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقي وابن ماجه النسائى والطحاوى في شرح معانى الآثار (ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، النَّاجِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُعَاوِدَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» (ش) (رجال الحديث) (قوله عن أبى المتوكل الناجى) هو على بن دواد بضم الدال المهملة ويقال ابن داود الساجى البصرى، روى عن ابن عباس وأبي سعيد الخدرى وجابر بن عبد الله وعائشة وعنه بكر بن عبد الله المزني وثابت البناني وحميد الطويل والوليد بن مسلم وقتادة وآخرون

стр. 618

وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائى وابن المدينى وابن حبان والعجلي والبزّار، مات سنة ثمان ومائة، روى له الجماعة (معنى الحديث) (قوله إذا أتى أحدكم أهله الخ) أى إذا جامع أحدكم زوجه ثم أراد أن يجامع ثانيا فليتوضأ وضوءا شرعيا لأنه المراد عند الإطلاق في كلام الشارع ولتأكيده بالمصدر لأن التأكيد به يرفع احتمال التجوّز وهو نظير قوله تعالى "وكلم الله موسى تكليما" فقد استدلّ أهل السنة بالتأكيد بالمصدر في الآية على أن التكليم فيها باق على حقيقته وليس متجوّزا به، وفى رواية ابن خزيمة فليتوضأ وضوءه للصلاة، وسيأتى بيان حكمة هذا الوضوء (وقد اختلف) في الأمر بالوضوء بين الجماعين في الحديث (فذهب) ابن حبيب المالكي والظاهرية إلى أنه للوجوب أخذا بظاهر هذا الحديث (وذهب) الجمهور إلى أن الأمر فيه للاستحباب وهو الظاهر لما في رواية الحاكم من قوله فإنه أنشط للعود، وغاية ما يفيده التعليل أن هذا الوضوء مندوب وليس بواجب إذ العود للجماع ثانيا ليس بواجب، ولما رواه الطحاوى عن عائشة قالت كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يجامع ثم يعود ولا يتوضأ (وذهب) أبو يوسف من الحنفية إلى أنه ليس بواجب ولا مندوب وحمل الأمر في الحديث على الإباحة (وحمله) بعض أهل العلم على الوضوء اللغوى الذى هو غسل الفرج احترازا عن إدخال النجس في الفرج ولأن ما يتعلق به من رطوبة الفرج مفسد للذة، وقالوا إنما شرع الوضوء للعبادة لا لقضاء الشهوة ولو شرع لقضاء الشهوة لكان الجماع الأول مثل العود، لكن ما قالوه ليس بالقوى لما علمته مما تقدم أن المراد به الوضوء الشرعي ولأنه لا يخفى الفرق بين الجماع الأول والعود فإن العود محتاج إلى التنظيف والنشاط (فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب الوضوء ممن أراد أن يعود إلى الجماع، وعلى أن الغسل ليس واجبا بين الجماعين (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم وابن ماجه والترمذى وقال حديث حسن صحيح والنسائى وابن خزيمة وابن حبان والطحاوى في شرح معانى الآثار والبيهقى والحاكم في المستدرك وصححه (باب في الجنب ينام) أى في بيان أنه يباح للجنب النوم قبل أن يغتسل، وفى بعض النسخ باب الجنب بحذف الجار (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «تَوَضَّأْ

стр. 619

وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ» (ش) (رجال الحديث) (قوله عبد الله بن دينار) القرشي المدني أبو عبد الرحمن مولى عبد الله بن عمر. روى عن ابن عمر وأنس ونافع وأبي صالح السمان وسليمان بن يسار وآخرين وعنه يحيى بن سعيد الأنصارى وشعبة والسفيانان ومالك بن أنس وطائفة، قال ابن حنبل ثقة مستقيم الحديث ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن معين والنسائى والعجلى وابن سعد وقال كثير الحديث. مات سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (معنى الحديث) (قوله ذكر عمر بن الخطاب الخ) مقتضاه أنه من مسند ابن عمر وهو المشهور عند أكثر الرواة (قال) الحافظ في الفتح وروى عن عبيد الله قال أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر قال يا رسول الله أينام أحدنا الخ أخرجه النسائى، وعلى هذا فهو من مسند عمر وكذا رواه مسلم من طريق يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر على نافع عن ابن عمر عن عمر لكن ليس في هذا الاختلاف ما يقدح في صحة الحديث اهـ ببعض تصرّف (قوله أنه تصيبه الجنابة) الضميران المنصوبان عائدان على عمر كما هو ظاهر الخطاب في قوله توضأ وما بعده (قال) الحافظ في الفتح قد بين النسائى سبب ذلك في روايته من طريق ابن عون عن نافع قال أصاب ابن عمر جنابة فأتى عمر فذكر ذلك له فأتى عمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فاستأمره فقال ليتوضأ ويرقد، وعلى هذا فالضميران يعودان على ابن عمر لا على عمر، وقوله في الجواب توضأ يحتمل أن يكون ابن عمر كان حاضرا فوجه الخطاب إليه اهـ ويحتمل أن الخطاب لعمر في غيبة ابنه جوابا لاستفتائه ولكنه يرجع إلى ابنه لأن استفتاء عمر إنما هو لأجل ابنه (وما ذكره) الحافظ في الفتح من رواية النسائى من طريق ابن عون (لم نقف) عليها في السنن الصغرى فلعله أخرجه في سننه الكبرى لكن قد علمت أن الظاهر عود الضمير على عمر ولا مانع من تعدّد الواقعة فيكون قد سأل عن نفسه مرّة كما في هذه الرواية وسأل عن ابنه مرّة أخرى كما في رواية النسائى المتقدّمة (قوله توضأ واغسل ذكرك) أى اغسل ذكرك ثم توضأ فإن الاستنجاء مقدّم. على الوضوء، والواو لا تقتضى ترتيبا ويؤيده رواية أبى نوح عن مالك عند البخارى اغسل ذكرك ثم توضأ ثم نم (قال) الحافظ في الفتح وهو يردّ على من حمله على ظاهره فقال يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر لأنه ليس بوضوء يرفع الحدث وإنما هو للتعبد إذ الجنابة أشدّ من مس الذكر فتبين من رواية أبى نوح أن غسله مقدّم على الوضوء اهـ وقد روى من غير طريق بتقديم غسل الذكر على الوضوء، وإنما قدّم الوضوء في الحديث اهتماما بشأنه وتبرُّكا به، وقد جاء هذا الحديث

стр. 620

بصيغة الشرط كما جاء بصيغة الأمر "فقد" أخرج البخارى من طريق جويرة بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال استفتى عمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أينام أحدنا وهو جنب قال نعم ينام إذا توضأ (واحتج) بحديث الباب الظاهرية وابن حبيب من المالكية على وجوب الوضوء على الجنب إذا أراد النوم قبل أن يغتسل (وذهب) الجمهور إلى أن الوضوء مستحب وليس بواجب وحملوا الأمر في الحديث على الندب لما تقدّم ولحديث عائشة الآتى كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينام وهو جنب ولا يمس ماء، وهو وإن كان فيه مقال إلا أنه اعتضد بأحاديث أخر (منها) ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن ابن عمر أنه سأل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أينام أحدنا وهو جنب قال نعم ويتوضأ إن شاء وروى البيهقى بسنده إلى نافع عن ابن عمر أن عمر استفتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال هل ينام أحدنا وهو جنب قال نعم ليتوضأ ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء اهـ ولا منافاة بينهما لاحتمال تعدّد القصة فمرّة سأل ابن عمر كما في رواية ابن خزيمة وابن حبان ومرّة سأل عمر كما في رواية البيهقى (قال) الحافظ في الفتح قال ابن العربى قال مالك والشافعى لا يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ واستنكر بعض المتأخرين هذا النقل وقال لم يقل الشافعى بوجوبه ولا يعرف ذلك أصحابه وهو كما قال اهـ (وقال) الزرقانى ولا يعرف عنهما وجوبه وقد نص مالك في المجموعة على أن هذا الوضوء ليس بواجب اهـ (وذهبت) طائفة إلى أن المراد بالوضوء هنا الوضوء اللغوى وهو غسل الأذى عن فرجه ويديه. واحتجوا بأن ابن عمر كان يتوضأ وهو جنب ولا يغسل رجليه رواه مالك والطحاوى. لكن ما ذكروه مردود بأن المراد بالوضوء هنا الوضوء الكامل لأنه الحقيقة الشرعية وهي مقدّمة على غيرها في كلام الشارع: على أنه قد صرّح بذلك في رواية البخارى عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة، ويحتمل أن أبن عمر ترك غسل رجليه لعذر فقد ذكر بعض العلماء أنه فدع في خيبر في رجليه فكان يضرّه غسلهما (والحكمة) في هذا الوضوء قيل تخفيف الحدث لما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شدّاد بن أوس الصحابي قال إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف غسل الجنابة، وقيل لينام على إحدى الطهارتين خشية أن يموت في منامه "فقد" روى ابن أبي شيبة بإسناده إلى عائشة قالت إذا أراد أحدكم أن يرقد وهو جنب فليتوضأ فإنه لا يدرى لعله يصاب في منامه، ونحوه للطحاوى (وقال) ابن الجوزى الحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة بخلاف الشياطين فإنها تقرب من ذلك اهـ (وفي حجة الله البالغة) لما كانت الجنابة منافية لهيئة الملائكة كان المرضىّ في حق المؤمن أن لا يسترسل في حوائجه من النوم والأكل مع الجنابة فإذا تعذرت الطهارة الكبرى لا ينبغى

стр. 621

أن يدع الطهارة الصغرى لأن أمرهما واحد غير أن الشارع وزّعهما على الحدثين اهـ ومثل الوضوء في الاستحباب التيمم إذا كان قاقدا للماء أو عاجزا عن استعماله "فقد" روى البيهقي عن عائشة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو يتيمم، وهو وإن كان ظاهره التخيير إلا أن التيمم فيه محمول على حالة فقد الماء حقيقة أو حكما (قوله ثم نم) أمر من النوم وأصله نام بسكون الميم حذفت الألف لدفع التقاء الساكنين (فقه الحديث) والحديث يدل على طلب غسل الذكر بعد الجماع، وعلى أنه يطلب من الجنب أن يتوضأ إذا أراد النوم (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والبيهقى والنسائي ومالك في الموطأ وأخرجه النسائى من طريق نافع عن ابن عمر عن عمر بلفظ أينام أحدنا وهو جنب قال نعم إذا توضأ وأخرجه الترمذى وقال حديث عمر أحسن منه في هذا الباب وأصح وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والتابعين وأخرجه الطحاوى بنحوه (باب الجنب يأكل) أى في بيان ما يصنع الجنب إذا أراد أن يأكل (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالت: «إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ». (ش) (قوله سفيان) بن عيينة، و (الزهرى) محمد بن مسلم. و (أبو سلمة) عبد الله ابن عبد الرحمن بن عوف (قوله عن عائشة قالت إن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) وفي نسخة عن عائشة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وفي رواية البخارى قالت كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله توضأ وضوءه للصلاة) أى توضأ وضوءا كوضوئه للصلاة وهكذا رواية ابن ماجه. وفي رواية البخارى غسل فرجه وتوضأ للصلاة، وصرّحت به لدفع ما يتوهم من أن المراد الوضوء اللغوى (وظاهر) الحديث أن ذلك كان يتكرّر منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للتعبير فيه بكان المفيدة للتكرار، ومناسبة الحديث للترجمة باعتبار الزيادة التي زادها فيه يونس عن الزهرى في الطريق الآتى

стр. 622

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه ومسلم من طريق ليث عن ابن شهاب بهذا الإسناد وكذا ابن ماجه من طريق الليث بن سعد والبخارى من طريق محمد ابن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة وأخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار عنها من عدة طرق (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، زَادَ: «وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ يَدَيْهِ». (ش) (قوله ابن المبارك) هو عبد الله. و (يونس) بن يزيد الأيلي (قوله بإسناده ومعناه الخ) أى إسناد حديث سفيان السابق ومعناه وزاد يونس عن الزهرى فيه وإذا أراد أن يأكل غسل يديه يعنى ولم يتوضأ وضوءه للصلاة فجملة أراد أن يأكل مفعول زاد واقتصر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على غسل اليدين لبيان الجواز وإلا فأكثر الروايات على أنه كان إذا أراد أن يأكل أو يشرب وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة. وهذه الرواية أخرجها النسائى والدارقطني بلفظ كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وإذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه، وأخرجها البيهقى وابن ماجه بلفظ كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن يأكل وهو جنب فغسل يديه، وأخرجها الطحاوى بلفظ غسل كفيه (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، فَجَعَلَ قِصَّةَ الْأَكْلِ قَوْلَ عَائِشَةَ مَقْصُورًا. (ش) أى روى هذا الحديث عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد فجعل قصة أكل الجنب من قول عائشة موقوفة عليها، وغرض المصنف بهذا بيان الفرق بين رواية ابن المبارك عن يونس ورواية ابن وهب عنه. فجعل ابن المبارك في روايته قصة أكل الجنب مرفوعة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجعلها ابن وهب من قول عائشة موقوفة عليها، ولم نقف على من وصل رواية ابن وهب (ص) وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عَنْ عُرْوَةَ، أَوْ أَبِي سَلَمَةَ. (ش) أى أن صالح بن أبى الأخضر ذكر في روايته قصة أكل الجنب ونومه مرفوعتين إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما ذكرهما عبد الله بن المبارك إلا أن صالحا قال في روايته عن عروة أو عن أبى سلمة بالشك في الراوى عن عائشة بخلاف ابن المبارك فإنه قال عن أبى سلمة بدون شك

стр. 623

(ص) وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ (ش) غرض المصنف بهذا التعليق وما قبله تقوية رواية ابن المبارك وأنها مرفوعة (والأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد أبو عمرو الشامى سكن دمشق ثم تحوّل إلى بيروت ومات بها وكان إماما من أئمة الدين الأعلام. روى عن عطاء بن أبى رباح وقتادة والزهرى ومحمد بن بشار وابن سيرين ومكحول وآخرين. وعنه الزهرى وقتادة وهما من شيوخه ويحيى بن أبي كثير ومالك بن أنس وبقية والثورى وشعبة وكثيرون، قال ابن سعد كان ثقة مأمونا صدوقا فاضلا خيرا كثير الحديث والعلم والفقه وقال العجلى تابعى ثقة من خيار المسلمين وقال الشافعى ما رأيت أحدا أشبه فقهه بحديثه من الأوزاعي وقال القرطبى كانت الفتيا تدور بالأندلس على رأى الأوزاعي وقال الخليلى أجاب عن ثمانين ألف مسألة من حفظه. ولد سنة ثمان وثمانين ومات سنة ثمان وخمسين ومائة. روى له الجماعة، والأوزاعي نسبة إلى أوزاع قرية على باب دمشق من جهة باب الفراديس وهو في الأصل اسم قبيلة من اليمن سميت به القرية لسكناهم بها وقيل الأوزاع بطن من ذى كلاع من حمير وقيل من همدان (قوله عن الزهرى الخ) أى عن أبى سلمة عن عائشة فأسقط الأوزاعي في روايته الواسطة، وهذا التعليق وصله الطحاوى عن الأوزاعي عن الزهرى بإسقاط يونس (قوله كما قال ابن المبارك) أى بذكر قصة الأكل والنوم، وغرض المصنف بذكر هذه التعاليق تقوية رواية ابن المبارك، وهذه الروايات تدلّ على مشروعية الوضوء للجنب إذا أراد النوم، وعلى مشروعية غسل الجنب يديه إذا أراد أن يأكل (باب من قال الجنب يتوضأ) أى في بيان دليل قول من قال إن الجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام يتوضأ (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ» تَعْنِي وَهُوَ جُنُبٌ (ش) (قوله يحيى) بن سعيد القطان، و (شعبة) بن الحجاج. و (الحكم) بن عتيبة الكندى و (إبراهيم) النخعى. و (الأسود) بن يزيد (قوله توضأ) أى وضوءه للصلاة كما في رواية النسائى

стр. 624

وابن ماجه ومسلم والشيخين من حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة، وهو لا ينافي ما في الرواية السابقة من قولها وإذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه لما تقدم من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اقتصر أحيانا على غسل الكفين لبيان الجواز وكان الغالب من أحواله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إكمال الوضوء (قوله وهو جنب) تفسير من بعض الرواة ذكره للإيضاح وقد تقدم في رواية الشيخين وغيرهما التصريح به عن عائشة (فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والبيهقى والنسائي وابن ماجه (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ، أَنْ يَتَوَضَّأَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «بَيْنَ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ» (ش) (رجال الحديث) (قوله حماد) بن سلمة (قوله عطاء) بن أبى مسلم عبد الله ويقال ميسرة الأزدى أبو أيوب ويقال أبو عثمان البلخى مولى المهلب بن أبى صفرة. سكن الشام وعداده في البصريين كان من خيار عباد الله أحد الأعلام. روى عن معاذ بن جبل وكعب بن عجرة وأنس بن مالك وابن عباس وأبى الدرداء والزهرى وجماعة. وعنه ابن جريج والأوزاعي وعطاء بن أبى رباح ومالك وشعبة وحماد بن سلمة وآخرون. قال ابن معين وأبو حاتم ثقة يحتج به وقال النسائى ليس به بأس وقال الدارقطنى ثقة في نفسه إلا أنه لم يلق ابن عباس وقال ابن حبان كان ردئ الحفظ يخطئُ ولا يعرف فبطل الاحتجاح به وقال الطبرانى لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أنس. مات سنة خمس وثلاثين ومائة عن خمس وثمانين سنة. روى له مسلم وأبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه، و (الخراساني) بضم المعجمة نسبة إلى خراسان بلاد واسعة بين العراق والهند منها سرخس ونيسابور وبلخ وطالقان وسميت باسم خراسان بن عالم بن سام بن نوح وكان قد خرج لما تبلبلت الألسن ببابل ونزل في هذه البلاد فسميت باسمه وينسب إليها وإن كان عداده في البصريين لأنه دخلها وأقام بها (معنى الحديث) (قوله رخص للجنب الخ) أى سهل له أن يجتزئَ بالوضوء إذا أراد أن

стр. 625

يأكل أو يشرب أو ينام (والحاصل) أنه يجوز للجنب أن ينام ويأكل ويشرب ويجامع قبل الاغتسال (قال) النووى في شرح مسلم وهذا مجمع عليه وأجمعوا على أن بدن الجنب وعرقه طاهران اهـ ويستحب له أن يغسل فرجه ويتوضأ لهذه الأمور كلها ولا سيما إذا أراد جماع من لم يجامعها فإنه يتأكد استحباب غسل ذكره (قال) النووى وقد نص أصحابنا على أنه يكره النوم والأكل والشرب والجماع قبل الوضوء والأحاديث تدلّ عليه ولا خلاف عندنا أن هذا الوضوء ليس بواجب وبهذا قال مالك والجمهور (وذهب) ابن حبيب من أصحاب مالك إلى وجوبه وهو مذهب داود الظاهرى، والمراد بالوضوء وضوء الصلاة الكامل، وأما حديث ابن عباس المتقدم في الباب قبله في الاقتصار على الوجه واليدين فقد قدمنا أن ذلك لم يكن في الجنابة بل في الحدث الأصغر اهـ (قوله بين يحيى بن يعمر وعمار الخ) يشير بهذا إلى أن الحديث منقطع فيكون ضعيفا إلا أنه تقوّى بالروايات الكثيرة الدّالة على استحباب الوضوء عند إرادة شئ مما ذكر (فقه الحديث) والحديث يدلّ على أفضلية الغسل للجنب إذا أراد الأكل أو الشرب أو النوم إذ العزيمة أفضل من الرخصة، وعلى طلب الوضوء للجنب عند عدم الغسل إذا أراد شيئا مما ذكر (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والترمذى وقال حسن صحيح وأخرجه الطحاوى وفيه وفي الترمذى يتوضأ وضوءه للصلاة وأخرجه البيهقي عن عمار بن ياسر قال قدمت على أهلى من سفر فضمخونى بالزعفران فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسلمت عليه فلم يرحب بى ولم يبشّ بى وقال اذهب واغسل هذا عنك فغسلته عنى فجئته وقد بقى عليّ منه شئ فسلمت عليه فلم يرحب بى ولم يبشّ بي وقال اذهب واغسل عنك هذا فغسلته ثم أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسلمت عليه فردّ علىّ السلام ورحب بي وقال إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير ولا المتضمخ بالزعفران ولا الجنب ورخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام أن يتوضأ (ص) وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو «الْجُنُبُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ تَوَضَّأَ» (ش) أشار بهذه الآثار إلى أن وضوء الجنب للأكل ونحوه كما ثبت مرفوعا ثبت موقوفا على من ذكر وثبت أيضا عن عائشة وشدّاد بن أوس كما تقدم وعن زيد بن ثابت قال إذا توضأ الجنب قبل أن ينام فقد بات طاهرا أخرجه الطحاوى

стр. 626

(باب الجنب يؤخر الغسل) أى يؤخر الغسل من الجنابة إلى آخر الليل أيسوغ له ذلك أم لا، وفي نسخة باب في الجنب الخ (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا مُعْتَمِرٌ، ح وَثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: ثَنَا بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: «رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ»، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً قُلْتُ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: «رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ»، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً. قُلْتُ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ أَمْ يُخَافِتُ بِهِ؟ قَالَتْ: «رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ»، قُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً (ش) (رجال الحديث) (قوله المعتمر) بن سليمان التيمى (قوله برد) بضم الموحدة وسكون الراء (ابن سنان) يكسر السين المهملة الدمشقي أبو العلاء نزيل البصرة. روى عن وائلة بن الأسقع ونافع وعطاء ومكحول وآخرين. وعنه السفيانان والحمادان والأوزاعي وشريك النخعى وطائفة وثقة ابن معين والنسائى وأبو حاتم وقال كان صدوقا قدريا وقال مرّة ليس بالمتين وقال ابن المديني ضعيف وقال أبو زرعة لا بأس به، مات سنة خمس وثلاثين ومائة. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه والبخارى في الأدب (قوله غضيف) بالغين والضاد المعجمتين مصغرا ويقال غطيف بالطاء المهملة (ابن الحارث) بن زنيم أبو أسماء السكوني الحمصى. أدرك زمان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واختلف في صحبته وقد روى عنه أنه قال مهما نسيت من الأشياء لم أنس أنى رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واضعا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة روى عن عمر بن الخطاب وبلال وأبي ذرّ وأبى الدرداء وعائشة، وعنه مكحول وعبادة بن نسىّ وشرحبيل بن مسلم وعبد الرحمن بن عائذ وغيرهم، وثقه العجلى وابن سعد والدارقطني. مات

стр. 627

في زمن مروان بن الحكم. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله أرأيت) أى أخبرينى فالاستفهام بمعنى الأمر وعبر به عنه لاشتراكهما في الطلب وعدل عن الحقيقة سلوكا للأدب كما تقدم (قوله كان يغتسل) أى أكان فهو على تقدير الاستفهام وقد صرح به في بعض النسخ (قوله وربما اغتسل في آخره) دليل على أن الجنب لا يجب عليه الغسل على الفور بل له أن يؤخره إلى آخر الليل فلا ينافي أن المبادرة به أفضل وأخره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تيسيرا على الأمة وبيانا للجواز (قوله الله أكبر) قالها تعجبا واستعظاما لهذا الأمر وفرحا بسعته (قوله الحمد لله الذى جعل في الأمر سعة) أى الحمد لله الذى جعل في الأمر سهولة فجعل الاغتسال من الجنابة على التراخى لا على الفور، وسعة بفتح السين المهملة ويجوز كسرها مصدر وسع من باب ورث وفتحت عين مضارعه لمناسبة حرف الحلق (قوله ربما أوتر أول الليل الخ) اقتصرت عائشة في الجواب على الأول والآخر مجاراة لسؤال السائل وإلا فقد ورد عنها أنها قالت من كلّ الليل قد أوتر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أول الليل وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر أخرجه الجماعة وسيأتي الكلام على الوتر في محله إن شاء الله تعالى (قوله أم يخافت به) أى يسرّ وفى بعض النسخ أم يخفت به وخفت الصوت خفوتا من باب جلس ومخافتة إذا لم يرفع صوته، والظاهر أنه سأل عن قراءته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلا أما قراءته نهارا فكانت معلومة لهم (فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن الغسل من الجنابة ليس واجبا على الفور. وعلى جواز تأدية الوتر أول الليل وآخره والأفضل تأخيره لمن اعتاد أن يقوم آخر الليل وتقديمه لمن لم يعتد القيام لما رواه ابن ماجه عن جابر رضى تعالى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من خاف منكم أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أول الليل ثم ليرقد ومن طمع منكم أن يستيقظ من آخر الليل فليوتر من آخر الليل فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل. وعلى أن المتنفل بالليل مخير بين الجهر والإسرار في القراءة، وقد اختلف في أيهما أفضل فقيل الجهر وقيل الإسرار (قال) العينى والصحيح أنه مقيد باعتبار زمان القارئ ومكانه وحاله فيراعي الجهر والإخفاء بحسب هذا الاعتبار اهـ (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه في باب القراءة في صلاة الليل مقتصرا على الفصل الأخير والحاكم والبيهقى والنسائى مقتصرا على الفصل الأول (ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ،

стр. 628

عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ» (ش) (رجال الحديث) (قوله شعبة) بن الحجاج (قوله على بن مدرك) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر الراء أبو مدرك النخعى الكوفى، روى عن عبد الرحمن بن يزيد النخعى وهلال ابن يساف وأبى زرعة وإبراهيم النخعى وغيرهم. وعنه الأعمش وشعبة والمسعودى، وثقه العجلى وابن معين والنسائى وابن حبان وأبو حاتم وقال صدوق. مات سنة عشرين ومائة، روى له الجماعة (قوله عن أبى زرعة) اسمه هرم (قوله عبد الله بن نجى) بضم النون وفتح الجيم مصغرا ابن أسد الحضرمى الكوفى، روى عن أبيه وعلى بن أبى طالب وحذيفة وعمار بن ياسر، وعنه أبو زرعة وجابر الجعفى وشرحبيل بن مدرك، قال النسائى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطنى ليس بالقوىّ في الحديث، روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه (قوله عن أبيه) هو نجى بن أسد بن خليبة، روى عن على بن أبى طالب. وعنه ابنه عبد الله. ذكره ابن حبان في الثقات وقال لا يعجبنى الاحتجاج بخبره إذا انفرد وقال العجلى تابعى ثقة وقال ابن سعد كان قليل الحديث، روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله لا تدخل الملائكة بيتا) أى مكانا يستقرّ فيه الشخص سواء أكان بناء أم خيمة أم غيرهما (والملائكة) جمع ملك وأصله ملأك على وزن مفعل نقلت حركة الهمزة إلى اللام وحذفت الهمزة فصار ملك على وزن مفل فلما جمع ردّ إلى الأصل وقيل أصله مألك فقلب قلبا مكانيا فصار ملأك على وزن معفل فنقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها وحذفت فوزنه معل فلما جمع ردّ لأصله وهو مأخوذ من الألوكة وهي الرسالة وقيل من الملك بفتح الميم وسكون اللام وهو الأخذ بقوّة والتاء في الجمع إما للمبالغة أو لتأنيث الجمع فإذا حذفت امتنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، والملائكة أجسام لطيفة نورانية لا توصف بذكورة ولا بأنوثة فمن اعتقد أنهم ذكور فسق ومن اعتقد أنهم إناث كفر لا يشربون ولا يأكلون ولا يتناكحون ولا ينامون يقدرون على التشكل بأشكال مختلفة غير الخسيسة مسكن معظمها السماء ولا تحكم عليهم الصورة بخلاف الجن. وقد جاء في كثرتهم أحاديث (منها) ما أخرجه الترمذى وابن ماجه والبزّار عن أبى ذرّ مرفوعا أطت السماء وحقّ لها أن تئطّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد (ومنها) ما أخرجه الطبراني عن جابر مرفوعا أيضا ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كفّ إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد، والمراد بالملائكة في الحديث غير الحفظة وهم الذين يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار أما الحفظة والكتبة فيدخلون كل بيت وكذا الموكلون

стр. 629

بقبض الأرواح (قوله فيه صورة) أى تمثال أعمّ من أن يكون شاخصا أو نقشا أو دهانا أو نسجا في ثوب، والمراد بالصورة هنا ما كان على صورة الحيوان (وظاهر) الحديث يدلّ على أن الصورة مطلقا تمنع دخول الملائكة أعمّ من أن يكون لها ظل أم لا ممتهنة أم غير ممتهنة، وقيل إن الممتهنة التي لا ظلّ لها لا تمنع دخول الملائكة (قال) النووى والأظهر أنه عامّ في كل صورة وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الحديث اهـ (وقال) الزهرى النهى الذى ورد فيها على العموم سواء أكانت رقما في ثوب أم غير رقم وسواء أكانت في حائط أم ثوب أم بساط ممتهن أو غير ممتهن عملا بظاهر الحديث اهـ وامتنعت الملائكة من دخول البيت الذى فيه الصورة لأنها معصية لأن فيها مضاهاة لخلق الله ولأن بعضها قد يكون في صورة ما يعبد من دون الله تعالى، وما تقدم ذكره بالنسبة لدخول الملائكة (أما التصوير) على هيئة الحيوان فاتفق العلماء على تحريمه سواء أصنع بما يمتهن أم بغيره له ظل أم لا للأحاديث الكثيرة الدالة على الوعيد الشديد فيه (منها) ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصوّرون (وما رواه) عنه أيضا أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم (وما رواه) أيضا عن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من صوّر صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ (وأما تصوير) غير الحيوان من الشجر ونحوه فجائز لا فرق بين الشجر المثمر وغيره وعليه عامة العلماء لما رواه أحمد والترمذى والنسائى عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتاني جبريل فقال إني كنت أتيتك الليلة فلم يمنعني أن أدخل البيت الذى أنت فيه إلا أنه كان فيه تمثال رجل وكان في البيت قرام "ستر" فيه تماثيل وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال يقطع يصير كهيئة الشجرة واؤمر بالستر يقطع فيجعل وسادتين منتبذتين توطآن واؤمر بالكلب يخرج ففعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (ولما رواه) مسلم عن سعيد بن أبي الحسن قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال إني رجل أصوّر فأفتني فقال له ادن مني فدنا منه ثم قال ادن منى فدنا حتى وضع يده على رأسه قال أنبئك بما سمعت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول كل مصوّر في النار يجعل له بكل صورة صوّرها نفسا فتعذبه في جهنم وقال إن كنت لا بدّ فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له (وخالف) مجاهد فقال بكراهة الشجر المثمر لما رواه مسلم عن أبى هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول قال الله ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقى فليخلقوا ذرّة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة. لكن ما ذكره ليس بالقوىّ لأن هذا الحديث محمول على

стр. 630

خلق الحيوان جمعا بينه وبين الأحاديث الدالة على جواز تصوير الشجر (وأما ما رواه) ابن ماجه عن أبى أمامة أن امرأة أتت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فاستأذنته أن تصوّر في بيتها نخلة فمنعها أو نهاها (فضعيف) لأن في إسناده عفير بن معدان قال أبو حاتم يكثر عن سليم عن أبى أمامة بما لا أصل له وقال أحمد منكر الحديث ضعيف (وأما) اتخاذ ما فيه صورة حيوان بأن كان رقما فيه ففيه أقوال (الأول) الجواز مطلقا لما رواه مسلم عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبى طلحة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة قال بسر ثم اشتكى زيد بن خالد بعد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة قال، فقلت لعبيد الله الخولاني ألم يحدّثنا زيد في التصاوير قال عبيد الله ألم تسمعه قال إلا رقما في ثوب قلت لا قال بلى قد ذكر ذلك (الثاني) المنع مطلقا لإطلاق الأحاديث الكثيرة الواردة في ذلك (الثالث) التفصيل فإن كانت الصورة ثابتة الهيئة قائمة الشكل غير ممتهنة حرمت وإن كانت مقطوعة الرأس أو مفرّقة الأجزاء أو ممتهنة جازت لما رواه الطحاوى عن أبي هريرة قال استأذن جبريل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال ادخل فقال كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تماثيل خيل ورجال فإما أن تقطع رءوسها وإما أن تجعلها بساطا فإنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه تماثيل، ولما رواه مسلم والطحاوى عن عائشة أنها كانت نصبت سترا فيه تصاوير فدخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنزعه فقطعته وسادتين قالت فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يرتفق عليهما (وهذا القول) أرجح الأقوال لكثرة أدلته الصحيحة ولإمكان الجمع فيه بين الأدلة (وأما) اتخاذ الصورة ذات الجسم فحرام (قال) الزرقانى وهذا بالإجماع في غير لعب البنات اهـ (وقال) القاضى عياض إلا ما ورد من لعب البنات لصغار البنات والرخصة في ذلك لكن كره مالك شراء الرجل لابنته ذلك، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن منسوخة بهذه الأحاديث اهـ والاحتياط ترك اتحاذ الصور كلها (قوله ولا كلب) ظاهره عامّ في كل كلب سواء أذن في اتخاذه أم لا لأنه نكرة في سياق النفي وإلى العموم جنح القرطبى والنووى لعموم الحديث ولامتناع جبريل ﵇ من دخول البيت الذى كان فيه الكلب مع كونه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يعلم به (قال) النووى فلو كان العذر لا يمنعهم من الدخول لم يمتنع جبريل من الدخول اهـ أى إذا كان وجود الكلب مع عدم العلم به مانعا من دخول الملائكة فبالأولى وجوده عن عمد لنحو الحراسة (وذهب) الخطابي وجماعة إلى استثناء الكلب الذى أذن في اتخاذه للحراسة (واختلف) في سبب امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب فقيل لكون الكلاب نجسة العين ويؤيده ما جاء في بعض طرق الحديث عن عائشة عند مسلم أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بنضح موضع الكلب

стр. 631

وقيل لكونها من الشياطين والملائكة ضدّ الشياطين، وقيل لأنها تأكل النجاسة وتتلطخ بها فينجس ما تعلقت به وعلى هذا يحمل قول من قال إن الكلب غير نجس العين ينضح موضعه على الاحتياط لأن النضح مشروع لتطهير المشكوك فيه، ولقائل أن يقول إن امتناع الملائكة من دخول البيت الذى فيه كلب أمر غير معقول لنا إذ كل التعليلات التي ذكرت غير مسلمة إذ الخنزير أولى بامتناع الملائكة بوجوده وكذلك النجاسات الأخر مع أنه لم يرد نص عن الشارع يدل على امتناع دخول الملائكة بشئ من ذلك (قوله ولا جنب) ظاهره العموم أيضا فيشمل من أصابته الجنابة أول الليل وأخر الغسل إلى آخره لكن هذا العموم ليس مرادا بل المراد به من يتعوّد ترك الغسل ويتهاون فيه إلى أن يخرج وقت الصلاة (قال) الخطابي لم يرد بالجنب ها هنا من أصابته جنابة فأخر الاغتسال إلى حضور الصلاة ولكن يجنب فلا يغتسل ويتهاون به ويتخذ تركه عادة فإن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يطوف على نسائه في غسل واحد وفي هذا تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوده اهـ، أما الجنب الذى لا يتخذ ذلك عادة له ولا يترك الاغتسال إلى أن يخرج وقت الصلاة فلا يمنع دخول الملائكة البيت لما تقدم من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل تارة أول الليل وتارة آخره ومن أنه رخص للجنب أن ينام قبل أن يغتسل ولما سيأتى للمصنف عن عائشة من أنه كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء (والحكمة) في امتناع الملائكة من دخول البيت الذى فيه الجنب المتهاون بالجنابة أنه بعيد عن العبادة ممتنع من التلاوة (فقه الحديث) دلّ الحديث على التنفير من اتخاذ الكلب والتصاوير على ما تقدم بيانه وعلى أن التهاون في الغسل من الجنابة مانع للخير الكثير والبركة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم وابن ماجه ومالك في الموطأ والطحاوى في شرح معاني الآثار بدون ذكر الجنب وأخرجه النسائى والبيهقي بلفظ المصنف (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً». (ش) (قوله سفيان) الثورى. و (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعى و (الأسود) بن يزيد (قوله من غير أن يمسّ ماء) أى لا لغسل ولا لوضوء وهو لا ينافي ما تقدّم من استحباب الوضوء قبل النوم لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك مسّ

стр. 632

الماء لبيان الجواز (قال) النووى في شرح مسلم إن صح هذا الحديث لم يكن مخالفا للروايات الأخر من أنه كان يتوضأ ثم ينام بل كان له جوابان "أحدهما" جواب الإمامين الجليلين أبى العباس ابن شريح وأبى بكر البيهقى أن المراد لا يمس ماء للغسل "والثاني" وهو عندى حسن أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ماء أصلا لبيان الجواز إذ لو واظب عليه لتوهم وجوبه (فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز نوم الجنب من غير وضوء ولا غسل (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه والطحاوى والبيهقى وقد علمت أن فيه مقالا وأن جماعة قد صححوه (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، يَقُولُ: «هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ» يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ (ش) غرض المصنف بهذا بيان حال الحديث السابق (قوله الحسن بن على) بن راشد نزيل البصرة. روى عن المعتمر بن سليمان وابن المبارك ويزيد بن هارون وجماعة. وعنه أبو زرعة وأبو بكر البزار والحسن بن سفيان والساجى وآخرون. قال ابن حبان مستقيم الحديث جدّا وقال ابن عدى لم أر بحديثه بأسا إذا حدّث عنه ثقة ولم أسمع أحدا قال فيه شيئا فنسبه إلى ضعف غير عباس العنبرى. مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. روى له أبو داود والنسائى. و (الواسطى) نسبة إلى واسط وهي عدة مواضع واسط الحجاج وواسط الحجاز وواسط الجزيرة وواسط اليمامة وواسط العراق ولعلّ التى نسب إليها الحسن بن على واسط الحجاج كما تقدم من أنه نزل البصرة (قوله هذا الحديث وهم) أى الحديث السابق غلط وكذا قال جماعة ففى الترمذي "وقد" روى غير واحد عن الأسود عن عائشة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه كان يتوضأ قبل أن ينام وهذا أصح من حديث أبى إسحاق عن الأسود وقد روى عن أبى إسحاق هذا الحديث شعبة والثورى وغير واحد ويرون أن هذا غلط من أبى إسحاق اهـ ووجه غلط أبى إسحاق أنه اختصر حديثه هذا من حديث طويل فأخطأ في اختصاره "وقد" ذكره الطحاوى مطوّلا عن أبى إسحاق قال أتيت الأسود بن يزيد وكان لى أخا وصديقا فقلت يا أبا عمرو حدثني ما حدثتك عائشة أم المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا عن صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينام أول الليل ويحيى آخره ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمسّ ماء فإذا كان عند النداء الأول وثب وما قالت قام فأفاض عليه الماء وما قالت اغتسل وأنا أعلم ما تريد وإن كان جنبا توضأ

стр. 633

وضوء الرجل للصلاة "وأخرج" مسلم والبيهقى نحوه (قال) الطحاوى فهذا الأسود بن يزيد قد أبان في حديثه أنه كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وأما قولها فإن كان له حاجة قضاها ثم ينام قبل أن يمسّ ماء فيحتمل أن يكون مرادها أنه لم يغتسل فلا ينافي أنه كان يتوضأ وقد بين ذلك غير أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة وذلك ما حدثنا ابن مرزوق قال حدثنا بشير بن عمر قال ثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن ينام أو يأكل وهو جنب يتوضأ ثم روى عن الأسود من رأيه مثل ذلك ثنا روح بن الفرج ثنا يوسف بن عدى ثنا أبو الأحوص عن مغيرة عن إبراهيم قال قال الأسود إذا أجنب الرجل فأراد أن ينام فليتوضأ فاستحال عندنا أن تكون عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قد حدثته عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه كان ينام ولا يمسّ ماء ثم يأمرهم بعد ذلك بالوضوء. ولكن الحديث في ذلك ما رواه إبراهيم وبعد ما ذكر ما يؤيد رواية إبراهيم السابقة قال فثبت بما ذكرنا فساد ما روى عن أبى إسحاق عن الأسود مما ذكرنا وثبت ما روى إبراهيم عن الأسود اهـ ببعض تصرّف (وقال) ابن العربى في العارضة بعد أن ذكر حديث أبى إسحاق بطوله فهذا الحديث الطويل فيه وإن نام وهو جنب توضأ وضوء الصلاة فهذا يدلك على أن قوله فإن كان له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمسّ ماء يحتمل أحد وجهين إما أن يريد بالحاجة حاجة الإنسان من البول والغائط فيقضيها ثم يستنجى ولا يمسّ ماء وينام فإن وطئَ توضأ كما في آخر الحديث، ويحتمل أن يريد بالحاجة حاجة الوطء وبقوله ثم ينام ولا يمسّ ماء يعنى ماء الاغتسال ومتى لم يحمل الحديث على أحد هذين الوجهين تنافض أوله وآخره فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة هي حاجة الوطء فنقل الحديث على معنى ما فهم اهـ كلام ابن العربى (أقول) لكن الحديث رواه ابن ماجه عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة من عدّة طرق كرواية المصنف (منها) أنها قالت إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن كانت له إلى أهله حاجة قضاها ثم ينام كهيئته لا يمسّ ماء (ومنها) أنها قالت إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يجنب ثم ينام ولا يمسّ ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل، وقد صحح جماعة هذا الحديث منهم الدارقطني فإنه قال يشبه أن يكون الخبران صحيحين لأن عائشة قالت ربما قدّم الغسل وربما أخره كما حكى ذلك غضيف وعبد الله بن أبي قيس وغيرهما عن عائشة وأن الأسود حفظ ذلك عنها فحفظ أبو إسحاق عنه تأخير الوضوء والغسل وحفظ إبراهيم وعبد الرحمن تقديم الوضوء على الغسل (وعنهم) البيهقى وملخص كلامه أن حديث أبى إسحاق صحيح من جهة الرواية وذلك أنه

стр. 634

بين فيه سماعه من الأسود في رواية زهير عنه والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لردّه. وتقدم الجمع بين الروايتين (ومنهم) ابن قتيبة فإنه قال يمكن أن يكون الأمران جميعا وقعا فالفعل لبيان الاستحباب والترك لبيان الجواز ومع هذا قالوا إنا وجدنا لحديث أبى إسحاق شواهد ومتابعين (فمن) تابعه عطاء والقاسم وكريب والسوائى فيما ذكره أبو إسحاق الجرمى في كتاب العلل قال وأحسن الوجوه في ذلك إن صح حديث أبى إسحاق فيما رواه ووافقه هؤلاء أن تكون عائشة أخبرت الأسود أنه كان ربما توضأ وربما أخر الوضوء والغسل حتى يصبح فأخبر الأسود إبراهيم أنه كان يتوضأ وأخبر أبا إسحاق أنه كان يؤخر الغسل وهذا أحسن وأوجه اهـ (باب في الجنب يقرأ القرآن) أى في بيان حكم قراءة الجنب للقرآن، وفي بعض النسخ باب الجنب يقرأ (ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَا وَرَجُلَانِ، رَجُلٌ مِنَّا وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَحْسَبُ، فَبَعَثَهُمَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَجْهًا، وَقَالَ: إِنَّكُمَا عِلْجَانِ، فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْمَخْرَجَ ثُمَّ خَرَجَ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَخَذَ مِنْهُ حَفْنَةً فَتَمَسَّحَ بِهَا، ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الخَلَاءِ فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ، وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ -أَوْ قَالَ: يَحْجُزُهُ- عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ ". (ش) (رجال الحديث) (قوله شعبة) بن الحجاج (قوله عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق بن الحارث المرادى أبو عبد الله الكوفي أحد الأعلام. روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأبى وائل وإبراهيم النخعى وسعيد بن المسيب وغيرهم. وعنه ابنه عبد الله ومنصور وأبو إسحاق السبيعى وهو أكبر منه والأعمش والثورى وشعبة وآخرون. وثقه ابن معين وابن نمير ويعقوب بن سفيان وقال أبو حاتم ثقة كان يرى الإرجاء وقال الأعمش كان مأمونا على ما عنده وقال ابن المدينى له نحو مائتى حديث. مات سنة ست أو ثمانى عشرة ومائة. روى له الجماعة

стр. 635

(قوله (ص) عبد الله بن سلمة) بكسر اللام المرادى الكوفى. روى عن عمر وعلى ومعاذ وابن مسعود وسلمان الفارسى وآخرين. وعنه عمرو بن مرّة وأبو إسحاق السبيعى وأبو الزبير المكي، قال البخارى لا يتابع في حديثه وقال العجلى تابعى ثقة وقال يعقوب بن شيبة ثقة يعدّ من الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة وقال أبو حاتم يعرف وينكر وقال ابن عدىّ أرجو أنه لا بأس به. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه والنسائى (معنى الحديث) (قوله رجل منا) أى من مراد قبيلة من اليمن (قوله أحسب) أى أظن أن الرجل الآخر من بني أسد وهي قبيلة من مضر وأسد أبو تلك القبيلة (قوله وجها) أى جهة من الجهات ونصب على الظرفية أى أرسلهما على عاملين أو لأمر آخر إلى جهة من الجهات (قوله علجان) أى قويان وهو تثنية علج وفيه لغات فتح العين وكسرها مع سكون اللام وبفتح العين وكسر اللام وهو الرجل القوى الضخم كما في النهاية (قوله فعالجا عن دينكما) أى دافعا عنه ويحتمل أن تكون عن للتعليل أى جاهدا لأجل دينكما على حدّ قوله تعالى "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة" ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف حال أى جاهدا حال كونكما مدافعين عن دينكما (قوله ثم قام فدخل المخرج) بفتح الميم أى دخل علىّ موضع قضاء الحاجة وسمى بالمخرج لأنه موضع خروج البول والغائط (قوله فتمسح بها) أى غسل بتلك الحفنة يديه كما صرّح به في رواية الدارقطنى (قوله ثم جعل يقرأ القرآن) أى شرع في قراءته من غير أن يتوضأ (قوله فأنكروا ذلك الخ) أى قراءته القرآن من غير وضوء كامل لاعتقادهم أن قراءة القرآن لا تجوز من غير وضوء فأجابهم علىّ بقوله إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يخرج من الخلاء الخ (قوله فيقرئنا القرآن) من الإقراء أى يعلمنا القرآن عقب خروجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الخلاء من غير وضوء (قوله ويأكل معنا اللحم) أى قبل أن يتوضأ كما يدل عليه التعبير بالفاء في رواية ابن ماجه وفيها ثم يخرح فيأكل معنا الخبز واللحم (قال) الطيبى لعل انضمام أكل اللحم مع قراءة القرآن للإشعار بجواز الجمع بينها من غير وضوء أو مضمضة كما في الصلاة اهـ (قوله ولم يكن يحجبه الخ) أى يمنعه وحجب وحجز من باب نصر بمعنى منع (قوله ليس الجنابة) أى إلا الجنابة فليس أداة استثناء وهي فعل واسمها عائد على البعض المفهوم من الشئ والجنابة خبرها أى ليس بعض الشئ الجنابة، والمعنى كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يمنعه شيء من أنواع الحدث عن قراءة القرآن إلا الجنابة (والحديث) يدلّ على عدم جواز قراءة القرآن للجنب وإليه ذهب الجمهور، واستدلوا بحديث الباب، وبما رواه الترمذى وابن ماجه عن ابن عمر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن. وسيأتى للمصنف وفى إسناده إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة. وبما رواه
следующие страницы →