Полный текст (3 378 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
لأن هذا الحديث مروىّ من طرق عن ابن عمر ولم يعرف عن ابن عباس. وفى المعرفة للبيهقي فلما أن قضى حاجته كان من حديثه يومئذ
(قوله أن قال) أن أولت ما بعدها بمصدر مرفوع على أنه اسم كان وخبرها قوله من حديثه مقدّم عليه والتقدير كان قوله مرّ رجل إلخ من حديثه يومئذ
(قوله في سكة إلخ) بكسر السين المهملة وتشديد الكاف أى طريق من الطرق وأصلها الطريق المصطفة من النخل ثم سميت الطرق بذلك لاصطفاف المنازل بجانبيها (قال) في المصباح السكة الزقاق والسكة الطريق المصطف من النخل والجمع سكك مثل سدرة وسدر
(قوله حتى إذا كاد الخ) أى قرب أن يغيب عن نظره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله إنه لم يمنعنى أن أردّ عليك الخ) قال ابن الجوزى كره أن يردّ ﵇ لأنه اسم من أسماء الله تعالى أو يكون هذا في أول الأمر ثم استقرّ الأمر على غير ذلك. وفي شرح الطحاوى حديث المنع من ردّ السلام منسوخ بآية الوضوء وقيل بحديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا كان يذكر الله على كل أحيانه اهـ
(فقه الحديث) كالذى قبله مع زيادة التنصيص على الضربتين
(من أخرج الحديث أيضا وبيان حاله) أخرجه الدارقطنى والطبرانى في الأوسط وكذا البيهقى من طريقين عن محمد بن ثابت عن نافع قال انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس فلما أن قضى حاجته كان من حديثه يومئذ قال بينما النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في سكة من سكك المدينة وقد خرج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من غائط أو بول فسلم عليه رجل فلم يردّ عليه ثم إن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ضرب بكفيه فمسح بوجهه مسحة ثم ضرب بكفيه الثانية فمسح ذراعيه إلى المرفقين وقال إني لم يمنعنى أن أردّ عليك إلا أنى لم أكن على وضوء أو على طهارة
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ حَدِيثًا مُنْكَرًا فِي التَّيَمُّمِ " قَالَ ابْنُ دَاسَةَ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يُتَابَعْ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى «ضَرْبَتَيْنِ» عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، وَرَوَوْهُ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ
(ش) غرض المصنف بهذا بيان أن الحديث منكر لتفرّد محمد بن ثابت بذكر الضربتين فيه وهو ضعيف جدًّا وإنما روى الحفاظ الثقات الضربتين من فعل ابن عمر غير مرفوع (قال) البيهقى قد أنكر بعض الحفاظ رفع هذا الحديث على محمد بن ثابت فقد رواه جماعة عن نافع من فعل ابن عمر والذى رواه غيره عن نافع من فعل ابن عمر إنما هو التيمم فقط فأما هذه
стр. 842
القصة فهى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مشهورة برواية أبى الجهيم بن الحارث ابن الصمة وغيره اهـ وردّ بأن المنكر على محمد بن ثابت رفع المسح إلى المرفقين لا أصل القصة وقد صرّح بذلك البيهقى في كتاب المعرفة فقال إنما ينفرد محمد بن ثابت من هذا الحديث بذكر الذراعين فيه دون غيره اهـ وإذا كان المنكر عليه هو هذا لا ينفعه كون أصل القصة مشهورا بل قد عدّ اشتهار أصل القصة سببا لتضعيف ذكر الذراعين فإن الذى في الصحيح في قصة أبى الجهيم ومسح وجهه ويديه وليس فيه وذراعيه "ثم قال" البيهقي وروى ثابت عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر أن رجلا مرّ ورسول الله صلى الله تعالى عمليه وعلى آله وسلم يبول فسلم عليه فلم يردّ عليه إلا أنه قصر في روايته ورواية يزيد بن الهاد عن نافع أتمّ من ذلك اهـ ثم أخرج رواية ابن الهاد الآتية للمصنف بعد وقال فهذه الرواية شاهدة لرواية محمد بن ثابت العبدى إلا أنه حفظ فيها الذراعين اهـ وردّ بأنها إنما تشهد لرواية محمد بن ثابت إذا أنكر أصل الرواية عن ابن عمر أما إذا أنكر رفع مسح الذراعين إلى المرفقين فلا شهادة لرواية ابن الهاد ولا لرواية الضحاك ثم ذكر البيهقى بسنده إلى عثمان بن سعيد الدارمى عن يحيى بن معين قال محمد بن ثابت ليس به بأس اهـ وهو معارض بما تقدم عن الدورى عن ابن معين أنه قال ليس بشئ وأنكر قوله فيه ليس به بأس. وبما تقدم في ترجمته من تضعيف الجمهور له "ثم قال" البيهقى ومحمد بن ثابت في هذا الحديث غير مستحق للتنكير بالدلائل التى ذكرتها اهـ وقد علمت ما في هذه الدلائل (قال) العينى قد أنكر البخارى على محمد بن ثابت رفع هذا الحديث (وقال) الخطابي حديث ابن عمر لا يصح لأن محمد ابن ثابت العبدى ضعيف جدّا لا يحتج بحديثه (وقال) البيهقى رفعه غير منكر وفعل ابن عمر التيمم على الوجه والذراعين إلى المرفقين شاهد بصحة رواية محمد بن ثابت غير مناف لها "قلت" أما أنه غير مناف فصحيح. وأما أنه شاهد ففيه نظر لأنه لم يوافق رواية ابن ثابت في رفع الذراعين بل هذا هو علة من علل الرفع فكيف يكون المقتضى للتعليل وهو الوقف مقتضيا للتصحيح (وقال) البيهقى أيضا محمد بن ثابت أثنى عليه مسلم بن إبراهيم ورواه عنه "وأشار" البيهقى بذلك إلى أن مسلما لما رواه عنه قال حدثنا محمد بن ثابت العبدى وكان صدوقا وصدقه لا يمنع أن ينكر عليه رفعه على وجه الغلط لمخالفة غيره له على عادة كثير من أهل الحديث أو أكثرهم اهـ بحذف
(ص) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْبُرُلُّسِيُّ، أَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، قال إنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الغَائِطِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ عِنْدَ بِئْرِ جَمَلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
стр. 843
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْحَائِطِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْحَائِطِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله جعفر بن مسافر) بن راشد التنيسي بكسر المثناة الفوقية والنون المشددة منسوب إلى تنيس بلد قرب دمياط أبو صالح الهذلى مولاهم. روى عن يحيى ابن حسان وبشر بن بكر وأيوب بن سويد وعبد الله بن يزيد المقرى وآخرين. وعنه أبو داود والنسائى وابن ماجه وجماعة. قال النسائى صالح وذكره ابن حبان في الثقات وقال كتب عن ابن عيينة وربما أخطأ وقال أبو حاتم شيخ. مات في المحرّم سنة أربع وخمسين ومائتين. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله عبد الله بن يحيى) المعافرى المصرى أبو يحيى. روى عن نافع ابن يزيد ومعاوية بن صالح وحيوة بن شريح وسعيد بن أبى أيوب والليث بن سعد وغيرهم وعنه دحيم وجعفر بن مسافر والحسن بن عبد العزيز وأبو داود وكثيرون. قال أبو زرعة وأبو حاتم لا بأس به زاد أبو زرعة أحاديثه مستقيمة وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة اثنتي عشرة ومائتين. روى له البخارى وأبو داود. و (البرلسي) بضم الموحدة والراء وتشديد اللام المضمومة نسبة إلى برلس قرية على بحيرة من البحيرات الشمالية بالقطر المصرى
(قوله ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثى المدني أبو عبد الله. روى عن عبد الله ابن خباب ومحمد بن كعب القرظى ويحيى بن سعيد الأنصارى والزهرى وآخرين. وعنه مالك ابن أنس والليث بن سعد ويحيى بن أيوب وابن عيينة ويحيى بن سعيد الأنصارى وهو من شيوخه قال ابن سعد والنسائى وابن معين والعجلى ثقة وقال يعقوب بن سفيان مدني ثقة حسن الحديث وقال أحمد لا أعلم به بأسا. توفى سنة تسع وثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث وفقهه كالذى قبله) غير أن هذا الحديث ليس فيه ذكر الضربتين
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارقطنى والبيهقى وكذا ابن ماجه في باب الرجل يسلم عليه وهو يبول من حديث أبى هريرة بلفظ مرّ رجل على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يردّ عليه فلما فرغ ضرب بكفيه الأرض فتيمم ثم ردّ ﵇ وأخرجه من طريق المصنف وقال فهذه الرواية شاهدة لرواية محمد بن ثابت يعنى أنه مرفوع لا ينكر رفعه وحسنه المنذرى
(باب الجنب يتيمم)
أى في بيان أن الجنب إذا لم يجد الماء يتيمم. وتقدم الخلاف في ذلك وأن المعوّل عليه جوازه
стр. 844
كما جاءت به الأحاديث الصحيحة المشهورة ولم يخالف في ذلك من الصحابة إلا عمر وابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما فإنهما كانا يقولان بعدم جواز التيمم للجنب، وقيل إنهما رجعا عنه ثم أجمع العلماء علي جوازه. ثم إذا صلى الجنب بالتيمم ووجد الماء وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء إلا ما حكى عن أبى سلمة أنه قال لا يلزمه. وهو مذهب متروك بالإجماع وبالأحاديث الصحيحة في أمر الجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء
(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، وَمُسَدَّدٌ قَالَا حَدَّثنَا خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: اجْتَمَعَتْ غُنَيْمَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ ابْدُ فِيهَا». فَبَدَوْتُ إِلَى الرَّبَذَةِ فَكَانَتْ تُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ وَالسِّتَّ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أبُو ذَرٍّ». فَسَكَتُّ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَبَا ذَرٍّ لِأُمِّكَ الْوَيْلُ». فَدَعَا لِي بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ فَجَاءَتْ بِعُسٍّ فِيهِ مَاءٌ فَسَتَرَتْنِي بِثَوْبٍ وَاسْتَتَرْتُ بِالرَّاحِلَةِ، وَاغْتَسَلْتُ فَكَأَنِّي أَلْقَيْتُ عَنِّي جَبَلًا فَقَالَ «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» وَقَالَ: مُسَدَّدٌ: «غُنَيْمَةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ» «وَحَدِيثُ عَمْرٍو أَتَمُّ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عن أبى قلابة) هو عبد الله بن زيد الجرمى. وقد وقع في بعض النسخ تحويل في السند بعد أبى قلابة هكذا ح وحدثنا مسدد أنبأنا خالد يعنى ابن عبد الله الواسطى عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن عمرو الخ وفى بعضها تحويل بعد خالد الواسطى هكذا ح وحدثنا مسدّد قال أنبأنا خالد يعنى ابن عبد الله الخ. وكلاهما غير ظاهر لاتحاد رجال السند بعد شيخى المصنف والظاهر ما في نسخة الخطابى وهو قوله حدثنا عمرو ابن عون ومسدّد قالا حدثنا خالد الواسطى الخ وهي التى كتبنا عليها
(قوله عمرو بن بجدان) بضم الموحدة وسكون الجيم العامرى القعنبى. روى عن أبى ذرّ وأبى زيد الأنصارى. وعنه أبو قلابة قال ابن المدينى لم يرو عنه غير أبى قلابة وذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلي تابعى ثقة وقال أحمد وابن القطان لا يعرف وقال الذهبى مجهول الحال، روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه
(قوله عن أبى ذرّ) اختلف في اسمه واسم أبيه والمشهور أنه جندب بن جنادة بن السكن
стр. 845
وقيل ابن جنادة بن قيس بن بياض بن عمرو الزاهد المشهور كان من السابقين إلى الإسلام "ففى" الصحيحين من طريق أبى جمرة عن ابن عباس قال لما بلغ أبا ذرّ مبعث النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لأخيه اركب إلى هذا الوادى فاعلم لى علم هذا الرجل الذى يزعم أنه نبىّ يأتيه الخبر من السماء واسمع من قوله ثم ائتنى فانطلق الأخ حتى قدم وسمع من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم رجع إلى أبى ذرّ فقال له رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ويقول كلاما ما هو بالشعر فقال ما شفيتني مما أردت فتزوّد وحمل شنة فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو لا يعرفه وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل فاضطجع فرآه عليّ فعرف أنه غريب فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظلّ ذلك اليوم ولا يرى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى أمسى فعاد إلى مضجعه فمرّ به علىّ فقال أما آن للرجل أن يعرف منزله فأقامه فذهب به معه لا يسأل أحدهما صاحبه عن شئ حتى كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك فأقامه فقال ألا تحدثنى ما الذى أقدمك قال إن أعطيتنى عهدا وميثاقا أن ترشدني فعلت ففعل فأخبره فقال إنه حق وإنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإذا أصبحت فاتبعنى فإني إن رأيت شيئا أخافه عليك قمت كأني أريق الماء فإن مضيت فاتبعنى حتى تدخل مدخلى ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ودخل معه وسمع من قوله فأسلم مكانه فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمرى فقال والذى نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فقام القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه وأتى العباس فأكبّ عليه وقال ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأنه طريق تجارتكم إلى الشام فأنقذه منهم ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا عليه فأكبّ العباس عليه فأنقذه "وفى مسلم" من طريق عبد الله بن الصامت عن أبى ذرّ في قصة إسلامه وفيها فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم "يعنى نظرت إلى أضعفهم لأنه مأمون الغائلة" فقلت أين هذا الذى تدعونه الصابئَ فأشار إلىّ فقال الصابئُ فمال علىّ أهل الوادى بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علىّ قال فارتفعت حين ارتفعت كأنى نصب أحمر فأتيت زمزم فغسلت عنى الدماء وشربت من مائها ولقد لبثت ثلاثين ما بين ليلة ويوم وما كان لى طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطنى "إلى أن قال" ثم أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إنه قد وجهت إلى أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم فأتيت أخى أنيسا قال ما صنعت قلت إنى قد أسلمت وصدّقت فقال ما لى رغبة عن دينك وإنى قد أسلمت وصدّقت فأتينا أمنا فقالت ما بى رغبة عن
стр. 846
دينكم فإنى قد أسلمت وصدّقت فاحتملنا حتى أتينا قومنا "الحديث" ويقال إن إسلامه كان بعد أربعة وانصرف إلى بلاد قومه فأقام حتى قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة ومضت بدر وأحد ولم تتهيأ له الهجرة إلا بعد ذلك ومناقبه كثيرة "فقد" أخرج الطبراني من حديث أبى الدرداء قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يبتدئُ أبا ذرّ إذا حضر ويتفقده إذا غاب "وأخرج" أحمد من طريق عراك بن مالك قال قال أبو ذرّ سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إن أقرّبكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة يوم تركته فيها وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد نشب فيها بشئ غيرى. رجاله ثقات إلا أن عراك بن مالك عن أبى ذرّ منقطع. وقال عليّ أبو ذرّ وعاء ملئَ علما ثم أوكئَ عليه أخرجه المصنف بسند جيد. وأخرج أيضا وكذا أحمد عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبى ذرّ وفى السيرة النبوية لابن إسحاق بسند ضعيف عن ابن مسعود قال كان لا يزال يتخلف الرجل في تبوك فيقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه فتلوّن أبو ذرّ على بعيره فأبطأ عليه فأخذ متاعه على ظهره ثم خرج ماشيا فنظر ناظر من المسلمين فقال إن هذا الرجل يمشى على الطريق فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كن أبا ذرّ فلما تأملت القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذرّ فقال يرحم الله أبا ذرّ يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واحد وثمانون ومائتا حديث اتفق الشيخان على اثنى عشر وانفرد البخارى بحديثين ومسلم بسبعة. روى عنه أنس وابن عباس وزيد بن وهب وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن ابن تميم وطوائف. توفى بالربذة سنة إحدى وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله اجتمعت غنيمة) تصغير غنم لإفادة التقليل وإنما لحقته التاء لأن الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس فيقع على الذكر والأنثى واسم الجمع الذى لا واحد له من لفظه إذا كان لغير الآدمى وصغر فالتأنيث لازم له
(قوله ابد فيها) فيها متعلق بمحذوف حال وفى للصاحبة أى اخرج إلى البدو مصاحبا الغنم كما في قوله تعالى "فخرج على قومه في زينته" وابد بضم الهمزة أمر من بدا يبدو إذا خرح إلى البدو وهو خلاف الحضر يقال بدا القوم بدوا إذا خرجوا إلى البادية ويتعدى بالهمزة فيقال أبديته وبدا إلى البادية بداوة بفتح أوله وكسره خرج إليها ويقال تبدّى الرجل أقام بالبادية وتبادى تشبه بأهل البادية
(قوله فبدوت إلى الربذة) أى أخرجت الغنم إلى بادية الربذة بالراء الموحدة والذال المعجمة المفتوحات قرية بينها وبين المدينة ثلاث
стр. 847
مراحل بها قبر أبى ذرّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
(قوله فأمكث الخمس والست) أى من الليالى والإيام فأصلى بغير طهور كما صرّح به في الرواية الآتية ولكن في مسند أحمد فأصابتنى جنابة فتيممت بالصعيد وصليت أياما فوقع في نفسى من ذلك حتى ظننت أنى هالك
(قوله فقال أبو ذرّ الخ) أْى قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنت أبو ذرّ فسكتّ. وفى الرواية الآتية فقلت نعم. ويجمع بينهما بأن هذه الرواية اختصرها الراوي أى فسكتّ أولا ثم قلت نعم كما تدلّ عليه رواية الطبراني في الأوسط
(قوله ثكلتك أمك) أى فقدتك يقال ثكلت المرأة ولدها ثكلا من باب تعب فقدته والاسم الشكل وزان قفل فهى ثاكل وقد يقال ثاكلة وثكلى والجمع ثواكل وثكالى وجاء فيها مثكال أيضا بكسر الميم أى كثيرة الثكل ويعدّى بالهمزة فيقال أثكلها الله ولدها. كأنه دعا عليه بالموت لسوء فعله أو أن هذه الكلمة مما تجرى على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء وكذا قوله لأمك الويل لم يرد به الدعاء
(قوله أبا ذرّ) منصوب على النداء وحرف النداء محذوف أى يا أبا ذرّ
(قوله لأمك الويل) أى الحزن والهلاك والمشقة في العذاب. وكل من وقع في هلكة دعا بالويل والمعنى أنها إذا فقدت ولدها يكون لها الويل والعذاب وتكرار الدعاء دليل على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تغيظ على أبى ذرّ لمكثه بالجنابة هذه المدّة المذكورة
(قوله فجاءت بعسّ) بضم العين وتشديد السين المهملتين القدح الكبير وجمعه عساس وأعساس (قال) في المصباح العس بالضم القدح الكبير والجمع عساس مثل سهام وربما قيل أعساس مثل قفل وأقفال اهـ
(قوله واستترت بالراحلة) هي المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى
(قوله فكأنى ألقيت عنى جبلا) شبه الجنابة بالجبل في الثقل فكأنه يقول لما أجنبت ولم أجد الماء كنت لعدم الاغتسال مكدّرا ومنقبض النفس كأنّ على رأسى الجبل فلما اغتسلت زال عني ذلك الثقل فكأنى طرحت عنى الجبل
(قوله الصعيد الطيب الخ) الصعيد مبتدأ خبره وضوء المسلم والطيب صفته أى الطاهر المطهر. وقد تقدم الخلاف في تفسيره وفيما يتيمم به. ووضوء بفتح الواو لأن التراب بمنزلة الماء في صحة التطهر به وقيل بضم الواو أى استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوضوء المسلم فهو تشبيه بليغ وعلى كل فهو يفيد أن التيمم رافع للحدث لا مبيح فقط خلافا لمن قال بذلك وعليه فيصلى به ما شاء من فرض ونفل وقد تقدم بيان الخلاف في ذلك
(قوله ولو إلى عشر سنين) بسكون الشين المعجمة والمراد منه الكثرة لا التحديد ومعناه أن له أن يفعل التيمم مرّة بعد أخرى وإن بلغت مدّة عدم الماء عشر سنين وليس معناه أن التيمم دفعة واحدة تكفيه لعشر سنين (وفيه) دليل على أن خروج الوقت غير ناقض للتيمم بل حكمه حكم الوضوء (قال) الخطابى يحتج بهذا الحديث من يرى أن للمتيمم أن يجمع بتيممه بين صلوات ذات عدد وهو مذهب أصحاب أبى حنيفة اهـ وقد وافقهم البخارى
стр. 848
محتجا بعموم قوله صلى الله تعالى عليه، على آله وسلم في حديث عمر إن عليك بالصعيد فإنه يكفيك أى ما لم تحدث أو تجد الماء (قال) الحافظ هذه المسألة وافق فيها البخارى الكوفيين والجمهور. وذهب بعض من التابعين وغيرهم إلى خلاف ذلك. وقد اعترف البيهقي بأنه ليس في المسألة حديث صحيح من الطرفين لكن قال صح عن ابن عمر إيجاب التيمم لكل فريضة ولا يعلم له مخالف من الصحابة "وتعقب" بما رواه ابن المنذر عن ابن عباس أنه لا يجب اهـ (أقول) دعوى البيهقى عدم صحة حديث من الطرفين غير مسلمة فإن حديث الباب قد صححه غير واحد من المحدّثين كما سيأتى (وعلى الجملة) فمذهب الجمهور قوىّ. وقد جاءت آثار تدلّ على ما ذهب إليه البعض من التابعين من أن المصلي يجدّد التيمم لكل صلاة لكن أكثرها ضعيف وما صح منها فليس فيه شيء يحتج به على فرضية التجديد فهى محمولة على الاستحباب "وما ادعاه" صاحب الإيضاح من الشافعية من أنه لا يجوز التيمم قبل الوقت بالإجماع "مردود" عليه بأن التيمم قبل دخول الوقت جائز بعموم حديث الباب ونحوه
(قوله فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك) أمسّ أمر من الإمساس أى إذا وجدت الماء الكافى لطهارتك فاضلا عن حاجتك الضرورية وكنت قادرا على استعماله فعليك أن تتطهر به (قال) الخطابى يحتج بهذا على إيجاب انتقاض طهارة المتيمم بوجود الماء على عموم الأحوال سواء أكان في صلاة أم غيرها. ويحتج به من يرى أنه إذا وجد من الماء ما لا يكفى لكمال الطهارة أن يستعمله في بعض أعضائه ويتيمم للباقى وكذلك من كان على بعض أعضائه جرح فإنه يغسل ما لا ضرر عليه في غسله ويتيمم للباقى وهو قول الشافعي. ويحتج به أيضا أصحابه في أنه لا يتيمم في حضر لصلاة فرض ولا لجنازة ولا لعيد لأنه واجد للماء فعليه أن يمسه جلده اهـ (قال) العينى لا نسلم أن الاحتجاج به في الصورة الأولى صحيح لأنه لا يدل على صحة الجمع بين المبدل والمبدل منه ومن أين يعرف من قوله فأمسه جلدك أن يمسّ الماء بعض جلده ويتيمم للبعض. والعبارة لا تدلّ على هذا أصلا بل هذا حجة لنا عليهم لأن قوله فإذا وجدت الماء أى الماء الكافى الوافى للاغتسال أو الوضوء فأمسه جلدك لأنه ذكر محلى بالألف واللام فيتناول الكامل حتى إذا وجد ماء لا يكفى يكون وجوده وعدمه سواء فيتيمم كما إذا وجد ماء كافيا ولكنه يخاف العطش على نفسه أو دابته فإنه كالمعدوم وأما الصورة الثانية فكذلك لا يصح الاحتجاج به فيها لأن مجرّد وجود الماء لا يكفى بل الشرط القدرة عليه فالذى تحضره الجنازة ويخاف فوتها عير قادر على استعمال الماء حتى إذا لم يخف فوتها لا يجوز التيمم أيضا كما هو مصرّح به في كتب الحنفية اهـ (أقول) قد استدلّ الحنفيون على جواز التيمم لمن خاف فوات صلاة الجنازة أو العيد إن اشتغل بالطهارة بقول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما إذا فجأتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم رواه ابن عدى وابن أبى شيبة
стр. 849
والطحاوى والنسائى في كتاب الكنى. وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما أنه أتى الجنازة وهو على غير وضوء فتيمم وصلى عليها رواه البيهقى في المعرفة. والحديث لا يضرّه الوقف لكثرة طرقه (وفى البدائع) ولنا ما روى عن ابن عمر أنه قال إذا فجأتك جنازة تخشى فواتها وأنت على غير وضوء فتيمم لها. وعن ابن عباس مثله ولأن التيمم شرع في الأصل لخوف فوات الأداء وقد وجد هنا بل أولى لأن هناك تفوت فضيلة الأداء فقط فأما الاستدراك بالقضاء فممكن وهنا تفوت صلاة الجنازة أصلا فكان أولى بالجواز حتى لو كان ولىّ للميت لا يباح له التيمم كذا روى الحسن عن أبى حنيفة لأن له ولاية الإعادة ولا يخاف الفوت (وحاصل) الكلام فيه راجع إلى أن صلاة الجنازة لا تقضى عندنا وعنده تقضى بخلاف الجمعة لأنها تفوت إلى خلف اهـ
(قوله فإن ذلك خير) أى الإمساس بركة وأجر وليس معناه أن الوضوء والتيمم كلاهما جائز عند وجود الماء لكن الوضوء خير بل الوضوء حينئذ فرض للأمر بالإمساس وهو للوجوب والخيرية لا تنافى الفرضية
(قوله وقال مسدد غنيمة من الصدقة) أشار بهذا إلى أن في رواية مسدد زيادة قوله من الصدقة
(قوله وحديث عمر وأتمّ) أى حديث عمرو بن عون شيخ المصنف أتمّ من حديث مسدد وأكمل منه. وقد رواه أحمد أيضا بلفظ أتمّ من طريق سعيد عن أيوب عن أبى قلابة وفيه عن أبى ذرّ قال كنت بالمدينة فاجتويتها فأمر لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بغنيمة فخرجت فيها فأصابتنى جنابة فتيممت بالصعيد فصليت أياما فوقع في نفسي من ذلك حتى ظننت أني هالك فأمرت بناقة لى أو قعود فشدّ عليها ثم ركبت فأقبلت حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ظل المسجد في نفر من أصحابه فسلمت عليه فرفع رأسه وقال سبحان الله أبو ذرّ فقلت نعم يا رسول الله إنى أصابتنى جنابة فتيممت أياما فوقع في نفسي من ذلك حتى ظننت أنى هالك فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لى بماء فجائت به أمة سوداء في عسّ يتخضخض فاستترت بالراحلة وأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رجلا فسترنى فاغتسلت ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أبا ذرّ إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء ولو في عشر حجج فإذا قدرت على الماء فأمسه بشرتك
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب تنمية المال وحفظه، وعلى مشروعية تأديب الرئيس المرءوس بما يليق به، وعلى أنه يطلب من الرئيس أن يعمل ما فيه المصلحة للرعية، وعلى مشروعية خدمة الصغير الكبير، وعلى مشروعية ستر العورات، وعلى مشروعية التيمم بالصعيد عند عدم الماء، ويدلّ بظاهره على أن المتيمم يجمع بتيممه بين صلوات كثيرة وهو مذهب أبى حنيفة وغيره كما تقدم، وعلى انتقاض طهارة المتيمم بوجود الماء على سائر الأحوال
стр. 850
سواء أكان في صلاة أم في غيرها. وعلى أن المحدث والجنب سواء في التيمم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقى وكذا الترمذى مختصرا وقال حديث حسن وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح ولم يخرجاه إذ لم يجدا لعمرو "يعنى ابن بجدان" راويا غير أبى قلابة ورواه الدارقطني في سننه "ولا يلتفت" إلى تضعيف ابن القطان لهذا الحديث بعمرو بن بجدان لكون حاله لا يعرف "فقد ذكره" ابن حبان في الثقات ووثقه العجلى كما تقدم ويكفى تصحيح الترمذى للحديث في معرفة حاله فقد قال المنذرى في تلخيص السنن قال الترمذى حديث حسن صحيح وقال ابن تيمية في المنتقى بعد ذكره هذا الحديث رواه أحمد والترمذى وصححه اهـ ولعل المنذرى وابن تيمية وقفا على نسخة للترمذى فيها تصحيح الحديث وإلا فالنسخ التي بأيدينا إنما فيها هذا حديث حسن
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ قَالَ: دَخَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ فَأَهَمَّنِي دِينِي، فَأَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ فَقَالَ: أَبُو ذَرٍّ إِنِّي اجْتَوَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَبِغَنَمٍ فَقَالَ لِي: «اشْرَبْ مِنْ أَلْبَانِهَا» وَأَشُكُّ فِي أَبْوَالِهَا، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ، وَمَعِي أَهْلِي فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طَهُورٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِنِصْفِ النَّهَارِ، وَهُوَ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ فِي ظِلِّ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ - أَبُو ذَرٍّ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟ » قُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ، وَمَعِي أَهْلِي فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طُهُورٍ، فَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ، فَجَاءَتْ بِهِ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ بِعُسٍّ يَتَخَضْخَضُ مَا هُوَ بِمَلْآنَ، فَتَسَتَّرْتُ إِلَى بَعِيرِي، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ: إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ، وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ، فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ "
стр. 851
(ش) (قوله حماد) بن سلمة. و (أيوب) السختيانى.
(قوله رجل من بنى عامر) هو عمرو بن بجدان المتقدم كما صرّح به في رواية النسائى
(قوله فأهمني ديني الخ) أى أقلقنى وأحزنني أمر دينى. وفى نسخة فهمنى. يقال أهمنى الأمر بالألف أقلقنى وهمنى هما من باب قتل مثله والمعنى أنى أسلمت لكن ما علمت مسائل الإسلام وأحكامه فأحزنني وأقلقنى جهلي أمر ديني الذى هو عصمة أمرى فحملنى على أن أجلس مجالس العلماء وأتعلم عنهم المسائل فأتيت أبا ذرّ أسأله فقال إنى اجتويت المدينة أى أصابني الجوى وهو داء الجوف إذا تطاول يقال اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة. وقيده الخطابى بما إذا تضرّر بالإقامة وهو المناسب هنا. وفى رواية أحمد قال كنت كافرا فهدانى الله للإسلام وكنت أعزب عن الماء ومعى أهلى فتصيبنا الجنابة فوقع ذلك في نفسي فحججت فدخلت مسجد منى فعرفت أبا ذرّ بالنعت فإذا شيخ معروف آدم عليه حلة قطرية فذهبت حتى قمت إلى جنبه وهو يصلى فسلمت عليه فلم يردّ علىّ ثم صلى صلاة أتمها وأحسنها فلما فرغ ردّ علىّ قلت أنت أبو ذرّ قال إن أهلى ليزعمون ذلك قال كنت كافرا فهدانى الله للإسلام وأهمني دينى وكنت أعزب عن الماء ومعى أهلى فتصيبنا الجنابة فوقع ذلك في نفسى قال هل تعرف أبا ذرّ قلت نعم قال فإني اجتويت المدينة "الحديث"
(قوله بذود) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو ما بين الثلاث إلى العشر لا واحد له من لفظه (قال) ابن الأنبارى سمعت أبا العباس يقول ما بين الثلاث إلى العشر ذود اهـ والذود مؤنثة لأنهم قالوا ليس في أقل من خمس ذود صدقة والجمع أذواد مثل ثوب وأثواب
(قوله وبغنم) أى أمر له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بإبل وغنم من الصدقة كما صرّح به في رواية مسدّد السابقة
(قوله وأشك في أبوالها) أى هل قالها أيوب والشاك حماد بن سلمة كما صرّح به في بعض النسخ. وسيأتي أنه لم يثبت الأمر بشرب أبوال الإبل إلا في حديث أنس في قصة العرنيين (وبه احتج) من قال بطهارة أبوال الإبل وقاس عليها كل ما يؤكل لحمه وهو قول مالك وأحمد وطائفة من السلف (وقال) أبو حنيفة والشافعى والجمهور بنجاسة الأبوال والأرواث جميعها من مأكول اللحم وغيره مستدلين بعموم حديث استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه رواه الدارقطنى والحاكم وابن خزيمة وصححاه عن أبى هريرة لأنه ظاهر في تناول جميع الأبوال فيلزم اجتنابها لهذا الوعيد (وأجابوا) عن حديث أنس بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما أذن بشرب الأبوال للتداوى لعلمه من طريق الوحى بأن فيه الشفاء لمن أذن له
(قوله فكنت أعزب عن الماء) أى أبعد عنه يقال عزب الشئ عزوبا من باب قعد وعزب من بابى قتل وضرب غاب وخفى فهو عازب
(قوله فأصلى بغير طهور) أى بلا اغتسال من الجنابة فلا ينافى أنه كان يتيمم كما تقدم التصريح به في رواية أحمد
(قوله بنصف النهار) أى في نصفه فالباء بمعنى في
(قوله وهو
стр. 852
في رهط) الجملة حالية والرهط بسكون الهاء وفتحها لغة ما دون عشرة من الرجال ليس فيهم امرأة وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه وقيل الرهط من سبعة إلى عشرة وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر (وقال) أبو زيد الرهط والنفر ما دون العشرة من الرجال (وقال) ابن السكيت الرهط والعشيرة بمعنى ويقال الرهط ما فوق العشرة إلى الأربعين ورهط الرجل قومه وقبيلته الأقربون أهـ مصباح
(قوله أبو ذرّ) أى هذا أبو ذرّ أو أنت أبو ذرّ
(قوله يتخضخض) بالخاء والضاد المعجمتين المكرّرتين أى يتحرّك ماؤه يقال خضخضت دلوى في الماء خضخضة حركته وتخضخض الماء تحرّك
(قوله إن الصعيد الطيب إلخ) فيه دليل على أن الحاضر والمسافر متساويان في جواز التيمم عند عدم القدرة على استعمال الماء وإن طالت مدّة العجز لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يخص موضعا دون موضع بجواز التيمم بل أطلق
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والنسائى والدارقطني والبيهقى وابن حبان في صحيحه (ولا يلتفت) إلى تضعيف ابن القطان له بالاختلاف في سنده قال في كتابه الوهم والإيهام هذا حديث ضعيف بلا شك إذ لا بدّ فيه من عمرو بن بجدان وهو لا يعرف له حال وإنما روى عنه أبو قلابة واختلف عليه فقال خالد الحذاء عنه عن عمرو بن بجدان ولم يختلف على خالد في ذلك أما أيوب فإنه رواه عن أبى قلابة واختلف عليه فمنهم من يقول عنه عن أبي قلابة عن رجل من بنى قلابة ومنهم من يقول عن رجل فقط ومنهم من يقول عن عمرو بن بجدان كقول خالد ومنهم من يقول عن أبى المهلب ومنهم من لا يجعل بينهما أحدا فيجعله عن أبى قلابة عن أبى ذرّ ومنهم من يقول عن أبى قلابة أن رجلا من بنى قسير قال يا نبى الله هذا كله اختلاف على أيوب في روايته عن أبى قلابة وجميع هذه الروايات ذكرها الدارقطنى في سننه وعللها اهـ (فقد ردّ) عليه الشيخ تقىّ الدين قال ومن العجب كون ابن القطان لم يكتف بتصحيح الترمذى في معرفة حال عمرو بن بجدان مع تفرّده بالحديث وهو قد نقل كلامه هذا حديث حسن صحيح وأىّ فرق بين أن يقول هو ثقة أو يصحح له حديثا انفرد به وإن كان قد توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة فليس هذا بمقتضى مذهبه فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضى تعديله وهو تصحيح الترمذى. وأما الاختلاف الذى ذكره من كتاب الدارقطنى فينبغى على طريقته وطريقة الفقه أن ينظر في ذلك إذ لا تعارض بين قولنا عن رجل وبين قولنا عن رجل من بنى عامر وبين قولنا عن عمرو بن بجدان وأما من أسقط هذا الرجل فيأخذ بالزيادة ويحكم بها وأما من قال عن أبي المهلب فإن كانت كنية لعمرو فلا اختلاف وإلا فهى رواية واحدة مخالفة احتمالا لا يقينا وأما من قال إن رجلا من بني قسير قال يا نبى الله فهى مخالفة فكان يجب أن ينظر في إسنادها على طريقته فإن لم يكن ثابتا لم يعلل بها
стр. 853
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ لَمْ يَذْكُرْ أَبْوَالَهَا في هذا الحديث» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَيْسَ فِي أَبْوَالِهَا إِلَّا حَدِيثُ أَنَسٍ تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ»
(ش) أى روى هذا الحديث حماد بن زيد عن أيوب السختيانى ولم يذكر في روايته أبوالها وذكر الأبوال في هذا الحديث ليس بصحيح ولم يرد في شرب أبوال الإبل إلا حديث أنس وهو ما رواه الستة من حديث أنس أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة فرخص لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها فشربوا حتى صلحت أبدانهم فقتلوا الراعي واستاقوا الذود فأرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في طلبهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وتركهم بالحرّة يعضون الحجارة (وحاصل) ما أشار إليه المصنف أن حماد بن سلمة وحماد بن زيد رويا الحديث السابق عن أيوب السختيانى فأما حماد بن سلمة فذكر لفظ أبوالها بطريق الشك وأما حماد بن زيد فلم يذكره مطلقا فترك حماد بن زيد لفظ أبوالها دليل على أن ذكر هذا اللفظ غير صحيح لأن اليقين قاض على الشك
(قوله تفرّد به أهل البصرة) أى تفرّد برواية حديث أيوب أهل البصرة فإن كل سنده من موسى بن إسماعيل إلى رجل من بنى عامر بصريون. وغرض المصنف بهذا بيان أن من لطائف هذا السند كون رجاله كلهم بصريين
(باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم)
وفي نسخة باب إذا خاف الجنب البرد تيمم
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصي قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ » فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ
стр. 854
وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا
(ش) (رجال الحديث)
(قوله ابن المثنى) هو محمد
(قوله حدثنا أبى) هو جرير في حازم
(قوله عمران بن أبى أنس) المصرى قيل اسم أبيه عبد العزيز بن شرحبيل بن حسنة العامرى ويقال مولى أبى خراش السلمى. روى عن أبى هريرة وسهل بن سعد وعبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى وعروة بن الزبير وكثيرين. وعنه ابن إسحاق والليث بن سعد ويونس بن يزيد والوليد بن أبى الوليد وغيرهم. وثقه أحمد وأبو حاتم وابن إسحاق وابن معين والنسائى والعجلى وابن حبان توفى بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة، روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى
(قوله عبد الرحمن بن جبير المصرى) الفقيه الفرضى المؤذن العامرى مولى خارجة بن حذافة. روى عن ابن عمرو وعقبة بن عامر وأبى الدرداء وعمرو بن العاصي وغيرهم. وعنه كعب بن علقمة وعمران بن أبى أنس وعقبة بن مسلم ويزيد بن أبى حبيب وآخرون. وثقه النسائى ويعقوب ابن سفيان وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن يونس كان فقيها عالما بالقراءة. توفى سنة سبع أو ثمان وتسعين. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله احتلمت) أى أصابتنى جنابة (قال) السيوطى يردّ بهذا على من يقول من الصوفية إذا احتلم المريد أدبه الشيخ فلا أحد أتقى وأصلح ولا أورع من الصحابة وقد ذكر هذا لسيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يقل له شيئا وما عصم من الاحتلام إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اهـ
(قوله في غزوة ذات السلاسل) بفتح السين المهملة الأولى على المشهور وقيل بضمها كانت بموضع وراء وادى القرى بينه وبين المدينة عشرة أميال. سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم ببعض خشية أن يفرّوا وقيل سميت بماء بأرض جذام يقال له السلسل وكانت هذه الغزوة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة (وحاصل) قصتها أن جمعا من قضاعة تجمعوا وأرادوا الدنوّ من أطراف المدينة فدعا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عمرو بن العاصى وأرسله في ثلثمائة فلما قرب منهم بلغه أن لهم جمعا كثيرا فبعث إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستمدّه فبعث إليه أبا عبيدة ابن الجرّاح في مائتين فيهم أبو بكر وعمر فحمل عليهم المسلمون فهربوا وتفرقوا "وقد أشار" إلى هذه القصة الشيخان في حديث عن أبى عثمان النهدى قال بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عمرو بن العاصى على جيش ذات السلاسل قال فأتيته فقلت أىّ الناس أحب إليك قال عائشة قلت ومن الرجال قال أبوها قلت ثم من قال عمر فعدّ رجلا فسكتّ مخافة أن يجعلني في آخرهم
стр. 855
(قوله
(ص) فأشفقت) من الإشفاق يقال أشفقت أشفق إشفاقا وشفقت أشفق شفقا من بابي ضرب وعلم أى خفت
(قوله إن اغتسلت أن أهلك) وفي نسخة أن أغتسل فأهلك بكسر اللام من باب ضرب أى أموت من شدّة البرد
(قوله ولا تقتلوا أنفسكم) أى بارتكاب ما يؤدّى إلى هلاكها في الدنيا والآخرة كزنا المحصن وقتل النفس بغير حق
(قوله إن الله كان بكم رحيما) حيث أرشدكم إلى ما فيه صلاحكم في الدنيا والآخرة (وبهذا) الحديث احتج من قال بجواز التيمم للمسافر الذى يخاف البرد وإن كان واجدا للماء وهو قول الجمهور ويلحق به المقيم لوجود العجز حقيقة ولا إعادة عليه (وعند) الشافعى إذا خاف على نفسه التلف من شدّة البرد تيمم وصلى وأعاد كل صلاة صلاها (وقال) عطاء والحسن يغتسل وإن مات وهو مقتضى قول ابن مسعود لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا. ويردّه الحديث وقوله تعالى "وما جعل عليكم في الدين من حرج"
(فقه الحديث) دلّ الحديث على وقوع الاجتهاد في زمن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعلى طلب رفع ما يشكل إلى الرئيس للوقوف على الحقيقة، وعلى أنه يطلب ممن رفعت إليه دعوى أن يسأل المدّعي عليه ولا يكتفى بدعوى الخصم، وعلى مشروعية دفاع المدّعي عليه بما يصلح دليلا مسوغا لما فعله، وعلى أنه يطلب من الحاكم أن يظهر قبول ما أبداه المدّعي عليه من الأدلة إذا كان حقا، وعلى أن سكوت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إقرار فيكون دليلا على الحكم، وعلى أنه يباح التيمم لعدم إمكان استعمال الماء وهو الفقد الحكمى كما يباح للفقد الحقيقي وهو يتحقق عند أبى حنيفة يبعد الماء قدر ميل وهو خمسة وخمسون وثمانمائة وألف متر. أما الفقد الحكمى فسببه المرض أو البرد الشديد أو خوف عدوّ أو عطش أو فقد آلة وكذا خوف خروج الوقت ولو الاختيارى عند مالك فيتيمم المحدث مطلقا لمرض خاف حصوله أو زيادته أو بطء برئه باستعمال الماء ولخوفه من البرد تلفا أو مرضا إن تطهر بالماء بشرط أن لا يقدر الجنب على تسخين الماء أو أجرة حمام ولم يجد ثوبا يدفئه ولا مكانا يأويه (قال) ابن رسلان لا يتيمم لشدّة. البرد من أمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على وجه يأمن مشقة الضرر كأن يغسل عضوا ويستره وكلما غسل عضوا ستره ودفأه من البرد فإن قدر على ذلك لزمه وإلا تيمم وصلى وهو قول أكثر العماء. اهـ ويتيمم لخوف عدوّ حال بينه وبين الماء إنسانا كان العدو أو غيره وسواء أخاف على نفسه أم ماله ولو وديعة. وقدّر عند أبى حنيفة بدرهم وعند مالك بما يزيد على ثمن ماء الطهارة لو اشتراه ويتيمم لخوف عطش ولو مآلا على نفسه أو حيوان محترم ولو كلبا غير عقور عند أبى حنيفة (واشترط) مالك أن يكون مأذونا في اتخاذه لحراسة أو صيد ويتيمم لفقد آلة طاهرة يستخرج بها الماء. ودلّ الحديث على أن من صلى بالتيمم بوجه جائز لا يعيد صلاته إذا قدر على استعمال الماء بعد ذلك وهو حجة على من يقول
стр. 856
بالإعادة لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يأمر سيدنا عمرا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بالإعادة وعلى جواز اقتداء المتوضئ بالمتيمم، وعلى أن التيمم لا يرفع الحدث لقول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له صليت بأصحابك وأنت جنب، وعلى أن التمسك بالعمومات حجة صحيحة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الحاكم وابن حبان والبيهقي وحسنه المنذرى وعلقه البخارى بلفظ ويذكر أن عمرو بن العاصى أجنب في ليلة باردة فتيمم وتلا "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما" فذكر للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يعنفه
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ مِصْرِيٌّ مَوْلَى خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ، وَلَيْسَ هُوَ ابْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ
(ش) ساق المصنف هذا لبيان أن عبد الرحمن بن جبير المصرى ليس هو ابن جبير بن نفير دفعا لتوهم أنهما واحد.
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصي، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصي كَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ. قَالَ: «فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله ابن وهب) هو عبد الله. و (ابن لهيعة) عبد الله
(قوله عن أبى قيس) اسمه عبد الرحمن بن ثابت. روى عن عمرو وعبد الله بن عمرو وأم سلمة وعنه ابنه عروة بن أبى قيس وعبد الرحمن بن جبير المصرى وبشر بن سعيد وعلى بن رباح ويزيد ابن أبى حبيب. يقال إنه رأى أبا بكر الصديق وكان أحد فقهاء الموالى الذين أدركهم يزيد بن أبى حبيب وذكره ابن حبان في الثقات وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين وقال العجلى تابعى ثقة. مات سنة أربع وخمسين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان على سرية) بفتح فكسر فياء مشددة وهى طائفة من الجيش
يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدوّ فعيلة بمعنى فاعلة لأنها تسرى في خفية والجمع سرايا وسريات مثل عطية وعطايا وعطيات. وهذه السرية هى جيش غزوة ذات السلاسل المتقدمة
(قوله وذكر الحديث نحوه) أى ذكر أبو قيس نحو الحديث السابق ولفظه كما في الحاكم أن
стр. 857
عمرو بن العاصى كان على سرية وأنهم أصابهم برد شديد لم ير مثله فقال والله لقد احتلمت البارحة ولكنى والله ما رأيت بردا مثل هذا هل مرّ على وجوهكم مثله قالوا لا فغسل مغابنه إلخ ونحوه في البيهقى
(قوله قال فغسل مغابنه) أى قال أبو قيس فغسل عمرو بن العاصى مغابنه بالغين المعجمة وهي أصول الآباط والأفحاذ وغيرهما من مطاوى الأعضاء وما يجتمع فيه الوسخ والعرق (وقال) ابن الأثير المغابن جمع مغبن وزان مسجد من غبن الثوب إذا ثناه وعطفه وهى معاطف الجلد اهـ
(قوله فذكر نحوه) ولفظه كما في الحاكم والبيهقي فلما قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كيف وجدتم عمرا في صحابته لكم فأثنوا عليه خيرا وقالوا يا رسول الله صلى بنا وهو جنب فأرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى عمرو فسأله فأخبره بذلك وبالذى لقى من البرد فقال يا رسول الله إن الله تعالى قال "ولا تقتلوا أنفسكم" ولو اغتسلت متّ فضحك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى عمرو
(قوله ولم يذكر التيمم) أى لم يذكر كل من ابن لهيعة وعمرو بن الحارث في حديثهما تيمم عمرو بن العاصى الذى ذكره محمد بن المثنى في روايته فظاهره يوهم أن عمرو بن العاصى صلى بهم بعد غسل المغابن والوضوء بلا تيمم لكن قد أخرج أحمد الحديث من طريق ابن لهيعة قال حدثنا حسن بن موسى قال حدثنا ابن لهيعة قال ثنا يزيد بن أبى حبيب الخ السند ولم يذكر أبا قيس ولا فغسل مغابنه الخ وذكر التيمم كما في رواية يحيى بن أيوب (قال) البيهقى بعد ذكره الحديثين كما ذكرهما المصنف يحتمل أن يكون "يعنى عمرو بن العاصى" قد فعل ما نقل في الروايتين جميعا غسل ما قدر على غسله وتيمم للباقى اهـ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى والدارقطني والحاكم وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه والذى عندى أنهما عللاه بحديث جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب "يعنى الرواية السابقة" ثم قال حديث جرير بن حازم هذا لا يعلل حديث عمرو بن الحارث الذى وصله بذكر أبى قيس فإن أهل مصر أعرف بحديثهم من أهل البصرة
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيت هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ فِيهِ: «فَتَيَمَّمَ»
(ش) أى رويت قصة عمرو بن العاصى المأخوذة من حديثى الباب عن عبد الرحمن الأوزاعي عن حسان بن عطية وفيها ذكر التيمم بعد قوله فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة وهذه الرواية لم نقف عليها في كتب الحديث. وساقها المصنف لتقوية ما في الحديث الأول من أن سيدنا عمرو بن العاصى تيمم من الجنابة بخلاف ما دلّ عليه الحديث الثانى من اقتصاره على
стр. 858
غسل المعاطف والوضوء وقد تقدم عن البيهقى احتمال أن يكون فعل ما في الروايتين جميعا غسل ما قدر على غسله وتيمم للباقى (قال) في النيل وله شاهد من حديث ابن عباس ومن حديث أبى أمامة عند الطبرانى اهـ (وحاصل) ما أشار إليه المصنف أن أصحاب يزيد بن أبى حبيب اختلفوا في الرواية عليه فيحيى بن أيوب روى عنه بلا ذكر واسطة بين عبد الرحمن بن جبير وعمرو بن العاصى وذكر في روايته التيمم ولم يذكر غسل المعاطف والوضوء. وعبد الله بن لهيعة وعمرو بن الحارث روياه عن يزيد بن أبى حبيب بذكر أبى قيس عبد الرحمن بن ثابت في السند بين عبد الرحمن ابن جبير وعمرو بن العاصى وذكرا أنه غسل معاطفه وتوضأ وضوءه للصلاة ولم يذكرا أنه تيمم ولكن الأوزاعى روى القصة عن حسان بن عطية وذكر التيمم بعد غسلل المعاطف والوضوء وقد علمت أن الإمام أحمد روى الحديث في مسنده من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب كما رواه عنه يحيى بن أيوب وتقدم عن الحاكم ترجيح حديث عمرو بن الحارث لأنه وصله بذكر أبى قيس في سنده. و (حسان بن عطية) هو الشامى الفقيه أبو بكر المحاربى مولاهم روى عن عنبسة بن سفيان وسعيد بن المسيب والقاسم بن مخيمرة وأبى أمامة وخالد بن معدان وغيرهم. وعنه عبد الرحمن بن ثابت والوليد بن مسلم وأبو غسان المدنى والأوزاعى وآخرون وثقه ابن معين وابن حنبل والعجلى وذكره ابن حبان في الثقات وقال البخارى كان من أفاضل أهل زمانه وقال الجوزجانى كان ممن يتوهم عليه القدر وقال سعيد بن عبد العزيز هو قدريّ فبلغ ذلك الأوزاعى فقال ما أغرّ سعيدا بالله ما أدركت أحدا أشدّ اجتهادا ولا أعمل منه وقال الذهبى بقى إلى قريب الثلاثين والمائة وذكره البخارى في الأوسط في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(باب في المجروح يتيم م)
أى في بيان مشروعية التيمم للجروح. وفي بعض النسخ في المعذور يتيمم. وفي بعضها المجدور يتيمم. والمطابقة بين الترجمة والحديث على هذه النسخة بقياس الجدرى على الشج. والمجدور الذى به جدرىّ (قال) الجوهرى الجدرى بضم الجيم وفتح الدال والجدرى بفتحهما لغتان تقول منه جدّر الرجل فهو مجدّر بالتشديد. والجدرى الحبيبات التى تظهر في جلد الصبيان قدر العدسة ونحوها (وفى المصباح) الجدرى بفتح الجيم وضمها وأما الدال فمفتوحة فيهما قروح تنفط عن الجلد ممتلئة ماء ثم تنفتح وصاحبها جدير مجدّر ويقال أول من عذّب به قوم فرعون اهـ وقد يظهر في جسد الكبير فيشتد ألمه منه
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْطَاكِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ
стр. 859
خُرَيْقٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ» يَعْصِبَ «شَكَّ مُوسَى - علَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَيْهَا وَيَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي) بن زياد الحلبى أبو سعيد روى عن زيد بن الحباب ومعتمر بن سليمان ومحمد بن سلمة وعطاء بن مسلم وآخرين. وعنه أبو داود والنسائى وعبد الله بن محمد وإبراهيم بن عبد الله بن الجنيد. قال النسائى لا بأس به وقال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه مسلمة بن قاسم
(قوله الزبير بن خريق) بضم الخاء المعجمة مولى بنى قشير الجزرى. روى عن أبى أمامة وعطاء. وعنه محمد بن سلمة وعروة بن دينار. وثقه ابن حبان وقال الدارقطني ليس بالقوى وهو قليل الحديث. روى له أبو داود و (عطاء) بن أبى رباح. و (جابر) بن عبد الله الأنصارى
(معنى الحديث)
(قوله في سفر) في محل نصب حال أى خرجنا مسافرين. ويحتمل أن في تعليلية أى خرجنا لإرادة سفر
(قوله فشجه في رأسه) أى جرحه فيها من شجه يشجه شجا من باب نصر فهو مشجوج وشجيج وأصل الشج خاص بالرأس وهو أن يضربه بشئ يجرحه فيه ويشقه ثم استعمل في غيره من الأعضاء (وفى المصباح) الشجة الجراحة وإنما تسمى بذلك إذا كانت في الوجه أو الرأس والجمع شجاج مثل ظبية وظباء وشجات أيضا على لفظها وشجه شجا من باب قتل على القياس وفى لغة من باب ضرب إذا شق جلده اهـ ملخصا
(قوله ثم احتلم الخ) أى أصابته جنابة وخاف لو اغتسل أن يصيب الماء الجرح فيضرّه فسأل من معه بقوله هل تعلمون حكما سهلا يبيح لى التيمم مع وجود الماء لما بى من جرح فقالوا لا نعلم لك رخصة معتقدين أن المراد من قوله تعالى "فلم تجدوا ماء" فقد الماء حقيقة ولم يعلموا أن العاجز عن استعماله لنحو مرض فاقد له حكما
(قوله قتلوه) أسند القتل إليهم لأنهم سبب فيه
(قوله قتلهم الله) قال ذلك زجرا وتهديدا لهم لا قصدا للحقيقة (وفيه) دلالة على أنه لا قود ولا دية على من أفتى ولو بغير حقّ ولو ترتب
стр. 860
على فتواه موت
(قوله ألا) بفتح الهمزة وتشديد اللام حرف تحضيض وهو الحثّ على فعل الشئ وتختص بالجمل الفعلية الخبرية كسائر أدوات التحضيض
(قوله فإنما شفاء العىّ السؤال) أى لا شفاء لداء الجهل إلا التعلم وسؤال أهل الذكر. وعابهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الإفتاء بغير علم ودعا عليهم لتقصيرهم في التأمل في قوله تعالى "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج" والعيّ بكسر العين المهملة وتشديد المثناة التحتية في الأصل العجز عن النطق والمراد به الجهل يقال عييّ بالأمر وعن حجته يعيا من باب تعب عيا عجز عنه وقد يدغم الماضى فيقال عيّ فالرجل عيّ وعييّ على فعل وفعيل وعيى بالأمر لم يهتد لوجهه وأعياني كذا بالألف تعبنى فأعييت يستعمل لازما ومتعديا اهـ مصباح
(قوله ويعصر الخ) بمعنى يعصب أى يشدّ على جرحه بضم الجيم متعلق بقوله يعصر وقوله شك موسى أى ابن عبد الرحمن معترض بينهما ثم يمسح على الخرقة بالماء ويغسل باقى جسده الذى لا يضرّه الغسل
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن المطلوب الرجوع في المهمات إلى الرئيس، وعلى ذمّ الفتوى بغير علم وأنها إثم كبير يستحق مرتكبها أن يدعي عليه بالقتل، وعلى أن طلب العلم فيه الشفاء من الجهل، وعلى أنه لا قود ولا دية على المفتي وإن أفتى بغير الحق، وعلى أن صاحب الخطأ الواضح غير معذور لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عابهم على الإفتاء بغير علم ودعا عليهم، وعلى مشروعية التيمم لمن يخاف باستعماله الماء ضررا، وعلى جواز المسح على الجراحة بعد العصب عليها (قال) الخطابي فيه من الفقه أنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر بدنه بالماء ولم ير أحد الأمرين كافيا دون الآخر (وقال) أصحاب الرأى إن كان أقل أعضائه مجروحا جمع بين الماء والتيمم وإن كان الأكثر كفاه التيمم وحده. وعلى قول الشافعى لا يجزئه في الصحيح من بدنه قل أو كثر إلا الغسل اهـ (قال) العينى أراد بأصحاب الرأى أصحاب أبى حنيفة لكن مذهبهم ليس كما نقله الخطابى بل المذهب أن الرجل إذا كان أكثر بدنه صحيحا وفيه جراحات فإنه يغسل الصحيح ولا يتيمم بل يمسح على الجبائر وإن كان أكثر بدنه جريحا فإنه يتيمم فقط ولا يغسل الصحيح وما نقل عن أصحابنا أنهم جمعوا بين الماء والتراب، والجواب عما في الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أمر أن يجمع بين الغسل والتيمم وإنما بين أن الجنب المجروح له أن يتيمم ويمسح على الجراحة ويغسل سائر جسده فيحمل قوله يتيمم ويمسح على ما إذا كان أكثر بدنه جريحا ويحمل قوله ويغسل سائر جسده على ما إذا كان أكثر بدنه صحيحا ويمسح على الجراحة على أن الحديث معلل لأن فيه الزبير بن خريق قال الدارقطني ليس بقوى وقال البيهقي ليس هذا الحديث بالقوى اهـ (وحاصل) المسألة أن من خاف التلف من استعمال الماء جاز له التميمم بلا خلاف. فإن خاف الزيادة في المرض أو تأخير البرء جاز له عند أبى حنيفة ومالك أن يتيمم
стр. 861
ويصلى بلا إعادة. وهو الراجح من مذهب الشافعى. ومن كان بعضو من أعضائه جرح أو كسر أو قرح وألصق عليه جبيرة وخاف من تركها التلف فعند الشافعى يمسح على الجبيرة ويتيمم ولا يقضي على الراجح إن وضع الجبيرة على طهر (وقال) أبو حنيفة ومالك إذا كان بعض جسده جريحا أو قريحا وبعضه صحيحا فإن كان الأكثر صحيحا غسله ومسح على الجرح وإن كان الأكثر جريحا تيمم ويسقط الغسل (وقال) أحمد يغسل الصحيح ويتيمم للجريح (وقال) الشوكانى في النيل الحديث يدلّ على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر، وقد ذهب إلى ذلك العترة ومالك وأبو حنيفة والشافعى في أحد قوليه (وذهب) أحمد والشافعى في أحد قوليه إلى عدم جواز التيمم لخشية الضرر قالوا لأنه واجد، والحديث وقوله تعالى "وإن كنتم مرضى" الآية يردّان عليهما ويدلّ الحديث أيضا على وجوب المسح على الجبائر ومثله حديث علىّ قال أمرني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن أمسح على الجبائر أخرجه ابن ماجه واتفق الحفاظ على ضعفه (وقد ذهب) إلى وجوب المسح على الجبائر المؤيد بالله والهادى في أحد قوليه (وروى) عن أبى حنيفة والفقهاء السبعة فمن بعدهم وبه قال الشافعى لكن بشرط أن توضع على طهر وأن لا يكون تحتها من الصحيح إلا ما لا بدّ منه. والمسح المذكور عندهم يكون بالماء لا بالتراب اهـ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارقطنى وصححه ابن السكن وقد تفرّد به الزبير بن خريق وليس بالقوى وخالفه الأوزاعى فرواه عن عطاء عن ابن عباس وهو الصواب ورواه البيهقي من عدّة طرق وضعفه وقال لا يثبت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في هذا الباب شئ "يعنى باب المسح على العصائب والجبائر" ولكن صح عن ابن عمر فعله (وعلى الجملة) فرواية الجمع بين التيمم والغسل ما رواها غير الزبير بن خريق وهو مع كونه غير قوى في الحديث قد خالف سائر من روى عن عطاء فرواية الجمع بين التيمم والغسل رواية ضعيفة لا تثبت بها الأحكام وقد رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث الوليد بن عبيد بن أبى رباح عن عمه عطاء ابن أبى رباح عن ابن عباس مرفوعا والوليد بن عبيد ضعفه الدارقطنى وقواه من صحح حديثه
(ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَصَابَ رَجُلًا جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ»
стр. 862
(ش) (رجال الحديث)
(قوله نصر بن عاصم) روى عن الوليد بن مسلم ومبشر ابن إسماعيل ويحيى القطان ومحمد بن شعيب وغيرهم. وعنه أبو داود وابن ماجه وجعفر بن محمد الفريابى وآخرون. وثقه ابن حبان وذكره ابن وضاح في مشايخه وقال فيه شيخ وذكره العقيلي في الضعفاء. و (الأنطاكي) نسبة إلى أنطاكية بفتح فسكون وبمثناة تحتية مخففة ثغر كبير بالشام
(قوله محمد بن شعيب) بن شابور الدمشقى أبو عبد الله الأموى مولى الوليد بن عبد الملك روى عن يحيى بن الحارث والأوزاعي وعبد الله بن العلاء وخالد بن دهقان وكثيرين. وعنه الوليد بن مسلم وهو من أقرانه وسليمان بن عبد الرحمن وابن المبارك وإسحاق بن إبراهيم وجماعة وثقه ابن المبارك ودحيم وابن عدى وابن حبان والعجلى وابن عمار وقال الذهبى ما علمت به بأسا وقال ابن معين كان مرجئا وليس به في الحديث بأس. ولد سنة ست عشرة ومائة. قيل مات سنة مائتين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله ثم احتلم فأمر الخ) بالبناء للمفعول أى أمره أصحابه بالغسل حين سألهم كما في الحديث السابق
(قوله ألم يكن شفاء العيّ السؤال) أى لم لم يسألوا حين لم يعلموا فشفاء الجهل السؤال
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقى والدارامي وابن ماجه اختلف في أن الأوزاعي سمع هذا الحديث من عطاء فحكى عن أبى زرعة وأبى حاتم أنه لم يسمعه منه وإنما سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء كما بين ذلك ابن أبى العشرين في روايته عن الأوزاعى لكن رواه الحاكم من طريق بشر بن بكر قال ثنا الأوزاعي ثنا عطاء بن أبى رباح أنه سمع عبد الله بن عباس يخبر أن رجلا أصابه جرح على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم أصابه احتلام فاغتسل فمات "الحديث" قال الحاكم بشر بن بكر ثقة مأمون وقد أقام إسناده وهو صحيح على شرط الشيخين اهـ (وقال) الدارقطني اختلف فيه على الأوزاعي والصواب أن الأوزاعي أرسل آخره عن عطاء عن النبي صلى الله تعالى عليه على آله وسلم وهو الصواب وقال ابن أبى حاتم سألت أبى وأبا زرعة عنه فقالا رواه ابن أبي العشرين عن الأوزاعي عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس وأسند الحديث اهـ (أقول) يحتمل أن الأوزاعى روى الحديث عن عطاء بواسطة وبغير واسطة (وقال) الحافظ في التلخيص نقل ابن السكن عن ابن أبى داود أن حديث الزبير بن خريق أصح من حديث الأوزاعي وهذا أمثل ما ورد في المسح على الجبيرة ولم يقع في رواية عطاء هذه عن ابن عباس ذكر للتيمم فيه فثبت أن الزبير بن خريق تفرّد بسياقه لكن روى
стр. 863
ابن خزيمة والحاكم وابن حبان من حديث الوليد بن عبد الله بن أبى رباح عن عمه عطاء عن ابن عباس أن رجلا أجنب في شتاء فأمر بالغسل فمات فذكر ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال ما لهم قتلوه قتلهم الله ثلاثا قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهورا، والوليد بن عبيد الله ضعفه الدارقطني وقوّاه من صحح حديثه هذا اهـ ملخصا (قال) النووي في مجموعه وهو "يعنى حديث الباب" ضعيف اتفاقا كخبر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر عليا بالمسح على الجبائر اهـ وقول غيره إن رجاله ثقات مع مخالفته للجمهور مدفوع بأن الجرح مقدّم (قال) في المرقاة "دعوى" ابن حجر في شرحه على المصابيح بأنه يجمع بينهما بأن له طريقا أخرى صحيحة "غير صحيحة" للاحتياج إلى بيانها وعدم الاكتفاء باحتمالها. وقوله ومن ثمّ سكت أبو داود عليه مردود لأن سكوته لا يقاوم تصريح غيره بالتضعيف اهـ
(باب المتيمم يجد الماء بعد ما يصلى في الوقت)
أى المتيمم الذى صلى بالتيمم ثم وجد الماء بعد فراغه من الصلاة وقيل خروج الوقت هل يعيد الصلاة وفي نسخة باب المتيمم يجد الماء بعد ما صلى في الوقت
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَسَيَّبِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ». وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: «لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الله بن نافع) بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوّام الأسدى القرشي أبو بكر المدني. روى عن مالك بن أنس وعبد الله بن مصعب وعبد الله بن محمد ابن يحيى وعبد العزيز بن أبى حازم وغيرهم. وعنه ابنه أحمد ومحمد بن إسحاق المسيبى وعباس الدورى وهارون الحمال وطائفة. قال ابن معين صدوق وليس به بأس وقال البخارى أحاديثه معروفة وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو بكر البزار وأحمد بن صالح ثقة. مات في المحرّم سنة ست عشرة ومائتين. روى له مسلم وأبو داود وابن ماجه
(قوله بكر بن سوادة) بن ثمامة الجذامى
стр. 864
أبو ثمامة البصرى. روى عن عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن جبير وسهل بن سعد وعطاء بن يسار وآخرين. وعنه عمرو بن الحارث وجعفر بن ربيعة والليث بن سعد وعبد الرحمن ابن زياد وغيرهم. قال ابن سعد وابن معين والنسائى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات من التابعين ثم أعاده في أتباعهم فقال يخطئُ وقال ابن يونس كان فقيها مفتيا، توفى سنة ثمان وعشرين ومائة روى له الجماعة إلا البخارى
(معنى الحديث)
(قوله فتيمما صعيدا طيبا) أى قصداه على الوجه المخصوص فالمراد بالتيمم المعنى الشرعي
(قوله ثم وجدا الماء في الوقت) فيه ردّ على من تأول الحديث بأنهما وجدا الماء بعد الوقت
(قوله فأعاد أحدهما الخ) إما ظنا بأن الأولى باطلة وإما احتياطا ولم يعد الآخر لاعتقاده أن تلك الصلاة صحيحة
(قوله أصبت السنة) أى صادفت الشريعة الواجبة الثابتة بالكتاب والسنة. وفي هذا تصويب لاجتهاده وتخطئة لاجتهاد الآخر وفيه أن الخطأ في الاجتهاد المستوفى للشروط لا ينافى الأجر على العمل المبنىّ عليه والظاهر ثبوت الأجر له ولمن قلده على وجه يصح
(قوله أجزأتك صلاتك) أى كفتك عن القضاء وهو من عطف اللازم على الملزوم
(قوله لك الأجر مرتين) مرّة لصلاته الأولى ومرّة لصلاته الثانية فإن كلا منهما صحيحة يترتب عليها مثوبة وإن كانت إحداهما فرضا والأخرى نفلا والله لا يضيع أجر من أحسن عملا وفيه إشارة إلى أن العمل بالأحوط أفضل لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (قال) الخطابى في هذا الحديث من الفقه أن السنة تعجيل الصلاة للمتيمم في أول وقتها كهو للمتطهر بالماء (وقد) اختلف الناس في هذه المسألة فروى عن ابن عمر أنه قال يتيمم ما بينه وبين آخر الوقت وبه قال عطاء وأبو حنيفة وسفيان وهو قول أحمد بن حنبل وإلى نحو ذلك ذهب مالك إلا أنه قال إن كان في موضع لا يرجى فيه وجود الماء تيمم وصلى في أول وقت الصلاة (وعن) الزهرى لا يتيمم حتى يخاف ذهاب الوقت (واختلفوا) في الرجل يتيمم ويصلى ثم يجد الماء قبل خروج الوقت فقال عطاء وطاوس وابن سيرين ومكحول والزهرى يعيد الصلاة واستحبه الأوزاعي ولم يوجبه (وقالت) طائفة لا إعادة عليه روى ذلك عن ابن عمر وبه قال الشعبى وهو مذهب مالك وسفيان الثورى وأصحاب الرأى وإليه ذهب الشافعى وأحمد وإسحاق اهـ (قال) العينى قال الخطابى في هذا الحديث من الفقه أن السنة تعجيل الصلاة للمتيمم في أول وقتها كهو للمتطهر بالماء (قلت) لا نسلم ذلك لأن الحديث لا يدلّ على هذا اهـ (أقول) بل قوله فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما بفاء التعقيب يشهد لما قاله الخطابى (قال) في النيل. الحديث يدلّ على أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة لا تجب عليه الإعادة وإليه ذهب الأئمة الأربعة ويحيى (وقال) الهادى والناصر وطاوس وعطاء والقاسم بن محمد بن أبى بكر ومكحول
стр. 865
وابن سيرين والزهرى وربيعة كما حكاه المنذرى وغيره إنها تجب الإعادة مع بقاء الوقت لتوجه الخطاب مع بقائه لقوله تعالى "أقم الصلاة" مع قوله "إذا قمتم إلى الصلاة" فشرط في صحتها الوضوء وقد أمكن في وقتها ولقوله فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته "الحديث" وردّ بأنه لا يتوجه الطلب بعد قوله أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وإطلاق قوله فإذا وجد الماء مقيد بحديث الباب. ويؤيد القول بعدم وجوب الإعادة حديث "لا تصلوا صلاة في يوم مرّتين" عند أحمد وأبى داود والنسائى وابن حبان وصححه ابن السكن (ويجاب) عنه بأنهما عند القائل بوجوب الإعادة صلاة واحدة لأن الأولى قد فسدت بوجود الماء فلا يرد ذلك عليه "وما قيل" من تأويل الحديث بأنهما وجدا الماء بعد الوقت "فتعسف" يخالف ما صرّح به الحديث من أنهما وجدا ذلك في الوقت وأما إذا وجد الماء قيل الصلاة بعد التيمم فيجب الوضوء عند العترة والفقهاء (وقال) داود وأبو سلمة ابن عبد الرحمن لا يجب لقوله تعالى "ولا تبطلوا أعمالكم"، وأما إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها فإنه يجب عليه الخروج من الصلاة وإعادتها بالوضوء عند الهادى والناصر والمؤيد بالله وأبي طالب وأبى حنيفة والأوزاعى والثورى والمزنى وابن شريح (وقال) مالك وداود لا يجب عليه الخروج بل يحرم والصلاة صحيحة اهـ ما في النيل (وعلى الجملة) فالجمهور على أنه إذا رأى الماء بعد فراغه من الصلاة لا إعادة عليه وإن كان الوقت باقيا وأنه إذا وجد الماء بعد دخوله في الصلاة لا يقطعها (وقال) أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه إنه يبطل تيممه أما إذا تيمم ثم وجد الماء قبل دخول الصلاة فقد أجمعوا على بطلان تيممه هذا. وفي إعادة الصلاة التي أديت بالتيمم عند الشافعى تفصيل بينه النووى بقوله أما إعادة الصلاة التي يفعلها بالتيمم فذهبنا أنه لا يعيد إذا تيمم للمرض أو الجراحة أو نحوهما أما إذا تيمم للعجز عن الماء فإن كان في موضع يعدم فيه الماء غالبا كالسفر لم تجب الإعادة وإن كان في موضع لا يعدم فيه الماء إلا نادرا وجبت الإعادة على المذهب الصحيح وإذا رأى المتيمم لفقد الماء ماء وهو في الصلاة لم تبطل صلاته بل له أن يتمها إلا إذا كان ممن تلزمه الإعادة فإن صلاته تبطل برؤية الماء اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يسوغ الاجتهاد في زمنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتقدم الخلاف في ذلك، وعلى مشروعية التيمم عند فقد الماء، وعلى أن مرجع المهمات إلى الرئيس، وعلى أن المسئول يطلب منه إجابة السائل المستفهم، وعلى أن الله تعالى لا يضيع أجر العاملين، وعلى أن من صلى بالتيمم المشروع لا تجب عليه الإعادة إذا وجد الماء قبل خروج الوقت
(من أخرح الحديث أيضا) أخرجه البيهقى والدارمى والحاكم وقال هذا صحيح على شرط الشيخين فإن عبد الله بن نافع ثقة وأخرجه الدارقطني وقال تفرّد به ابن نافع عن الليث بهذا
стр. 866
الإسناد متصلا وخالفه ابن المبارك وغيره فلم يذكروا أبا سعيد، وأخرجه النسائي بلفظ إن رجلين تيمما وصليا ثم وجدا ماء في الوقت فتوضأ أحدهما وعاد لصلاته ما كان في الوقت ولم يعد الآخر فسألا النبى ﵌ فقال للذى لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وقال للآخر أما أنت فلك مثل سهم جمع اهـ أى سهم من الخير جمع يه أجر الصلاتين، وقوله ما كان في الوقت أى ما دام الرجل ثابتا في الوقت. وفي رواية البيهقى فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَغَيْرُ ابْنِ نَافِعٍ، يَرْوِيهِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُمَيْرَةَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَذِكْرُ أَبِى سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ»
(ش) أى روى غير عبد الله بن نافع وهو عبد الله بن المبارك ويحيى بن بكير الحديث عن الليث بن سعد بسنده إلى عطاء بن يسار مرسلا لم يذكرا أبا سعيد الخدرى، وغرض المصنف بهذا بيان أن أصحاب الليث اختلفوا عليه فعبد الله بن نافع روى الحديث عنه عن بكر بن سوادة غير مرسل منقطعا بإسقاط الواسطة بين الليث وبين بكر بن سوادة وهو عميرة بن أبى ناجية وعبد الله بن المبارك رواه عن الليث مرسلا بإسقاط أبى سعيد غير منقطع. وروايته أخرجها النسائى قال أخبرنا سويد بن نصر قال حدثنا عبد الله عن ليث بن سعد قال حدثني عميرة وغيره عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار أن رجلين وساق الحديث. وأخرجها الدارقطني مرسلة منقطعة قال حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسى أنبأبا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرازق عن عبد الله ابن المبارك عن ليث عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار أن رجلين أصابتهما جنابة فتيمما الخ ولم يذكر أبا سعيد، ويحيى بن بكير روى الحديث عن الليث بسنده مرسلا غير منقطع. وروايته أخرجها البيهقى والحاكم بسنده إلى يحيى قال حدثنا الليث عن عميرة بن أبى ناجية عن بكر ابن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وذكر نحو حديث الدارقطنى، لكن قول المصنف وذكر أبى سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ يردّه أن ابن السكن روى الحديث بسنده إلى أبى الوليد الطيالسى قال حدثنا الليث بن سعد عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبى ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء عن أبى سعيد أن رجلين خرجا في سفر "الحديث" فوصله ما بين الليث وبكر بعمرو بن الحارث الثقة وقرنه بعميرة وأسنده بذكر أبى سعيد وعليه فهو متصل لا مرسل وقد تقدم أن الحاكم صحح رواية الاتصال على شرط الشيخين (قال) الشوكانى قال موسى بن هارون رفعه وهم من ابن نافع لكن يقوى رفعه ويصححه ما تقدم من رواية أبى على
стр. 867
ابن السكن في صحيحه موصولا فلا يقدح فيه كونه مرسلا من بعض الطرق اهـ هذا و (عميرة) بفتح العين وكسر الميم (ابن أبى ناجية) هو أبو يحيى المصرى. روى عن يزيد بن أبي حبيب وبكر بن سوادة ويحيى بن سعيد الأنصارى وغيرهم. وعنه سعيد بن زكريا وابن لهيعة وبكر بن مضر وابن وهب وآخرون. وثقه النسائى وذكره ابن حبان في الثقات (وبهذا) علم ردّ قول ابن القطان عميرة مجهول الحال. مات سنة إحدى أو ثلاث وخمسين ومائة. روى له أبو داود والنسائى
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ
(ش) غرض المصنف بذكر هذه الرواية بيان اختلاف ثالث في الحديث (حاصله) أن عبد الله بن لهيعة خالف عبد الله بن نافع في روايته عن الليث بذكر أبى عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد بن بكر بن سوادة وعطاء وإرساله الحديث وقد تقدّم أن النسائى والبيهقي والدارقطنى والحاكم أخرجوا الحديث مرسلا بإسنادهم إلى الليث من عدّة طرق وليس فيها بين بكر وعطاء أحد فزيادة ابن لهيعة بينهما أبا عبد الله غير مقبولة لأنه ضعيف خالف الثقة فلا تعلّ بزيادته روايات الثقات. وهذه الرواية أخرجها البيهقي من طريق أبى بكر بن داسة
(قوله عن أبي عبد لله الخ) المصرى. روى عن عطاء بن يسار. وعنه بكر بن سوادة. قال الذهبى لا يعرف وقال الحافظ في التقريب مجهول. روى له أبو داود
(قوله بمعناه) أى معنى الحديث المتقدّم
(باب في الغسل يوم الجمعة)
وفي نسخة باب في الغسل للجمعة. أهو واجب أم لا
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى، قال أَخْبَرَني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ عُمَرُ: أَتَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَتَوَضَّأْتُ. قَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءُ أَيْضًا، أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
стр. 868
وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله معاوية) بن سلام بن أبى سلام ممطور الحبشى. روى عن أبيه ويحيى بن أبى كثير والزهرى ونافع وآخرين. وعنه محمد بن شعيب والوليد بن مسلم ومحمد ابن المبارك وكثيرون. وثقه أحمد وابن معين والنسائى وأبو زرعة ودحيم وقال جيد الحديث وقال أبو حاتم لا بأس بحديثه. روى له الجماعة إلا الترمذى
(معنى الحديث)
(قوله إذ دخل رجل) جواب بينا والرجل هو عثمان بن عفان ففى رواية مسلم بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان فعرّض به عمر فقال ما بال رجال يتأخرون بعد النداء
(قوله أتحتبسون عن الصلاة) أى عن التبكير إليها فإنكار عمر على عثمان لعدم تبكيره
(قوله ما هو إلا أن سمعت النداء الخ) أى لم يكن شأنى إلا أني حينما سمعت الأذان اشتغلت بالوضوء
(قوله قال عمر والوضوء) وفى نسخة فقال. وهذا إنكار آخر على ترك الواجب أو السنة المؤكدة وهي الغسل. وقوله والوضوء بالواو كما في رواية البخارى وفي نسخة الوضوء بإسقاط الواو وهى رواية الموطأ وهو منصوب مفعول لمحذوف أى أتترك الغسل كما تركت التبكير إلى المسجد وتتوضأ الوضوء مقتصرا عليه. وجوّز القرطبي الرفع على أنه مبتدأ حذف خبره أى والوضوء تقتصر عليه
(قوله أو لم تسمعوا) بهمزة الاستفهام الداخلة على محذوف تقديره أتقتصرون على الوضوء ولم تسمعوا قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أحدكم أن يأتى الجمعة فليغتسل كما في رواية مسلم ويؤيده ما في رواية البخارى بلفظ من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فهو صريح في تأخير الرواح عن الغسل (وبهذا) علم فساد قول من حمله على ظاهره واحتج به على أن الغسل لليوم لا للصلاة لأن الحديث واحد ومخرّجه واحد. والتقييد بالإتيان لكونه الغالب وإلا فحكم الغسل شامل للمقيم بالجامع. وفي إضافة أحد إلى ضمير الجمع دليل على أن هذا الحكم يعمّ البالغين وغيرهم من الصبيان. والمراد بالجمعة الصلاة أو المكان الذى تقام فيه (قال الخطابى) في الحديث دلالة على أن غسل الجمعة غير واجب ولو كان واجبا لأمر عمر عثمان أن ينصرف فيغتسل فدلّ سكوت عمر ومن حضره من الصحابة على أن الأمر به على سبيل الاستحباب دون الوجوب وليس يجوز على عمر وعثمان ومن بحضرتهما من المهاجرين والأنصار أن يجتمعوا على ترك واجب اهـ (ونقل) في الفتح عن الشافعى أنه قال فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل ولم يأمره عمر بالخروج للغسل دلّ ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار (قال) الحافظ وعلى هذا الجواب عوّل أكثر المصنفين في هذه المسألة كابن خزيمة والطبرى والطحاوى وابن حبان وابن عبد البرّ وهلمّ جرّا وزاد بعضهم فيه أن من حضر من
стр. 869
الصحابة وافقوهما على ذلك فكان إجماعا منهم على أن الغسل ليس شرطا في صحة الصلاة وهو استدلال قوى، وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة ولكن حكى الطبرى عن قوم أنهم قالوا بوجوبه ولم يقولوا إنه شرط، بل هو واجب مستقلّ تصح الصلاة بدونه كأن أصله قصد التنظيف وإزالة الروايح الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس اهـ كلام الفتح (وعلى الجملة) فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا الغسل فحكى وجوبه عن طائفة من السلف وبعض الصحابة كأبى هريرة وعمار بن ياسر ومالك وغيرهم وهو قول الظاهرية وحكاه الخطابى عن الحسن البصرى ومالك. وكلام مالك في الموطأ وأكثر الروايات عنه تردّه (وذهب) جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه سنة وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه (واحتج) من أوجبه بظواهر الأحاديث الدالة على الوجوب وفى بعضها التصريح بلفظ الوجوب وفى بعضها الأمر به وفى بعضها أنه حق على كل مسلم (واحتج) الجمهور بأحاديث صحيحة (منها) حديث الباب (ومنها) حديث من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل رواه أحمد والأربعة عن سمرة بن جندب فدلّ على اشتراك الغسل والوضوء في أصل الفضيلة وعدم تحتم الغسل وهو حديث حسن مشهور (ومنها) قول عائشة كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاءة فكانوا لهم تفل "رائحة كريهة" فقيل لهم لو اغتسلتم يوم الجمعة رواه مسلم وسيأتى نحوه للمصنف وهذا اللفظ يقتضى أنه ليس بواجب لأن تقديره لكان أفضل وأكمل وأيضا فإنما طلب منهم الغسل لأجل تلك الروايح الكريهة لا لوجوبه هذا ولا يخفى ما في الاستدلال بحديث الباب على أن الغسل سنة وقد تقدم أن من قال بوجوب الغسل استدلّ به وهو إنما يردّ على من قال باشتراط الغسل لصحة صلاة الجمعة وهم قوم من الظاهرية (ومنها) حديث من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة الثلاثة أيام أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة. ووجه الاستدلال به على الاستحباب أن ذكر الوضوء وما معه مرتبا عليه الثواب المقتضى للصحة يدل على أن الوضوء كاف (قال) ابن حجر في التلخيص إنه من أقوى ما استدلّ به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة (ومنها) حديث أبى سعيد الآتى ووجه دلالته أنه قرنه بما ليس بواجب إجماعا وهو السواك والطيب. فيكون مثلهما (ومنها) حديث أوس الثقفى الآتى ووجه دلالته جعله قرينا للتبكير والمشى والدنوّ من الإمام وليست بواجبة فيكون مثلها (وأجابوا) عن الأحاديث التى صرّح فيها بالأمر بأنها محمولة على الندب والقرينة الصارفة عن الوجوب هذه الأدلة المتعاضدة والجمع بين الأدلة ما أمكن واجب وقد أمكن بهذا. وعن الأحاديث التى صرّح فيها لفظ الوجوب والتي فيها أنه حق على كل مسلم بأن المراد متأكد في حقه كما يقول الرجل لصاحبه حقك واجب
стр. 870
علىّ ومواصلتك حق علىّ وليس المراد الوجوب المتحتم المستلزم للعقاب. وقد دلّ حديث الباب أيضا على تعليق طلب الغسل بالمجئ إلى الجمعة. والمراد إرادة المجئ وقصد المشروع فيه
(فقه الحديث) دلّ الحديث على تأكد الغسل على من يحضر صلاة الجمعة. ويؤخذ من قصة عمر وعثمان أنه ينبغى للإمام أن يتفقد رعيته وينكر على من أخلّ بالفضل منهم ولو كان كبيرا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والبيهقى من حديث أبى هريرة وأخرجه أيضا مالك والشيخان والترمذى والبيهقي من حديث ابن عمر عن أبيه ولفظه في البخارى أن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بينا هو قائم في الخطبة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فناداه عمر أيّة ساعة هذه فقال إنى شغلت فلم أنقلب على أهلى حتى سمعت التأذين فلم أزد أن توضأت وقال والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأمر بالغسل
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»
(ش) (قوله غسل يوم الجمعة) الإضافة على معنى في. وبظاهرها احتج من قال إن الغسل لليوم لا للجمعة. وفى رواية الشيخين الغسل يوم الجمعة إلخ وظاهره أن الغسل حيث وجد فيه كفى لكون اليوم ظرفا للغسل. ويحتمل أن تكون اللام للعهد فتتفق الروايات. وقد تقدّم بيان الخلاف في ذلك. ويؤخذ من هذه الرواية أن وقت الغسل يدخل بفجر يومها فلا يجوز قبله خلافا للأوزاعى وبعض الفقهاء. ويؤخذ منه أيضا أن ليوم الجمعة غسلا خاصا فلو وجدت صورة الغسل لم يجز عن غسل الجمعة إلا بالنية وبه قال أبو قتادة فقد أخرج الطحاوى وابن المنذر عنه أنه قد رأى ابنه يغتسل يوم الجمعة فقال إن كان غسلك عن جنابة فأعد غسلا آخر للجمعة. والجمهور على أنه لو اتفق يوم الجمعة ويوم العيد أو يوم عرفة وجامع ثم اغتسل ينوب عن الكل. وقيل لو اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استن بالسنة لحصول المقصود الذى هو قطع الرائحة الكريهة
(قوله واجب) أى ثابت لا ينبغي أن يترك لا أنه يأثم تاركه (قال الخطابى) معناه وجوب الاختيار والاستحباب دون وجوب الفرض كما يقول الرجل لصاحبه حقك عليّ واجب وأنا أوجب حقك وليس بمعنى اللزوم الذى لا يسع غيره ويشهد لصحة هذا التأويل حديث عمر الذى تقدّم ذكره اهـ (قال) ابن دقيق العيد
стр. 871
في شرح حديث "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" ما نصه: الحديث صريح في الأمر بالغسل للجمعة وظاهر الأمر الوجوب وقد جاء مصرّحا به بلفظ الوجوب في حديث آخر فقال بعض الناس بالوجوب بناء على الظاهر. وخالف الأكثرون فقالوا بالاستحباب وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر فأوّلوا صيغة الأمر على الندب وصيغة الوجوب على التأكيد كما يقال حقك واجب علىّ وهذا التأويل الثانى أضعف من الأول وإنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحا في الدلالة على هذا الظاهر. وأقوى ما عارضوا به حديث من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل ولا يقاوم سنده سند هذه الأحاديث اهـ (قال) العينى قد أجاب بعض أصحابنا أن هذه الأحاديث التي ظاهرها الوجوب منسوخة بحديث من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل (وقال) ابن الجوزى أحاديث الوجوب أصح وأقوى والضعيف لا ينسخ القوى "قلت" هذا الحديث رواه أبو داود في الطهارة والترمذى والنسائى في الصلاة وقال الترمذى حديث حسن صحيح ورواه أحمد في سننه والبيهقي كذلك وابن أبى شيبة في مصنفه وسنتكلم عليه اهـ
(قوله على كل محتلم) أى بالغ فالاحتلام عام يشمل من بلغ بالسنّ أو بعلامة أخرى كالإحبال والحيض وإنبات العانة وإنما خصّ الاحتلام بالذكر لكونه الغالب. والمراد بالغ خال عن عذر يبيح الترك وإلا فالمعذور مستثنى بقواعد الشرع (قال) الحافظ في الفتح استدلّ به على دخول النساء في ذلك اهـ (وقال) غيره المراد الذكر كما هو مقتضى الصيغة وأيضا الاحتلام أكثر ما يبلغ به الذكور دون الإناث وفيهن الحيض أكثر. وعمومه يشمل من يأتى الجمعة وغيره ولكن حديث أبى هريرة السابق وحديث ابن عباس الآتي وغيرهما تخصه بمن يأتي الجمعة وعليه الجمهور اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على تأكد غسل يوم الجمعة على كل بالغ ولو لم يحضر الصلاة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، نَا الْمُفَضَّلُ يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرٍ، ونَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ رَوَاحٌ الْجُمُعَةِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ»
(ش) (قوله بكير) بن عبد الله بن الأشج
(قوله رواح الجمعة) أى الذهاب إليها أىّ وقت كان "قال" في المصباح يتوهم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار وليس كذلك بل الرواح والغدوّ عند العرب مستعملان في المسير أىّ وقت كان من ليل أو نهار اهـ
(قوله على كل من راح إلى الجمعة الغسل) الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدّم والغسل مبتدأ مؤخر
стр. 872
وهذا الحديث مخصوص بغير المريض والمسافر والمرأة والمملوك فإن صلاة الجمعة لا تجب عليهم وإن كانوا بالغين لحديث طارق بن شهاب عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض رواه المصنف في باب الجمعة للمملوك والمرأة. وفى البخارى إلا على صبي أو مملوك أو مسافر
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على وجوب الذهاب إلى صلاة الجمعة على كل بالغ. وعلى تأكد الغسل على من يريد صلاتها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى مختصرا بلفظ رواح الجمعة واجب على كل محتلم وحسنه المنذرى
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «إِذَا اغتسل الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ أَجْنَبَ»
(ش) غرض المصنف بهذا بيان أن غسل الجمعة لليوم لا للصلاة وأنه يدخل وقته بطلوع الفجر لأنه أول اليوم شرعا كما أن من اغتسل قبل طلوع الفجر لا يجزئه عن الجمعة لأنه اغتسل قبل مجئ الوقت (قال) العينى أشار بهذا إلى أن هذا الغسل لليوم لا للصلاة وهو قول محمد والحسن بن زياد من أصحابنا (وقال) أبو يوسف للصلاة. وفائدته تظهر فيما قال أبو داود فعندهما إذا اغتسل بعد طلوع الفجر ينال أجر الغسل لأنه وجد في يوم الجمعة. وعند أبى يوسف لا ينال لأنه لم يصلّ به الجمعة وكذا الخلاف إذا اغتسل بعد صلاة الجمعة اهـ (وقد اختلف) في وقت غسل الجمعة على أقوال "الأول" أن وقته عند إرادة الرواح إلى المسجد بشرط الاتصال بين الغسل والرواح وإليه ذهب مالك والأوزاعي والليث مستدلين يحديث إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل ونحوه "الثانى" أن وقته يدخل بطلوع الفجر ولا يشترط اتصاله بالرواح لكن يستحب اتصاله به فيجزئُ فعله بعد الفجر لا بعد صلاة الجمعة وهو مذهب الجمهور مستدلين بالأحاديث التى أطلق فيها يوم الجمعة وقالوا لا يكفى الغسل بعد الصلاة لأنه شرع لإزالة الروائح الكريهة دفعا لتأذى الحاضرين وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة ولأن المراد بالجمعة سبب الاجتماع وهو الصلاة لا اليوم لأن اليوم لا يؤتي وقد أخرج ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما مرفوعا من أتى الجمعة فليغتسل زاد ابن خزيمة ومن لم يأتها فلا يغتسل "الثالث" أن وقته كل اليوم فلا يشترط تقديم الغسل على صلاة الجمعة بل لو اغتسل بعد الجمعة أجزأ عنه وإليه ذهب داود والحسن بن زياد ومحمد بن الحسن من أصحاب أبى حنيفة (واستبعده) ابن دقيق العيد وقال يكاد يجزم ببطلانه وزعم ابن عبد البر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة
(قوله وإن أجنب) أى وإن كان جنبا واغتسل للجنابة بعد طلوع الفجر أجزأه عن غسل الجمعة
стр. 873
(قال) ابن المنذر أكثر أهل العلم يقولون يجزئُ غسلة واحدة للجنابة والجمعة وهو مروى عن ابن عمر ومجاهد ومكحل والثورى والأوزاعي وأبى ثور وهو مذهب أبي حنيفة فعنده يكفي غسل واحد لعيد وجمعة اجتمعا مع جنابة وينبغى أن ينوى به الكل ليحصل له ثواب الجميع (وقال) أحمد أرجو أن يجزئه وهو قول أشهب والمزنى، وعن أحمد لا يجزئه عن غسل الجنابة حتى ينويها وهو قول مالك في المدوّنة (قال) الباجى فإذا قلنا يفتقر إلى النية فمن اغتسل ينوى الجمعة والجنابة فقد قال ابن القاسم يجزئه وبه قال الشافعى. وقال محمد بن مسلمة لا يجزئه ذلك وإنما يجزئه أن يغتسل لجنابته وينوى أن يجزئه عن غسل جمعته "وجه" ما قاله ابن القاسم أن الجمعة والجنابة موجبهما واحد وهو الغسل وهي عبادة تتداخل فجاز أن يفعل لهما كالوضوء من البول والغائط والنوم ومسّ الذكر والطواف والسعى والحج والعمرة "ووجه" قول محمد بن مسلمة أن نية الجمعة تقتضى النفل ونية الجنابة تقتضى الوجوب ومقتضى أحدهما ينافي الآخر. ويحتمل أن يعنى بذلك أن غسل الجمعة لا يفتقر إلى النية فإذا نواه مع غسل الجنابة الذى يفتقر إلى النية منع ذلك صحة النية. وذكر ابن المنذر عن بعض ولد أبي قتادة أنه قال من اغتسل يوم الجمعة من الجنابة اغتسل للجمعة
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ الْهَمْدَانِيُّ، ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، ح حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ وَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ يَزِيدُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فِي حَدِيثِهِمَا - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا» - قَالَ: وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةِ: «وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» - وَيَقُولُ: «إِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ
стр. 874
بْنِ سَلَمَةَ أَتَمُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَمَّادٌ كَلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(ش) حاصل ما أشار إليه المصنف أن شيوخه في هذا السند ثلاثة يزيد وعبد العزيز وقد حدّثاه عن محمد ابن سلمة وزادا في السند مع أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبا أمامة بن سهل. والثالث موسى بن إسماعيل وقد حدّث المصنف عن حماد بن سلمة ولم يذكر في سنده أبا أمامة. وكل من محمد بن سلمة وحماد حدّث عن محمد بن إسحاق، والحديث المذكور لفظ حديث محمد بن سلمة لا لفظ حديث حماد
(رجال الحديث)
(قوله وأبى أمامة) اسمه أسعد وقيل سعد (بن سهل) ابن حنيف الأنصارى. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديثا مرسلا وروى عن عمر بن الخطاب وعثمان وأبى هريرة وأبى سعيد وابن عباس وعائشة وغيرهم وعنه ابناه محمد وسهل والزهرى وعبد الله بن سعيد ويحيى الأنصارى. قال البغوى وابن حبان وابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقد سئل أبو حاتم عنه أهو ثقة فقال لا يسأل عن مثله هو أجلّ من ذاك وقال الطبرانى له رؤية وقال أبو منصور مختلف في صحته إلا أنه ولد في عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو ممن يعدّ في الصحابة الذين روى عنهم الزهرى وقال البخارى أدرك النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يسمع منه "قال" ابن منده قول البخارى أصح. مات سنة مائة. روى له النسائى وابن ماجه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وبقية الجماعة عن الصحابة
(معنى الحديث)
(قوله ومس من طيب) أى طيب الرجال وهو ما خفي لونه وظهر ريحه إن وجد وإلا مسّ من طيب النساء كما سيأتي
(قوله ثم صلى ما كتب الله تعالى له) أى صلى ما قدّر الله له من تحية المسجد ونفل مطلق أو قضاء فائتة
(قوله ثم أنصت) أى استمع يقال نصت له ينصت من باب ضرب لغة أى سكت مستمعا ويقال أنصت إذا سكت وأنصته إذا أسكته فهو لازم ومتعدّ
(قوله إذا خرج إمامه) أى للخطبة
(قوله حتى يفرغ من صلاته) أي ينتهى الإمام منها. وفى رواية مسلم حتى يفرغ من خطبته وهي تدلّ على أن الكلام بعد الخطبة وقبل الإحرام بالصلاة لا بأس به
(قوله كانت كفارة لما بينها الخ) أي كانت هذه الخصال المذكورة أى فعلها من الغسل وما بعده ساترة وماحية للذنوب التي بين تلك الساعة التي يصلي فيها الجمعة وبين صلاة الجمعة التي قبلها (قال) الخطابى يريد بذلك ما بين الساعة التي يصلي فيها الجمعة إلى مثلها من الجمعة الأخرى لأنه لو كان المراد به ما بين الجمعتين على أن يكون الطرفان وهما يوما الجمعة غير داخلين في العدد لكان لا يتحصل من عدد المحسوب على أكثر من ستة أيام ولو أراد ما بينهما على تقدير إدخال الطرفين فيه بلغ العدد ثمانية فإذا ضممت إليها الثلاثة المزيدة التي ذكرها أبو هريرة
стр. 875
صار جملتها إما أحد عشر على أحد الوجهين وإما تسعة أيام على الوجه الآخر فدلّ على أن المراد به ما قلناه على سبيل التكثير لليوم ليستقيم الأمر في تكميل عدد العشرة اهـ
(قوله قال ويقول الخ) أى قال محمد بن سلمة بسنده إلى أبى هريرة إن أبا هريرة يقول في روايته كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التى قبلها وزيادة ثلاثة أيام ويقول إن الحسنة بعشر أمثالها مشيرا إلى قوله تعالى "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" "فإن قيل" تكفير الذنوب الماضية بالحسنات وبالتوبة وبتجاوز الله تعالى وتكفير ذنوب الأيام الثلاثة الآتية الزائدة على السبعة من تكفير الذنب قبل وقوعه فكيف يعقل هذا "قيل" المراد عدم المؤاخذة والذنب إذا وقع
(قوله وحديث محمد بن سلمة أتمّ) أى من حديث حماد لأنه ذكر في روايته ما زاده أبو هريرة ولم يذكره حماد "وهذا" الحديث من أدلة الجمهور على استحباب غسل الجمعة حيث قرن فيه بين الغسل ولبس أحسن الثياب ومسّ الطيب وهما ليسا بواجبين "ونازع" في هذا الاستدلال ابن دقيق العيد بأن القران في الذكر لا يستلزم القران في الحكم
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب الغسل ولبس أحسن الثياب يوم الجمعة وعلى استحباب مسّ الطيب إن وجده. وعلى طلب ترك تخطى أعناق الناس. وعلى مشروعية الصلاة لمن دخل المسجد. وعلى أن النوافل المطلقة لا حدّ لها لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث ثم صلى ما كتب الله تعالى له. وعلى طلب الإنصات من حين قيام الإمام للخطبة إلى أن يفرغ من الصلاة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم مختصرا من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدّر له ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلى معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ، وَبُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ حَدَّثَاهُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكُ وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قُدِّرَ لَهُ» إِلَّا أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَقَالَ فِي الطِّيبِ: «وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله ابن وهب) هو عبد الله
(قوله سعيد بن أبي هلال)
стр. 876
أبا العلاء المصرى. روى عن محمد بن المنكدر وزيد بن أسلم وأبى حازم وأبى الزناد وآخرين وعنه الليث بن سعد وهشام بن سعد وسعيد المقبرى ويحيى بن أيوب وغيرهم. قال أبو حاتم لا بأس به وقال الساجى صدوق ووثقه ابن خزيمة وابن سعد والبيهقى والدارقطنى والخطيب وابن عبد البر والعجلى وقال ابن حزم ليس بالقوى. قيل توفى سنة خمس وثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن أبى بكر بن المنكدر) هو أخو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير التيمى لم يعرف اسمه واشتهر بكنيته ومن لم يميز بينهما ربما يعتقد أن المراد من أبى بكر في هذا الحديث محمد بن المنكدر روى عن عمه ربيعة بن عبد الله وعثمان التيمي وجابر بن عبد الله وأبى أمامة وعطاء بن يسار. وعنه يحيى ابن سعيد ويزيد بن الهادي وبكير بن الأشج وشعبة وغيرهم. قال أبو داود كان من ثقات الناس وقال محمد بن عمر كان ثقة قليل الحديث. روى له الشيخان والترمذى والنسائى وابن ماجه
(قوله عمرو بن سليم الزرقى) بالتصغير ابن عمرو بن خلدة بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام الأنصارى. روى عن عمر بن الخطاب وأبى هريرة وأبى قتادة وأبى سعيد الخدرى. وعنه ابنه سعيد والزهرى وسعيد المقبرى وأبو بكر بن المنكدر وغيرهم. قال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال ابن خراش في حديثه اختلاط وقال العجلي تابعى ثقة ووثقه ابن حبان والنسائى. مات سنة أربع ومائة. روى له الجماعة
(قوله عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى) الأنصارى الخزرجى أبى حفص أو أبو محمد. روى عن أبيه وعمارة بن حارثة وأبى حميد الساعدى. وعنه ابنه ربيع وعطاء بن يسار وزيد بن أسلم وعمرو بن سليم وآخرون. وثقه النسائي وابن حبان وقال ابن سعد كان كثير الحديث وليس هو بثبت ويستضعفون روايته ولا يحتجون به وقال العجلى تابعى ثقة. مات سنة اثنتي عشرة ومائة وله سبع وسبعون سنة. روى له الجماعة إلا البخارى
(معنى الحديث)
(قوله الغسل يوم الجمعة على كل محتلم) وفي رواية البخارى الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستن وأن يمس طيبا إن وجد أى الغسل وما عطف عليه متأكد على كل بالغ يوم الجمعة
(قوله ويمس من الطيب) بفتح الميم على الأفصح من باب تعب وجاء ضمها من باب قتل وهو مرفوع على أنه منقطع عما قبله ويصح نصبه بتقدير أن فيكون في قوّة مصدر معطوف على السواك. وحكمة مشروعية الغسل والسواك والطيب في هذا اليوم أن يكون المصلى فيه على أكمل حال وأحسن هيئة فلا يتأذى به أحد ولا سيما وأن الملائكة يقفون على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول فربما صافحوه أو لمسوه
(قوله ما قدّر له) في محل نصب مفعول يمسّ. وفى رواية مسلم والنسائى ما قدّر عليه (قال) القاضى عياض يحتمل أن يراد به التأكيد ليفعل ما أمكنه ويحتمل إرادة الكثرة والأول أظهر ويؤيده قوله الآتي ولو من طيب المرأة لأنه يكره استعماله للرجال وهو ما ظهر لونه وخفى ريحه فإباحته للرجل لعدم غيره تدلّ على تأكد الأمر في ذلك
(قوله إلا أن
стр. 877
بكيرًا لم يذكر الخ) غرض المصنف بهذا بيان أن بكير بن عبد الله بن الأشج خالف سعيد بن أبى هلال في سند الحديث ومتنه. أما المخالفة في السند فإنه لم يذكر فيه عبد الرحمن بن أبى سعيد وقد وافقه على ذلك شعبة فقد أخرج البخارى الحديث من طريق شعبة عن أبى بكر بن المنكدر قال حدثني عمرو ابن سليم قال أشهد على أبى سعيد الخ ووافقه أيضا محمد بن المنكدر كما أخرجه ابن خزيمة من طريقه ومنه يعلم أن سعيد بن أبى هلال هو المنفرد بزيادة عبد الرحمن بن أبى سعيد في السند (قال) في الفتح الذى يظهر أن عمرو بن سليم سمعه من عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه لقى أبا سعيد فحدّثه وسماعه منه ليس بمنكر لأنه قديم ولد في خلافة عمر بن الخطاب ولم يوصف بالتدليس، وحكى الدارقطنى في العلل فيه اختلافا آخر على عليّ بن المديني شيخ البخارى فيه فذكر إن الباغندى حدّث به عنه بزيادة عبد الرحمن أيضا وخالفه وتمام عنه فلم بذكر عبد الرحمن. وفيما قال نظر فقد أخرجه الإسماعيلى عن الباغندى بإسقاط عبد الرحمن وكذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج عن أبى إسحاق ابن حمزة وأبو أحمد الغطريفي كلاهما عن الباغندى فهؤلاء ثلاثة من الحفاظ حدّثوا به عن الباغندى فلم يذكروا عبد الرحمن في الإسناد فلعلّ الوهم فيه ممن حدّث به الدارقطنى عن الباغندى وأما المخالفة في المتن فإن بكيرا زاد في روايته بعد قوله ويمس من الطيب ولو من طيب المرأة أى ولو كان الطيب من طيب المرأة (وبظاهر) هذا الحديث استدلّ من قال بوجوب غسل يوم الجمعة للتصريح فيه بلفظ واجب في رواية البخارى "وأجيب" بأن المراد بالواجب المتأكد الذى لا ينبغى أن يترك كما تقدّم بل الحديث من أدلة الجمهور على عدم الوجوب لاقتران الغسل بالسواك ومسّ الطيب وليسا بواجبين اتفاقا فدّل على أن الغسل ليس بواجب إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب بالواجب بلفظ واحد "وتعقبه" ابن الجوزى بأنه لا يمتنع عطف ما ليس بواجب على الواجب لا سيما ولم يقع التصريح بحكم المعطوف. ولكن قد علمت المراد بالواجب (وهذا) الحديث ظاهر في أن الغسل مشروع للبالغ سواء أراد الجمعة أم لا. وحديث إذا جاء أحدكم الجمعة ظاهر في أنه لمن أرادها سواء البالغ والصبيّ. ويجمع بينهما بأنه مستحب لكل ومتأكد في حق المريد وآكد في حق البالغ والمشهور عند الجمهور أنه مستحب لكل من أراد الإتيان ليها (واختلف) في الغسل للمسافر فالجمهور على أنه مطلوب منه إذا أراد صلاة الجمعة وكذا كل من لم تجب عليه الجمعة كالعبد والمريض خلافا للحنابلة في المرأة حيث قالوا لا يستحب لها لظاهر حديث من أتى منكم الجمعة فليغتسل (وقال) الشافعي ما تركته في حضر ولا سفر وإن اشتريته بدينار، وممن لا يراه علقمة وعبد الله ابن عمرو وابن جبير بن مطعم والقاسم بن محمد والأسود وإياس بن معاوية
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على تأكد الغسل والسواك والتطيب يوم الجمعة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وكذا البخارى من طريق شعبة عن أبى
стр. 878
بكر بن المنكدر كما تقدّم.
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْجَرْجَرَائِيُّ حِبِّي، ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنِي أَوْسُ بْنُ أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو الأشعث) هو شراحيل بن آدة بالمدّ وتخفيف الدال المهملة ويقال شراحيل بن شرحبيل بن كليب بن آدة. روى عن ثوبان وعبادة بن الصامت وأبى هريرة وشدّاد بن أوس وآخرين. وعنه عبد الرحمن بن يزيد وحسان بن عطية وأبو قلابة ومسلم بن يسار وجماعة، قال العجلي تابعى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة إلا البخارى. و (الصنعانى) نسبة إلى صنعاء على غير قياس وهى قرية قربية من دمشق وهى الآن أرض ذات بساتين وقيل هى صنعاء اليمن
(قوله أوس بن أوس الثقفى) روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه أبو الأشعث وعبادة بن نسىّ. نقل عن ابن معين وأبى داود أنه هو أوس بن أبى أوس الثقفى وهو خطأ لأن أوس بن أبى أوس هو أوس بن حذيفة والتحقيق أنهما اثنان. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذى
(معنى الحديث)
(قوله من غسل يوم الجمعة الخ) روى غسل مخففا ومشددا ومعناه جامع امرأته قبل الخروح إلى الصلاة لأنه أغضّ للبصر في الطريق يقال غسل الرجل امرأته بالتشديد والتخفيف إذا جامعها. وقيل معناه غسل غيره واغتسل هو لأنه إذا جامعها أحوجها إلى الغسل وقيل أراد بغسل غسل أعضائه للوضوء ثم اغتسل للجمعة وقيل هما بمعنى والتكرار للتأكيد وقيل التشديد فيه للمبالغة دون التعدية ومعناه غسل الرأس خاصة لأن العرب لهم لمم وشعور وفى غسلها كلفة فأفرد ذكر غسل الرأس لذلك. واغتسل معناه غسل سائر جسده وإليه ذهب مكحول ويؤيده الرواية الآتية (قال) النووى في شرح المهذب يروى غسل بالتخفيف والتشديد والأرجح عند المحققين التخفيف والمختار أن معناه غسل رأسه ويؤيده رواية أبى داود من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل. وإنما أفرد الرأس بالذكر لأنهم كانوا يجعلون فيه الدهن والخطمىّ ونحوهما وكانوا يغسلونه أولا ثم يغتسلون. وذكر بعض الفقهاء عسل بالعين المهملة
стр. 879
أى جامع وهو تصحيف
(قوله ثم بكر) بالتشديد على المشهور أى بادر إلى صلاة الجمعة أو إلى الجامع أو راح في الساعة الأولى وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه (وقال) ابن الأنبارى بكر أى تصدّق قبل خروجه ويجعل من ذلك ما روى في الحديث باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة رواه الطبرانى في الأوسط والبيهقي عن أنس
(قوله وابتكر) أى فعل فعل المبتكرين من الصلاة والقراءة وسائر وجوه الطاعة. وقيل معنى ابتكر أدرك أول الخطبة وأول كل شئ باكورته وقيل هما بمعنى وجمع بإنهما للتأكيد
(قوله ومشى) أى حال ذهابه للصلاة لأنه أقرب إلى الخشوع إن لم يكن له عذر أما حال رجوعه منها فلا يطالب بالمشي لانقضاء العبادة
(قوله ولم يركب) قيل إنه تأكيد لقوله مشى والمختار أنه تأسيس لإفادة شيئين "أحدهما" نفى توهم حمل المشى على المضىّ والذهاب وإن كان راكبا "والثانى" نفى الركوب بالكلية لأنه لو اقتصر على مشى احتمل أن المراد وجود شئ من المشى ولو في بعض الطريق فنفى ذلك الاحتمال وبين أن المراد مشي جميع الطريق ولم يركب في شيء منها
(قوله ودنا من الإمام واستمع) وفي نسخة فاستمع أى قرب من الإمام واستمع الخطبة فلا بدّ من الأمرين جميعا فلو قرب ولم يستمع أو استمع وهو بعيد لم ينل هذا الأجر
(قوله ولم يلغ) أى لم يتكلم لأن الكلام حال الخطبة لغو يقال لغا يلغو من باب نصر ولغى يلغى من باب علم لغتان والأولى أفصح وظاهر القرآن يقتضي الثانية قال تعالى "والغوا فيه" ولو كان من الأول لقال والغوا بضم الغين المعجمة ويقال لغى يلغى من باب فتح (واختلف) في الكلام حال الخطبة هل هو حرام أو مكروه تنزيها "فقال" مالك وأبو حنيفة والجمهور بالحرمة وهو مقتضى الأحاديث الصحيحة "وذهبت" الشافعية إلى كراهته تنزيها
(قوله بكل خطوة) بضم الخاء المعجمة ما بين الرجلين في المشى وجمعه خطى وخطوات كغرف وغرفات بسكون الراء في الثانى وضمها وفتحها وبفتح الخاء المرّة وجمعها خطوات كشهوات والمراد بكل خطوة ذهابا وإيابا أو ذهابا فقط
(قوله أجر صيامها) بالرفع بدل من العمل
(قوله وقيامها) أى إحياء ليلها بالطاعة. والظاهر أن المراد أنه يحصل أجر من استوعب السنة بالصيام والقيام لو كان ولا يتوقف على تحقق الاستيعاب من أحد. ثم الظاهر أن المراد ثبوت أصل أجر الأعمال لا مع المضاعفات المعلومة بالنصوص ويحتمل أن يكون مع المضاعفات
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب الغسل يوم الجمعة. وعلى طلب المبادرة بالذهاب إلى المسجد لصلاة الجمعة، وعلى استحباب المشى حال الذهاب إلى صلاتها وترك الركوب، وعلى طلب القرب من الخطيب والاستماع لقوله، وعلى مشروعية ترك الاشتغال بغير سماع الخطبة وأن من فعل ذلك يعطي ثوابا كثيرا جزيلا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وابن ماجه والحاكم والبيهقي والترمذى وقال حديث حسن
стр. 880
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ» ثُمَّ سَاقَ نَحْوَهُ.
(ش) هذه رواية ثانية لحديث أَوس أوردها المصنف للتصريح فيها بغسل الرأس. ولم نقف على من أخرج هذه الرواية غير المصنف من المحدّثين
(قوله خالد بن يزيد) الجمحى أبو عبد الرحيم المصرى. روى عن سعيد بن أبى هلال والزهرى وعطاء بن أبى رباح وأبى الزبير وغيرهم. وعنه الليثِ بن سعد وحيوة بن شريح والمفضل بن فضالة وبكر بن مضر وآخرون. قال ابن يونس كان فقيها مفتيا ووثقة أبو زرعة والعجلى ويعقوب بن سفيان والنسائى وابن حبان وقال أبو حاتم لا بأس به. مات سنة تسع وثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(قوله غسل رأسه) بالتخفيف وبالتشديد مبالغة. ورغبهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك لأنهم أصحاب شعور كما تقدم
(قوله ثم ساق نحوه) وفى نسخة وساق نحوه أى ساق عبادة بن نسىّ نحو حديث أبى الأشعث ويحتمل أن يكون ساق قتيبة نحو حديث محمد بن حاتم المتقدم
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ لَهَا، وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا، وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا».
(ش) (قوله ابن أبى عقيل) هو أحمد المصرى
(قوله قال أخبرنى) أى قال عبد الله بن وهب أخبرنى أسامة. وفي بعض النسخ إسقاط لفظ قال. وغرض المؤلف بهذا بيان أن رواية ابن أبي عقيل صرّح فيها ابن وهب بأن أسامة أخبره بالحديث بخلاف محمد بن سلمة فإنه رواه بالعنعنة
(قوله ومسّ من طيب امرأته) أى إن لم يكن له طيب كما في الحديث السابق
(قوله عند الموعظة) أى الخطبة وسميت موعظة لاشتمالها على الوعظ
(قوله لما بينهما) أى لما بين الجمعتين
(قوله كانت له ظهرا) أى كانت هذه الصلاة لهذا المصلي مثل صلاة الظهر في الثواب
следующие страницы →