Полный текст (3 378 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
أبا العلاء المصرى. روى عن محمد بن المنكدر وزيد بن أسلم وأبى حازم وأبى الزناد وآخرين وعنه الليث بن سعد وهشام بن سعد وسعيد المقبرى ويحيى بن أيوب وغيرهم. قال أبو حاتم لا بأس به وقال الساجى صدوق ووثقه ابن خزيمة وابن سعد والبيهقى والدارقطنى والخطيب وابن عبد البر والعجلى وقال ابن حزم ليس بالقوى. قيل توفى سنة خمس وثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن أبى بكر بن المنكدر) هو أخو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير التيمى لم يعرف اسمه واشتهر بكنيته ومن لم يميز بينهما ربما يعتقد أن المراد من أبى بكر في هذا الحديث محمد بن المنكدر روى عن عمه ربيعة بن عبد الله وعثمان التيمي وجابر بن عبد الله وأبى أمامة وعطاء بن يسار. وعنه يحيى ابن سعيد ويزيد بن الهادي وبكير بن الأشج وشعبة وغيرهم. قال أبو داود كان من ثقات الناس وقال محمد بن عمر كان ثقة قليل الحديث. روى له الشيخان والترمذى والنسائى وابن ماجه
(قوله عمرو بن سليم الزرقى) بالتصغير ابن عمرو بن خلدة بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام الأنصارى. روى عن عمر بن الخطاب وأبى هريرة وأبى قتادة وأبى سعيد الخدرى. وعنه ابنه سعيد والزهرى وسعيد المقبرى وأبو بكر بن المنكدر وغيرهم. قال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال ابن خراش في حديثه اختلاط وقال العجلي تابعى ثقة ووثقه ابن حبان والنسائى. مات سنة أربع ومائة. روى له الجماعة
(قوله عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى) الأنصارى الخزرجى أبى حفص أو أبو محمد. روى عن أبيه وعمارة بن حارثة وأبى حميد الساعدى. وعنه ابنه ربيع وعطاء بن يسار وزيد بن أسلم وعمرو بن سليم وآخرون. وثقه النسائي وابن حبان وقال ابن سعد كان كثير الحديث وليس هو بثبت ويستضعفون روايته ولا يحتجون به وقال العجلى تابعى ثقة. مات سنة اثنتي عشرة ومائة وله سبع وسبعون سنة. روى له الجماعة إلا البخارى
(معنى الحديث)
(قوله الغسل يوم الجمعة على كل محتلم) وفي رواية البخارى الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستن وأن يمس طيبا إن وجد أى الغسل وما عطف عليه متأكد على كل بالغ يوم الجمعة
(قوله ويمس من الطيب) بفتح الميم على الأفصح من باب تعب وجاء ضمها من باب قتل وهو مرفوع على أنه منقطع عما قبله ويصح نصبه بتقدير أن فيكون في قوّة مصدر معطوف على السواك. وحكمة مشروعية الغسل والسواك والطيب في هذا اليوم أن يكون المصلى فيه على أكمل حال وأحسن هيئة فلا يتأذى به أحد ولا سيما وأن الملائكة يقفون على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول فربما صافحوه أو لمسوه
(قوله ما قدّر له) في محل نصب مفعول يمسّ. وفى رواية مسلم والنسائى ما قدّر عليه (قال) القاضى عياض يحتمل أن يراد به التأكيد ليفعل ما أمكنه ويحتمل إرادة الكثرة والأول أظهر ويؤيده قوله الآتي ولو من طيب المرأة لأنه يكره استعماله للرجال وهو ما ظهر لونه وخفى ريحه فإباحته للرجل لعدم غيره تدلّ على تأكد الأمر في ذلك
(قوله إلا أن
стр. 877
بكيرًا لم يذكر الخ) غرض المصنف بهذا بيان أن بكير بن عبد الله بن الأشج خالف سعيد بن أبى هلال في سند الحديث ومتنه. أما المخالفة في السند فإنه لم يذكر فيه عبد الرحمن بن أبى سعيد وقد وافقه على ذلك شعبة فقد أخرج البخارى الحديث من طريق شعبة عن أبى بكر بن المنكدر قال حدثني عمرو ابن سليم قال أشهد على أبى سعيد الخ ووافقه أيضا محمد بن المنكدر كما أخرجه ابن خزيمة من طريقه ومنه يعلم أن سعيد بن أبى هلال هو المنفرد بزيادة عبد الرحمن بن أبى سعيد في السند (قال) في الفتح الذى يظهر أن عمرو بن سليم سمعه من عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه لقى أبا سعيد فحدّثه وسماعه منه ليس بمنكر لأنه قديم ولد في خلافة عمر بن الخطاب ولم يوصف بالتدليس، وحكى الدارقطنى في العلل فيه اختلافا آخر على عليّ بن المديني شيخ البخارى فيه فذكر إن الباغندى حدّث به عنه بزيادة عبد الرحمن أيضا وخالفه وتمام عنه فلم بذكر عبد الرحمن. وفيما قال نظر فقد أخرجه الإسماعيلى عن الباغندى بإسقاط عبد الرحمن وكذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج عن أبى إسحاق ابن حمزة وأبو أحمد الغطريفي كلاهما عن الباغندى فهؤلاء ثلاثة من الحفاظ حدّثوا به عن الباغندى فلم يذكروا عبد الرحمن في الإسناد فلعلّ الوهم فيه ممن حدّث به الدارقطنى عن الباغندى وأما المخالفة في المتن فإن بكيرا زاد في روايته بعد قوله ويمس من الطيب ولو من طيب المرأة أى ولو كان الطيب من طيب المرأة (وبظاهر) هذا الحديث استدلّ من قال بوجوب غسل يوم الجمعة للتصريح فيه بلفظ واجب في رواية البخارى "وأجيب" بأن المراد بالواجب المتأكد الذى لا ينبغى أن يترك كما تقدّم بل الحديث من أدلة الجمهور على عدم الوجوب لاقتران الغسل بالسواك ومسّ الطيب وليسا بواجبين اتفاقا فدّل على أن الغسل ليس بواجب إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب بالواجب بلفظ واحد "وتعقبه" ابن الجوزى بأنه لا يمتنع عطف ما ليس بواجب على الواجب لا سيما ولم يقع التصريح بحكم المعطوف. ولكن قد علمت المراد بالواجب (وهذا) الحديث ظاهر في أن الغسل مشروع للبالغ سواء أراد الجمعة أم لا. وحديث إذا جاء أحدكم الجمعة ظاهر في أنه لمن أرادها سواء البالغ والصبيّ. ويجمع بينهما بأنه مستحب لكل ومتأكد في حق المريد وآكد في حق البالغ والمشهور عند الجمهور أنه مستحب لكل من أراد الإتيان ليها (واختلف) في الغسل للمسافر فالجمهور على أنه مطلوب منه إذا أراد صلاة الجمعة وكذا كل من لم تجب عليه الجمعة كالعبد والمريض خلافا للحنابلة في المرأة حيث قالوا لا يستحب لها لظاهر حديث من أتى منكم الجمعة فليغتسل (وقال) الشافعي ما تركته في حضر ولا سفر وإن اشتريته بدينار، وممن لا يراه علقمة وعبد الله ابن عمرو وابن جبير بن مطعم والقاسم بن محمد والأسود وإياس بن معاوية
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على تأكد الغسل والسواك والتطيب يوم الجمعة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وكذا البخارى من طريق شعبة عن أبى
стр. 878
بكر بن المنكدر كما تقدّم.
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْجَرْجَرَائِيُّ حِبِّي، ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنِي أَوْسُ بْنُ أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو الأشعث) هو شراحيل بن آدة بالمدّ وتخفيف الدال المهملة ويقال شراحيل بن شرحبيل بن كليب بن آدة. روى عن ثوبان وعبادة بن الصامت وأبى هريرة وشدّاد بن أوس وآخرين. وعنه عبد الرحمن بن يزيد وحسان بن عطية وأبو قلابة ومسلم بن يسار وجماعة، قال العجلي تابعى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة إلا البخارى. و (الصنعانى) نسبة إلى صنعاء على غير قياس وهى قرية قربية من دمشق وهى الآن أرض ذات بساتين وقيل هى صنعاء اليمن
(قوله أوس بن أوس الثقفى) روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه أبو الأشعث وعبادة بن نسىّ. نقل عن ابن معين وأبى داود أنه هو أوس بن أبى أوس الثقفى وهو خطأ لأن أوس بن أبى أوس هو أوس بن حذيفة والتحقيق أنهما اثنان. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذى
(معنى الحديث)
(قوله من غسل يوم الجمعة الخ) روى غسل مخففا ومشددا ومعناه جامع امرأته قبل الخروح إلى الصلاة لأنه أغضّ للبصر في الطريق يقال غسل الرجل امرأته بالتشديد والتخفيف إذا جامعها. وقيل معناه غسل غيره واغتسل هو لأنه إذا جامعها أحوجها إلى الغسل وقيل أراد بغسل غسل أعضائه للوضوء ثم اغتسل للجمعة وقيل هما بمعنى والتكرار للتأكيد وقيل التشديد فيه للمبالغة دون التعدية ومعناه غسل الرأس خاصة لأن العرب لهم لمم وشعور وفى غسلها كلفة فأفرد ذكر غسل الرأس لذلك. واغتسل معناه غسل سائر جسده وإليه ذهب مكحول ويؤيده الرواية الآتية (قال) النووى في شرح المهذب يروى غسل بالتخفيف والتشديد والأرجح عند المحققين التخفيف والمختار أن معناه غسل رأسه ويؤيده رواية أبى داود من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل. وإنما أفرد الرأس بالذكر لأنهم كانوا يجعلون فيه الدهن والخطمىّ ونحوهما وكانوا يغسلونه أولا ثم يغتسلون. وذكر بعض الفقهاء عسل بالعين المهملة
стр. 879
أى جامع وهو تصحيف
(قوله ثم بكر) بالتشديد على المشهور أى بادر إلى صلاة الجمعة أو إلى الجامع أو راح في الساعة الأولى وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه (وقال) ابن الأنبارى بكر أى تصدّق قبل خروجه ويجعل من ذلك ما روى في الحديث باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة رواه الطبرانى في الأوسط والبيهقي عن أنس
(قوله وابتكر) أى فعل فعل المبتكرين من الصلاة والقراءة وسائر وجوه الطاعة. وقيل معنى ابتكر أدرك أول الخطبة وأول كل شئ باكورته وقيل هما بمعنى وجمع بإنهما للتأكيد
(قوله ومشى) أى حال ذهابه للصلاة لأنه أقرب إلى الخشوع إن لم يكن له عذر أما حال رجوعه منها فلا يطالب بالمشي لانقضاء العبادة
(قوله ولم يركب) قيل إنه تأكيد لقوله مشى والمختار أنه تأسيس لإفادة شيئين "أحدهما" نفى توهم حمل المشى على المضىّ والذهاب وإن كان راكبا "والثانى" نفى الركوب بالكلية لأنه لو اقتصر على مشى احتمل أن المراد وجود شئ من المشى ولو في بعض الطريق فنفى ذلك الاحتمال وبين أن المراد مشي جميع الطريق ولم يركب في شيء منها
(قوله ودنا من الإمام واستمع) وفي نسخة فاستمع أى قرب من الإمام واستمع الخطبة فلا بدّ من الأمرين جميعا فلو قرب ولم يستمع أو استمع وهو بعيد لم ينل هذا الأجر
(قوله ولم يلغ) أى لم يتكلم لأن الكلام حال الخطبة لغو يقال لغا يلغو من باب نصر ولغى يلغى من باب علم لغتان والأولى أفصح وظاهر القرآن يقتضي الثانية قال تعالى "والغوا فيه" ولو كان من الأول لقال والغوا بضم الغين المعجمة ويقال لغى يلغى من باب فتح (واختلف) في الكلام حال الخطبة هل هو حرام أو مكروه تنزيها "فقال" مالك وأبو حنيفة والجمهور بالحرمة وهو مقتضى الأحاديث الصحيحة "وذهبت" الشافعية إلى كراهته تنزيها
(قوله بكل خطوة) بضم الخاء المعجمة ما بين الرجلين في المشى وجمعه خطى وخطوات كغرف وغرفات بسكون الراء في الثانى وضمها وفتحها وبفتح الخاء المرّة وجمعها خطوات كشهوات والمراد بكل خطوة ذهابا وإيابا أو ذهابا فقط
(قوله أجر صيامها) بالرفع بدل من العمل
(قوله وقيامها) أى إحياء ليلها بالطاعة. والظاهر أن المراد أنه يحصل أجر من استوعب السنة بالصيام والقيام لو كان ولا يتوقف على تحقق الاستيعاب من أحد. ثم الظاهر أن المراد ثبوت أصل أجر الأعمال لا مع المضاعفات المعلومة بالنصوص ويحتمل أن يكون مع المضاعفات
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب الغسل يوم الجمعة. وعلى طلب المبادرة بالذهاب إلى المسجد لصلاة الجمعة، وعلى استحباب المشى حال الذهاب إلى صلاتها وترك الركوب، وعلى طلب القرب من الخطيب والاستماع لقوله، وعلى مشروعية ترك الاشتغال بغير سماع الخطبة وأن من فعل ذلك يعطي ثوابا كثيرا جزيلا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وابن ماجه والحاكم والبيهقي والترمذى وقال حديث حسن
стр. 880
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ» ثُمَّ سَاقَ نَحْوَهُ.
(ش) هذه رواية ثانية لحديث أَوس أوردها المصنف للتصريح فيها بغسل الرأس. ولم نقف على من أخرج هذه الرواية غير المصنف من المحدّثين
(قوله خالد بن يزيد) الجمحى أبو عبد الرحيم المصرى. روى عن سعيد بن أبى هلال والزهرى وعطاء بن أبى رباح وأبى الزبير وغيرهم. وعنه الليثِ بن سعد وحيوة بن شريح والمفضل بن فضالة وبكر بن مضر وآخرون. قال ابن يونس كان فقيها مفتيا ووثقة أبو زرعة والعجلى ويعقوب بن سفيان والنسائى وابن حبان وقال أبو حاتم لا بأس به. مات سنة تسع وثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(قوله غسل رأسه) بالتخفيف وبالتشديد مبالغة. ورغبهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك لأنهم أصحاب شعور كما تقدم
(قوله ثم ساق نحوه) وفى نسخة وساق نحوه أى ساق عبادة بن نسىّ نحو حديث أبى الأشعث ويحتمل أن يكون ساق قتيبة نحو حديث محمد بن حاتم المتقدم
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ لَهَا، وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا، وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا».
(ش) (قوله ابن أبى عقيل) هو أحمد المصرى
(قوله قال أخبرنى) أى قال عبد الله بن وهب أخبرنى أسامة. وفي بعض النسخ إسقاط لفظ قال. وغرض المؤلف بهذا بيان أن رواية ابن أبي عقيل صرّح فيها ابن وهب بأن أسامة أخبره بالحديث بخلاف محمد بن سلمة فإنه رواه بالعنعنة
(قوله ومسّ من طيب امرأته) أى إن لم يكن له طيب كما في الحديث السابق
(قوله عند الموعظة) أى الخطبة وسميت موعظة لاشتمالها على الوعظ
(قوله لما بينهما) أى لما بين الجمعتين
(قوله كانت له ظهرا) أى كانت هذه الصلاة لهذا المصلي مثل صلاة الظهر في الثواب
стр. 881
بمعنى أن الفضيلة التى كانت تحصل له من صلاة الجمعة لا تحصل له لفوات شروط هذه الفضيلة بسبب ارتكابه تخطى الرقاب واللغو. وفى هذا الحديث عمرو بن شعيب وقد سبق الخلاف فيه.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب غسل الجمعة والتطيب ولبس أحسن الثياب يومها، وعلى التحذير من تخطى الرقاب والتكلم وقت الخطبة لما يترتب على ذلك من الحرمان من الثواب المرتب على صلاة الجمعة
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نَا زَكَرِيَّا، نَا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ الْعَنَزِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ " يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمِنَ الحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ ".
(ش) (قوله زكريا) بن أبى زائدة
(قوله يغتسل من أربع) أى يغتسل من بعضها ويأمر بالغسل من بعضها لأنه لم يثبت أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غسل ميتا قط
(قوله من الجنابة) من تعليلية أى من أجلها وهو بدل بإعادة الجار ولا دليل في عطف ما بعده عليه على وجوب المعطوف لأن دلالة الاقتران غير حجة قال تعالى "كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده" والأكل جائز والإيتاء واجب إجماعا فيهما
(قوله ويوم الجمعة) بالجرّ عطف على الجنابة على تقدير من التعليلية وفى تركها إشارة إلى أن الغسل الواحد يوم الجمعة ينوب عن الجنابة والسنة إذا نواهما
(قوله ومن الحجامة) بكسر الحاء المهملة من حجمه حجما من باب قتل إذا شرطه أى كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يغتسل من أجلها
(قوله ومن غسل الميت) أى من أجل تغسيله (والحكمة) في مشروعية الغسل من الحجامة ومن غسل الميت أن الدم كثيرا ما ينتشر على الجسد ويتعسر غسل كل نقطة على حدتها ولأن المصّ بالآلة جاذب للدم من كل جانب والغسل يزيل السيلان ويمنع انجذابه. وأما الاغتسال من غسل الميت فلأن رشاش الماء ينتشر على بدن الغاسل فإذا علم أنه سيغتسل لم يأل جهدا في تغسيل الميت ولأن الغاسل يمسه الميت يحصل له ضعف فالغسل يزيل ذلك الضعف (والحديث) يدلّ على أن الغسل مشروع لهذه الأربع. أما غسل الجمعة فقد تقدم. وأما الغسل للحجامة فهو سنة عند الهادوية لهذا الحديث ولما روى عن علىّ أنه قال الغسل من الحجامة سنة وإن تطهرت أجزأك "والجمهور" على عدم استحبابه لأن الحجامة كالرعاف. ولما أخرجه الدارقطنى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم احتجم ولم يزد على
стр. 882
غسل محاجمه لكن فيه صالح بن مقاتل وليس بالقوى، وأما حديث الباب فلا يحتج به لأنه متكلم فيه كما يأتى، وأما الغسل من غسل الميت فقد روى عن على وأبى هريرة وجوبه وهو قول الإمامية لحديث الباب وحديث من غسل ميتا فليغتسل رواه أحمد والأربعة عن أبى هريرة وقال أبو داود هذا منسوخ. وقال البيهقى الصحيح أنه موقوف. وقال أحمد لا يصح في الباب شيء. وقال مالك وأحمد وأصحاب الشافعى إنه مستحب وحملوا الأمر في حديث أبي هريرة على الندب لحديث كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل أخرجه الخطيب من حديث عمر وصحح ابن حجر إسناده ولحديث أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق أنها غسلت أبا بكر ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل عليّ من غسل قالوا لا رواه مالك (وقال) الليث والحنفية لا يستحب وقالوا المراد بالاغتسال في الأحاديث الواردة به غسل الأيدى لحديث إن ميتكم يموت طاهرا فحسبكم أن تغسلوا أيدكم أخرجه البيهقى وحسنه ابن حجر (قال) الخطابى قد يجمع النظم قرائن الألفاظ والأشياء المختلفة الأحكام والمعانى ترتبها وتنزلها منازلها فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق، وأما الاغتسال للجمعة فقد قام الدليل على أنه كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفعله ويأمر به استحبابا. ومعقول أن الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى ولما لا يؤمن من أن يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم فالاغتسال منه استظهار للطهارة واستحباب للنظافة. وأما الاغتسال من غسل الميت فقد اتفق أكثر العلماء على أنه غير واجب وقد روى عن أبى هريرة عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من غسل ميتا فليغتسل. وروى عن ابن المسيب والزهرى معنى ذلك. وقال النخعى وأحمد وإسحاق يتوضأ غاسل الميت وروى عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا ليس على غاسل الميت غسل (وقال) أحمد لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث. وقال أبو داود حديث مصعب بن شيبة ضعيف ويشبه أن يكون من رأى الاغتسال منه إنما رأى ذلك لما لا يؤمن أن يصيب الغاسل من رشاش المغسول نضح وربما كانت على بدن الميت نجاسة فإذا علمت سلامته منها فلا يجب الاغتسال اهـ ومما تقدم لك تعلم فقه الحديث
(من أخرح الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقى والدارقطنى ولفظه عن عائشة قالت قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الغسل من أربع من الجنابة والجمعة والحجامة وغسل الميت وقال مصعب بن شيبة ليس بالقوى ولا بالحافظ اهـ وضعفه أيضا أبو زرعة وأحمد والبخارى وصحح الحديث ابن خزيمة وأخرجه المصنف في كتاب الجنائز في باب الغسل من غسل الميت وقال حديث مصعب فيه خصال ليس العمل عليها. وقال البخارى حديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك. وقال الإمام أحمد وابن المدينى لا يثبت في هذا الباب شئ. وقال محمد بن يحيى لا أعلم فيمن غسل ميتا حديثا
стр. 883
ثابتا ولو ثبت لزمنا استعماله.
(ص) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، نَا مَرْوَانُ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ سَأَلْتُ مَكْحُولًا عَنْ هَذَا الْقَوْلِ «غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ» فَقَالَ: «غَسَّلَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ جَسَدَهُ»، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قوله «غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ». قَالَ: قَالَ سَعِيدٌ: «غَسَّلَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ جَسَدَهُ»
(ش) غرض المصنف بذكر هذين الأثرين بيان ما قاله مكحول أبو عبد الله الشامى الفقيه وسعيد بن عبد العزيز في تفسير غسل واغتسل في حديث أوس بن أوس الثقفى وهو أن معنى غسل غسل الرأس بخطمىّ ونحوه ومعنى اغتسل غسل سائر جسده. وكان المناسب ذكرهما عقب الحديث كما فعل البيهقى قال بعد تخريجه الحديث روينا عن مكحول أنه قال في قوله غسل واغتسل يعني غسل رأسه وجسده وكذلك قاله سعيد بن عبد العزيز وهذا هو الصحيح لأنهم كانوا يجعلون في رءوسهم الخطمىّ أو غيره فكانوا أولا يغسلون رءوسهم ثم يغتسلون والله تعالى أعلم اهـ
(رجال الأثرين)
(قوله مروان) بن محمد بن حسان
(قوله علىّ بن حوشب) على وزن جعفر أبو سليمان الفزارى الدمشقي. روى عن أبيه ومكحول الشامى وأبى سلام الأسود. وعنه زيد ابن يحيى والوليد بن مسلم وأبو توبة وغيرهم. وثقه أبو زرعة والعجلى وابن حبان وقال دحيم لا بأس به روى له أبو داود
(قوله محمد بن الوليد الدمشقى) بن هبيرة أبو هبيرة القلانسىّ الهاشمى. روى عن أبى مسهر وسليمان بن عبد الرحمن وعبد الله بن يزيد وغيرهم. وعنه أبو داود وأبو حاتم وأبو زرعة وآخرون. قال ابن أبى حاتم صدوق وقال مسلمة لا بأس به أحاديثه مستقيمة. توفى سنة ست وثمانين ومائتين
(قوله أبو مسهر) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء هو عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الغسانى الدمشقي. روى عن صدقة بن خالد ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ويحيى بن حمزة وجماعة. وعنه أحمد وابن معين وأبو نعيم وأبو حاتم والبخارى وآخرون. قال أحمد رحم الله أبا مسهر ما كان أثبته ووثقه ابن معين والعجلى وقال الخليلى ثقة حافظ إمام متفق عليه وقال ابن وضاح كان ثقة فاضلا وقال ابن حبان كان إمام أهل الشام في الحفظ والإتقان وإليه كان يرجع أهل الشام في الجرح والعدالة لشيوخهم وقال التنوخى كان من أحفظ الناس وقال أبو حاتم ما رأيت فيمن كتبنا عنه أفصح منه ولا رأيت أحدا في كورة أعظم قدرا ولا أجلّ عند أهل العلم من أبى مسهر وقال أبو داود كان من ثقات الناس. ولد سنة أربعين ومائة. وتوفى ببغداد
стр. 884
سنة ثمانى عشرة ومائتين وهو ابن سبع وسبعين سنة. روى له الجماعة إلا البخارى
(قوله سعيد ابن عبد العزيز) بن أبى يحيى التنوخى أبى محمد أو أبى عبد العزيز الدمشقى. روى عن الزهرى وبلال بن سعد وزيد بن أسلم ومكحول وعطاء وغيرهم. وعنه الثورى وشعبة وابن المبارك والوليد بن مسلم وأبو مسهر وكثيرون. وثقه ابن معين وأبو حاتم وابن سعد والعجلى والنسائى وقال أحمد ليس بالشام رجل أصح حديثا منه وقال الحاكم أبو عبد الله هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة في التقدّم والفضل والفقه والأمانة دينا وورعا وكان مفتى أهل دمشق وقال ابن حبان في الثقات كان من عباد أهل الشام وفقهائهم ومتقنيهم في الرواية وقال ابن معين اختلط قبل موته ولد سنة تسعين. ومات سنة سبع أو ثمان وستين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
(ش) (قوله عن سمىّ) هو مولى أبى بكر بن عبد الرحمن
(قوله من اغتسل) يدخل في عمومه كل من يصح منه التقرّب ولو أنثى أو مريضا أو مسافرا أو عبدا
(قوله غسل الجنابة) بنصب غسل صفة لمحذوف أى غسلا كغسل الجنابة ويشهد له رواية ابن جريج عن سمىّ عند عبد الرزاق فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة. وظاهره أن التشبيه في الكيفية لا في الحكم وهو قول الأكثر. وقيل إن المراد غسل الجنابة حقيقة حتى يستحب له أن يواقع زوجه ليكون أغضّ لبصره وأسكن لنفسه ويشهد له ما في حديث أوس السابق من قوله من غسل يوم الجمعة واغتسل الخ
(قوله ثم راح الخ) أى ذهب أول النهار. زاد في الموطأ في الساعة الأولى ويدلّ على هذا المعنى قرينة المقابلة وهى تعين المراد (قال) مالك المراد بالساعات لحظات لطيفة بعد زوال الشمس وبه قال القاضى حسين وإمام الحرمين من الشافعية وادّعوا أن ذلك حقيقة الرواح في اللغة لأن حقيقته من الزوال إلى آخر النهار والغدوّ من أوله إلى الزوال (ومذهب) جماهير العلماء
стр. 885
استحباب التبكير إلى الجمعة أول النهار وبه قال الشافعى وابن حبيب المالكي. والساعات عندهم من أول النهار والرواح يكون أول النهار وآخره كما قاله الأزهرى وهذا هو الصواب الذى يقتضيه الحديث والمعنى لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى وهو كالمهدى بدنه ثم من جاء في الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة وفى رواية النسائى السادسة وفي رواية مسلم والنسائى فإذا خرج الإمام طووا الصحف ولم يكتبوا بعد ذلك أحدا. ومعلوم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يخرج إلى الجمعة متصلا بالزوال وهو بعد انقضاء السادسة فدلّ على أنه لا شيء من الفضيلة لمن جاء بعد الزوال فلا يصح حمل الرواح على ما بعد الزوال. ولأن ذكر الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق وتحصيل الصف الأول وانتظار الصلاة والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوهما ولا يحصل هذا بعد الزوال. ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال لأن النداء يكون حينئذ ويحرم التخلف بعد النداء (واختلف) العلماء هل تعتبر الساعات من طلوع الفجر أم من طلوع الشمس (فقال) الروياني إن ظاهر كلام الشافعى أن التبكير يكون من طلوع الفجر وصححه الرافعى والنووى (وقال) الماوردى الأصح أنه من طلوع الشمس لأن ما قبل ذلك زمان غسل وتأهب (وقال) الرافعىّ ليس المراد من الساعات الساعات الفلكية وإنما المراد ترتيب الدرجات وتفضيل السابق على الذى يليه ومن جاء في أول ساعة من هذه الساعات ومن جاء في آخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو الكبش ولكن بدنه الأول أكمل من بدنة من جاء في آخر الساعة وبدنة المتوسط متوسطة وهذا كما أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة ومعلوم أن الجماعة تطلق على اثنين وعلى ألوف فمن صلى في جماعة هم عشرة آلاف له سبع وعشرون درجة ومن صلى مع اثنين له سبع وعشرون درجة لكن درجات الأول أكمل. وأشباه هذا كثيرة. وقوله فكأنما قرّب بدنة أى تصدّق كقوله تعالى "إذ قرّبا قربانا" أى تصدّقا متقرّبين إلى الله تعالى. وقيل المراد أن للمبادر في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب ممن شرع له القربان لأن القربان لم يشرع لهذه الأمة على الكيفية التى كانت للأمم الماضية. وقيل ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة في الثواب وأن نسبة ثواب الثاني إلى الأول كنسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلا ويدلّ عليه أن في مرسل طاوس عند عبد الرزاق كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة وقيل معناه الإهداء بها إلى الكعبة لما في رواية للبخارى من قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومثل المهجر كمثل الذى يهدى بدنة من الإهداء (وردّ) بأن إهداء الدجاجة والبيضة غير معهود فالوجه حمل رواية البخارى على التصدق أيضا. ولا وجه للردّ لأن الكلام وقع على التشبيه أى لو كان إهداء الدجاجة والبيضة ثابتا وأهدى أحد ذلك حصل له ثوابه فكذلك من أتى
стр. 886
إلى الجمعة في الساعات المذكورة يعطى له مقدار ثواب ذلك. والغرض من هذا التشبيه الحث على التبكير لأن حسنات الحرم أعظم "وأجاب" القسطلانى بأنه من باب المشاكلة أى تسمية الشئ باسم قرينه. والبدنة تقع على الواحدة من الإبل والغنم والبقر كما قال جمهور أهل اللغة. وسميت بذلك لعظم بدنها. وخصها جماعة بالإبل وهو المراد هنا بالاتفاق. والبدنة والبقرة يقعان على الذكر والأنثى والهاء فيه للوحدة كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس (قال) النووى فيه أن التضحية بالإبل أفضل من البقر لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قدّم الإبل وجعل البقر في الدرجة الثانية اهـ وسيأتى الكلام على ذلك في كتاب الضحايا إن شاء الله تعالى
(قوله فكأنما قرّب كبشا أقرّن) الكبش فحل الغنم وصفه بأقرن لأنه أكمل وأحسن صورة
(قوله فكأنما قرّب دجاجة) بفتح الدال المهملة وكسرها تطلق على الذكر والأنثى والتاء للوحدة لا للتأنيث
(قوله فكأنما قرّب بيضة) واحدة البيض والجمع بيوض وجاء في الشعر بيضاة، وفى رواية النسائى بعد الكبش بطة ثم دجاجة ثم بيضة. وفي رواية بعد الكبش دجاجة ثم عصفور ثم بيضة وإسناد الروايتين صحيح "فإن قيل" كيف يتقرّب بالدجاجة والبيضة "قلنا" قد تقدم أن معنى التقرّب التصدق ويجوز التصدق بالدجاجة والبيضة ونحوهما. وفيه دليل على أن التقرّب والصدقة يقعان على القليل والكثير
(قوله حضرت الملائكة) بفتح الضاد المعجمة وكسرها لغتان مشهورتان والفتح أشهر وأفصح وفى مسلم فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر والمراد أنهم يطوون الصحف التي كانوا يكتبون فيها ثواب حاضرى صلاة الجمعة فلا يكتب بعد ذلك ثواب مخصوص بحضور الجمعة من هذه الأنواع. وكأن ابتداء طىّ الصحف عند ابتداء خروح الإمام وانتهاءه بجلوسه على المنبر وهو أول سماعهم الخطبة. والمراد من الملائكة الملائكة الذين وظيفتهم كتابة حاضرى الجمعة وما يشتمل عليه من ذكر وغيره وهم غير الحفظة
(قوله يستمعون الذكر) أى الخطبة لأن فيها ذكر الله تعالى والثناء عليه والموعظة والوصية للمسلمين
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب الغسل يوم الجمعة، وعلى طلب المبادرة بالذهاب إلى مسجد الجمعة، وعلى أن الجزاء على قدر العمل، وعلى أن الجمعة تحضرها الملائكة.
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى والترمذى وقال حديث حسن صحيح وكذا البيهقى في باب فضل التبكير إلى الجمعة وأخرجه ابن ماجه من حديث سعيد ابن المسيب عن أبى هريرة قالا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على قدر منازلهم الأول فالأول فإذا خرج الإمام طووا الصحف واستمعوا الخطبة فالمهجر إلى الصلاة كالمهدى بدنة ثم الذى يليه كمهدى بقرة ثم الذى يليه كمهدى كبش حتى ذكر الدجاجة والبيضة
стр. 887
(باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة)
أى في بيان التسهيل في ترك الغسل يوم الجمعة لعدم وجوبه
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ مُهَّانَ أَنْفُسِهِمْ، فَيَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ بِهَيْئَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: «لَوِ اغْتَسَلْتُمْ».
(ش) (قوله عن عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية
(قوله كان الناس مهان أنفسهم) بضم الميم وتشديد الهاء جمع ماهن ككتاب جمع كاتب "وقال" الحافظ أبو موسى مهان بكسر الميم والتخفيف جمع ماهن كقيام وصيام جمع قائم وصائم. وفي رواية البخارى مهنة أنفسهم جمع ماهن أيضا ككتبة جمع كاتب والماهن الخادم أى كانوا يخدمون أنفسهم ويعملون أعمالهم بأنفسهم إذ لم يكن لهم من يخدمهم في ذلك الوقت والإنسان إذا باشر العمل الشاقّ حمى بدنه وعرق ولا سيما في البلاد الحارّة فربما تكون منه الرائحة الكريهة فأمروا بالاغتسال تنظيفا للبدن وقطعا للرائحة
(قوله فيروحون بهيئتهم) أى يذهبون إلى صلاة الجمعة بحالتهم التي هم عليها من العرق ووسخ أجسادهم فكانت تظهر لهم رائحة كريهة
(قوله فقيل لهم لو اغتسلم) لو للتمنى فلا تحتاج إلى جواب أو للشرط فيكون الجواب محذوفا تقديره لكان حسنا. والقائل لهم هو النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ففى رواية البخارى فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا وهو يدلّ على عدم وجوب غسل الجمعة لأنهم لم يؤمروا بالاغتسال إلا لأجل تلك الروايح الكريهة فإذا زالت زال الوجوب. والأحاديث الواردة في الأمر بالغسل محمولة على الندب جمعا بين الأحاديث
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن وقت الجمعة بعد الزوال وهو وقت الظهر لقوله في الحديث فيروحون والرواح من بعد الزوال كما قاله أكثر أهل اللغة، وعلى أن حكمة الاغتسال يوم الجمعة إزالة الرائحة الكريهة حتى لا تتأذى الناس والملائكة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى بلفظ كان الناس مهنة أنفسهم وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم فقال لهم لو اغتسلتم. وأخرجه مسلم بلفظ كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاءة فكانوا يكون لهم تفل "بفتحتين أى رائحة كريهة" فقيل لهم لو اغتسلتم. وأخرجه الطحاوى بلفظ كان الناس عمال أنفسهم الخ وقال فهذه عائشة تخبر بأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما ندبهم إلى الغسل للعلة التي أخبر بها ابن عباس "أى في الحديث الآتى" وأنه لم يجعل ذلك عليهم حتما وهى ممن روينا عنها أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأمر بالغسل
стр. 888
في ذلك اليوم اهـ.
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو يعني ابْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ، وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ، وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدْءُ الْغُسْلِ كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ -إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ- فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الرِّيحَ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمَ فَاغْتَسِلُوا، وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ، وَكُفُوا الْعَمَلَ وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمْ، وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عمرو يعنى ابن أبى عمرو) ميسرة المدني ابن عبد الله بن حنطب. روى عن عكرمة وسعيد بن جبير وأنس بن مالك وغيرهم. وعنه مالك بن أنس وسليمان ابن بلال وسعيد بن سلمة وكثيرون. قال أبو حاتم وأحمد ليس به بأس وقال النسائى ليس بالقوى وقال ابن معين ضعيف ليس بالقوى وليس بحجة ووثقه أبو زرعة وقال ابن عدى لا بأس به لأن مالكا قد روى عنه وهو لا يروى إلا عن صدوق ثقة وقال ابن حبان في الثقات ربما أخطأ يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه وقال العجلي ثقة ينكر عليه حديث البهيمة "يعنى من أتى بهيمة فاقتلوه" وقال الذهبى حديثه حسن وقال الساجى صدوق إلا أنه يهم. مات سنة خمسين ومائة. روى له الجماعة.
(معنى الحديث)
(قوله من أهل العراق) أى العربى وهي بلاد تمتدّ من الخليج الفارسى
стр. 889
إلى الموصل
(قوله ولكنه أطهر وخير) أى أكمل طهارة للبدن وأفضل ثوابا لورود الحث عليه
(قوله وسأخبركم كيف بدء الغسل الخ) أى سأبين لكم سبب ابتداء مشروعية غسل الجمعة وهو أن الصحابة كانوا مجهودين أى واقعين في الجهد والمشقة لتحصيل معاشهم لعدم وجود الخدم وكان مسجدهم ضيقا أى طولا وعرضا فكان سبعين ذراعا في ستين وكان له ثلاثة أبواب ولم يسطحوه فشكوا الحرّ فجعلوا خشبه وسواريه جذوع النخل وظللوه بالجريد ثم بالخوص ثم طينوه وكان ارتفاعه قامة وشبرا وبقى كذلك إلى خلافة عمر فزاد فيه وبناه باللبن والجريد ثم زاد فيه عثمان وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والجصّ وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج
(قوله إنما هو عريش) بفتح العين المهملة وهو ما يستظل به أى أن سقفه كان من الجريد والسعف كما تقدّم
(قوله حتى ثارت منهم رياح) أى هاجت وظهرت من أجسادهم رياح كريهة يقال ثار يثور ثورا وثورانا إذا انتشر وظهر
(قوله فلما وجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى أحسّ بتلك الريح الكريهة أو وجد أثرها من الأذى
(قوله من دهنه وطيبه) بضم الدال المهملة هو ما يدّهن به من الزيت ودهن السمسم وغيرهما من الأدهان المطيبة وكذا الطيب يتناول سائر أنواع الطيب كالمسك والعنبر والمراد دهن الشعر وتطييب سائر البدن
(قوله ثم جاء الله تعالى ذكره بالخير) أى المال وأتى بثم للدلالة على التراخى في الزمان لأنهم مكثوا مجهودين مدّة طويلة ثم فتح الله تعالى مصر والشام والعراق على أيدى الصحابة وكثرت أموالهم وعبيدهم فغيروا اللبس والبناه وغير ذلك. وفى ثم أيضا دلالة على التراخى في الرتبة لأن أحوال جهدهم كانت منبئة عن عدم ظهور الإسلام بخلاف أحوال سعتهم فإنها منبئة عن ظهوره وليس المراد أن الغنى خير من الفقر حتى يكون الشكر أفضل من الصبر فإن الجمهور على خلافه
(قوله وكفوا العمل) بالبناء للمفعول مخففا أى أغناهم الله تعالى عن العمل باستغنائهم أو بإعطائهم الخدم. يقال كفاه الله يكفيه إذا أغناه. وظاهر كلام ابن عباس أن الغسل كان في أول الإسلام واجبا لدفع الإيذاء بالريح الكريهة حينئذ ثم لما زال سبب الإيذاء نسخ وجوبه وبه إن صح يجمع بين الأحاديث السابقة (قال) الطحاوى بعد رواية ابن عباس فهذا ابن عباس يخبر أن الأمر الذى أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم به لم يكن للوجوب عليهم وإنما كان لعلة ثم ذهبت تلك العلة فذهب وجوب الغسل وهو احد من روى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه كان يأمر بالغسل اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب الغسل يوم الجمعة، وعلى أنه يطلب ممن أراد المسجد أو مجالسة الناس أن يتجنب الريح الكريهة في جسده وثوبه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار والحاكم وكذا البيهقى
стр. 890
بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس أن رجلين من أهل العراق أتياه فسألاه عن الغسل يوم الجمعة أواجب هو فقال لهما ابن عباس من اغتسل فهو أحسن وأطهر وسأخبركم لماذا بدأ الغسل كان الناس في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم محتاجين يلبسون الصوف ويسقون النخل على ظهورهم وكان المسجد ضيقا مقارب السقف فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الجمعة في يوم صائف شديد الحرّ ومنبره قصير إنما هو ثلاث درجات فخطب الناس فعرق الناس في الصوف فثارت أرواحهم ريح العرق والصوف حتى كاد يؤذى بعضهم بعضا حتى بلغت أرواحهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو على المنبر فقال يا أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمسّ أحدكم ما يجد من طيبه أو دهنه
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ».
(ش) (قوله أبو الوليد) هشام بن عبد الملك. و (همام) بن يحيى
(قوله من توضأ فبها ونعمت) وفى بعض النسخ من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت أى فبرخصة الوضوء ينال الفضل ونعمت هذه الرخصة. ونعم بكسر النون وسكون العين على المختار ويجوز فتح النون وكسر العين وفتح الميم وهو الأصل في هذه اللفظة. وقيل إن التقدير فبالسنة أخذو نعمت الخصلة هي. وفيه نظر لأنه إنما يكون آخذا بالسنة إذا اغتسل أما إذا توضأ فإنما أتى بالفرض الذى عليه
(قوله فهو أفضل) أى الغسل المفهوم من اغتسل أفضل لأنه تطهير أكمل (قال) الخطابى فيه البيان الواضح أن الوضوء كاف للجمعة وأن الغسل لها فضيلة لا فريضة اهـ (وقال) الترمذى دلّ هذا الحديث على أن الغسل يوم الجمعة فيه فضل من غير وجوب اهـ
(تخريج الحديث وبيان حاله) اعلم أن هذا الحديث روى عن سمرة وأنس وأبى سعيد الخدرى وأبى هريرة وجابر وعبد الرحمن بن سمرة وابن عباس، أما حديث سمرة فهو حديث الباب وأخرجه الترمذى في فضل غسل الجمعة وقال حديث حسن وأخرجه النسائى في الباب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة وقال لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة اهـ ورواه أحمد والبيهقي وابن أبى شيبة في مصنفه. وأما حديث أنس فرواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن يزيد الرقاشى عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت يجزئُ عنه الفريضة ومن اغتسل فالغسل أفضل وأخرجه البيهقى بنحوه وزاد والغسل من السنه ولم يذكر يجزئُ عنه الفريضة وسنده ضعيف لضعف يزيد بن أبان الرقاشى، وأما حديث أبى سعيد الخدرى فرواه البيهقى في سننه والبزار في مسنده من طريق أبي نضرة عن أبى سعيد. وأما حديث أبى هريرة
стр. 891
فأخرجه البزار من طريق أبى بكر الهذلى وأعله ابن عدى في الكامل بأبى بكر الهذلى، وأما حديث جابر فرواه عبد بن حميد في مسنده من طريق أبان عن أبى نضرة عن جابر مرفوعا. ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن الثورى عن رجل عن أبى نضرة ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده وابن عدى في الكامل، وأما حديث عبد الرحمن بن سمرة فرواه الطبرانى في معجمه الوسط وأما حديث ابن عباس فرواه البيهقى في سننه عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من توضأ فبها ونعمت ويجزئُ من الفريضة ومن اغتسل فالغسل أفضل (واعلم) أيضا أن في سماع الحسن من سمرة ثلاثة مذاهب (الأول) أنه سمع منه مطلقا وهو قول ابن المدينى ذكره عنه البخارى في أول تاريخه الوسط عن إسرائيل قال سمعت الحسن يقول ولدت لسنتين بقيتا من خلافة عمر (وقال) علىّ سماع الحسن من سمرة صحيح. ونقله الترمذى في كتابه قال في باب الصلاة الوسطى قال محمد بن إسماعيل يعنى البخارى قال على يعنى ابن المدينى سماع الحسن من سمرة صحيح (وقال) الترمذى سماع الحسن من سمرة عندى صحيح، واختار الحاكم هذا القول وأخرج في كتابه عدّة أحاديث من رواية الحسن عن سمرة وقال في بعضها على شرط البخارى (الثانى) أنه لم يسمع منه شيئا واختاره ابن حبان في صحيحه فقال بعد أن روى حديث الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت له سكتتان والحسن لم يسمع من سمرة شيئا (وقال) صاحب التنقيح قال ابن معين الحسن لم يلق سمرة (وقال) شعبة الحسن لم يسمع من سمرة (وقال) البردعي أحاديث الحسن عن سمرة كتاب ولا يثبت عنه حديث قال فيه سمعت سمرة (الثالث) أنه سمع منه حديث العقيقة لا غير قاله النسائى وإليه مال الدارقطنى فقال في حديث السكتتين والحسن اختلف في سماعه من سمرة ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة فيما قاله قريش بن أنس واختاره عبد الحق في أحكامه واختاره البزار في مسنده أفاده العينى (أقول) المختار القول الأول لأن المثبت مقدّم على النافى (قال) الحافظ فأما الحديث فعوّل على المعارضة به كثير من المصنفين ووجه الدلالة منه قوله فالغسل أفضل فإنه يقتضى اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل فيستلزم إجزاء الوضوء ولهذا الحديث طرق أشهرها وأقواها رواية الحسن عن سمرة أخرجها أصحاب السنن الثلاثة وابن خزيمة وابن حبان وله علتان إحداهما أنه من عنعنة الحسن والأخرى أنه اختلف عليه فيه وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس والطبرانى من حديث عبد الرحمن بن سمرة والبزار من حديث أبى سعيد وابن عدىّ من حديث جابر وكلها ضعيفة اهـ
(باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل)
أى يؤمر بعد الإسلام بالغسل ونحوه كالحلق والاختتان كما في الحديث الآتى. ويسلم من الإسلام
стр. 892
وهو الإقرار بالشهادتين، وفي بعض النسخ باب الرجل يسلم فيؤمر بالغسل
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ، نَا الْأَغَرُّ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدِّهِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله سفيان) الثورى
(قوله الأغر) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء ابن الصباح الكوفى التميمي المنقرى مولى آل قيس بن عاصم. روى عن خليفة بن حصين وأبى نضرة. وعنه الثورى وأبو شيبة وقيس بن الربيع، وثقه العجلى والنسائى وابن معين وابن حبان وقال أبو حاتم صالح. روى له أبو داود والترمذى والنسائى
(قوله خليفة ابن حصين) بن قيس بن عاصم التميمى المنقرى البصرى. روى عن أبيه وجده وعلى بن أبى طالب وزيد بن أرقم وأبى الأحوص. وعنه الأغرّ بن الصباح. وثقه النسائى وابن حبان. روى له أبو داود والترمذى والنسائى
(قوله عن جدّه قيس بن عاصم) بن سنان بن خالد بن منقر بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف ابن عبيد السعدى التميمي. وفد على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في وفد بنى تميم سنة تسع فأسلم فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا سيد أهل الوبر وكان عاقلا حليما جوادا، روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعنه ابناه حكيم وحصين والأحنف بن قيس والحسن البصرى وغيرهم. قال ابن عبد البر كان قد حرم على نفسه الخمر في الجاهلية نزل البصرة وبنى بها دارا، ومات بها عن اثنين وثلاثين ذكرا من أولاده، روى له أبو داود والترمذى والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله فأمرنى أن أغتسل بماء وسدر) أى أمرنى بالاغتسال بماء مخلوط بورق النبق بعد ما أسلمت. ويؤيده ما في رواية الترمذى والنسائى من أنه أسلم فأمره النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالغسل. ويحتمل أنه أمره بالغسل أولا ثم أسلم ويؤيده ما رواه البخارى في المغازى في قصة ثمامة بن أثال بلفظ فقال أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا رسول الله (وبالحديث) استدلّ من قال بوجوب الغسل على من أسلم لأن الأمر يدلّ على الوجوب وبه قال أحمد وأبو ثور وقالوا لا يخلو المشرك في أيام كفره من جماع أو احتلام وهو لا يغتسل ولو اغتسل لم يصح منه لأن الاغتسال من الجنابة فرض فلا يجزئه إلا بعد الإيمان كالصلاة والزكاة، واستدل أيضا من قال بالوجوب بحديث أبى هريرة أن ثمامة أسلم فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
стр. 893
إذهبوا به إلى حائط بنى فلان فمروه أن يغتسل رواه أبو عبد الرزاق والبيهقى وابن خزيمة وابن حبان وبحديث أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالغسل واثلة وقتادة الرهاوى عند الطبرانى وعقيل ابن أبى طالب عند الحاكم في تاريخ نيسابور وفى أسانيد الثلاثة ضعف كما قاله الحافظ (وذهب) مالك والشافعى والهادى إلى وجوبه على من أجنب حال كفره اغتسل أم لا لعدم صحة غسله وإلى استحبابه لمن لم يجنب، واستدلوا بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يأمر كل من أسلم بالغسل ولو كان واجبا لما خص بالأمر به بعضا دون بعض فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب وأما وجوبه على من أجنب فللأدلة القاضية بوجوبه لأنها لم تفرق بين كافر ومسلم (وقال) أبو حنيفة وأصحابه بوجوبه على من أجنب ولم يغتسل حال كفره فإن اغتسل لا يجب لما تقدّم من الأدلة ولا يصح قياسه على الصلاة والزكاة لأنهما لا يصحان بدون النية لعدم الإيمان بخلاف اغتساله لأن الماء مطهر بنفسه فلا يحتاج إلى النية (وقال) المنصور بالله باستحبابه مطلقا وإن لم يغتسل من جنابة أصابته قبل إسلامه لحديث الإسلام يجبّ ما قبله (واحتلفوا) في الشرك يتوضأ حال شركه ثم يسلم (فقالت) الحنفية يصلى بالوضوء المتقدّم حال شركه لكن لو تيمم ثم أسلم لم يصلّ بذلك التيمم بل يستأنف تيمما آخر في الإسلام إن لم يجد الماء. والفرق بينهما عندهم أن التيمم مفتقر إلى النية ونية العبادة لا تصح من مشرك والوضوء غير مفتقر إلى نية فإذا وجد من المشرك حكم بصحته كما يوجد من المسلم (وقال) مالك والشافعى وأحمد إذا توضأ وهو مشرك أو تيمم ثم أسلم أعاد الوضوء للصلاة بعد الإسلام وكذا التيمم فلا فرق بينهما (وقول) أحمد بإيجاب الاغتسال والوضوء عليه إذا أسلم أشبه بظاهر الحديث
(فقه الحديث) دلّ الحديث على وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم وقد علمت ما فيه من التفصيل والخلاف، وعلى مشروعية الاغتسال بماء خلط بما يقصد به النظافة كالصابون
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وابن حبان وابن خزيمة والنسائى والبيهقى والترمذى وقال حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه وصححه ابن السكن
(ص) حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أُخْبِرْتُ عَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَقَالَ: قَدْ أَسْلَمْتُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ» يَقُولُ: احْلِقْ قَالَ: وأَخْبَرَنِي آخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ لِآخَرَ مَعَهُ: «أَلْقِ عَنْكَ
стр. 894
شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ».
(ش) لعلّ وجه مناسبة الحديث للترجمة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما أمره بإزالة شعر الكفر والاختتان الذى هو شعار الإسلام فإزالة الأوساخ التى في حال الكفر أولى وأهمّ لأن النظافة مندوب إليها في الإسلام.
(رجال الحديث)
(قوله ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز
(قوله أخبرت) بالبناء للمفعول والذى أخبره هو إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى كما قاله ابن عدى وقد ينسب إلى جدّه أبى إسحاق المدنى. روى عن الزهرى ويحيى بن سعيد وابن المنكدر وغيرهم. وعنه الثورى وابن جريج قال يحيى القطان سألت مالكا عنه أكان ثقة قال لا ولا ثقة في دينه وقال أحمد كان قدريا جهميا كل بلاء فيه لا يكتب حديثه كان يروى أحاديث منكرة وقال النسائى متروك الحديث وقال الشافعى كان ثقة في الحديث وقال أحمد بن محمد بن سعيد ليس بمنكر الحديث وقال ابن عدى نظرت في حديثه الكثير فلم أجد فيه منكرا وإنما يروى المنكر من قبل الراوى عنه أو من قبل شيوخه وهو من جملة من يكتب حديثه ولكنه جزم بضعفه. مات سنة أربع وثمانين ومائة، روى له ابن ماجه
(قوله عن عثيم) بضم العين المهملة وفتح المثلثة وسكون المثناة التحتية ابن كثير (بن كليب) الحجازى الحضرمى وقد ينسب إلى جده كما هنا. روى عن أبيه عن جده. وعنه محمد بن مسلم وإبراهيم بن أبى يحيى. وثقه ابن حبان وقال في التقريب مجهول ولا وجه لمن عدّ ابن جريج ممن روى عنه قال الحافظ في تهذيب التهذيب إنما قال البخارى في تاريخه قال ابن جريج أخبرت عن عثيم وكذا قال ابن حبان روى ابن جريج عن رجل عنه وقال ابن ماكولا روى عنه إبراهيم بن أبى يحيى فسمى جدّه كلابا وروى عنه عبد الله بن منيب فقال عثيم بن قيس ابن كثير ونسبه الجوسق إلى جدّه اهـ وغرضه أولا الردّ على من جعل ابن جريج من تلاميذ عثيم فإن قوله أخبرت عن عثيم صريح في أن بينهما واسطة وقد علمت أنه إبراهيم بن محمد. وثانيا بيان أنه لا خلاف في أن كليبا ليس أبا لعثيم فمن نسبه إليه فقد أسقط أباه وهو كثير أو قيس على الخلاف فيه
(قوله عن أبيه) هو كثير على الصواب خلافا لما يوهمه ظاهر سياق المصنف روى عن أبيه. وعنه ابنه عثيم. قال ابن خراش صدوق. روى له مسلم وأبو داود والنسائى
(قوله عن جده) هو كليب الجهنى أو الحضرمى صحابى له ثلاثة أحاديث أحدها هذا والآخران رواهما الواقدى وذكر ابن منده وغيره أن اسم والد كليب الصلت وترجم له في الصحابة بناء على ظاهر الإسناد وليس الأمر كذلك بل الصواب أنه عثيم بن كثير بن كليب والصحبة لكليب وكان من ابن جريج أنه نسب عثيما إلى جدّه فصار الظاهر أن الصحابى والد كليب وليس كذلك
стр. 895
وإنما كليب هو الصحابي ولا يعرف لأبيه صحبة وقد روى ابن منده هذا الحديث من طريق إبراهيم بن أبي يحيى عن عثيم على الصواب وكذا رواه أحمد في المسند أفاده في تهذيب التهذيب وقال في الخلاصة روى عنه ابنه كثير اهـ "وقول" العينى كليب والد عثيم البصرى روى عن أبيه وعنه ابنه عثيم اهـ "تبع" فيه ظاهر سياق المصنف وقد علمت ما فيه
(معنى الحديث)
(قوله ألق عنك شعر الكفر) أى أزله عنك وليس المراد أن كل من أسلم يلزمه أن يحلق رأسه كما يلزمه الغسل بل إضافة الشعر إلى الكفر تدل على أن المراد حلق الشعر الذى هو علامة خاصة للكفار وهي مختلفة باختلاف البلاد فكفرة الهند ومصر لهم في موضع من الرأس شعور طويلة لا يتعرّضون لها بحلق ولا قصّ وإذا أرادوا حلق الرأس حلقوا ما عدا ذلك وهو على الظاهر علامة مميزة بين الكفر والإسلام فأمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كليبا ومن كان معه أن يحلقا شعرهما الذى كان علامة على الكفر. وقيل المراد من شعر الكفر والشوارب والآباط (قال) العيني إنما أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالحلق زيادة لتنظيفه وإزالة للشعر الذى رباه في الكفر وأما أمره بالاختتان فظاهر ولو أسلم الكافر ولم يطق الم الختان يترك اهـ
(قوله يقول احلق) تفسير من الراوى لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألق عنك شعر الكفر
(قوله قال وأخبرني آخر الخ) أى قال كثير والد عثيم أخبرنى غير كليب من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لآخر مع المخبر أو مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألق عنك شعر الكفر واختن. واختتن أمر من الاختتان وهو في الرجل قطع الجلدة التي تغطى الحشفة وفي المرأة قطع الجلدة التي فوق محل الإيلاج وتشبه عرف الديك. وفيه دلالة على أن الاختتان على من أسلم واجب وأنه علامة على الإسلام. لكن الحديث ضعيف لجهالة الواسطة بين ابن جريج وعثيم. وعلى أنه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى كما تقدم فقد علمت أنه متكلم فيه لا لجهالة عثيم وأبيه خلافا لما ادعاه الحافظ، وقد تقدم الكلام في الاختتان وافيا في باب السواك من الفطرة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب ممن أسلم أن يزيل شعره وأن يختتن. وسرّه أن يتمثل عنده الخروج من الكفر بأجلى معانيه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والطبرانى وابن عدى والبيهقى وابن منده وفيه انقطاع كما تقدم
(باب المرأة تغسل ثوبها الذى تلبسه في حيضها)
وفى بعض النسخ الذى تلبسه في حيضتها أى في بيان كيفية تطهير المرأة ثوبها من دم الحيض
стр. 896
بالماء وغيره كالريق كما في الحديث الثاني
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْحَسَنِ يَعْنِي جَدَّةَ أَبِي بَكْرٍ الْعَدَوِيِّ، عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الْحَائِضِ يُصِيبُ ثَوْبَهَا الدَّمُ قَالَتْ: «تَغْسِلُهُ فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ». قَالَتْ: «لَقَدْ كُنْتُ أَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ ثَلَاثَ حِيَضٍ جَمِيعًا لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أم الحسن يعنى جدّة أبى بكر العدوى) روت عن معاذة العدوية عن عائشة. وعنها عبد الوارث بن سعيد وعبد الصمد بن عبد الوارث، مجهولة كما في التقريب والميزان. روى لها أبو داود وابن ماجه
(قوله معاذة) بنت عبد الله العدوية البصرية
(معنى الحديث)
(قوله تغسله الخ) أى تزيل الدم عن الثوب بالغسل وتصلى فيه فإن بقى أثر الدم من لون أو ريح فلتستره بنحو الورس أو الزعفران، وفي رواية للدارمى عن عائشة إذا غسلت المرأة الدم فلم يذهب فلتغيره بصفرة ورس أو زعفران، وعن سعيد بن جبير في الحائض يصيب ثوبها من دمها قال تغسله ثم تلطخ مكانه بالورس والزعفران أو العنبر رواه عبد الرزاق في مصنفه، والغرض من ذلك إزالة الرائحة الكريهة ودفع الوسوسة
(قوله ثلاث حيض جميعا) أى مجتمعات متواليات
(قوله لا أغسل لى ثوبا) أى لأن الدم لم يكن يصيب ثوبها لكمال تحفظها ونظافتها رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا وهذا الحديث موقوف لكنه في حكم المرفوع لأن عدم غسل ثوبها الذي كانت تلبسه زمن الحيض كان في عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم ينكر عليها والقول بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يقف على فعلها بعيد.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على نجاسة دم الحيض، وعلى أنه يطهر بالغسل ولا يضرّ بقاء أثره، وعلى أنه يطلب من المرأة التحفظ من النجاسات، وعلى أن ما كان الأصل فيه الطهارة فهو باق على طهارته حتى تظهر فيه نجاسة فيجب غسلها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارمى
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ يَذْكُرُ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ،
стр. 897
فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا، ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِرِيقِهَا».
(ش) (قوله مجاهد) بن جبر المكي
(قوله إلا ثوب تحيض فيه) جملة في محل رفع صفة لثوب. لا يقال هذا معارض بحديث أم سلمة الذى رواه البخارى في باب من سمى النفاس حيضا فأخذت ثياب حيضتي وهو يدلّ على تعدّد الثوب لأن حديث عائشة محمول على ما كان في أول الإسلام وحديث أم سلمة محمول على ما كان بعد اتساع الحال
(قوله فإن أصابه) أى الثوب، وفي نسخة فإذا أصابه
(قوله بلته بريقها) من البلل ضد اليبس وهو من باب نصر وفى رواية البخارى قالت بريقها والمراد بلته كما هنا
(قوله ثم قصعته بريقها) وفى نسخة بظفرها أى دلكته به، وأكثر روايات البخارى فمصعته بالميم والمصع التحريك والفرك بالظفر وأما فصع الرطبة فهو بالفاء وهو أن يأخذها بين أصبعيه فيغمزها أدنى غمز فتخرج الرطبة خالعة قشرها (واستدلّ) أبو حنيفة وأصحابه بالحديث على جواز إزالة النجاسة من الثوب وغيره بغير الماء من كل مائع طاهر مزيل كالريق والخلّ (وقال) غيرهم لا يصح إزالتها إلا بالماء وقالوا إن الحديث وارد في الدم اليسير الذى يكون معفوّا عنه وأما الكثير منه فصح عنها أنها كانت تغسله، ويؤيده ما سيأتى للمصنف من طريق عطاء عن عائشة وفيه ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها (قال) الحافظ في الفتح وليس فيه "أى في حديث عائشة" أنها صلت فيه "أى الثوب" فلا يكون فيه حجة لمن أجاز إزالة النجاسة بغير الماء وإنما أزالت الدم بريقها ليذهب أثره ولم تقصد تطهيره وقد مضى قبل باب عنها ذكر الغسل بعد القرص قالت ثم فصلى فيه فدلّ على أنها عند إرادة الصلاة فيه كانت تغسله اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز إزالة النجاسة بغير الماء على ما فيه من الخلاف
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى والبخارى من طريق إبراهيم عن ابن أبى نجيح عن مجاهد، قيل فيه انقطاع واضطراب، فأما الانقطاع فقال أبو حاتم لم يسمع مجاهد من عائشة وهذا مردود فقد وقع التصريح بسماعه منها عند البخارى في غير هذا الإسناد وأثبته على بن المدينى فهو مقدّم على من نفاه. وأما الاضطراب فلرواية أبى داود له عن محمد بن كثير عن إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم بدل ابن أبى نجيح وهذا الاختلاف لا يوجب الاضطراب لاحتمال أن إبراهيم ابن نافع سمعه من شيخين ولو لم يكن كذلك فأبو نعيم شيخ البخارى فيه أحفظ من محمد بن كثير شيخ أبى داود فيه وقد تابع أبا نعيم خلاد بن يحيى وأبو حذيفة والنعمان بن عبد السلام فرجعت روايته والرواية المرجوحة لا تؤتر في الرواية، الراجحة اهـ من الفتح
(ص) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، ثَنَا بَكَّارُ بْنُ يَحْيَى،
стр. 898
حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ الْحَائِضِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «قَدْ كَانَ يُصِيبُنَا الْحَيْضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَلْبَثُ إِحْدَانَا أَيَّامَ حَيْضِهَا ثُمَّ تَطَّهَّرُ، فَتَنْظُرُ الثَّوْبَ الَّذِي كَانَتْ تَقَلَّبُ فِيهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ دَمٌ غَسَلْنَاهُ وَصَلَّيْنَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَرَكْنَاهُ وَلَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ مِنْ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِ، وَأَمَّا الْمُمْتَشِطَةُ فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَكُونُ مُمْتَشِطَةً فَإِذَا اغْتَسَلَتْ لَمْ تَنْقُضْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا تَحْفِنُ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، فَإِذَا رَأَتِ الْبَلَلَ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ دَلَكَتْهُ، ثُمَّ أَفَاضَتْ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهَا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله بكار بن يحيى) روى عن جدته عن أم سلمة في الحيض وعنه عبد الرحمن بن مهدى، قال الحافظ في التقريب بكار بن يحيى مجهول من الثامنة. روى له أبو داود
(قوله حدثتني جدتي) لا يعرف اسمها ولا حالها
(معنى الحديث)
(قوله ثم تطهر) بصيغة المضارع بحذف إحدى التاءين من باب تفعل يقال تطهرت إذا اغتسلت
(قوله الذى كانت تقلب فيه) بحذف إحدى التاءين وتشديد اللام من التقلب أى تمشى كما في قوله تعالى "أو يأخذهم في تقلبهم" ويقال فلان يتقلب في أمره أى يتحوّل من حال إلى حال. وفى نسخة الذى كانت تعلت فيه من قولهم تعلت المرأة من حيضها إذا طهرت وكذا يقال تعلت النفساء إذا ارتفعت وطهرت ويقال تعالت أيضا ويجوز في أن يكون من قولهم تعلّ الرجل من علته إذا برئَ أى خرجت من نفاسها وسلمت
(قوله ولم يمنعنا ذلك الخ) أى لم يمنعنا تقلبنا في الثوب حال حيضنا من الصلاة فيه. وفيه دليل على أن الطاهر يبقى على أصله حتى تتحقق نجاسته فيجب غسله
(قوله وأما الممتشطة) أى المرأة الممتشطة بصيغة اسم الفاعل من الامتشاط يقال مشطت الشعر مشطا من بابى قتل وضرب سرّحته والتثقيل مبالغة وامتشطت المرأة مثله
(قوله لم تنقض ذلك) أى لم تحلّ الشعر المضفور وهو من أدلة من قال لا يلزم المرأة نقض ضفرها في الغسل متى وصل الماء أصول الشعر، وقد تقدّم بيان ذلك وافيا في "باب في المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل"
(قوله ولكنها تحفن) من الحفن وهو ملء الكفين من أى شيء أى تأخذ الحفنة من الماء وهو من باب ضرب
(قوله فإذا رأت البلل إلخ) أي إذا علمت وصول الماء إلى أصول الشعر
стр. 899
دلكته بيدها ثم أفاضت الماء على سائر جسدها
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز الصلاة في الثوب الذى أصابه شيء من دم الحيض بعد غسله. وعلى جواز صلاة المرأة في الثوب الذى تحيض فيه ولم يصبه دم الحيض. وعلى أن المرأة إذا اغتسلت من الحيض وبلغ الماء أصول شعرها لا يطلب منها نقض ضفائرها لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقرّ أزواجه على ذلك ومثل غسل الحيض غسل الجنابة والنفاس
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ تَصْنَعُ إِحْدَانَا بِثَوْبِهَا إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ أَتُصَلِّي فِيهِ؟ قَالَ: «تَنْظُرُ فَإِنْ رَأَتْ فِيهِ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ وَلْتُصَلِّ فِيهِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله فاطمة بنت المنذر) بن الزبير بن العوَّام الأسدية المدنية روت عن جدّتها أسماء بنت أبى بكر وأم سلمة وعمرة بنت عبد الرحمن. وعنها زوجها هشام ابن عروة ومحمد بن إسحاق، قال العجلى تابعية ثقة وذكرها ابن حبان في الثقات. روى لها الجماعة
(قوله أسماء بنت أبى بكر) هى زوج الزبير بن العوّام، روت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعنها ابناها عبد الله وعروة وأحفادها عباد بن حمزة بن عبد الله وعباد بن عبد الله وعبد الله ابن عروة في الزبير وفاطمة بنت المنذر، أسلمت قديما بعد إسلام سبعة عشر وهاجرت إلى المدينة وهى حامل بابنها عبد الله وبلغت من السن مائة سنة ولم ينكر لها عقل. ماتت بمكة سنة ثلاث وسبعين روى لها الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله سمعت امرأة) الذى في رواية الشيخين جاءت امرأة. وفى رواية الشافعى عن سفيان بن عيينة عن هشام في هذا الحديث أن أسماء هى السائلة. وأغرب النووى فضعف هذه الرواية بلا دليل وهى صحيحة الإسناد ولا يبعد أن يهم الراوى اسم نفسه أفاده الحافظ في الفتح
(قوله كيف تصنع الخ) متعلق بالسؤال أى أخبرنا بما تفعل إحدانا إذا علمت انقطاع حيضها بعلامة من العلامات
(قوله فلتقرصه الخ) روى مخففا ومثقلا والأكثر رواه بضم الراء وتخفيفها وهو بالصاد المهملة وسكون لام الأمر في الروايتين (قال) في النهاية القرص الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صبّ الماء عليه حتى يذهب أثره والتقريص مثله وهو أبلغ في غسل الدم من غسله بجميع اليد اهـ (وقال) الخطابى أصل القرص أن يقبض
стр. 900
بأصبعيه على الشئ في يغمز غمزا جيدا اهـ "والحكمة" في القرص تسهيل الغسل، وقوله من ماء استدلّ به غير الحنفية على أن غسل النجاسة بنحو الخلّ وغيره من المائعات لا يجزئُ لأنه نصّ على الماء وفى تركه ترك المأمور به (وأجاب) الحنفية عنه بأن ذكر الماء خرج مخرج الغالب لا مخرج القيد لأن المراد إزالة النجاسة، وغير الماء من المائعات الطاهرة قد يكون أبلغ في القطع والإزالة. وبأن مفهوم الماء مفهوم لقب وهو ليس بحجة عند الخصم
(قوله ولتنضح ما لم تر) بلام الأمر والضاد المعجمة مكسورة أو مفتوحة والفتح أولى أى ولترشّ المرأة الموضع الذى لم تر فيه أثر الدم ولكن شكت فيه. ورواية الدارمي من طريق ابن إسحاق إن رأيت فيه دما فحكيه ثم اقرصيه بماء ثم انضحى في سائره فصلى فيه (قال) القرطبى المراد بالنضح الرشّ لأن غسل الدم استفيد من قوله تقرصيه بالماء وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب اهـ (وقال) الخطابى النضح الرشّ وقد يكون أيضا بمعنى الغسل والصبّ
(قوله ولتصلى) بلام الأمر عطف على فلتقرص وإثبات الياء للإشباع وفى نسخة ولتصلّ بحذف الياء وفى أخرى وتصلى بدون لام الأمر
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب تعلم أحكام الدين ولو كان المسئول عنه شأنه أن يستحيى من ذكره، وعلى أنه يطلب من المسئول إجابة السائل، وعلى أن الدم نجس وهو مجمع عليه، وعلى طلب إزالة النجاسة، وعلى أنه لا يشترط في إزالتها عدد من الغسلات بل المدار على الإنقاء، وعلى أنه يطلب رش الموضع الذى شك في وجود النجاسة فيه وتشرع الصلاة فيه بعد الرشّ، وعلى أنه يجب طهارة الثياب للصلاة، وعلى طلب إزالة النجاسة بالماء وتقدّم ما فيه من الخلاف
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشافعى والبيهقى من حديث سفيان عن هشام عن فاطمة عن أسماء قالت سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب فقال حتيه ثم اقرصيه بالماء ورشيه وصلى فيه، وأخرجه ابن ماجه عن أسماء قالت سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب قال اقرصيه واغسليه وصلى فيه
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «إِذَا أَصَابَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ لِتُصَلِّي»
стр. 901
(ش) (قوله سألت امرأة) لم يعرف اسمها ولعلها أم قيس كما في الحديث الآتى وقيل إنها خولة بنت يسار
(قوله أرأيت الخ) استفهام بمعنى الأمر لاشتراكهما في الطلب. وحكمة العدول عنه سلوك الأدب وفيه مضاف مقدّر أى أخبرنى عن حال إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم
(قوله من الحيضة) بفتح الحاء المهملة أى الحيض (قال) في المرقاة وبكسرها هى الخرقة تستثفرها المرأة في الحيض وكلاهما محتمل في الحديث والمشهور في الرواية الكسر
(قوله إذا أصاب إحداكن الدم الخ) أى إذا أصاب الدم ثوب إحداكنّ كما في رواية البخارى وذكر الثوب ليس بقيد بل لموافقه السؤال فلو أصاب البدن فكذلك لا بدّ من غسله ولكن لا يحتاج إلى التقريص (قال) العيني في شرح البخارى قال ابن بطال حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب "ثم قال" هذا الحديث محمول عندهم على الدم الكثير لأن الله تعالى شرط في نجاسته أن يكون مسفوحا وهو كناية عن الكثير الجارى إلا أن الفقهاء اختلفوا في مقدار ما يتجاوز عنه من الدم فاعتبر الكوفيون فيه وفى النجاسات ما دون الدرهم في الفرق بين قليله وكثيره (وقال) مالك قليل الدم معفوّ عنه ويغسل قليل سائر النجاسات. وروى عن ابن وهب أن قليل دم الحيض ككثيره وكسائر الأنجاس بخلاف سائر الدماء. والحجة في أن اليسير من دم الحيض كالكثير قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأسماء حتيه ثم اقرصيه حيث لم يفرق بين قليله وكثيره ولا سألها عن مقداره ولم يحدّ فيه مقدار الدرهم ولا دونه "قلت" حديث عائشة ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد فيه تحيض فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته بريقها رواه أبو داود وأخرجه البخارى أيضا ولفظه قالت بريقها فمصعته يدلّ على الفرق بين القليل والكثير (وقال) البيهقى هذا في الدم اليسير الذى يكون معفوا عنه وأما الكثير منه فصح عنها أى عن عائشة أنها كانت تغسله فهذا حجة عليهم في عدم الفرق بين القليل والكثير من النجاسة وعلى الشافعى أيضا في قوله إن يسير الدم يغسل كسائر الأنجاس إلا دم البراغيث فإنه لا يمكن التحرّر عنه. وقد روى عن أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أنه لا يرى بالقطرة والقطرتين بأسا في الصلاة. وعصر ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما بثرة فخرج منها دم فمسحه بيده وصلى. فالشافعية ليسوا بأكثر احتياطا من أبى هريرة وابن عمر ولا أكثر رواية منهما حتى خالفوهما حيث لم يفرقوا بين القليل والكثير، على أن قليل الدم موضع ضرورة لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة أو دمل أو برغوث فعفى عنه ولهذا حرّم الله المسفوح منه فدلّ أن غيره ليس بمحرّم، وأما تقدير أصحابنا القليل بقدر الدرهم فلما ذكره صاحب الأسرار عن على وابن مسعود أنهما قدّرا النجاسة بالدرهم وكفى بهما حجة في الاقتداء، وروى عن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أيضا أنه قدّره بظفره. وفي المحيط وكان ظفره قريبا من كفنا فدلّ على أن ما دون الدرهم لا يمنع. وقال في المحيط أيضا الدرهم الكبير ما يكون مثل عرض الكفّ، وعند
стр. 902
السرخسى يعتبر بدرهم زمانه. وأما الحديث الذى رواه الدارقطنى في سننه عن روح بن غطيف عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال تعاد الصلاة من قدر درهم من الدم وفي لفظ إذا كان في الثوبَ قدر الدرهم من الدم غسل الثوب وأعيدت الصلاة فإن أصحابنا لم يحتجوا به لأنه حديث منكر بل قال البخارى إنه باطل "فإن قلت" النص وهو قوله تعالى "وثيابك فطهر" لم يفصل بين القليل والكثير فلا يعفى القليل "قلت" القليل غير مراد منه بالإجماع بدليل عفو موضع الاستنجاء فتعين الكثير وقد قدر الكثير بالآثار اهـ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والبيهقى والترمذى والنسائى وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، ح وحَدَّثَنَا مُسَدَّد، قَالَ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، ح وحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْمَعْنَى قَالَا: «حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ، ثُمَّ انْضَحِيهِ»
(ش) حاصل ما أشار إليه المصنف في سند هذا الحديث أنه مروى من ثلاث طرق اثنان عن مسدّد أحدهما عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة والآخر عن عيسى بن يونس عن هشام بن عروة والثالث عن موسى بن إسماعيل المنقرىّ عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة، وغرض المصنف بذكر رواية هشام هذه وما قبلها بعد حديث محمد بن إسحاق الإشارة إلى أن محمد بن إسحاق خالف في حديثه هشام بن عروة وزاد ولتنضح ما لم تر ولم يذكر هشام هذه الزيادة وهشام أثبت من ابن إسحاق
(قوله يعنى ابن سلمة) أى يقصد موسى بن إسماعيل أن حمادا شيخه هو ابن سلمة لا حماد بن زيد شيخ مسدّد وهذه العناية من المصنف. وهذا على ما تقدّم من أن المراد بحماد شيخ مسدّد حماد بن زيد كما قاله العينى، ويحتمل أن المراد به حماد بن سلمة فتكون العناية لبيان أن المراد من حماد في الطريقين حماد بن سلمة
(قوله بهذا المعنى) أى معنى الحديث السابق ولفظه في النسائى من طريق حماد عن أسماء أن امرأة استفتت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب فقال حتيه واقرصيه وانضحيه وصلى فيه
(قوله قالا) أى مسدّد وموسى بن إسماعيل في روايتهما، ويحتمل إرجاع الضمير إلى عيسى بن يونس وحماد بن سلمة أو إلى الحمادين
(قوله حتيه) أى حكيه بنحو حجر وهو أمر من حتّ من باب قتل "قال" الأزهري الحتّ أن يحك بطرف حجر أو عود
(قوله ثم اقرصيه بالماء) أمر من قرص وفى رواية قرّصيه بالتشديد "قال" الأزهرى القرص أن يدلك بأطراف الأصابع والأظفار دلكا شديدا ويصبّ عليه الماء حتى تزول عينه وأثره
(قوله ثم انضحيه) أى اغسليه فالمراد بالنضح هنا الغسل دون الرشّ
стр. 903
قاله العينى وتقدّم ما فيه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم من طريق يحيى بن سعيد عن هشام بلفظ متقارب وهو كما في مسلم جاءت امرأة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به قال تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلى فيه. وأخرجه الترمذى من طريق ابن عيينة عن هشام بلفظ إن امرأة سألت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الثوب يصيبه الدم من الحيض فقال حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه وصلى فيه وقال حديث حسن صحيح. وأخرجه البيهقي من هذا الطريق وأخرجه النسائى
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ تَقُولُ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ قَالَ: «حُكِّيهِ بِضِلْعٍ، وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله سفيان) الثورى
(قوله ثابت الحدّاد) هو ابن هرمز الكوفى أبو المقدام. روى عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وزيد بن وهب وأبى وائل وغيرهم وعنه ابنه عمرو والأعمش والثورى وشعبة والحكم بن عتيبة وآخرون. وثقه أحمد وابن معين والنسائى وأبو داود ويعقوب بن سفيان وابن المدينى وقال أبو حاتم صالح وقال عقبة ثابت ثقة ولا أعلم أحدا ضعفه غير الدارقطنى وقال ابن صالح كان شيخا عاليا صاحب سنة. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله عدى بن دينار) المدني مولى أم قيس. روى عن مولاته التوأمة هذا الحديث وعن أبى سفيان. وعنه ثابت بن هرمز وصالح مولى التوأمة، وثقه النسائى وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه حديث الباب فقط
(قوله أم قيس بنت محصن) في جرثان بن قيس بن مرّة الأسدية اسمها جذامة، كانت من المهاجرات الأول أسلمت بمكة قديما وهاجرت إلى المدينة. روى لها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربعة وعشرون حديثا اتفق الشيخان على حديثين. روى عنها وابصة بن معبد ونافع مولى حمنة بنت شجاع وعبيد الله بن عبد الله وعدى بن دينار وآخرون. ذكر أبو القاسم الجوهرى في مسند الموطأ أن اسمها آمنة قالت توفي ابني فجزعت فقلت للذى يغسله لا تغسل ابني بالماء البارد فتقتله فانطلق أخوها عكاشة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبره بقوله فتبسم
стр. 904
ثم قال مالها طال عمرها فلا نعلم امرأة عمرت ما عمرت. روى لها الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله حكيه بضلع الخ) بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام أى بعود والأصل فيه ضلع الحيوان سمى به العود الذى يشبهه وقد تسكن اللام تخفيفا هكذا رواه الثقات، وذكر ابن دقيق العيد في الإمام أنه وجده بخطه في روايته من جهة ابن حيوة عن النسائى بصلع بفتح الصاد المهملة وسكون اللام وهو الحجر قال ووقع في موضع بالضاد المعجمة ولعله تصحيف لأنه لا معنى يقتضى تخصيص الضلع بالذكر. وأما الحجر فيحتمل أن يحمل ذكره على غلبة وجوده واستعماله في الحك اهـ (قال) العراقى وفيما قاله نظر فإنه خلاف المعروف في الرواية والمضبوط في الأصل (قال) الخطابى إنما أمر بحكه بالضلع لينقلع المتجسد منه اللاصق بالثوب ثم تتبعه الماء لتزيل الأثر اهـ وزيادة السدر للمبالغة في الإنقاء وقطع أثر دم الحيض وإلا فالماء كاف
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان وذكره عبد الحق في الأحكام وقال الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر "قال" ابن القطان وذلك غير قادح في صحة الحديث فإنه في غاية الصحة ولا نعلمه روى بغير هذا الإسناد ولا على غير هذا الوجه فلا اضطراب في سنده ولا في متنه ولا نعلم له علة
(ص) حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَدْ كَانَ يَكُونَ لِإِحْدَانَا الدِّرْعُ فِيهِ تَحِيضُ قَدْ تُصِيبُهَا الْجَنَابَةُ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ فَتَقْصَعُهُ بَرِيقِهَا»
(ش) (قوله النفيلى) عبد الله بن محمد. و (سفيان) الثورى. و (ابن أبى نجيح) عبد الله ابن يسار. و (عطاء) بن أبى رباح
(قوله قد كان يكون الخ) كان تامة فلا تحتاج إلى الخبر أى قد كان الشأن أى وجد ووقع، ويكون ناقصة والدرع اسمها ولإحدانا خبرها والدّرع بكسر الدال المهملة وسكون الراء القميص. وتعنى عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا بقولها لإحدانا أزواجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكنّ يصنعن ذلك في زمنه والشأن اطلاعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ذلك فالحديث في حكم المرفوع
(قوله فتقصعه بريقها) أى تدلكه وتزيله (وهذا) الحديث من أدلة من قال بجواز إزالة النجاسة بغير الماء بكل مائع طاهر مزيل (وحمله) الجمهور على القليل المعفوّ عنه من النجاسة (قال) البيهقى بعد تخريج الحديث وهذا في الدم اليسير الذى يكون معفوّا عنه أما في الكثير منه فصحيح عنها أنها كانت تغسله وقد تقدم بيان ذلك وافيا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى من طريق المصنف والدارمى مرفوعا بسند فيه
стр. 905
ضعف عن أم سلمة بلفظ إن إحداهن تسبقها القطرة من الدم فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أصاب إحداكن ذلك فلتقصعه بريقها اهـ (تتميم) قد وقع في بعض النسخ بعد الحديث السابق ما نصه وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن عيسى ابن طلحة عن أبى هريرة أن خولة بنت يسار أتت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت يا رسول الله إنه ليس لى إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه فكيف أصنع قال إذا طهرت فاغسليه ثم صلى فيه فقالت فإن لم يخرج الدم قال يكفيك غسل الدم ولا يضرك أثره" وهذا الحديث في رواية أبى سعيد بن الأعرابى وليس في رواية اللؤلؤى فلذا لم يذكره المنذرى في مختصره وقد رواه أحمد والبيهقى من طريقين عن خولة "قال" الحافظ في التلخيص وفيه ابن لهيعة قال إبراهيم الحربي لم يسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث ورواه الطبرانى في الكبير من حديث خولة بنت حكيم وإسناده أضعف من الأول اهـ ويوجد في بعض النسخ أيضا بعد حديث النفيلى ما نصه "حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا إبراهيم يعني ابن نافع قال سمعت الحسن يذكر عن مجاهد قال قالت عائشة ما كان لإحدانا إلا ثوب فيه تحيض فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته بريقها" وهو كما ترى مكرّر مع الحديث الثانى في الباب فذكره هنا خطأ
(باب الصلاة في الثوب الذى يصيب أهله فيه)
أى في بيان حكم الصلاة في الثوب الذى بجامع الرجل امرأته فيه. وفي بعض النسخ في الثوب الذى يجامع فيه الرجل أهله، وفى بعضها في الثوب الذى يجامع فيه أهله
(ص) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّهُ سَأَلَ أُخْتَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُهَا فِيهِ؟ فَقَالَتْ: «نَعَمْ إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله الليث) بن سعد
(قوله سويد بن قيس) التجيبى بضم المثناة الفوقية وكسر الجيم المصرى. روى عن ابن عمرو وابن عمر ومعاوية بن حديج وآخرين. وعنه يزيد ابن أبي حبيب، وثقه النسائى ويعقوب بن سفيان وابن حبان. قال الذهبي لا يعرف تفرّد عنه يزيد ابن أبى حبيب لكن وثقه النسائى اهـ. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله معاوية ابن خديج) بضم الخاء وفتح الدال المهملتين مصغرا ابن جفنة بن قتيرة بن حارثة بن عبد شمس
стр. 906
التجيبى الكندى المصرى أبى عبد الرحمن أو أبى نعيم. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن عمر وأبى ذرّ. وعنه ابنه عبد الرحمن وسويد بن قيس وعبد الرحمن بن شماسة وعلى ابن رباح وآخرون. قال البخارى له صحبة وقال المفضل الغلابى له صحبة وأثبت صحبته أبو حاتم وابن البرقى (وقال) ابن يونس وفد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشهد فتح مصر وكان الوافد على عمر بفتج الإسكندرية وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وذكره يعقوب بن سفيان في الثقات من تابعى أهل مصر، والحاصل أنه مختلف في صحبته والأكثر على أنه صحابى
(معنى الحديث)
(قوله إذا لم ير فيه أذى) أى إذا لم ير في الثوب أثر النجاسة من المنىّ أو المذى أو رطوبة فرج المرأة. ويستدلّ بهذا الحديث على نجاسة المنىّ (قال) الحافظ في باب الوضوء قبل الغسل في حديث ميمونة وفيه وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، وأبعد من استدل به على نجاسة المنىّ أو على نجاسة رطوبة الفرج لأن الغسل ليس مقصورا على إزالة النجاسة اهـ (وقال) العينى في شرح البخارى قال بعضهم قوله وما أصابه من الأذى ليس بظاهر في النجاسة "قلت" هذه مكابرة فيما قاله اهـ أى فإن قولها من الأذى ظاهر في النجاسة لا غير ولا يعارض بطهارة فضلات النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأن الأحكام يراعي فيها حال الأمة، ويستدل به أيضا على أنه لا يحب العمل بالظن لأن الثوب الذى يجامع فيه مظنة للتنجس فأرشد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى أن الواجب العمل باليقين دون ظن خلاف الأصل. وبه استدل ابن رسلان في شرح السنن على طهارة رطوبة فرج المرأة لأنه لم يذكر هنا أنه كان يغسل ثوبه من الجماع قبل أن يصلى ولو غسله لنقل، ومن المعلوم أن الذكر يخرج وعليه رطوبة من فرج المرأة اهـ وقد علمت ما فيه
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز الصلاة في الثوب الذى يجامع الرجل فيه امرأته إذا لم ير فيه أذى، وعلى نجاسة المنىّ، وعلى أنه يطلب من المصلى تجنب الثوب المتنجس، وعلى أنه يطلب العمل بالأصل حتى يتيقن خلافه ولا عبرة بظن خلاف الأصل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وابن ماجه
(باب الصلاة في شعر النساء)
(بضم الشين المعجمة والعين المهملة شعار مثل كتب وكتاب وهو في الأصل الثوب الذى يلبسه الإنسان مما يلى بدنه والمراد به هنا ما يتغطى به وقت النوم وإن لم يباشر الجسد
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا أَشْعَثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 907
بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِنَا، أَوْ فِي لُحُفِنَا» قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: شَكَّ أَبِي.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أشعث) بن عبد الملك الحمرانى أبو هانئ البصرى مولى حمران روى عن محمد بن سيرين وعاصم الأحول ويونس بن عبيد والحسن البصرى وآخرين. وعنه خالد بن الحارث وحماد بن زيد وشعبة وروح بن عبادة وكثيرون. قال يحيى القطان ثقة مأمون لم أدرك أحدا من أصحابنا أثبت منه ولا أدركت أحدا من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه ولم ألق أحدا يحدّث عن الحسن أثبت منه وقال أحمد بن حنبل هو أحمد في الحديث من أشعث بن سوار كان عالما بمسائل الحسن ووثقه ابن معين والنسائى وقال أبو حاتم لا بأس به وقال ابن عدى أحاديثه مستقيمة وهو ممن يكتب حديثه ويحتج به وهو في جملة أهل الصدق وقال ابن حبان في الثقات كان فقيها متقنا مات سنة ست أو اثنتين وأربعين ومائة
(قوله عبد الله بن شقيق) العقيلى بضم العين المهملة ابن كعب أبي عبد الرحمن أو أبى محمد أو أبى معاوية. روى عن عثمان وعمر وعلى وأبى ذرّ وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وعائشة وآخرين. وعنه ابنه عبد الكريم ومحمد بن سيرين وقتادة وعاصم الأحول وأيوب. قال ابن سعد كان ثقة في الحديث وهو في الطبقة الأولى من تابعى أهل البصرة وقال ابن عدىّ ما بأحاديثه بأس وقال ابن معين ثقة من خيار المسلمين لا يطعن في حديثه وقال ابن خراش كان ثقة وكان عثمانيا يبغض عليا وقال أحمد والعجلي ثقة وكان يحمل على علىّ ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان. مات سنة ثمان ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله لا يصلى في شعرنا) خصت الشعر بالذكر لأنها أقرب إلى أن تنالها النجاسة من الدثار وإنما امتنع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الصلاة فيها مخافة أن يكون أصابها شئ من دم الحيض
(قوله أو لحفنا) وفى نسخة أو في لحفنا جمع لحاف وهو اسم لما يلتحف به وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به
(قوله قال عبيد الله شك أبى) أى قال عبيد الله بن معاذ شيخ المصنف تردّد أبى معاذ بن معاذ بن حسان فيما وقع من شيخه أشعث بن عبد الملك هل قالت عائشة في شعرنا أو قالت لحفنا
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب تجنب ثياب النساء التى يظن نجاستها ومثلها سائر الثياب التى تكون كذلك. وعلى أن الاحتياط والأخذ باليقين مطلوب شرعا وليس من الوسواس وقد تقدّم في الباب السابق أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلى في الثوب الذى يجامع فيه ما لم ير فيه أذى وتقدّم أنه من باب الأخذ باليقين وسيأتي في الباب الآتى ما يدلّ على عدم وجوب تجنب ثياب النساء فيحمل ما هنا على الندب جمعا بين الأحاديث
стр. 908
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والنسائى وابن ماجه وكذا الترمذى وصححه ولفظه لا يصلي في لحف نسائه وأخرجه المصنف أيضا في الصلاة تحت مثل هذه الترجمة.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ لَا يُصَلِّي فِي مَلَاحِفِنَا»
(ش) مناسبة الحديث للترجمة باعتبار أن المراد بالشعار مطلق الساتر للبدن وإن كان في الأصل لما يلى الجسد
(قوله حماد) بن زيد. و (هشام) بن عروة
(قوله في ملاحفنا) جمع ملحفة بكسر الميم وهى الملاءة التى تلتحف بها المرأة وهى واللحاف والملحف تطلق على اللباس الذى فوق سائر الثياب وعلى كل ما يتغطى به أعمّ من أن يلى الجسد أو يكون فوق الثياب قال أبو عبيد اللحاف كل ما تغطيت به اهـ وهذا هو المراد هنا
(تخريج الحديث وبيان حاله) أخرجه أيضا النسائى والترمذى وقال حديث حسن صحيح
(ص) قَالَ حَمَّادٌ: وَسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ أَبِي صَدَقَةَ قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْهُ فَلَمْ يُحَدِّثْنِي، وَقَالَ: سَمِعْتُهُ مُنْذُ زَمَانٍ، وَلَا أَدْرِي مِمَّنْ سَمِعْتُهُ، وَلَا أَدْرِي أَسَمِعْتُهُ مِنْ ثَبْتٍ أَوْ لَا فَسَلُوا عَنْهُ
(ش) غرض المصنف بهذا بيان أن في الحديث انقطاعا فإن حماد بن زيد رواه عن هشام عن ابن سيرين عن عائشة. ومحمد بن سيرين لم يسمع من عائشة شيئا كما قاله أبو حاتم ثم أثبت هذا الانقطاع من سعيد بن أبى صدقة فإنه سأل محمد بن سيرين عن هذا الحديث فلم يحدثه وقال لا أدرى أسمعته من ثقة ثبت أو غيره. لكن شك ابن سيرين في سماعه لا يقدح في الحديث (قال) ابن عبد البر قول من حفظ عنه حجة على من سأله حال نسيانه أو تغير فكره من نحو غضب ففى مثل هذا لا يسأل العالم. وقوله فسلوا عنه لا يقدح في الرواية السابقة فإنه محمول على أنه أمر بسؤال غيره لتقوية الحجة هذا و (سعيد بن أبى صدقة) هو أبو قرّة البصرى. روى عن محمد بن سيرين ويعلى بن حكيم. وعنه حماد بن زيد وابن علية ووهيب بن خالد. وثقه أحمد وابن معين وابن سعد وابن حبان
(باب في الرخصة في ذلك)
أى في بيان ما ورد من التسهيل بجواز الصلاة في ثياب النساء
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، سَمِعَهُ مِنْ
стр. 909
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ يُحَدِّثُهُ، عَنْ مَيْمُونَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ صَلَّى وَعَلَيْهِ مِرْطٌ وَعَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ مِنْهُ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ يُصَلِّي وَهُوَ عَلَيْهِ»
(ش) وجه مناسبة الحديث للترجمة أن المرط الذى كان عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقت الصلاة وعلى بعض أزواجه كان خاصا بها لقولها في الحديث الآتى وعليّ مرط لى وعليه بعضه فلما صلى فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم جواز الصلاة في ثياب النساء
(رجال الحديث)
(قوله محمد بن الصباح بن سفيان) بن أبى سفيان الجرجرائى أبو جعفر مولى عمر بن عبد العزيز. روى عن عاصم بن سويد والدراوردى وحفص بن غياث وابن عيينة وكثيرين. وعنه أبو داود وابن ماجه وأبو زرعة ومحمد بن إسحاق وجماعة. قال ابن معين ليس به بأس وقال أبو حاتم صالح الحديث ووثقه أبو زرعة ومحمد بن عبد الله الحضرمى وقال يعقوب بن شيبة ذكر ليحيى بن معين ابن الصباح فقال يحيى حدّث بحديث منكر عن على بن ثابت عن إسراءيل عن أبى ليلى عن نافع عن ابن عمر مرفوعا صنفان ليس لهما في الإسلام المرجئة والقدرية قال يعقوب هذا حديث منكر جدّا من هذا الوجه كالموضوع وإنما يرويه على بن نزار شيخ ضعيف وإنما ذكر المؤلف جدّه لئلا يلتبس بمحمد بن الصباح البزّاز الدولابىّ فإن كلام منهما من شيوخه
(قوله سفيان) الثورى أو ابن عيينة
(قوله عن أبى إسحاق) سليمان بن فيروز
(قوله سمعه من عبد الله الخ) أى سمع أبو إسحاق هذا الحديث من عبد الله بن شداد وهو يخبره به عن ميمونة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(معنى الحديث)
(قوله صلى وعليه مرط) الجملة حال من فاعل صلى والمرط بكسر الميم كساء من صوف أو كتان أو غير ذلك وقيل لا يسمى المرط إلا الأخضر ويكون إزارا ورداء يلبسه الرجال والنساء
(قوله وعلى بعض أزواجه منه) الجار والمجرور خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر بمعنى بعض والجملة حال من المرط. والمراد من البعض عائشة كما في الحديث الآتى ويحتمل أنها ميمونة كما يؤخذ من رواية ابن ماجه عن ميمونة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى وعليه مرط بعضه عليه وعليها بعضه وهي حائض. وهو المصرّح به في رواية الشيخين
(قوله وهو يصلي) حال منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله وهو عليه) أى والحال أن المرط عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طهارة ثوب الحائض لكن ما لم ير عليه دم أو نجاسة أخرى وعلى جواز مجاورة المصلي لامرأته الحائض. وعلى جواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلى
стр. 910
وبعضه على زوجه الحائض. وعلى تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكمال زهده في متاع الدنيا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه وفى مسلم والبخارى نحوه ولفظ مسلم كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى وأنا حذاءه وأنا حائض وربما أصابنى ثوبه إذا سجد
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةِ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ وَعَلَيَّ مِرْطٌ لِي وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله طلحه بن يحيى) بن طلحة بن عبيد الله التيمى المدني القرشى نزيل الكوفة. روى عن أبيه وأعمامه موسى وعيسى ويحيى وعمته عائشة ومعاوية ابن إسحاق وآخرين. وعنه عبد الله بن إدريس وأبو أسامة والسفيانان وعبد الواحد بن زياد وغيرهم. وثقه يعقوب بن شيبة والعجلى وابن معين وأحمد والدارقطنى وابن سعد وقال أبو داود ليس به بأس وقال أبو زرعة والنسائى وأبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يخطئُ وقال البخارى منكر الحديث وقال الساجى صدوق لم يكن بالقوى. ولد سنة إحدى وستين. ومات سة ثمان وأربعين ومائة. روى له الجماعة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه
(باب المنيّ يصيب الثوب)
أى في بيان حكم المنيّ إذا أصاب الثوب أيغسل أم يفرك
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ فَاحْتَلَمَ، فَأَبْصَرَتْهُ جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ وَهُوَ يَغْسِلُ أَثَرَ الْجَنَابَةِ مِنْ ثَوْبِهِ، أَوْ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله شعبة) بن الحجاح. و (الحكم) بن عتيبة. و (إبراهيم)
стр. 911
ابن يزيد النخعى
(قوله همام بن الحارث) بن قيس بن عمرو بن ربيعة بن حارثة النخعى الكوفى روى عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة وعائشة وآخرين. وعنه سليمان ابن يسار وإبراهيم النخعى ووبرة بن عبد الرحمن. وثقه ابن معين وابن حبان وقال العجلى تابعى ثقة. مات سنة ثلاث أو خمس وستين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان عند عائشة فاحتلم) أى همام بن الحارث. وفى رواية مسلم من طريق شبيب بن غرقدة عن عبد الله بن شهاب الخولاني قال كنت نازلا على عائشة فاحتلمت في ثوبى فغمستها في الماء "الحديث" ففيه أن المحتلم هو عبد الله بن شهاب الخولانى فيحملان على تعدّد الواقعة
(قوله يغسل أثر الجنابة) أى المنىّ الناشئ عن الاحتلام
(قوله وأنا أفركه) بضم الراء وقد تكسر أى أحكه بيدى حتى يذهب أثره من الثوب والجملة حالية من ضمير عائشة (واحتج بهذا) الحديث من قال إن المنيّ يطهر بالفرك يابسا (وقد اختلف) العلماء فيه فذهب الثورى والأوزاعي والعترة وأبو حنيفة ومالك إلى نجاسته إلا أن أبا حنيفة قال يكفى في تطهيره فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد (وقال) مالك والأوزاعي والعترة لا بدّ من غسله رطبا أو يابسا (وقال) الليث هو نجس ولا تعاد الصلاة منه (وقال) الحسن بن صالح لا تعاد الصلاة من المنيّ في الثوب وإن كان كثيرا وتعاد منه إن كان في الجسد وإن قلّ (واستدلّ) القائلون بنجاسته بحديث الباب وبما رواه مسلم من طريق عمرو بن ميمون قال سألت سليمان بن يسار عن المنىّ يصيب ثوب الرجل أيغسله أم يغسل الثوب فقال أخبرتنى عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغسل المنىّ ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه. وبما رواه البخارى ومسلم والمصنف عنها أيضا أنها كانت تغسل المنىّ من ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. واستدلوا أيضا بقياسه على البول والحيض (وذهب) الشافعي وداود وابن المنذر وسعيد بن المسيب وعطاء وإسحاق وأبو ثور إلى طهارته وهو أصح الروايتين عن أحمد. وروى عن على وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة وداود. وحجتهم في ذلك رواية الفرك قالوا فلو كان نجسا لم يكف فركه كالدم وغيره (وأجاب) الأولون بأن الرواية لا تدلّ على الطهارة وإنما تدلّ على كيفية التطهير فغاية الأمر أنه نجس خفف في تطهيره بغير الماء فإنه لا يتعين لإزالة كل النجاسات فإن الخفّ والنعل ونحوهما إذا تنجست بماله جرم تطهر بالدلك في الأرض أو التراب حتى يذهب أثر النجاسة لما سيأتى في باب الأذى يصيب النعل من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا وطئَ بنعليه أحدكم الأذى فإن التراب له طهور. ولما سيأتى في باب الصلاة في النعال من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصلّ فيهما. ونحو السيف والسكين من كل جسم صقيل لا مسامّ له إذا تنجس يطهر بالمسح لأن
стр. 912
الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم كانوا يقاتلون بسيوفهم ثم يمسحونها ويصلون بها. والأرض إذا تنجست تطهر بالجفاف على ما سيأتى فيه من الخلاف. ولو قلنا إن رواية فرك المنىّ تدلّ على طهارته للزم طهارة العذرة التى تصيب النعل فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بمسحها في التراب ورتب على ذلك الصلاة فيها. وأما قول ابن عباس سئل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن المنىّ يصيب الثوب فقال إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة فقد رواه الدارقطنى وقال لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك والصحيح أنه موقوف كما قاله البيهقى فلا يحتج به (وأجابوا) أيضا عن قول الخصم الأصل الطهارة فلا ينتقل عنها إلا بدليل بأن التعبد بالإزالة غسلا أو مسحا أو فركا أو حتا ثابت ولا معنى لكون الشئ نجسا إلا أنه مأمور بإزالته بما أمر به الشارع فالصواب أن المنىّ نجس يطهر محله بالغسل إذا كان رطبا أو يابسا خالطه نجس خارج المخرج وبالفرك إذا كان يابسا ولم يخالطه نجس. ودليل هذا التفصيل قول عائشة كنت أفرك المنىّ من ثوب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا كان يابسا وأغسله إذا كان رطبا رواه الدارقطنى، وبهذا تعلم أنه لا منافاة بين روايات الغسل وروايات الفرك
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن ما أصابه المنىّ يطهر بالفرك إذا كان يابسا كما علمته من التفصيل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وأخرج الترمذى وابن ماجه نحوه
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلِّي فِيهِ».
(ش) (قوله فيصلى فيه) أى في الثوب. ولو كان الفرك غير مطهر ما صلى فيه وقد تقدم بيانه وافيا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الطحاوى
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَافَقَهُ مُغِيرَةُ، وَأَبُو مَعْشَرٍ وَوَاصِلٌ ورَوَاهُ الْأَعْمَشُ كَمَا رَوَاهُ الْحَكَمُ
(ش) أي وافق حماد بن أبي سليمان في روايته عن إبراهيم النخعى عن الأسود مغيرة ابن مقسم وأبو معشر زياد بن كليب الكوفي وواصل بن حيان الأحدب. وروى
стр. 913
الحديث أيضا سليمان الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث كما رواه الحكم بن عتيبة وغرض المصنف بهذا بيان أن أصحاب إبراهيم النخعى اختلفوا في رواية هذا الحديث عن إبراهيم فروى الحكم عن همام بن الحارث عن عائشة وروى حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. ووافق حماد بن أبى سليمان مغيرة وأبو معشر وواصل. ووافق الأعمش الحكم وكل هؤلاء حفاظ ثقات لا يقدح هذا الاختلاف في حديثهم فثبث أن إبراهيم النخعى روى عنهما جميعا. ورواية مغيره بن مقسم أخرجها مسلم وكذا ابن ماجه عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت لقد رأيتنى أجده في ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأحته عنه. ورواية أبى معشر أخرجها الطحاوى والترمذى وكذا مسلم بسنده إلى أبى معشر عن إبراهيم النخعى عن علقمة والأسود أن رجلا نزل بعائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه فإن لم تره نضحت حوله لقد رأيتنى أفركه من ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فركا فيصلى فيه. ورواية واصل أخرجها مسلم وكذا الطحاوى بسنده إلى مهدى بن ميمون قال ثنا واصل الأحدب عن إبراهيم النخعى عن الأسود قال لقد رأتنى عائشة وأنا أغسل جنابة من ثوبى فقالت لقد رأيتنى وإنه ليصيب ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فما يزيد على أن يفعل به هكذا تعنى يفركه. ورواية الأعمش أخرجها الطحاوى وكذا الترمذى قال حدثنا هناد نا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال ضاف عائشة ضيف فأمرت له بملحف صفراء فنام فيها فاحتلم فاستحيا أن يرسل إليها وبها أثر الاحتلام فغمسها في الماء ثم أرسل بها فقالت عائشة لم أفسد علينا ثوبنا إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه وربما فركته من ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأصابعى قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. ورواها الطحاوى وكذا مسلم بسنده إلى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود وهمام عن عائشة في المنيّ قالت كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقد وافق الحكم أيضا منصور بن المعتمر كما في مسلم والترمذى والطحاوى
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، ح وثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ الْبَصْرِيُّ، نَا سُلَيْمٌ يَعْنِي ابْنَ أَخْضَرَ الْمَعْنَى، وَالْإِخْبَارُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمٍ قَالَا: نَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قال سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: «إِنَّهَا كَانَتْ
стр. 914
تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ» قَالَتْ: «ثُمَّ أَرَى فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله زهير) بن معاوية
(قوله سليم يعنى ابن أخضر) العناية من المصنف وسليم بضم أوله مصغرا كما في الخلاصة والتقريب وضبطه النووى بفتح السين المهملة روى عن عبد الله بن عون وعكرمة بن عمار وسليمان التيمى وعمرو بن ميمون وغيرهم. وعنه ابن مهدى وحميد بن مسعدة وسليمان بن حرب وجماعة. قال ابن حرب ثقة مأمون وقال أحمد كان من أهل الصدق والأمانة ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائى. مات سنة ثمانين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والترمذى
(قوله المعنى) أى حدّث سليم بمعنى حديث زهير
(قوله والإخبار في حديث سليم) أى أن سند سليم إلى عائشة بالإخبار والسماع لا بالعنعنة وسند زهير بالعنعنة وفى نسخة صحيحة المعنى والإخبار واحد أى أن الإخبار ثابت في سند سليم وزهير. والإخبار بكسر الهمزة المراد به ما يشمل السماع. وغرض المصنف بذلك إثبات سماع سليمان بن يسار من عاشة
(قوله عمرو بن ميمون بن مهران) بكسر الميم أبو عبد الله الجزرى. روى عن أبيه وسليمان بن يسار والشعبى والزهرى ومكحول وآخرين. وعنه الثورى وشريك ومحمد بن إسحاق وزهير وابن المبارك وغيرهم. قال أحمد ليس به بأس ووثقه ابن حبان وابن سعد والنسائى وابن معين وابن نمير وقال ابن خراش شيخ صدوق. مات سنة خمس أو سبع أو ثمان وأربعين ومائة
(قوله سمعت عائشة) وفى مسلم ورواية للبخارى سألت. وفيه ردّ على البزار وأحمد إذ زعما أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة وكذا حكاه الشافعى في الأم عن غيره وزاد أن الحفاظ قالوا إن عمرو بن ميمون غلط في رفعه وإنما هو في فتوى سليمان بن يسار وقد تبين من تصريح الشيخين وغيرهما بسماعه منها صحة سماعه وأن رفعه صحيح وليس بين فتواه وروايته تناف
(معنى الحديث)
(قوله إنها كانت تغسل المنيّ الخ) ذكره بالمعنى بدلا عن لفظها أى قالت عائشة كنت أغسل المنىّ الخ ليشاكل قولها بعد ثم أرى فيه وفى نسخة أراه فيه أى أبصر أثر الغسل في الثوب. يدلّ عليه ما في ابن ماجه وأنا أرى أثر الغسل فيه والضمير المنصوب في نسخة أراه راجع إلى أثر الغسل المفهوم من قوله تغسل
(قوله بقعة) بضم الموحدة وسكون القاف هي في الأصل قطعة من الأرض يخالف لونها لون ما يليها والمراد هنا أثر الغسل كما تقدم
(قوله أو بقعا) يحتمل أن يكون من كلام عائشة وينزّل على حالتين أو شكا من أحد الرواة (واحتج) بالحديث من قال بنجاسة المنىّ لقوله في الحديث كانت تغسل المنىّ وهو يدلّ على التكرار (وقال) الكرماني لا حجة فيه لاحتمال أن يكون غسله بسبب أن ممرّه كان نجسا أو لاختلاطه برطوبة فرجها على مذهب
стр. 915
من قال بنجاسته وهو مردود لأن المشرّحين من الأطباء قالوا إن مستقرّ المنىّ غير مستقر البول وكذا
مخرجاهما. وأما نجاسة رطوبة فرج المرأة فغير متفق عليها أفاده العينى على البخارى (وقال) في شرح أبى داود قال الخطابى هذا لا يخالف حديث الفرك وإنما هذا استحباب واستظهار بالنظافة كما قد يغسل الثوب من النخامة والمخاطة ونحوهما. والحديثان إذا أمكن استعمالهما لم يجز أن يحملا على التناقض اهـ "قلت" ما ادعى أحد المخالفة بين الحدثين ولا التناقض وإنما هذا الحديث يدلّ على أن المنىّ نجس بدلالة غسله وكان هذا هو القياس أيضا في يابسه ولكن خص بحديث الفرك. ولا نسلم أن غسل هذا مثل غسل النخامة والمخاطة لأنه ورد في حديث أخرجه الدارقطنى في سننه "يا عمار ما نخامتك ولا دموعك إلا بمنزلة الماء الذى في ركوتك إنما يغسل الثوب من خمس من البول والغائط والمنيّ والدم والقئ" فانظر كيف ذكره بين الغائط والدم "فإن قيل" قال الدارقطنى لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جدّا "قلت" قال البزار ثابت بن حماد كان ثقة "فإن قيل" قد قال البيهقى أما حديث عمار بن ياسر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذى في ركوتك إنما يغسل ثوبك من البول والغائط والمنىّ والدم والقئ فهذا باطل لا أصل له إنما رواه ثابت بن حماد عن علىّ بن زيد عن ابن المسيب عن عمار وعلى بن زيد غير محتج به "قلت" هذا لا يفيد دعواه لأن مسلما روى له مقرونا بغيره وروى له أبو داود والترمذى والنسائى وقال رجل لابن معين اختلط علىّ بن زيد قال ما اختلط علي بن زيد قط وهو أحب إلى من ابن عقيل ومن عاصم بن عبيد الله. وقال العجلي لا بأس به وفى موضع آخر قال يكتب حديثه. وروى له الحاكم في المستدرك وقال الترمذى صدوق وقال الشيخ علاء الدين البركماني أما كون ثابت بن حماد متهما بالوضع فما رأيت أحدا بعد الكشف التام ذكره غير البيهقى، وقد ذكر أيضا هو هذا الحديث في كتاب المعرفة وضعف ثابتا هذا ولم ينسبه إلى التهمة بالوضع اهـ
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على نجاسة المنىّ وقد علمت ما فيه من الخلاف، وعلى جواز خدمة المرأة زوجها بنحو غسل ثيابه وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الأئمة الستة
(باب بول الصبى يصيب الثوب)
أى في بيان كيفية تطهير الثوب الذى أصابه بول الصبي. والصبي الصغير ما دام رضيعا فإذا فطم يسمى غلاما إلى سبع سنين
следующие страницы →