Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
إذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب
واختلف العلماء فيمن غزا على بعير هل يسهم لبعيره؟ فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يسهم للابل.
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل. كذلك قال الحسن، ومكحول، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة.
قال ابن قدامة في [المغني]: وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم "بدر" سبعون بعيرًا، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل، هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل عنه أنه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل، وكذلك من بعد النبي ﷺ من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير، ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك، ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر، فلم يسهم له كالبغل والحمار، اهـ.
وقال الإمام أحمد: من غزا على بعير، وهو لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان. وظاهره أنه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس، وعن أحمد: أنه يسهم للبعير سهم، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره، وحكى نحو هذا عن الحسن. قاله ابن قدامة في [المغني].
واحتج أهل هذا القول بقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفتُمْ عَليهِ مِنْ خَيلٍ
стр. 1017
وَلَا رَكابٍ﴾ قالوا: فذكر الركاب -وهي الإبل- مع الخيل، وبأنه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس؛ لأن تجويز المسابقة بعوض إنما هو في ثلاثة أشياء، هي: النصل، والخف، والحافر دون غيرها؛ لأنها آلات الجهاد، فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها تحريضًا على رياضتها، وتعلم الإتقان فيها.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه لا يسهم للإبل؛ لما قدمنا آنفًا، وأما غير الخيل والإبل من البغال والحمير والفيلة ونحوها فلا يسهم لشيء منه وإن عظم غناؤها، وقامت مقام الخيل.
قال ابن قدامة: ولا خلاف في ذلك؛ لأنه ﷺ لم يقسم لشيء من ذلك؛ ولأنها مما لا يجوز المسابقة عليه بعوض، فلم يسهم لها كالبقر.
المسألة السابعة: اختلف العلماء في حرق رحال الغال من الغنيمة، والمراد بالغال من يكتم شيئًا من الغنيمة، فلا يطلع عليه الإمام، ولا يضعه مع الغنيمة.
قال بعض العلماء: يحرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال الحسن، وفقهاء الشام، منهم مكحول، والأوزاعي، والوليد بن هشام، ويزيد بن يزيد بن جابر، وأتي سعيد بن عبد الملك بغال فجمع ماله وأحرقه، وعمر بن عبد العزيز حاضر ذلك فلم يعبه.
وقال يزيد بن يزيد بن جابر: السنة في الذي يغل أن يحرق
стр. 1018
رحله. رواهما سعيد في سننه. قاله ابن قدامة في [المغني].
ومن حجج أهل هذا القول: ما رواه أبو داود في سننه، عن صالح بن محمد بن زائدة -قال أبو داود وصالح: هذا أبو واقد- قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم؛ فأتي برجل قد غل؛ فسأل سالمًا عنه فقال: سمعت أبي يحدث، عن عمر بن الخطاب؛ عن النبي ﷺ قال: إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه. قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا فسأل سالمًا عنه، فقال: بعه وتصدق بثمنه. اهـ. بلفظه من أبي داود.
وذكر ابن قدامة أنه رواه أيضًا الأثرم، وسعيد.
وقال أبو داود أيضًا: حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي، قال: أخبرنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد، قال: غزونا مع الوليد بن هشام، ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، فغل رجل متاعًا، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به، ولم يعطه سهمه.
قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين، رواه غير واحد أن الوليد بن هشام أحرق رحل زيادة بن سعد، وكان قد غل، وضربه.
حدثنا محمد بن عوف، قال: ثنا موسى بن أيوب، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا زهير بن محمد، عن عروة بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه.
قال أبو داود: وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد -ولم أسمعه
стр. 1019
منه- ومنعوه سهمه.
قال أبو داود: وحدثنا به الوليد بن عتبة، وعبد الوهاب بن نجدة، قالا: ثنا الوليد، عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب. قوله ولم يذكر عبد الوهاب بن نجدة الحوطي منع سهمه، اهـ من أبي داود بلفظه. وحديث صالح بن محمد الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضًا الترمذي، والحاكم، والبيهقي.
قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، الذي يقال له: أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث.
قال المنذري: وصالح بن محمد بن زائدة: تكلم فيه غير واحد من الأئمة؛ وقد قيل: إنه تفرد به، وقال البخاري: عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول، وهو باطل ليس بشيء، وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد، قال: وهذا حديث لم يتابع عليه، ولا أص لهذا الحديث عن رسول الله ﷺ .
والمحفوظ أن سالمًا أمر بذلك، وصحح أبو داود وقفه، فرواه موقوفًا من وجه آخر، وقال: هذا أصح كما قدمنا.
وحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي. وزهير بن محمد الذي ذكرنا في إسناده الظاهر أنه هو الخراساني. وقد قال فيه ابن حجر في [التقريب]: رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببهما، وقال البخاري
стр. 1020
عن أحمد: كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر، وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه. اهـ.
وقال البيهقي: ويقال: إنه غير الخراساني. وأنه مجهول. اهـ. وقد علمت فيما قدمنا عن أبي داود أنه رواه من وجه آخر موقوفًا على عمرو بن شعيب. وقال ابن حجر: إن وقفه هو الراجح.
وذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، إلى أنه لا يحرق رحله، واحتجوا بأنه يمّ لم يحرق رحل غال، وبما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالًا فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه، ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال: أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تجيء به؟ فاعتذر إليه، فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله عنك. هذا لفظ أبي داود. وهذا الحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري، وأخرجه الحاكم وصححه.
وقال البخاري: قد روي في غير حديث عن الغال، ولم يأمر بحرق متاعه. فقد علمت أن أدلة القائلين بعدم حرق رحل الغال أقوى، وهم أكثر العلماء.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة: هو ما اختاره ابن القيم، قال في [زاد المعاد] بعد أن ذكر الخلاف المذكور في المسألة: والصواب أن هذا من باب التعزير
стр. 1021
والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة، فإنه حرق وترك، وكذلك خلفاؤه من بعده، ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة، فليس بحد، ولا منسوخ، وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام. اهـ.
وإنما قلنا: إن هذا القول أرجح عندنا؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن، وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة، كما علم في الأصول، والعلم عند الله تعالى.
أما لو سرق واحد من الغانمين من الغنيمة قبل القسم، أو وطىء جارية منها قبل القسم، فقال مالك وجل أصحابه: يحد حد الزنى والسرقة في ذلك؛ لأن تقرر الملك لا يكون بإحراز الغنيمة، بل بالقسم.
وذهب الجمهور -منهم الأئمة الثلاثة- إلى أنه لا يحد للزنى ولا للسرقة؛ لأن استحقاقه بعض الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد؛ وبعض من قال بهذا يقول: إن ولدت فالولد حر يلحق نسبه به، وهو قول أحمد، والشافعي، خلافًا لأبي حنيفة؛ وفرق بعض المالكية بين السرقة والزنى، فقال: لا يحد للزنى؛ ويقطع إن سرق أكثر من نصيبه بثلاثة دراهم.
وبهذا قال عبد الملك من المالكية، كما نقله عنه ابن المواز.
واختلف العلماء فيما إذا مات أحد المجاهدين قبل قسم الغنيمة، هل يورث عنه نصيبه؟ فقال مالك في أشهر الأقوال، والشافعي: إن حضر القتال ورث عنه نصيبه وإن مات قبل إحراز الغنيمة، وإن لم يحضر القتال فلا سهم له.
стр. 1022
وقال أبو حنيفة: إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام خاصة، أو قسمها في دار الحرب فلا شيء له؛ لأن ملك المسلمين لا يتم عليها عنده إلا بذلك.
وقال الأوزاعي: إن مات بعدما يدرب قاصدًا في سبيل الله -قبل أو بعد- أسهم له.
وقال الإمام أحمد: إن مات قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له؛ لأنه مات قبل ثبوت ملك المسلمين عليها، وسواء مات حال القتال أو قبله، وإن مات بعد إحراز الغنيمة فسهمه لورثته.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا أظهر الأقوال عندي، والله تعالى أعلم.
ولا يخفى أن مذهب الإمام مالك ﵀ في هذه المسألة مشكل؛ لأن حكمه بحد الزاني والسارق يدل على أنه لا شبهة للغانمين في الغنيمة قبل القسم، وحكمه بإرث نصيب من مات قبل إحراز الغنيمة إن حضر القتال يدل على تقرر الملك بمجرد حضور القتال، وهو كما ترى. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثامنة: أصح الأقوال دليلًا: أنه لا يقسم للنساء والصبيان الذين لا قدرة لهم على القتال، وما جرى مجراهم، ولكن يرضخ لهم من الغنيمة باجتهاد الإمام، ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عباس لما سأله نجدة عن خمس خلال.
منها: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني: هل كان رسول
стр. 1023
الله ﷺ يغزو بالنساء، وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن. الحديث.
وهو صريح فيما ذكرنا، فيجب حمل ما ورد في غيره من أن النساء يسهم لهن على الرضخ المذكور في هذا الحديث المعبر عنه بقوله: "يحذين من الغنيمة".
قال النووي: قوله "يحذين" هو بضم الياء وإسكان الحاء المهملة، وفتح الذال المعجمة: أي، يعطين تلك العطية، وتسمى الرضخ، وفي هذا أن المرأة تستحق الرضخ، ولا تستحق السهم، وبهذا قال أبو حنيفة، والثوري، والليث، والشافعي، وجماهير العلماء.
وقال الأوزاعي: تستحق السهم إن كانت تقاتل، أو تداوي الجرحى، وقال مالك: لا رضخ لها، وهذان المذهبان مردودان بهذا الحديث الصحيح الصريح. اهـ.
المسألة التاسعة: اعلم أنه ﷺ كان يأخذ نفقة سنته من فيء بني النضير، لا من المغانم.
ودليل ذلك: حديث مالك بن أوس بن الحدثان المتفق عليه، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: دخلت على عمر، فأتاه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد؟ قال: نعم، فأذن لهم، ثم قال: هل لك في علي، وعباس؟ قال: نعم، قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا، قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون
стр. 1024
أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة" يريد رسول الله ﷺ نفسه؟ فقال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل على علي، وعباس، فقال: هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان خص رسوله ﷺ في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، فقد قال : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ فكانت خالصة لرسول الله ﷺ ، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموه، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان النبي ﷺ ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله ﷺ حياته؛ أنشدكم بالله، هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي، وعباس: أنشدكما بالله، هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم، قال عمر: فتوفى الله نبيه ﷺ ، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ ، فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله ﷺ ، ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولي رسول الله ﷺ ، فقبضتها سنتين أعمل فيها ما عمل فيها رسول الله، وأبو بكر، ثم جئتماني، وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع؛ جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك، وأتاني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقالت: إن شئتما دفعتها إليكما بذلك فتلتمسان مني قضاء غير ذلك؛ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما فادفعاها إلي اهـ.
هذا لفظ البخاري في [الصحيح] في بعض رواياته، ومحل الشاهد من الحديث تصريح عمر بأنه ﷺ كان ينفق على أهله نفقة
стр. 1025
سنته من فيء بني النضير، وتصديق الجماعة المذكورة له في ذلك، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة بألفاظ متقاربة المعنى، وهو نص في أن نفقة أهله ﷺ كانت من الفيء، لا من الغنيمة.
ويدل له أيضًا الحديث المتقدم "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم".
فإن قيل: ما وجه الجمع بين ما ذكرتم، وبين ما أخرجه أبو داود من طريق أسامة بن زيد، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك؛ فأما بنو النضير فكانت حبسًا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبيل؛ وأما خيبر فجزأها رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء جزئين بين المسلمين، وجزءًا نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين".
فالجواب -والله تعالى أعلم- أنه لا تعارض بين الروايتين؛ لأن "فدك" ونصيبه ﷺ من "خيبر" كلاهما فيء كما قدمنا عليه الأدلة الواضحة، وكذلك "النضير" فالجميع فيء كما تقدم إيضاحه، فحكم الكل واحد.
وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن عائشة ﵂، قالت: وكانت فاطمة ﵂ تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله ﷺ من خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ.
стр. 1026
فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي، وعباس، وأما خيبر، وفدك فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم.
هذا لفظ البخاري في صحيحه.
وقال ابن حجر في [الفتح]: وقد ظهر بهذا أن صدقة النبي ﷺ تختص بما كان من بني النضير، وأما سهمه من خيبر، وفدك فكان حكمه إلى من يقوم بالأمر بعده، وكان أبو بكر يقدم نفقة نساء النبي ﷺ مما كان يصرفه فيصرفه من خيبر، وفدك، وما فضل من ذلك جعله في المصالح، وعمل عمر بعده بذلك، فلما كان عثمان تصرف في فدك بحسب ما رآه، فروى أبو داود من طريق مغيرة بن مقسم، قال: جمع عمر بن عبد العزيز بن مروان، فقال: "إن رسول الله ﷺ كان ينفق من فدك علي بني هاشم، ويزوج أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، وكانت كذلك في حياة النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر، ثم أقطعها مروان، يعني في أيام عثمان.
قال الخطابي: إنما أقطع عثمان "فدك" لمروان؛ لأنه تأول أن الذي يختص بالنبي ﷺ يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله، فوصل بها بعض قرابته، ويشهد لصنيع أبي بكر حديث أبي هريرة المرفوع الثابت في الصحيح بلفظ: "ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤونة عاملي فهو صدقة".
فقد عمل أبو بكر وعمر بتفصيل ذلك بالدليل الذي قام لهما. اهـ.
стр. 1027
واعلم أن فيء "بني النضير" تدخل فيه أموال "مخيريق" ﵁، وكان يهوديًّا من "بني قينقاع" مقيمًا في بني النضير، فلما خرج النبي ﷺ إلى أحد، قال لليهود: ألا تنصرون محمدًا ﷺ ، والله إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم، فقالوا: اليوم يوم السبت، فقال: لا سبت، وأخذ سيفه ومضى إلى النبي فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فلما حضره الموت قال: أموالي إلى محمد ﷺ يضعها حيث شاء، وكان له سبع حوائط ببني النضير وهي "الميثب" "والصائفة" "والدلال" "وحسنى" "وبرقة" "والأعواف" "ومشربة أم إبراهيم".
وفي رواية الزبير بن بكار "الميثر" بدل "الميثب" "والمعوان" عوض "الأعواف" وزاد "مشربة أم إبراهيم" الذي يقال له: "مهروز".
وسميت "مشربة أم إبراهيم" لأنها كانت تسكنها "مارية" قاله بعض أصحاب المغازي.
وعد الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي "مخيريق" المذكور من شهداء أحد، حيث قال في سردهم:
وذو الوصايا الجم للبشر ... وهو مخيريق بني النضير
ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام التي لها تعلق بهذه الآية الكريمة، خوف الإطالة المملة.
• قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ .
أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة بالثبات عند لقاء
стр. 1028
العدو، وذكر الله كثيرًا مشيرًا إلى أن ذلك سبب للفلاح؛ والأمر بالشيء نهي عن ضده، أو مستلزم للنهي عن ضده، كما علم في الأصول، فتدل الآية الكريمة على النهي عن عدم الثبات أمام الكفار، وقد صرح تعالى بهذا المدلول في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ إلى قوله: ﴿وَبِئسَ المْصَيرُ﴾ وفي الأمر بالإكثار من ذكر الله تعالى في أضيق الأوقات؛ وهو وقت التحام القتال دليل واضح على أن المسلم ينبغي له الإكثار من ذكر الله على كل حال؛ ولا سيما في وقت الضيق، والمحب الصادق في حبه لا ينسى محبوبه عند نزول الشدائد.
قال عنترة في معلقته:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
وقال الآخر:
ذكرتك والخطى يخطر بيننا ... وقد نهلت فينا المثقفة السمر
تنبيه
قال بعض العلماء: كل "لعل" في القرآن فهي للتعليل إلا التي في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ فهي بمعنى "كأنكم تخلدون".
قال مقيده -عفا الله عنه-: لفظة "لعل" قد ترد في كلام العرب مرادًا بها التعلل، ومنه قوله:
стр. 1029
فقلتم لنا: كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كشبه سراب بالملا متألق
فقوله: "لعلنا نكف" يعني "لأجل أن نكف" وكونها للتعليل لا ينافي "معنى الترجي"، لأن وجود المعلول يرجى عند وجود علته.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الآية.
نهى الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع، مبينًا أنه سبب الفشل، وذهاب القوة، ونهى عن الفرقة أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ونحوها من الآيات، وقوله في هذه الآية: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم.
وقال بعض العلماء: نصركم، كما تقول العرب الريح لفلان إذا كان غالبًا، ومنه قوله:
إذا هبَّت رياحُكَ فاغتنمها ... فإن لكل عاصفةٍ سكونُ
واسم "إن" ضمير الشأن.
قال صاحب الكشاف: الريح: الدولة، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح في هبوبها. فقيل: هبت رياح فلان: إذا دالت له الدولة، ونفذ أمره، ومنه قوله:
يا صاحبي ألا لا حيَّ بالوادي ... إلا عبيد قعود بين أذوادي
أتنظران قليلًا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادي
стр. 1030
• قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ وَقَال لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾.
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان غر الكفار، وخدعهم، وقال لهم: لا غالب لكم، وأنا جار لكم.
وذكر المفسرون: أنه تمثل لهم في صورة "سراقة بن مالك بن جعشم" سيد بني مدلج بن بكر بن كنانة، وقال لهم ما ذكر الله عنه، وأنه مجيرهم من بني كنانة، وكانت بينهم عداوة ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيهِ﴾ عندما رأى الملائكة، وقال لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ فكان حاصل أمره أنه غرهم، وخدعهم حتى أوردهم الهلاك، ثم تبرأ منهم.
وهذه هي عادة الشيطان مع الإنسان كما بينه تعالى في
آيات كثيرة، كقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ وكقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (١٢٠)﴾ وقد قال حسان بن ثابت ﵁:
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم ... لو يعلمون يقين الأمر ما ساروا
دلاهم بغرور ثم أسلمهم ... إن الخبيث لمن ولاه غرار
في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾.
стр. 1031
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه؛ وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ .
قال بعض العلماء: إن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ في محل رفع بالعطف على اسم الجلالة، أي: حسبك الله، وحسبك أيضًا من اتبعك من المؤمنين.
وممن قال بهذا: الحسن، واختاره النحاس وغيره، كما نقله القرطبي.
وقال بعض العلماء: هو في محل خفض بالعطف على الضمير الذي هو الكف في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ فالمعنى حسبك الله أي كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين، وبهذا قال الشعبي، وابن زيد وغيرهما، وصدر به صاحب الكشاف، واقتصر عليه ابن كثير وغيره. والآيات القرآنية تدل على تعيين الوجه الأخير، وأن المعنى كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين؛ لدلالة الاستقراء في القرآن على أن الحسب والكفاية لله وحده، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ فجعل الإيتاء لله ورسوله، كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وجعل الحسب له
стр. 1032
وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعل الحسب مختصًا به، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ فخص الكفاية التي هي الحسب به وحده، وتمدح تعالى بذلك في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾: ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده.
وقد أثنى على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث فردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
فإن قيل: هذا الوجه الذي دل عليه القرآن، فيه أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ضعفه غير واحد من علماء العربية، قال ابن مالك في (الخلاصة):
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازمًا قد جعلا
فالجواب من أربعة أوجه:
الأول: أن جماعة من علماء العربية صححوا جواز العطف من غير إعادة الخافض، قال ابن مالك في (الخلاصة):
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتًا
وقد قدمنا في "سورة النساء" في الكلام على قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ شواهده العربية، ودلالة قراءة حمزة عليه،
стр. 1033
في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوأ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ﴾.
الوجه الثاني: أنه من العطف على المحل؛ لأن الكاف مخفوض في محل النصب، إذ معنى: ﴿حَسْبُكَ﴾ يكفيك، قال في [الخلاصة]:
وجر ما يتبع ما جر ومن ... راعى في الاتباع المحل فحسن
الوجه الثالث: نصبه بكونه مفعولًا معه، على تقدير ضعف وجه العطف، كما قال في [الخلاصة]:
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق ... والنصب مختار لدي ضعف النسق
الوجه الرابع: أن يكون ﴿وَمَنِ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أي: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فحسبهم الله أيضًا، فيكون من عطف الجملة، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾.
لم يعين تعالى في هذه الآية الكريمة المراد بأولي الأرحام؛ واختلف العلماء في هذه الآية: هل جاء في القرآن ما يبين المراد منها أو لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها بينتها آيات المواريث؛ كما قدمنا نظيره في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
قالوا: فلا إرث لأحد من أولي الأرحام غير من عينت لهم حقوقهم في آيات المواريث؛ وممن قال بهذا زيد بن ثابت، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود، وابن جرير
стр. 1034
وغيرهم؛ وقالوا: الباقي عن نصيب الورثة المنصوص على إرثهم لبيت مال المسلمين، واستدلوا بقوله ﷺ "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" رواه الإمام أحمد والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي من حديث عمرو بن خارجة ﵁، عن النبي ﷺ .
ورواه أيضًا الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ ، وحسنه الترمذي وابن حجر، ولا يضعف بأن في إسناده إسماعيل بن عياش، لما قدمنا مرارًا أن روايته عن الشاميين قوية، وشيخه في حديث أبي أمامة هذا شرحبيل بن مسلم، وهو شامي ثقة، وقد صرح في روايته بالتحديث.
وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق فيه لين. فقوله في هذا الحديث الذي صححه الترمذي من رواية عمرو بن خارجة، وحسنه الترمذي، وابن حجر من رواية أبي أمامة: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه" يدل بعمومه على أنه لم يبق في التركة حق لغيرهن عينت لهم أنصباؤهم في آيات المواريث.
وقد قال بعض أهل هذا القول: المراد بذوي الأرحام العصبة خاصة، قالوا: ومنه قول العرب وصلتك رحم، يعنون قرابة الأب دون قرابة الأم، ومنه قول قتيلة بنت الحارث، أو بنت النضر بن الحارث:
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق
стр. 1035
فأطلقت الأرحام على قرابة بني أبيه.
والأظهر على القول بعدم التوريث أن المراد بذوي الأرحام القرباء الذين بينت حقوقهم بالنص مطلقًا.
واحتج أيضًا من قال: لا يرث ذوو الأرحام بما روى عن عطاء بن يسار؛ أن رسول الله ﷺ ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة فأنزل عليه "لا ميراث لها" أخرجه أبو داود، في المراسيل، والدارقطني، والبيهقي، من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء، مرسلًا، وأخرجه النسائي في [سننه] وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، من مرسل زيد بن أسلم. ليس فيه ذكر عطاء. ورد المخالف هذا بأنه مرسل.
وأجيب بأن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد؛ الاحتجاج بالمرسل، وبأنه رواه البيهقي، والحاكم، والطبراني، موصولًا من حديث أبي سعيد.
وما ذكره البيهقي من وصله من طريقين:
إحداهما: من رواية ضرار بن صرد أبي نعيم.
والثانية: من رواية شريك بن أبي نمر، عن الحارث بن عبد، مرفوعًا. قال مُحَشِّيهِ صاحب [الجوهر النقي] في ضرار المذكور: إنه متروك، وعزا ذلك للنسائي، وعزا تكذيبه ليحيى بن معين.
وقال في ابن أبي نمر: فيه كلام يسير، وفي الحارث بن عبد: إنه لا يعرفه، ولا ذكر له إلا عند الحاكم في [المستدرك] في هذا الحديث.
стр. 1036
قال مقيده -عفا الله عنه-: ما ذكره من أن ضرار بن صرد متروك غير صحيح؛ لأنه صدوق له بعض أوهام لا توجب تركه.
وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق له أوهام وخطأ، ورمي بالتشيع، وكان عارفًا بالفرائض.
وأما ابن أبي نمر: فهو من رجال البخاري، ومسلم.
وأما إسناد الحاكم: فقال فيه الشوكاني في [نيل الأوطار]: إنه ضعيف، وقال في إسناد الطبراني: فيه محمد بن الحارث المخزومي.
قلت: قال فيه ابن حجر في [التقريب]: مقبول، وقال الشوكاني أيضًا: قالوا: وصله -أيضًا- للطبراني من حديث أبي هريرة.
ويجاب: بأنه ضعفه بمسعدة بن اليسع الباهلي. قالوا: وصله الحاكم أيضًا من حديث ابن عمر، وصححه.
ويجاب: بأن في إسناده عبد الله بن جعفر المدني، وهو ضعيف.
قالوا: روى له الحاكم شاهدًا من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن الحارث بن عبد مرفوعًا.
ويجاب: بأن في إسناده سليمان بن داود الشاذكوني، وهو متروك.
قالوا: أخرجه الدارقطني من وجه آخر عن شريك. ويجاب: بأنه مرسل. اهـ.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذه الطرق الموصولة والمرسلة
стр. 1037
يشد بعضها بعضًا، فيصلح مجموعها للاحتجاج، ولاسيما أن منها ما صححه بعض العلماء، كالطريق التي صححها الحاكم، وتضعيفها بعبد الله بن جعفر المدني فيه أنه من رجال مسلم، وأخرج له البخاري تعليقًا، وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: ليس به بأس اهـ.
واحتجوا أيضًا بما رواه مالك في [الموطأ] والبيهقي، عن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الرحمن بن حنظلة الزرقي: أنه أخبره عن مولى لقريش كان قديما يقال له: ابن موسى أنه قال: كنت جالسًا عند عمر بن الخطاب، فلما صلى الظهر، قال: يا يرفأ هلم ذلك الكتاب لكتاب كتبه في شأن العمة، فنسأل عنها، ونستخبر عنها فأتاه به يرفأ فدعا بتور أو قدح فيه ماء، فمحا ذلك الكتاب فيه، ثم قال: لو رضيك الله وارثة أقرك، لو رضيك الله أقرك.
وقال مالك في [الموطأ] عن محمد بن أبي بكر بن حزم: إنه سمع أباه كثيرًا يقول: كان عمر بن الخطاب يقول: عجبًا للعمة ترث ولا تورث. والجميع فيه مقال.
وقال جماعة من أهل العلم: لا بيان للآية من القرآن، بل هي باقية على عمومها، فأوجبوا الميراث لذوي الأرحام.
وضابطهم: أنهم الأقارب الذين لا فرض لهم ولا تعصيب.
وهم: أحد عشر حيزًا:
١ - أولاد البنات.
٢ - وأولاد الأخوات.
стр. 1038
٣ - وبنات الإخوة.
٤ - وأولاد الإخوة من الأم.
٥ - والعمات من جميع الجهات.
٦ - والعم من الأم.
٧ - والأخوال.
٨ - والخالات.
٩ - وبنات الأعمام.
١٠ - والجد أبو الأم.
١١ - وكل جدة أدلت بأب بين أمين، أو بأب أعلى من الجد.
فهؤلاء، ومن أدلى بهم يسمون ذوي الأرحام.
وممن قال بتوريثهم إذا لم يوجد وارث بفرض أو تعصيب -إلا الزوج والزوجة- الإمام أحمد.
ويروى هذا القول عن عمر، وعلي، وعبد الله، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء ﵃ وبه قال شريح وعمر ابن عبد العزيز، وعطاء، وطاوس، وعلقمة، ومسروق، وأهل الكوفة وغيرهم. نقله ابن قدامة في [المغني].
واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوأ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية، وعموم قوله تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْربوُنَ﴾ الآية. ومن السنة بحديث المقدام بن معد يكرب، عن
стр. 1039
النبي ﷺ ، أنه قال: "من ترك مالًا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه؛ وأرث، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه" أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، وحسنه أبو زرعة الرازي، وأعله البيهقي بالاضطراب، ونقل عن يحيى بن معين، أنه كان يقول: ليس فيه حديث قوي. قاله في [نيل الأوطار].
واحتجوا أيضًا بما رواه أبو أمامة بن سهل أن رجلًا رمى رجلًا بسهم فقتله، وليس له وارث إلا خال، فكتب في ذلك أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن النبي ﷺ قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له" رواه أحمد، وابن ماجه، وروى الترمذي المرفوع منه، وقال: حديث حسن.
قال الشوكاني ﵀: وفي الباب عن عائشة عند الترمذي، والنسائي، والدارقطني من رواية طاوس عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "الخال وارث من لا وارث له" قال الترمذي: حسن غريب، وأعله النسائي بالاضطراب، ورجح الدارقطني، والبيهقي، وقفه. قال الترمذي: وقد أرسله بعضهم، ولم يذكر فيه عائشة.
وقال البزار: أحسن إسناد فيه حديث أبي أمامة بن سهل، وأخرجه عبد الرزاق عن رجل من أهل المدينة، والعقيلي، وابن عساكر، عن أبي الدرداء، وابن النجار، عن أبي هريرة، كلها مرفوعة. اهـ
قال الترمذي: وإلى هذا الحديث ذهب أهل العلم في توريث
стр. 1040
ذوي الأرحام.
واحتجوا أيضًا بما رواه أبو داود، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي اللَّهُ ﷺ أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. وفيه ابن لهيعة.
قال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا عندي أن الخال يرث من لا وارث له، دون غيره من ذوي الأرحام، لثبوت ذلك فيه عن النبي ﷺ بالحديثين المذكورين دون غيره؛ لأن الميراث لا يثبت إلا بدليل، وعموم الآيتين المذكورتين لا ينهض دليلًا؛ لقوله ﷺ : "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه" كما تقدم.
فإذا علمت أقوال العلماء وحججهم في إرث ذوي الأرحام وعدمه، فاعلم أن القائلين بالتوريث اختلفوا في كيفيته: فذهب المعروفون منهم بأهل التنزيل إلى تنزيل كل واحد منهم منزلة من يدلي به من الورثة، فيجعل له نصيبه، فإن بعدوا نزلوا درجة درجة، إلى أن يصلوا من يدلون به، فيأخذون ميراثه، فإن كان واحدًا؛ أخذ المال كله، وإن كانوا جماعة، قسم المال بين من يدلون به، فما حصل لكل وارث جعل لمن يدلي به، فإن بقي من سهام المسألة شيء، رد عليهم على قدر سهامهم.
وهذا هو مذهب الإمام أحمد، وهو قول علقمة، ومسروق، والشعبي، والنخعي، وحماد، ونعيم، وشريك، وابن أبي ليلى، والثوري، وغيرهم: كما نقله عنهم ابن قدامة في [المغني].
وقال أيضًا: قد روي عن علي، وعبد الله ﵄-
стр. 1041
أنهما نزلا بنت البنت منزلة البنت، وبنت الأخ منزلة الأخ، وبنت الأخت منزلة الأخت، والعمة بمنزلة الأب، والخالة منزلة الأم، وروى ذلك عن عمر ﵁ في العمة والخالة.
وعن علي أيضًا: أنه نزل العمة منزلة العم، وروي ذلك عن علقمة، ومسروق، وهي الرواية الثانية عن أحمد، وعن الثوري وأبي عبيد: أنهما نزلاها منزلة الجد مع ولد الأخوة، والأخوات، ونزلها آخرون منزلة الجدة.
وإنما صار هذا الخلاف في العمة، لأنها أدلت بأربع جهات وارثات: فالأب والعم أخواها، والجد والجدة أبواها.
ونزل قوم الخالة منزلة جدة؛ لأن الجدة أمها، والصحيح من ذلك تنزيل العمة أبًا، والخالة أمّا اهـ من [المغني].
وذهبت جماعة أخرى ممن قال بالتوريث -منهم أبو حنيفة، وأصحابه- إلى أنهم يورثون على ترتيب العصبات، فقالوا: يقدم أولاد الميت وإن سفلوا، ثم أولاد أبويه أو أحدهما وإن سفلوا، ثم أولاد أبوي أبويه وإن سفلوا، وهكذا أبدًا لا يرث بنو أب أعلى وهناك بنو أب أقرب منه، وإن نزلت درجتهم.
وعن أبي حنيفة: أنه جعل أبا الأم -وإن علا- أولى من ولد البنات، ويسمى مذهب هؤلاء: مذهب أهل القرابة. والعلم عند الله تعالى.
стр. 1042
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورة التوبة
стр. 1043
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعلم أولًا أن الصحابة ﵃ لم يكتبوا سطر "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" في سورة "براءة" هذه في المصاحف العثمانية، واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة منها على أقوال:
منها: أن البسملة رحمة وأمان، و"براءة" نزلت بالسيف؛ فليس فيها أمان، وهذا القول مروي عن علي ﵁، وسفيان بن عيينة.
ومنها: أن ذلك على عادة العرب إذا كتبوا كتابًا فيه نقض عهد أسقطوا منه البسملة، فلما أرسل النبي - ﷺ - عليًّا ﵁ ليقرأها عليهم في الموسم، قرأها، ولم يبسمل على عادة العرب في شأن نقض العهد، نقل هذا القول بعض أهل العلم، ولا يخفى ضعفه.
ومنها: أن الصحابة لما اختلفوا: هل "براءة" و"الأنفال" سورة واحدة، أو سورتان، وتركوا بينهما فرجة لقول من قال: إنهما سورتان، وتركوا البسملة لقول من قال: هما سورة واحدة، فرضي الفريقان، وثبتت حجتاهما في المصحف.
ومنها: أن سورة "براءة" نسخ أولها فسقطت معه البسملة،
стр. 1044
وهذا القول رواه ابن وهب، وابن القاسم، وابن عبد الحكم، عن مالك، كما نقله القرطبي.
وعن ابن عجلان، وسعيد بن جبير: أنها كانت تعدل سورة "البقرة".
وقال القرطبي: والصحيح أن البسملة لم تكتب في هذه السورة؛ لأن جبريل لم ينزل بها فيها. قاله القشيري. اهـ.
قال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر الأقوال عندي في هذه المسألة أن سبب سقوط البسملة في هذه السورة هو ما قاله عثمان ﵁ لابن عباس.
فقد أخرج النسائي، والترمذي، وأبو داود، والإمام أحمد، وابن حبان في [صحيحه] والحاكم في [المستدرك] وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه: عن ابن عباس ﵄ قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال -وهي من المثاني- وإلى براءة -وهي من المئين- فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتموهما في السبع الطُّوَل، فما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان ﵁: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا أنزل عليه شيء يدعو من يكتب عنده، فيقول: ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت "الأنفال" من أوائل ما أنزل بالمدينة، و"براءة" من آخر ما أنزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقبض رسول الله - ﷺ -، ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما، ولم
стр. 1045
أكتب بينهما سطر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتها في السبع الطُّوَل. اهـ.
تنبيهان
الأول: يؤخذ من هذا الحديث أن ترتيب آيات القرآن بتوقيف من النبي ﷺ ، وهو كذلك بلا شك، كما يفهم منه أيضًا: أن ترتيب سُوَرِهِ بتوقيف أيضًا فيما عدا سورة "براءة"، وهو أظهر الأقوال، ودلالة الحديث عليه ظاهرة.
التنبيه الثاني: قال أبو بكر بن العربي المالكي -رحمه الله تعالى-: في هذا الحديث دليل على أن القياس أصل في الدين. ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة "براءة" شبيهة بقصة "الأنفال" فألحقوها بها، فإذا كان القياس يدخل في تأليف القرآن، فما ظنك بسائر الأحكام.
• قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الكفار المعاهدين، وأنه بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ لا عهد لكافر. وفي هذا اختلاف كثير بين العلماء، والذي يبينهُ القرآن، ويشهد له من تلك الأقوال، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة غير الموقتة بوقت معين، أو من كانت مدة عهده المؤقت أقل من أربعة أشهر، فتكمل له أربعة أشهر، أما أصحاب العهود المؤقتة الباقي من مدتها أكثر من أربعة أشهر فإنه يجب لهم إتمام مدتهم.
стр. 1046
ودليله المبين له من القرآن هو قوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ وهو اختيار ابن جرير، وروي عن الكلبي، ومحمد بن كعب القرظي، وغير واحد. قاله ابن كثير.
ويؤيده حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ بعثه حين أنزلت "براءة" بأربع.
ألا يطوف بالبيت عريان.
ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا.
ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته.
ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.
• قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية.
قال بعض العلماء: كان ابتداء التأجيل الأشهر الأربعة المذكورة من شوال، وآخره سلخ المحرم، وبه قال الزهري -رحمه الله تعالى- ولكن القرآن يدل على أن ابتداءها من يوم النحر على الأصح من أنه يوم الحج الأكبر، أو يوم عرفة على القول بأنه هو يوم الحج الأكبر، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ الآية، وهو صريح في أن ابتداء الإعلام المذكور من يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، ولا يخفى انتهاؤها في العشر من ربيع الثاني.
قال ابن كثير: -في تفسير هذه الآية- وقال الزهري: كان
стр. 1047
ابتداء التأجيل من شوال، وآخره سلخ المحرم. وهذا القول غريب، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها، وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر، حين نادى أصحاب رسول الله ﷺ بذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾.
• قوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ .
يفهم من مفهوم مخالفة هذه الآية: أن المشركين إذا نقضوا العهد جاز قتالهم؛ ونظير ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ وهذا المفهوم في الآيتين صرح به جل وعلا في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الآية.
اختلف العلماء في المراد بالأشهر الحرم في هذه الآية.
فقال ابن جرير: إنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قاله أبو جعفر الباقر.
ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وحكى نحو قوله هذا علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وإليه ذهب الضحاك.
ولكن السياق يدل على أن المراد بها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾.
стр. 1048
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بها الأشهر الأربعة المنصوص عليها بقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم قتالهم فيها، وأجلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، مع أن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى اهـ.
• قوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ الآية.
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن كفار مكة هموا بإخراجه ﷺ من مكة، وصرح في مواضع آخر بأنهم أخرجوه بالفعل، كقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ وقوله: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، وذكر في مواضع آخر: محاولتهم لإخراجه قبل أن يخرجوه، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ الآية.
نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن موالاة الكفار، ولو كانوا أقرباء، وصرح في موضع آخر بأن الاتصاف بوصف الإيمان
стр. 1049
مانع من موادة الكفار ولو كانوا قرباء، وهو قوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ .
ذكر تعالى ما أصاب المسلمين يوم حنين في هذه الآية الكريمة، وذكر ما أصابهم يوم أحد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ وصرح بأنه تاب على من تولى يوم أحد بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وأشار هنا إلى توبته على من تولى يوم حنين بقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ كما أشار بعض العلماء إليه.
في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
أظهر الأقوال وأقربها للصواب في معنى: ﴿يَكْنِزُونَ﴾ في هذه الآية الكريمة أن المراد بكنزهم الذهب والفضة وعدم إنفاقهم لها في سبيل الله أنهم لا يؤدون زكاتهما.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وأما الكنز فقال مالك: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: هو المال الذي لا تؤدى زكاته.
стр. 1050
وروى الثوري، وغيره، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهرًا لا تؤدى زكاته فهو كنز. وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا.
وقال عمر بن الخطاب نحوه: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض. اهـ.
وممن روي عنه هذا القول عكرمة، والسدي.
ولا شك أن هذا القول أصوب الأقوال؛ لأن من أدى الحق الواجب في المال الذي هو الزكاة لا يكوى بالباقي إذا أمسكه؛ لأن الزكاة تطهره كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ولأن المواريث ما جعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها.
ومن أصرح الأدلة في ذلك حديث طلحة بن عبيد الله وغيره في قصة الأعرابي أخي بن سعد، من هوازن، وهو ضمام بن ثعلبة لما أخبره النبي - ﷺ - بأن الله فرض عليه الزكاة، وقال: هل على غيرها، فإن النبي قال له: لا، إلا أن تطوع. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ وقد قدمنا في "البقرة" تحقيق أنه ما زاد على الحاجة التي لا بد منها. وقوله: "ليس فيما دون الخمسة أوسق" الحديث؛ لأن صدقة نكرة في سياق النفي، فهي تعم نفي كل صدقة. وفي الآية أقوال آخر:
منها: أنها منسوخة بآيات الزكاة كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
стр. 1051
تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية.
وذكر البخاري هذا القول بالنسخ عن ابن عمر أيضًا. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعراك بن مالك. اهـ.
وعن علي أنه قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كان أكثر من ذلك فهو كنز.
ومذهب أبو ذر ﵁ في هذه الآية معروف، وهو أنه يحرم على الإنسان أن يدخر شيئًا فاضلًا عن نفقة عياله. اهـ ولا يخفى أن ادخار ما أديت حقوقه الواجبة لا بأس به، وهو كالضروري عند عامة المسلمين.
فإن قيل: ما الجواب عما رواه الإمام أحمد عن علي ﵁، قال: مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين، أو درهمين فقال رسول الله - ﷺ -: "كيتان صلوا على صاحبكم" اهـ. وما رواه قتادة عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، صدي بن عجلان قال: "مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله - ﷺ -: كية" ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال رسول الله - ﷺ -: "كيتان" وما روى عبد الرزاق وغيره عن علي ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: "تبًا للذهب، تبًا للفضة يقولها ثلاثًا، فشق ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر ﵁: أنا أعلم لكم ذلك من رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال: لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة تعين أحدكم على دينه" ونحو ذلك من الأحاديث.
стр. 1052
فالجواب -والله تعالى أعلم- أن هذا التغليظ كان أولًا، ثم نسخ بفرض الزكاة، كما ذكره البخاري عن ابن عمر ﵄.
وقال ابن حجر في [فتح الباري]: قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك.
وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانع الزكاة. . . إلى أن قال: فكان ذلك واجبًا في أول الأمر، ثم نسخ، ثم ذكر عن شداد بن أوس أنه قال: كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله ﷺ فيه الشدة، ثم يخرج إلى قومه، ثم يرخص فيه النبي ﷺ فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول. اهـ.
وقال بعض العلماء: هي في خصوص أهل الكتاب بدليل اقترانها مع قوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ الآية.
فإذا علمت أن التحقيق أن الآية عامة، وأنها في من لا يؤدي الزكاة، فاعلم أن المراد بها هو المشار إليه في آيات الزكاة؛ وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن البيان بالقرآن إذا كان غير واف بالمقصود فتمم البيان من السنة، من حيث إنها بيان للقرآن المبين به، وآيات الزكاة كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية، وقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ لا تفي بالبيان فتبينه بالسنة.
стр. 1053
وقد قال ابن خويز منداد المالكي: تضمنت هذه الآية زكاة العين، وهي تجب بأربعة شروط: حرية، وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. اهـ. وفي بعض هذه الشروط خلاف.
مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: في قدر نصاب الذهب والفضة، وفي القدر الواجب إخراجه منهما.
أما نصاب الفضة فقد أجمع جميع العلماء على أنه مائتا درهم شرعي، ووزن الدرهم الشرعي ستة دوانق، وكل عشرة دراهم شرعية فهي سبعة مثاقيل، والأوقية أربعون درهمًا شرعيًّا.
وكل هذا أجمع عليه المسلمون فلا عبرة بقول المريسي، الذي خرق به الإجماع؛ وهو اعتبار العدد في الدراهم، لا الوزن، ولا بما انفرد به السرخسي من الشافعية زاعمًا أنه وجه في المذاهب من أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لو ضم إليه قيمة الغش من نحاس مثلًا لبلغ نصابًا أن الزكاة تجب فيه، كما نقل عن أبي حنيفة، ولا بقول ابن حبيب الأندلسي: إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم، ولا بما ذكره ابن عبد البر من اختلاف الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد؛ لأن النصوص الصحيحة الصريحة التي أجمع عليها المسلمون مبينة أن نصاب الفضة مائتا درهم شرعي بالوزن الذي كان معروفًا في مكة. اهـ.
وكل سبعة مثاقيل فهي عشرة دراهم، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي
стр. 1054
- ﷺ - قال: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" ورواه مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁، وقد أجمع جميع المسلمين، وجمهور أهل اللسان العربي على أن الأوقية أربعون درهمًا.
وما ذكره أبو عبيد وغيره من أن الدرهم كان مجهولًا قدره حتى جاء عبد الملك بن مروان، فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل لا يخفى سقوطه، وأنه لا يمكن أن يكون نصاب الزكاة وقطع السرقة مجهولًا في زمن النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين ﵃، حتى يحققه عبد الملك.
والظاهر أن معنى ما نقل من ذلك: أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام، وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد فعشرة مثلًا وزن عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بكتابة عربية، ويصيرونها وزنًا واحدًا، وقد ذكرنا تحقيق وزن الدرهم في الأنعام.
وقال بعض العلماء: يغتفر في نصاب الفضة النقص اليسير الذي تروج معه الدراهم رواج الكاملة. وظاهر النصوص أنه لا زكاة إلا في نصاب كامل؛ لأن الناقص ولو بقليل يصدق عليه أنه دون خمس أواق، والنبي - ﷺ -: صرح بأن ما دونها ليس فيه صدقة.
فإذا حققت النص والإجماع على أن نصاب الفضة مائتا درهم شرعي، وهي وزن مائة وأربعين مثقالًا من الفضة الخالصة، فاعلم أن القدر الواجب إخراجه منها ربع العشر بإجماع المسلمين، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "وفي الرقة ربع العشر" والرقة: الفضة.
стр. 1055
قال البخاري في صحيحه في باب "زكاة الغنم": حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله ابن أنس أن أنسًا حدثه أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله" الحديث. وفيه: وفي الرقة: ربع العشر. وهو نص صريح صحيح أجمع عليه جميع المسلمين.
فتحصل أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب الزكاة في الفضة، ولا خلاف بينهم في أن نصابها مائتا درهم شرعي، ولا خلاف بينهم في أن اللازم فيها ربع العشر.
وجمهور العلماء: على أنها لا وقص فيها خلافًا لأبي حنيفة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، والشعبي، ومكحول، وعمرو بن دينار، والزهري، القائلين بأنه لا شيء في الزيادة على المائتين حتى تبلغ أربعين، ففيها درهم.
وأما الذهب فجماهير علماء المسلمين على أن نصابه عشرون دينارًا، والدينار: هو المثقال، فلا عبرة بقول من شذ وخالف جماهير علماء المسلمين، كما روي عن الحسن في أحد قوليه: إن نصاب الذهب أربعون دينارًا، وكقول طاوس: إن نصاب الذهب معتبر بالتقويم بالفضة، فما بلغ منه قيمة مائتي درهم وجبت فيه الزكاة، وجماهير علماء المسلمين أيضًا على أن الواجب فيه ربع العشر.
والدليل على ما ذكرنا عن جمهور علماء الأمة أن نصاب
следующие страницы →