Полный текст (5 235 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
منها: أنه لم ينقل أحد أن النَّبي - ﷺ - صالح أهلها زمن الفتح ولا جاءه أحد منهم، فصالحه عن البلد؛ وإنما جاءه أبو سفيان، فأعطاه الأمان لمن دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد، أو ألقى سلاحه، ولو كانت قد فتحت صلحاً لم يقل: "من دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد فهو آمن" فإن الصلح يقتضي الأمان العام.
ومنها: أن النَّبي - ﷺ - قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه أذن لي فيها ساعة من نهار".
وفي لفظ: إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار".
وفي لفظ: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ﷺ -، فقالوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" وهذا صريح في أنها فتحت عنوة.
ومنها: أنه ثبت في الصحيح أنه يوم فتح مكة جعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ثم قال: يا أبا هريرة اهتف لي بالأنصار، فجاءوا يهرولون، فقال: يا معشر الأنصار هل ترون إلى أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتوهم غداً أن تحصدوهم حصداً، وأحفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: موعدكم الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، وصعد رسول الله - ﷺ -
стр. 982
الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن".
وذكر أهل المغازي تفصيل ما أجمل في حديث مسلم هذا، فبينوا أنه قتل من الكفار اثنا عشر، وقيل: قتل من قريش أربعة وعشرون، ومن هذيل أربعة، وقتل يومئذ من المسلمين ثلاثة، وهم سلمة بن الميلاء الجهني، وكرز بن جابن المحاربي -نسبة إلى محارب بن فهر- وخنيس بن خالد الخزاعي أخو أم معبد، وقال كرز قبل أن يقتل في دفاعه عن خنيس:
قد علمت بيضاء من بني فهر ... نقية اللون نقية الصدر
• لأضربن اليوم عن أبي صخر *
وفيه نقل الحركة في الوقف، ورجز حماس بن قيس المشهور يدل على القتال يوم الفتح، وذكره الشنقيطي في مغازيه بقوله:
وزعم ابن قيس أن سيحفدا ... نساءهم خلته وأنشدا
إن يقبلوا اليوم فمالي علة ... هذا سلاح كامل وألة
• وذو عرارين سريع السلة *
وشهد المأزق فيه حطما ... رمزيب من قومه فانهزما
وجاء فاستغلق بابها البتول ... فاستفهمته أينما كنت تقول
فقال والفزع زعفر دمه ... إنك لو شهدت يوم الخندمة
стр. 983
إذ فر صفوان وفر عكرمة ... وبو يزيد قائم كالمؤتمة
واستقبلتنا بالسيوف المسلمة ... لهم نهيت خلفنا وهمهمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمة
• لم تنطقي باللوم أدنى كلمه *
وهذا الرجز صريح في وقوع القتال والقتل يوم فتح مكة.
ومصداقه في الصحيح كما تقدم.
ومنها أيضاً: أن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ أجارت رجلاً، فأراد علي بن أبي طالب ﵁ قتله، فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" وفي لفظ عنها: لما كان يوم فتح مكة أجرت رجلين من أحمائي، فأدخلتهما بيتاً؛ وأغلقت عليهما باباً، فجاء ابن أمي عليَّ، فتفلت عليهما بالسيف" فذكرت حديث الأمان وقول النَّبي ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" وذلك ضحى ببطن مكة بعد الفتح، وقصتها ثانية في الصحيح.
فإجارتها له، وإرادة علي ﵁ قتله، وإمضاء النَّبي ﷺ إجارتها: صريح في أنها فتحت عنوة.
ومنها: أنه ﷺ ، أمر بقتل مقيس بن صبابة، وابن خطل، وجاريتين.
ولو كانت فتحت صلحاً، لم يأمر بقتل أحد من أهلها، ولكان ذكر هؤلاء مستثنى من عقد الصلح.
стр. 984
وأمره - ﷺ - بقتل من ذكر: ثابت عنه - ﷺ -.
وفي السنن بإسناد صحيح: "أن النبي - ﷺ -، لما كان يوم فتح مكة، قال: "أمنوا الناس إلا امرأتين وأربعة نفر: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" إلى غير ذلك من الأدلة.
فهذه أدلة واضحة على أن مكة - حرسها الله - فتحت عنوة.
وكونها فتحت عنوة: يقدح فيما ذهب إليه الشافعي من وجوب قسم الأرض المغنومة عنوة.
فالذي يتفق عليه جميع الأدلة، ولا يكون بينها أي تعارض: هو ما قدمنا من القول بالتخيير بين قسم الأرض، وإبقائها للمسلمين، مع ما قدمنا من الحجج، والعلم عند الله تعالى.
وإذا عرفت أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة، فاعلم أن العلماء اختلفوا في رباع مكة: -هل يجوز تملكها، وبيعها، وإيجارها؟ - على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز شيء من ذلك، وبه قال أبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، ومجاهد، وعطاء، وطاووس، وإبراهيم، والحسن، وإسحاق، وغيرهم. وكرهه مالك ﵀.
وأجاز جميع ذلك الشافعي، وأبو يوسف وبه قال عمر بن الخطاب ﵁، وجماعة من الصحابة ومن بعدهم.
وتوسط الإمام أحمد، فقال: تملك وتورث، ولا تؤجر، ولا تباع، على إحدى الروايتين، جمعاً بين الأدلة، والرواية الثانية
стр. 985
كمذهب الشافعي.
وهذه المسألة: تناظر فيها الإمام الشافعي، وإسحاق بن راهويه في مسجد الخيف -والإمام أحمد بن حنبل حاضر- فأسكت الشافعي إسحاق بالأدلة، بعد أن قال له: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بفرك أذنيه، أنا أقول لك: قال رسول الله - ﷺ -، وأنت تقول: قال طاوس، والحسن، وإبراهيم، وهل لأحد مع النبي - ﷺ - حجة؟ -في كلام طويل-.
ونحن نذكر إن شاء الله أدلة الجميع، وما يقتضي الدليل رجحانه منها، فحجة الشافعي ﵀ ومن وافقه بأمور.
الأول: حديث أسامة، عن النَّبي - ﷺ - لما سأله: أين تنزل غداً؟ فقال النَّبي - ﷺ -: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ " وفي بعض الروايات "من منزول" وفي بعضها "منزلاً" أخرج هذا الحديث البخاري في كتاب "الحج" في باب "توريث دور مكة، وشرائها" الخ، وفي كتاب "المغازي" في غزوة الفتح في رمضان في: باب أين ركز النَّبي - ﷺ - الراية يوم الفتح، وفي كتاب الجهاد في باب "إذا أسلم قوم في دار الحرب، ولهم مال وأرضون فهي لهم" وأخرجه مسلم في كتاب "الحج" في باب: النزول بمكة للحاج وتوريث دورها، بثلاث روايات هي مثل روايات البخاري.
فقوله - ﷺ - في هذا الحديث المتفق عليه: "وهل ترك لنا عقيل من رباع" صريح في إمضائه - ﷺ - بيع عقيل بن أبي طالب ﵁ تلك الرباع.
стр. 986
ولو كان بيعها، وتملكها لا يصح لما أقره النَّبي - ﷺ -؛ لأنه لا يقر على باطل بإجماع المسلمين.
الثاني: أن الله ﵎ أضاف للمهاجرين من مكة ديارهم، وذلك يدل على أنها ملكهم في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾.
قال النووي في [شرح المهذب]: فإن قيل: قد تكون الإضافة لليد والسكنى، لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾.
فالجواب: أن حقيقة الإضافة تقتضي ذلك، ولذلك لو قال: هذه الدار لزيد حكم بملكها لزيد، ولو قال: أردت به السكنى واليد، لم يقبل.
ونظير الآية الكريمة: ما احتج به أيضاً؛ من الإضافة في قوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" الحديث. وقد قدمنا أنه في [صحيح مسلم].
الثالث: الأثر المشهور في سنن البيهقي وغيره: "أن نافع بن الحارث، اشترى من صفوان بن أمية، دار السجن لعمر بن الخطاب ﵁، بأربعمائة". وفي رواية "بأربعة آلاف" ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة.
وروى الزبير بن بكار والبيهقي: أن حكيم بن حزام ﵁، باع دار الندوة بمكة من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف، فقال له عبد الله بن الزبير: يا أبا خالد بعت مأثرة قريش وكريمتها، فقال: هيهات ذهبت المكارم فلا مكرمة اليوم إلا الإسلام، فقال:
стр. 987
اشهدوا أنها في سبيل الله تعالى، يعني الدراهم التي باعها بها. وعقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه عمود النسب بقوله يعني قصياً:
واتخذ الندوة لا يخترع ... في غيرها أمر ولا تدع
جارية أو يعذر الغلام ... إلا بأمره بها يرام
وباعها بعد حكيم بن حزام ... وأنبوه وتصدق الهمام
سيد ناديه بكل الثمن ... إذ العلى بالدين لا بالدمن
الرابع: أنها فتحت صلحاً، فبقيت على ملك أهلها، وقد قدمنا ضعف هذا الوجه.
الخامس: القياس؛ لأن أرض مكة أرض حية، ليست موقوفة، فيجوز بيعها قياساً على غيرها من الأرض.
واحتج من قال: بأن رباع مكة لا تملك ولا تباع، بأدلة:
منها قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قالوا: والمراد بالمسجد: جميع الحرم كله لكثرة إطلاقه عليه في النصوص، كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية؛ وقوله: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ مع أن المنحر الأكبر من الحرم "منى".
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ قالوا: والمحرم لا يجوز بيعه.
стр. 988
ومنها: ما أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مكة مناخ لا تباع رباعها، ولا تؤجر بيوتها".
ومنها: ما رواه أبو حنيفة، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال النَّبي - ﷺ -: "مكة حرام، وحرام بيع رباعها، وحرام أجر بيوتها".
ومنها ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قلت: يا رسول الله: ألا نبني لك بيتاً، أو بناء يظلك من الشمس؟ قال: لا. إنما هو مناخ من سبق إليه" أخرجه أبو داود.
ومنها: ما رواه البيهقي، وابن ماجه، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة الكناني، قال: كانت بيوت مكة تدعى السوائب، لم تبع رباعها في زمان رسول الله - ﷺ -، ولا أبي بكر ولا عمر، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن.
ومنها: ما روي عن عائشة ﵂ أن النَّبي - ﷺ - قال: "منى مناخ لمن سبق".
قال النووي في [شرح المهذب] في الجنائز، في "باب الدفن" في هذا الحديث: رواه أبو محمد الدارمي، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم، بأسانيد جيدة من رواية عائشة ﵂. قال الترمذي: هو حديث حسن.
وذكر في البيوع، في الكلام على بيع دور مكة، وغيرها من أرض الحرم: أن هذا الحديث صحيح.
стр. 989
ومنها: ما رواه عبد الرزاق عن ابن مجاهد، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو أنه قال: لا يحلّ بيع دور مكة ولا كِرَاؤها.
وقال أيضًا عن ابن جريج، قال: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهي عن تبويب دور مكة؛ لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره: سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجراً، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، فقال: ذلك لك إذن.
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد: إن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبواباً؛ لينزل البادي حيث يشاء. اهـ. قاله ابن كثير: إلى غير ذلك من الأدلة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: أقوى الأقوال دليلاً فيما يظهر قول الشافعي ومن وافقه، لحديث أسامة بن زيد المتفق عليه كما قدمنا، وللأدلة التي قدمنا غيره، ولأن جميع أهل مكة بقيت لهم ديارهم بعد الفتح يفعلون بها ما شاءوا من بيع، وإجارة، وغير ذلك.
وأجاب أهل هذا القول الصحيح عن أدلة المخالفين؛ فأجابوا عن قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ بأن المراد خصوص المسجد دون غيره من أرض الحرم، بدليل التصريح بنفس المسجد في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾ الآية، وعن قوله تعالى: ﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ بأن المراد: حرم صيدها، وشجرها، وخلاها، والقتال فيها، كما بينه - ﷺ - في الأحاديث الصحيحة، ولم يذكر في شيء منها مع كثرتها النهي عن بيع دورها. وعن حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه، بأنه
стр. 990
ضعيف، قال النووي في [شرح المهذب]: هو ضعيف باتفاق المحدثين، واتفقوا على تضعيف إسماعيل، وأبيه إبراهيم. اهـ.
وقال البيهقي في [السنن الكبرى]: إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ضعيف، وأبوه غير قوي، واختلف عليه فروي عنه هكذا، وروي عنه، عن أبيه، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً ببعض معناه، وعن حديث عائشة ﵂. بأنه محمول على الموات من الحرم، قال النووي: وهو ظاهر الحديث.
وعن حديث أبي حنيفة، بأنه ضعيف من وجهين:
أحدهما: تضعيف إسناده بابن أبي زياد المذكور فيه.
والثاني: أن الصواب فيه عند الحفاظ أنه موقوف على عبد الله بن عمر وقالوا: رفعه وهم. قاله الدارقطني، وأبو عبد الرحمن السلمي، والبيهقي.
وعن حديث عثمان بن أبي سليمان بجوابين.
أحدهما: أنه منقطع، كما قاله البيهقي.
الثاني: ما قاله البيهقي أيضاً، وجماعة من الشافعية، وغيرهم، أن المراد في الحديث الإخبار عن عادتهم الكريمة في إسكانهم ما استغنوا عنه من بيوتهم بالإعارة تبرعاً، وجوداً.
وقد أخبر من كان أعلم بشأن مكة منه عن جريان الإرث، والبيع فيها.
وعن حديث "منى مناخ من سبق" بأنه محمول على مواتها،
стр. 991
ومواضع نزول الحجيج منها. قاله النووي اهـ.
واعلم أن تضعيف البيهقي لحديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وحديث عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة تعقبه عليه محشيه صاحب [الجوهر النقي]، بما نصه: "ذكر فيه حديثاً في سنده إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، فضعف إسماعيل، وقال عن أبيه: غير قوي، ثم أسنده من وجه آخر، ثم قال: رفعه وهم، والصحيح موقوف. قلت: أخرج الحاكم في [المستدرك] هذا الحديث من الوجهين اللذين ذكرهما البيهقي، ثم صحح الأول، وجعل الثاني شاهداً عليه، ثم ذكر البيهقي في آخره حديثاً عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة؛ ثم قال: هذا منقطع.
قلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه بسند على شرط مسلم، وأخرجه الدارقطني وغيره، وعلقمة هذا صحابي. كذا ذكره علماء هذا الشأن، وإذا قال الصحابي مثل هذا الكلام كان مرفوعاً على ما عرف به، وفيه تصريح عثمان بالسماع عن علقمة، فمن أين الانقطاع؟ " اهـ كلام صاحب [الجوهر النقي].
قال مقيده -عفا الله عنه-: لا يخفى سقوط اعتراض ابن التركماني هذا على الحافظ البيهقي؛ في تضعيفه الحديثين المذكورين.
أما في الأول؛ فلأن تصحيح الحاكم ﵀ لحديث ضعيف لا يصيره صحيحاً. وكم من حديث ضعيف صححه الحاكم ﵀ وتساهله ﵀ في التصحيح معروف عند علماء الحديث، وإبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي قد يكون للمناقشة في تضعيف الحديث به وجه؛ لأن بعض العلماء بالرجال
стр. 992
وثقه، وهو من رجال مسلم.
وقال فيه ابن حجر، في [التقريب]: "صدوق لين الحفظ" أما ابنه إسماعيل فلم يختلف في أنه ضعيف، وتضعيف الحديث به ظاهر لا مطعن فيه.
وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: ضعيف، فتصحيح هذا الحديث لا وجه له.
وأما قوله في اعتراضه تضعيف البيهقي الحديث الثاني: فمن أين الانقطاع. فجوابه: أن الانقطاع من حيث إن علقمة بن نضلة تابعي صغير، وزعم الشيخ ابن التركماني: أنه صحابي غير صحيح، وقد قال فيه ابن حجر في [التقريب]: علقمة بن نضلة -بفتح النون وسكون المعجمة- المكي، كناني.
وقيل: كندي، تابعي صغير، مقبول، أخطأ من عده في الصحابة، وإذن فوجه انقطاعه ظاهر، فظهر أن الصواب مع الحافظ البيهقي، والنووي وغيرهما في تضعيف الحديثين المذكورين.
ولا شك أن من تورع عن بيع رباع مكة، وإيجارها خروجاً من الخلاف أن ذلك خير له؛ لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
تنبيه
أجمع جميع المسلمين على أن مواضع النسك من الحرم كموضع السعي، وموضع رمي الجمار حكمها حكم المساجد، والمسلمون كلهم سواء فيها.
стр. 993
والظاهر أن ما يحتاج إليه الحجيج من منى، ومزدلفة كذلك، فلا يجوز لأحد أن يضيقهما بالبناء المملوك حتى تضيقا بالحجيج، ويبقى بعضهم لم يجد منزلاً؛ لأن المبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي أيام التشريق، من مناسك الحج؛ فلا يجوز لأحد أن يضيق محل المناسك على المسلمين، حتى لا يبقى ما يسع الحجيج كله، ويدل له حديث: "منى مناخ لمن سبق" كما تقدم.
المسألة الخامسة: في تحقيق المقام فيما للإمام أن ينفله من الغنيمة، وسنذكر أقوال العلماء في ذلك، وأدلتهم، وما يقتضي الدليل رجحانه.
اعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة، كما أشرنا له في أول هذه السورة الكريمة، ووعدنا بإيضاحه هنا، فذهب الإمام مالك ﵀ إلى أن الإمام لا يجوز له أن ينفل أحداً شيئاً إلا من الخمس، وهو قول سعيد بن المسيب؛ لأن الأخماس الأربعة ملك للغانمين الموجفين عليها بالخيل، والركاب. هذا مشهور مذهبه، وعنه قول آخر: أنها من خمس الخمس.
ووجه هذا القول: أن أخماس الخمس الأربعة غير خمس الرسول ﷺ لمصارف معينة في قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وأربعة الأخماس الباقية ملك للغانمين.
وأصح الأقوال عن الشافعي: أن الإمام لا ينفل إلا من خمس الخمس، ودليله: ما ذكرنا آنفاً.
وعن عمرو بن شعيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله ﷺ .
стр. 994
قال ابن قدامة في [المغني]: ولعله يحتج بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
وذهب الإمام أحمد في طائفة من أهل العلم: إلى أن للإمام أن ينفل الربع يبدأ في بدأته، الخمس والثلث بعد الخمس في رجعته.
ومذهب أبي حنيفة: أن للإمام قبل إحراز الغنيمة أن ينفل الربع، أو الثلث، أو أكثر، أو أقل بعد الخمس، وبعد إحراز الغنيمة لا يجوز له التنفيل إلا من الخمس.
وقد قدمنا جملة الخلاف في هذه المسألة في أول هذه السورة الكريمة، ونحن الآن نذكر إن شاء الله ما يقتضي الدليل رجحانه:
اعلم أولاً، أن التنفيل الذي اقتضى الدليل جوازه أقسام:
الأول: أن يقول الإمام لطائفة من الجيش: إن غنمتم من الكفار شيئاً، فلكم منه كذا بعد إخراج خمسه، فهذا جائز، وله أن ينفلهم في حالة إقبال جيش المسلمين إلى الكفار الربع، وفي حالة رجوع جيش المسلمين إلى أوطانهم الثلث بعد إخراج الخمس.
ومالك وأصحابه يقولون: إن هذا لا يجوز؛ لأنه تسبب في إفساد نيات المجاهدين؛ لأنهم يصيرون مقاتلين من أجل المال الذي وعدهم الإمام تنفيله.
والدليل على جواز ذلك: "ما رواه حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري "أن النَّبي ﷺ نفل الربع بعد الخمس في بدأته،
стр. 995
ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته" أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن الجارود.
واعلم أن التحقيق في حبيب المذكور: أنه صحابي، وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: مختلف في صحبته، والراجح ثبوتها، لكنه كان صغيراً، وله ذكر في [الصحيح] في حديث ابن عمر مع معاوية. اهـ.
وقد روى عنه أبو داود هذا الحديث من ثلاثة أوجه.
منها: عن مكحول بن عبد الله الشامي، قال: كنت عبداً بمصر لامرأة من بني هذيل، فأعتقتني، فما خرجت من مصر وبها علم إلا حويت عليه، فيما أرى، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق، فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها، كل ذلك: أسأل عن النفل فلم أجد أحداً يخبرني فيه بشيء، حتى لقيت شيخاً يقال له: زياد بن جارية التميمي؛ فقلت له: هل سمعت في النفل شيئاً؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول: شهدت النَّبي ﷺ نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة- اهـ.
وقد علمت أن الصحيح أنه صحابي، وقد صرح في هذه الرواية بأنه شهد النَّبي ﷺ نفل الربع إلى آخر الحديث.
ومما يدل على ذلك أيضاً: ما رواه عبادة بن الصامت ﵁ "أن النَّبي ﷺ كان ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة
стр. 996
الثلث" أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان.
وفي رواية عند الإمام أحمد: كان إذا غاب في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعاً -وكل الناس- نفل الثلث، وكان يكره الأنفال، ويقول: ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم.
وهذه النصوص تدل على ثبوت التنفيل من غير الخمس.
ويدل لذلك أيضاً: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نفل إلا بعد الخمس. قال الشوكاني: في [نيل الأوطار]: هذا الحديث صححه الطحاوي اهـ.
والفرق بين البدأة والرجعة: أن المسلمين في البدأة: متوجهون إلى بلاد العدو، والعدو في غفلة. وأما في الرجعة: فالمسلمون راجعون إلى أوطانهم من أرض العدو، والعدو في حذر ويقظة، وبين الأمرين فرق ظاهر.
والأحاديث المذكورة تدل على أن السرية من العسكر إذا خرجت، فغنمت أن سائر الجيش شركاؤهم، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، كما قاله القرطبي.
الثاني: من الأقسام التي اقتضى الدليل جوازها: تنفيل بعض الجيش، لشدة بأسه، وغنائه، وتحمله ما لم يتحمله غيره، والدليل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود عن سلمة بن الأكوع ﵁، في قصة إغارة عبد الرحمن
стр. 997
الفزاري، على سرح رسول الله ﷺ ، واستنقاذه منه. قال سلمة: فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : "خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة، قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعاً". الحديث، هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث طويل.
وقد قدمنا أن هذه غزوة "ذي قرد" في سورة "النساء".
ويدل لهذا أيضاً: حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم في أول السورة، فإن فيه: أن سعداً ﵁ قال: لعله يعطى هذا السيف لرجل لم يبل بلائي، ثم أعطاه النبي ﷺ لسعد ﵁ لحسن بلائه، وقتله صاحب السيف كما تقدم.
الثالث: من أقسام التنفيل التي اقتضى الدليل جوازها: أن يقول الإمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه".
ومن الأدلة على ذلك: ما رواه الشيخان في صحيحيهما، عن أبي قتادة ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه؛ وأقبل عليّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: "من قتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سلبه" قال: فقمت، ثم قلت: من يشهد لي؟ ، ثم جلست، ثم قال مثل ذلك، قال فقمت، فقلت: من يشهد لي؟ ، ثم جلست، ثم قال
стр. 998
ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله ﷺ ما لك يا أبا قتادة؟ فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي؛ فأرضه من حقه، فقال أبو بكر الصديق ﵁: لاها الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ : صدق فأعطه إياه فأعطاني، قال: فبعت الدرع فابتعت بها مخرفاً في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. والأحاديث بذلك كثيرة.
وروى أبو داود، وأحمد، عن أنس: أن أبا طلحة يوم حنين قتل عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم، وفي رواية عنه عند أحمد، أحدًا وعشرين، وذكر أصحاب المغازي: أن أبا طلحة قال في قتله من ذكر:
أنا أبو طلحة واسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد
والحق أنه لا يشترط في ذلك أن يكون في مبارزة، ولا أن يكون الكافر المقتول مقبلاً.
أما الدليل على عدم اشتراط المبارزة فحديث أبي قتادة هذا المتفق عليه.
وأما الدليل على عدم اشتراط كونه قتله مقبلاً إليه فحديث سلمة بن الأكوع، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحَّى مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقاً من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مُشاة إذ خرج
стр. 999
يشتد فأتى جمله، فأطلق قيده ثم أناخه، وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء؛ قال سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي، فضربت به رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده وعليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﷺ ، والناس معه؛ فقال: "من قتل الرجل؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: له سلبه أجمع" متفق عليه، واللفظ المذكور لمسلم في "كتاب الجهاد والسير" في باب "استحقاق القاتل سلب القتيل" وأخرجه البخاري بمعناه "في كتاب الجهاد" في باب "الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان" وهو صريح في عدم اشتراط المبارزة، وعدم اشتراط قتله مقبلاً، لا مدبراً كما ترى.
ولا يستحق القاتل سلب المقتول، إلا أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتالهم. فأما إن قتل امرأة، أو صبياً، أو شيخاً فانياً، أو ضعيفاً مهيناً، أو مثخناً بالجراح لم تبق فيه منفعة فليس له سلبه.
ولا خلاف بين العلماء في أن من قتل صبياً، أو امرأة، أو شيخاً فانياً، لا يستحق سلبهم، إلا قولاً ضعيفاً جداً يروى عن أبي ثور، وابن المنذر، في استحقاق سلب المرأة.
والدليل على أن من قتل مثخناً بالجراح لا يستحق سلبه أن عبد الله بن مسعود، هو الذي ذفف على أبي جهل يوم بدر، وحز رأسه؛ وقد قضى النَّبي ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح الذي
стр. 1000
أثبته، ولم يعط ابن مسعود شيئاً. وهذا هو الحق الذي جاء به الحديث المتفق عليه، فلا يعارض بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن مسعود "أن رسول الله ﷺ نفله سيف أبي جهل يوم بدر" لأنه من رواية ابنه أبي عبيدة، ولم يسمع منه، وكذلك المقدم للقتل صبراً لا يستحق قاتله سلبه؛ لأن النَّبي لي أمر بقتل النضر بن الحارث العبدري، وعقبة بن أبي معيط الأموي صبراً يوم بدر، ولم يعط من قتلهما شيئاً من سلبهما.
واختلفوا فيمن أسر أسيراً: هل يستحق سلبه إلحاقاً للأسر بالقتل أو لا؟ والظاهر أنه لا يستحقه، لعدم الدليل؛ فيجب استصحاب عموم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية، حتى يرد مخصص من كتاب أو سنة صحيحة، وقد أسر النَّبي ﷺ والمسلمون أسارى بدر، وقتل بعضهم صبراً كما ذكرنا، ولم يعط أحداً من الذين أسروهم شيئاً من أسلابهم، ولا من فدائهم، بل جعل فداءهم غنيمة.
أما إذا قاتلت المرأة، أو الصبي المسلمين: فالظاهر أن لمن قتل أحدهما سلبه؛ لأنه حينئذ ممن يجوز قتله، فيدخل في عموم "من قتل قتيلاً" الحديث، وبهذا جزم غير واحد؛ والعلم عند الله تعالى.
واعلم أن العلماء اختلفوا في استحقاق القاتل السلب، هل يشترط فيه قول الإمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه"؟ ! أو يستحقه مطلقاً قال الإمام ذلك أو لم يقله. وممن قال بهذا الأخير: الإمام أحمد، والشافعي، والأوزاعي، والليث وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، والطبري، وابن المنذر.
стр. 1001
وممن قال بالأول: الذي هو أنه لا يستحقه إلا بقول الإمام: "من قتل قتيلاً" الخ الإمام أبو حنيفة، ومالك، والثوري.
وقد قدمنا عن مالك وأصحابه: أن قول الإمام ذلك لا يجوز قبل القتال، لئلا يؤدي إلى فساد النية، ولكن بعد وقوع الواقع، يقول الإمام: من قتل قتيلاً ... الخ.
واحتج من قال باستحقاق القاتل سلب المقتول مطلقاً بعموم الأدلة لأن النَّبي ﷺ صرح بأن من قتل قتيلاً فله سلبه، ولم يخصص بشيء. والعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، كما علم في الأصول.
واحتج مالك، وأبو حنيفة، ومن وافقهما بأدلة:
منها: قوله ﷺ في حديث سلمة بن الأكوع المتفق عليه السابق ذكره: له سلبه أجمع، قالوا: فلو كان السلب مستحقاً له بمجرد قتله لما احتاج إلى تكرير هذا القول.
ومنها: حديث عبد الرحمن بن عوف المتفق عليه في قصة قتل معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء الأنصاريين لأبي جهل يوم بدر، فإن فيه "ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال هل مسحتماً سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. اهـ.
قالوا: فتصريحه ﷺ في هذا الحديث المتفق عليه بأن كليهما قتله، ثم تخصيص أحدهما بسلبه، دون الآخر صريح في أن القاتل
стр. 1002
لا يستحق السلب إلا بقول الإمام: إنه له، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل لما كان لمنع معاذ بن عفراء وجه، مع أن النَّبي صرح بأنه قتله مع معاذ بن عمرو، ولجعله بينهما.
ومنها: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، عن عوف بن مالك قال: قتل رجل من حمير رجلاً من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد، وكان والياً عليهم، فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك فأخبره؛ فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله. قال: ادفعه إليه، فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ ؟ فاستغضب فقال: لا تعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي، إنما مثلكم ومثلهم، كمثل رجل استرعى إبلًا، أو غنمًا فرعاها، ثم تحين سقيها فأودرها حوضًا فشرعت فيه، فشربت صفوه، وتركت كدره، فصفوه لكم، وكدره عليهم.
وفي رواية عند مسلم أيضًا: عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن، وساق الحديث عن النبي ﷺ بنحوه، غير أنه قال في الحديث: قال عوف بن مالك: فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول اللَّه ﷺ قضى بالسلب للقاتل، قال: بلى، ولكني استكثرته، هذا لفظ مسلم في صحيحه.
وفي رواية عن عوف أيضًا، عند الإمام أحمد وأبي داود قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له،
стр. 1003
أشقر، عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل الرومي يفري في المسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر وعلاه فقتله، وحاز فرسه، وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ السلب، قال عوف: فأتيته، فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ ، قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكن استكثرته. قلت: لتردنه إليه، أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ ، فأبى أن يرد عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ ، فقصصت عليه قصة المددي، وما فعل خالد، وذكر بقية الحديث بمعنى ما تقدم. اهـ.
فقول النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح: "لا تعطه يا خالد" دليل على أنه لم يستحق السلب بمجرد القتل، إذ لو استحقه به، لما منعه منه النبي ﷺ .
ومنها: ما ذكره ابن أبي شيبة، قال حدثنا أبو الأحوص، عن الأسود بن قيس، عن بشر بن علقمة قال: بارزت رجلًا يوم القادسية، فقتلته، وأخذت سلبه، فأتيت سعدًا، فخطب سعد أصحابه، ثم قال: هذا سلب بشر بن علقمة فهو خير من اثني عشر ألف درهم، وإنا قد نفلناه إياه.
فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي ﷺ لما أضاف الأمراء ذلك التنفيل إلى أنفسهم باجتهادهم، ولأخذه القاتل دون أمرهم. قاله القرطبي.
قال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر القولين عندي دليلًا أن القاتل لا يستحق السلب إلا بإعطاء الإمام؛ لهذه الأدلة الصحيحة،
стр. 1004
التي ذكرنا.
فإن قيل: هي شاهدة لقول إسحاق: إن كان السلب يسيرًا فهو للقاتل، وإن كان كثيرًا خمس.
فالجواب: أن ظاهرها العموم مع أن سلب أبي جهل لم يكن فيه كثرة زائدة، وقد منع النبي ﷺ معاذ بن عفراء.
تنبيه
جعل بعض العلماء منشأ الخلاف في سلب القاتل، هل يحتاج إلى تنفيل الإمام، أو لا؟ هو الاختلاف في قول النبي ﷺ : "من قتل قتيلًا" الحديث، هل هو حكم؟ وعليه فلا يعم بل يحتاج دائمًا إلى تنفيل الإمام، أو هو فتوى؟ فيكون حكمًا عامًّا غير محتاج إلى تنفيذ الإمام.
قال صاحب [نشر البنود] شرح [مراقي السعود] في شرح قوله:
وسائر حكاية الفعل بما ... منه العموم ظاهرًا قد علما
ما نصه: تنبيه: حكى ابن رشد خلافًا بين العلماء، في قوله - ﷺ -: "من قتل قتيلًا له عليه بينة، فله سلبه"، هل يحتاج سلب القتيل إلى تنفيذ الإمام، بناء على أن الحديث حكم فلا يعم، أو لا يحتاج إليه بناء على أنه فتوى، وكذا قوله لهند: "خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف" فيه خلاف، هل هو حكم فلا يعم، أو فتوى فيعم؟
стр. 1005
قال ميارة في التكميل:
وفي حديث هند خلاف هل ... حكم يخصها، أو إفتاء شمل
واعلم أن العلماء اختلفوا في السلب، هل يخمس أو لا؟ على ثلاثة أقوال:
الأول: لا يخمس.
الثاني: يخمس.
الثالث: إن كان كثيرًا خمس، وإلا فلا.
وممن قال: إنه لا يخمس: الشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وابن جرير، ويروى عن سعد بن أبي وقاص.
وممن روى عنه أنه يخمس ابن عباس، والأوزاعي، ومكحول.
وممن فرق بين القليل والكثير: إسحاق.
واحتج من قال: لا يخمس بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والطبراني، عن عوف بن مالك، وخالد بن الوليد ﵄: أن النبي ﷺ لم يخمس السلب.
وقال القرطبي في تفسيره بعد أن ساق حديث عوف بن مالك الذي قدمنا عند مسلم ما نصه: "وأخرجه أبو بكر البرقاني بإسناده، الذي أخرجه به مسلم، وزاد بيانًا أن عوف بن مالك، قال: إن رسول الله ﷺ لم يكن يخمس السلب" اهـ.
وقال ابن حجر في [التلخيص] في حديث خالد وعوف
стр. 1006
المتقدم ما لفظه: "وهو ثابت في [صحيح مسلم] في حديث طويل فيه قصة لعوف مع خالد بن الوليد، وتعقبه الشوكاني في [نيل الأوطار] بما نصه: وفيه نظر، فإن هذا اللفظ الذي هو محل الحجة لم يكن في صحيح مسلم، بل الذي فيه هو ما سيأتي قريبًا، وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن عياش، وفيه كلام معروف قد تقدم ذكره مرارًا". اهـ.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وقد قدمنا حديث عوف المذكور بلفظ مسلم في صحيحه، وليس فيه ما ذكره الحافظ ابن حجر، فهو وهم منه، كما نبه عليه الشوكاني رحمهما الله تعالى.
والتحقيق في إسماعيل بن عياش أن روايته عن غير الشاميين ضعيفة، وهو قوي في الشاميين، دون غيرهم.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا الحديث من رواية إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، وإسماعيل، وشيخه في هذا الحديث، الذي هو صفوان بن عمرو، كلاهما حمصي، فهو بلدي له. وبه تعلم صحة الاحتجاج بالحديث المذكور، مع قوة شاهده، الذي قدمنا عن أبي بكر البرقاني، بسند على شرط مسلم.
واحتج من قال بأن السلب يخمس: بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية.
واحتج من قال: يخمس الكثير دون اليسير: بما رواه أنس، عن البراء بن مالك "أنه قتل من المشركين مائة رجل، إلا رجلًا
стр. 1007
مبارزة، وأنهم لما غزوا الزاره، خرج دهقان الزاره، فقال: رجل ورجل، فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما، ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده، ثم أخذ السيف فذبحه، وأخذ سلاحه ومنطقته، وأتى به عمر، فنفله السلاح، وقوم المنطقة بثلاثين ألفًا، فخمسها، وقال: إنها مال" اهـ. بنقل القرطبي.
وقال قبل هذا: وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك، حين بارز "المرزبان" فقتله؛ فكانت قيمة منطقته، وسواريه ثلاثين ألفًا، فخمس ذلك. اهـ.
وقال ابن قدامة في [المغني]: وقال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب فذلك إليه، لما روى ابن سيرين أن البراء بن مالك بارز "مرزبان" الزاره بالبحرين فطعنه، فدق صلبه، وأخذ سواريه، وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى أبا طلحة في داره، فقال: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا، وأنا خامسه، فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء. رواه سعيد في السنن. وفيها أن سلب البراء بلغ ثلاثين ألفًا.
قال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا عندي أن السلب لا يخمس لحديث عوف وخالد المتقدم. ويجاب عن أخذ الخمس من سلب البراء بن مالك بأن الذي تدل عليه القصة أن السلب لا يخمس؛ لأن قول عمر: إنا كنا لا نخمس السلب، وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام: يدل على أن النبي ﷺ ؛ وأبا بكر، وعمر صدرًا من خلافته لم يخمسوا سلبًا، واتباع ذلك أولى.
стр. 1008
قال الجوزجاني: لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول ﷺ شيء إلا اتباعه، ولا حجة في قول أحد مع رسول الله ﷺ . قاله ابن قدامة في [المغني] والأدلة التي ذكرنا يخصص بها عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية.
واختلف العلماء فيما إذا ادعى أنه قتله، ولم يقم على ذلك بينة، فقال الأوزاعي: يعطاه بمجرد دعواه، وجمهور العلماء على أنه لا بد من بينة على أنه قتله.
قال مقيده -عفا الله عنه-: لا ينبغي أن يختلف في اشتراط البينة، لقوله في الحديث الصحيح: "من قتل قتيلًا له عليه بينة" الحديث، فهو يدل بإيضاح على أنه لا بد من البينة.
فإن قيل: فأين البينة التي أعطى بها النبي ﷺ أبا قتادة سلب قتيله السابق ذكره.
فالجواب من وجهين:
الأول: ما ذكره القرطبي في تفسيره: قال سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم يقول: إنما أعطاه النبي ﷺ بشهادة الأسود بن خزاعى؛ وعبد الله بن أنيس. وعلى هذا يندفع النزاع، ويزول الإشكال، ويطرد الحكم. اهـ.
الثاني: أنه أعطاه إياه بشهادة الرجل الذي قال لرسول الله ﷺ : "صدق، سلب ذلك القتيل عندي" الحديث، فإن قوله: "صدق" شهادة صريحة لأبي قتادة أنه هو الذي قتله، والاكتفاء بواحد في باب الخبر والأمور التي لم يقع فيها ترافع قال به كثير من
стр. 1009
العلماء، وعقده ابن عاصم المالكي في تحفته بقوله:
وواحد يجزىء في باب الخبر ... واثنان أولى عند كل ذي نظر
وقال القرطبي في تفسيره: إن أكثر العلماء على إجزاء شهادة واحد، وقيل: يثبت ذلك بشاهد ويمين. والله أعلم.
وأما على قول من قال: إن السلب موكول إلى نظر الإمام، فللإمام أن يعطيه إياه ولو لم تقم بينة، وإن اشترطها فذلك له. قاله القرطبي. والظاهر عندي أنه لا بد من بينة؛ لورود النص الصحيح بذلك.
واختلف العلماء في السلب ما هو؟
قال مقيده -عفا الله عنه-: لهذه المسألة طرفان، وواسطة.
طرف أجمع العلماء على أنه من السلب: وهو سلاحه، كسيفه، ودرعه، ونحو ذلك، وكذلك ثيابه.
وطرف أجمع العلماء على أنه ليس من السلب: وهو ما لو وجد في هميانه، أو منطقته دنانير، أو جواهر، أو نحو ذلك.
وواسطة اختلف العلماء فيها: منها فرسه الذي مات وهو يقاتل عليه، ففيه للعلماء قولان: وهما روايتان عن الإمام أحمد، أصحهما أنه منه، ومنها ما يتزين به للحرب، فقال الأوزاعي: ذلك كله من السلب، وقالت: فرقة ليس منه، وهذا مروي عن سحنون إلا المنطقة، فإنها عنده من السلب، وقال ابن حبيب في الواضحة: والسواران من السلب. والله أعلم.
стр. 1010
واعلم أن حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه، أن النبي ﷺ بعث سرية قبل نجد؛ وفيهم ابن عمر، وأن سهمانهم بلغت اثني عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا، دليل واضح على بطلان قول من قال: "لا تنفيل إلا من خمس الخمس"؛ لأن الحديث صريح في أنه نفلهم نصف السدس، ولا شك أن نصف السدس أكثر من خمس الخمس، فكيف يصح تنفيل الأكثر من الأقل، وهو واضح كما ترى، وأما غير ذلك من الأقوال فالحديث محتمل له، والذي يسبق إلى الذهن أن ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمر بلفظ "أن رسول الله ﷺ قد كان ينفل بعض يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش، والخمس في ذلك واجب كله اهـ. يدل على أن ذلك التنفيل من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو ما دل عليه حديث حبيب بن سلمة المتقدم، وهو الظاهر المتبادر خلافًا لما قاله ابن حجر في [الفتح] من أنه محتمل لكل الأقوال المذكورة. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: الحق الذي لا شك فيه أن الفارس يعطى من الغنيمة ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم لنفسه، وأن الراجل يعطى سهمًا واحدًا، والنصوص الصحيحة مصرحة بذلك، فمن ذلك حديث ابن عمر المتفق عليه، ولفظ البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ : جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا".
ولفظ مسلم: حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﷺ قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهمًا" اهـ.
стр. 1011
وأكثر الروايات بلفظ "والرجل" فرواية الشيخين صريحة فيما ذكرنا، وبذلك فسره راويه نافع، قال البخاري في صحيحه في غزوة خيبر؛ قال: فسره نافع، فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم اهـ. وذلك هو معناه الذي لا يحتمل غيره في رواية الصحيحين المذكورة.
ومنها ما رواه أبو داود، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ أسهم لرجل، ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه.
حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو معاوية، ثنا عبد الله بن يزيد، حدثني المسعودي، حدثني أبو عمرة، عن أبيه، قال: "أتينا رسول الله ﷺ أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل واحد منا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين. وممن قال بهذا الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي والثوري، والليث، وحسين بن ثابت، وأبي يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن جرير، وأبي ثور.
وخالف أبو حنيفة ﵀ الجمهور فقال: للفارس سهمان، وللراجل سهم، محتجًّا بما جاء في بعض الروايات "أنه ﷺ قسم يوم خيبر للفارس سهمين، وللراجل سهمًا" رواه أبو داود من حديث مجمع بن جارية الأنصاري ﵁، وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن، ويجاب عنه من وجهين:
الأول: أن المراد بسهمي الفارس خصوص السهمين الذين
стр. 1012
استحقهما بفرسه، كما يشعر به لفظ الفارس.
الثاني: أن النصوص المتقدمة أصح منه، وأولى بالتقديم، وقد قال أبو داود، حديث أبي معاوية أصح، والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال: ثلاثمائة فارس، وكانوا مائتي فارس. اهـ.
وقال النووي في [شرح مسلم]: لم يقل بقول أبي حنيفة هذا أحد إلا ما روى عن علي، وأبي موسى اهـ.
وإن كان عند بعض الغزاة خيل فلا يسهم إلا لفرس واحد، وهذا مذهب الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والحسن، ومحمد بن الحسن، وغيرهم. واحتجوا بأنه لا يمكنه أن يقاتل إلا على فرس واحد. وقال الأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو يوسف: يسهم لفرسين دون ما زاد عليهما، وهو مذهب الإمام أحمد، ويروى عن الحسن، ومكحول، ويحيى الأنصاري، وابن وهب، وغيره من المالكيين.
واحتج أهل هذا القول بما روي عن الأوزاعي: "أن رسول الله ﷺ كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس" وبما روي عن أزهر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يسهم للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبهما سهم، فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق الفرسين فهي جنائب. رواهما سعيد بن منصور. قاله ابن قدامة في [المغني].
стр. 1013
واحتجوا أيضًا بأنه محتاج إلى الفرس الثاني؛ لأن إدامة ركوب واحد تضعفه، وتمنع القتال عليه فيسهم للثاني؛ لأنه محتاج إليه كالأول، بخلاف الثالث فإنه مستغنى عنه، ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئًا روى عن سليمان بن موسى. قاله النووي في [شرح مسلم] وغيره.
واختلف العلماء في البراذين والهجن على أربعة أقوال:
الأول: أنها يسهم لها كسهم الخيل العراب، وممن قال به مالك، والشافعي، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، ونسبه الزرقاني في [شرح الموطأ] للجمهور واختاره الخلال، وقال: رواه ثلاثة متيقظون عن أحمد.
وحجة هذا القول ما ذكره مالك في موطئه، قال: لا أرى البراذين والهجن إلا من الخيل؛ لأن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾.
وقال : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل إن أجازها الوالي. وقد قال سعيد بن المسيب -وسئل عن البراذين-: هل فيهما من صدقة؟ قال: وهل في الخيل من صدقة؟ اهـ.
وحاصل هذا الاستدلال: أن اسم الخيل في الآيتين المذكورتين يشمل البراذين والهجن، فهما داخلان في عمومه؛ لأنهما ليسا من البغال ولا الحمير، بل من الخيل.
стр. 1014
القول الثاني: أنه يسهم للبرذون والهجن سهم واحد قدر نصف سهم الفرس.
واحتج أهل هذا القول بما رواه الشافعي في [الأم] وسعيد بن منصور من طريق علي بن الأقمر الوادعي، قال: أغارت الخيل فأدركت العرب، وتأخرت البراذين، فقام ابن المنذر الوادعي، فقال: لا أجعل ما أدرك كما لم يدرك، فبلغ ذلك عمر فقال: هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت أمضوها على ما قال، فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العرب، وذلك يقول شاعرهم:
ومنا الذي قد سن في الخيل سنة ... وكانت سواء قبل ذاك سهامها
وهذا منقطع كما ترى.
واحتجوا أيضًا مما رواه أبو داود في المراسيل، وسعيد بن منصور عن مكحول: "أن النبي ﷺ هجن الهجين يوم خيبر، وعرب العراب فجعل للعربي سهمين، وللهجين سهمًا" وهو منقطع أيضًا كما ترى، وبه أخذ الإمام أحمد في أشهر الروايات عنه.
واحتجوا أيضًا بأن أثر الخيل العراب في الحرب أفضل أثر البراذين، وذلك يقتضي تفضيلها في السهام.
القول الثالث: التفصيل بين ما يدرك من البراذين إدراك العراب، فيسهم له كسهامها، وبين ما لا يدرك إدراكها فلا يسهم له، وبه قال ابن أبي شيبة، وابن خيثمة، وأبو أيوب، والجوزجاني.
ووجهه أنها من الخيل، وقد عملت عملها فوجب جعلها منها.
стр. 1015
القول الرابع: لا يسهم لها مطلقًا، وهو قول مالك بن عبد الله الخثعمي، ووجهه أنها حيوان لا يعمل عمل الخيل فأشبه البغال.
قال ابن قدامة في [المغني]: ويحتمل أن تكون هذه الرواية فيما لا يقارب العتاق منها؛ لما روى الجوزجاني بإسناده عن أبي موسى، أنه كتب إلى عمر ابن الخطاب: إنا وجدنا بالعراق خيلًا عراضًا دكنًا، فما ترى يا أمير المؤمنين في سهمانها، فكتب إليه: تلك البراذين فما قارب العتاق منها فاجعل له سهمًا واحدًا، وألغ ما سوى ذلك. اهـ.
والبراذين جمع برذون، بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة، والمراد الجفاة الخلقة من الخيل، وأكثر ما تجلب من بلاد الروم، ولها جلد على السير في الشعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربية.
والهجين: هو ما أحد أبويه عربي، وقيل: هو الذي أبوه عربي. وأما الذي أمه عربية فيسمى المقرف، وعن أحمد: الهجين البرذون. ويحتمل أنه أراد في الحكم.
ومن إطلاق الإقراف على كون الأم عربية قول هند بنت النعمان بن بشير:
ما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تحللها بغل
فإن ولدت مهرًا كريمًا فبالحري ... وإن يك اقراف فما أنجب الفحل
وقول جرير:
стр. 1016
إذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب
واختلف العلماء فيمن غزا على بعير هل يسهم لبعيره؟ فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يسهم للابل.
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل. كذلك قال الحسن، ومكحول، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة.
قال ابن قدامة في [المغني]: وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم "بدر" سبعون بعيرًا، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل، هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل عنه أنه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل، وكذلك من بعد النبي ﷺ من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير، ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك، ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر، فلم يسهم له كالبغل والحمار، اهـ.
وقال الإمام أحمد: من غزا على بعير، وهو لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان. وظاهره أنه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس، وعن أحمد: أنه يسهم للبعير سهم، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره، وحكى نحو هذا عن الحسن. قاله ابن قدامة في [المغني].
واحتج أهل هذا القول بقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفتُمْ عَليهِ مِنْ خَيلٍ
стр. 1017
وَلَا رَكابٍ﴾ قالوا: فذكر الركاب -وهي الإبل- مع الخيل، وبأنه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس؛ لأن تجويز المسابقة بعوض إنما هو في ثلاثة أشياء، هي: النصل، والخف، والحافر دون غيرها؛ لأنها آلات الجهاد، فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها تحريضًا على رياضتها، وتعلم الإتقان فيها.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه لا يسهم للإبل؛ لما قدمنا آنفًا، وأما غير الخيل والإبل من البغال والحمير والفيلة ونحوها فلا يسهم لشيء منه وإن عظم غناؤها، وقامت مقام الخيل.
قال ابن قدامة: ولا خلاف في ذلك؛ لأنه ﷺ لم يقسم لشيء من ذلك؛ ولأنها مما لا يجوز المسابقة عليه بعوض، فلم يسهم لها كالبقر.
المسألة السابعة: اختلف العلماء في حرق رحال الغال من الغنيمة، والمراد بالغال من يكتم شيئًا من الغنيمة، فلا يطلع عليه الإمام، ولا يضعه مع الغنيمة.
قال بعض العلماء: يحرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال الحسن، وفقهاء الشام، منهم مكحول، والأوزاعي، والوليد بن هشام، ويزيد بن يزيد بن جابر، وأتي سعيد بن عبد الملك بغال فجمع ماله وأحرقه، وعمر بن عبد العزيز حاضر ذلك فلم يعبه.
وقال يزيد بن يزيد بن جابر: السنة في الذي يغل أن يحرق
стр. 1018
رحله. رواهما سعيد في سننه. قاله ابن قدامة في [المغني].
ومن حجج أهل هذا القول: ما رواه أبو داود في سننه، عن صالح بن محمد بن زائدة -قال أبو داود وصالح: هذا أبو واقد- قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم؛ فأتي برجل قد غل؛ فسأل سالمًا عنه فقال: سمعت أبي يحدث، عن عمر بن الخطاب؛ عن النبي ﷺ قال: إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه. قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا فسأل سالمًا عنه، فقال: بعه وتصدق بثمنه. اهـ. بلفظه من أبي داود.
وذكر ابن قدامة أنه رواه أيضًا الأثرم، وسعيد.
وقال أبو داود أيضًا: حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي، قال: أخبرنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد، قال: غزونا مع الوليد بن هشام، ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، فغل رجل متاعًا، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به، ولم يعطه سهمه.
قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين، رواه غير واحد أن الوليد بن هشام أحرق رحل زيادة بن سعد، وكان قد غل، وضربه.
حدثنا محمد بن عوف، قال: ثنا موسى بن أيوب، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا زهير بن محمد، عن عروة بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه.
قال أبو داود: وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد -ولم أسمعه
стр. 1019
منه- ومنعوه سهمه.
قال أبو داود: وحدثنا به الوليد بن عتبة، وعبد الوهاب بن نجدة، قالا: ثنا الوليد، عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب. قوله ولم يذكر عبد الوهاب بن نجدة الحوطي منع سهمه، اهـ من أبي داود بلفظه. وحديث صالح بن محمد الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضًا الترمذي، والحاكم، والبيهقي.
قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، الذي يقال له: أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث.
قال المنذري: وصالح بن محمد بن زائدة: تكلم فيه غير واحد من الأئمة؛ وقد قيل: إنه تفرد به، وقال البخاري: عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول، وهو باطل ليس بشيء، وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد، قال: وهذا حديث لم يتابع عليه، ولا أص لهذا الحديث عن رسول الله ﷺ .
والمحفوظ أن سالمًا أمر بذلك، وصحح أبو داود وقفه، فرواه موقوفًا من وجه آخر، وقال: هذا أصح كما قدمنا.
وحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي. وزهير بن محمد الذي ذكرنا في إسناده الظاهر أنه هو الخراساني. وقد قال فيه ابن حجر في [التقريب]: رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببهما، وقال البخاري
стр. 1020
عن أحمد: كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر، وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه. اهـ.
وقال البيهقي: ويقال: إنه غير الخراساني. وأنه مجهول. اهـ. وقد علمت فيما قدمنا عن أبي داود أنه رواه من وجه آخر موقوفًا على عمرو بن شعيب. وقال ابن حجر: إن وقفه هو الراجح.
وذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، إلى أنه لا يحرق رحله، واحتجوا بأنه يمّ لم يحرق رحل غال، وبما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالًا فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه، ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال: أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تجيء به؟ فاعتذر إليه، فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله عنك. هذا لفظ أبي داود. وهذا الحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري، وأخرجه الحاكم وصححه.
وقال البخاري: قد روي في غير حديث عن الغال، ولم يأمر بحرق متاعه. فقد علمت أن أدلة القائلين بعدم حرق رحل الغال أقوى، وهم أكثر العلماء.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة: هو ما اختاره ابن القيم، قال في [زاد المعاد] بعد أن ذكر الخلاف المذكور في المسألة: والصواب أن هذا من باب التعزير
следующие страницы →